المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
205

..........

____________

أقول: في كلامه (قده) مناقشتان:

الأولى لا شك ان الكافي و الفقيه أضبط إلا أن هذا إنما يوجب التقديم فيما إذا كانت هناك رواية واحدة مروية بزيادة و نقيصة أو نفي و إثبات، أو تبديل لفظ بلفظ فيرجح حينئذ ما أثبته الأولان لاضبطيتهما و كثرة اشتباه التهذيب كما نص عليه في الحدائق.

و أما إذا كان التهذيب ناقلا لكلتا الروايتين، فروى تارة ما أثبته الكافي أو الفقيه بعين ما أثبتاه و روى ثانيا بكيفية أخرى بطريق آخر هو أيضا صحيح كما في المقام، فهذا ليس من الاختلاف في اللفظ ليرجع الى قانون الأضبطية، بل هما روايتان مرويتان بطريقين لا يدرى أن الصادر عن المعصوم (عليه السلام) أي منهما، و ان أبا مريم نقل بأي من الكيفيتين. فهذا أجنبي عن الترجيح بالاضبطية كما لا يخفى.

الثانية: ان الرواية لو كانت مشتملة واقعا على كلمة (تصدّق) كما ذكره العلامة و رواه الشيخ أمكن المناقشة حينئذ بأن هذا لا ينافي القضاء، فيجب على الولي التصدق من مال الميت من جهة التأخير و إلا فمن ماله زيادة على القضاء، إذ لا دلالة في الرواية على نفي القضاء بوجه، بل لعل مقتضى المقابلة مع الصدر المشتمل على نفي القضاء لدى استمرار المرض ثبوت القضاء هنا أي في فرض عدم الاستمرار الذي تعرض له في الذيل فيمكن أن تجب الكفارة أيضا من جهة التواني، لأنه صح و لم يقض اختيارا فيكون موته في البين بمنزلة استمرار المرض.

و كيفما كان فبناء على هذه النسخة ليست في الرواية أية دلالة على نفي القضاء.

و أما بناء على نسخة الكافي و الفقيه التي رجحهما في الجواهر فهي

206

لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما لا ما تركه عمدا أو أتى به و كان باطلا من جهة التقصير في أخذ المسائل (1) و ان كان الأحوط قضاء جميع ما عليه و ان كان من جهة الترك عمدا

____________

حينئذ واضحة الدلالة على عدم القضاء ابتداء حيث علّق الصوم على ما إذا لم يكن له مال فوجوبه في مرتبة متأخرة عن التصدق. و هذا كما ترى ينطبق على مذهب ابن أبي عقيل القائل بعدم وجوب الصوم ابتداء. فالاستدلال له بناء على هذه النسخة أولى من النسخة الأخرى.

و الذي يسهل الخطب ان هذه النسخة لم تثبت أيضا فإن الرواية كما عرفت مروية بطريقين كل منهما صحيح من غير ترجيح في البين.

على انه لو ثبتت النسخة و تمت الصحيحة و كذا الرواية السابقة و أغمضنا عن كل مناقشة سندية أو دلالية و فرضنا دلالتهما على نفي القضاء كما يقوله ابن أبي عقيل فهما معارضتان للروايات الكثيرة المستفيضة جدا الصحيحة أكثرها سندا و الصريحة دلالة على وجوب القضاء على الولي، و حملها على صورة عدم التمكن من الصدقة بعيد غايته كما لا يخفى. و بما أن أكثر العامة ذهبوا الى الصدقة فلا محالة تحمل الروايتان على التقية.

و على الجملة بعد فرض استقرار المعارضة و الانتهاء إلى إعمال قواعد الترجيح لا ريب أن الترجيح مع نصوص القضاء لمخالفتها للعامة. فما ذكره ابن أبي عقيل لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

(1) الجهة الثانية: بعد الفراغ عن أصل الوجوب فهل يختص الحكم بمن فات عنه الصوم لعذر من مرض أو سفر، أو حيض أو نفاس- على تقدير شمول الحكم للام- و نحو ذلك، أو يعم مطلق الترك،

207

نعم يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكن في حال حياته من القضاء و أهمل و إلا فلا يجب لسقوط القضاء حينئذ كما عرفت سابقا،

____________

و لو عامدا أو لكون صومه باطلا لجهل و لو عن تقصير؟؟

المشهور ما ذكره في المتن من الاختصاص و وجهه غير ظاهر.

فإن جملة من الروايات و ان وردت في المعذور من مرض أو سفر كموثقة أبي بصير، و مرسلة ابن بكير (1) الا أن ذلك مورد لها لا أن الحكم مقيد به. و لا ريب أن الموردية لا تستدعي التخصيص، على أن الثانية مرسلة. إذا فليس في البين ما يمنع عن التمسك بإطلاق بعض النصوص مثل صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام قال: (يقضي عنه أولى الناس بميراثه) (2) فإنها تدل بمقتضى ترك الاستفصال على الإطلاق و شمول الحكم للمعذور و غيره، و نحوها مكاتبة الصفار (3) و دعوى ان الإطلاق منصرف الى الغالب و منزل عليه حيث ان الغالب في الترك ان يكون لعذر، غير مسموعة لمنع الغلبة أولا فإن الترك متعمدا و لا أقل في أوائل الشباب أيضا كثير و ان كان غيره أكثر، و لو سلم فليست بحيث توجب الانصراف و تمنع عن الإطلاق كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11، 13.

(2) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

(3) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3.

208

و لا فرق في الميت بين الأب و الأم (1) على الأقوى

____________

فلم يبق إلا مجرد الاستبعاد و انه كيف يجب على الولد قضاء ما تركه أبوه عامدا، و لكنه لا يصلح مدركا لحكم شرعي بعد مساعدة الدليل. و من الجائز أن يكون ذلك أداء لبعض حقوق الوالد أو الوالدين العظيمة.

نعم انما يجب القضاء فيما إذا كان القضاء واجبا على الميت نفسه بان كان متمكنا و لم يقض و إلا فلا، لأنه متفرع عليه و متلقى منه، كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: (ليس عليه شيء و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثمَّ يموت قبل أن يقضى). و أصرح منها صحيحة أبي بصير عن امرأة مرضت في شهر رمضان. الى أن قال (عليه السلام): كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله اللّه عليها) (1).

(1) الجهة الثالثة: هل يختص الحكم بما فات عن الوالد أو يعم الوالدين؟ ذهب جماعة منهم الماتن الى التعميم.

و يستدل لهم بروايتين: إحداهما صحيحة أبي حمزة عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث و المرض فلا، و أما السفر فنعم.

و الأخرى موثقة محمد بن مسلم التي هي بمضمونها (2) و لكن موردهما مطلق المرأة، و لا نظر فيهما إلى الولي فهما في مقام بيان أصل

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2، 12.

(2) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4، 16.

209

و كذا لا فرق بين ما إذا ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه و عدمه (1) و ان كان الأحوط في الأول الصدقة عنه برضاء الوارث مع القضاء،

____________

المشروعية لا الوجوب، نظير ما تضمنته صحيحة أبي بصير (1).

و أما بقية الروايات فكلها مشتملة على لفظ الرجل، فلا وجه للتعدي إلى المرأة لعدم الدليل عليه بوجه.

و أما الاستدلال له بقاعدة الاشتراك إلا ما خرج بالدليل مثل ستر البدن في الصلاة و نحوه فغريب جدا ضرورة ان مورد القاعدة ما لو كان الرجل موردا للحكم و متعلقا له مثل أن يسأل عن رجل يتكلم في صلاته فيقول (عليه السلام) يعيد، و نحو ذلك مما تضمن حكما لموضوع تكليفا أو وضعا إلزاما أو ترخيصا و كان الرجل متعلقا للخطاب و موردا للحكم فإنه يتعدى الى المرأة- ما لم يثبت الاختصاص- بقانون الاشتراك بين الرجال و النساء و تساويهما في الأحكام التي هي عامة لجميع المسلمين و أما لو كان الرجل بنفسه موضوعا لحكم متعلق بشخص آخر مثل ما لو ورد انه يجوز الاقتداء بالرجل فإنه لا وجه حينئذ للتعدي و ليس ذلك من قاعدة الاشتراك في شيء كما هو ظاهر. و مقامنا من هذا القبيل فان مقتضى ظواهر النصوص ان الفوت من الرجل موضوع لوجوب القضاء على الولي فلا يمكن التعدي من هذا الموضوع إلى المرأة التي هي موضوع آخر حسبما عرفت.

(1) يشير بذلك الى ما ورد في صحيحة أبي مريم الأنصاري

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12

210

..........

____________

المتقدمة (و اسمه عبد الغفار بن القاسم و هو ثقة جليل القدر) من قوله (عليه السلام): «و ان لم يكن له مال صام عنه وليه» (1) على نسخة الكافي و الفقيه حيث علق وجوب الصيام حينئذ على عدم مال للميت يتصدق به عنه. و لكن عرفت ان هذه النسخة غير ثابتة لمعارضتها مع نسخة التهذيب المروية بطريق آخر أيضا صحيح، المشتملة على قوله (تصدق) بدل قوله (صام) من غير ترجيح في البين لعدم كون المقام من موارد الترجيح بالأضبطية كما تقدم.

على أن تقييد إطلاقات القضاء بهذه الصحيحة مستلزم لحمل هاتيك النصوص المتظافرة على الفرد النادر جدا بل لعله يكاد لم يقع خارجا لبعد فرض ميت لم يكن له أي مال يتصدق به عنه، و لا أقل من ثيابه الملاصقة ببدنه و لا سيما إذا كان الفائت عنه صيام يوم أو أيام قلائل. فالتقييد المزبور بعيد غايته.

و مع الغض فغايته المعارضة بين الصحيحة و بين نصوص القضاء، و مقتضى الصناعة تقديم الثاني لمخالفتها للعامة.

و من ذلك يظهر انه لا فرق في وجوب الصيام على الولي بين ما إذا ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه أم لا كما ذكره في المتن.

نعم يبقى شيء و هو ان هذه الصحيحة و ان كانت معارضة في ذيلها باعتبار اختلاف النسختين المرويتين بطريقين كما مر، الا أن صدرها المشتمل على وجوب التصدق عنه مكان كل يوم بمد فيما إذا كان له مال سليم عن المعارض لتطابق النسختين، و ثبوت ذلك على التقديرين. فلا وجه لطرح الصحيحة بالنسبة الى هذه الفقرة، و مقتضى الصناعة الجمع بينها و بين نصوص القضاء بالالتزام بوجوب

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7.

211

و المراد بالولي هو الولد الأكبر (1)، و ان كان طفلا أو مجنونا حين الموت بل و ان كان حملا.

____________

الأمرين معا لعدم التنافي بينهما من هذه الجهة بوجه، فيلتزم بوجوب القضاء عنه و بوجوب التصدق بماله عملا بكلا الدليلين كما كان يجب ذلك على الميت نفسه حال حياته لفرض عدم استمرار مرضه، لسلامته عن المعارض كما عرفت.

و لو لا ان هذا لم يعرف له قائل لكان القول به وجيها، غير ان عدم التزام أحد به يوهن المصير اليه.

نعم هذا يوجب الاحتياط في المسألة و لو استحبابا كما ذكره في المتن فيتصدق قبل القضاء مع رضاء الورثة و رعاية حقوق الصغار ان كانوا فيهم.

(1) على الأشهر بل المشهور شهرة عظيمة، و تدل عليه صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام قال: (يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا، الا الرجال) (1) بتقريب قد تقدم في كتاب الصلاة، و ملخصه انها ظاهرة في ان القاضي هو الاولى من جميع الناس بالميراث بقول مطلق و على نحو القضية الحقيقية، أي من كل من يفرض في الوجود، سواء أ كان موجودا بالفعل أم معدوما. و هذا ينحصر مصداقه في الولد الأكبر فإنه الأولى بميراث الميت من جميع البشر، حتى ممن هو في طبقته في الإرث كالأبوين فإن لكل واحد منهما السدس، و كالبنات لان للذكر

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

212

..........

____________

مثل حظ الأنثيين، و كسائر الأولاد الذكور لمكان اختصاص الأكبر بالحبوة بناء على ما هو الصحيح من عدم احتسابها من الإرث، فهو الأوفر نصيبا من الكل. و لأجله كان هو الأولى بالميراث من جميع الناس بتمام معنى الكلمة.

و منه تعرف ان الصحيحة لو كانت عارية من الذيل المتضمن لنفي الانطباق على المرأة و الاختصاص بالرجل لكانت بنفسها وافية لإثبات ذلك لما عرفت من ان سهم الذكر ضعف الأنثى، فكان هو الأولى بطبيعة الحال، و ان لم يفهم حفص بنفسه ذلك و لأجله تصدى للسؤال عن المرأة. و لا ضير فيه فان العبرة بروايته لا بد رأيته كما لا يخفى.

و يدل عليه أيضا قوله (عليه السلام) في موثقة أبي بصير: «. يقضيه أفضل أهل بيته» (1) فان الظاهر من إضافة الأفضل الى أهل البيت ان المراد الأفضلية من هذه الحيثية و بهذا العنوان أي بعنوان كونه من أهل البيت لا بلحاظ الضمائم الخارجية من العلم و التقى و نحوهما الذي قد ينطبق بهذا الاعتبار على الأبعد أو الولد الأصغر. و من المعلوم ان الأفضل بهذا العنوان خاص بالولد الأكبر و لا يعم غيره حتى الأب لعدم كونه من أهل بيت الولد. بل الولد من أهل بيت أبيه.

و تدل عليه أيضا مكاتبة الصفار حيث قال (عليه السلام): يقضي عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء إنشاء اللّه تعالى (2) و ان كانت قابلة للمناقشة من حيث تضمنها الولاء، و لم يقل باعتبار التوالي أحد، اللهم الا ان يحمل على الاستحباب، و من حيث كون السؤال عن

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11.

(2) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3.

213

[مسألة 20) لو لم يكن للميت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة]

(مسألة 20) لو لم يكن للميت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة (1) و ان كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه.

[مسألة 21 لو تعدد الولي اشتركا]

(مسألة 21) لو تعدد الولي اشتركا (2) و ان تحمل أحدهما كفى عن الآخر كما انه لو تبرع أجنبي سقط عن الولي

____________

الجواز- لا الوجوب- الذي لا إشكال في ثبوته في حق الأجنبي فضلا عن أصغر الوليين، فكيف خص الجواز بالأكبر. فلا بد من رد علمها من هذه الجهة إلى أهلها.

و كيفما كان فالمكاتبة قابلة للمناقشة. و العمدة ما عرفت من الصحيحة و الموثقة و لا سيما الصحيحة حسبما عرفت.

ثمَّ ان الماتن تعرض لجملة من الفروع المتعلقة بالمقام في طي مسائل نتعرض إليها و ان كان جلها بل كلها قد تقدمت مستقصى في كتاب الصلاة.

(1) لانتفاء الموضوع بعد ظهور الأدلة في اختصاص الحكم بالولي المنحصر في الولد الأكبر، و مثله ما لو كانت أولاده منحصرة في البنات حسبما ظهر مما مر.

(2) تقدم في مبحث الصلاة ان المستفاد من صحيحة حفص ان الولي هو طبيعي الأولى بالميراث و هو و ان كان منحصرا في الولد الأكبر كما مر، الا أن هذا الطبيعي قابل للانطباق على الواحد و المتعدد كمن ولد له ولدان في ساعة واحدة إما من زوجتين أو من زوجة واحدة كما في التوأمين فإن عنوان الولد الأكبر صادق حينئذ على كل منهما. فيكون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع بينهما و نتيجته كون

214

[مسألة 22 يجوز للولي أن يستأجر من يصوم عن الميت]

(مسألة 22) يجوز للولي أن يستأجر من يصوم عن الميت و ان يأتي به مباشرة (1) و إذا استأجر و لم يأت به المؤجر أو أتى به باطلا لم يسقط عن للولي.

____________

الوجوب كفائيا يشتركان فيه، بمعنى انه لو قام به أحدهما سقط عن الآخر، و لو خالفا عوقبا معا، كما انه لو تبرع الأجنبي سقط عنهما.

و حينئذ فلو كان على الميت صوم يوم واحد أو ثلاثة أيام و نحوهما مما لا يقبل التكسير لعدم تبعض الصوم كان هو واجبا على الجامع لا على خصوص كل منهما، فان قام به أحدهما سقط عن الآخر و إلا أثما معا كما عرفت.

(1) إما للقطع الخارجي بعدم الفرق إذ المقصود تفريغ ذمة الميت المتحقق بكل منهما من غير خصوصية للفاعل، و إما لأجل أن القطع و ان سلمنا عدم حصوله، و مقتضى الجمود على ظواهر النصوص اعتبار المباشرة الا انه تكفينا في التعدي إلى التسبيب بالاستيجار أدلة النيابة و صحة التبرع من الأجنبي- إذ الكلام هنا بعد الفراغ عن تمامية تلك الأدلة حسبما تقدم في محله- بضميمة ما دل على جواز استيجار الغير و استنابته عن الميت أخذا بعموم أدلة الإجارة بعد كون متعلقها في المقام عملا مشروعا سائغا حسب الفرض. فاذا كان الاستيجار المزبور صحيحا و أتى به الأجير خارجا فقد سقط ما في ذمة الميت بطبيعة الحال و بتبعه يسقط الوجوب عن الولي لأن موضوعه بمقتضى صحيحة حفص: رجل يموت و عليه صلاة أو صيام، و هذا ليس عليه صيام بعدئذ فيخرج عن موضوع تلك الصحيحة.

نعم يختص ذلك بما إذا أتى به المؤجر خارجا، و أما إذا لم يأت به

215

[مسألة 23 إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت و عدمه]

(مسألة 23) إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت و عدمه لم يجب عليه شيء (1) و لو علم به إجمالا و تردد بين الأقل و الأكثر جاز له الاقتصار على الأقل.

____________

أو أتى به باطلا بحيث لم يتحقق التفريغ لم يسقط عن الولي، إذ لم يكن ذلك من قبيل الوجوب التخييري بين مجرد الاستيجار و بين المباشرة ليسقط الثاني باختيار الأول، بل الواجب معينا إنما هو التفريغ و إبراء ذمة الميت، و التسبيب بالاستيجار طريق اليه، فاذا لم يتعقب بفعل الأجير خارجا فعلا صحيحا مستتبعا للتفريغ كان وجوده كالعدم و لم يسقط التكليف عن الولي، فلا بد له من التصدي للتفريغ أما مباشرة أو باستئجار شخص آخر كما هو ظاهر.

(1) لأصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشك في تحقق موضوعه الذي هو الفوت كما استظهرناه سابقا- إلحاقا له بالصلاة- أو الإفطار أو دخول شيء في الجوف لدى المضمضة و نحو ذلك من العناوين الوجودية التي علق عليها عنوان القضاء في لسان الأدلة، و ليس موضوعه عنوانا عدميا ليمكن إحرازه بالاستصحاب.

و بالجملة الأمر بالصوم أداء قد سقط بخروج الوقت يقينا و تعلق أمر جديد بالقضاء على تقدير الفوت و حيث ان التقدير مشكوك فالأمر به مدفوع بأصالة البراءة.

و منه يظهر الحال فيما لو علم بالقضاء إجمالا و تردد بين الأقل و الأكثر إذ الشك بالإضافة إلى الأكثر شك في أصل الفوت. و قد عرفت ان المرجع فيه أصالة البراءة. فلا جرم جاز له الاقتصار على الأقل كما ذكره في المتن.

216

[مسألة 24 إذا أوصى الميت باستئجار ما عليه من الصوم أو الصلاة]

(مسألة 24) إذا أوصى الميت باستئجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الولي بشرط أداء الأجير صحيحا و إلا وجب عليه (1).

[ (مسألة 25) إنما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمة الميت به]

(مسألة 25) إنما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمة الميت به أو شهدت به للبينة أو أقر به عند موته (2)

____________

(1) إذ الإيصاء بنفسه لم يكن مسقطا كالاستيجار حسبما عرفت في المسألة الثانية و العشرين و ان حكي القول به عن بعض لكنه واضح الضعف، بل العبرة بتفريغ الذمة المنوط بأداء الأجير صحيحا فبدونه يبقى تكليف الولي على حاله لبقاء موضوعه، أعني اشتغال ذمة الميت، إذ ليس هو من قبيل الحقوق القابلة للإسقاط ليسقط بالإيصاء و نحوه، بل حكم شرعي لا مناص من امتثاله كما هو ظاهر.

(2) لا إشكال في الوجوب مع العلم بالاشتغال أو قيام البينة.

و أما مع الإقرار به عند الموت ففي الثبوت به تأمل بل منع، إذ لا أثر له بالإضافة إلى المقر نفسه، و انما يظهر الأثر في تعلق التكليف بغيره و هو الولي. و من المعلوم ان الإقرار لا يكون نافذا بالإضافة إلى الغير.

و لا يقاس ذلك بالإقرار على الدين، فإنه و ان استلزم حرمان الورثة عن التركة فيكون ذا أثر بالإضافة إلى الغير أيضا، إلا أن ذلك من شؤون النفوذ على النفس لكونه ذا أثر بالنسبة إليه أيضا. كيف و بعد الإقرار يطالب بالدين، فلو بقي حيا لطالبه المقر له، و إذا ثبت الدين بموجب الإقرار فلا حق بعدئذ للورثة، لأن الإرث بعد الدين

217

و أما لو علم انه كان عليه القضاء و شك في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمته (1) فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه نعم لو شك هو في حال حياته و أحرى الاستصحاب أو قاعدة الشغل و لم يأت به حتى مات فالظاهر وجوبه على الولي.

____________

بمقتضى قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ و لا كذلك الإقرار بالقضاء لعدم مطالبته حينئذ بشيء بعد ان لم يكن موردا للدعوى مع أحد.

(1) قد يعلم باشتغال ذمة الميت بالقضاء لدى موته، و أخرى يشك فيه، لا كلام على الأول سواء أ كان العلم وجدانيا أم تعبديا من قيام البينة، أو الإقرار على ما اختاره في المتن حسبما مر.

و على الثاني فقد يكون الشك في الحدوث و قد عرفت ان المرجع فيه أصالة البراءة.

و أخرى في البقاء بأن يعلم بأصل الاشتغال و انه كان عليه القضاء و لكن يشك في تفريغ الذمة و الإتيان به حال حياته و عدمه. و هذا على نحوين:

إذ تارة يكون الشك من الميت نفسه حال حياته فيشك هو في انه هل أتى ما كان عليه أولا؟ و لا ينبغي التأمل في جريان الاستصحاب حينئذ الذي يعامل معه معاملة اليقين في ظرف الشك فيحرز به الاشتغال بالقضاء و يندرج تحت قوله (عليه السلام) في صحيحة حفص: رجل مات و عليه صلاة أو صيام، فيكون الثبوت عنده و لو ببركة الاستصحاب موضوعا للقضاء على الولي. و هذا الموضوع محرز لعلمنا

218

..........

____________

بأنه شك و استصحب حسب الفرض. و هذا واضح لا سترة عليه، بل هو المتيقن من جريان الاستصحاب في المقام كما لا يخفى.

و أخرى لم يعلم حال الميت و انه كان شاكا أو متيقنا بالوجود أو بالعدم و انما يكون الشك من الولي فهل له أن يتمسك حينئذ بالاستصحاب ليحرز به انه مات و عليه القضاء ليجب عليه التصدي للقضاء، أو ان الاستصحاب ساقط في المقام و المرجع أصالة البراءة النافية للقضاء كما اختاره في المتن؟؟

قد يقال بابتناء ذلك على ما ورد من ان دعوى الدين على الميت تحتاج الى ضم اليمين، و لا تثبت بمجرد البينة فإن هذا مما لا إشكال فيه كما دلت عليه صحيحة الصفار و انما الإشكال في ان ضم اليمين لأيّ جهة، فهل هو من أجل التخصيص في دليل حجية البينة فلا تكون حجة في إثبات الدعوى على الميت ما لم تقترن باليمين، حيث ان الدعاوي مختلفة، فبعضها تثبت بشاهد واحد و يمين، و أخرى لا بد فيها من شهادة رجلين عادلين، و ثالثة يكتفى بشهادة رجل و امرأتين بل و شهادة النساء فقط كما في مثل دعوى القذف، و رابعة تعتبر فيها شهود أربعة كما في الزنا و ما يلحق به من اللواط و السحق. فموارد الدعاوي مختلفة، فمن الجائز أن تختص الدعوى على الميت بعدم ثبوتها بمجرد البينة، بل لا بد من ضم اليمين. بحيث يكون اليمين جزء من المثبت و يكون الدليل ملفقا منهما.

أم انه لا تخصيص في دليل حجية البينة، بل هي بمجردها كافية في إثبات الدين على الميت من غير حاجة الى ضم اليمين من هذه الجهة أي من جهة إثبات أصل الدين و انما هو لأجل إبقاء الدين بعد ثبوته، إذ لعل الميت و في، أو أن الدائن أبرأ و عفا، و ليس الميت حاضرا

219

..........

____________

ليدافع عن نفسه، كما ان الاستصحاب ساقط في خصوص المقام، فلا بد إذا من اليمين، فهو يمين استظهاري لدفع هذه الاحتمالات بعد أن لم يكن الاستصحاب جاريا هنا كما عرفت. فالتخصيص إنما هو في دليل الاستصحاب لا في دليل حجية البينة.

فإن قلنا بالثاني كما قال به جماعة الراجع الى أن ما يثبت بالبينة شيء، و ما يثبت باليمين شيء آخر. فلا فرق إذا بين البينة و بين غيرها من العلم الوجداني أو إقرار الورثة بالدين أو غير ذلك في ان الكل يحتاج الى ضم اليمين لسريان الشك في البقاء بعد تطرق احتمال الوفاء أو الإبراء في الجميع، و المفروض سقوط الاستصحاب و إلغائه في هذا الباب، كما لا فرق بين دعوى الدين على الميت أو شيء آخر من صلاة أو صيام، إذ لا خصوصية للدعوى بل المناط إثبات اشتغال ذمة الميت بشيء و هو لا يمكن ان يدافع عن نفسه فيكون الاستصحاب ساقطا هنا أيضا لعين المناط.

و أما بناء على الأول و ان البينة وحدها لا تفي بإثبات الدين بل بضميمة اليمين فالاستصحاب لم يزل باقيا على حجيته و البقاء مستند اليه دون اليمين و انما هو جزء من المثبت، و لذا لو أقر الوارث أو علم بالدين من الخارج لم تكن حاجة الى اليمين لكونه متمما لدليلية البينة دون غيرها من الأدلة. فعليه كان الاستصحاب جاريا في المقام.

فهذا هو محل الكلام.

و الذي يستدل به على الثاني أي أن اليمين يمين استظهاري هو رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه الواردة فيمن يدعي حقا على الميت و المتضمنة للزوم إقامة البينة و الحلف حيث صرح فيها بأن الاستحلاف

220

..........

____________

انما هو من أجل انا لا ندري لعله قد أوفاه (1). فهي صريحة في عدم حجية الاستصحاب في هذا الباب و ان اليمين انما هو لأجل دفع احتمال سقوط ذمة الميت عن الحق الثابت عليه.

و لكن الرواية ضعيفة السند، لأن في سندها ياسين الضرير و هو مجهول. إذا لا دليل على سقوط الاستصحاب في مسألة الدين. نعم لا يثبت الدين بالبينة وحدها لصحيحة الصفار و غيرها كما مر، بل لا بد من اليمين لكنه لإثبات أصل الدين، و أما بقاؤه فمستند الى الاستصحاب، و لذلك لو أقر الوارث لا حاجة الى ضم اليمين، فلم يكن هناك ما يوجب تخصيص دليل الاستصحاب و سقوطه عن الحجية في هذا الباب حتى لو سلمنا إلحاق المقام بمسألة الدين. فلو علمنا باشتغال ذمة الميت بالصوم و شككنا في بقائه لم يكن مانع من التعلق بالاستصحاب.

على انا لو سلمنا سقوطه عن الحجية في مسألة الدين و بنينا على أن اليمين استظهاري استنادا الى تلك الرواية و لو لأجل انجبارها بعمل المشهور لم يكن أي وجه للتعدي عن موردها و هو الدين الى المقام بعد أن لم يكن هناك دعوى من أحد على الميت، و لعل الدعوى خصوصية في اليمين الاستظهاري و عدم جواز التعلق بالاستصحاب.

و على الجملة فلا نرى أي مانع من التمسك بالاستصحاب في المقام لإثبات وجوب القضاء على الولي فإنه قد مات الميت وجدانا و عليه صيام بمقتضى الاستصحاب، فبضم الوجدان الى الأصل يتم الموضوع فيترتب عليه حكمه من وجوب القضاء على الولد الأكبر.

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

221

[ (مسألة 26) في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان]

(مسألة 26) في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان أو عمومه لكل صوم واجب قولان (1) مقتضى إطلاق بعض الاخبار الثاني و هو الأحوط.

____________

فتحصل انه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون الشاك هو الميت حال حياته أو كان هو الولي. و معه لا تصل النوبة إلى البراءة حسبما عرفت.

(1) هل يختص الوجوب بقضاء شهر رمضان كما هو مورد غير واحد من الأخبار، أو يعم كل صوم واجب من كفارة و نذر و نحوهما؟

ذهب جماعة كثيرون الى الثاني، بل نسب ذلك الى المشهور ظاهرا.

و لكن عن جماعة منهم الشيخ التخصيص، و لم يعلم له وجه صحيح بعد الإطلاق في صحيحة حفص و غيرها. فان قوله: و عليه صلاة أو صيام يعم مطلق ما اشتغلت به الذمة بأي سبب كان.

نعم تقدم في كتاب الصلاة عند التعرض لهذه الصحيحة ان المستفاد منها انسباقا أو انصرافا ما كان واجبا على نفس الميت ابتداء لا ما اشتغلت به ذمته بسبب آخر، كما لو كان عليه صلاة من أبيه فلم يأت بها حتى مات فإنه لا يجب على الولي أن يقضي ما فات عن جده.

فلا تعم الصحيحة ما كان واجبا على شخص آخر فانتقل الى الميت بسبب من الأسباب لانصرافها عن مثل ذلك قطعا.

و مثله ما لو كان واجبا عليه بإجارة و نحوها فإنه أيضا غير مشمول للصحيحة فهي خاصة بما فات عن الميت من حيث وجوبه عليه بنفسه، من غير فرق بين ما كان من شهر رمضان أو من غيره بمقتضى الإطلاق كما عرفت.

222

..........

____________

هذا و قد يستشهد للإطلاق أي عدم الاختصاص بقضاء شهر رمضان برواية الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: إذا مات رجل و عليه صيام شهرين متتابعين من علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول و يقضى الشهر الثاني (1).

و لا يخفى ان مرجع الضمير في قوله «فعليه» غير مذكور في الرواية، فهو غير معلوم و ان استظهر صاحب الوسائل عوده إلى الولي و لأجله ذكرها في باب قضاء الولي. على أنها مخدوشة في نفسها سندا و دلالة.

أما السند فلاشتماله على سهل بن زياد و لم تثبت و وثاقته لتعارض المدح و القدح فيه.

و أما المتن فلعله- و اللّه العالم- لا عامل به أبدا. فإنه إذا وجب على الميت شهران متتابعان لأجل الكفارة فاما ان يجب على الولي تمام الشهرين، أو لا يجب شيء منهما، و لا معنى للتفكيك بالتصدق عن أحدهما و قضاء الشهر الآخر فان هذا مما لم يقل به أحد لعدم حصول التتابع بذلك اللازم على الميت و الذي لا بد للقاضي و لو تبرعا مراعاته سواء أ كان هو الولي أم غيره.

و يحتمل بعيدا أن تحمل الرواية على الشهرين المتتابعين من قضاء رمضان بمعنى انه فاته صوم شهر رمضان لعذر من مرض و نحوه، ثمَّ استمر العذر الى الرمضان الثاني فحصل التتابع من أجل فوات رمضانين من سنتين و لا بد حينئذ من فرض برئه من مرضه بعد رمضان الثاني فلم يصم حتى مات فإنه يتم الجواب حينئذ من لزوم التصدق عن الأول إذ لا قضاء له بعد فرض استمرار المرض حتى

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

223

[ (مسألة 27) لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان]

(مسألة 27) لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان إذا كان عن نفسه الإفطار بعد الزوال بل تجب عليه الكفارة به (1) و هي كما مر إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد و مع العجز عنه صيام ثلاثة أيام.

____________

لو كان الميت حيا، و انما يجب القضاء عن خصوص الثاني بعد ملاحظة الفرض المزبور. فان تمَّ هذا التوجيه صح جوابه (عليه السلام)، و إلا فالرواية لا عامل بها كما عرفت. و على أي حال فلا يمكن الاستدلال بها بوجه.

(1) أما الكفارة فقد مر الكلام فيها قريبا و استوفينا البحث عنها و أما الحكم التكليفي أعني عدم جواز الإفطار بعد الزوال فقد دلت عليه- بعد التسالم ظاهرا- جملة من النصوص.

منها صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في الذي يقضي شهر رمضان: انه بالخيار الى زوال الشمس فان كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار (1). دلت بمقتضى مفهوم الغاية و بمقتضى المقابلة، بل و مفهوم الشرط على عدم الجواز فيما بعد الزوال و منها موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

الذي يقضى شهر رمضان هو بالخيار في الإفطار ما بينه و بين أن تزول الشمس، و في التطوع ما بينه و بين أن تغيب الشمس (2). دلت على المطلوب بمقتضى التحديد بالغاية و المقابلة و هي موثقة كما و صفناها،

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب وجوب الصوم ح 4.

(2) الوسائل باب 4 من أبواب وجوب الصوم ح 10.

224

أما إذا كان عن غيره بإجارة أو تبرع فالأقوى جوازه و ان كان الأحوط الترك كما ان الأقوى الجواز في سائر أقسام لصوم الواجب الموسع و ان كان الأحوط الترك فيها أيضا و أما الإفطار قبل الزوال فلا مانع منه حتى في قضاء شهر رمضان عن نفسه إلا مع التعين بالنذر. أو الإجارة أو نحوهما

____________

فان طريق الشيخ الى ابن فضال و ان كان ضعيفا في نفسه إلا أنا صححناه بوجه آخر كما مر، و زكريا المؤمن موجود في اسناد كامل الزيارات و ان لم يوثق صريحا في كتب الرجال فهي تامة سندا و دلالة.

بل يمكن الاستدلال أيضا بموثقة عمار عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان الى أن قال: سئل فإن نوى الصوم ثمَّ أفطر بعد ما زالت الشمس. قال: قد أساء و ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه (1).

فإنها إما ظاهرة في الحرمة أو لا أقل من ظهورها في مطلق المرجوحية القابل للانطباق على الحرمة.

و على أي حال فهي غير منافية للنصوص المتقدمة و فيها غنى و كفاية و تؤيدها النصوص الدالة على وجوب الكفارة حينئذ كما تقدم سابقا فإنها و إن كانت أعم من الحرمة كما في جملة من كفارات الإحرام الثابتة حتى مع كون الفعل محللا إلا أنها لا تخلو عن الاشعار و التأييد كما لا يخفى.

و من جميع هذه النصوص يظهر جواز الإفطار قبل الزوال.

____________

(1) الوسائل باب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4.

225

أو التضييق بمجيء رمضان آخر ان قلنا بعدم جواز التأخير إليه كما هو المشهور (1).

____________

(1) هل يختص الحكم المزبور أعني عدم جواز الإفطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان بما إذا كان القضاء عن نفسه أو يعم ما إذا كان عن غيره أيضا أما بتبرع أو باستئجار و نحوه؟ و هل يختص بقضاء شهر رمضان أو يعم مطلق الواجب الموسع من كفارة أو نذر و نحوهما؟

أما التبرع فلا سبيل لاحتمال شمول الحكم له ضرورة ان وصف التبرع يستدعي كون المتبرع بالخيار حدوثا و بقاء فان انقلاب الندب الى الفرض بقاء و ان كان ممكنا كما في الحج و الاعتكاف إلا انه لا ريب في كونه على خلاف الأصل و موقوفا على قيام الدليل المعلوم فقده في المقام. فالنصوص المتقدمة غير شاملة لذلك قطعا. فله الإفطار طول النهار حيثما شاء.

و أما في القضاء الواجب عن الغير كما في الأجير أو الولي فالظاهر عدم شمول الحكم له أيضا لانصراف النصوص المتقدمة عن مثل ذلك، فان المنسبق منها ما كان القضاء عن نفسه لا عن الغير كما لا يخفى.

فلا إطلاق لها يشمل ذلك، كما أنها قاصرة الشمول لسائر أقسام الصوم الواجب الموسع من نذر أو كفارة و نحوهما، لاختصاص موردها بقضاء شهر رمضان فمقتضى أصالة البراءة هو الجواز في كلا الموردين.

نعم قد يقال بالشمول استنادا إلى رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: الصائم بالخيار الى زوال الشمس قال: ان ذلك في الفريضة، فأما النافلة فله أن يفطر أي وقت شاء الى غروب الشمس.

و رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: صوم

226

..........

____________

النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل متى ما شئت. و صوم قضاء الفريضة لك أن تفطر الى زوال الشمس، فاذا زالت الشمس، فليس لك أن تفطر (1). فإن الفريضة في الأولى مطلق تعم كل صوم واجب سواء أ كان قضاء شهر رمضان أم غيره، و سواء أ كان القضاء عن نفسه أم عن غيره كما ان قضاء الفريضة في الثانية يعم ما كان عن نفسه أو عن غيره، و ان لم يشمل سائر أقسام الصوم.

و لكنهما غير صالحتين للاستدلال لضعف السند. أما الأولى فبمحمد ابن سنان، و أما الثانية فبعبد اللّه بن الحسين الراوي عن عبد اللّه بن سنان و الذي يروي عنه النوفلي أو البرقي، فإن المسمى بهذا الاسم الواقع في هذه الطبقة مجهول.

فتحصل ان الأظهر اختصاص الحكم بقضاء شهر رمضان عن نفسه كما خصه به في المتن دون ما كان عن غيره و دون سائر أقسام الصوم فيجوز فيها الإفطار بعد الزوال كقبلة، إلا أن يكون هناك مانع آخر كما في صوم النذر المعين أو الأجير في يوم معين، أو التضييق بمجيء رمضان آخر بناء على القول بالمضايقة- لا مجرد ترتب الكفارة- و نحو ذلك مما لا يسوغ له التأخير، فإنه لا يجوز له الإفطار حينئذ حتى قبل الزوال فضلا عما بعده للزوم تفويت الواجب اختيارا من غير مسوّغ كما هو ظاهر، و لكن هذا أمر عارضي اتفاقي، و إلا فوجوب الصوم من حيث هو لا يستدعي المنع عن الإفطار لا قبل الزوال و لا بعده فيما عدا ما عرفت حسبما ذكر و اللّه سبحانه أعلم.

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب وجوب الصوم ح 8، 9.

227

[فصل في صوم الكفارة]

فصل (في صوم الكفارة) و هو أقسام: منها ما يجب فيه الصوم مع غيره و هي كفارة قتل العمد (1).

____________

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال بل إجماعا كما نص عليه جماعة، و انما الكلام في ان هذا الحكم هل هو عام يشمل جميع موارد القتل العمدي أو يختص بما ثبتت فيه الدية و لا يجتمع مع القصاص؟

ظاهر إطلاق كلمات الأصحاب و معاقد الإجماعات هو الأول، بل قد يظهر من المحقق إرساله إرسال المسلمات.

و لكن المستفاد من النصوص هو الثاني فإنها لا تدل على الكفارة إلا لدى العفو عن القصاص و الانتقال إلى الدية و يلحق به ما إذا لم يمكن تنفيذ القصاص لفقد بسط اليد في الحاكم الشرعي، أو ما إذا لم يكن مشروعا كما في قتل الوالد ولده أو الحر عبدا فان الوالد أو الحر لا يقتل بالولد أو العبد. ففي هذه الموارد التي تستقر فيها الدية تثبت الكفارة.

و أما فيما استقر عليه القصاص لعدم عفو أولياء المقتول فلا دلالة في شيء من النصوص على وجوب الكفارة حينئذ بأن يكفر أولا ثمَّ يقتل. بل قد يظهر من بعض النصوص خلافه و ان توبة القاتل تتحقق

228

و كفارة من أفطر على محرم في شهر رمضان (1) فإنه تجب فيها الخصال الثلاث، و منها ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره و هي كفارة الظهار (2)،

____________

بمجرد الاقتصاص منه فتوبته قتله من غير حاجة الى ضم شيء آخر فلا ذنب له بعدئذ ليكفر، فليس مورد التكفير إلا من تعلقت به الدية حسبما عرفت. هذا و لم أر من تعرض لهذه الجهة في هذه المسألة، فإن كان هناك إجماع على الإطلاق و إلا فإثباته بحسب الصناعة في غاية الإشكال.

(1) على إشكال تقدم سابقا لأجل المناقشة في مستند الحكم و هي رواية الهروي (1) حيث انها ضعيفة السند بعلي بن محمد بن قتيبة الذي هو من مشايخ الكشي، و عبد الواحد بن محمد بن عبدوس الذي هو شيخ الصدوق فإنه لم تثبت وثاقتهما و مجرد كونهما من المشيخة لا يقتضيها كما مر مرارا، فان كان إجماع و إلا فالحكم محل تأمل، بل منع و ان كان الأحوط ذلك. و تمام الكلام قد تقدم في محله فلا حظ إن شئت.

(2) فان الواجب فيها أولا العتق و مع العجز عنه صوم شهرين، و مع العجز إطعام الستين كما هو صريح الآية المباركة «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» إلى قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ. إلخ (2) و بمضمونها جملة وافرة من النصوص.

نعم في جملة أخرى منها عطف هذه الخصال بلفظه (أو) الظاهرة

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1.

(2) سورة المجادلة الآية 4.

229

و كفارة قتل الخطأ (1) فان وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق، و كفارة الإفطار في قضاء رمضان (2) فان الصوم فيها بعد العجز عن الإطعام كما عرفت، و كفارة اليمين و هي عتق رقبة (3) أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم و بعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيام،

____________

في التخيير دون الترتيب. فلو كنا نحن و هذه لعملنا بها الا أن صراحة الآية المباركة و هاتيك النصوص مانعة عن الأخذ بهذا الظهور. فلا مناص من رفع اليد عنه و حمل كلمة (أو) على ارادة التقسيم لا التخيير، كما في قولك: الكلمة اسم أو فعل أو حرف. و المراد ان هذه الأمور ثابتة في كفارة الظهار. فلا ينافي كون ثبوتها على سبيل الترتيب.

(1) فيجب فيها العتق أولا ثمَّ الصوم مع العجز عنه ثمَّ الإطعام كما هو صريح الآية الشريفة قال تعالى في سورة النساء الآية 92 وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ إلى قوله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ نعم لا تعرض في الآية المباركة للاطعام، الا ان النصوص المتظافرة ناطقة و وافية و بها الكفاية. هذا و المنسوب الى المفيد و سلار التخيير بين الخصال و لم يعرف لهما أي مستند حتى رواية ضعيفة على أن الآية و النصوص المشار إليها حجة عليهما.

(2) فان الواجب فيها أولا إطعام عشرة مساكين، و مع العجز عنه صيام ثلاثة أيام كما تقدم في المسألة الأولى من موجبات الكفارة.

(3) هذا الحكم هو المقطوع به بين الأصحاب و هو صريح الآية

230

و كفارة صيد النعامة و كفارة صيد البقر الوحشي و كفارة صيد الغزال (1) فإن الأول تجب فيه بدنة و مع العجز عنها صيام ثمانية عشر يوما و الثاني يجب فيه ذبح بقرة و مع العجز عنها صوم تسعة أيام و الثالث يجب فيه شاة و مع العجز عنها صوم ثلاثة أيام.

____________

الكريمة و النصوص المتظافرة، بل في بعضها التصريح بعدم اجزاء الصيام لدى التمكن من الإطعام. نعم في موثق زرارة تقديم الصيام على الإطعام عكس ما ذكر. قال: سألته عن شيء من كفارة اليمين فقال: يصوم ثلاثة أيام، قلت: إن ضعف عن الصوم و عجز؟

قال: يتصدق على عشرة مساكين. إلخ (1).

لكنها و ان تمَّ سندها لا تنهض للمقاومة مع صريح الآية و تلكم النصوص المستفيضة الناطقة بأن الواجب أولا هو إطعام العشرة أو العتق أو الكسوة، و بعد العجز فصيام الثلاثة فلا بد من طرحها أو ردّ علمها إلى أهلها أو تأويلها بوجه ما، مثل ما صنعه في الوسائل من حمل الإطعام هنا على ما دون المد كأن يعطى كل واحد من العشرة لقمة واحدة مثلا، فلا ينافي ما تضمنته تلك النصوص و كذا الآية من تقديم الإطعام على الصيام الذي يراد به مد لكل مسكين، و ان كان هذا الحمل بعيدا جدا كما لا يخفى.

(1) ما ذكره (قده) من الكفارة في هذه الموارد الثلاثة مما لا خلاف فيه و لا إشكال. فتجب في صيد النعامة بدنة، و في البقر الوحشي بقرة، و في الغزال شاة على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة

____________

(1) الوسائل باب 12 من أبواب الكفارات ح 6.

231

..........

____________

قال تعالى وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (1) فإن المماثلة تقتضي ما ذكر كما لا يخفى. و النصوص به متكاثرة متظافرة فلاحظ.

كما ان ما ذكره (قده) من الانتقال لدى العجز عما ذكر الى الصيام ثمانية عشر يوما في الأول و تسعة أيام في الثاني و ثلاثة أيام في الثالث مما لا اشكال فيه أيضا كما أشير إليه في الآية الشريفة و نطقت به النصوص المستفيضة.

و انما الكلام في جهتين:

الأولى ظاهر إطلاق عبارة المتن عدم الواسطة بين الانعام و بين الصيام فينتقل لدى العجز عن البدنة أو البقرة أو الشاة إلى الصيام على التفصيل المتقدم. و ليس كذلك قطعا، بل الواسطة ثابتة نصا و فتوى، فينتقل لدى العجز عن البدنة إلى إطعام ستين مسكينا، و مع العجز عنه الى صيام ثمانية عشر يوما.

كما ان الوظيفة بعد العجز عن البقرة إطعام ثلاثين مسكينا، و مع العجز صيام تسعة أيام، و اللازم بعد العجز عن الشاة إطعام عشرة مساكين، فان لم يقدر فصيام ثلاثة أيام على ما صرح بذلك في جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة علي بن جعفر (2) و قد استقرت عليه فتوى الأصحاب كما عرفت. فلا بد من تقييد إطلاق العبارة بذلك و لعل غرضه (قده) مجرد التعرض للانتقال الى الصيام بعد العجز عن غيره كما هو عنوان هذا القسم من غير تعرض لخصوصيات المطلب فتدبر.

____________

(1) سورة المائدة آية 95.

(2) الوسائل باب 2 من أبواب كفارة الصيد ح 6.

232

..........

____________

الثانية مقتضى إطلاق كلامه (قده) الناشئ من كونه في مقام البيان حصر موارد الانتقال الى الصوم من كفارة الصيد في الموارد الثلاثة المذكورة في المتن، أعني صيد النعامة أو البقرة أو الغزال و ليس كذلك بل الحكم ثابت في صيد الأرنب أيضا بلا إشكال، للنصوص الكثيرة الدالة على أن حكمه حكم صيد الظبي أي ان فيه شاة و إلا فإطعام عشرة مساكين و الا فصيام ثلاثة أيام، بل و الثعلب أيضا كما أفتى به جماعة و ان كان النص الوارد فيه ضعيفا، إما للأولوية من الأرنب و إما لإطلاق الآية المباركة «فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» فان المماثل حجما الثعلب فيما يكفّر به عنه من النعم إنما هو الشاة، كما ان المماثل للبقر الوحشي هو البقر و للنعامة هو البدنة كما تقدم.

و في صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الإبل فان لم يجد ما يشتري به بدنة فأراد أن ينصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدا، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، و من كان عليه شيء من الصيد فداؤه بقرة، فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة أيام، و من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (1).

و هي كما ترى صريحة في إعطاء ضابط كلي، و هو ان كل صيد كان فداؤه بدنة ينتقل لدى العجز عنه و عن الإطعام إلى الصيام ثمانية عشر يوما. و كذا الحال فيما كان فداؤه بقرة أو شاة.

____________

(1) الوسائل باب 2 من أبواب كفارة الصيد ح 11.

233

و كفارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامدا (1) و هي بدنة و بعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوما، و كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى أدمته (2) و نتفها رأسها فيه و كفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده فإنهما ككفارة اليمين.

____________

و عليه فلو قلنا في مورد بثبوت البدنة كما في كفارة صيد فرخ النعامة على ما أفتى به جماعة ثبت فيه الصيام لدى العجز بمقتضى هذه الصحيحة. و عليه فكان الأحرى على الماتن أن يجعل صيد النعامة مثالا لما ثبتت فيه البدنة و كذا البقر و الغزال لا أن يعبر بنحو يكون ظاهرا في الانحصار.

(1) فان الواجب هو الوقوف في عرفات من الزوال على المشهور أو بعد ساعة منه على الأقوى إلى الغروب، فلا تجوز الإفاضة قبل ذلك. فلو أفاض اثم و إن لم يفسد حجه لكون الركن منه هو مسمى الوقوف و قد حصل و وجبت عليه الكفارة و هي بدنة، و ان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما. و هذا مما لا خلاف فيه و لا اشكال كما نطقت به صحيحة ضريس الكناسي (1).

(2) على المشهور في الموارد الأربعة المذكورة في المتن من الخدش و النتف، و الشق على الزوجة أو الولد، غير أن الخدش في كلمات الأصحاب مطلق غير مقيد بالإدماء المذكور في النص- كما ستعرف- و لعلهم أهملوه تعويلا على ما بينهما من الملازمة، فإن الخدش يستلزم الإدماء غالبا كما نبه عليه في الجواهر.

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

234

..........

____________

و كيفما كان فقد نسب الخلاف الى ابن إدريس فأنكر وجوب الكفارة في المقام، و أنكر هذه النسبة في الجواهر قائلا ان ابن إدريس أفتى بالوجوب استنادا إلى الإجماع المدعى في المقام. و ذكر (قده) انه لا خلاف في المسألة إلا من صاحب المدارك حيث ذهب الى الاستحباب صريحا.

و كيفما كان فمستند الحكم رواية خالد بن سدير أخي حنان بن سدير، عن رجل شق ثوبه على أبيه الى أن قال: و إذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته حنث يمين، و لا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك. فاذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عنق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، و في الخدش إذ أدميت و في النتف كفارة حنث يمين. إلخ (1).

و دلالتها على الحكم ظاهرة و لكن السند ضعيف لجهالة خالد بن سدير، فان هذا الرجل عنونه النجاشي بهذا العنوان من غير أن يذكره بمدح أو قدح مقتصرا على قوله: «له كتاب» لبنائه (قده) على ترجمة كل من له كتاب.

و عنونه الشيخ هكذا: خالد بن عبد اللّه بن سدير، و ذكر ان له كتابا و لم يتعرض أيضا لحاله بوجه، و قد ذكر ابن بابويه عن شيخه ابن الوليد ان الكتاب المنسوب اليه موضوع، وضعه محمد بن موسى الهمداني.

هذا و قد زعم ابن داود اتحاد الرجلين و انهما شخص واحد، أسند تارة الى جده، و اخرى إلى أبيه. و لأجله حكى اسناد الوضع

____________

(1) الوسائل باب 31 من أبواب الكفارات ح 1.

235

..........

____________

المزبور في كلا الموردين.

و لكنه كما ترى بعيد غايته، بل لعله مقطوع العدم. فان دعوى الاتحاد و ان لم تكن بعيدة في نظائر المقام مما يمكن أن يسند فيه الشخص إلى أبيه تارة و الى جده أخرى على ما تعرضنا له كثيرا في المعجم، لكنها غير محتملة في خصوص المقام، لتوصيف خالد بن سدير الواقع في السند بأنه أخو حنان بن سدير. إذ على تقدير الاتحاد كان هو ابن أخي حنان، و هذا عمه لا انه أخوه بعد وضوح أن حنانا هو ابن سدير من غير واسطة و عليه فخالد بن عبد اللّه بن سدير شخص آخر و هو ابن أخي خالد بن سدير لا انه هو بنفسه أسند إلى أبيه مرة و أخرى الى جده.

و كيفما كان فالرجل مجهول سواء أ كان شخصا واحدا أم شخصين بل هو من الجهالة بمكان إذ لم يذكر له في مجموع الروايات ما عدا هذه الرواية الواحدة المبحوث عنها في المقام، و لأجله كانت الرواية ضعيفة غاية الأمر ان المشهور قد عملوا بها فتبتني المسألة على أن ضعف الخير هل ينجبر بالعمل أو لا؟ و حيث ان الأظهر هو العدم كما هو المعلوم من مسلكنا كان الأوجه ما اختاره صاحب المدارك من إنكار الوجوب، و لا يهمنا توصيف صاحب الجواهر هذا المسلك بكونه ناشئا من فساد الطريقة بعد ان ساعده الدليل القاطع حسبما أو ضحناه في الأصول. فإن هذا لو كان من فساد الطريقة و الحال هذه فنحن نلتزم به و لا نتحاشى عنه.

و أما الذهاب الى الاستحباب المصرح به في كلام صاحب المدارك بعد إنكار الوجوب فهو مبني على القول بالتسامح في أدلة السنن.

و حيث انا لا نقول به فالأظهر عدم ثبوت الاستحباب الشرعي أيضا،

236

و منها ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه و بين غيره (1) و هي كفارة الإفطار في شهر رمضان و كفارة الاعتكاف،

____________

و ان كان الاحتياط خروجا عن مخالفة المشهور، بل عن دعوى الإجماع المنقول مما لا ينبغي تركه.

و مما ذكرنا يظهر الحال في كفارة جز المرأة شعرها في المصاب التي ذكرها الماتن في القسم الآتي، أعني ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه و بين غيره، فان مستندها هي هذه الرواية- المتضمنة للتخيير بين الخصال الثلاث- و قد عرفت حالها.

(1) ذكر (قده) لهذا القسم أيضا المحكوم بالتخيير في كفارته بين الخصال الثلاث موارد:

منها كفارة جز المرأة شعرها في المصاب التي أشرنا إليها آنفا.

و منها كفارة الإفطار في شهر رمضان، و قد تقدم الكلام حولها مستقصى، و عرفت ان في بعض النصوص الأمر بالكفارة مرتبة لا مخيرة المحمول على الاستحباب جمعا.

و منها كفارة الاعتكاف، أي الإفطار بالجماع في صوم الاعتكاف و منه تعرف ان في العبارة مسامحة ظاهرة و الأمر سهل بعد وضوح المراد. و فيها قولان، فالمشهور على أنها مخيرة، و قيل انها مرتبة، و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في المقام.

ففي موثقتين لسماعة- و لا يبعد كونهما رواية واحدة مروية بطريقين- أنها مخيرة ككفارة شهر رمضان.

إحداهما ما رواه الصدوق عنه قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن معتكف واقع أهله، فقال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، و الأخرى ما رواه الشيخ بإسناده عنه عن أبي عبد اللّه

237

..........

____________

(عليه السلام) قال: سألته عن معتكف واقع أهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا (1).

و بإزاء ذلك صحيحتان دلتا على أنها مرتبة كما في كفارة الظهار:

إحداهما صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المعتكف يجامع أهله، قال: إذا فعل فعليه ما على المظاهر.

و الأخرى صحيحة أبي ولاد الحناط عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة بإذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها، فقال: إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضى ثلاثة أيام و لم تكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر (2).

ثمَّ ان موثقة سماعة معتبرة بطريقيها.

أما طريق الشيخ فلانه و ان رواها بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال و هو ضعيف بابن الزبير إلا أننا صححنا أخيرا طريق الشيخ اليه بوجه مرت الإشارة إليه في بعض الأبحاث السابقة. و ملخصه ان الكتاب الذي وصل الى الشيخ بوساطة شيخه أحمد بن عبدون عن ابن الزبير عن ابن فضال هو الذي وصل الى النجاشي بعين هذا الطريق فالكتاب واحد لا محالة و قد وصل إليهما بوساطة شيخهما أحمد ابن عبدون و بما أن للنجاشي طريقا آخر الى هذا الكتاب بعينه و هو صحيح فيحكم بصحة ما عند الشيخ أيضا.

و أما طريق الصدوق فصحيح أيضا، و ان عبر الأردبيلي عن

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 2، 5.

(2) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 1، 6.

238

..........

____________

طريقه الى عبد اللّه بن المغيرة بالحسن من أجل إبراهيم بن هاشم فان هذه غفلة منه (قده) لان له اليه طرقا ثلاثة: بعضها ما ذكره، و في البعض الآخر إبراهيم بن هاشم و أيوب بن نوح معا، و أيوب هذا ثقة بلا إشكال. نعم لو كان الطريق منحصرا في الأول، أو لم يكن أيوب منضما إلى إبراهيم لتم ما ذكره.

و كيفما كان فرواية سماعة موثقة بلا اشكال، و قد عارضتها صحيحتا زرارة و أبي ولاد كما عرفت.

و قد جمع المشهور بينهما بحمل الصحيحتين على الاستحباب و يمكن الخدش فيه بأن الموثقة غير صريحة في التخيير لجواز أن يكون المراد من قوله: بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، و كذا قوله:

عليه ما على الذي. إلخ. أنهما متماثلان في ذات الكفارة و الفرد المستعمل في مقام التكفير، و أما كيفية التكفير من كونه على سبيل الترتيب أو التخيير فغير صريحة فيها غايته انها ظاهرة بمقتضى الإطلاق في الثاني فيمكن رفع اليد عنه بصراحة الصحيحتين في انها كفارة النهار التي لا شك أنها على سبيل الترتيب فتكون الصحيحتان مقيدتين لإطلاق الموثقة، و تكون نتيجة الجمع بعد ارتكاب التقييد ان الكفارة هي كفارة الظهار.

و لكنه يندفع بان ارتكاب التقييد مبني على تقديم ظهور المقيد على المطلق الذي هو من فروع تقديم ظهور القرينة على ذيها حيث أن المقيد بمثابة القرينة المراد من المطلق عرفا بحيث لو جمعا في كلام واحد لم يبق العرف متحيرا و لا يرى بينهما تهافتا، كما لو قلنا في جملة واحدة أعتق رقبة، و أعتق رقبة مؤمنة، فما هو قرينة حال الاتصال قرينة حال الانفصال، غاية الأمر ان الأول مصادم للظهور،

239

..........

____________

و الثاني مصادم للحجية بعد انعقاد أصل الظهور. فلأجل هذه النكتة يتقدم ظهور المقيد على المطلق حسبما فصلنا القول حوله في الأصول.

و هذا الضابط كما ترى غير منطبق على المقام، إذ لو جمعنا بين الروايتين في الكلام و قلنا ان عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان و عليه ما على المظاهر لكان الكلام متدافعا و بقي العرف متحيرا لتناقض الصدر مع الذيل من غير تعيين أحدهما في القرينية، إذ كما يمكن أن يكون الثاني قرينة للأول بأن يراد به المماثلة في ذات الكفارة دون الكيفية كما مر يمكن العكس بأن يكون الأول قرينة للمراد من الثاني و انه الاستحباب كما ذكره المشهور لا الوجوب.

فالإنصاف أن الطائفتين متعارضتان و لا يمكن الجمع العرفي بينهما بوجه. و مع ذلك فالأقوى ما ذكره المشهور من انها كفارة الإفطار في شهر رمضان دون الظهار.

إما لترجيح موثقة سماعة على الصحيحتين نظرا الى مخالفتها للعامة و لو في الجملة، حيث انهم اختلفوا في هذه المسألة. فعن جماعة منهم إنكار الكفارة رأسا فلا تترتب على جماع المعتكف عدا الحرمة الثابتة بنص الآية، و لا ملازمة بين التحريم و التكفير كما هو ظاهر.

و عن آخرين ثبوتها و هم بين من يقول بأنها كفارة يمين، و من يقول بأنها كفارة ظهار. و أما أنها كفارة شهر رمضان فلم يذهب إليه أحد منهم و لأجله كانت الموثقة أبعد منهم فكانت أقرب الى الصواب و إما لأنه بعد التعارض و التساقط يرجع الى الأصل العملي و مقتضاه البراءة عن التعيين فان المقام من مصاديق الدوران بين التعيين و التخيير، و قد اختلف في هذه الكبرى على قولين حسبما بيناه في الأصول فمنهم من ذهب الى التعيين نظرا إلى قاعدة الاشتغال إذ لا يحرز الخروج

240

و كفارة النذر (1)،

____________

عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال إلا بالإتيان بما يحتمل تعيينه.

و منهم من ذهب الى التخيير- و هو الصحيح- إذ لم يعلم تعلق التكليف إلا بالجامع و أما خصوصية الفرد المحتمل تعينه كالعتق في المقام فتعلق التكليف به مشكوك من أصله، و هي كلفة زائدة مجهولة فيدفع بأصالة البراءة أما عقلا و شرعا كما هو الصحيح، أو شرعا فقط بناء على ما سلكه صاحب الكفاية من إنكار جريان البراءة العقلية في باب الأجزاء و الشرائط.

فتحصل ان الأظهر ما عليه المشهور من انها كفارة شهر رمضان، فهي مخيرة لا مرتبة كما في الظهار و ان كان الأفضل ذلك كما تقدم في كفارة شهر رمضان النص المحمول عليه فلا حظ.

(1) تقدم الكلام حول هذه الكفارة سابقا عند البحث عن موجبات الكفارة.

و ملخصه: ان الأقوال في المسألة ثلاثة فقيل و لعله المشهور انها كفارة الإفطار في شهر رمضان، و ذهب جمع منهم المحقق إلى انها كفارة اليمين.

و قيل بالتفصيل بين ما لو تعلق النذر بالصوم و حنث فكفارة شهر رمضان و الا فكفارة اليمين، استحسنه صاحب الوسائل بعد أن نقله عن جمع من الأصحاب جمعا بين الاخبار.

و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار ففي جملة منها انها كفارة اليمين كصحيحة الحلبي: إن قلت للّه علي فكفارة يمين (1) و نحوها غيرها.

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب الكفارات ح 1.

241

..........

____________

و في صحيح جميل بن دراج عن عبد الملك بن عمرو انها كفارة رمضان قال: سألته عمن جعل للّه عليه ان لا يركب محرما سماه فركبه، قال: لا، و لا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا) (1).

و أما صحيحة ابن مهزيار: «. رجل نذر أن يصوم يوما فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفارة؟ فكتب اليه يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة (2). فظاهرها و هو تعين العتق مقطوع العدم إذ لم يقل به أحد من الأصحاب، فلا بد من تأويله بكونه عدلا للواجب التخييري. و حينئذ فكما يمكن أن يكون عدلا التخيير في كفارة رمضان يمكن أن يكون عدلا له في كفارة اليمين لتساويهما من هذه الجهة، فلا شهادة لهذه الصحيحة بشيء من القولين.

و الأقوى انها كفارة اليمين لسلامة نصوصها المستفيضة عما يصلح للمعارضة، فإن المعارض انما هو صحيح جميل كما عرفت، و هي غير نقية السند. نعم هي صحيحة إلى جميل، و أما من بعده أعني عبد الملك ابن عمرو فلم يرد فيه أي توثيق عدا ما رواه هو بنفسه عن الصادق (عليه السلام) انه دعا له و لدابته و هذا كما ترى غير صالح للتوثيق، فإنه (عليه السلام) يدعو لجميع المؤمنين و المؤمنات على أنه لا يمكن إثبات التوثيق بما يرويه هو بنفسه كما هو ظاهر.

و مما ذكرنا يظهر ضعف التفصيل بين الصوم و غيره الذي جعل وجها للجمع بين الاخبار كما مر، فإن رواية جميل و ان تضمنت كفارة

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب الكفارات ح 7.

(2) الوسائل باب 23 من أبواب الكفارات ح 2.

242

و العهد (1)، و كفارة جز المرأة شعرها في المصاب فان كل هذه مخيرة بين الخصال الثلاث على الأقوى

____________

رمضان لكن موردها ليس هو الصوم و ان حملوها عليه مضافا الى ضعفها كما عرفت.

نعم مورد صحيحة ابن مهزيار ذلك، و كأنهم فهموا من العتق المذكور فيها ان المراد به ما هو عدل في كفارة شهر رمضان. و لأجله رأوا أن مقتضى الجمع بين الأخبار هو التفصيل المزبور، لكنك عرفت إجمال الصحيحة من هذه الجهة، إذ كما ان العتق عدل لما ذكر كذلك هو عدل في كفارة اليمين. فلم يظهر لهذا التفصيل أي مستند يعوّل عليه.

(1) لروايات ثلاث: إحداها ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل عاهد اللّه في غير معصية ما عليه ان لم يف بعهده؟ قال: (يعتق رقبة أو يتصدق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين) (1).

أما من حيث السند فالظاهر أنها معتبرة، فإن المراد بمحمد بن أحمد المذكور في أول السند هو محمد بن أحمد بن يحيى كما صرح به في الاستبصار و تبعه في الوسائل، و ان لم يقيده به في التهذيب.

و أما العمركي فهو من الثقات الأجلاء.

نعم محمد بن أحمد العلوي، أو الكوكبي، أو الهاشمي لم يوثق في كتب الرجال صريحا، و لكن النجاشي عند ترجمة العمركي و الثناء عليه قال: روى عنه شيوخ أصحابنا منهم عبد اللّه بن جعفر الحميري،

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب الكفارات ح 1.

243

..........

____________

و ظاهر هذا التعبير انهم من الأكابر و الأجلاء الممدوحين نظراء عبد اللّه ابن جعفر. ثمَّ انه (قده) ذكر طريقه الى كتاب العمركي و قد اشتمل الطريق على العلوي المزبور، فيظهر منه بعد ضم الكبرى الى الصغرى انه من شيوخ الأصحاب.

و عليه فتكون روايته معتبرة، و لا أقل من انها حسنة.

و يؤيده ان ابن الوليد لم يستثنه ممن يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى فكان فيه نوع اشعار بل شهادة على التوثيق و ان كان هذا محل تأمل بل منع ذكرناه في محله.

هذا مع ان الرجل مذكور في اسناد تفسير علي بن إبراهيم و قد بنينا على وثاقة من وقع في هذا الاسناد كالواقع في إسناد كامل الزيارات إلا ما خرج بالدليل. فلا ينبغي التأمل في اعتبار الرواية.

و أما من حيث الدلالة فهي أيضا ظاهرة، فإن الصدقة و ان كانت مطلقة إلا أن المراد بها بقرينة ذكر العدلين أعني العتق و صيام الشهرين هي الصدقة المعروفة. أي إطعام الستين كما فهمه الأصحاب، و يؤيده التصريح به في الرواية الآتية.

الثانية رواية أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال: من جعل عليه عهد اللّه و ميثاقه في أمر للّه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا (1) و لكنها ضعيفة السند بحفص بن عمر الذي هو بياع السابري على ما صرح به في التهذيب (2) فإنه لم يوثق و ان كان والده و هو عمر بن محمد بن يزيد ثقة جليلا كما

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 577.

(2) ج 8 ح 1170.

244

..........

____________

نص عليه النجاشي.

نعم المذكور في الاستبصار (1) حفص عن عمر بياع السابري بدل حفص بن عمر و هو أيضا مجهول. و كيفما كان فلا تصلح الرواية إلا للتأييد.

الثالثة ما رواه صاحب الوسائل في آخر كتاب النذر عن أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): في رجل عاهد اللّه عند الحجر ان لا يقرب محرما أبدا فلما رجع عاد الى المحرم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): (يعتق أو يصوم أو يتصدق على ستين مسكينا و ما ترك من الذنب أعظم و يستغفر اللّه و يتوب اليه) (2).

و قد صرح فيها بالتصدق على ستين مسكينا فتكون شارحة للمراد من الصدقة في رواية علي بن جعفر المتقدمة من غير حاجة الى ضم القرينة الخارجية، التي تقدمت الإشارة إليها. نعم الصوم المذكور هنا مجمل و لكن يفسره التصريح بالستين في تلك الرواية فكل من فقرتي الروايتين قرينة المراد من تلك الفقرة من الرواية الأخرى.

و الرواية هذه صحيحة السند فإن أحمد بن محمد بن عيسى ثقة عظيم المنزلة جليل القدر، له كتب عديدة منها كتاب النوادر و طريق صاحب الوسائل إليه صحيح فإنه ينتهي إلى الشيخ، و طريق الشيخ اليه طريق صحيح.

و هو (قده) من أصحاب الرضا و الجواد و الهادي (عليهم السلام) و ان لم نعثر على روايته عن الأول كما ان روايته عن الثاني قليلة جدا بل لم يرو عنه (عليه السلام) في نوادره ما عدا هذه الرواية، كما انه لم

____________

(1) ج 4 ح 187.

(2) الوسائل باب 25 كتاب النذر ح 4.

245

و كفارة حلق الرأس في الإحرام (1) و هي دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ستة مساكين لكل واحد مدان و منها ما يجب فيه الصوم مرتبا على غيره مخيرا بينه و بين غيره.

____________

يرو عنه (عليه السلام) في غيره الا رواية واحدة أيضا ذكرها في التهذيب (1) و في الاستبصار (2) فمجموع ما رواه عن الجواد (عليه السلام) ليس إلا هاتين الروايتين.

و كيفما كان فالرواية معتبرة مؤكدة لصحيحة ابن جعفر المتقدمة.

(1) كما يشهد للتخيير المذكور في المتن قوله تعالى وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (3) المفسر في جملة من النصوص بما أثبته في المتن التي عمدتها صحيحة زرارة (4) المؤيدة برواية حريز (5) حيث أنها و ان كانت صحيحة بطريق الشيخ و لكنها مرسلة في طريق الكليني (قده) و حيث لا يحتمل تعدد الرواية سيما بعد وحدة الراوي عن حريز و هو حماد فلا جرم يتعارض الطريقان و من ثمَّ لا تصلح إلا للتأييد.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 908.

(2) الاستبصار ج 2 ص 298.

(3) البقرة آية 196.

(4) الوسائل باب 14 من بقية كفارات الإحرام ح 3.

(5) الوسائل باب 14 من بقية كفارات الإحرام ح 1.

246

و هي كفارة الواطئ أمته المحرمة بإذنه (1) فإنها بدنة أو بقرة و مع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيام.

____________

(1) كما دلت عليه موثقة إسحاق بن عمار المتضمنة للتفصيل بين ما لو أحرمت بإذنه أو بدون الاذن و انه لا شيء عليه على الثاني، و على الأول يفصل بين الموسر و المعسر، أي القادر و العاجز حسبما ذكره في المتن، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أخبرني عن رجل محل وقع على أمة له محرمة الى أن قال (عليه السلام):

إن كان موسرا و كان عالما انه لا ينبغي له و كان هو الذي أمرها بالإحرام فعليه بدنة، و ان شاء بقرة، و ان شاء شاة. و ان لم يكن أمرها بالإحرام فلا شيء عليه، موسرا كان أو معسرا، و ان كان أمرها و هو معسر فعليه دم شاة أو صيام (1).

و قد تضمنت الموثقة التخيير بين أمور ثلاثة: بدنة أو بقرة أو شاة، و قد اقتصر في المتن على الأوليين و لا وجه له بعد اشتمال النص على الثالث و كونه مفتى به عند الأصحاب.

ثمَّ ان الصيام المذكور في النص مطلق غير محدود بحد فهو قابل للانطباق حتى على اليوم الواحد، الا أن المستفاد من الروايات التي منها صحيحة زرارة الواردة في الحلق المشار إليها آنفا ان بدل التصدق بالشاة انما هو صيام ثلاثة أيام كما فهمه الأصحاب فاحتمال الاكتفاء باليوم الواحد كما في الجواهر ضعيف لا يعبأ به.

____________

(1) الوسائل باب 8 من كفارات الاستمتاع ح 2.

247

[ (مسألة 1) يجب التتابع في صوم شهرين]

(مسألة 1) يجب التتابع في صوم شهرين (1) من كفارة الجمع أو كفارة التخيير و يكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأول و يوم من الشهر الثاني،

____________

(1) لا إشكال في وجوب التتابع فيما وجب في كفارته صوم شهرين سواء أ كانت كفارة مخيرة كشهر رمضان أم مرتبة كالظهار، أو كفارة جمع كالقتل العمدي للتقييد به في أدلتها من الكتاب و السنة حسبما مرت الإشارة إليها.

و إنما الكلام فيما يتحقق به التتابع. لا ريب ان مقتضى الأدلة الأولية لزوم مراعاته في تمام اجزاء الشهرين بان يكون كل يوم عقيب اليوم الآخر بلا فصل الى آخر الستين كما هو المفهوم من لفظ التتابع عرفا، فاذا قبل صام زيد شهرين أو سنتين أو أسبوعين متتابعين، أو تعلق الأمر بذلك فهو ظاهر في حصوله بين تمام الأجزاء.

إلا أن هناك نصوصا عمدتها صحيحة الحلبي قد دلت صريحا على كفاية صيام شهر واحد و بعض من الشهر الثاني و لو يوما واحدا. فاذا فعل ذلك ساغ له التفريق بين بقية الشهر الثاني حتى عامدا، و بذلك يحصل التتابع المأمور به بين الشهرين، فكان المراد التتابع بين عنوان الشهرين لا بين تمام أجزائهما. فهي إذا بمفهومها المطابقي تكون حاكمة على الأدلة الأولية و شارحة للمراد منها.

روى الكليني بسنده الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن قطع صوم كفارة اليمين و كفارة الظهار و كفارة القتل فقال: ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين و التتابع أن يصوم شهرا و يصوم من الآخر

248

و كذا يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين (1)

____________

شيئا أو أياما. إلخ (1) و محل الاستشهاد من الصحيح هو هذا المقدار الذي أثبتناه. و أما ما تضمنه بعد ذلك من التعرض لحكم من أفطر عن عذر أو غير عذر فهو حكم آخر نتعرض له عند تعرض الماتن له فيما بعد.

و على الجملة فلا إشكال في المسألة بعد أن أفتى المشهور على طبق الصحيحة، بل الظاهر انه مما لا خلاف فيه.

و أما ما نسب الى الشيخين و السيدين من حصول الكفارة بذلك مع كونه آثما في التفريق لو كان عامدا فغريب جدا إذ لم يظهر له أي مستند. فانا إذا بنينا على اعتبار صحيحة الحلبي و عملنا بمفادها و لأجله حكمنا بحصول الكفارة لكونها حاكمة و شارحة كما مر، فما هو الموجب للإثم بعد أن أتى المكلف بما هو الوظيفة المقررة في حقه من الإتيان بالتتابع على هذه الكيفية بمقتضى دلالة الصحيحة، و ان لم نعمل بها فهو و ان كان آثما حينئذ كما ذكر الا أن الكفارة أيضا لم تحصل و الذمة بعد لم تفرغ، فلا بد من الإعادة لعدم تحقق المتابعة الموجب لعدم حصول الكفارة على وجهها. فالتفكيك بين الأمرين بالالتزام بالإثم و عدم الحاجة الى الإعادة لم يعرف له وجه أبدا. بل إما لا أثم و لا إعادة، أو انه آثم و عمله باطل، و الصحيح هو الأول حسبما عرفت.

(1) على المشهور و ناقش فيه غير واحد بان اعتبار التتابع هنا خلاف إطلاق الدليل بعد أن لم يكن الأمر بالصوم بنفسه مقتضيا له،

____________

(1) الوسائل باب 3 من بقية الصوم الواجب ح 9.

249

..........

____________

و لذا قيدت نصوص الشهرين بالتتابع، فلو كان هذا مأخوذا في المفهوم لكان القيد توضيحيا و هو خلاف الأصل.

و أجيب عنه تارة بما أرسله المفيد في المقنعة بعد تصريحه بالتتابع من مجيء الآثار عنهم (عليهم السلام) بذلك، و لكنه لم تصل لدينا من تلك الآثار و الاخبار و لا رواية واحدة صحيحة و لا ضعيفة. إذ لم نعثر على أي خبر يدل على اعتبار التتابع في المقام. و من هنا قد يقوى في الظن ان هذه الدعوى منه (قده) مبنية على الغفلة و الاشتباه.

و المعصوم من عصمه اللّه.

و مع الغض عما ذكر فغايته انها رواية مرسلة و لا اعتماد على المراسيل و أخرى بما ذكره في الجواهر من أن المأمور به ليس مطلق الثمانية عشر ليطالب بالدليل على اعتبار التتابع، بل ما كان جزء من الشهرين حيث يظهر من دليلها ان المراد الاقتصار على هذا المقدار بدلا عن الأصل فأسقط الزائد لدى العجز إرفاقا و تخفيفا على المكلفين فتكون متتابعة لا محالة لاعتبارها الى واحد و ثلاثين يوما فتكون معتبرة في ثمانية عشر يوما منها بطبيعة الحال.

و يندفع أولا بابتنائه على كون الثمانية عشر بدلا عن صيام الشهرين و هو غير ثابت، و من الجائز كونه بدلا عن إطعام الستين، بل قد صرح بذلك في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، و لم يقدر على العتق، و لم يقدر على الصدقة، قال: (فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام) (1) حيث ان صيام الثلاثة معادل لإطعام العشرة في كفارة اليمين فلا محالة يكون معادل

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب بقية الصوم ح 1.

250

بل هو الأحوط في صيام سائر الكفارات (1) و ان كان في وجوبه فيها تأمل و إشكال.

____________

إطعام الستين صيام الثمانية عشر فهو بدل عن الإطعام لا الصيام.

و ثانيا مع التسليم فإنما يتجه ما ذكره (قده) لو كان هذا العدد بدلا عن الثمانية عشر الواقعة في مبدء الشهرين و من الجائز كونه بدلا عما وقع في آخر الشهر الثاني أو وسطه، أو ما تلفق من الشهرين، فان جزء الشهرين طبيعي الثمانية عشر القابل للانطباق على كل ذلك، و مهما احتسبنا الجزئية و اعتبرناها كان ما عداها زائدا قد أسقط إرفاقا فلا يتعين احتساب العدد المزبور من الشهر الأول ليشمله دليل التتابع كما لا يخفى.

فتحصل ان الأظهر عدم اعتبار المتابعة في المقام لعدم الدليل عليه و الأصل البراءة، و ان كان الأحوط رعايتها حذرا عن مخالفة المشهور

(1) كما هو المشهور أيضا بين الأصحاب، قال المحقق (قده) في الشرائع: انه يعتبر التتابع في جميع أقسام الصيام ما عدا موارد أربع: صوم النذر و أخويه من العهد و اليمين فإنه يتبع قصد الناذر في التتابع و عدمه، و صوم قضاء شهر رمضان، و صوم ثمانية عشر بدل البدنة الواجبة في كفارة الصيد، و صوم سبعة أيام بدل الهدي دون الثلاثة المكملة للعشرة. ففي هذه الموارد المستثناة يجوز التفريق حتى اختيارا، و ما عدا ذلك مما يجب فيه الصوم مدة من ثلاثة أيام أو ثمانية عشر أو شهرين و نحو ذلك يجب فيه التتابع.

و استدل له في الجواهر بانصراف الإطلاق إلى التتابع، فإنه المنسبق عرفا من الصوم مدة من شهر أو سنة و نحوهما المؤيد بفتوى الأصحاب

251

..........

____________

بذلك. و هذا نظير ما ذكروه في ثلاثة الحيض، و الاعتكاف، و عشرة الإقامة من اعتبار الاتصال و التوالي. فإن المستند في الكل هو الانصراف المزبور.

و أبدأ بما رواه الصدوق في العلل عن الفضل بن شاذان من تعليل التتابع في الشهرين بقوله: (و انما جعلت متتابعين لئلا يهون عليه الأداء فيستخف به، لأنه إذا قضاه متفرقا هان عليه القضاء و استخف بالايمان (1) فان موردها و ان كان كفارة الإفطار في شهر رمضان إلا أنه يظهر من العلة عموم الحكم لكل كفارة و انها مبنية على التصعيب و التشديد كيلا تهون عليه المخالفة و لا يستخف بها.

و قد أمضى (قده) ما ذكره المحقق و اعترف به حيث قال (قده) أخيرا ما لفظه: «و حينئذ بان أن الكلية المزبورة في محلها في المعظم أو الجميع» (2).

أقول: يقع الكلام تارة في أصل الكلية، و أخرى فيما ذكره من موارد الاستثناء.

أما دعوى الكلية فلا تمكن المساعدة على إطلاقها، و الانصراف المزبور بحيث يستند الى حاق اللفظ لدى الإطلاق مما لم نتحققه. نعم ربما يستفاد التتابع من القرائن الخارجية أو الداخلية. و أما مع التجرد عنها و ملاحظة نفس الأمر المتعلق بالصوم مدة من الزمن من حيث هو، فلا يكاد ينصرف إلى التوالي و التتابع بوجه.

و مما يرشدك الى ذلك ملاحظة الجمل الخبرية، فإذا قلت: أقمنا في مشهد الرضا (عليه السلام) عشرة أيام، فهل ينصرف اللفظ الى

____________

(1) الوسائل باب 2 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

(2) راجع الجواهر ج 17 ص 68.

252

..........

____________

الإقامة المتوالية، بحيث لو كنت قد خرجت خلالها إلى قرية و بت ثمة ليلة أو ليلتين و كان مجموع المكث في نفس البلد عشرة لم يسغ لك التعبير المزبور. أو لو استأجرت دارا و سكنت فيها سنة ثمَّ خرجت و بعد شهرين مثلا استأجرتها ثانيا سنة أخرى و سكنت فيها ثمَّ أخبرت انى سكنت الدار الفلانية سنتين، أ فهل ينصرف اللفظ الى المتتابعتين بحيث يكون الاخبار المزبور على خلاف منصرف الكلام. و لا ينبغي التأمل في عدم الفرق في ذلك بين الجمل الخبرية و الإنشائية.

و على الجملة فدعوى الانصراف عرية عن الشاهد يدفعها إطلاق الكلام و لا شهادة في فتوى الأصحاب كما لا يخفى.

كما لا شهادة في الموارد التي ذكرها ضرورة أن التتابع فيها مستفاد من القرائن الخارجية أو من نفس أدلتها.

أما ثلاثة الحيض فللتصريح في دليله بأن أقل الحيض ثلاثة، و أكثره عشرة. فإن مثل هذا التعبير الوارد في مقام التحديد ظاهر في إرادة الاتصال و الاستمرار كما لا يخفى.

و أوضح حالا ثلاثة الاعتكاف للزوم المكث في المسجد و بطلانه بالخروج لا لعذر قبل استكمال الثلاثة و هذا بنفسه كما ترى يستلزم التتابع و التوالي.

و كذا الحال في عشرة الإقامة لوضوح ان لكل سفر حكما يخصه و هو موضوع مستقل بحياله. فالمراد بقاطعية الإقامة للسفر أو لحكمه كونها كذلك بالنسبة الى هذا السفر الخاص و حينما دخل البلدة كما يكشف عنه قوله (عليه السلام): (انا دخلت بلدة و أزمعت المقام عشرة أيام. إلخ) لا هو مع السفر اللاحق. و هذا بنفسه يستدعي

253

..........

____________

الاتصال و الاستمرار إذ لو سافر أثناء العشرة فخرج ثمَّ دخل فهذا سفر جديد له حكم مستقل مغاير لسابقه.

و على الجملة لا بد من قصر النظر على كل سفر بخصوصه و ملاحظته بنفسه، فإن أقام فيه في مكان عشرة أيام انقلب القصر الى التمام و إلا بقي على قصره. و هذا يستلزم التتابع بطبيعة الحال، و كذا الحال في المتردد ثلاثين يوما كما يكشف عنه قوله (عليه السلام): غدا أخرج أو بعد غد.

و أما الاستشهاد برواية العلل ففيه أولا ان موردها كفارة الإفطار في شهر رمضان، و لعل لهذا الشهر خصوصية استدعت مزيد الاهتمام بشأنه كما لا يبعد نظرا الى أن الصوم في شهر رمضان مما بني عليه الإسلام، فهو من دعائم الدين و أركانه كما في الحديث. و لأجله كانت كفارته مبنية على التصعيب و التشديد، فلا يقاس به غيره، فلا وجه للتعدي إلى صيام سائر الكفارات. و غاية ما هناك ان يتعدى الى خصوص صوم الثمانية عشر يوما بدل الشهرين من كفارة الإفطار في شهر رمضان المخيرة، على كلام فيه قد تقدم، و حاصله منع البدلية عن الشهرين، بل هو بدل عن الجامع بين الخصال، أعني العتق و الصيام، و الإطعام لدى العجز عنه فإنه الواجب لا الفرد بخصوصه، أو انه بدل عن خصوص الإطعام كما تضمنه النص حسبما مر. و على أي حال فليس هو بدلا عن الشهرين هنا، و انما يكون بدلا عنهما في موردين فقط:

أحدهما كفارة الظهار لدى العجز عن العتق و عن الإطعام و انتهاء النوبة بمقتضى الترتيب الى الصيام.

و الآخر كفارة الجمع في قتل العمد، فإنه لو عجز عن صيام

254

..........

____________

الشهرين في هذين الموردين يجب عليه صوم ثمانية عشر بدلا عن ذلك و كيفما كان فالتعدي عن مورد الرواية لا مقتضي له بوجه.

و ثانيا انها ضعيفة السند لضعف طريق الصدوق الى الفضل بن شاذان، فان له اليه طريقين كلاهما ضعيف أحدهما بعبد الواحد بن عبدوس و ابن قتيبة، و الآخر بجعفر بن علي بن شاذان.

فتحصل لحد الآن ان ما ادعاه (قده) من اعتبار التتابع لا دليل عليه، و الإطلاقات تدفعه، بل قد قام الدليل على العدم و هو صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين (1) فكل مورد ثبت فيه اعتبار التتابع يخصص، و في ما عداه يتمسك بعموم العام، بل لا يبعد أن لا تكون ناظرة إلى مثل التتابع في الشهرين المنصوص عليه في الكتاب و السنة، و كيفما كان فلا ضير في العمل بعموم الصحيحة بعد قوة السند و وضوح الدلالة، و لا وجه لما صنعه في الجواهر من الحمل على إرادة التفرقة على بعض الوجوه مثل فرض العذر و نحوه فإنه تصرف في ظاهر اللفظ بلا موجب و من غير قرينة تقتضيه كما لا يخفى.

و مما ذكرنا تعرف اعتبار التوالي في ثلاثة أيام في كفارة اليمين للتصريح به في هذه الصحيحة و غيرها كصحيح الحلبي. (صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات و لا تفصل بينهن) (2) و صحيحة علي ابن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن كفارة صوم اليمين أ يصومها جميعا أو يفرق بينها؟ قال: يصومها جميعا (3).

و كان على الماتن التعرض له إذ لا وجه لإهماله بعد فتوى الأصحاب

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

(2) الوسائل باب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 4.

(3) الوسائل باب 12 من أبواب الكفارات ح 8.