المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
305

..........

____________

المتقدمة فعبر عنها بصحيحة زرارة، و محمد بن مسلم (1) مع انها رواية عبد الملك التي يرويها عنه الهاشمي كما سبق و انما العصمة لأهلها.

و كيفما كان فالروايات الناهية غير نقية السند برمتها، بل هي ضعيفة بأجمعها، فليست لدينا رواية معتبرة يعتمد عليها ليحمل المعارض على التقية كما صنعه صاحب الحدائق.

و أما الروايات المتضمنة للأمر و استحباب الصوم في هذا اليوم فكثيرة، مثل صحيحة القداح: «صيام يوم عاشوراء كفارة سنة» و موثقة مسعدة بن صدقة: «صوموا للعاشوراء التاسع و العاشر فإنه يكفر ذنوب سنة» (2)، و نحوها غيرها، و هو مساعد للاعتبار نظرا إلى المواساة مع أهل بيت الوحي و ما لا قوة في هذا اليوم العصيب من جوع و عطش و سائر الآلام و المصائب العظام التي هي أعظم مما تدركه الافهام و الأوهام. فالأقوى استحباب الصوم في هذا اليوم من حيث هو كما ذكره في الجواهر أخذا بهذه النصوص السليمة عن المعارض كما عرفت.

نعم لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمن و التبرك و الفرح و السرور كما يفعله أجلاف آل زياد و الطغاة من بني أمية من غير حاجة الى ورود نص أبدا، بل هو من أعظم المحرمات، فإنه ينبئ عن خبث فاعله و خلل في مذهبه و دينه، و هو الذي أشير إليه في بعض النصوص المتقدمة من أن أجره مع ابن مرجانة الذي ليس هو إلا النار، و يكون من الأشياع و الاتباع الذين هم مورد للعن في زيارة عاشوراء. و هذا واضح لا سترة عليه، بل هو خارج عن

____________

(1) الجواهر ج 17 ص 105.

(2) الوسائل باب 20 من أبواب الصوم المندوب ح 3، 2.

306

..........

____________

محل الكلام كما لا يخفى.

و أما نفس الصوم في هذا اليوم أما قضاء أو ندبا و لا سيما حزنا فلا ينبغي التأمل في جوازه من غير كراهة فضلا عن الحرمة حسبما عرفت.

الرابعة: و هي التي رواها الشيخ في المصباح عن عبد اللّه بن سنان قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) يوم عاشوراء و دموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت: مم بكاؤك؟ فقال: أ في غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين (عليه السلام) أصيب في مثل هذا اليوم، فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبييت و أفطره من غير تشميت، و لا تجعله يوم صوم كملا و ليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (1).

و هي من حيث التصريح بعدم تبييت النية، و عدم تكميل الصوم، و لزوم الإفطار بعد العصر واضحة الدلالة على المنع عن الصوم الشرعي و انه مجرد إمساك صوري في معظم النهار تأسيا بما جرى على الحسين و أهله الأطهار عليهم صلوات الملك المنتقم القهار. إلا أن الشأن في سندها و الظاهر انها ضعيفة السند لجهالة طريق الشيخ الى عبد اللّه بن سنان فيما يرويه في المصباح، فتكون في حكم المرسل.

و توضيحه: ان الشيخ في كتابي التهذيب و الاستبصار التزم أن يروي عن كل من له أصل أو كتاب عن كتابه فيذكر أسماء أرباب الكتب أول السند مثل محمد بن علي بن محبوب، و محمد بن الحسن الصفار و عبد اللّه بن سنان و نحو ذلك، ثمَّ يذكر في المشيخة طريقه الى أرباب

____________

(1) الوسائل باب 20 من أبواب الصوم المندوب ح 7.

307

..........

____________

تلك الكتب لتخرج الروايات بذلك عن المراسيل الى المسانيد و قد ذكر طريقه في كتابيه الى عبد اللّه بن سنان و هو طريق صحيح.

و ذكر (قده) في الفهرست طريقه الى أرباب الكتب و المجاميع سواء أروى عنهم في التهذيبين أم في غيرهما منهم عبد اللّه بن سنان و طريقه فيه صحيح أيضا. و أما طريقه (قده) الى نفس هذا الرجل لا الى كتابه فغير معلوم، إذ لم يذكر لا في المشيخة و لا في الفهرست و لا في غيرهما لأنهما معدان لبيان الطرق الى نفس الكتب لا إلى أربابها و لو في غير تلكم الكتب. و هذه الرواية مذكورة في كتاب المصباح و لم يلتزم الشيخ هنا بان كل ما يرويه عمن له أصل أو كتاب فهو يرويه عن كتابه كما التزم بمثله في التهذيبين حسبما عرفت.

و عليه فمن الجائز أن يروي هذه الرواية عن غير كتاب عبد اللّه ابن سنان الذي له اليه طريق آخر لا محالة، و هو غير معلوم كما عرفت. فان هذا الاحتمال يتطرق بطبيعة الحال و لا مدفع له، و هو بمجرده كاف في عدم الجزم بصحة السند.

بل ان هذا الاحتمال قريب جدا، بل هو المظنون، بل المطمئن به، إذ لو كانت مذكورة في كتاب عبد اللّه بن سنان فلما ذا أهملها في التهذيب و الاستبصار مع عنوانه (قده) فيهما: صوم يوم عاشوراء و نقله سائر الروايات الواردة في الباب و بنائه (قده) على نقل ما في ذلك الكتاب و غيره من الكتب. فيكشف هذا عن أن روايته هذه عنه عن غير كتابه كما ذكرناه. و حيث أن طريقه اليه غير معلوم فالرواية في حكم المرسل، فهي أيضا ضعيفة السند كالروايات الثلاث المتقدمة. فصح ما ادعيناه من أن الروايات الناهية كلها ضعيفة السند فتكون الآمرة سليمة عن المعارض. فلم تثبت كراهة صوم يوم عاشورا

308

و منها صوم الضعيف بدون اذن مضيفه (1) و الأحوط تركه مع نهيه بل الأحوط تركه مع عدم إذنه أيضا.

و منها صوم الولد بدون اذن والده بل الأحوط تركه خصوصا مع النهي بل يحرم إذا كان إيذاء له من حيث شفقته عليه و الظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجد و الأولى مراعاة إذن الوالدة و مع كونه إيذاء لها يحرم كما في الوالد.

____________

فضلا عن الحرمة التي اختارها في الحدائق بل هي جائزة ندبا و لا سيما حزنا حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) عدّ (قده) من جملة الصيام المكروه بالمعنى المناسب للعبادة دون الكراهة المصطلحة المشتملة على نوع من المبغوضية و المرجوحية حسبما هو المحرر في محله صوم الضيف بدون اذن المضيف بل ذكر (قدس سره) ان الأحوط تركه و لا سيما مع النهي.

فنقول: الأقوال في المسألة حسبما ذكرها في الجواهر (1) ثلاثة.

فالمعروف و المشهور الكراهة مطلقا. و ذهب جماعة كالشيخين و المحقق في المعتبر و ابن إدريس في السرائر و العلامة في التبصرة و غيرهم الى عدم الجواز فلا يصح الصوم بدون الاذن. و احتمل في الجواهر تنزيل كلامهم على صورة النهي ليتحد مع القول الثالث الذي اختاره المحقق في الشرائع من التفصيل بين عدم الاذن فيكره، و بين النهي فلا يصح و لا ينعقد،

____________

(1) ج 17 ص 118.

309

..........

____________

و الأقوى ما عليه المشهور كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في المقام.

فمنها ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (و في بعض النسخ أبي جعفر (عليه السلام)) قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، و لا ينبغي الضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملوا له الشيء فيفسد عليهم، و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذن الضيف لئلا يحشمهم فيشتهي الطعام فيتركه لهم (1) و هذه الرواية صحيحة السند لصحة طريق الصدوق الى الفضيل، و ان ناقش فيه الأردبيلي من أجل علي بن الحسين السعدآبادي، إذ أن هذا الرجل و ان لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه من مشايخ ابن قولويه الذين هم القدر المتيقن من عبارة التوثيق التي ذكرها في مقدمة كتابه- كامل الزيارات- و ان استظهرنا منها التعميم لكل من وقع في اسناد هذا الكتاب سواء من يروي عنه بلا واسطة كمشايخه أم معها. و كيفما كان فلا ينبغي التأمل في وثاقه الرجل.

و كان الأحرى عليه (قده) أن يناقش في الطريق من أجل محمد ابن موسى بن المتوكل الذي لم يرد فيه أي توثيق يعتمد عليه في كتب الرجال، غير اننا بنينا على وثاقته، نظرا الى أن ابن طاوس يروى حديثا يشتمل سنده عليه، ثمَّ يقول (قده): و جميع رواته ثقات اتفاقا، و نحن و ان لم نعوّل علي توثيق المتأخرين إلا أن هذا التعبير من مثل ابن طاوس- الذي كل عبارات المدح دون شأنه- يورث

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب الصوم المحرم و المكروه ح 1.

310

..........

____________

الاطمئنان بأن في جملة المتفقين بعض القدماء الذين نعتمد على توثيقهم و لا أقل من شخص أو شخصين. و هذا المقدار كاف في التوثيق.

إذا لا ينبغي التأمل في صحة السند.

و أما من حيث الدلالة فهي ظاهرة في الكراهة، إما لأجل ظهور كلمة لا ينبغي في ذلك كما هو المشهور- و ان لم نلتزم به- أو لقرينتين في نفس الرواية تقتضيان ذلك.

إحداهما: التعليل بقوله: (لئلا يعملوا. إلخ) الذي يؤذن بوضوح بابتناء الحكم على التنزيه لاندفاع فساد الطعام إما بالتصدق أو بالتوسعة على الأهل أو الجيران أو الادخار في محل يؤمن من الفساد و نحو ذلك. فالمراد عدم بلوغ المضيف مقصده من إكرام الضيف فيفسد عليه غرضه. و هذا يناسب الكراهة و التنزيه كما هو ظاهر.

ثانيتهما: التذييل بقوله (عليه السلام): «و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذن الضيف» المتضمن لحكم عكس المسألة، إذ لم يقل أحد هنا بالحرمة، بل لم يتعرضوا للكراهة أيضا رغم دلالة الصحيحة عليها.

فيكشف ذلك بمقتضى اتحاد السياق عن أن الحكم في الصدر أيضا مبني على الكراهة.

و منها ما رواه الصدوق أيضا بإسناده عن نشيط بن صالح، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، و من طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه و أمره و من صلاح العبد و طاعته و نصيحته لمولاه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و أمره و من بر الولد بابويه ان لا يصوم تطوعا إلا بإذن أبويه

311

..........

____________

و أمرهما. و إلا كان الضيف جاهلا، و كانت المرأة عاصية، و كان العبد فاسقا، و كان الولد عاقا) (1).

و هذه الرواية صحيحة السند أيضا على الأقوى، فإن طريق الصدوق الى نشيط بن صالح و ان لم يكن مذكورا في مشيخة الفقيه، فالرواية في حكم المرسل لجهالة الطريق، إلا أن هذه الرواية بعينها مع اختلاف يسير غير ضائر أوردها في العلل عن نشيط مسندا بإسناد صحيح، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا أحمد بن هلال الذي رفضه كثير من الأصحاب و طعنوا في دينه لأنه كان يتوقع الوكالة فلما خرج التوقيع باسم أبي جعفر محمد بن عثمان وكيل الناحية المقدسة توقف فيه و رجع عن التشيع الى النصب، بل قيل انه لم يسمع شيعي رجع الى النصب ما عداه و قد وهم من تخيل انه توقف على أبي جعفر الجواد (عليه السلام)، إذ لم يعهد الوقوف عليه (عليه السلام) من أحد. بل المراد بأبي جعفر هو محمد بن عثمان وكيل الناحية كما سمعت.

و كيفما كان فلم يعملوا برواياته، و قد فصّل الشيخ (قده) بين ما رواه حال الاستقامة و ما رواه بعدها.

و الذي تحصل لدينا بعد التدبر في حاله ان الرجل فاسد العقيدة بلا إشكال، إلا أن ذلك لا يقدح في العمل برواياته، و لا يوجب سقوطها عن الحجية بعد أن كان المناط فيها وثاقة الراوي عندنا لا عدالته و عقيدته و تظهر وثاقة الرجل من عبارة النجاشي حيث قال في ترجمته: انه (صالح الرواية) فإنها تكشف عن وثاقته في نفسه كما لا يخفى. إذا فالرواية محكومة بالصحة سندا.

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب الصوم المحرم و المكروه ح 2.

312

..........

____________

و أما من حيث الدلالة فالمتحصل من سياقها المبالغة في تحقق ما اشتملت عليه من الأوصاف فلسانها يفرغ عن الكراهة، و إلا فالجمود على ظاهرها غير قابل للتصديق للقطع بعدم عصيان المرأة، و لا فسق العبد، و لا عقوق الولد بمجرد عدم الاذن، و لم يقل بذلك أحد فيما نعلم. و من هنا حملها المحقق على صورة النهي ليتحقق العصيان، و الفسوق، و العقوق. فيراد من جهل الضيف مع نهي المضيف عدم تفقهه بما يجب عليه شرعا من رعاية حقه حينئذ. و لأجله ذهب الى التفصيل بين النهي و عدم الاذن كما عرفت.

و لكنه كما ترى إذ لا يتعين الحمل على صورة النهي، و من الجائز أن يراد من عصيان المرأة و فسق العبد ما إذا كان الصوم منافيا لحق الزوج أو السيد فإنه يحرم حينئذ حتى مع عدم النهي و يراد أيضا من العقوق ما إذا تأذى الوالد من صوم الولد لحرمته حينئذ و ان لم ينه عنه. فالتفصيل المزبور ساقط، بل المنسبق من الصحيحة كما عرفت هي المبالغة المساوقة للكراهة. فالصوم مع عدم الاذن مكروه ما لم يستلزم التحريم بعنوان آخر من تضييع الحق أو التأذي حسبما عرفت ثمَّ ان مورد الكراهة هو صوم التطوع كما قيدت به هذه الصحيحة فبناء على ما ذكرناه في الأصول- و ان كان على خلاف المشهور- من دلالة الوصف على المفهوم لا بالمعنى المصطلح، بل بمعنى الدلالة على عدم كون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع، و الا كان التقييد من اللغو الظاهر. فيكشف التقييد في هذه الصحيحة عن عدم تعلق الحكم بالطبيعي على سريانه غير انه يعارضها في ذلك الصحيحة الأولى الدالة على أن الموضوع هو الطبيعي. و نتيجة ذلك الاقتصار بعد التعارض على المقدار المتيقن المتفق عليه الطرفان و هو صوم التطوع،

313

و اما المحظور منه ففي مواضع أيضا: أحدها صوم العيدين الفطر و الأضحى (1) و ان كان عن كفارة القتل في أشهر

____________

فيرجع فيما عداه من سائر أقسام الصيام إلى إطلاق أدلتها السليمة عما يدل على كراهتها فالأظهر اختصاص الحكم بصوم التطوع كما نبهنا عليه في التعليقة. فتدبر جيدا.

و المتحصل من جميع ما قدمناه ان الأصح كراهة صوم التطوع من الضيف بدون اذن المضيف و الولد بدون اذن الوالد، و كذا الزوجة و العبد بدون اذن الزوج و السيد، من غير فرق بين النهي و عدمه كل ذلك للإطلاق في صحيحة هشام المتقدمة المحمولة على ذلك بعد امتناع الأخذ بظاهرها من تحقق العقوق، و الفسوق، و العصيان لدى عدم الاذن كما صرح بذلك الصدوق في العلل حيث قال (قده) بعد نقل الرواية ما مضمونه ان ظاهرها مقطوع البطلان و هو كذلك، إذ لم يقل أحد بوجوب الاستئذان في جميع المباحات فضلا عن المستحبات كالتطوع أو التنفل عن الوالد أو السيد أو الزوج بحيث لو صلى الولد صلاة الليل مثلا بغير اذن والده كان عاقا فاسقا، بل قد ذكرنا في محله جواز ذلك حتى مع نهيه فضلا عن اشتراط الإذن، الا أن يستوجب ذلك إيذاء الوالد أو الوالدة. و معه يحرم حتى بدون النهي فالاعتبار فيهما بالإيذاء، كما ان المدار في العبد و الزوجة بالتنافي مع حق السيد أو الزوج. فحمل الصحيحة على صورة النهي الذي هو مستند تفصيل المحقق في الشرائع ساقط جدا حسبما عرفت.

(1) لا اشكال كما لا خلاف في حرمة صوم يومي العيدين حرمة تشريعية. فلا يجوز الصيام بقصد الأمر، فإنه تشريع محرم و قد دلت

314

الحرم و القول بجوازه للقاتل شاذ و الرواية الدالة عليه ضعيفة سندا و دلالة.

الثاني صوم أيام التشريق و هي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر من ذي الحجة لمن كان بمنى (1) و لا فرق على الأقوى بين الناسك و غيره (الثالث) صوم يوم الشك في انه من

____________

عليه النصوص المستفيضة.

هذا و لم يفرق المشهور بين ما كان عن كفارة القتل في أشهر الحرم، و ما لم يكن كذلك أخذا بإطلاق دليل المنع.

و لكن عن الشيخ و الصدوق في المقنع، و ابن حمزة الجواز حينئذ فيستثنى ذلك عن حرمة صوم العيد للنص الدال عليه. و قد تقدم البحث حول ذلك مستقصى في مطاوي المسألة الرابعة من الفصل السابق فراجع و لا نعيد.

(1) بلا خلاف معتد به أجده فيه كما في الجواهر، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه و قد تعدى كاشف الغطاء فاسرى الحكم الى من كان بمكة و لا شاهد عليه.

و تدل عليه جملة من النصوص التي منها معتبرة زياد بن أبي الخلال أي من يصنع الخل أو الحلال- كما في الوسائل- باعتبار ان صانع الخل يحلل الخمر بصنعه خلا. و أما ما في الجواهر من الجلال فغلط من النساخ و لا معنى له كما لا يخفى. قال: قال لنا أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا صيام بعد الأضحى ثلاثة أيام، و لا بعد الفطر ثلاثة أيام إنها أيام أكل و شرب (1) و نحوها غيرها.

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الصوم المحرم و المكروه ح 1.

315

..........

____________

و هي و ان كانت مطلقة بالإضافة الى من كان بمنى و غيره، إلا أنها منزلة على الأول بقرينة التقييد به في طائفة أخرى.

كصحيح أبي أيوب «يصوم ذا الحجة كله إلا أيام التشريق في منى. إلخ» (1).

و صحيحة معاوية بن عمار «عن صيام أيام التشريق فقال: أما بالأمصار فلا بأس به و أما بمنى فلا».

و صحيحته الأخرى «عن صيام أيام التشريق، فقال: انما نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن صيامها بمنى، فأما بغيرها فلا بأس» و موثقة عمار سألته عن الأضحى بمنى فقال: (أربعة أيام. إلخ) (2) فيظهر منها اختصاص الحكم بمن كان بمنى فيكون عيده أربعة أيام إلحاقا لأيام التشريق بالعيد كما تضمنته الموثقة، و أما في سائر الأمصار فالعيد يوم واحد.

و يقتضيه أيضا ما تقدم من نصوص التفرقة بين الثلاثة أيام بدل الهدي و انه لو صام يوم التروية و عرفة أخر الثالث الى ما بعد أيام التشريق هذا.

و للمحقق (قده) في الشرائع كلمة قد أشكل تفسيرها على الشارحين و هي قوله «على الأشهر» بعد أن عنون أيام التشريق لمن كان بمنى و ان هذا القيد هل يرجع الى أصل الصيام في هذه الأيام أو الى الاختصاص بمن كان بمنى مع انه لا خلاف (3) في شيء منهما،

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 8.

(2) الوسائل باب 2 من أبواب الصوم المحرم و المكروه ح 1، 2، 4.

(3) بل كل منهما محل للخلاف و قد مر الخلاف في الأول في ص 266 و في الثاني في ص 314 لاحظ الجواهر ج 17 ص 123.

316

..........

____________

فكيف يقول على الأشهر الدال على وجود الخلاف بل و شهرته غير أن هذا أشهر منه، أو انه يرجع الى شيء آخر، و قد ذكروا في شرحها وجوها كلها بعيدة عن الصواب. و بالأخير لم يتضح المراد و هو أعرف بما قال.

ثمَّ ان مقتضى إطلاق الأدلة عدم الفرق في الحرمة لمن كان بمنى بين الناسك و غيره غير أن بعضهم خص الحكم بالأول بدعوى الانصراف اليه، و لا نعرف له وجها بعد الإطلاقات و لا سيما التعليل في بعضها- كما مرّ- بأنها أيام أكل و شرب المقتضى للتعميم لكل من كان بمنى كما لا يخفى.

ثمَّ ان الماتن (قده) تعرض في المقام لفروع قد ظهر الحال فيها مما مر في محالها في مطاوي الأبحاث السابقة فلا حاجة الى شرحها.

و الحمد للّه أولا و آخرا و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين و كان الفراغ من كتاب الصوم في اليوم العاشر من شهر ذي القعدة الحرام من السنة الرابعة و التسعين بعد الالف و الثلاثمائة من الهجرة النبوية في جوار القبة العلوية على صاحبهما أفضل الصلاة و السلام و أكمل التحية في النجف الأشرف.

317

شعبان أو رمضان بنية انه من رمضان و اما بنية انه من شعبان فلا مانع منه كما مر.

الرابع: صوم وفاء نذر المعصية بأن ينذر الصوم إذا تمكن من الحرام الفلاني أو إذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسره و اما إذا كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به نعم يلحق بالأول في الحرمة ما إذا نذر الصوم زجرا عن طاعة صدرت منه أو عن معصية تركها.

الخامس: صوم الصمت بأن ينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيته من قيود صومه، و اما إذا لم يجعله قيدا و ان صمت فلا بأس به بل و ان كان في حال النية بانيا على ذلك إذا لم يجعل الكلام جزء من المفطرات و تركه قيدا في صومه.

السادس: صوم الوصال و هو صوم يوم و ليلة إلى السحر أو صوم يومين بلا إفطار في البين و اما لو أخر الإفطار إلى السحر أو الى الليلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزء من الصوم فلا بأس به و ان كان الأحوط عدم التأخير إلى السحر مطلقا.

السابع: صوم الزوجة مع المزاحمة لحق الزوج و الأحوط تركه بلا اذن منه بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه و ان لم

318

يكن مزاحما لحقه.

الثامن: صوم المملوك مع المزاحمة لحق المولى و الأحوط تركه من دون اذنه بل لا يترك الاحتياط مع نهيه.

التاسع: صوم الولد مع كونه موجبا لتألم الوالدين و أذيتهما.

العاشر: صوم المريض و من كان يضره الصوم.

الحادي عشر: صوم المسافر إلا في الصور المستثناة على ما مر.

الثاني عشر: صوم الدهر حتى العيدين على ما في الخبر و ان كان يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو.

[ (مسألة 3) يستحب الإمساك تأدبا في شهر رمضان]

(مسألة 3) يستحب الإمساك تأدبا في شهر رمضان و ان لم يكن صوما في مواضع أحدها المسافر إذا ورد أهله أو محل الإقامة بعد الزوال مطلقا أو قبله و قد أفطر و اما إذا ورد قبله و لم يفطر فقد مر انه يجب عليه الصوم.

الثاني: المريض إذا برئ في أثناء النهار و قد أفطر و كذا لو لم يفطر إذا كان بعد الزوال بل قبله أيضا على ما مر من عدم صحة صومه و ان كان الأحوط تجديد النية و الإتمام ثمَّ القضاء.

319

الثالث: الحائض و النفساء إذا طهرتا في أثناء النهار.

الرابع: الكافر إذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا.

الخامس: الصبي إذا بلغ في أثناء النهار.

السادس: المجنون و المغمى عليه إذ أفاقا في أثنائه.

تمَّ كتاب الصوم و للّه الحمد

320

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

321

[كتاب الاعتكاف]

كتاب الاعتكاف

322

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

323

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

كتاب الاعتكاف و هو اللبث في المسجد بقصد العبادة (1) بل لا يبعد كفاية قصد التعبد بنفس اللبث و ان لم يضم اليه قصد عبادة أخرى خارجة عنه لكن الأحوط الأول و يصح في كل وقت

____________

(1) الاعتكاف لغة هو الاحتباس و الإقامة على شيء بالمكان، كما حكاه في الحدائق عن اللغويين. و شرعا هو اللبث في المسجد للعبادة، كما صرح به الفقهاء على اختلاف تعابيرهم.

إنما الكلام في ان اللبث هل هو بنفسه عبادة بحيث يكفي قصد التعبد بنفس اللبث، أو انه مقدمة لعبادة أخرى خارجة عنه من ذكر أو دعاء أو قراءة و نحوها. فلا اعتكاف من دون قصدها، فإن العبارة المتقدمة عن الفقهاء قابلة للانطباق على كل من المعنيين كما لا يخفى. و تظهر الثمرة فيما لو اعتكف مقتصرا على أقل الواجب، أعني الفرائض اليومية فإنه يصح على الأول دون الثاني.

و الأقوى هو الأول. و يدلنا عليه أولا ظاهر الكتاب. قال تعالى:

وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (1).

____________

(1) سورة البقرة الآية 125.

324

يصح فيه الصوم (1) و أفضل أوقاته شهر رمضان (2).

____________

فان جعل الاعتكاف قسيما الطواف و للركوع و السجود أي الصلاة و عده قبالا لهما فيه دلالة واضحة على انه بنفسه عبادة مستقلة و انه مشروع لنفسه من غير اعتبار ضم قصد عبادة أخرى معه، و معه لا حاجة الى التماس نص يدل عليه.

و ثانيا الاستشعار من بعض الاخبار و عمدتها صحيحة داود بن سرحان قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان فقلت لأبي عبد اللّه (ع):

إني أريد أن أعتكف فما ذا أقول و ما ذا افرض على نفسي؟ فقال:

لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها، و لا تقعد تحت ظلال حتى تعود الى مجلسك (1). فان ظاهرها السؤال عن حقيقة الاعتكاف قولا و فعلا، فلم يجبه (عليه السلام) بأكثر من العزم على اللبث، و انه متى خرج لحاجة ملحة يعود فورا بعد قضائها، فلا يعتبر في حقيقته شيء آخر وراء ذلك.

(1) بلا خلاف و لا إشكال لإطلاق الروايات و عدم التقييد في شيء حتى الضعاف منها بوقت خاص.

(2) للعناية بشأنه في هذا الشهر كما يفصح عنه موثق السكوني عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

(اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين و عمرتين) (2).

و هذه الرواية معتبرة، إذ ليس في السند من يتأمل من أجله ما عدا

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 3.

(2) الوسائل باب 1 من أبواب الاعتكاف ح 3.

325

و أفضله العشر الأواخر منه (1) و ينقسم الى واجب مندوب (2) و الواجب منه ما وجب بنذر أو عهد أو يمين

____________

السكوني و النوفلي الراوي عنه.

أما الأول فهو و إن كان عاميا إلا أن الشيخ قد وثقه في كتاب العدة صريحا، و لا تعتبر في الراوي العدالة، بل تكفي الوثاقة.

و أما الثاني أعني الحسين بن يزيد النوفلي فهو و ان لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه مذكور في اسناد كامل الزيارات.

(1) لمزيد الاهتمام بشأنه في هذا الوقت كما يظهر من صحيحة أبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اعتكف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في شهر رمضان في العشر الأول منه، ثمَّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمَّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر ثمَّ لم يزل (صلى اللّه عليه و آله) يعتكف في العشر الأواخر (1) فان مواظبة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و كذا حكاية الإمام (عليه السلام)- لوضوح كونه (ع) في مقام الحث و الترغيب لا مجرد نقل التاريخ- تكشف عن مزيد الفضل في هذا الوقت.

و هي معتبرة السند و ان ناقش الأردبيلي في طريق الصدوق الى داود بن الحصين باشتماله على الحكم بن مسكين و هو مهمل. فإنه مذكور في اسناد كامل الزيارات.

(2) فإنه في أصل الشرع مستحب للسيرة القطعية. بل الضرورة، و في الجواهر عليه إجماع المسلمين، و انما يجب بالعنوان الثانوي الطارئ عليه من نذر أو عهد أو شرط في ضمن عقد أو إجارة و نحوها.

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب الاعتكاف ح 4.

326

أو شرط في ضمن عقد أو إجارة أو نحو ذلك و الا ففي أصل الشرع مستحب و يجوز الإتيان به عن نفسه و عن غيره الميت.

و في جوازه نيابة عن الحي (1) قولان لا يبعد ذلك بل هو الأقوى و لا يضر اشتراط الصوم فيه فإنه تبعي فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحي.

____________

(1) لا إشكال في جواز النيابة عن الميت في الاعتكاف و غيره من سائر العبادات للنصوص الدالة عليه، كما مر التعرض لها في بحث قضاء الصلوات عند التكلم حول النيابة عن الأموات (1).

و أما النيابة عن الحي ففي جوازها في الاعتكاف قولان: قوى الجواز في المتن و ان تضمن الصوم الذي لا يجوز الاستنابة فيه عن الحي في حد نفسه معللا بان وجوبه هنا تبعي، و إلا فحقيقة الاعتكاف هو نفس اللبث، فلا مانع من الاستنابة فيه و ان استتبع الصوم. فالصوم في الاعتكاف نظير الصلاة في الطواف في ان الوجوب في كل منهما تبعي، و لا إشكال في جواز الاستنابة عن الحي في الثاني، فكذا الأول.

و لا يخفى غرابة هذا الاستدلال. بل لم نكن نترقب صدوره من مثله. فإن النيابة عن الحي في الحج منصوص عليها في الوجوبي و الندبي، و في بعض الاخبار جواز استنابة المتعددين عن شخص واحد، فلا يقاس عليه غيره من سائر العبادات بعد وجود الفارق و هو النص.

و عليه فان نهض الدليل على جواز الاستنابة عن الحي على سبيل العموم قلنا به في المقام أيضا و إلا فلا. و لا أثر للأصالة و التبعية في ذلك أبدا، بعد وضوح كون الاستنابة في مثل ذلك على خلاف مقتضى القواعد فان الخطابات المتعلقة بالتكاليف الوجوبية أو الندبية متوجهة نحو ذوات

____________

(1) تقدم البحث حوله مستوفى في الجزء الخامس من كتاب الصلاة من «مستند العروة الوثقى» ص 133.

327

..........

____________

المكلفين فيلزمهم التصدي لامتثالها بأنفسهم ما داموا أحياء فلا معنى لان يصوم زيد قضاء عما وجب على عمرو الحي.

نعم هناك روايتان تقدمتا في باب قضاء الصلوات، ربما يستدل بهما على جواز النيابة عن الحي و مشروعيتها ما لم يقم دليل على الخلاف إحداهما ما رواه ابن طاوس في كتاب غياث سلطان الورى عن الحسين بن أبي الحسن العلوي الكوكبي في كتاب المنسك عن علي بن أبي حمزة البطائني قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أحج و أصلي و أتصدق عن الاحياء و الأموات من قرابتي و أصحابي، قال: نعم تصدق عنه وصل عنه و لك أجر بصلتك إياه (1).

و لكنها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة، كما ان الكوكبي مجهول، على أن طريق ابن طاوس اليه غير معلوم، فهي في حكم المرسل.

الثانية: ما رواه في الكافي بإسناده عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين و ميتين يصلي عنهما و يتصدق عنهما، و يحج عنهما، و يصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك فيزيد اللّه عز و جل ببره و صلته خيرا كثيرا (2).

و هي أيضا ضعيفة السند فان محمد بن مروان مردد بين الثقة و الضعيف، نعم من هو من أصحاب الهادي (ع) ثقة جزما، الا أن هذا من أصحاب الصادق (ع) و هو مردد كما عرفت. و هذا و ان كان واردا في اسناد كامل الزيارات إلا انه لا ينفع بعد عدم الجزم بالاتحاد، و احتمال التعدد الناشئ عن التردد المزبور. و ان كان لا يبعد الانصراف إلى الثقة و هو الذهلي المعروف الذي له كتاب كاتبه عليه سيدنا الأستاد دام ظله في المعجم ج 17 ص 244 على أن في السند محمد بن علي الذي هو الكوفي الصيرفي أبو سمينة بقرينة رواية.

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب قضاء الصلوات ح 9.

(2) الوسائل باب 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

328

و يشترط في صحته أمور: الأول الإيمان فلا يصح من غيره (1).

____________

أحمد بن محمد بن خالد عنه كثيرا، و هو ضعيف جدا. و أما الحكم بن مسكين فهو من رجال كامل الزيارات كما تقدم.

هذا مضافا الى تطرق الخدش في الدلالة، فإنها تتوقف على أن يكون مرجع ضمير التثنية (والديه) ليهم الحي و الميت و هو غير ظاهر لجواز الرجوع الى الأقرب، أعني (ميتين) كما يساعده الاعتبار فان مصاديق البر بهما حيين واضح، و إنما الذي يحتاج الى التنبيه خفائه هو البر و هما ميتان، فذكر (عليه السلام): انه الصلاة و الصيام و التصدق و نحوها. إذا لا دلالة فيها على جواز النيابة عن الحي بوجه. فهي ساقطة سندا و دلالة.

(1) تقدم استقصاء الكلام حول اعتبار الايمان في العبادات في بحث تغسيل الميت عند التكلم في اشتراط الايمان في الغاسل فيما إذا كان الميت مؤمنا دون غيره، و إلا فيجوز تغسيل المخالف لمثله بقاعدة الإلزام و قلنا ان هناك روايات كثيرة دلت على أن صحة العبادات بأسرها منوطة بالولاية، فغير الموالي للأئمة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أعماله كسراب بقيعة وجودها كالعدم و لا تنفعه إلا الحسرة و الندم.

فاذا كان الحال هكذا في فاقد الايمان ففي فاقد الإسلام بطريق أولى على أن الكافر ممنوع من اللبث في المسجد الذي يتقوم به الاعتكاف، و لا أقل من أجل كونه جنبا غالبا، مضافا الى أنه مشروط بالصوم كما سيجيء، و لا يصح الصوم من الكافر كما مر.

329

الثاني: العقل فلا يصح من المجنون (1) و لو أدوارا في دوره و لا من السكران و غيره من فاقدي العقل.

الثالث: نية القربة كما في غيره من العبادات (2)

____________

فظهر انه لا يصح الاعتكاف من غير المؤمن من غير فرق بين المخالف و الكافر.

(1) لعدم الاعتبار بقصده بعد أن كان مرفوعا عنه القلم، و من هنا كان عمده خطأ و ديته على العاقلة فقصده في حكم العدم، و لا عبادة إلا مع القصد. و قد ورد في النص ان أول ما خلق اللّه العقل و انه تعالى خاطبه بقوله: بك أثيب و بك أعاقب. إلخ. فالعقل إذا هو المناط في الثواب و العقاب و المدار في الطاعة و العصيان، فلا أثر لعبادة المجنون. و حديث رفع القلم و ان كان واردا في الصبي أيضا حتى يحتلم، إلا أنا استكشفنا مشروعية عباداته مما ورد من قوله (عليه السلام): مروا صبيانكم بالصلاة و الصيام. بل في بعضها الأمر بضرب الصبي و تأديبه لو لم يصل لسبع، و قد ذكرنا في الأصول ان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء. فنفس العبادة الصادرة من الصبي متعلق لأمر الشارع بمقتضى هذا الدليل، غير أن الأمر استحبابي لا وجوبي. و من هنا كان المرفوع قلم الإلزام لا قلم التشريع و بذلك افترق عن المجنون لعدم ورود مثل هذا الدليل فيه. و لأجله بنينا في محله على أن عبادات الصبي شرعية و ليست بتمرينية، فيصح الاعتكاف منه دون المجنون.

(2) للإجماع و التسالم على عباديته. بل هي من مرتكزات المتشرعة و يدلنا عليه قبل ذلك قوله تعالى:

330

و التعيين إذا تعدد و لو إجمالا (1)

____________

أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ فإن أمر اللّه تعالى نبيه بتطهير البيت لا يكون إلا لأن يتعبد فيه من طواف و اعتكاف و ركوع و سجود لا لمجرد اللبث و المكث و لو لغير العبادة من سكنى أو بيتوتة أو بيع و نحو ذلك. فالآية بنفسها ظاهرة الدلالة بمقتضى مناسبة الحكم و الموضوع في العبادية و اعتبار قصد التقرب من غير حاجة الى التشبث بالإجماع و الارتكاز، و ان كانا حاصلين أيضا كما عرفت.

(1) تقدم في مطاوي بعض الأبحاث السابقة ان اشتغال الذمة بعملين أو أكثر مشاركين في الصورة و مسانخين في الظاهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

فتارة لا يترتب أثر على شيء منهما بخصوصه و لم يكن بينهما أي امتياز حتى واقعا ما عدا الاثنينية. و هذا كمن فات عنه يومان أو أيام من شهر رمضان، أو صلاتان من صلاة الآيات. و نظيره في الماليات من كان مدينا لزيد بدرهم، ثمَّ صار مدينا له بدرهم آخر، فإن الذمة في هذه الفروض مشغولة بمجرد صوم يومين أو قضاء صلاتين، أو أداء درهمين من غير خصوصية للسابق و لا للاحق، إذ لا يلزمه قصد خصوصية ما فاته أو استدانه أولا أو ثانيا بالضرورة. ففي مثل ذلك لا يجب عليه قصد التعيين لدى التصدي للقضاء أو الوفاء فإنه فرع التعين، و المفروض انه لا تعين في البين حتى واقعا، و لا امتياز لأحدهما حتى في علم اللّه. فلو أتى بواحد منهما برئت ذمته عن واحد لا بعينه و بقيت مشغولة بواحد آخر مثله الى أن يتحقق امتثاله خارجا و هذا ظاهر.

331

..........

____________

و اخرى يترتب الأثر على أحدهما بالخصوص دون الآخر، و هذا كمن كان عليه صوم يومين قضاء أحدهما من رمضان هذه السنة، و الآخر من السنة الماضية، فإن الأول يختص بأثر و هو تعلق الكفارة لو حال الحول و لم يقضه بخلاف الثاني، فهما يشتركان في وجوب القضاء، و يمتاز أحدهما بالفداء. و حينئذ لا بد في سقوط الكفارة من تعلق القصد بماله الأثر بخصوصه فلو صام قضاء و أطلق النية فلم يقيد بهذه السنة وقع قضاء عن السنة الماضية التي هي أخف مئونة لان وقوعه عن هذه السنة يحتاج إلى عناية خاصة و قصد لها بالخصوص، و المفروض عدم مراعاتها، فبطبيعة الحال يقع عما لا عناية فيه فتستقر الكفارة عليه لو بقي كذلك الى حلول السنة الجديدة.

و ثالثة: يترتب الأثر على كل منهما بالخصوص و يمتاز عن الآخر بعنوانه المخصوص، و هذا كما في الأداء و القضاء، و الفريضة و النافلة و نحو ذلك. فان تفريغ الذمة عن كل منهما يتوقف على قصد عنوانه و إلا لم يقع امتثالا عن شيء منهما. فلو صلى في الوقت أربع ركعات من غير قصد الأداء و القضاء و لو إجمالا، أو صلى بعد الفجر ركعتين من غير قصد فريضة الفجر و لا نافلته لم يقع مصداقا لشيء منهما، لان كلا منهما متقوم بعنوانه الخاص. فلا مناص من قصده.

و على ضوء هذه الكبرى الكلية نقول في المقام:

ان من عليه اعتكافان فتارة لا يكون بينهما امتياز لعدم ترتب الأثر على شيء منهما، كما لو نذر ان رزقه اللّه ولدا اعتكف، ثمَّ نذر ان شفى مريضه اعتكف فحصل الشرطان و وجب الاعتكافان، فإنه يصح الإتيان حينئذ بكل منهما بلا تعيين، فلا حاجة هنا الى قصد التعيين.

332

و لا يعتبر فيه قصد الوجه كما في غيره من العبادات (1) و ان أراد أن ينوي الوجه ففي الواجب منه ينوي الوجوب و في المندوب الندب و لا يقدح في ذلك كون اليوم الثالث الذي هو جزء منه واجبا لأنه من أحكامه فهو نظير النافلة

____________

و أخرى يترتب الأثر على كل منهما، كما لو كان أجيرا في الاعتكاف عن زيد ثمَّ صار أجيرا فيه عن عمرو أيضا، فإن اللازم حينئذ قصد النيابة عن كل منها و تعيينه بالخصوص، و الا لم يقع عن شيء منهما.

و ثالثة: يترتب الأثر على أحدهما دون الآخر كما لو كان أجيرا عن زيد و عليه نذر أيضا فوجب اعتكافان: أحدهما بالإجارة، و الآخر بالنذر، فإن الأول يفتقر الى القصد، إذ ما لم يقصد النيابة عن الغير لا يقع عنه فهو من العناوين القصدية بخلاف الوقوع وفاء عن نذره، فإنه يتحقق و ان كان غافلا عن نذره، لأن الأمر بالوفاء توصلي فيتحقق كيفما اتفق. فلو نذر أن يصلي ليلة الجمعة صلاة الليل فصلى تلك الليلة اتفاقا غافلا عن نذره فإنه قد و في و لم يحنث و ان لم يقصد عنوان الوفاء.

هذا و لا ينبغي الشك في ان مراد الماتن حيث حكم بوجوب التعيين ليس هو القسم الأول لما عرفت من انه لا تعين فيه ليحتاج الى التعيين بل مراده (قده) القسم الثاني أو الأعم منه و مما بعده كما لا يخفى.

(1) قد عرفت ان الاعتكاف مندوب في أصل الشرع و يعرضه الوجوب بالعنوان الثانوي الطارئ من نذر أو يمين أو شرط و نحو ذلك. فهو إذا ينقسم الى واجب و مستحب و لكن لا يجب قصد شيء

333

..........

____________

من الخصوصيتين لعدم الدليل على اعتبار قصد الوجه في شيء من العبادات كما تعرضنا له في محله في الأصول في مبحث التعبدي و التوصلي فلا يلزمه في المقام إلا الإتيان بداع قربي و على وجه العبادة. فإن الأمر الناشئ من العنوان الثانوي كالنذر و نحوه و ان كان توصليا إلا أنه حيث تعلق بما هو عبادة في نفسه فلا مناص من الإتيان به عباديا، لأن الأمر لا يدعو إلا الى متعلقه، فلا بد من الإتيان به على وجهه كما ذكرنا نظير ذلك في بحث مقدمة الواجب عند التكلم حول ما إذا كانت المقدمة عبادة كالطهارات الثلاث، فإن الأمر الغيري أيضا توصلي كما في المقام، و أشرنا هناك إلى أنه لا يلزم في تحقق العبادة قصد الأمر الاستحبابي النفسي العبادي المتعلق بالطهارات. كيف و هو مغفول عنه عند عامة الناس كما لا يخفى. بل يكفي فيه الإضافة إلى المولى نحو اضافة الحاصلة بقصد امتثال الأمر الغيري و ان كان توصليا فإن التوصلية غير مانعة عن إمكان التقرب بالضرورة. فكما يمكن التقرب بالأمر الندبي النفسي، كذلك يمكن بالأمر الوجوبي الثابت بعنوان المقدمة، أو النذر أو الإجارة و نحو ذلك. و تمام الكلام في محله.

و كيفما كان فلا يعتبر قصد الوجه. نعم لو أراد أن ينوي الوجه ففي الواجب منه ينوي الوجوب، و في المندوب الندب. و أما بالإضافة إلى اليوم الثالث فيأتي به بعنوان التكملة و التتميم لما شرع و لا يجب فيه قصد الوجوب و ان كان متصفا به، لأن القائلين باعتبار قصد الوجه و هم المتكلمون و تبعهم بعض الفقهاء انما يقولون به في العبادات المستقلة لشبهة عرضت عليهم حاصلها ان الحركات و السكنات الحاصلة في مثل الصلاة و الصيام و الاعتكاف و نحوها من سائر العبادات لا تتصف في نفسها بالعبادية إلا بتوسيط انطباق عنوان حسن عليها. و حيث ان

334

إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها و لكن الأولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه بل تجديد نية الوجوب في اليوم الثالث و وقت النية قبل الفجر و في كفاية النية في أول الليل كما في صوم شهر رمضان (1) اشكال، نعم لو كان الشروع فيه في أول الليل أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت.

____________

ذلك العنوان الواقعي الذي هو المناط في الاتصاف بالحسن مجهول لدينا فلا مناص من قصد عنوان آخر به نشير اليه و ليس هو الا الوجوب أو الندب.

و هذه الشبهة و ان كانت واهية تعرضنا لدفعها في محلها، إلا أنه يظهر منها ان مورد كلامهم إنما هو العبادات المستقلة المتأصلة دون الضمنية التي هي من اجزاء العمل و تابعة للمركب كما في المقام، حيث ان الاعتكاف في مجموع الثلاثة أيام عمل وحداني محكوم بالندب لدى الشروع و ان وجب التكميل بعد يومين فإنه حكم ثانوي عارضي نظير وجوب الإتمام في الحج بعد الإحرام مع كون الشروع فيه مستحبا، و كذا الحال في النافلة على القول بوجوب تكميلها بعد الشروع فيها. ففي أمثال هذه الموارد لا يجب قصد الوجه قطعا، و لم يقل به أحد حتى القائلين بالاعتبار فيجزئ الإتيان حينئذ بعنوان الإكمال و الإتمام حسبما عرفت.

(1) لا اشكال فيه قطعا فيما إذا كانت النية التي حقيقتها الداعي باقية في أفق النفس الى طلوع الفجر و لو ارتكازا و بصورتها الإجمالية التي لا تنافيها الغفلة الفعلية بحيث لو سئل عن سبب اللبث لم يحر في

335

..........

____________

الجواب كمن يشرع في عمل كالصلاة أو الذهاب الى داره و يتمه جريا على الارتكاز الكامن في النفس و ان ذهلت صورتها التفصيلية لانشغال الذهن بأمور أخر كما هو ظاهر بناء على تفسير النية بما عرفت.

انما الإشكال فيما لو زالت النية عن صقع النفس بالكلية أو عرضه النوم و لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر.

أما في الأول فالظاهر البطلان للزوم مقارنة النية العبادة، و التقديم على خلاف الأصل لا يصار اليه الا مع قيام الدليل كما في الصوم.

و أما في الثاني فلا يبعد الصحة و ان النصوص الواردة في الصوم الدالة على عدم قادحية النوم مطابقة لمقتضى القاعدة فيسري مفعولها الى المقام. و ذلك فلأجل أن من دخل المسجد ناويا اللبث فيه من الفجر ثمَّ نام عن هذه النية فذلك اللبث مستند اليه و يعد فعلا اختيارا صادرا عن قدرته و ارادته و ان حصل حال النوم الذي لا شعور له آنذاك لوضوح ان المقدور بالواسطة مقدور بالقدرة على مقدمته.

فمن ينام و هو يعلم بترتب اللبث عليه فذلك اللبث فعل اختياري له.

و من هنا يعد من القتل العمدي فيما لو فعل باختياره فعلا يعلم بترتب القتل عليه، و لا دليل على اعتبار العبادية في المقام بأزيد من هذا.

و بالجملة فاللبث في المسجد حال النوم مع سبق النية مثل الوقوف بعرفة حال النوم مع سبقها في صحة الاسناد و الاجتزاء في مقام الامتثال و منه تعرف ان النص الوارد في الصوم و انه لا يضره النوم مطابق لمقتضى القاعدة كما أشرنا إليه.

نعم لو نام في بيته ثمَّ حمل الى المسجد و بقي فيه نائما الى الفجر لم يكف و ان كان من نيته الذهاب و المكث قبل أن ينام. بل ان هذا أوضح إشكالا من الفرض الأول. أعني من غفل عن النية بالكلية،

336

و لو نوى الوجوب في المندوب أو الندب في الواجب اشتباها لم يضر إلا إذا كان على وجه التقييد (1) لا الاشتباه في التطبيق

____________

لأن العبادة يعتبر فيها القصد و الإرادة قبل اعتبار القربة، فهي تتقوم بقيدين: أحدهما في طول الآخر، ففي فرض الغفلة لم يكن المفقود عدا نية القربة مع صدور الفعل، أعني اللبث عن الاختيار و الإرادة.

و أما هنا فلم يصدر منه أي فعل ارادي، فقد انعدم ما هو أعظم شأنا إذ لم يستند الفعل اليه بوجه. فهو كمن نام ثمَّ حمل الى السفر حال النوم، فكما لا يكون هذا السفر اختياريا له و مستندا اليه، فكذا اللبث في المقام.

هذا كله فيما لو كان الشروع في الاعتكاف من الفجر، و اما لو شرع فيه في أول الليل أو في أثنائه فوقت النية هو هذا الزمان، و هو مبدء الاعتكاف فلا يضره النوم بعدئذ قطعا كالنوم الحاصل خلال الثلاثة و قد تحققت المقارنة حينئذ و لا شك في صحة مثل هذا الاعتكاف لأنه لا يكون أقل من ثلاثة أيام. و أما الأكثر منه فلا بأس به سواء أ كان الزائد بعد الثلاثة أم قبلها بدخول الليلة الأولى أو مقدار منها كما سيجيء ان شاء اللّه تعالى.

و قد أشار الماتن الى ذلك بقوله: نعم لو كان الشروع فيه. إلخ

(1) قد أشرنا في مطاوي هذا الشرح مرارا إلى أنه لا أثر التقييد في أمثال المقام، إذ مورده ما إذا كان هناك كلي ذو حصص ليقبل التضييق و التقييد بحصة دون أخرى، كما لو صلى بعنوان الأداء ثمَّ بان أنه قد صلاها فإنها لا تحسب قضاء لأنه قيد الطبيعي بحصة خاصة فلا يقع عن غيرها إلا إذا كان ناويا للأمر الفعلي و اعتقد انه الأداء

337

الرابع: الصوم فلا يصح بدونه (1) و على هذا فلا يصح وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم فيها.

____________

فإنها تحسب حينئذ عن القضاء، و يكون من باب الاشتباه في التطبيق، و نحوه في باب المعاملات فيما لو باع مقيدا بصفة و لم يتصف كما ذكرناه في محله.

و أما الجزئي الخارجي فلا توسعة فيه كي يقبل التضييق. فلو نوى الائتمام خلف الامام بتخيل انه زيد فبان انه عمرو، فهذا الائتمام جزئي خارجي و شيء وحداني و دائر أمره بين الوجود و العدم فلا معنى لتقييده بوجود زيد في المحراب بحيث يتحقق على تقدير وجوده دون عدمه.

فان هذا نظير ان تضرب أحدا مقيدا بكونه زيدا بحيث ينتفي بانتفائه، إذ لا محصل لذلك ضرورة وقوع الضرب خارجا سواء أ كان المضروب زيدا أم عمروا كوقوع الائتمام بمن في المحراب سواء أ كان هو زيدا أم عمروا، فلا معنى للتقييد في أمثال هذه الموارد. بل كلها من باب تخلف الداعي و الخطأ في التطبيق الذي لا يكون قادحا في الصحة.

و مقامنا من هذا القبيل، فان الاعتكاف الصادر منه جزئي خارجي قد تحقق سواء أ كان واجبا أم مندوبا، فلا معنى لإناطة وجوده بتقدير دون تقدير كي يقبل التقييد. فالتخلف فيه يكون دائما من باب الاشتباه في التطبيق حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه. بل في الجواهر ان الإجماع عليه بقسميه، و تشهد به جملة وافرة من النصوص و فيها الصحاح و قد تضمن بعضها نفي الطبيعة عن فاقد الصوم و انه لا اعتكاف الا بصوم، الذي يراد

338

..........

____________

به نفي الصحة نظير قولهم (عليهم السلام) لا صلاة إلا بطهور، و بذلك يرتكب التقييد في إطلاق الآية المباركة.

فمنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال:

لا اعتكاف إلا بصوم، و نحوها صحيح ابن مسلم، و في موثقته:

لا يكون الاعتكاف إلا بصيام، و نحوها موثقة عمر بن زيد و عبيد ابن زرارة، و غيرها (1). فلا شك في اشتراط الاعتكاف بالصيام بمقتضى هذه النصوص.

و يترتب على هذا الاشتراط ما ذكره في المتن من عدم صحة الاعتكاف ممن لا يشرع في حقه الصيام كالمسافر، و كما في يومي العيدين، فان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط.

و لكن نسب الى الشيخ و ابن إدريس و ابن بابويه جوازه في السفر نظرا إلى الإطلاق في أدلة الاعتكاف إذ لم يقيد شيء منها بالحضر.

فتدل بالدلالة الالتزامية على مشروعية ما يتوقف عليه و هو الصوم.

و لكنه كما ترى، بل لعل الجواب عنه أوضح من أن يخفى.

ضرورة ان إطلاقات الاعتكاف: بعد أن كانت مقيدة بالصيام بمقتضى النصوص المتقدمة فتقيد بما هو شرط في الصوم، فكلما هو شرط في صحة الصوم شرط في صحة الاعتكاف بطبيعة الحال، بحيث لو جمعنا بين الدليلين في كلام واحد و قلنا: لا اعتكاف الا بصوم، و لا يجوز الصوم في السفر، فلا جرم كانت النتيجة انه لا يجوز الاعتكاف في السفر، و لم يكن في البين أية معارضة فضلا عن أن يتمسك بإطلاق الأول و يقدم.

و لأجل ذلك لم يلتزموا بصحة الاعتكاف في العيدين، و لم يتمسك

____________

(1) الوسائل باب 2 من أبواب الاعتكاف ح 3، 6، 8، 9، 10

339

و لا من الحائض و النفساء (1) و لا في العيدين، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصح (2) و ان كان غافلا حين الدخول. نعم لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع (3) أو الخامس منه العيد فان كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصح و ان كان على وجه الإطلاق لا يبعد صحته فيكون العيد فاصلا بين أيام الاعتكاف.

____________

أحد هنا بإطلاقات الأدلة لإثبات المشروعية و المسألتان من واد واحد.

اللهم إلا أن يفرق بأن حرمة الصوم في العيد ذاتية، و في السفر تشريعية، فيمكن إثبات الأمر في الثاني بإطلاق الدليل دون الأول، إذ لا يكون الحرام مصداقا للواجب فتأمل.

(1) لا يبعد أن تكون هذه العبارة سهوا من قلمه الشريف، ضرورة أن الاعتكاف متقوم باللبث في المسجد الممنوع في حق الحائض و النفساء، فلا يكون عدم الصحة منهما من آثار الاشتراط بالصوم كما هو ظاهر تفريع المتن، حيث جعل ذلك مترتبا عليه و عدهما في سياق عدم الصحة من المسافر و في العيدين. فلو فرضنا صحة الصوم منهما كالمستحاضة لم يكد يصح الاعتكاف منهما أيضا لما عرفت.

(2) لامتناع صوم اليوم الثالث المصادف للعيد الذي لا يفرق فيه بين الغفلة و الالتفات، و لا يصح الاقتصار على اليومين لعدم مشروعية الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام كما سيجيء.

(3) لو نوى الاعتكاف أربعة أيام مثلا فصادف العيد اليوم الرابع، فقد يكون ذلك على وجه التقييد بالتتابع بأن تكون نيته متعلقة

340

الخامس: أن لا يكون أقل من ثلاثة أيام (1) فلو نواه كذلك بطل.

____________

بالثلاثة المقيدة بانضمام اليوم الرابع بنحو البشرط شيء، و أخرى يكون على وجه الإطلاق و بنحو اللابشرط.

لا شك في البطلان على الأول، لأن ما قصده يتعذر امتثاله، و ما يمكن أعني الاقتصار على الثلاثة لم يتعلق به القصد. فما قصده لا يقع، و ما يمكن ان يقع لم يقصد.

و أما الثاني فلا مانع من صحته، فيقتصر على الثلاثة بعد أن كانت مقصودة حسب الفرض.

و أما لو نوى الاعتكاف خمسة أيام مثلا فصادف العيد اليوم الرابع، فان كان على وجه التقييد فالكلام هو الكلام بعينه، و ان كان على وجه الإطلاق فلا شك في صحة الثلاثة ما قبل العيد كالبطلان فيه.

إنما الكلام في اليوم الخامس فقد حكم في المتن بصحته أيضا و التحاقه بالثلاثة الأول، فيكون العيد فاصلا بين أيام الاعتكاف.

و لكنه مشكل فان الفصل المزبور يوجب انقطاع الاعتكاف المعتبر فيه الموالاة فلا يصلح اللاحق للانضمام الى السابق كي يكون المجموع اعتكافا واحدا، كما لو أفطر أثناء الثلاثة فإنه يمنع عن الالتحاق لأجل اعتبار التوالي في الاعتكاف.

و عليه فيتعين أن يكون اليوم الخامس مبدأ لاعتكاف جديد. و لأجله يعتبر ضم يومين آخرين إذ لا اعتكاف أقل من ثلاثة.

نعم لا بأس بالاقتصار عليه بعنوان الرجاء فيعتكف اليوم الخامس و يلحقه بما سبق رجاء.

(1) بلا خلاف فيه. بل الإجماع عليه بقسميه كما في الجواهر

341

و اما الأزيد فلا بأس به و ان كان الزائد يوما أو بعضه (1).

____________

و تشهد به صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام. و نحوها موثقة عمر بن يزيد التي رواها الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن علي عن الحسن بن محبوب (1).

فان طريق الشيخ الى ابن فضال و ان كان ضعيفا الا أن طريق النجاشي صحيح و الكتاب واحد. كما تكررت الإشارة اليه. و أما محمد بن علي فالمراد به هنا محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن بن محبوب كثيرا، و لا يراد به الكوفي الصيرفي الهمداني المعروف بأبي سمينة الذي استظهرنا ارادته من هذه الكلمة في رواية أخرى تقدمت و عرفت ضعفه، و ذلك لاختلاف الراوي و المروي عنه في هذه الرواية عن تلك.

و كيفما كان فالرواية معتبرة غاية الأمر أنها موثقة لا صحيحة من أجل علي بن الحسن بن فضال.

(1) بلا خلاف فيه و يستدل له بمعتبرة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيام أخر، و ان شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاث فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر (2). فإن مفهوم الشرطية الأخيرة جواز الخروج قبل استكمال

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب الاعتكاف ح 2، 5.

(2) الوسائل باب 4 من أبواب الاعتكاف ح 3.

342

أو ليلة أو بعضها، و لا حد لأكثره (1)

____________

اليومين بعد الثلاثة كأن يخرج في اليوم الرابع أو أثناء اليوم الخامس.

فيدل بالدلالة الالتزامية على جواز نية الاعتكاف هذا المقدار من الأول، و ان ذلك مشروع من حين الشروع.

و يندفع بأن المفهوم و ان كان تاما إلا أن الدلالة الالتزامية ممنوعة ضرورة عدم استلزام جواز رفع اليد بقاء لمشروعيته حدوثا كي تسوغ نيته كذلك من أول الأمر. ألا ترى أن النافلة يجوز قطعها و رفع اليد عنها بعد الإتيان بركعة واحدة، و لا يجوز أن ينوي الركعة حين الشروع أو نصفها.

و بالجملة مفاد المعتبرة جواز الخروج عن المسجد فيما إذا بدا له ذلك، و لا يدل هذا بوجه على جوازه من الأول لتدل على مشروعية الاعتكاف أربعة أيام مثلا.

فالأولى الاستدلال لجواز الزيادة على الثلاثة بإطلاقات مشروعية الاعتكاف من الكتاب و السنة إذ لم يرد عليها التقييد إلا التحديد من ناحية القلة دون الكثرة، فنفس الإطلاقات السليمة عن التقييد من طرف الزيادة وافية لإثبات المشروعية.

(1) و قد يستدل له ببعض النصوص المتعرضة للتحديد من طرف الأقل من دون تعرض للأكثر و فيه ما لا يخفى.

فان عدم التعرض أعم من عدم التحديد، فلا دلالة له على النفي بعد أن لم تكن في مقام البيان إلا من ناحية الأقل.

فالأولى أن يستدل هنا أيضا بالإطلاقات كما عرفت آنفا.

343

نعم لو اعتكف خمسة أيام وجب السادس (1) بل ذكر بعضهم انه كلما زاد يومين وجب الثالث: فلو اعتكف ثمانية أيام وجب اليوم التاسع و هكذا و فيه تأمل،

____________

(1) لمعتبرة أبي عبيدة المتقدمة الصريحة في عدم جواز الخروج من المسجد متى أقام يومين بعد الثلاثة حتى يتم ثلاثة أيام أخر. فلا مناص من الالتزام به بعد وضوح الدلالة و صحة السند، و لا سيما و قد أفتى المشهور- ظاهرا- على طبقها. و سيجيء ان شاء اللّه تعالى في المسألة الخامسة ان من أتم اليومين الأولين وجب عليه الثالث، لصحيح محمد ابن مسلم الصريح في ذلك، فيما إذا لم يشترط- أي لم يشترط على نفسه بنذر و نحوه لا كالاشتراط في باب الإحرام- و سيجيء تفصيل الكلام حول ذلك قريبا ان شاء اللّه تعالى. فهذا أيضا مما لا مناص من الالتزام به.

و أما وجوب اليوم الثالث كلما زاد يومين لكي يجب اليوم التاسع لو اعتكف ثمانية أيام و هكذا فهو و ان كان قد ذكره بعضهم. بل عن المسالك و المدارك عدم الفصل بين السادس و كل ثالث، إلا أن الماتن قد تأمل فيه و هو في محله. فان انقلاب النفل الى الفرض على خلاف القاعدة لا يصار اليه من غير دليل و قد قام الدليل عليه في الفرضين الأولين بمقتضى معتبرة أبي عبيدة، و صحيحة ابن مسلم كما سمعت. و أما هنا فلم يقم عليه أي دليل فيبقى تحت مقتضى القاعدة من عدم الانقلاب كما هو ظاهر، إذ لا نقول بالقياس، و الأصل البراءة.

344

و اليوم من طلوع الفجر (1) الى غروب الحمرة المشرقية (2) فلا يشترط إدخال الليلة الاولى (3) و لا الرابعة و ان جاز ذلك كما عرفت و يدخل فيه الليلتان المتوسطتان.

____________

(1) فان مبدء اليوم و ان كان هو طلوع الشمس حسبما حققناه في مباحث الأوقات من كتاب الصلاة كما مر مستقصى الا ان المراد به في خصوص المقام من طلوع الفجر لأجل الروايات الخاصة المتضمنة: انه لا اعتكاف من غير صيام، حيث يظهر منها أن يوم الاعتكاف هو يوم الصوم، فإنه و ان أمكن التفكيك بان يصوم من الفجر و ينوي الاعتكاف من طلوع الشمس لكنه بعيد عن الفهم العرفي جدا كما لا يخفى. فان العرف لا يكاد يشك في أن المستفاد من هذا الكلام ان يومهما واحد، فمن أجل هذه القرينة نلتزم بإرادة خلاف الظاهر في خصوص المقام.

(2) في العبارة (1) مسامحة واضحة كما أشرنا في التعليقة. فان الحمرة المشرقية تزول عن قمة الرأس و تنتقل من ناحية الشرق الى الغرب، لا انها تغرب، فهي باقية غير أنها تذهب من مكان الى مكان و ليست بمستترة- كالقرص تحت الأفق- كي يطلق عليها الغروب.

و كيفما كان فالمراد ان اليوم ينتهي بانتهاء زمان الصوم الذي هو عنده ذهاب الحمرة المشرقية، و قد تقدم في مبحث الأوقات أن الغروب الذي هو منتهى وقت الظهرين، و أخر زمان الصوم و مبدء العشاءين انما يتحقق باستتار القرص لا بذهاب الحمرة فراجع.

(3) لا إشكال في دخول الليلتين المتوسطتين لإطلاقات الأدلة،

____________

(1) عبّر بمثل هذا التعبير في الجواهر أيضا ج 17 ص 167.

345

..........

____________

حيث لم يقيد دليل المنع عن الخروج من المسجد أو عن الجماع و نحوهما من موانع الاعتكاف بالنهار فيعم الليل أيضا فيكشف لا محالة عن الدخول. هذا أولا و ثانيا: ان نفس التحديد بالثلاثة ظاهر بحسب الفهم العرفي في الاتصال و الاستمرار. فإنه المنصرف الى الذهن في الأمور القابلة الدوام و الاستمرار كما في إقامة العشرة و نحوها. فلو قلت: مكثت في البلدة الفلانية ثلاثة أيام كان المنسبق الى الذهن الاتصال. فهو يستلزم دخول الليلتين المتوسطتين بطبيعة الحال. فما نسب الى الشيخ من عدم الدخول غير قابل للتصديق.

كما لا ينبغي الإشكال في خروج الليلة الأخيرة لانتهاء اليوم بانتهاء النهار بمقتضى الفهم العرفي المؤيد برواية عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان المغيرية يزعمون ان هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة، فقال: كذبوا، هذا اليوم لليلة الماضية، ان أهل بطن نحلة حيث رأوا الهلال قالوا قد دخل الشهر الحرام (1).

نعم هي ضعيفة السند بدهقان الذي اسمه عبد اللّه كما في الوسائل، أو عبيد اللّه كما في روضة الكافي. و كيفما كان فهو مجهول فلا تصلح إلا للتأييد. فما ينسب الى بعض الأصحاب من احتمال الدخول لا ينبغي الإصغاء اليه.

إنما الكلام في الليلة الأولى فالمشهور عدم الدخول، و لكن نسب الدخول إلى العلامة و الشهيد الثاني كما في الليلتين المتوسطتين.

و الصحيح ما عليه المشهور. فان اليوم ظاهر لغة و عرفا في بياض النهار

____________

(1) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7.

346

و في كفاية الثلاثة التلفيقية إشكال (1).

____________

في مقابل قوس الليل قال تعالى سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ.

نعم قد يستعمل اليوم في مجموع القوسين، أعني أربعة و عشرين ساعة لقرينة خارجية تدل عليه مثل قولك: كان سفرنا عشرة أيام، و أما من غير القرينة على الخلاف- و لا قرينة في المقام- فظاهر اللفظ هو بياض النهار كما سمعت و دخول المتوسطتين انما كان لأجل اعتبار الاستمرار كما مر. فلا وجه لقياس الاولى عليهما كما هو ظاهر.

(1) و الأمر كما ذكره، بل أوضح مما ذكره. فان اليوم اسم حقيقي لغة و عرفا لبياض النهار الذي مبدؤه طلوع الفجر أو طلوع الشمس، و منتهاه غروبها، و لا سيما في الاعتكاف المعتبر فيه الصوم الذي لا يكون إلا في تمام اليوم. أما الملفق من نصفين فهو نصفان من يومين و ليس بيوم واحد، كما ان من يملك من كل من الدارين أو العبدين نصفا فهو مالك لنصفين من دارين أو من عبدين، و ليس مالكا لدار واحدة أو لعبد واحد بكامله. و قيام الدليل على ارادة التلفيق- المبني على نوع من العناية- في بعض الموارد كالعدة و مدة الخيار و أقل الحيض و نحو ذلك لا يستدعي إرادته في المقام بعد عرائه عن مثل ذلك الدليل، فلا مناص من الأخذ بظاهر اللفظ من ارادة المعنى الحقيقي، أعني اليوم الكامل كما عرفت. فلا يجزى التلفيق بوجه هذا و قد سبق نظير ذلك في كتاب الصوم عند التكلم حول الشهرين المتتابعين و قلنا ان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين دون المقدار فلا يجزى التلفيق. و أشرنا هناك الى ان هذه المسألة أعني كون الشهر حقيقة فيما بين الهلالين، أو ان المراد ما يعم المقدار غير معنونة في كلماتهم، إذ لم نر من تعرض لذلك من قدماء الأصحاب.

347

..........

____________

نعم تعرض له المحقق في الشرائع على وجه يظهر منه انه أرسل إرادة الأعم من المقدار إرسال المسلمات و ان جواز التلفيق من الواضحات حيث قال (قده) في أواخر كتاب الكفارات في المسألة الأولى من المقصد الرابع ما لفظه: «من وجب عليه شهران متتابعان فان صام هلالين فقد أجزأه و لو كانا ناقصين، و ان صام بعض الشهر و أكمل الثاني اجتزأ به و ان كان ناقصا، و يكمل الأول ثلاثين، و قيل يتم ما فات من الأول و الأول أشبه» انتهى.

فإن الاجزاء في الفرض الأول، مما لا خلاف فيه و لا اشكال لكون الشهر حقيقة فيما بين الهلالين كما صرح به في الجواهر في شرح العبارة.

و أما في الفرض الثاني فقد تكلم في كيفية التكميل فارغا عن جواز أصل التلفيق فكأنه أمر مسلم مفروغ عنه.

و كيفما كان فقد اختار هو أي المحقق (قده) الرجوع في التكميل الى العدد، أعني مقدار الشهر و هو الثلاثون و ان كان ناقصا، و ذلك نظرا الى انكساره فيتعذر اعتبار الهلال فيه، فيرجع الى العدد. فلو صام عشرة أيام من آخر رجب و تمام شعبان أكمل رجب في شوال بعشرين يوما و ان كان الشهر ناقصا.

و اختار صاحب الجواهر (قده) القول الآخر و هو إتمام ما فات من الأول، فيكفي في الفرض المزبور صيام تسعة و عشرين يوما مع نقصان الشهر، لأنه أقرب الى الشهر الحقيقي. ثمَّ حكى (قده) قولا ثالثا و هو انكسار الشهرين بانكسار الأول، لأن الثاني لا يدخل حتى يكمل الأول فيتم من الثاني الذي يليه ثلاثين يوما أو مقدار ما فات

348

..........

____________

منه و يتم الثاني من الذي يليه كذلك. فيرد التلفيق على كل من الشهرين.

و تظهر الثمرة بين الأقوال الثلاثة فيما لو صام من آخر رجب يوما و هو ناقص ثمَّ اتبعه بشعبان و هو مثله في النقص.

فعلى قول المحقق يقضى تسعة و عشرين يوما من شوال، لأن العبرة عنده بالعدد و هو ثلاثون.

و على قول صاحب الجواهر يقضى ثمانية و عشرين يوما، لأن العبرة بما فات من رجب و ليس إلا ذلك.

و على القول الثالث يبطل التتابع و يجب استيناف الكل، لان مجموع ما صامه ثلاثون يوما و هو نصف الشهرين و اللازم في حصول التتابع الزيادة على النصف و لو بيوم و لم تحصل.

و الصحيح ما عرفت من لزوم كون الشهرين هلاليين، لكون الشهر حقيقة فيه كما اعترف به في الجواهر- على ما مر- فلا وجه لرفع اليد عن أصالة الحقيقة من غير قرينة.

و على تقدير القول بالانكسار و التلفيق فلا مناص من اختيار القول الأخير، أعني ورود الكسر على الشهرين معا، إذ لا معنى للشروع في الشهر الثاني إلا بعد استكمال الشهر الأول. فما صامه من شعبان انما هو مكمل لما صام من رجب، إما مكمل الثلاثين أعني العدد، أو مكمل لمقدار ما فات منه على الخلاف المتقدم بين المحقق و صاحب الجواهر، فلا يمكن عدّ شعبان شهرا بحياله، بل مكمل كما عرفت.

و نتيجته ورود الكسر على الشهرين بطبيعة الحال المستلزم لاستيناف التتابع في الفرض المزبور.

349

..........

____________

نعم لو أمكن احتساب الزائد على الشهر قبل تحققه بان يكون صيام شعبان و يوم من رجب مصداقا لصيام شهر و زيادة لم يرد الكسر حينئذ على الشهر الثاني و لكنه لا وجه له و ان كان ذلك هو ظاهر عبارة الجواهر. بل صريح الوسائل حيث أخذه في عنوان الباب في كتابي الصوم و الكفارات، فقال: باب إن من وجب عليه صوم شهرين متتابعين لم يجز له الشروع في شعبان الا أن يصوم قبله و لو يوما (1) غير انه (قدس سره) في كتاب الكفارات لم يأت برواية تدل على الاستثناء المأخوذ في العنوان.

نعم في كتاب الصوم ذكر صحيحة منصور التي استدل بها في الجواهر أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثمَّ أدركه شهر رمضان. قال: يصوم شهر رمضان و يستأنف الصوم فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته. و لكنها كما ترى قاصرة الدلالة على ما ذكراه من كفاية صيام يوم قبل شعبان زائدا عليه لوضوح ان قوله (عليه السلام): (فزاد) ظاهر بمقتضى فاء التفريع في كون الزائد حاصلا بعد صيام النصف بأن يصوم النصف أولا و هو الشهر ثمَّ يزيد عليه بيوم، و عليه فلا أثر لصيام يوم من رجب، لان الحاصل من ذي قبل لا يكاد يتصف بعنوان الزيادة على شعبان بوجه.

و أصرح منها صحيحة أبي أيوب قال (عليه السلام) فيها: «و لا بأس إن صام شهرا ثمَّ صام من الشهر الذي يليه أياما ثمَّ عرضت

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب الكفارات و باب 4 من أبواب بقية الصوم الواجب.

350

السادس:- أن يكون في المسجد الجامع (1) فلا يكفي في غير المسجد و لا في مسجد القبيلة و السوق و لو تعدد الجامع تخير بينها و لكن الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة مسجد الحرام و مسجد النبي (ص) و مسجد الكوفة و مسجد البصرة.

____________

علة أن يقطعه ثمَّ يقضى بعد تمام الشهرين (1). فإنها تنادي بلزوم كون الزائد من الشهر الذي يليه. فلا اعتبار بما صام من الشهر السابق بتاتا. و نتيجة ذلك ورود الكسر على الشهر الثاني أيضا كما ذكرناه.

و على الجملة لم تحرر المسألة في كلماتهم بحيث تعنون و ينقل الخلاف غير انه يظهر من المتأخرين كالمحقق و صاحب الجواهر و غيرهما المفروغية عن إرادة الأعم مما بين الهلالين الذي هو المعنى الحقيقي و من المقدار الذي هو معنى مجازي و لم يلتزموا بخصوص الثاني لبنائهم على الاجتزاء بصيام الهلالين و ان كانا ناقصين كما عرفت. و هذا يحتاج إلى قرينة واضحة فإن الاستعمال في المعنى الأعم من الحقيقي و المجازي من أبعد المجازات لا يصار اليه من غير قرينة قاطعة. و حيث انها منفية لدينا فلا مناص من الجمود على المعنى الحقيقي و الأخذ بظاهر لفظ الشهر، أعني ما بين الهلالين حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في لزوم إيقاع الاعتكاف في المسجد و انما الكلام في تشخيصه و تعيينه. فعن جماعة منهم المفيد و المحقق في

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 8.

351

..........

____________

المعتبر و الشرائع و الشهيدين و كثير من المتأخرين: انه كل مسجد جامع فلا ينعقد في مسجد القبيلة أو السوق.

و عن جماعة آخرين منهم الشيخ انه لا يصح إلا في المساجد الأربعة المسجد الحرام، و مسجد النبي (ص)، و مسجد الكوفة، و مسجد البصرة. بل في محكي المنتهى انه المشهور، بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه.

و ربما يقال بصحة الاعتكاف في كل مسجد تنعقد به الجماعة الصحيحة.

و يدل على القول الأول جملة من النصوص التي منها:

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع.

و صحيحة داود بن سرحان ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام و مسجد الرسول أو مسجد جامع (1) فإنها و ان كانت ضعيفة بطريق الكليني و الشيخ من أجل سهل بن زياد، و لكنها صحيحة بطريق الصدوق عن البزنطي عن داود بن سرحان.

و منها معتبرة علي بن عمران (كما في التهذيب) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: المعتكف يعتكف في المسجد الجامع (2). و هي معتبرة كما وصفناها لصحة طريق الشيخ الى علي ابن الحسن بن فضال، من أجل صحة طريق النجاشي كما مر غير

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 1، 10.

(2) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 4.

352

..........

____________

مرة، و علي بن عمران ثقة، غير ان الرواية رواها الشيخ (قده) في الاستبصار بعين السند و المتن إلا أنه أبدل علي بن عمران ب(علي ابن غراب) و هذا لم يوثق. و لأجله لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية من جهة تردد الراوي بين الثقة و غيره، و لا يحتمل تعدد الرواية بعد اتحاد السند و المتن ما عدا الراوي الأخير الذي اختلفت فيه نسخة التهذيب عن الاستبصار و كأن صاحب الوسائل استفاد انها روايتان، و لذا ذكر الرواية عن الرجلين، و قد عرفت انها رواية واحدة فلو لا روايتها في الاستبصار لصح بها الاستدلال. و أما بملاحظتها فلا تصلح إلا للتأييد نظرا الى الترديد المزبور.

و يستدل للقول الثاني بروايتين:

إحداهما مرسلة المفيد في المقنعة قال: روى انه لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، قال: و هي أربعة مساجد:

المسجد الحرام جمع فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و مسجد المدينة جمع فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام)، و مسجد الكوفة و مسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و ضعفها بالإرسال ظاهر و لا سيما مع وهنها بان مرسلها و هو المفيد لم يعمل بها، إذ المحكي عنه هو القول الأول كما عرفت.

الثانية: و هي العمدة صحيحة عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟

فقال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه امام عدل صلاة جماعة، و لا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة و مسجد

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 12.

353

..........

____________

المدينة، و مسجد مكة (1). و قد رويت بطرق ثلاثة:

أحدها طريق الكليني و هو ضعيف بسهل بن زياد.

الثاني طريق الشيخ و الظاهر انه معتبر لان المراد بمحمد بن علي الواقع في السند هو محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن ابن محبوب. و مع الغض عن ذلك فالطريق الثالث و هو طريق الصدوق صحيح قطعا لصحة طريقه الى الحسن بن محبوب بلا إشكال. فلا ينبغي التأمل في صحة السند و لا مجال للخدش فيه بوجه.

إنما الكلام في الدلالة و هي مبنية على أن المراد بالإمام العدل المذكور فيها من هو امام على جميع المسلمين من الموجودين و المعدومين. أعني الإمام المعصوم (عليه السلام) ليكون الحكم منحصرا في المساجد الأربعة المذكورة في الصحيحة التي قد صلى المعصوم (عليه السلام) فيها. و لكنها غير ظاهرة في ذلك. بل الامام العدل كالشاهد العدل لا ينسبق الى الذهن منه عند الإطلاق الا من يصح الاقتداء به في الجماعة في قبال من لا يصح كحكام الجور و الأئمة الفسقة المتصدين لإقامة الجماعات في بغداد آنذاك.

و يؤكده انه لو أريد به المعصوم (عليه السلام) لزم ارتكاب التقييد في صحيحتي الحلبي و داود بن سرحان المتقدمتين بحمل المسجد الجامع على المسجد الذي صلى فيه المعصوم (عليه السلام) و هو حمل المطلق على الفرد النادر، و لا سيما في صحيحة داود حيث ذكر فيها مسجد الحرام، و مسجد الرسول. فيراد بالمسجد الجامع المذكور فيها خصوص مسجد الكوفة، و مسجد البصرة الذين قد صلى فيهما الامام المعصوم (ع).

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 8.

354

..........

____________

و هو كما ترى ليس من الجمع العرفي في شيء أبدا. فلا مناص من أن يراد به امام الجماعة كما عرفت.

و عليه فتكون مقتضى الصناعة تقييد مطلقات المسجد الجامع بما قد صلى فيه الامام العادل، فيكون مكان الاعتكاف مشروطا بأمرين:

أحدهما كونه مسجدا، و الثاني أن يكون قد صلى فيه الامام العادل.

و لكن حيث ان هذا خرق للإجماع المركب إذ لم يقل بهذا القول أحد فيما نعلم فلا مناص من حمل القيد على الأفضلية و الاستحباب.

و ملخص الكلام أن نصوص المقام على طوائف:

فمنها ما جعل الاعتبار فيها بالمسجد الجامع في قبال مسجد القبيلة أو السوق كصحيحتي الحلبي و داود بن سرحان و غيرهما مما مر.

و منها ما جعل الاعتبار فيها بالمساجد الأربعة كمرسلة المفيد و صحيحة عمر بن يزيد، لكن الأولى واضحة الضعف من غير جابر. و الثانية قاصرة الدلالة الا على اعتبار كون المسجد الجامع مما قد صلى فيه الامام العادل جماعة، لا خصوص الإمام الحقيقي المنصوب من قبل اللّه تعالى لينحصر في المساجد الأربعة للزوم حمل المطلق على الفرد النادر حينئذ الذي هو بعيد في صحيحة الحلبي و أشد بعدا في صحيحة داود بن سرحان كما تقدم، إذ قد ذكر فيها من المساجد اثنان، فيلزم حمل الجامع فيها على الاثنين الآخرين و هو كما ترى. فمفادها التقييد بإقامة جماعة صحيحة من امام عادل في قبال أئمة الجور. و هذا مما لا قائل به، فان كان إجماع على خلافه كما لا يبعد فلا بد من حمل الرواية على الاستحباب، أو رد علمها إلى أهله. و الا فلا مناص من الأخذ بها و ارتكاب التقييد حسبما عرفت.