المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
255

[ (مسألة 2) إذا نذر صوم شهر أو أقل أو أزيد]

(مسألة 2) إذا نذر صوم شهر أو أقل أو أزيد لم يجب التتابع (1) الا مع الانصراف أو اشتراط التتابع فيه.

____________

به و دلالة النصوص المعتبرة عليه حسبما عرفت.

(1) قدمنا الكلام حول الكلية التي ادعاها في الشرائع. و أما الكلام في الموارد الأربع التي استثناها عنها.

فأحدها ما تعرض له الماتن في هذه المسألة من النذر فلا يجب فيه التتابع ما لم يتقيد المنذور به كما هو المشهور.

و الوجه فيه ظاهر، فان وجوب الوفاء بالنذر لم يكن حكما ابتدائيا ليتكلم في دلالته في أمثال المقام على التتابع و عدمه و انما هو تابع لكيفية نذر الناذر و ما قصده و جعله على نفسه، فان قصده مقيدا بالتتابع وجبت رعايته وفاء لنذره، و لا يجزى معه التفريق و الا أتى به كيفما شاء.

كما هو الحال في غير الصيام من الصلاة و الصدقة و نحوهما. فلو نذر ان يصلي هذه الليلة خمسين ركعة مثلا جاز له التفريق طول الليل ان لم يقيد نذره بالمتابعة، و الا وجبت متتالية.

و لا عبرة هنا بالانصراف العرفي أيضا، فإذا كان قصده الأعم لم تجب المتابعة و ان لم يصرح به بل أطلق اللفظ و كان منصرفا عرفا الى التتابع لأن العبرة بقصده لا بلفظه، و المفروض انه قصد الأعم منه و من التفريق و هذا ظاهر. و لكن نسب الخلاف الى ابي الصلاح و انه ان نذر صوم شهر مطلقا فشرع فيه وجب عليه الإتمام.

و هذا كما ترى لم يظهر له أي وجه عدا ما احتمله الشيخ (قده) في رسائله وجها لما نسب الى بعضهم من عدم جواز ابطال العمل و رفع اليد عنه استنادا الى قوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ. و قد أشرنا إلى فساده في محله و ان الآية المباركة نظير الآية الأخرى:

256

..........

____________

(لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ) ناظرة الى عدم الإتيان بشيء يوجب بطلان العمل السابق بحبط و نحوه، لا انه متى شرع يجب عليه الإتمام المستلزم حينئذ لتخصيص الأكثر كما لا يخفى. على أن صدق الإبطال في المقام يتوقف على اعتبار المتابعة و هو أول الكلام. و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه لما نسب اليه (قده) حتى في النذر المشروط فيه التتابع فضلا عن المطلق لان متعلق النذر كلي طبيعي لا محالة. فله رفع اليد عن هذا الفرد و الإتيان بفرد آخر متتابعا و هذا ظاهر.

و نسب إلى ابني زهرة و البراج انه إذا نذر صوم شهر أو أكثر فشرع ثمَّ حدث في البين عارض غير اختياري جاز له بعد زواله البناء على ما كان، و أما لو رفع اليد اختيارا فان كان قد تجاوز النصف جاز له البناء أيضا و إلا وجب عليه الاستيناف، فكأن النصفين من شهر واحد بمثابة الشهرين. فكما يكتفى هناك في حصول التتابع بصوم شهر و شيء من الشهر الثاني، فكذا يكتفى في المقام برعاية الاتصال في النصف الأول و جزء من النصف الثاني.

و نسب هذا القول الى المفيد أيضا و لكنه- كما في الجواهر- لم يصرح بأنه و ان لم يشترط التوالي كما صرحا (قدس سرهما) بذلك.

و هذا أيضا لم يعرف وجهه، إذ بعد أن لم يكن المنذور مشروطا بالتتابع فلما ذا لا يسوغ رفع اليد اختيارا حتى قبل النصف، و أي فرق في ذلك بين الاختياري و غيره.

نعم يمكن حمل كلام المفيد على ما إذا كان قد اشترط التوالي و كأن هنا نوع إرفاق من الشارع بأنه ان كان العارض غير اختياري يبني و إلا يفصل حينئذ بين النصف الأول و الثاني. و كيفما كان فكل هذا لا دليل عليه.

257

..........

____________

نعم هنا رواية واحدة إلا انها لا تنطبق على ما ذكروه، و هي ما رواه الكليني و الصدوق بسندهما عن موسى بن بكر- و في الجواهر (1) (بكير) بدل (بكر) و هو غلط من النسخة أو الطبعة- عن الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثمَّ عرض له أمر، فقال:

(ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي، و ان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما) (2).

و رواها الشيخ أيضا بإسناده عن الكليني و لكن بإسقاط الفضيل، و الظاهر انه سقط من قلمه الشريف، إذ هو (قده) لم يروها بنفسه مستقلا كي يمكن ان يقال انه رواها موسى بن بكر تارة مع الواسطة، و اخرى بدونها، بل رواها عن الكليني كما عرفت.

و المفروض ان الكافي لم يروها الا مع الواسطة.

و رواها أيضا بطريق آخر مع وساطة فضيل و لكن عن أبي جعفر (عليه السلام). و كيفما كان فهي مروية تارة عن الصادق (عليه السلام) إما مع الواسطة كما في الكافي و الفقيه، أو بدونها كما في التهذيب، و أخرى عن الباقر (عليه السلام) مع الواسطة.

و مضمونها كما أشرنا لا ينطبق على ما ذكروه، إذ لم يفصل فيها بين الاختياري و غيره، بل لا يبعد ظهور لفظة (عرض) في عدم الاختيار أو الأعم منه كالسفر الاختياري. و كيفما كان فهي و ان تضمنت التفصيل بين النصفين إلا انها لم تفصل في العارض بين الاختياري و غيره.

____________

(1) ج 17 ص 72.

(2) الوسائل باب 5 من بقية الصوم الواجب حديث 1.

258

..........

____________

و أما نفس الرواية فلا بد من حملها على نذر الصوم مع شرط التتابع، إذ مع الإطلاق يجوز التفريق مطلقا حتى اختيارا فضلا عن غيره. فلا وجه للاستيناف، و يبعد جدا بحسب الفهم العرفي ان يحكم في فرض الإطلاق بالإعادة و الاستيناف الذي هو حكم على خلاف ما قصده الناذر و جعله على نفسه لما تقدم من ان الوجوب الناشئ من قبل النذر لم يكن حكما استقلاليا، بل هو تابع لكيفية قصد الناذر و نيته.

على ان سند الرواية غير خال عن نوع من الإشكال، فإن موسى ابن بكر لم يرد فيه توثيق و لا مدح غير ما رواه بنفسه من أن الصادق (عليه السلام) علّمه بعد أن رأى (عليه السلام) فيه ضعفا و صفرة أن يأكل اللحم كبابا لا طبيخا. و هذا كما ترى لا دلالة فيه على شيء منهما.

نعم روى في الكافي بسند معتبر عن جعفر بن سماعة- و هو جعفر ابن محمد بن سماعة الثقة- إنه كان يقول: لا بد في الخلع من انضمام صيغة الطلاق، و انه كان يحتج في ذلك برواية موسى بن بكر عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، فيظهر منها انه كان يعمل بروايته. و لكنا ذكرنا غير مرة ان العمل من أحد كابن الوليد و غيره، و كذا الصدوق حيث يقول لا أذكر الا ما كان حجة بيني و بين ربي لا يدل على حجية الرواية في نفسها و لا يكشف عن وثاقة الراوي بوجه، إذ لا ندري لعل العامل كان معتمدا على أصالة العدالة كما هو غير بعيد في كثير من القدماء حيث كانوا يكتفون بكون الراوي مؤمنا اثنى عشريا لم يظهر منه فسق. فاعتماد جعفر بن سماعة أو ابن الوليد أو غيرهما على رواية مع عدم العلم بما يعتبرونه في حجية الرواية لا يكون حجة لنا، بل مناط الحجية عندنا منحصر في أحد أمرين: إما ثبوت وثاقة

259

[ (مسألة 3) إذا فاته النذر المعين أو المشروط فيه التتابع]

(مسألة 3) إذا فاته النذر المعين أو المشروط فيه التتابع فالأحوط في قضائه التتابع أيضا (1)

____________

الراوي، أو كونه ممدوحا حسن الظاهر، و أما مجرد عدم رؤية الفسق و لو من جهة عدم المعاشرة فلا يكون كافيا لدينا في حجيتها. هذا و لكن الذي يسهل الخطب ان الرجل أعني موسى بن بكر مذكور في اسناد تفسير علي بن إبراهيم و قد بنينا على وثاقة من وقع في هذا الاسناد لالتزامه كابن قولويه ان لا يروي إلا عن الثقة. إذا فالرواية معتبرة عندنا و هي ناظرة إلى صورة اشتراط التتابع لبعد الحكم بالاستيناف في فرض الإطلاق عن الفهم العرفي جدا، بعد أن كان على خلاف قصد الناذر كما سبق. و سيجيء مزيد البحث حول هذه الرواية عند تعرض الماتن للإفطار فيما اشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار، أو لغير عذر فارتقب.

(1) الثاني من موارد الاستثناء القضاء.

أما بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان فلا إشكال في عدم وجوب التتابع، و قد دلت النصوص المستفيضة على جواز التفريق، بل لا يجب ذلك حتى في الأداء فضلا عن القضاء. فان الصوم و ان كان واجبا في كل يوم من أيام شهر رمضان متواليا و متعاقبا إلا أن ذلك من أجل ان كل يوم منه يجب صيامه بحياله و استقلاله المستلزم لحصول التتابع في الخارج بطبيعة الحال، لا من أجل أن التتابع في نفسه واجب كي يتوهم وجوبه في القضاء أيضا، و لذا لو أخل به فأفطر يوما عصيانا أو لعذر لم يقدح فيما مضى و لم يمنع عن صحة الصوم فيما بقي من الأيام بلا إشكال كما هو ظاهر جدا.

260

..........

____________

و نسب الخلاف الى أبي الصلاح فاعتبر التتابع في قضاء شهر رمضان لا من حيث هو بل من أجل أنه (قده) يعتبر الفورية في القضاء المستلزمة له قهرا.

و لكنه مدفوع بما أسلفناك في محله من عدم الدليل على الفورية، فيجوز التأخير ما لم يصل حد التسامح و التهاون بل قام الدليل على جواز التأخير في خصوص المقام مثل ما دل على أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يأمر زوجاته بتأخير القضاء الى شهر شعبان.

و أما بالنسبة إلى قضاء الصوم المنذور فلا إشكال في عدم اعتبار التتابع فيما لم يكن معتبرا في أدائه، كما لو نذر أن يصوم أول جمعة من شهر رجب و آخر جمعة منه ففاتتاه معا فيجوز التفريق عندئذ قطعا كما هو ظاهر.

و أما فيما كان معتبرا في الأداء كالنذر المشروط فيه التتابع فالمشهور على عدم اعتباره في القضاء. و استقرب الشهيد في الدروس وجوبه، و تردد فيه العلامة في القواعد من أن القضاء بأمر جديد و لا دليل على اعتبار المتابعة فيه، و من أن القضاء هو الأداء بعينه ما عدا تغاير الوقت، فيتحدان في جميع الخصوصيات التي منها التتابع.

و الأقوى ما عليه المشهور لما عرفت من أن القضاء بأمر جديد حدث بعد سقوط الأمر الأول المعتبر فيه التتابع، و لا دليل على اعتباره في هذه الأمر الحادث، و مقتضى الإطلاق عدمه.

و دعوى ان الدليل عليه هو دليل القضاء، أعني قوله: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» لكون الفائت هنا متتابعا حسب الفرض يدفعها ان الرواية بهذا المتن نبوية لا يعتمد عليها. نعم ورد هذا

261

..........

____________

المضمون في صحيح زرارة: «يقضي ما فاته كما فاته. إلخ» (1) الا أن النظر في التشبيه مقصور على المماثلة من حيث القصر و التمام كما صرح بذلك في ذيل الصحيحة فلا إطلاق لها كي يقتضي الاتحاد من سائر الجهات حتى يستدعي اعتبار المتابعة في المقام.

و على الجملة بعد أن كان القضاء بأمر جديد فثبوته في كل مورد منوط بقيام الدليل عليه، و إلا فلا يحتمل وجوب القضاء عن كل فائت. فلو نذر زيارة الحسين (عليه السلام) أول رجب وفاته لا يجب قضاؤه بلا إشكال. و لو لا قيام الدليل على وجوب القضاء في الصوم المنذور لم نلتزم به لما عرفت من فقد الدليل العام على وجوب القضاء عن كل فائت، فإن النبوي قد عرفت حاله، و الصحيح مورده الصلاة كما عرفت.

و انما التزمنا به للنص الخاص أعني قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن مهزيار: (يصوم يوما بدل يوم) (2) و هذا كما ترى لا يدل إلا على أصل وجوب القضاء دون الخصوصيات الأخر المكانية و الزمانية و نحوهما و ان جعلها الناذر على نفسه. فلو نذر ان يصوم يوما من أيام الصيف الطويلة الشديدة الحر، أو أن يصوم في النجف الأشرف، أو أن يشتغل حال الصوم بالعبادة ففاته لعذر أو لغيره، فهل يحتمل عدم جواز القضاء في الشتاء أو في كربلاء، أو بغير العبادة فشرط المتابعة مثل هذه الخصوصيات غير واجب المراعاة، فيجزي التفريق إذ يصدق معه انه صام يوما بدل يوم الوارد في النص.

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

262

..........

____________

الثالث من موارد الاستثناء صوم الثمانية عشر بدل البدنة، أو التسعة بدل البقرة في جزاء الصيد. و لا يخفى أن هذا الاستثناء عجيب إذ لم يرد في المقام و لا رواية واحدة حتى ضعيفة تدل على المتابعة أو على عدمها فليس في البين عدا إطلاق الأمر بالصوم في هذه المدة.

فإن تمَّ الانصراف المدعى في المستثنى منه المبني عليه اشتراط التتابع هناك كما أسلفناك عن صاحب الجواهر، فلما ذا لا تتم هذه الدعوى في المقام، و ما الموجب للتمسك بالإطلاق في هذا المورد بخصوصه كي يستثنى عن تلك الضابطة الكلية المدعاة في كلام المحقق كما مر و ان لم يتم- كما هو الحق على ما سبق- فلما ذا ادعى هناك و شيّد عليها بنيان تلك القاعدة و الضابطة المزعومة.

و على الجملة لم نجد أي فارق بين المقام و بين سائر أقسام الصيام كي يدعي وجوب التتابع فيها و يستثنى عنه هذا المورد، بل المناط فيهما واحد إطلاقا أو انصرافا حسبما عرفت.

الرابع صوم السبعة أيام بدل الهدي، و هذا الاستثناء أعجب، و ذلك لورود النص الصحيح الصريح في المتابعة السليم عما يصلح للمعارضة، إذ لم يرد هنا ما يدل على جواز التفريق كي يتم الاستثناء عدا رواية إسحاق بن عمار الضعيفة السند بمحمد بن أسلم قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): اني قدمت الكوفة و لم أصم السبعة الأيام حتى فزعت في حاجة الى بغداد، قال: (صمها ببغداد، قلت: أفرقها؟ قال: نعم) (1).

و أما ما دل على وجوب المتابعة فروايات و فيها الصحيح.

منها خبر الحسين بن زيد- و في الجواهر يزيد بدل زيد و هو غلط منه أو

____________

(1) الوسائل باب 55 من أبواب الذبح ح 1.

263

..........

____________

من النساخ- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (السبعة الأيام، و الثلاثة الأيام في الحج لا تفرق انما هي بمنزلة الثلاثة الأيام في اليمين) (1).

و هي ضعيفة بالحسين بن زيد فإنه لم يوثق.

و منها ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد العلوي، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال:

سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج و السبعة أ يصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال: (يصوم الثلاثة لا يفرق بينها، و السبعة لا يفرق بينها، و لا يجمع السبعة و الثلاثة جميعا) (2).

و هذه الرواية و ان وقع الكلام في سندها من أجل العلوي الواقع في الطريق إلا أن الأظهر أنها معتبرة إذ يستفاد حسن الرجل من عبارة النجاشي كما تقدم قريبا فتذكر.

و مع الغض عن ذلك و تسليم ضعفها فتكفينا الرواية الثالثة التي هي نفس هذه الرواية بعين ألفاظها و لكن بطريق آخر صحيح قطعا، و هو ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر مباشرة كما نبه عليه في الوسائل في باب 55 من الذبح، و كأن صاحب الجواهر لم يلاحظ ذاك الباب و اقتصر على ملاحظة أبواب الصوم. و لأجله ناقش في سند الرواية من أجل العلوي.

و على أي تقدير فلا ينبغي التأمل في وجوب المتابعة في السبعة، استنادا الى هذه الصحيحة الصريحة في ذلك بعد سلامتها عما يصلح للمعارضة لضعف الخبر المزبور كما عرفت.

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 2.

(2) الوسائل باب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 5.

264

[مسألة 4 من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم انه لا يسلم له]

(مسألة 4) من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم انه لا يسلم له بتخلل العيد (1) أو تخلل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو إجارة أو شهر رمضان فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان بل يجب أن يصوم قبله يوما أو أزيد من رجب و كذا لا يجوز ان يقتصر على شوال مع يوم من ذي القعدة أو على ذي الحجة مع يوم من محرم لنقصان الشهرين

____________

هذا كله على مسلك المشهور من ضعف رواية إسحاق بن عمار لوقوع محمد بن أسلم في سندها فإنه لم يرد فيه توثيق و لا مدح في كتب الرجال و أما بناء على ما اخترناه من ثبوت وثاقته (1) لوقوعه في اسناد تفسير علي بن إبراهيم و كامل الزيارات فهي معارضة للصحيحة و الجمع العرفي يقتضي الحكم بجواز التفريق و استحباب المتابعة.

و المتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن انه كان من الأحرى على المحقق و صاحب الجواهر أن يعكسا ما ادعياه من الضابطة و ما استثني عنها فيذهبا الى ما هو الحق من أن مقتضى القاعدة عدم اعتبار المتابعة لإطلاق الأدلة إلا فيما قام الدليل الخاص على الاعتبار مثل الشهرين المتتابعين، و نحو ذلك بالعكس مما ذكراه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) فلو شرع و الحال هذه بان قصد بصومه امتثال الأمر المتعلق بصوم الكفارة- مثلا- المعتبر فيه التتابع ارتكب محرما لمكان التشريع، إذ ما يأتي به بعنوان امتثال الأمر لم يتعلق به أمر من قبل الشارع

____________

(1) كما في المعجم ج 15 ص 91.

265

بالعيدين نعم لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتفق فلا بأس على الأصح و ان كان الأحوط عدم الاجزاء، و يستثنى مما ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد (1) و هو صوم ثلاثة أيام بدل هدى التمتع إذا شرع فيه يوم التروية فإنه يصح و ان تخلل بينها العيد فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، و أما لو شرع فيه يوم عرفة أو صام يوم السابع و التروية و تركه في عرفة لم يصح و وجب الاستيناف كسائر موارد وجوب التتابع.

____________

بعد فرض عدم اتصافه بالتتابع من أجل التخلل المزبور، و ما تعلق به الأمر لم يقصده. و منه يظهر عدم صحة الاجتزاء و الاكتفاء به في مقام الامتثال.

هذا في فرض العلم و أما من لم يعلم به من حين الشروع لغفلة أو خطأ في الاعتقاد بحيث كان معذورا فلا بأس به كما ذكره في المتن. و سيجيء التعرض له مستقصى فيمن أفطر لعذر.

(1) بل موردان وقع الخلاف في كل منهما:

أحدهما: ما إذا كان القتل في أشهر الحرم و قد اختلف فيه الأصحاب على أقوال.

الأول: ما هو المشهور بينهم- على ما في الوسائل- من أن القاتل في أشهر الحرم يصوم في هذه الأشهر كفارة، و لا يضره تخلل العيد و أيام التشريق، و الظاهر من صاحب الجواهر (قده) اختيار هذا القول حيث انه حمل رواية زرارة على ذلك، و على هذا

266

..........

____________

فيكون ذلك أيضا مستثنى من الحكم المزبور.

الثاني: ما ذهب اليه الشيخ (قده) و نسب الى الصدوق في المقنع و الى ابن أبي حمزة و اختاره صاحب الحدائق من انه لا بد من الصوم حتى يوم العيد حيث ان القتل في أشهر الحرم يمتاز عن القتل في غيرها بأمرين (أحدهما) ان ديته غليظة كما صرح بذلك في بعض الروايات و فسرت في رواية معتبرة أخرى بأنها دية كاملة و ثلث الدية (ثانيهما) انه لا بد من أن يكون صوم الشهرين المتتابعين في أشهر الحرم و ان استلزم ذلك صوم يوم العيد و في هذا أيضا نوع من التغليظ.

و على هذا القول فليس هنا استثناء من الحكم المزبور و انما هو استثناء من حرمة الصوم يوم العبد و هذان القولان متفقان على صحة ما رواه زرارة في المقام و لزوم العمل بها و مختلفان من جهة كيفية استفادة الحكم منها.

الثالث:- ما يظهر من الماتن و المحقق (قدهما) من عدم جواز الإتيان بهذا الصوم مع تخلل العيد و قد صرح الماتن (قده) فيما يأتي بأن الرواية ضعيفة سندا و دلالة.

و قال المحقق (قده) في الشرائع «و كل من وجب عليه صوم متتابع لا يجوز أن يبتدئ زمانا لا يسلم فيه الى أن قال و قيل القاتل في أشهر الحرم يصوم شهرين منها و لو دخل فيها العيد و أيام التشريق لرواية زرارة و الأول أشبه».

و قال في المعتبر ان الرواية التي هي مستند الحكم نادرة و مخالفة لعموم الأحاديث المجمع عليها المانعة عن الصوم يوم العيد و لا يمكن ارتكاب التخصيص فيها فلا بد من رفضها.

أقول:- أما ما ذكره المحقق فلا تمكن المساعدة عليه بوجه،

267

..........

____________

فإن الرواية الواردة في المقام معمول بها على ما عرفت فكيف يمكن القول بأنها نادرة و أما مخالفتها لعموم الأحاديث فلا بأس بها فإنه لا مانع من تخصيص العمومات و ان كثرت بل و ان تواترت بل حتى عموم القرآن القطعي الصدور، لأن المعارضة حينئذ بين الظاهر و النص و لا تعارض بينهما حقيقة بعد وجود الجمع العرفي لكون النص قرينة عرفية للتصرف في الظاهر، فلا مانع من ارتكاب التخصيص في المقام كيف و الوارد في المقام اخبار آحاد دلت بعمومها على المنع عن صوم يوم العيد فتخصص بالنص الخاص الوارد في محل الكلام.

و أما ما ذكره الماتن (قده) من ضعف سند الرواية و دلالتها فهو أيضا لا يمكن المساعدة عليه و لبيان ذلك لا بد من التكلم في مقامين الأول في سند الرواية و الثاني في دلالتها.

أما المقام الأول: فتحقيق الحال فيه ان الروايات الواردة في محل الكلام و ان كانت بعضها ضعيفة الا أن في الصحيح منها كفاية.

فمنها: رواية زرارة عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام قال (ع) تغلظ عليه الدية و عليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم قلت فإنه يدخل في هذا شيء قال ما هو؟ قلت يوم العيد و أيام التشريق قال يصومه فإنه حق لزمه (1).

و هي ضعيفة بسهل بن زياد.

و منها:- ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن زرارة قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) في رجل قتل في الحرم قال عليه دية و ثلث و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم قال قلت

____________

(1) الوسائل باب 8 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

268

..........

____________

هذا يدخل فيه العيد و أيام التشريق فقال يصوم فإنه حق لزمه (1).

و هذه الرواية معتبرة جدا، فان طريق الشيخ الى ابن أبي عمير صحيح و حال من ذكر في السند من جهة الجلالة و الوثاقة معلوم فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية. و قد رواها صاحب الوسائل عن زرارة عن أبي جعفر (ع) و الظاهر انه سهو من قلمه الشريف و كأن الماتن (قده) لم يعثر عليها و لا على رواية أخرى لزرارة التي سنذكرها فحكم بضعف السند.

نعم: هذه الرواية- باختلاف يسير- رواها محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن تغلب عن زرارة قال قلت لأبي جعفر (ع) رجل قتل رجلا في الحرم قال عليه دية و ثلث و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم و يعتق رقبة و يطعم ستين مسكينا قال قلت يدخل في هذا شيء قال و ما يدخل؟ قلت العيدان و أيام التشريق قال يصوم فإنه حق لزمه (2).

و هي ضعيفة، فإن ابن أبي عمير لا يمكن أن يروى عن أبان بن تغلب بلا واسطة و بما أن الواسطة مجهولة فالرواية ضعيفة و لكن ضعفها لا يسري الى ما رواه الشيخ (قده) فإنهما روايتان إحداهما عن أبي عبد اللّه (ع) و هي التي رواها ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان بلا واسطة و ثانيتهما عن أبي جعفر (ع) و هي التي رواها ابن أبي عمير عن أبان بن تغلب مع الواسطة.

____________

(1) التهذيب ج 10 ح 851، الوسائل باب 3 من أبواب ديات النفس ح 3 ج 19 ص 150.

(2) الوسائل باب 8 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 2.

269

..........

____________

و لو تنزلنا عن ذلك و بنينا على وحدة الروايتين فلا بد من البناء على صحة ما ذكره الشيخ (قده) و الالتزام بوقوع التحريف في نسخ الكافي إذ لم تعهد رواية أبان بن تغلب عن زرارة و لا توجد له و لا رواية واحدة عنه في الكتب الأربعة غير هذه الرواية.

و مع التنزل عن هذا أيضا يكفينا في المقام ما رواه الشيخ بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل قتل رجلا خطأ في أشهر الحرم فقال (ع) عليه الدية و صوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم قلت ان هذا يدخل فيه العيد و أيام التشريق قال يصومه فإنه حق لزمه (1).

و رواها الشيخ الصدوق (قده) بإسناده عن ابن محبوب مثله غير انه رواها عن زرارة عن أبي جعفر (ع).

فالمتحصل مما ذكرناه ان الرواية مما لا ينبغي الشك في صحة سندها و لا وجه للمناقشة في ذلك بوجه.

و أما المقام الثاني:- فتوضيح الحال فيه أن الماتن صرح بضعف دلالة الرواية و قد تبع فيه صاحب الجواهر (قده) و لكنه لا موجب لذلك أصلا غير ما ذكره في الجواهر حيث انه ذكر في المقام روايتين إحداهما الرواية الاولى و ذكر عن العلامة ان في طريقها سهلا و هو ضعيف. و ثانيتهما ما رواه الكليني (قده) و ناقش في دلالتها بقوله:

«بل ارادة صوم الشهرين و انه لا يضر هذا الفصل بالتتابع أظهر من الأول- أي من جواز الصوم يوم العيد- لاتحاد ضمير (يصومه) و المتقدم فيه العيدان، مع انه ليس في هذه الأشهر إلا الأضحى إلا

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب ديات النفس ح 4.

270

..........

____________

أن يريد بالآخر يوم الغدير و ان لم يحرم صومه» (1).

أقول:- الظاهر انه (قده) غفل عن روايتين صحيحتين لزرارة غير هذه الرواية فإن المذكور فيهما كلمة (العيد) لا (العيدان) و المذكور في هذه الرواية أيضا كلمة (العيد) على ما في بعض النسخ و ان كان المذكور في أكثرها (العيدان). و اما اتحاد الضمير فلأجل أن مرجعه الداخل المستفاد من قوله (يدخل) سواء أ كان المذكور في النسخة العيد أم العيدان على أن بعض نسخ الكافي كالوسائل خال عن الضمير و على كل حال فقد عرفت ان هذه الرواية ضعيفة و غير قابلة للاعتماد عليها و انما المعتمد غيرها و ظهوره في وجوب صوم يوم العيد غير قابل للإنكار.

(تتميم). فيه أمران:

الأول:- ذكر المحقق في كتاب الشرائع جواز التلفيق في صوم شهرين متتابعين، فيجوز له أن يصوم الشهر الأول مقدارا منه في شهر و مقدارا منه في الشهر الثاني. و ذكر انه لا بد في التتميم من عد ثلاثين يوما و ان كان الشهر الأول ناقصا.

و يظهر من صاحب الجواهر (قده) (2) التسالم علي جواز ذلك و ان كان قد تنظر في لزوم العد ثلاثين يوما ان كان الشهر الأول ناقصا.

و لكن الظاهر عدم جواز ذلك، فان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين قال اللّه سبحانه إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّٰهِ اثْنٰا عَشَرَ شَهْراً، و إطلاقه على ثلاثين يوما الملفقة من شهرين يحتاج إلى العناية فإنه على خلاف المعنى الحقيقي و انما يصار اليه فيما إذا قامت قرينة عليه كما في قوله

____________

(1) الجواهر الجزء 17 ص 89.

(2) الجزء 33 ص 279.

271

..........

____________

تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فإن القرينة الخارجية و هي نذرة وقوع الموت في الآن الأول ما قبل هلال الشهر و لزوم اتصال العدة بالموت أو بالعلم به دلتنا على أن المراد بالشهر مقداره.

و نحوه ما ورد في عدة طلاق المسترابة من أنها ثلاثة أشهر و كذا في نفس طلاقها من لزوم وقوعه بعد ثلاثة أشهر من وطيها رعاية لحصول شرط الوقوع في طهر غير المواقعة لما عرفت من ندرة وقوع الطلاق أو الوقاع في آن يرى الهلال بعده.

و كذا نحو قولك مكثت في بلدة كذا شهرا أو كانت مدة سفري شهرا فان المراد في الجميع ما يعم التلفيق كالعشرة أيام المعتبرة في قصد الإقامة لما عرفت من القرينة الخارجية و إلا فاللفظ- مع قطع النظر عنها- ظاهر في معناه الحقيقي أعني ما بين الهلالين بداهة أن الملفق من نصفي الشهرين نصفان من شهرين لا أنه شهر واحد كما أن الملفق من سورتين نصفان- مثلا- من سورتين لا أنهما سورة واحدة و من البين ان هذه القرينة مفقودة فيما نحن فيه إذ لم يدل أي دليل على جواز التلفيق. إذا فلا مناص من صوم شهر كامل هلالي و يوم آخر أو أكثر من الشهر الثاني.

و يزيد ما ذكرناه وضوحا قول الامام (عليه السلام) في صحاح زرارة و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم فإن أشهر الحرم رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و محرم و الملفق من شهرين منها و ان قلنا بأنه يطلق عليه الشهر حقيقة إلا أنه ليس من أشهر الحرم غايته انه واقع في أشهر الحرم.

272

..........

____________

و المتحصل انه يستفاد من هذه الروايات بوضوح ان اللازم صوم شهر هلالي كامل و لا يجزى التلفيق في مقام الامتثال و ان كان لم نعثر على من تنبه لذلك و اللّه العالم.

الثاني:- إنه يظهر من صحاح زرارة انه كان يرى ان صوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم يلازم دخول العيد و أيام التشريق فيه و قد أقره الإمام (عليه السلام) على ذلك و هذا ينافي ما تقدم من تحقق التتابع بصوم شهر كامل و شيء من الشهر الآخر فإنه إذا وقع القتل في شهر محرم أو رجب أمكنه أن يصوم شهر ذي القعدة و يوما أو أياما قبل العيد و يصوم الباقي بعد أيام التشريق و إذا وقع القتل في ذي القعدة أو ذي الحجة فإن قلنا بجواز التلفيق أمكنه ذلك غالبا و ان لم نقل به أو لم يمكن كما إذا وقع القتل في آخر ذي الحجة يؤخر الصوم إلى السنة الآتية، و على كل تقدير فلا يستلزم صوم شهرين متتابعين دخول يوم العيد و أيام التشريق و عليه فلا مناص من رفع اليد عن إطلاق ما دل على كفاية صوم شهر كامل و شيء من الشهر الآخر في حصول التتابع و الالتزام بلزوم صوم ذي القعدة و ذي الحجة بتمامهما أو صوم ذي الحجة و محرم كذلك في خصوص القتل في أشهر الحرم تحفظا على ما دلت عليه صحاح زرارة و لم نر في كلمات الفقهاء من تنبّه لذلك أيضا.

المورد الثاني:- ما ذكره في المتن و هو صوم ثلاثة أيام بدل هدى التمتع، فإنه لو صام الثلاثة في اليوم السابع و الثامن و التاسع من ذي الحجة فلا اشكال فيه لحصول المتابعة، بل لا يبعد جواز الصوم من أول ذي الحجة لدلالة النصوص المعتبرة عليه.

273

..........

____________

و أما لو لم يصم كذلك أو ورد ليلة التروية و لم يتمكن من الهدي فالمعروف انه يجوز الصوم يوم التروية و يوم عرفة و يؤخر الثالث الى ما بعد العبد، أو بعد أيام التشريق، لمن كان بمنى- لحرمة الصوم له في هذه الأيام كيوم العيد- و هل يجب الاتصال حينئذ أو انه يجوز الفصل إلى نهاية ذي الحجة؟ كلام آخر خارج عن محل البحث و ان أشار إليه في المتن بقوله (بلا فصل). و الذي يهمنا فعلا البحث عن نفس التفريق و ترك التتابع. و قد عرفت ان المشهور ذهبوا الى جوازه استنادا الى الروايتين الآتيتين.

و لكن ناقش فيه صاحب المدارك بضعفهما سندا، فكيف يرفع اليد بهما عن الروايات الصحيحة الصريحة في أن من لم يتمكن أو لم يصم الثلاثة قبل العيد فليصمها بعد أيام التشريق هذا.

و الروايتان إحداهما:

ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم- و طريقه اليه صحيح- عن محمد بن أحمد عن مفضل بن صالح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن صام يوم التروية و يوم عرفة، قال:

(يجزيه أن يصوم يوما آخر) (1) و هي ضعيفة السند بمفضل بن صالح أبي جميلة الذي ضعفه النجاشي و غيره صريحا. و معه لا حاجة للتكلم حول محمد و أحمد و انهما من هما.

و ثانيتهما: ما رواه الشيخ عنه أيضا عن النخعي- و هو أيوب بن نوح- عن صفوان عن يحيى الأزرق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا و ليس له هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة. قال: (يصوم يوما آخر بعد أيام

____________

(1) الوسائل باب 52 من أبواب الذبح ح 1.

274

..........

____________

التشريق) (1) و رواها الصدوق أيضا بإسناده عن يحيى الأزرق.

و قد نوقش في سندها بان يحيى الأزرق مردد بين ابن حسان الضعيف و ابن عبد الرحمن الثقة. و لا يبعد أن هذا هو الأول فإن الصدوق يرويها عن يحيى الأزرق كما عرفت، ثمَّ يقول في المشيخة: و ما أرويه عن يحيى الأزرق فقد رويته عن. الى أن يقول عن يحيى بن حسان الأزرق. فيعلم من ذلك ان مراده مما أطلقه في الفقيه هو ابن حسان الضعيف فيكون هو المراد في رواية الشيخ أيضا كما لا يخفى.

و لا يصغى الى ما احتمله بعضهم من كون النسخة في المشيخة مغلوطة و ان الصحيح عبد الرحمن بعد تطابق النسخ- فيما ندري- على كلمة حسان كما ذكرناه.

و ما في خاتمة الوسائل نقلا عن مشيخة الفقيه (2) من قوله:

«و ما كان فيه عن يحيى بن حسان الأزرق فقد رويته عن أبي- إلى قوله- عن يحيى بن حسان الأزرق» حيث كرر ذكر حسان في الصدر و الذيل غلط قطعا، إذ لم يرو الصدوق في الفقيه و لا رواية واحدة بعنوان يحيى بن حسان الأزرق، بل كله بعنوان يحيى الأزرق و الصحيح ما أثبتناه من ذكر حسان في الذيل و حذفه عن الصدر.

و كيفما كان فالمراد بالرجل في رواية الفقيه هو ابن حسان، فيكون كذلك في رواية الشيخ أيضا، إذ هي رواية واحدة لا فرق بينهما، غير أن الصدوق يرويها عن أبي إبراهيم (عليه السلام) و الشيخ عن أبي الحسن (عليه السلام) الذي لا تأثير له في المطلوب بعد أن كان كل منهما كنية للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) و لأجله يحكم بضعف الرواية.

____________

(1) الوسائل باب 52 من أبواب الذبح ح 2.

(2) الوسائل ج 19 ص 432.

275

..........

____________

فيبتني على البحث المعروف من أن عمل المشهور هل يكون جابرا لها أم لا؟ و حيث لا نقول بالجبر فتسقط الرواية، و لا يبقى مستند لفتوى المشهور كما صرح به في المدارك. هذا و لكن الظاهر ان الرواية معتبرة، و ان المراد بيحيى الأزرق هو ابن عبد الرحمن الثقة دون ابن حسان الضعيف.

أما أولا فلأن ابن حسان من أصحاب الصادق (عليه السلام) كما نص عليه الشيخ في رجاله، و ابن عبد الرحمن من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، و الرواية مروية عن موسى بن جعفر (عليه السلام) كما عرفت و ثانيا ان ابن حسان لم ترو عنه في مجموع الفقه و لا رواية واحدة فليس هو من الرواة. و ان عده الشيخ من أصحاب الصادق (ع).

فإن شأنه استقصاء كل من صاحب الامام (عليه السلام) و عاصره سواء أروى عنه أم لا حتى انه عد المنصور أيضا من أصحاب الصادق (ع) و أما يحيى بن عبد الرحمن فهو من الرواة المشهورين و له كتاب رواه عنه علي بن الحسن بن رباط و ابن سماعة و القاسم بن إسماعيل القرشي فاشتهاره بين الرواة و لا سيما بضميمة عدم وجود رواية عن ابن حسان كما عرفت يستدعي انصراف اللفظ عند الإطلاق اليه.

و يؤيده ان الشيخ روى في التهذيب في باب الخروج الى الصفا (1) رواية عن صفوان، و علي بن النعمان عن يحيى بن عبد الرحمن الأزرق و روى في باب الزيادات في فقه الحج (2) نفس هذه الرواية بعين السند و المتن، و لكن عن يحيى الأزرق، كما ان الصدوق أيضا رواها في الفقيه في باب حكم من قطع عليه السعي كذلك.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 157.

(2) التهذيب ج 5 ص 472.

276

..........

____________

فيظهر ان المراد من يحيى الأزرق عند الإطلاق هو ابن عبد الرحمن كما عرفت.

و من ذلك كله يظهر ان ما ذكره الفقيه في المشيخة من قوله:

عن يحيى بن حسان الأزرق- كما تقدم- إما غلط من النساخ أو سهو من قلمه الشريف، أو اجتهاد منه، فتخيل ان ما تلقاه من مشايخه عن يحيى الأزرق يراد به ابن حسان و قد أخطأ فيه.

و لو تنازلنا و سلمنا صحة نسخة المشيخة و عدم الخطأ و الاشتباه فغايته أن يكون المراد بيحيى الأزرق في رواية الصدوق هو ابن حسان بقرينة التصريح به في المشيخة. و أما في رواية الشيخ فكلا، إذ لا مقتضي له أبدا بعد انصراف المطلق الى الفرد المشهور و سائر القرائن التي تقدمت. فهو في رواية الشيخ يراد به ابن عبد الرحمن الثقة البتة.

فغاية ما هناك أن تكون الرواية مروية عن الكاظم (عليه السلام) بطريقين عن رجلين. أحدهما طريق الصدوق بإسناده عن أبان عن يحيى بن حسان. و الآخر طريق الشيخ بإسناده عن صفوان عن يحيى ابن عبد الرحمن، و لا ضير في روايتها عن الكاظم (عليه السلام) مرتين فاذا كان الطريق الثاني صحيحا كفى في اعتبار الرواية و ان كان الطريق الأول ضعيفا.

فتحصل انه لا ينبغي التأمل في صحة الرواية و اعتبارها، و ان مناقشة صاحب المدارك في غير محلها. فالأقوى ما عليه المشهور من صحة الاستثناء.

ثمَّ ان صاحب الجواهر ذكر في كتاب الصوم في بحث اشتراط التتابع (1) صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج.

____________

(1) الجواهر ج 17 ص 83.

277

..........

____________

قال: كنت قائما أصلي و أبو الحسن قاعد قدامي و أنا لا أعلم فجاءه عباد البصري فسلم ثمَّ جلس، فقال له: يا أبا الحسن ما تقول في رجل تمتع و لم يكن له هدي؟ قال: يصوم الأيام التي قال اللّه تعالى، قال، فجعلت سمعي إليهما، فقال له عباد: و أي أيام هي؟

قال: قبل التروية بيوم، و يوم التروية، و يوم عرفة، قال: فإن فإنه ذلك، قال: يصوم صبيحة الحصبة و يومين بعد ذلك، قال:

فلا تقول كما قال عبد اللّه بن الحسن، قال: فأي شيء قال؟ قال:

يصوم أيام التشريق، قال: ان جعفرا كان يقول: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أمر بديلا ينادي ان هذه أيام أكل و شرب فلا يصومن أحد، قال يا أبا الحسن ان اللّه قال (فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ) قال كان جعفر يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحج (1).

قال الشيخ (قده) في التهذيب بعد نقل الرواية كما ذكرناها ما لفظه: «و من صام يوم التروية و يوم عرفة فإنه يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق، و متى لم يصم يوم التروية لا يجوز له أن يصوم يوم عرفة، بل يجب عليه أن يصوم بعد انقضاء أيام التشريق ثلاثة أيام متتابعات يدل على ذلك ما رواه موسى بن القاسم. إلخ (2) و هذه الزيادة كما ترى من عبارة الشيخ و ليست جزء من الرواية، و لم يلحقها بها أحد لا صاحب الوسائل و لا غيره، إلا أن صاحب الجواهر (قده) جعلها جزء منها. و لأجله ذكرها في جملة الروايات المستدل بها للمشهور، و لكنه سهو منه (قده)، و لذا لم يذكرها في

____________

(1) الوسائل باب 51 من أبواب الذبح ح 4.

(2) التهذيب ج 5 ص 231.

278

[ (مسألة 5) كل صوم يشترط فيه التتابع]

(مسألة 5) كل صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر اختيارا يجب استينافه (1) و كذا إذا شرع فيه في زمان يتخلل فيه صوم واجب آخر من نذر و نحوه و أما ما

____________

باب الذبح، بل اقتصر على الروايتين المتقدمتين.

ثمَّ لا يخفى انا إذا بنينا على تمامية مقالة المشهور من جواز التفريق استنادا الى النص الذي عرفت صحته. فلا بد حينئذ من الاقتصار على مورده، أعني صيام يوم التروية و عرفة، و تأخير الثالثة. و أما صيام يوم واحد قبل العيد أما التروية أو عرفة و تأخير يومين بحيث يكون التفريق بين يوم و يومين فالظاهر عدم جوازه لعدم الدليل على صحة التفريق بهذا النحو فيبقى تحت عمومات المنع.

و بعبارة أخرى مقتضى إطلاق الأدلة اعتبار المتابعة و عدم جواز التفريق مطلقا خرجنا عن ذلك في مورد واحد بموجب النص و هو تقديم يومين على العيد، و تأخير يوم فيرتكب التخصيص بهذا المقدار و أما عكس ذلك أعني تقديم يوم و تأخير يومين فلم يدل دليل على جواز هذا النوع من التفريق فيشمله عموم المنع.

و قد ورد في بعض النصوص المنع عن صوم يوم التروية و يوم عرفة، و قد حمله الشيخ على ارادة صوم كل منهما على سبيل الانفراد و هو جيد و مؤيد لما ذكرناه من عدم جواز التفريق المزبور.

(1) قد يكون التتابع شرطا في الصوم، و أخرى من قبيل الواجب في واجب من دون افتراض الاشتراط.

أما الأول فكما في صوم الشهرين المتتابعين في كفارة رمضان أو الظهار، أو القتل حيث إن ظاهر الأدلة بل صريحها تعلق أمر واحد

279

لم يشترط فيه التتابع و ان وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استينافه و ان أثم بالإفطار كما إذا نذر التتابع في قضاء رمضان فإنه لو خالف و أتى به متفرقا صح و ان عصى من جهة خلف النذر.

____________

بالمجموع المركب من المقيد و قيده، فليس الواجب صوم الشهرين على إطلاقه بل حصة خاصة منه المتصفة بالتتابع، فلو أخل بالقيد عامدا فصام الشهرين متفرقا فقد أخل بأصل الواجب لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه فلم تفرغ الذمة عن الكفارة بوجه.

و دعوى ان التتابع حينئذ واجب تعبدي خلاف ظواهر الأدلة جدا بل صريحها حسبما عرفت.

و أما الثاني: فكما لو نذر أن يصوم ما فاته من قضاء شهر رمضان متتابعا فإن الأمر المتعلق بالقضاء موسع و إطلاق دليله لا يتقيد بالنذر بحيث ينقلب قلم التشريع من الإطلاق إلى التضييق ضرورة أن النذر لا يكون مشرعا و لا يتغير و لا يتبدل به حكم من الأحكام المجعولة بالجعل الأولي. غايته ان الناذر قد جعل على نفسه شيئا و قد أمضاه الشارع و هذا حكم آخر نشأ عن ملاك آخر فهو تكليف مستقل لا يترتب على مخالفته إلا الإثم و الكفارة لو كان عامدا و إلا فلا شيء عليه. فلو قضى الناذر المزبور صيامه متفرقا فقد برئت ذمته عن القضاء و صح صومه و ان عصى من جهة مخالفة النذر. و هذا مثل ما لو نذر أن يقضي ما فاته من صلواته متتابعا أو أن يصلي الظهر جماعة أو في المسجد أو أول الوقت، فإنه لو أخل به صحت صلاته و ان أثم من أجل حنث النذر و لزمته الكفارة مع العمد حسبما عرفت.

280

[ (مسألة 6) إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار]

(مسألة 6) إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار كالمرض و الحيض (1) و النفاس.

____________

(1) يقع الكلام تارة فيما لو أفطر لعذر أثناء الشهرين المتتابعين، و أخرى فيما لو أفطر في غير الشهرين من سائر أقسام الصوم المشروط فيه التتابع فهنا مقامان:

أما المقام الأول فلا خلاف كما لا إشكال في انه يبني على ما مضى بل هو مورد للإجماع و الاتفاق فلا يعتني بالإفطار المتخلل في البين المستند الى عذر من الاعذار من مرض أو حيض أو نفاس و نحوها، بل يفرض كالعدم، و ينضم اللاحق الى السابق. و قد دلت عليه جملة من النصوص معللا في بعضها بأنه مما غلب اللّه عليه، و ليس على ما غلب اللّه عليه شيء التي منها صحيحة رفاعة عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا و مرض، قال: يبني عليه، اللّه حبسه، قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت و أفطرت أيام حيضها، قال: تقضيها، قلت: فإنها قضتها ثمَّ يئست من المحيض، قال: لا تعيدها أجزأها ذلك.

و صحيحة سليمان بن خالد عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة و عشرين يوما ثمَّ مرض فإذا برئ يبنى على صومه أم يعيد صومه كله؟

قال: بل يبنى على ما كان صام، ثمَّ قال: هذا مما غلب اللّه عليه، و ليس على ما غلب اللّه عز و جل عليه شيء و نحوهما غيرهما (1).

و لكن بإزائها صحيحة جميل و محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل الحر يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 10، 12.

281

..........

____________

ثمَّ يمرض، قال: يستقبل فان زاد على الشهر الآخر يوما أو يومين بنى على ما بقي (1).

و النكتة في التقييد بالحر ان كفارة العبد شهر واحد نصف الحر و قد حملت تارة على الاستحباب و هو كما ترى لما تكرر في مطاوي هذا الشرح من ان قوله: يستقبل أو يعيد و نحو ذلك ظاهر في الإرشاد إلى الفساد، كما ان لا يعيد إرشاد إلى الصحة و الاجزاء من غير أن يتضمن حكما تكليفيا و لا معنى لاستحباب الفساد كما لا يخفى.

و أخرى- كما فعله الشيخ- على ما إذا لم يبلغ المرض حدا يمنع عن الصوم. فقوله: يستقبل أي يسترسل في صيامه و لا يفطر.

و هو أيضا بمكان من البعد و عريّ عن الشاهد، فان ظاهر كلمة يستقبل هو أنه يستأنف و يشرع من الأول. بل ان مفهوم الذيل يجعله كالصريح في ذلك كما لا يخفى.

فهذان الحملان بعيدان عن المتفاهم العرفي جدا. و عليه فلو كنا نحن و هذه الصحيحة و كانت سليمة عن المعارض لالتزمنا بالتخصيص في النصوص المتقدمة لأنها مطلقة من حيث الكفارة، و من حيث العذر، و هذه خاصة بكفارة الظهار و بعذر المرض فيخصص و يلتزم بالاستيناف و عدم جواز البناء على ما مضى في خصوص هذا المورد فتأمل إلا أنها في موردها مبتلاة بالمعارض و هي صحيحة أخرى لرفاعة الواردة في الظهار بعينه، قال: المظاهر إذا صام شهرا ثمَّ مرض اعتد بصيامه (2). و معلوم ان المخصص المبتلى في مورده بالمعارض

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 3.

(2) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 13.

282

..........

____________

غير صالح للتخصيص إذا تسقط الروايتان بالمعارضة فيرجع الى عموم الروايات المتقدمة المتضمنة للبناء على الإطلاق.

نعم قد يتوهم معارضتها بصحيحة الحلبي التي هي أيضا مطلقة تشمل الظهار و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن قطع صوم كفارة اليمين و كفارة الظهار، و كفارة القتل، فقال: ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين الى أن قال: و ان صام شهرا ثمَّ عرض له شيء فأفطر قبل أن يصوم من الآخر شيئا فلم يتابع أعاد الصوم كله (1) و يندفع بأن قوله (عليه السلام): ثمَّ عرض له شيء. إلخ.

مطلق من حيث كون العارض أمرا غير اختياري و مما غلب اللّه عليه مثل المرض و الحيض و نحوهما، أو اختياريا مثل ما لو عرض شيء يقتضي سفره اختيارا من عرس أو موت أو معالجة و نحو ذلك من الضروريات العرفية المستدعية للإفطار الاختياري من غير أن يكون معذورا فيه شرعا، إذ يصدق معه أيضا انه عرض له شيء كما لا يخفى. فلا جرم تكون هذه الصحيحة أعم من النصوص المتقدمة الخاصة بمورد العذر الذي غلب اللّه عليه فتحمل هذه على غير مورد العذر من العوارض الاختيارية و تخصص بتلك النصوص فلا تعارض.

فتحصل ان النصوص المتضمنة للبناء في مورد العذر سليمة عن المعارض، و المسألة اتفاقية كما عرفت.

و أما المقام الثاني أعني حكم القطع من حيث البناء و عدمه في غير الشهرين المتتابعين من سائر أقسام الصيام المشروط فيها التتابع كصوم الشهر في كفارة الظهار من العبد الذي هو نصف كفارة الحر، و صوم الثمانية عشر بدل البدنة، أو التسعة أو الثلاثة و نحو ذلك. فيقع

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 9.

283

..........

____________

الكلام تارة فيما لو قطع اختيارا، و أخرى لعذر من مرض أو حيض و نحوهما.

أما الأول: فسيأتي الكلام حوله عند تعرض الماتن له في المسألة الآتية ان شاء اللّه تعالى.

و أما الثاني: فالأكثر بل المشهور هو البناء بعد ارتفاع العذر على ما قطع مطلقا كما هو الحال في الشهرين نظرا الى عموم التعليل الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة في صوم الشهرين من قوله (عليه السلام): (و ليس على ما غلب اللّه عز و جل عليه شيء) فإنه يقتضي سريان الحكم لكل مورد غلب اللّه عليه من غير اختصاص بمورده فعموم العلة حاكم على الأدلة الأولية و موجب لشمول الحكم لكل صوم مشروط فيه التتابع و انه يبنى في صورة العذر. و بإزاء المشهور أقوال منها ما عن صاحب المدارك من إنكار البناء مطلقا نظرا الى اختصاص النصوص بالشهرين بأجمعها ما عدا رواية ابن أشيم الضعيفة (1) على المشهور فلا بد من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص فيبقى المكلف في غيره تحت العهدة الى أن يتحقق الامتثال بالإتيان بالمأمور به على وجهه المقتضى لرعاية المتابعة عملا بعموم أدلتها.

و يندفع بان مورد النصوص و ان كان مخصوصا بالشهرين كما ذكره (قده) إلا أن التعليل المزبور الوارد في ذيل صحيحة سليمان ابن خالد قرينة عرفية على التعدي و ارتكاب التخصيص في عمومات التتابع إذ لم يكن مختصا بمورده، و إلا لم يكن وجه للتعليل كما لا يخفى. فهو بحسب الفهم العرفي يقتضي التوسعة في نطاق الحكم و ان كل ما كان مصداقا لغلبة اللّه فهو محكوم بالبناء.

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 2.

284

..........

____________

و منها ما عن جماعة من التفصيل بين كل ثلاثة يجب تتابعها ككفارة اليمين و نحوها و بين غيرها فيختص البناء بالثاني. اما الأول فيجب الاستيناف إذا أفطر بينها لعذر أو لغير عذر إلا ثلاثة الهدي كما تقدم.

و يندفع بعدم الدليل على الاختصاص عدا ما ورد في ذيل صحيحة الحلبي من قوله (عليه السلام): (صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات و لا تفصل بينهن) و نحوه صحيح ابن سنان و خبر الجعفري (1) و لكنها مطلقة من حيث الاختيار و الاضطرار فتقيد بمقتضى عموم التعليل المزبور و تحمل على إرادة عدم جواز الفصل اختيارا دون ما غلب اللّه عليه من مرض و نحوه، إذ لا قصور في صلوح التعليل المزبور لتخصيص هذه الأدلة أيضا كغيرها حسبما عرفت.

و منها ما عن الشيخ (قده) في النهاية من التفصيل فيمن نذر ان يصوم شهرا متتابعا فعرض ما يفطر فيه بين بلوغ النصف و عدمه فيبني في الأول و يستأنف في الثاني.

و الظاهر ان مستنده في ذلك هي رواية موسى بن بكر إما بواسطة الفضيل أو بدونه عن الصادق، أو أبي جعفر (عليهما السلام) على اختلاف طريق الكليني و الشيخ حسبما مر: «في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثمَّ عرض له أمر فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي، و ان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما» (2) فإنها و ان لم يصرح فيها بنذر التتابع الا أن قوله (عليه السلام) في الجواب. «حتى

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 4، 1، 3.

(2) الوسائل باب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

285

..........

____________

يصوم شهرا تاما» يكشف عن تعلق النذر بالمتابعة. كيف و لو لا ذلك لم يكن موقع للسؤال من أصله ضرورة وضوح عدم لزوم الاستيناف فيما لو كان مطلقا أو على سبيل التفريق كأن يصوم شهرا خلال أربعة أشهر كل شهر أسبوع مثلا كما هو ظاهر.

و يندفع بأن الرواية و ان كانت معتبرة السند لوجود موسى بن بكر في اسناد تفسير علي بن إبراهيم و ان لم يوثق (1) صريحا في كتب الرجال كما تقدم.

إلا أنها قاصرة الدلالة على المطلوب إلا بالإطلاق، إذ العارض المفروض في السؤال مطلق من حيث الاضطرار و الاختيار، فكما انه يصدق مع العذر الذي يكون مما غلب اللّه عليه، كذلك يصدق مع عروض الضرورة العرفية المقتضية للإفطار اختيارا، كما لو دعت الحاجة الى السفر لأجل زفاف أو استقبال مسافر، أو معالجة، أو تجارة و نحو ذلك.

و مقتضى الجمع بينها و بين التعليل في صحيحة ابن خالد المتقدمة ارتكاب التقييد، فتحمل هذه على العارض الاختياري إذا تكون هذه الرواية من أدلة التفصيل في العارض الاختياري بين بلوغ النصف و عدمه في صوم الشهر المشروط فيه التتابع الذي يقع الكلام حوله في المسألة الآتية ان شاء اللّه تعالى، و أجنبية عن الإفطار لعذر الذي هو محل الكلام.

____________

(1) بل في المعجم ج 19 ص 37 استظهار وثاقته نظرا إلى شهادة صفوان بأن كتابه مما لا مختلف فيه أصحابنا.

286

و السفر الاضطراري دون الاختياري (1) لم يجب استينافه بل يبني على ما مضى،

____________

(1) وقع الخلاف في السفر الواقع أثناء الصوم المشروط فيه التتابع من حيث القطع و عدمه على أقوال ثلاثة:

فقد ذهب في المستند الى أن السفر قاطع للتتابع من غير فرق بين الاختياري و الاضطراري، بل استظهر الإجماع عليه، و اختاره في محكي الوسيلة و السرائر، و ظاهر الخلاف نظرا الى استناده حتى الاضطراري منه الى فعل العبد، فلا يكون مما غلب اللّه عليه.

و بإزاء ذلك ما قواه في الجواهر من عدم القطع مطلقا استنادا إلى أنه بعد السفر حتى الاختياري محبوس عن الصوم مقهور من قبل اللّه تعالى على الإفطار.

و ذهب المحقق في المعتبر و تبعه جمع منهم الماتن (قده) الى التفصيل بين السفر الاختياري فيقطع دون الاضطراري.

أقول: مبنى النزاع هو الاختلاف في تفسير المراد مما غلب اللّه المذكور في التعليل الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة.

فصاحب المستند يفسره بما لا يكون لإرادة العبد مدخل في تحقق السبب الموجب للإفطار مثل المرض و الحيض و نحوهما. أما السفر فهو فعل ارادي يفعله المكلف باختياره و ان كان الباعث عليه هو الاضطرار و الضرورة الملحة. فهو إذا ليس مما غلب اللّه عليه في شيء، بل هو بنفسه عامد في ترك التتابع، فلا تشمله الصحيحة، و على تقدير الشمول فهو معارض بإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي:

«. و ان صام شهرا ثمَّ عرض له شيء فأفطر قبل أن يصوم من

287

..........

____________

الآخر شيئا فلم يتابع أعاد الصوم كله» (1) فان العارض يشمل السفر أيضا، و بعد التساقط يرجع الى عمومات أدلة التتابع.

و صاحب الجواهر يفسره بما إذا كان الإفطار المخل بالتتابع مما غلب اللّه و ألزم عليه بحيث يكون هو الذي حبسه و منعه عن الصوم سواء أ كان السبب المؤدي للإفطار المزبور اختياريا للمكلف أم اضطراريا، فهو (قده) يقصر النظر على المسبب أعني الإفطار و يجعله مركزا لغلبة اللّه في قبال الإفطار الذي يفعله المكلف من تلقاء نفسه كما ان نظير صاحب المستند مقصور على السبب فقط، الموجب للإفطار حسبما عرفت.

و الصحيح لزوم الجمع بين النظرين و ملاحظة كلا الأمرين الذي نتيجته اختيار حد وسط بين القولين معتدل بين جانبي الإفراط و التفريط، و هو الذي اختاره في المتن تبعا للمحقق، إذ لا وجه لقصر النظر على المسبب و إلغاء السبب ضرورة ان الإفطار بعد اختيار السفر و ان كان مما ألزم عليه الشارع الا ان هذا المقدار لا يكفي في جعله مما غلب اللّه بعد أن كانت تلك المقهورية الشرعية مستندة الى اختيار المكلف فإنه هو الذي أوقع نفسه في هذه الورطة باختيار مقدمتها و هو السفر من غير ضرورة تقتضيه. فمجرد الحبس التشريعي غير كاف في صدق الغلبة بعد أن كان مستندا و مسببا عن الاختيار التكويني فلا يكون الإخلال بالمتابعة حينئذ الا من قبل المكلف نفسه باختياره ما يؤدي إليه.

كما لا وجه لقصر النظر على السبب فان السفر و ان كان فعلا اختياريا للعبد، الا أنه إذا كان مسبوقا بالاضطرار أو بالإكراه، أي كان

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 9.

288

و من العذر ما إذا نسي النية حتى فات وقتها (1) بان تذكر بعد الزوال و منه أيضا ما إذا نسي فتوى صوما آخر و لم يتذكر الا بعد الزوال،

____________

الباعث عليه الإلزام من قبل العقل أو الشرع بحيث لا يسعه التخلف عنه فهو لا جرم مقهور عليه في إرادته لا مفر منها و لا مخلص عنها، و مثله مصداق لغلبة اللّه بطبيعة الحال. أ ترى ان الصائم لو شاهد غريقا يمكنه استنقاذه المتوقف على الارتماس و هو حينئذ ملزم من قبل الشارع بهذا الارتماس مقهور عليه لا يكون ذلك مما غلب اللّه عليه كلا، بل هو من أظهر مصاديق هذا العنوان في نظر العرف و ان كان الارتماس فعلا اختياريا له.

و على الجملة فالتعليل ينطبق على السفر أيضا فيما إذا كان اضطراريا كما ينطبق على الحيض و المرض بمناط واحد و بذلك يرتكب التقييد في إطلاق صحيح الحلبي المتقدم و يحمل على ما إذا كان العارض من سفر و نحوه امرا اختياريا بحيث لا يكون مما غلب اللّه عليه جمعا بينه و بين التعليل المزبور.

فتحصل ان التفصيل المذكور في المتن بين السفر الاختياري و الاضطراري هو المتعين، و يجري مثله في المرض و الحيض بنفس المناط كما لا يخفى.

(1) لصدق ما غلب اللّه عليه المذكور في التعليل على ما فات نسيانا، سواء أ كان المنسي أصل النية أم عنوان الصوم.

و ناقش فيه في الحدائق بأن النسيان من الشيطان كما يفصح عنه قوله تعالى فَأَنْسٰاهُ الشَّيْطٰانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فهو من غلبته لا من غلبة

289

و منه أيضا ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل خميس فان تخلله في أثناء التتابع لا يضر به (1) و لا يجب عليه الانتقال

____________

اللّه تعالى الذي هو الموضوع في التعليل.

و لعل الجواب عنه واضح. أما أولا فلأن الآية المباركة ناظرة إلى قضية شخصية فلا تدل على أن النسيان من الشيطان دائما، و على سبيل الكبرى الكلية فإن مفادها قضية خارجية لا حقيقية.

و ثانيا سلمنا ذلك لكن لا يلزم في صدق ما غلب اللّه أن يكون الفعل مستندا اليه تعالى مباشرة و من غير وساطة أي مخلوق. فلو فرضنا ان شخصا ضرب الصائم فأمرضه، و بالنتيجة منعه عن التتابع أ فلا يكون ذلك من غلبه اللّه و حبسه لمجرد استناد المرض الى الضرب المستند الى الضارب، بل كثيرا ما يستند المرض الى نفس المريض من أجل عدم مبالاته في المأكل و الملبس و عدم وقايته عن البرد أو الحر و ان لم يعلم بترتب المرض حينما يأكل ما يضره أو ينام في معرض الاستبراد مثلا.

و على الجملة فجميع الأفعال الصادرة من العباد من الشيطان أو الإنسان مستندة اليه تعالى على نحو يسلم عن الجبر و يكون أمرا بين الأمرين على ما حققناه في الأصول في مبحث الطلب و الإرادة.

و عليه فالمراد من غلبة اللّه الواردة في التعليل ما يقابل الإفطار الاختياري و لو كان بتوسط المخلوقين كما هو ظاهر.

(1) لما عرفت من صدق غلبة اللّه الناشئ من وجوب الوفاء بالنذر المانع من إمكان التتابع فمثله لا يكون قادحا فيصوم نذرا، ثمَّ يصوم بدله يوما آخر الى أن تكمل الكفارة.

290

الى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذر نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلق الكفارة اتجه الانتقال إلى سائر الخصال.

[ (مسألة 7) كل من وجب عليه شهران متتابعان]

(مسألة 7) كل من وجب عليه شهران متتابعان من كفارة معينة أو مخيرة إذا صام شهرا و يوما متتابعا يجوز له التفريق في البقية و لو اختيارا لا لعذر (1) و كذا لو كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الأيام جميعها و لم يكن المنساق منه ذلك،

____________

لكن هذا فيما لو تعلق نذره بعنوان خاص بان يصوم يوم الخميس بعنوان النذر، و أما لو كان متعلقه مطلقا غير معنون بأي عنوان فنذر أن يكون هذا اليوم صائما و لو بعنوان آخر من قضاء أو إجارة أو كفارة و نحو ذلك في قبال أن يكون مفطرا. فالظاهر ان هذا لا يوجب التخلل من أصله، بل يحسب من الكفارة أيضا، لعدم منافاته مع النذر بوجه. و منه يظهر الحال في نذر صوم الدهر فلا يتجه الانتقال إلى سائر الخصال حتى في هذا الفرض لما عرفت من عدم المنافاة فيقع امتثالا لكل من النذر و الكفارة بعنوانين حسبما عرفت.

(1) كما سبق التعرض له في المسألة الأولى و قلنا ان عمدة المستند فيه صحيحة الحلبي المتضمنة لتفسير التتابع في الشهرين و شرحه، و ان المراد به متى أطلق ضم جزء من الشهر الثاني إلى الأول فلا يضر التفريق بعدئذ حتى اختيارا (1). الحاكمة على جميع الأدلة الأولية.

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 9.

291

..........

____________

و لولاها لأشكل إثبات الحكم على سبيل العموم بحيث يشمل صيام الشهرين في الكفارة المعينة و المخيرة لاختصاص مورد النصوص بالأول.

فإن صحيحة منصور بن حازم موردها الظهار الذي يجب فيه صيام الشهرين معينا فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثمَّ أدركه شهر رمضان، قال: يصوم شهر رمضان و يستأنف الصوم، فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته (1).

و كذلك الحال في موثقة سماعة: «قال: سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أ يفرق بين الأيام؟ فقال: إذا صام أكثر من شهر فوصله ثمَّ عرض له أمر فأفطر فلا بأس، فإن كان أقل من شهر أو شهرا فعليه أن يعيد الصيام» (2) فإنها أيضا ناظرة إلى الكفارة التعيينية من ظهار أو قتل و نحوهما، إذ هي التي يصح أن يعبر عنها بما تضمنه الموثق من قوله: «عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين. إلخ» الظاهر في الوجوب التعييني. أما في المخيرة فلا يصح ذلك لان الواجب حينئذ إنما هو الجامع بين الخصال الثلاث لا خصوص صيام الشهرين. و من هنا مر أنه لدى العجز عنه لا ينتقل الى صوم الثمانية عشر الذي هو بدل عنه، كما ينتقل إليه في الكفارة المعينة لاختصاص البدلية بمورد وجوب المبدل منه، و لا وجوب لصيام الشهرين في المخيرة.

و منه يظهر الحال في بقية النصوص المتضمنة لمثل هذا التعبير.

و على الجملة فالنصوص غير وافية لإثبات الحكم في الكفارة المخيرة

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

(2) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 5.

292

و الحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع (1) فقالوا

____________

لو لا التشبث بذيل الصحيحة المتقدمة التي هي حاكمة كما عرفت على جميع الأدلة التي اعتبر فيها تتابع الشهرين و ان المراد به في اصطلاح الشرع في كل مورد أخذ موضوعا لحكم من الأحكام هو التتابع بين عنواني الشهرين المتحصل من ضم جزء من الشهر الثاني إلى تمام الأول، لا بين أجزاء الشهرين بأسرها.

و منه يظهر الحال فيما لو نذر صوم شهرين متتابعين قاصدا به ما هو المفهوم الواقعي من هذا اللفظ في اصطلاح الشرع فإنه يكتفي فيه أيضا بالتتابع في شهر و يوم بمقتضى حكومة صحيحة الحلبي كما عرفت.

و أما لو اشترط الناذر تتابع الأيام جميعا بان نذر صوم ستين يوما متصلا أو صوم شهرين مع توالي الأيام بأسرها و لا سيما لو عين الشهرين كرجب و شعبان مثلا فلا ينبغي التأمل حينئذ في عدم الاكتفاء و لزوم الوفاء على حسب نذره، فان مورد الحكومة المزبورة ما إذا كان موضوع الحكم هذا العنوان الخاص أعني (شهرين متتابعين) لا ما يستلزمه من سائر العناوين كصوم الستين و نحو ذلك جمودا في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل. و الحاصل ان غاية ما يسعنا انما هو إلحاق النذر بمورد الصحيحة، أعني الكفارة لكن مع المحافظة على العنوان المذكور فيها قضاء للحكومة كما عرفت. و أما التعدي إلى عنوان آخر و ان كان ملازما له فيحتاج الى الدليل و حيث لا دليل فالمتبع إطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر. فما صنعه في المتن من التقييد بعدم الاشتراط هو الصحيح.

(1) و هو الصحيح من غير اعتبار مجاوزة النصف هنا لصحيح موسى بن بكر، إما عن الفضيل أو بدونه حسب اختلاف طريقي

293

إذا تابع في خمسة عشر يوما منه يجوز له التفريق في البقية اختيارا و هو مشكل فلا يترك الاحتياط فيه بالاستيناف مع تخلل الإفطار عمدا و ان بقي منه يوم كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختيارا مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع.

____________

الكليني و الشيخ- كما تقدم- عن الصادق (عليه السلام) و روايته أيضا عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثمَّ عرض له أمر، فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضى ما بقي، و ان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما (1). و قد عرفت فيما تقدم ان عروض الأمر يعم السفر الاختياري و أشباهه.

و لا وجه للنقاش في سندها كما عن المدارك ليجاب بانجبار الضعف بالعمل، فان موسى بن بكر و ان لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه مذكور في اسناد تفسير علي بن إبراهيم كما تقدم. فالرواية معتبرة و قد أفتى بها المشهور فلا مانع من الفتوى على طبقها. فاستشكال الماتن في غير محله.

ثمَّ انه لا إشكال في عدم جواز التفريق الاختياري مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المشروط فيه التتابع كما نبه عليه في المتن، لعدم الدليل على الجواز في غير ما مر، فيرجع الى ما تقتضيه القواعد من الاستيناف رعاية لشرطية التتابع.

____________

(1) الوسائل باب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1.

294

..........

____________

نعم حكى المحقق في الشرائع عن بعض و هو الشيخ، و ابن سعيد، و العلامة في غير المنتهى كما نص عليه في الجواهر انه الحق بالشهر المنذور في كفاية المتابعة في النصف من وجب عليه صوم شهر في كفارة قتل الخطأ أو الظهار لكونه مملوكا، حيث ان كفارته نصف كفارة الحر مستدلا عليه بوجوه حكاها عن المختلف في الجواهر التي منها ان ذلك لا يزيد على النذر المتتابع فيثبت الحكم في الأضعف بطريق أولى. ثمَّ قال المحقق: و فيه تردد.

و اعترض عليه في الجواهر بأن الأولى الجزم بالعدم دون التردد، لضعف تلك الوجوه و منع الأولوية و لا بد من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القواعد على المقدار المتيقن و هو النذر الذي هو مورد النص.

أقول: ينبغي التفصيل بين الظهار و غيره فلا يحكم بالإلحاق فيما عداه لما ذكره (قده) من عدم الدليل على التعدي و لزوم الاقتصار على المقدار المتيقن.

أما في الظهار فلا مانع من الإلحاق فان نصوص هذا الباب و ان كان أكثرها واردا في الحر لتضمنها صوم الشهرين المتتابعين إلا أن بعضها مطلق يشمل العبد أيضا الذي كفارته شهر واحد، و هي صحيحة منصور بن حازم (في حديث) قال في رجل صام في ظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته (1) فان قوله (عليه السلام) في النصف يعم النصف من الشهرين كما في الحر، و من الشهر الواحد كما في العبد، فلا قصور في شمولها له كالحر بمقتضى الإطلاق و ان كان صدرها واردا في الحر. فان ذلك لا يقدح في التمسك بإطلاق الذيل كما لا يخفى

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 4.

295

..........

____________

و هي صحيحة سندا كما عرفت، و لا يقدح اشتماله على محمد بن إسماعيل المردد بين الثقة و غيره، لوجوده بعين هذا السند، أعني محمد ابن إسماعيل عن الفضل بن شاذان في كامل الزيارات. فالرجل موثق على كل تقدير و تعبير صاحب الجواهر عنها- في غير هذا المقام- بالخبر لا يكشف عن الضعف لعدم التزامه (قده) بهذا الاصطلاح.

و على الجملة فلا يبعد الالتزام بهذا الحكم- أعني الاكتفاء بالتتابع في نصف الشهر و زيادة يوم- في صوم الشهر في كفارة الظهار من العبد لصحة الرواية سندا، و كذا دلالة، فإنها و ان روى تمامها في الوسائل (1) و فيها: «فان هو صام. إلخ» فيكون صدرها واردا في الحر إلا أن مرجع الضمير هو طبيعي الرجل لا خصوص من حكم عليه بحكم الحر. و ان شئت قلت: المتفاهم من قوله (ع):

(فان هو صام في الظهار فزاد في النصف. إلخ) ان الاعتبار في باب الظهار بتجاوز النصف فهو المناط في التتابع من غير خصوصية للحر أو العبد، فتشمل بإطلاقها تجاوز النصف من الشهرين أو الشهر الواحد. فلا مانع من التفريق الاختياري بعدئذ، و لم أر من تعرض لذلك، بل مقتضى حصر الاستثناء عن التفريق الاختياري في كلام المحقق في الشرائع في المواضع الثلاثة- أعني الشهرين المتتابعين و الشهر المنذور، و ثلاثة الهدي- و إمضائه من صاحب الجواهر انهما لا يسوغان التفريق فيما ذكرناه. و لا وجه له بعد مساعدة الدليل حسبما عرفت.

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب بقية الواجب ح 1.

296

[ (مسألة 8) إذا بطل التتابع في الأثناء]

(مسألة 8) إذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيام السابقة (1) فهي صحيحة و ان لم تكن امتثالا للأمر الوجوبي و لا الندبي لكونها محبوبة في حد نفسها من حيث انها صوم و كذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء فإن الأذكار و القراءة صحيحة في حد نفسها من حيث محبوبيتها لذاتها.

____________

(1) من شرع في الصوم المشروط فيه التتابع فصام أياما ثمَّ بطل تتابعه إما لعذر من الأعذار أو بدا له في الإفطار بناء على ما عرفت من جواز الأبطال و تبديل الامتثال، فهل يكشف ذلك عن بطلان الأيام السابقة نظرا الى أن ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد، و لا عبادة الا عن قصد و ان ترتب عليها الثواب من جهة الانقياد، أو انها محكومة بالصحة لكونها محبوبة في حد نفسها و ان لم تكن امتثالا للأمر الوجوبي و لا الندبي لعدم تعلق القصد بشيء منهما، كما هو الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء، فإن القراءة و الذكر محكومة بالصحة إذ الأول قرآن تستحب تلاوته، و ذكر اللّه حسن على كل حال؟؟

اختار السيد الماتن (قده) الثاني و هو الصحيح.

و الوجه فيه ما تكررت الإشارة إليه في مواضيع عديدة من مطاوي هذا الشرح، و تعرضنا له في الأصول في بحث مقدمة الواجب، حيث قلنا ان الأمر الغيري بناء على وجوب المقدمة توصلي لا يتوقف سقوطه على تعلق القصد به كما هو الشأن في جميع الأوامر الغيرية.

297

..........

____________

نعم لو تعلق بما هو عبادة في نفسه كالطهارات الثلاث وجب الإتيان بها على جهة العبادة و إلا بطلت لا لدخلها في الأمر، بل لعدم حصول المتعلق فإنه بنفسه عبادي حسب الفرض، فلا بد من قصد الأمر النفسي المتعلق بها، و اما الأمر الغيري المقدمي فهو توصلي كما عرفت لا دخل له في تحقق العبادة. و لذا تتحقق حتى مع فقده و انتفائه، كما لو توضأ للصلاة و لم يصل فان هذا الوضوء غير موصوف بالوجوب الغيري بناء على ما هو الصحيح تبعا لصاحب الفصول من اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة و انها ما لم تتعقب بالإيصال الخارجي لم تكد تتصف بالوجوب المقدمي. و مع ذلك لا شك في كونه محكوما بالصحة، و ليس الا من أجل كونه عبادة في نفسه، ففساد الأمر الغيري و بطلانه لا يستدعي فساد متعلقه إذا كان عبادة في حد نفسه لأن عباديته لم تنشأ من قبل هذا الأمر لتتبعه في الفساد، بل هي ثابتة من ناحية أمرها النفسي كما عرفت. و الأمر الغيري يدعو الى ما هو عبادة في نفسه.

و من هذا القبيل النذر المتعلق بالعبادة كصلاة الليل، فإن العبادية لم تنشأ من ناحية الأمر النذري لأنه توصلي، بل هي مأخوذة في نفس المتعلق، فلو صلى بغير القربة لم يف لا لأن الأمر عبادي، بل لعدم حصول متعلق النذر في حد نفسه. و كذا الحال في العبادات الواقعة موردا للإجارة- كالحج الاستيجاري- أو الحلف، أو العهد، أو الشرط في ضمن العقد، أو أمر الوالد أو السيد و نحو ذلك من العناوين الثانوية، فإن الأمر الجائي من قبلها بأجمعها توصلي، و ملاك العبادية انما هو الأمر الثابت للمتعلقات بعناوينها الأولية. فلو فرض في مورد فساد الإجارة أو بطلان الشرط، أو عدم انعقاد الحلف

298

..........

____________

و نحو ذلك و قد أتى بالعبادة خارجا فهي محكومة بالصحة لا محالة و ان لم يكن مصداقا للعنوان الثانوي لما عرفت من أن مناط العبادية شيء، و مورد البطلان شيء آخر، و لا يعري الفساد الى ذاك المناط أبدا و الأمر بالكفارة فيما نحن فيه من هذا القبيل، ضرورة ان الأمر بالتكفير توصلي لا تعبدي، فلا يعتبر في سقوطه قصد التقرب، و انما العبادية معتبرة في نفس المتعلق من الصوم و العتق- لقوله (عليه السلام) لا عتق الا ما قصد به اللّه- دون الإطعام فلو اطعم بعنوان الكفارة كفى و ان لم يقصد به القربة و هذا أقوى شاهد على أن الأمر الناشئ من قبل الكفارة توصلي في حد نفسه و الا لما اختلفت الخصال الثلاث فيما ذكر كما لا يخفى.

و عليه فصوم الشهرين الواقع متعلقا للأمر بالكفارة عبادي لكن لا من ناحية هذا الأمر الوجوبي الثابت بالعنوان الثانوي، بل من أجل الأمر الاستحبابي المتعلق بنفس الصوم بعنوانه الأولي، فان الصوم في كل يوم ما عدا الأيام المحرمة له أمر استحبابي مستقل، و انما نشأ هذا الجمع و الارتباط أعني عنوان الشهرين، و كذا التتابع من ناحية الأمر بالتكفير الذي هو توصلي كما عرفت. فلو صام يوما أو أياما ثمَّ قطع إما اختيارا أو لعجز أو موت فبطل التتابع لم يكد يؤثر ذلك في بطلان ما وقع، فان ملاك عباديته الأمر الاستحبابي النفسي المتعلق به بالعنوان الأولي لا التوصلي الثابت بالعنوان الثانوي، و قد تحقق على وجهه و لا ينقلب الشيء عما وقع عليه. فلا مناص من الحكم بالصحة.

فإذا كان هناك أثر للصوم الصحيح يترتب و ان لم يحسب من الكفارة كما ذكره في المتن و اللّه سبحانه أعلم.

299

[فصل أقسام الصوم أربعة]

فصل (أقسام الصوم أربعة) نكتفي من هذا الفصل بذكر بعض المسائل التي هي مورد الخلاف أقسام الصوم أربعة: واجب و ندب و مكروه كراهة عبادة و محظور، و الواجب أقسام: صوم شهر رمضان، و صوم الكفارة، و صوم القضاء، و صوم بدل الهدي في حج التمتع، و صوم النذر و العهد و اليمين، و الملتزم بشرط أو إجارة، و صوم اليوم الثالث من أيام الاعتكاف.

أما الواجب فقد مر جملة منه.

و أما المندوب منه فأقسام:

منها ما لا يختص بسبب مخصوص و لا زمان معين كصوم أيام السنة عدا ما استثنى من العيدين و أيام التشريق لمن كان بمنى فقد وردت الاخبار الكثيرة في فضله من حيث هو و محبوبيته و فوائده و يكفى فيه ما ورد في الحديث القدسي:

الصوم لي و أنا اجازي به، و ما ورد من أن الصوم جنة من

300

النار، و ان نوم الصائم عبادة، و صمته تسبيح، و عمله متقبل، و دعاؤه مستجاب. و نعم ما قال بعض العلماء من انه لو لم يكن في الصوم الا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية لكفى به فضلا و منقبة و شرفا.

و منها ما يختص بسبب مخصوص و هي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية.

و منها ما يختص بوقت معين و هو في مواضع: منها و هو آكدها صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فقد ورد انه يعادل صوم الدهر و يذهب بوحر الصدر. و أفضل كيفياته ما عن المشهور و يدل عليه جملة من الأخبار، و هو أن يصوم أول خميس من الشهر و آخر خميس منه، و أول أربعاء في العشر الثاني، و من تركه يستحب له قضاؤه، و مع العجز عن صومه لكبره و نحوه يستحب أن يتصدق عن كل يوم بمد من طعام أو بدرهم.

و منها صوم أيام البيض من كل شهر و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر على الأصح المشهور، و عن العماني أنها الثلاثة المتقدمة.

و منها صوم يوم مولد النبي (ص) و هو السابع عشر

301

من ربيع الأول على الأصح، و عن الكليني انه الثاني عشر منه و منها: صوم يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذي الحجة و منها: صوم يوم مبعث النبي (ص) و هو السابع و العشرون من شهر رجب.

و منها: يوم دحو الأرض من تحت الكعبة و هو اليوم الخامس و العشرون من ذي القعدة.

و منها: يوم عرفة لمن لا يضعفه الصوم عن الدعاء.

و منها: يوم المباهلة و هو الرابع و العشرون من ذي الحجة و منها: كل خميس و جمعة معا أو الجمعة فقط.

و منها: أول ذي الحجة بل كل يوم من التسع فيه.

و منها يوم النيروز.

و منها: صوم رجب و شعبان كلا أو بعضا و لو يوما من كل منهما.

و منها: أول يوم من المحرم و ثالثة و سابعه. و منها التاسع و العشرون من ذي القعدة.

و منها: صوم ستة أيام بعد عيد الفطر بثلاثة أيام أحدها العيد.

و منها: يوم النصف من جمادي الأولى.

[ (مسألة 1) لا يجب إتمام صوم التطوع بالشروع فيه]

(مسألة 1) لا يجب إتمام صوم التطوع بالشروع فيه،

302

بل يجوز له الإفطار إلى الغروب و ان كان يكره بعد الزوال.

[ (مسألة 2) يستحب للصائم تطوعا قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام]

(مسألة 2) يستحب للصائم تطوعا قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام بل قيل بكراهته حينئذ.

و أما المكروه منه: بمعنى قلة الثواب ففي مواضع أيضا: منها صوم عاشوراء (1).

و منها: صوم عرفة لمن خاف ان يضعفه عن الدعاء الذي هو أفضل من الصوم، و كذا مع الشك في هلال ذي الحجة خوفا من أن يكون يوم العيد،

____________

(1) عده (قده) من الصيام المكروه تبعا لغيره من بعض الأصحاب، و لكن المحقق (قده) في الشرائع جعله من الصيام المستحب، و أقر عليه في الجواهر قائلا بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الغنية الإجماع عليه.

نعم قيده المحقق بما كان على وجه الحزن لمصاب سيد شباب أهل الجنة أرواح العالمين فداه.

و نبه في الجواهر بأن هذا التقييد لمتابعة الشيخ (قده) حيث انه جمع بين الأخبار المتعارضة بذلك و إلا فنصوص الباب عارية عن هذا القيد.

و كيفما كان فحينما يتعرض المحقق الصيام المكروه لم يذكر منه صوم هذا اليوم لا هو و لا صاحب الجواهر فيظهر منهما انهما يريان الاستحباب أما على وجه الحزن أو مطلقا.

و ذهب في الحدائق إلى التحريم و انه تشريع محرم كيوم العيد لنصوص

303

..........

____________

سنتعرض إليها، و ذكر ان ما بإزائها من الأخبار محمول على التقية لمطابقتها لمذهب العامة من بني أمية و غيرهم، حيث كانوا يتبركون بالصوم في هذا اليوم شكرا على ما جرى على آل اللّه.

هذه هي حال الأقوال و هي كما ترى بين مكروه، و مندوب، و محظور.

و أما بالنظر الى الروايات الواردة في المقام:

فقد ورد في جملة من النصوص المنع عن صوم هذا اليوم، و هي و ان كثرت الا أن مرجعها الى ثلاث روايات:

إحداها: ما رواه الكليني عن شيخه الحسين كما (في الوسائل) أو الحسن (كما في الكافي) بن علي الهاشمي، و لهذا الشخص روايات أربع رواها في الوسائل (1) إلا أننا نعتبر الكل رواية واحدة لأن في سند الجميع رجلا واحدا و هو الهاشمي، و حيث انه لم يوثق و لم يذكر بمدح فهي بأجمعهما محكومة بالضعف مضافا الى ضعف الاولى بابن سنان أيضا، و الثالثة بزيد النرسي على المشهور و ان كان مذكورا في إسناد كامل الزيارات. و ما في الوسائل في سند الرابعة من كلمة (نجية) غلط و الصواب (نجبة) و لا بأس به. و كيفما كان فلا يعتد بشيء منها بعد ضعف أسانيدها.

مضافا الى ما ذكره في الجواهر من أن مفادها المنع عن الصوم باتخاذه كما يتخذه المخالفون يوم بركة و فرح و سرور، و ان من فعل ذلك كان حظه من صيامه حظ ابن مرجانة و آل زياد الذي هو النار كما في هذه الأخبار، لا أن المنهي عنه مطلق صومه و بعنوانه الأولي كما في العيدين.

____________

(1) الوسائل باب 21 من أبواب الصوم المندوب ح 2، 3، 4، 5.

304

..........

____________

الثانية: رواية زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) قالا: لا تصم في يوم عاشوراء و لا عرفة بمكة و لا في المدينة، و لا في وطنك، و لا في مصر من الأمصار (1). و هي أيضا ضعيفة السند بنوح بن شعيب و ياسين الضرير. على أن صوم عرفة غير محرم قطعا، و قد صامه الامام (عليه السلام) كما في بعض الروايات نعم يكره لمن يضعفه عن الدعاء، فمن الجائز أن يكون صوم يوم عاشوراء أيضا مكروها لمن يضعفه عن القيام بمراسيم العزاء.

الثالثة: رواية الحسين بن أبي غندر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) و هي ضعيفة السند جدا لاشتماله على عدة من المجاهيل. فهذه الروايات بأجمعها ضعاف.

نعم ان هناك رواية واحدة صحيحة السند و هي صحيحة زرارة، و محمد بن مسلم جمعيا أنهما سألا أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء، فقال: كان صومه قبل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك (3).

و لكنها كما ترى لا تتضمن نهيا، بل غايته ان صومه صار متروكا و منسوخا بعد نزول شهر رمضان، و لعله كان واجبا سابقا، ثمَّ أبدل بشهر رمضان كما قد تقتضيه طبيعة التبديل، فلا تدل على نفي الاستحباب عنه بوجه فضلا عن الجواز.

و لقد سها صاحب الجواهر (قده) فألحق سند هذه الرواية بمتن الرواية التي بعدها التي كانت هي الأولى من روايات الهاشمي الضعاف

____________

(1) الوسائل باب 21 من أبواب الصوم المندوب ح 6.

(2) الوسائل باب 21 من أبواب الصوم المندوب ح 7.

(3) الوسائل باب 21 من أبواب الصوم المندوب ح 1.