المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
355

..........

____________

و منها ما تضمن التقييد بمسجد الجماعة، كصحيحة عبد اللّه بن سنان: لا يصلح العكوف في غيرها، يعنى غير مكة إلا أن يكون في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، أو في مسجد من مساجد الجماعة.

و صحيحة يحيى بن العلاء الرازي: لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جماعة. و انما عبرنا بالصحيحة نظرا الى أن أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع و إلا ففي مذهبه كلام و ان كان ثقة بلا إشكال.

و صحيحة الحلبي: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة (1).

و الظاهر ان الجماعة في هذه النصوص وصف لنفس المسجد لا للصلاة المنعقدة فيه، لتدل على اعتبار إقامة الجماعة. فمفادها أن يكون المسجد موردا لاجتماع الناس و محلا لتجمعهم، إما لإقامة الجمعة أو لغيرها، و هو معنى كون المسجد جامعا في قبال مسجد السوق أو القبيلة. و عليه فيتحد مفادها مع مفاد نصوص الطائفة الأولى الدالة على اعتبار كون المسجد جامعا من صحيحتي الحلبي و داود بن سرحان و غيرهما.

و أما رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر قال: ان عليا:

(عليه السلام) كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، أو في مسجد جامع

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 3، 6، 7.

356

..........

____________

(جماعة) (1). فليست هي مجمعا للأمرين لتكون في قبال الطوائف المتقدمة كما توهم. فإنها مذكورة في التهذيب المطبوع الذي بأيدينا بلفظ (جامع) فقط من غير إضافة جماعة في متن الرواية، و انما ذكر ذلك بعنوان النسخة كما في الوسائل (الطبعة الحديثة). فالصادر عن المعصوم (عليه السلام) ليس هو اللفظين معا، بل اما الجامع فتلحق بالطائفة الأولى، أو الجماعة فتلحق بالأخيرة التي هي أيضا ترجع إلى الأولى كما عرفت. فلا يكون مفادها شيئا آخر وراء النصوص المتقدمة على انها ضعيفة السند من أجل تردد محمد بن علي الراوي عن علي بن النعمان بين ابن محبوب الثقة و بين الكوفي الصيرفي الهمداني الملقب بأبي سمينة الضعيف جدا كما تقدم.

بقي الكلام فيما رواه العلامة في المنتهى نقلا عن جامع أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا اعتكاف الا بصوم، و في المصر الذي أنت فيه (2).

فإنه قد يقال بظهورها في اعتبار كون المسجد مسجد البلد.

و لكنها مخدوشة سندا و دلالة.

أما الأول فلجهالة طريق العلامة إلى جامع البزنطي فهي لا محالة في حكم المرسل.

و أما الثاني فلأنها لو كانت بلسان النهي بأن كان التعبير هكذا:

لا يعتكف. إلخ أمكن أن يراد بها النهي عن الاعتكاف في السفر، و ان اللازم عليه أن يقيم فيعتكف في المصر الذي هو فيه.

و لكنها بلسان النفي الظاهر في نفي الطبيعة. و ان طبيعي الاعتكاف

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 5.

(2) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 11.

357

السابع: اذن السيد بالنسبة إلى مملوكه (1) سواء كان قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا لم يتحرر منه شيء و لم يكن اعتكافه اكتسابا و اما إذا كان اكتسابا فلا مانع منه كما انه إذا كان مبعضا فيجوز منه في نوبته إذا هاياه مولاه من دون اذن بل مع المنع منه أيضا،

____________

لا يتحقق إلا في المصر الذي هو فيه. و هذا كما ترى غير قابل للتصديق حتى لو كان المراد خصوص مسجد الكوفة بقرينة كون الراوي كوفيا أسديا كما قبل ضرورة جواز إيقاعه في سائر المساجد أيضا، و لا أقل من مسجدي الحرمين الشريفين فلا موقع للحصر بوجه فالمتحصل من النصوص بعد ضم بعضها الى بعض جواز الاعتكاف في كل مسجد جامع و هو موجود في غالب البلدان و لا سيما بغداد البلدة العظيمة آنذاك التي كانت مقرا للخلافة ردحا من الزمن سواء أصلي فيها امام عادل أم لأبناء على قيام الإجماع على عدم اعتبار هذا الشرط كما مر، و ان كان الأفضل بل الأحوط كونه في أحد المساجد الأربعة.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) حيث جعل الاذن من السيد، و كذا الزوج و الوالد و المستأجر شرطا برأسه ان هذا يعتبر بنفسه في الاعتكاف من حيث هو اعتكاف لا من حيث اشتماله على الصوم ليكون ذلك من شؤون اشتراطه في صحة الصوم المندوب، فان ذلك بحث آخر أجنبي عن محط نظره (قده) في المقام كما لا يخفى.

فلو فرضنا ان صوم المعتكف كان وجوبيا غير مشترط بالاذن المزبور قطعا، أو بنينا على عدم اعتبار الاذن في صوم التطوع- كما

358

..........

____________

تقدم- أو فرضنا حصول الإذن بالنسبة إلى الصوم دون الاعتكاف جرى هذا البحث أيضا و انه هل يشترط في صحة الاعتكاف الاذن من هؤلاء أولا؟

فنقول: لا ينبغي الشك في اعتبار اذن السيد بالنسبة إلى مملوكه الذي هو عبد محض سواء أ كان قنا أم مدبرا أم أم ولد، أم مكاتبا لم يتحرر منه شيء إما لعدم أدائه شيئا من مال الكتابة، أو لكون الكتابة مشروطة و ذلك لوضوح أن العبد بجميع منافعه مملوك لمولاه، فتصرفه في نفسه من حركاته و سكناته التي منها اللبث في المسجد كالتوقف في مكان آخر من سوق أو دار شخص كل ذلك منوط بإذن المالك، و إلا فهو تصرف في ملك الغير بغير إذنه الذي لا ريب في عدم جوازه كما هو ظاهر.

نعم في العبد المكاتب إذا اعتكف بعنوان الاكتساب كما لو صار أجيرا لأحد لم يحتج حينئذ الى الاذن لأن ذلك هو مقتضى عقد الكتابة فيختص الافتقار اليه بما إذا لم يكن اعتكافه اكتسابا. هذا كله في العبد المحض.

و أما المبعض كالمكاتب الذي تحرر منه شيء من نصف أو ثلث و نحوهما و قد هاياه مولاه أي قاسمه فجعل له يوما أو أسبوعا أو شهرا و نحو ذلك، و للعبد كذلك. ففي اعتكافه في نوبة مولاه هو الكلام المتقدم. و أما في نوبته فيجوز من غير اذن، بل حتى مع المنع عنه إذ لا حق له في المنع بعد فرض حصول المهاياة و لزومها كما هو واضح.

359

و كذا يعتبر إذن المستأجر بالنسبة إلى أجيره الخاص (1).

____________

(1) الظاهر ان مراده (قدس سره) بالأجير الخاص من كان جميع منافعه- و منها منفعة الاعتكاف- مختصا بالمستأجر و مملوكا له كما لو اتخذ خادما له مدة معينة من شهر أو سنة، و لا ريب في اعتبار الإذن حينئذ في صحة الاعتكاف لعين الوجه المتقدم في العبد، إذ لا فرق بينهما الا ان العبد مملوك لمولاه عينا و منفعة و هذا مملوك للمستأجر منفعة فقط. و من المعلوم ان مناط الافتقار الى الاذن انما هو مملوكية المنفعة المشتركة بينهما.

و أما في غير الأجير الخاص بالمعنى المزبور كمن كان أجيرا لعمل معين كالسفر في وقت خاص فخالف و اشتغل بالاعتكاف فالظاهر هو الصحة و ان كان آثما في المخالفة لوضوح ان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده. فيمكن حينئذ تصحيح العبادة بالخطاب الترتبي بأن يؤمر أولا بالوفاء بعقد الإيجار. ثمَّ على تقدير العصيان يؤمر بالاعتكاف من غير حاجة الى الاذن إلا في رفع الإثم لا في صحة الاعتكاف.

نعم قد يتوهم عدم جريان الترتب في مثل المقام نظرا الى ان مورده ما إذا كان المتزاحمان من الضدين الذين لهما ثالث كي يمكن الأمر بأحدهما على تقدير عصيان الأخر مثل الصلاة و الإزالة. أما ما ليس لهما ثالث كالحركة و السكون فلا يجرى فيه الترتب بوجه، إذ لا معنى للأمر بالسكون على تقدير عدم الحركة فإنه من تحصيل الحاصل لرجوعه الى قولك إذا سكنت فاسكن.

و مقامنا من هذا القبيل، إذ الأجير مأمور بالخروج عن المسجد ليفي بعقد الإجارة من سفر و نحوه و هو مضاد للمكث الذي هو حقيقة

360

..........

____________

الاعتكاف من غير ثالث، إذ لا واسطة بين الخروج و المكث، فمرجع الخطاب الترتبي في المقام الى قولك إذا لم تخرج أي مكثت في المسجد فامكث و لا محصل له.

و لكنه مدفوع من وجوه:

أما أولا فلأن المأمور به انما هو الوفاء بالعقد الذي هو ضد للاعتكاف و لهما ثالث دون الخروج. نعم هو مقدمة للوفاء، و لا نقول بوجوب المقدمة إلا عقلا لا شرعا كما هو محرر في الأصول.

و ثانيا سلمنا الوجوب الغيري الشرعي، لكن الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة، لا الطبيعي على سريانه و إطلاقه كما حققناه في محله.

و عليه فالواجب انما هو الخروج المتعقب بالوصول إلى ذي المقدمة من سفر و نحوه الذي هو مورد العقد. و من البديهي وجود الواسطة بين هذا الخروج و بين الاعتكاف و هو الخروج لغاية أخرى غير المتعقب بذي المقدمة.

و ثالثا سلمنا وجوب المقدمة على إطلاقها فكان الخروج مطلقا واجبا بالوجوب الغيري و لكنه انما يكون مضادا للاعتكاف من غير ثالث إذا كان الاعتكاف متقوما بطبيعي المكث و ليس كذلك، بل هو متقوم بالمكث ثلاثة أيام و من المعلوم وجود الواسطة بين المكث ثلاثا و بين الخروج و هو المكث أقل من الثلاثة أو أكثر فيقال له: أخرج و إلا فامكث ثلاثا. و هذا نظير أن يقال: أسكن و إلا تحرك نحو الشرق أو الى الكوفة أو حركة سريعة، فان الواسطة موجودة حينئذ و هي الحركة نحو الغرب أو كربلاء أو البطيئة. فالتقييد بقيد يخرج الضدين عما لا ثالث لهما الى ما لهما ثالث و هو متحقق في المقام كما عرفت.

361

و اذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافيا لحقه (1).

____________

و رابعا مع الغض عن كل ذلك فلا ريب ان الاعتكاف عبادي، و من المعلوم ان بين الخروج و بين المكث القربي واسطة و هو المكث لا للّه فهما من الضدين الذين لهما ثالث بالضرورة.

و على الجملة فلا ينبغي التأمل في جريان الترتب في المقام و إمكان تصحيح الاعتكاف بذلك.

هذا كله فيما إذا كان العمل المستأجر عليه منافيا للاعتكاف كما في السفر و نحوه. و أما مع عدم المنافاة كما لو استؤجر على عمارة المسجد أو كنسه ثلاثة أيام أو حفر بثر أو خياطة ثوب أو حياكة فرش و نحو ذلك مما يمكن إيقاعه في المسجد فلا إشكال في الصحة من غير حاجة الى الاذن، بل هو خارج عن محل الكلام كما هو ظاهر جدا.

(1) فيبطل اعتكافها حينئذ بدون إذنه، لا لوجوب الخروج عن المسجد الذي هو مناف للأمر بالاعتكاف المضاد له لما عرفت آنفا من إمكان تصحيح الأمر و لو بنحو الترتب. بل لأجل الروايات الكثيرة الدالة على عدم جواز خروجها عن البيت بدون اذن الزوج فيما إذا كان منافيا لحقه- دون غير المنافي كالخروج اليسير و لا سيما نهارا لملاقاة أبيها أو أمها أو لزيارة الحرم الشريف و نحو ذلك- فان المستفاد من تلك الأدلة بمقتضى الفهم العرفي ان المحرم ليس هو الخروج بالمعنى المصدري المتحقق آنا ما اعنى فتح الباب و وضع القدم خارج الدار.

بل الحرام هو الكون خارج البيت و البقاء في غير هذا المكان. فالمنهى عنه هو المكث خارج الدار عند كونه منافيا لحق الزوج الذي هو القدر المتيقن من الأدلة. فإذا كان المكث المزبور حراما فكيف يمكن

362

و اذن الوالد أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما إذا كان مستلزما لايذائهما (1) و اما مع عدم المنافاة و عدم الإيذاء فلا يعتبر إذنهم و ان كان أحوط خصوصا بالنسبة إلى الزوج و الولد.

____________

صرفه في الاعتكاف؟ فان الحرام لا يكون مصداقا للواجب و المبغوض لا يكاد يكون مقربا فلا يقع عبادة.

و أما إذا لم يستلزم الاعتكاف الخروج من البيت بغير الاذن كما لو كان الزوج مقيما معها في المسجد لكونه مسكنا لهما مثلا، أو اذن في الخروج الى المسجد، أو المكث خارج البيت و لكن نهاها عن عنوان الاعتكاف فلا دليل على البطلان حينئذ بوجه لعدم الدليل على وجوب إطاعته في غير ما يرجع الى حقه. فالنهي حينئذ غير قادح فضلا عن اشتراط الاستيذان.

نعم لو كان صومها تطوعا و اعتبرنا في صحة صوم التطوع اذن الزوج بطل الاعتكاف ببطلان الصوم المعتبر فيه و لكن هذا بحث آخر غير مرتبط بالاعتكاف من حيث هو اعتكاف كما مرت الإشارة إليه.

ثمَّ ان هذا كله في اليومين الأولين من الاعتكاف. و اما اليوم الثالث المحكوم بالوجوب فلا أثر لنهيه قطعا، إذ لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق (1).

(1) أما إذا لم يستلزم الإيذاء كما لو لم يكن عن اطلاع منهما بان كانا- مثلا- في بلد و الولد يعتكف في بلد آخر فلا اشكال فيه.

و أما مع الإيذاء فهل يكون باطلا؟

____________

(1) الوسائل الباب 59 من أبواب وجوب الحج ح 7.

363

..........

____________

لا ريب في عدم جواز إيذاء الوالدين فيما يرجع إليهما و يكون من شؤونهما كالسب و الهتك و التعدي و نحو ذلك. بل ان الإيذاء بهذا المعنى حرام بالإضافة الى كل مؤمن. غايته انه فيهما آكد و العقوبة أغلظ و أشد.

و أما الإيذاء فيما يرجع الى الشخص نفسه بان يعمل فيما يعود الى نفسه و يتصرف في شأن من شؤونه، و لكن يترتب عليه الإيذاء.

فلا ريب أيضا في عدم حرمة هذا الإيذاء بالإضافة الى غير الوالدين كمن يفتح حانوتا في محل يتأذى منه رقيبه لمزاحمته له في جلب المشتري بطبيعة الحال، أو من يعمر دارا و يشيد قصرا يتأذى بذلك جاره لحسد أو رقابة و نحو ذلك من غير أن يكون من قصده الإيذاء و انما هو قاصد للتجارة أو العمارة ليس إلا. فإن هذا جائز بلا اشكال و ان ترتب عليه الإيذاء المزبور.

و هل الحال كذلك بالإضافة إلى الوالدين أيضا، كما لو أراد الولد أن يتزوج بامرأة و لكن الام تتأذى لعدم تلائم أخلاقها معها خصوصا أو عموما أو انه أراد أن يتصدى لتحصيل العلوم الدينية و الأب يتأذى لرغبته في تحصيل العلوم الحديثة كما يتفق ذلك في هذه الأزمنة كثيرا. فهل يحرم مثل هذا الإيذاء؟

الظاهر العدم كما في غير الوالدين حسبما عرفت لعدم الدليل على ذلك بوجه، و انما الواجب المعاشرة الحسنة و المصاحبة بالمعروف على ما نطقت به الآية الكريمة و غيرها مثل ان لا يجادل معهما في القول و لا يقول لهما أف. و أما ارتكاب عمل عائد إلى شأن من شؤون نفسه و ان ترتب عليه إيذاؤهما من غير أن يكون ذلك من قصده فلم تثبت حرمته بدليل إذا لا مانع من الاعتكاف و ان ترتب عليه ايذاؤهما بالمخالفة

364

الثامن: استدامة اللبث في المسجد (1) فلو خرج عمدا اختيارا لغير الأسباب المبيحة بطل من غير فرق بين العالم بالحكم و الجاهل به (2).

____________

للأمر و النهي الصادرين من أحدهما و ان كان ذلك بداعي العطف و الشفقة. نعم تستحب إطاعتهما من باب البر إليهما و الإحسان. و حينئذ تقع المزاحمة بين الاستحباب الثابت بهذا العنوان و بين استحباب الاعتكاف في حد نفسه، فيقدم الأهم منهما و الأرجح.

و قد عرفت ان الكلام في حكم الاعتكاف من حيث هو. و اما من حيث تضمنه للصوم المندوب و توقفه على الاذن فهو مطلب آخر أجنبي عما نحن بصدده.

(1) فلا يكتفى بطبيعي اللبث كيفما كان. بل لا بد من استمراره و استدامته ثلاثة أيام بلا خلاف فيه و لا اشكال، و قد دلت عليه جملة من النصوص التي منها صحيحتان لداود بن سرحان و حسنة كالصحيحة لعبد اللّه بن سنان (1). المتضمنة للمنع عن الخروج عن المسجد اختيارا الظاهر في المنع الوضعي أعني الإرشاد إلى الفساد لا مجرد التكليف كما لا يخفى.

و أظهرها الصحيحة الثانية لداود بن سرحان حيث إن السؤال فيها عن حقيقة الاعتكاف و ما ذا يفرضه المعتكف على نفسه لدى النية فبين (عليه السلام) انه لا يخرج من المسجد إلا لحاجة. فيظهر من ذلك دخله في ماهية هذه العبادة.

(2) أما الجاهل المقصر فلا إشكال في إلحاقه بالعالم لأنه عامد بعد

____________

(1) الوسائل الباب 7 من أبواب الاعتكاف ح 1، 3، 5.

365

..........

____________

فرض تقصيره في التعلم.

و أما القاصر و هو الذي يكون جهله عن عذر كمن أخطأ في اجتهاده فبنى مثلا على أن الخروج اليسير من المسجد و لو لا لحاجة غير قادح في الصحة فخرج و رجع ثمَّ تبدل رأيه و انكشف خطأه، فهل يكون هذا أيضا ملحقا بالعالم في الحكم بالبطلان؟ الظاهر نعم.

و الوجه فيه ما ذكرناه في الأصول عند التكلم حول حديث الرفع و ملخصه: ان الحديث بفقراته التسع يوجب التقييد في الأدلة الأولية.

فالجزئية أو الشرطية أو المانعية مرفوعة لدى الجهل بها. و حيث ان هذه الاحكام مما لا تنالها يد الجعل التشريعي استقلالا كما حقق في محله، و انما هي مجعولة بتبع جعل منشأ التزاعها و هو تعلق الأمر بالمركب من هذا الشيء، أو المقيد به أو المقيد بعدمه. فلا جرم كان رفعها برفع منا شيء انتزاعها. فيقال لدى الشك في جزئية السورة مثلا ان شمول الأمر- المتعلق بالمركب- لهذا الجزء مشكوك فهو مرفوع فطبعا لا تكون جزء من الصلاة و حيث ان أصل الأمر بالصلاة معلوم لدينا بالوجدان فلا محالة يكون الواجب هو الباقي من الأجزاء، فيحكم بصحتها لأجل العلم المقرون بالأصل المزبور.

و لكن هذا الرفع مخصوص بحال الجهل و مراعى ببقاء هذه الحالة لأن الحكومة حكومة ظاهرية و الا فالواقع باق على حاله، و لا تغير و لا تبدل فيه بتاتا. و من هنا يحسن الاحتياط في ظرف الجهل. و الا فمع الانقلاب لا معنى للاحتياط كما لا يخفى.

و عليه فمع انكشاف الخلاف و ارتفاع الجهل لا مناص من الإعادة إذ الاجتزاء بالناقص عن الكامل يحتاج الى الدليل و لا دليل إلا في خصوص الصلاة فيما عدا الأركان بمقتضى حديث لا تعاد. و حيث لم

366

و اما لو خرج ناسيا أو مكرها فلا يبطل و كذا لو خرج لضرورة (1).

____________

يرد مثل هذا الدليل في الاعتكاف كان اللازم الحكم بالفساد لدى انكشاف الخلاف. فلو اعتكف و لم يستدم اللبث جهلا و ان كان عن قصور بطل و وجبت الإعادة لو كان الاعتكاف واجبا بإجارة أو نذر و نحوهما عملا بإطلاق الأدلة.

هذا مع انا ذكرنا في الأصول عند التكلم حول الحديث- حديث رفع التسعة- أن سنده ضعيف نظرا الى ان الصدوق يرويه عن شيخه احمد بن محمد بن يحيى و لم يوثق، و مجرد الشيخوخة و روايته عنه كثيرا لا تقتضي التوثيق كما مر غير مرة، فإنه يروي عن الثقة و الضعيف، لان دأبه الرواية عن كل من سمع منه الحديث، و لم يلتزم بان لا يروى إلا عن الثقة.

نعم في بعض نسخ الخصال رواية هذا الحديث عن محمد بن احمد ابن يحيى الذي هو من الثقات، و لكن هذا الرجل من مشايخ الكليني و لا يمكن ان يروى عنه الصدوق لاختلاف الطبقة، و انما يروي هو عن ابنه احمد بن محمد بن احمد بن يحيى الذي عرفت انه مجهول. فهذه النسخة مغلوطة جزما، أو فيها تقديم و تأخير. و الصحيح ما في الفقيه كما عرفت.

(1):- قد عرفت حكم الخروج جهلا.

و اما الخروج اضطرارا لضرورة دعته اليه فلا إشكال في عدم قدحه في الصحة كما دلت عليه النصوص المعتبرة و الصحاح المتعددة التي منها صحيحة داود بن سرحان قال (عليه السلام) فيها: لا تخرج من المسجد

367

..........

____________

إلا لحاجة لا بد منها (1) و نحوها غيرها. و هل يعتبر في الحاجة بلوغها حد الضرورة و اللابدية كما هو ظاهر هذه الصحيحة أو أن الأمر أوسع من ذلك؟ سيأتي الكلام عليه عند تعرض الماتن.

و على اي حال فالحاجة الملحة أعني الاضطرار هو القدر المتيقن من تلك الأدلة، فلا ريب في جواز الخروج لذلك.

و اما الخروج اكراها فلا ريب أيضا في جوازه لا لحديث رفع الإكراه و ان ورد في رواية أخرى بسند صحيح كما سنذكره في رفع النسيان. بل لأجل ان الإكراه من مصاديق الاضطرار حقيقة، غايته ان الضرورة في مورده نشأت من توعيد الغير لا من الأمور الخارجية كما في سائر موارد الاضطرار، و لا فرق بين المنشأين فيما هو المناط في صدق الاضطرار عرفا، فكما يصدق الاضطرار و الحاجة الى الخروج التي لا بد منها فيما لو كان له مال خارج المسجد في معرض الحرق أو الغرق كذلك يصدق مع توعيد الغير بالإحراق أو الإغراق لو لم يخرج و عليه فتشمله الأدلة المتقدمة الواردة في صورة الاضطرار الى الخروج و اما الخروج نسيانا فالمشهور عدم قدحه أيضا. بل في الجواهر عدم الخلاف فيه.

و يستدل له تارة بانصراف دليل النهي عن الخروج عن مثله حيث لا يصدر الفعل منه عن اختيار و التفات. و فيه ما لا يخفى فإن الناسي يصدر عنه الفعل عن ارادة و اختيار، غايته انه مستند الى النسيان، فلا فرق بينه و بين ما يصدر عن الملتفت في ان كلا منهما مشمول للإطلاق. فالانصراف ممنوع جدا.

و اخرى بحديث رفع النسيان الوارد بسند صحيح بدعوى ان معنى

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 3.

368

..........

____________

رفعه فرض الفعل الصادر عن الناسي في حكم العدم، و كأنه لم يكن و مرجع هذا الرفع في عالم التشريع الى رفع الحكم المتعلق به لو لا النسيان. و عليه فالخروج الصادر عن المعتكف نسيانا في حكم العدم اي لا يترتب عليه أثره و هو البطلان، فاذا كان البطلان مرفوعا بمقتضى الحديث صح الاعتكاف بطبيعة الحال. و بمثل هذا البيان يقال في صورة الإكراه أيضا.

و يندفع بأن الصحة و البطلان بالإضافة إلى الواقعيات من الأحكام العقلية التي لا تكاد تنالها بد الجعل التشريعي لا وضعا و لا رفعا إذ هما من الأمور التكوينية المنتزعة من مطابقة المأتي به مع المأمور به و عدمها فلا معنى لرفع البطلان بحديث النسيان.

و عليه فلا بد و ان يكون المرفوع إما مانعية الخروج الصادر نسيانا أو جزئية اللبث في المسجد حال الخروج المستند الى النسيان حيث ان الواجب هو مجموع اللبثات و المكثات على سبيل الارتباط من أول اليوم الأول إلى آخر اليوم الثالث. فتكون الجزئية مرفوعة عن بعضها في بعض الأحوال. فالذي يعقل من رفع الأثر أحد هذين.

و حيث ان الجزئية و المانعية كالشرطية من الأحكام الوضعية التي لا تكون مستقلة بالجعل الا بتبع منشأ الانتزاع وضعا و رفعا كما تقدمت الإشارة إليه. فمعنى تعلق الرفع بهذه الأمور تعلقه بمناشئ انتزاعها فرفع الجزئية عن اللبث مرجعه الى رفع الأمر المتعلق بالمركب منه، كما ان معنى رفع المانعية عن الخروج رفع الأمر المتعلق بالمقيد بعدمه.

و عليه فاذا كان هذا الأمر مرفوعا فبأي دليل يثبت تعلق الأمر بالباقي ليحكم بصحته بعد ان لم يكن شأن الحديث الا الرفع دون الوضع.

و لا يقاس ذلك بما تقدم في الجهل ضرورة ان الجاهل بوجوب

369

عقلا أو شرعا أو عادة كقضاء الحاجة من بول أو غائط أو للاغتسال من الجنابة أو الاستحاضة و نحو ذلك (1)

____________

الأكثر يعلم إجمالا بتعلق التكليف بالجامع بينه و بين الأقل، و لذا يستحق العقاب لو ترك الكل لمخالفته التكليف المعلوم له بالوجدان.

فوجوب الأقل لا بشرط وجداني، و صحة الباقي و تعلق الأمر به ثابت بالعلم لا بالأصل و انما ينفي به الزائد المشكوك فيه. و اما في المقام فليس للناسي مثل هذا العلم كما لا يخفى.

و على الجملة لا يترتب على النسيان ما عدا المعذورية في ترك الجزء أو الإتيان بالمانع بمقتضى حديث الرفع و اما صحة الباقي ليجتزى به عن الواقع لدى تبدله بالذكر فلا يمكن إثباتها بدليل، و ان نسب ذلك الى المشهور حسبما مر. بل الأقوى البطلان. فلو اتفق مثل ذلك في اعتكاف واجب اما بإجارة أو نذر و نحوهما وجبت الإعادة كما تجب هي أو القضاء لو اتفق ذلك في الصلاة فيما إذا كان المنسي من الأركان.

(1):- قد عرفت جواز الخروج للضرورة لتقييد الحاجة باللابدية في صحيحة الحلبي و صحيحتي داود بن سرحان (1).

نعم صحيحة عبد اللّه بن سنان مطلقة قال (عليه السلام) فيها: و لا يخرج المعتكف من المسجد إلا في حاجة (2) فتشمل الحاجة البالغة حد الضرورة و ما دونها، الا انه لا بد من حملها على ذلك جمعا و رعاية لصناعة الإطلاق و التقييد.

و لا فرق بمقتضى الإطلاق بين ما إذا كانت الضرورة و اللابدية عقلية

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 1، 2، 3.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 5.

370

..........

____________

كما لو مرض فتوقف علاجه على الخروج أو شرعية كقضاء الحاجة لحرمة تلويث المسجد و كالاغتسال بناء على عدم جوازه فيه، أو عرفية بحيث يعد في نظر العرف من الضروريات، كما لو قدم ضيف كريم أو ذو منصب رفيع لا بد من الخروج عن المسجد لملاقاته.

و على الجملة ففي موارد صدق الضرورة على إطلاقها لا شك في جواز الخروج بمقتضى هذه النصوص، و فيما عداها لا يجوز إلا إذا قام الدليل عليه بالخصوص كعيادة المريض، أو الخروج الجنازة تشييعا أو تجهيزا من كفن أو دفن أو تغسيل أو صلاة بمقتضى إطلاق النص الدال عليه و هو صحيح الحلبي، و كذا صحيح ابن سنان الذي تضمن جواز الخروج للجمعة أيضا. ففي هذه الموارد المنصوصة يجوز الخروج و إن لم يكن من مصاديق الضرورة.

و اما التعدي عن ذلك الى كل مورد كان الخروج راجحا شرعا كمشايعة المؤمن و نحو ذلك، فهو و ان ذكره غير واحد لكنه يتوقف على تحصيل المناط القطعي كي تحمل تلك الموارد المنصوصة على المثالية لكل أمر راجح فان تحصل هذا المناط لأحد فهو، و الا كما هو الصحيح إذ لا سبيل لنا إلى الإحاطة بالمناطات الواقعية للأحكام الشرعية، فالتعدي حينئذ في غاية الإشكال.

هذا و ربما يستدل لجواز الخروج عن المسجد لقضاء حاجة المؤمن بما رواه الصدوق بإسناده عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند الحسن بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له: يا بن رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)) ان فلانا له علي مال و يريد ان يحبسني، فقال و اللّه ما عندي مال فأقضي عنك، قال: فكلمه، قال: فلبس (عليه السلام) نعله، فقلت له: يا ابن رسول اللّه أنسيت اعتكافك؟ فقال له: لم

371

..........

____________

انس و لكني سمعت أبي يحدث عن جدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد اللّه عز و جل تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله (1).

و لكنها مخدوشة سندا و دلالة.

اما الأول فلأن ميمونا نفسه و ان كان ممدوحا و هو من أصحاب علي (عليه السلام) الا ان طريق الصدوق اليه مشتمل على عدة من الضعاف فهي ضعيفة السند جدا.

و اما الثاني فلعدم دلالتها على خروجه (عليه السلام) باقيا على اعتكافه و لعله (عليه السلام) عدل عنه و تركه للاشتغال بالأهم، و لم يفرض فيها ان ذلك كان في اليوم الثالث كي لا يجوز النقض فلعله كان في اليومين الأولين، و هي قضية في واقعة، فلا معنى للتمسك بالإطلاق من هذه الجهة كما هو ظاهر، و العمدة ما عرفت من ضعف السند.

فتحصل انه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الحاجة و ان كانت راجحة دنيا أو دينا. بل لا بد من الاقتصار على مورد قيام النص حسبما عرفت.

ثمَّ ان كل مورد حكمنا فيه بجواز الخروج لا بد من الاقتصار فيه على المقدار الذي لا يزول معه عنوان الاعتكاف بان يكون زمانه يسيرا كربع ساعة أو نصف ساعة مثلا. و اما المكث الطويل خارج المسجد كما لو خرج لمحاكمة فاستوعب تمام النهار فضلا عما لو استوعب تمام الأيام الثلاثة لضرورة دعته للخروج بعد ساعة من اعتكافه مثلا، فلا ينبغي التأمل في البطلان حينئذ للزوم صدق العنوان و بقائه في الحكم بالصحة كما هو ظاهر و المفروض انتفاؤه.

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 4.

372

و لا يجب الاغتسال في المسجد و ان أمكن (1) من دون تلويث و ان كان أحوط

____________

ثمَّ ان القادح في الصحة انما هو الخروج الاختياري دون ما لا يستند الى الاختيار كما لو أخذ و جر عن المسجد أو مشى في نومه و خرج عن المسجد كما ربما يتفق لبعض الأشخاص لانصراف النصوص عن ذلك، فإنها ظاهرة و لا سيما بملاحظة استثناء الحاجة في الخروج الاختياري فإن النهي عن الخروج في هذه النصوص و ان لم يتضمن التكليف إلا في اليوم الثالث و انما هو إرشاد إلى الفساد. الا ان المنسبق منها بحكم الانصراف ان المفسد انما هو الخروج المستند إلى الإرادة و الاختيار كما لا يخفى.

و أوضح من الكل الصحيحة الثانية لداود بن سرحان حيث سأل الإمام (عليه السلام) عما يفرضه على نفسه لدى التصدي للاعتكاف فأجاب (عليه السلام) بقوله: لا تخرج. إلخ فإن من الواضح ان افتراض الإنسان و التزامه لا يكاد يتعلق إلا بالأمر الاختياري، و قد أقره (عليه السلام) على ذلك. فيكشف هذا عن ان المراد بالخروج في الجواب هو الاختياري منه، فغير الاختياري لا مانع منه الا إذا بلغ حدا زال معه عنوان الاعتكاف كما مرت الإشارة إليه آنفا.

(1): قد يفرض الاغتسال عن حدث يجوز معه المكث في المسجد كمس الميت، و اخرى عما لا يجوز كالجنابة.

اما الأول فلا ينبغي الإشكال في جوازه في المسجد فيما إذا لم يستلزم مهانة أو هتكا للحرمة، كما لو كان هناك حوض فاغتسل فيه، أو ظرف تجتمع فيه الغسالة ثمَّ تطرح خارج المسجد. بل لا يبعد تعينه حينئذ لعدم ضرورة تدعوه الى الخروج بعد إمكان الاغتسال في المسجد

373

..........

____________

من غير اي محذور، كما هو الحال في الوضوء أو الغسل المندوب. و لا ريب ان هذا هو الأحوط.

و اما الثاني فلا شك في وجوب الخروج فيما إذا استلزم التلويث، فان ذلك من موارد الضرورة الشرعية كما هو ظاهر.

و اما إذا لم يستلزم، فإن أمكن الاغتسال حال الخروج من غير ان يستلزم مكثا زائدا على زمان الخروج، كما لو فرض ان زمانه دقيقتان و زمان الغسل أيضا دقيقتان أو أقل فالظاهر انه لا ينبغي التأمل في جواز الاغتسال ماشيا حالة الخروج، بل لا حاجة حينئذ إلى المشي، فيجوز واقفا أيضا، لأن ذلك انما وجب عليه مقدمة للخروج كي يغتسل خارج المسجد و لا يبقى فيه جنبا، و المفروض ارتفاع الجنابة و حصول الاغتسال قبل تحقق الخروج. فلا مقتضي لوجوبه و لا خصوصية للمشي في ذلك بعد فرض اتحاد زمانه مع المكث و لزوم كونه باقيا في المسجد خلال الدقيقتين مثلا، سواء أ كان ماشيا أم واقفا.

و على الجملة ففي هذه الصورة لا موجب للاغتسال خارج المسجد فيجوز فيه. بل لعله يجب رعاية لاستدامة المكث بعد عدم ضرورة في الخروج، و لم يكن الخروج لأجل الغسل منصوصا ليتمسك بإطلاق الدليل. فعدم الجواز حينئذ لو لم يكن أقوى فلا ريب انه أحوط.

و اما إذا لم يمكن الاغتسال حال الخروج، أو كان زمانه أكثر من الزمان الذي يستوعبه نفس الخروج بان كان أكثر من الدقيقتين في المثال المزبور فالمتعين حينئذ الغسل خارج المسجد حذرا من اللبث المحرم و كان ذلك من موارد الضرورة الشرعية المسوغة للخروج كما تقدم.

فالظاهر هو التفصيل بين إمكان الاغتسال في المسجد في زمان لا يكون أكثر من زمان الخروج و عدمه. ففي الأول يغتسل في المسجد

374

و المدار على صدق اللبث فلا ينافيه خروج بعض اجزاء بدنه من يده أو رأسه أو نحوهما (1).

[مسائل في الاعتكاف]

[ (مسألة 1):- لو ارتد المعتكف في أثناء اعتكافه بطل]

(مسألة 1):- لو ارتد المعتكف في أثناء اعتكافه بطل و ان تاب بعد ذلك (2) إذا كان ذلك في أثناء النهار بل مطلقا على الأحوط.

____________

حال المشي بل بدونه كما مر. و في الثاني يتعين عليه الخروج حسبما عرفت.

(1):- كما لو اخرج يده عن المسجد لاستلام شيء، أو رأسه من الروشن أو الجناح و نحوهما لرؤية الهلال أو الشفق أو غاية أخرى و ان كانت غير ضرورية لصدق المكث في المسجد بعد كون معظم البدن فيه الذي هو المناط في تحقق البقاء المتقوم به الاعتكاف كما هو ظاهر جدا.

(2):- و قلنا بقبول توبته فيما بينه و بين اللّه و ان أجريت عليه الاحكام ظاهرا من البينونة و التقسيم و القتل كما في الفطري أو فرض الكلام في الملي الذي تقبل توبته بلا اشكال. و على اي حال فلا ريب في بطلان اعتكافه.

اما إذا كان الارتداد في النهار فلوجوه:

أحدها ان الارتداد مانع عن صحة الصوم لاشتراطه حدوثا و بقاءا بالايمان فضلا عن الإسلام كما مر في محله، فاذا بطل بطل الاعتكاف أيضا لتقومه به.

الثاني: ان الكافر يحرم عليه اللبث في المسجد و يجب إخراجه منه إجماعا و ان كانت الآية الشريفة خاصة بالمشركين و بمسجد الحرام لكن الحكم مطلق من كلتا الناحيتين من غير خلاف فاذا كان المكث في

375

[ (مسألة 2):- لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف الى غيره]

(مسألة 2):- لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف الى غيره (1) و ان اتحدا في الوجوب و الندب و لا عن نيابة ميت الى آخر أو الى حي أو عن نيابة غيره الى نفسه أو العكس.

____________

هذا الجزء من الاعتكاف (اعني حالة الارتداد) حراما فكيف يقع مصداقا الواجب، و هل يمكن التقرب بما هو مبغوض للمولى (1).

الثالث ان الاعتكاف عبادة و لا تصح العبادة من الكافر لاشتراطها بالإسلام بل بالايمان كما نطقت به النصوص مضافا الى عدم تمشي قصد القربة منه. و على الجملة فيبطل الاعتكاف بالارتداد، لأجل هذه الوجوه الثلاثة.

و اما لو كان الارتداد في الليل فيبتني البطلان على دخول الليلتين المتوسطتين في الاعتكاف و خروجهما عنه، و حيث انا استظهرنا الدخول لظهور الدليل في الاتصال و الاستمرار فعليه يتجه البطلان بالارتداد استنادا الى الوجهين الأخيرين من الوجوه الثلاثة المتقدمة لعدم جريان الأول كما هو ظاهر، و لعل خلاف الشيخ حيث منع (قده) عن البطلان بالارتداد محمول على ما لو كان في الليل بناء على مسلكه من خروج الليل عن الاعتكاف.

(1) سواء أ كانا واجبين أم مستحبين أم مختلفين، عن نفسه أو عن غيره أو بالاختلاف كل ذلك لأجل أن العدول بالنية خلاف الأصل لا يمكن المصير اليه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص.

____________

(1) هذا انما يتجه على المسلك المشهور من كون الكفار مكلفين بالفروع كالأصول لا على مسلكه دام ظله من إنكار ذلك على ان وجوب إخراج غير المشرك من مطلق المسجد مبني عنده دام ظله على الاحتياط.

376

..........

____________

و الوجه فيه ان الأمر المتعلق بالمركب من عدة اجزاء كالصلاة و كالاعتكاف المؤلف من المكث في الأيام الثلاثة ينحل لدى الدقة الى أوامر ضمنية متعلفة بتلك الاجزاء. و حيث انها ارتباطية حسب الفرض فلا جرم كان كل أمر مشروطا بشرط متأخر أو متقدم أو بهما معا، فالأمر بالتكبير مشروط بنحو الشرط المتأخر بملحوقيته بالقراءة و الركوع الى آخر الصلاة، كما ان الأمر بالركوع مشروط بكونه ملحوقا بالسجود و مسبوقا بالقراءة، و الأمر بالسلام مشروط بمسبوقيته بما تقدم من الاجزاء، فاتصاف كل واحد من اجزاء المركب بالجزئية لذلك المركب مشروط بالانضمام لسائر أجزاء هذا المركب، اما بنحو الشرط المتأخر كالجزء الأول، أو المتقدم كالجزء الأخير أو بهما معا كما فيما بينهما من الاجزاء، فان هذا من شؤون فرض الارتباطية الملحوظة بينها كما لا يخفى.

و عليه فلو عدل في الأثناء فأتى بالركوع مثلا عن صلاة أخرى لم يقع جزءا لا من المعدول عنه لعدم الملحوقية بما هو من اجزاء هذا المركب و لا من المعدول اليه لعدم المسبوقية كذلك.

و من هنا كان العدول بالنية على خلاف القاعدة، إذ النصف مثلا من عملين لا يكون عملا واحدا إلا إذا قام الدليل الخاص على الاجتزاء به، كما ثبت في العدول عن الحاضرة إلى الفائتة، أو اللاحقة إلى السابقة، أو الفريضة إلى النافلة فيما لو أقيمت الجماعة على تفصيل مذكور في محالها، و حيث لم يقم مثل ذلك الدليل في المقام إذا لا يجوز العدول من اعتكاف الى آخر مطلقا، فلو اعتكف ندبا لم يسغ له العدول الى اعتكاف آخر مندوب أو واجب بنذر أو إجارة عن حي أو ميت، أو لو كان أجيرا عن احد لا يجوز العدول عنه الى ما كان

377

(مسألة 3): الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد (1) نعم يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب فيصح إهداؤه الى متعددين أحياء أو أمواتا أو مختلفين

____________

أجيرا عن غيره أو الى الاعتكاف عن نفسه و هكذا.

(1) فإن النيابة في نفسها على خلاف القاعدة، إذ كيف يكون فعل احد موجبا لسقوط ذمة الغير عما اشتغلت به و يعتبر وقوعه عنه اللهم إلا إذا قام الدليل على المشروعية فيقتصر حينئذ على مورد قيام الدليل و قد ثبتت المشروعية بالأدلة لخاصة عن الأموات بل الإحياء أيضا في بعض الموارد كالحج المندوب، كما تقدمت الإشارة إليها في قضاء الصلوات و بحث النيابة عن الأموات، و المتيقن من تلك الأدلة انما هي النيابة عن شخص واحد. و اما الزائد عليه فيحتاج الى قيام الدليل على قبول الفعل الواحد للاشتراك و قد قام الدليل عليه في باب الزيارات، و في الحج المندوب فيجوز النيابة فيهما عن شخص أو أشخاص و لم يثبت فيما عداهما، و مقتضى الأصل عدم المشروعية فمجرد عدم الدليل كاف في الحكم بالعدم استنادا الى الأصل.

نعم قد يتوهم الجواز مما ورد في بعض اخبار تشريع النيابة في العبادة من قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار:

«. يدعو لوالديه بعد موتهما و يحج و يتصدق و يعتق عنهما و يصلي و يصوم عنهما (1).

و لكن الظاهر منها بمقتضى الفهم العرفي إرادة كل منهما على سبيل الانفراد و بنحو الانحلال و الاستغراق لا جمعا لتدل على جواز التشريك

____________

(1) الوسائل باب 28 من أبواب الاحتضار ح 6.

378

[ (مسألة 4): لا يعتبر في صوم الاعتكاف ان يكون لأجله]

(مسألة 4): لا يعتبر في صوم الاعتكاف ان يكون لأجله (1) بل يعتبر فيه ان يكون صائما أي صوم كان فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استيجاريا أو واجبا من جهة النذر و نحوه بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك ان يؤجر نفسه للصوم و يعتكف في ذلك الصوم و لا يضره وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف فإن الذي يجب لأجله هو الصوم الأعم من كونه له أو بعنوان آخر بل لا بأس بالاعتكاف المنذور مطلقا في الصوم المندوب الذي يجوز له قطعه فان لم يقطعه تمَّ اعتكافه و ان قطعه انقطع و وجب عليه الاستيناف.

____________

في الفعل الواحد، كما هو الحال في استعمالاتنا في العرف الحاضر. فلو قلنا لأحد صل عن والديك أو صم عنهما، لا نريد به العموم المجموعي أبدا، بل المراد عن كل منهما مستقلا.

إذا لا دليل على جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد، و المرجع أصالة عدم المشروعية كما عرفت.

نعم لا بأس بالإتيان به رجاء، كما انه لا إشكال في جواز ذلك بعنوان إهداء الثواب لا النيابة كما نبه عليه في المتن.

(1):- حقيقة الاعتكاف كما دلت عليه صحيحة ابن سرحان (1) عبارة عن نفس اللبث و العكوف. و اما الصوم فهو خارج عن الحقيقة و انما هو شرط في الصحة، فهو من قبيل المقدمات المقارنة، نظير

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 3.

379

..........

____________

الطهارة و الستر و الاستقبال بالإضافة إلى الصلاة.

و عليه فان أنكرنا وجوب المقدمة إلا عقلا من باب اللابدية كما هو الصحيح فواضح ان الصوم لم يتصف بالوجوب من أجل الاعتكاف بل هو باق على حكمه الثابت له في حد نفسه من الاستحباب أو الوجوب الأصلي كصوم رمضان، أو العرضي كما في النذر أو الاستيجار و نحو ذلك، و لا يحكم العقل إلا بالإتيان بطبيعي الصوم تحصيلا للشرط و تحقيقا لما لا يتم الواجب الا به بأي عنوان كان بعد ان لم يؤخذ في دليل الاشتراط عنوان خاص بمقتضى الإطلاق.

و اما إذا بنينا على وجوب المقدمة شرعا فالأمر كذلك أيضا، لأن هذا وجوب غيري، و الأمر الغيري المقدمي توصلي لا تعبدي، فلا يجب قصد الأمر الناشئ من قبل الاعتكاف ليجب الصوم من اجله و مناط العبادية شيء آخر غير هذا الأمر و هو الأمر النفسي العبادي المتعلق بالصوم اما الاستحبابي أو الوجوبي فحال الأمر بالصوم هنا حال الأمر المقدمي المتعلق بالطهارات التي تكون مناط عباديتها الأوامر النفسية المتعلقة بذواتها كما حققناه في الأصول.

و عليه فلا يزيد الالتزام بوجوب المقدمة شرعا على إنكارها في عدم وجوب قصد الصوم لأجل الاعتكاف على التقديرين، بل اللازم انما هو الإتيان بطبيعي الصوم و هو الشرط في الصحة، أي الصوم الأعم من كونه له أو بعنوان آخر ندبي أو وجوبي أصلي كشهر رمضان، أو عرضي من نذر و نحوه.

و الروايات الحاكية لاعتكاف النبي (صلى اللّه عليه و آله) في العشر الأواخر من شهر رمضان دالة عليه بوضوح كما لا يخفى.

380

[ (مسألة 5): يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأولين]

(مسألة 5): يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأولين (1) و مع تمامهما يجب الثالث و أما المنذور فان كان معينا فلا يجوز قطعه مطلقا و الا فكالمندوب.

____________

و يتفرع على ذلك ما سيذكره (قده) في المسألة السادسة من انه لو نذر الاعتكاف اما مطلقا أو في أيام معينة و كان عليه صوم واجب لنذر أو استيجار و نحوهما جاز له الصوم في تلك الأيام وفاء عن النذر أو الإجارة لما عرفت من ان الشرط في الصحة انما هو جامع الصوم المنطبق على ما كان واجبا بالنذر و نحوه، اللهم الا ان يكون نذر اعتكافه مقيدا بان يصوم لأجله فإنه لم يجز حينئذ ان يصوم عن غيره من نذر و نحوه لكونه مخالفا لنذره كما هو ظاهر جدا.

(1):- فصل (قده) في الاعتكاف المندوب بين اليومين الأولين فيجوز القطع و رفع اليد و بين اليوم الثالث، فلا يجوز بل يجب المضي و الحق (قده) به المنذور ان كان مطلقا دون المعين فإنه لا يجوز قطعه مطلقا حذرا من مخالفة النذر.

و قد ذهب الى هذا التفصيل جماعة من الأصحاب، و هناك قولان آخران:

أحدهما ما نسب الى الشيخ و الحلبي و ابن زهرة من عدم جواز القطع مطلقا. و بإزائه القول الآخر المنسوب الى السيد و الحلي و العلامة من الجواز مطلقا حتى في اليوم الأخير.

و يستدل للقول الأول أعني عدم الجواز مطلقا، تارة بما دل على حرمة إبطال العمل كقوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ و الجواب عنه ما أشار إليه شيخنا الأنصاري (قده) من ان الآية المباركة

381

..........

____________

أجنبية عما نحن فيه من رفع اليد أثناء العمل، بل هي ناظرة إلى حكم ما بعد الفراغ عن العمل، كما قد تقتضيه هيئة باب الافعال فإن الابطال يستدعي فرض وجود عمل صحيح مفروغ عنه ليعرضه هذا الوصف، فمفادها حرمة الإتيان بعد العمل بما يوجب إبطاله، أي زوال أثره و حبط ثوابه فيتحد مفادها مع قوله تعالى (لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ) فلا دلالة فيها بوجه على لزوم إتمام العمل و عدم جواز قطعه.

على ان ذلك موجب لتخصيص الأكثر المستهجن لجواز القطع في جميع المستحبات ما عدا الحج المندوب و في جملة من الواجبات كقضاء شهر رمضان الموسع و النذر المطلق و نحوهما.

و اخرى و هي أوجه من الاولى بما دل على وجوب الكفارة لو جامع خلال الثلاثة فإنها تدل بالالتزام على حرمة القطع، إذ لا معنى للتكفير عن أمر مباح.

و يدفعه أولا ان الكفارة و ان كانت ثابتة كما تقدم و سيأتي ان شاء اللّه الا انها لا تستلزم الحرمة بوجه كما في كفارة التأخير الى ان ضاق الوقت عن قضاء شهر رمضان بحلول السنة الجديدة فإنه جائز على الأقوى و ان وجب الفداء، و كما في التكفير عن جملة من تروك الإحرام فيما لو اضطر الى ارتكابها.

و ثانيا سلمنا الملازمة الا ان غايتها التلازم بين الكفارة و بين حرمة حصة خاصة من الابطال و القطع اعني الابطال بموجب الكفارة و هو الجماع لا مطلق الابطال و لو بشيء آخر كالخروج عن المسجد عمدا لا لحاجة إذ لا مقتضي للملازمة بين وجوب التكفير و بين حرمة طبيعي القطع على إطلاقه و سريانه كما هو أوضح من ان يخفى.

382

..........

____________

و يستدل للقول الآخر بان انقلاب النقل الى الفرض على خلاف القاعدة فيرجع الى أصالة البراءة عن الوجوب في تمام الثلاثة من غير فرق بين الأخير و الأولين.

و فيه ان هذا وجيه لو لا قيام الدليل على التفصيل و الأصل حجة حيث لا دليل على الخلاف. و معه لا تصل النوبة اليه.

و قد دلت صحيحة ابن مسلم صريحا على الوجوب في اليوم الثالث فقد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط فله ان يخرج و يفسخ الاعتكاف و ان أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له ان يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام (1). و المراد بالاشتراط التعيين على نفسه بنذر و شبهه لا كالاشتراط عند نية الإحرام في الحج كما لا يخفى. و الا لم تنجه الشرطية الاولى و ذلك لجواز الخروج سواء اشترط- بذاك المعنى- أم لا.

و كيفما كان فهذه الرواية صحيحة السند واضحة الدلالة و قد افتى بمضمونها جماعة من الأصحاب فليست بمهجورة، و معها لا تصل النوبة إلى الرجوع الى أصالة البراءة فلا مناص من الأخذ بها، و من ذلك كله يظهر لك صحة التفصيل المذكور في المتن.

ثمَّ ان هذه الرواية رواها في الكافي بإسناده عن ابن محبوب عن أبي أيوب، و رواها الشيخ بإسناده عن الحسن عن أبي أيوب و هما (اي ابن محبوب و الحسن) شخص واحد عبر الكليني بكنيته و الشيخ باسمه، فالراوي عن أبي أيوب هو الحسن بن محبوب، و ما في الوسائل (الطبعة الأخيرة) من ذكر كلمة (الحسين) بدل (الحسن) غلط من النساخ أو اشتباه منه (قده).

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب الاعتكاف ح 1.

383

[ (مسألة 6): لو نذر الاعتكاف في أيام معينة]

(مسألة 6): لو نذر الاعتكاف في أيام معينة (1) و كان عليه صوم منذور أو واجب لأجل الإجارة يجوز له ان يصوم في تلك الأيام وفاء عن النذر أو الإجارة نعم لو نذر الاعتكاف في أيام مع قصد كون الصوم له و لأجله لم يجز عن النذر أو الإجارة.

[ (مسألة 7): لو نذر اعتكاف يوم أو يومين]

(مسألة 7): لو نذر اعتكاف يوم أو يومين فان قيد بعدم الزيادة بطل نذره (2) و ان لم يقيده صح و وجب ضم يوم أو يومين.

____________

و كيفما كان فالرواية صحيحة بكلا الطريقين، فان طريق الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال و ان كان ضعيفا في نفسه إلا أنا صححناه بوجه آخر و هو صحة طريق النجاشي اليه مع وحدة الشيخ كما مرت الإشارة إليه مرارا.

(1):- قد ظهر الحال فيها مما قدمناه في المسألة الرابعة فلاحظ.

(2):- لا يخفى ان الاعتكاف متقوم بمجرد اللبث و العكوف و هو بنفسه عبادة و لا يعتبر فيه قصد غاية أخرى كما مرت الإشارة إليه في صدر الكتاب.

نعم الاعتكاف المعهود عند المتشرعة المحكوم بأحكام خاصة يشترط في صحته ان لا يكون أقل من ثلاثة أيام، و لذا كان له الفسخ و رفع اليد في اليومين الأولين دون اليوم الثالث كما مر آنفا.

و عليه فلو نذر الاعتكاف يوما أو يومين فقد ذكر الماتن (قده) انه ان كان مقيدا بعدم الزيادة بأن كان ملحوظا بشرط لا بطل نذره

384

..........

____________

لعدم مشروعية المنذور بعد ان كانت الصحة مشروطة بالثلاثة كما عرفت.

و ان لم يقيد، اي كان مطلقا و ملحوظا بنحو اللابشرط صح نذره و وجب التتميم ثلاثا، إذ لا وجه للبطلان بعد ان كان المطلق قابلا للانطباق على الفرد الصحيح.

و هذا نظير ما لو نذر ان يتصدق على إنسان فإنه بإطلاقه يشمل من فيه الرجحان كالعبد الصالح و من يكون التصدق عليه مرجوحا كالمشرك أو الضال المضل المبتدع الذي لا يكون النذر منعقدا بالإضافة اليه، إلا أنه يكفي في صحة النذر على المطلق اشتمال بعض افراده على الرجحان فينزل الإطلاق عليه.

و ما افاده (قده) مطابق لما ذكره جماعة من الأصحاب الا ان الحكم بالبطلان في الفرض الأول على إطلاقه قابل للمناقشة، بل لها مجال واسع، فإنه إنما يتجه لو كان متعلق النذر الاعتكاف المعهود المحكوم بالأحكام الخاصة من الاشتراط بالصوم، و كونه في المسجد الجامع و عدم كونه أقل من الثلاثة، و عدم جواز البيع و الشراء و نحو ذلك مما تقدم بعضها و يأتي جملة منها.

و بالجملة لو كان مراد الناذر الاعتكاف المجعول المصطلح عليه في لسان الشرع الذي كان يفعله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في العشر الأواخر من شهر رمضان المحكوم بالأحكام المزبورة تمَّ ما ذكر.

و اما لو أراد به مجرد العكوف في المسجد و البقاء و لو ساعة فضلا عن يوم أو يومين فالظاهر صحته حيث انه بنفسه عبادة راجحة، كما يستفاد ذلك مما ورد من انه يستحب ان يكون الشخص أول داخل في المسجد و آخر خارج عنه حيث دل على ان مجرد المكث و الكينونة فيه أمر مرغوب فيه عند الشارع، و لذا حث على الازدياد و اطالة المكث

385

[ (مسألة 8):- لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام معينة أو أزيد]

(مسألة 8):- لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام معينة أو أزيد فاتفق كون الثالث عيدا بطل من أصله (1) و لا يجب عليه قضاؤه (2) لعدم انعقاد نذره لكنه أحوط.

____________

فإذا كان هذا راجحا و لا سيما إذا انضمت إليه عبادة اخرى من صلاة أو ذكر أو قرآن و نحو ذلك فلا نرى اي مانع من انعقاد هذا النذر و صحته بعد ان لم يعتبر فيه اي شيء ما عدا الرجحان المتحقق في المقام جزما حسبما عرفت.

نعم لا يكون هذا الاعتكاف محكوما بتلك الاحكام فيجوز بلا صوم و في مطلق المسجد و مع البيع و الشراء بل و في الليل و نحو ذلك حسبما يفترضه الناذر على نفسه المستلزم لوجوب العمل على طبقه فيصح نذره و لا يجب تتميمه ثلاثا كما لعله ظاهر جدا.

(1):- سواء أعلم به بعد صوم اليومين الأولين أم قبله، إذ بعد ان كان الاعتكاف مشروطا بالصوم و لا يشرع الصوم يوم العيد فلا جرم كانت تلك المصادفة كاشفة عن عدم انعقاد النذر لعدم مشروعية متعلقه كما هو ظاهر.

(2):- إذ هو تابع لعنوان الفوت، و حيث لم يتعلق به التكليف من أصله لعدم انعقاد نذره فلم يفت عنه شيء بتاتا حتى شأنا و اقتضاء لوجود مانع عن الفعلية كما في الحائض و المريض و نحوهما فلا موضوع للقضاء هنا ابدا حتى بناء على صحة الاستدلال لإثبات القضاء في كل فريضة بقوله (عليه السلام): (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته) و الإغماض عما فيه من الخدش سندا و دلالة لما عرفت من ان موضوعه الفوت غير المتحقق في المقام بوجه.

386

[ (مسألة 9): لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد]

(مسألة 9): لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد (1) بطل إلا أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر و لو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صح و وجب عليه ضم يومين آخرين.

____________

نعم ذكر الماتن (قدس سره) ان القضاء أحوط، و يكفي في وجهه مجرد تطرق الاحتمال واقعا و ان لم يساعد عليه الدليل ظاهرا.

كيف و قد ثبت القضاء في نظير المقام و هو الصوم المنذور المصادف للعيد، فإنه يجب قضاؤه بمقتضى صحيحة علي بن مهزيار: رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه و كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب اليه: «قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيام كلها و يصوم يوما بدل يوم ان شاء اللّه تعالى» (1).

فان القضاء الثابت بهذه الصحيحة بما انه على خلاف القاعدة إذ لا مقتضى له ابدا بعد انكشاف عدم انعقاد النذر لأجل المصادفة المزبورة كما عرفت. فلا بد من الاقتصار على موردها، و لا يسوغ التعدي عنه الى المقام بوجه. الا ان ذلك ربما يؤكد فتح باب الاحتمال المذكور و يوجب تقوية احتمال القضاء في المقام نظرا الى ان الاعتكاف يتقوم بالصوم. فاذا كان الصوم في نفسه حكمه كذلك فلا يبعد ان يكون الاعتكاف المشتمل عليه أيضا كذلك.

و الحاصل ان هذا الاحتياط استحبابي و يكفي في حسنه مجرد احتمال القضاء واقعا حسبما عرفت.

(1):- فصل (قدس سره) في مفروض المسألة بين ما لو علم

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب النذر ح 1.

387

..........

____________

قبل الفجر بيوم قدومه، و بين ما إذا لم يعلم، فيصح في الأول دون الثاني لعدم إمكان الاعتكاف في ذلك اليوم، لان منتصف النهار مثلا لا يكون مبدأ لاحتساب الاعتكاف فيفوت المحل بطبيعة الحال، الا ان ينذر اعتكاف ثاني يوم قدومه.

أقول: ما ذكره (قده) وجيه لو كان مراد الناذر الاعتكاف من طلوع الفجر. و اما لو أراد الاعتكاف من ساعة قدومه صح مع الجهل أيضا، فيتلبس بالاعتكاف ساعة القدوم و ان كان أثناء النهار و يضيف عليها ثلاثة أيام بحيث يكون أول أيام اعتكافه الثلاثة هو الغد و هذا النصف المتقدم زيادة على الثلاثة، إذ لا مانع من الزيادة عليها و لو ببعض اليوم سواء أ كانت الزيادة سابقة على الثلاثة أم لا حقة بمقتضى إطلاق الأدلة، و لا يعتبر الصوم فيما لو كان الزائد بعض اليوم لعدم الدليل عليه حينئذ كما لا يخفى.

و قد يقال بمنع البطلان في صورة الجهل بعد إمكان الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي، بل وجوبه عليه لعدم الفرق في تنجيزه بين الدفعي و التدريجي فيجب عليه الاعتكاف في جميع تلك الأطراف المحصورة المحتمل وقوع القدوم فيها.

و يندفع بما هو المحقق في محله من ان العلم الإجمالي بنفسه لا يكون منجزا بالنسبة إلى الموافقة القطعية- و ان كان كذلك بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعية- بل المناط في التنجيز تعارض الأصول و يكون المنجز في الحقيقة حينئذ هو نفس الاحتمال العاري عن المؤمن العقلي و الشرعي و بعبارة أخرى ليس العلم الإجمالي علة تامة للتنجيز، بل هو مقتض له فيتوقف على شرط و هو تعارض الأصول في تمام الأطراف، فلا تنجيز مع عدم المعارضة. بل المرجع حينئذ هو الأصل المفروض سلامته عن

388

..........

____________

المعارض. و المقام من هذا القبيل، لان تلك الأيام المرددة و الأطراف المحصورة المعلوم وقوع القدوم فيها إجمالا يجري في بعضها الأصل و هو استصحاب عدم القدوم من غير معارض، لعدم جريانه في اليوم الأخير من تلك الأطراف، إذ لا اثر له بعد العلم بتحقق القدوم آنذاك إما فيه أو فيما قبله، فيكون جريانه فيما عدا ذلك اليوم الى زمان العلم بالخلاف سليما عن المعارض فيجري الاستصحاب في كل يوم الى ان يعلم بالقدوم، فان علم به في ذلك اليوم فهو، و ان علم بقدومه قبل ذلك كان معذورا في الترك لأجل استناده الى الأصل.

و لتوضيح المقام نقول ان العلم الإجمالي بما انه يتعلق بالجامع و كانت الافراد مشكوكة بالوجدان فهو لا ينجز إلا بالإضافة إلى متعلقه فتحرم مخالفته القطعية و اما بالنسبة إلى الموافقة القطعية فهو مقتض للتنجيز و ليس بعلة تامة. و العبرة حينئذ بتعارض الأصول فإن تعارضت كان العلم الإجمالي بل مجرد الاحتمال غير المقرون بالمؤمن الشرعي أو العقلي منجزا، و الا انحل العلم و كان المرجع الأصل السليم عن المعارض. و هذا كما لو علم إجمالا ببطلان احدى صلاتية من الحاضرة أو الفائتة فإنه يرجع حينئذ بعد تعارض قاعدتي الفراغ فيهما إلى أصالة البراءة، أو قاعدة الحيلولة في الفائتة، و قاعدة الاشتغال في الحاضرة، فينحل العلم الإجمالي بالأصل المثبت و النافي الذين لا تعارض بينهما بوجه.

و كما لو علم إجمالا ببطلان وضوئه أو صلاته فإنه يرجع حينئذ إلى قاعدة الفراغ في الوضوء السليمة عن المعارض للقطع ببطلان الصلاة على كل حال، اما لفقد الطهور أو لفقد الركن مثلا، فلا موقع لجريان القاعدة فيها، و بذلك ينحل العلم.

و بالجملة ففي كل مورد كان الأصل في بعض الأطراف سليما عن

389

..........

____________

المعارض، إما لعدم جريانه في الطرف الآخر، أو لعدم معارضته معه لكون أحدهما نافيا و الآخر مثبتا، لم يكن العلم الإجمالي منجزا من غير فرق بين الدفعي و التدريجي.

و مقامنا من هذا القبيل. أما مع عدم العلم بالقدوم حتى إجمالا، و احتمال عدم العود لموت أو لهجرة و نحو ذلك فظاهر فيرجع حينئذ إلى أصالة عدم القدوم لنفي الاعتكاف الى ان يقطع بالخلاف.

و أما مع العلم الإجمالي كما هو المفروض فاطرافه محصورة لا محالة.

فلنفرض أنها عشرة فعلم إجمالا بالقدوم في إحدى هذه الأيام و حينئذ فأصالة عدم القدوم لا تكاد تجرى بالإضافة إلى اليوم الأخير لا بلحاظ لازمه العقلي و هو حدوث القدوم في الأيام السابقة لعدم حجية الأصول المثبتة، و لا بلحاظ نفسه لوضوح تقوم الأصل بالشك، و هو الآن يقطع بأنه في اليوم الأخير و في ظرف العمل متيقن بالقدوم، إما في نفس ذلك اليوم أو فيما تقدمه، فهو غير شاك في القدوم آنذاك كي يجري الأصل هناك بالضرورة، بل عالم بالقدوم إما في نفسه فيعتكف أو في سابقة فيكون معذورا في تركه. إذا كان الاستصحاب بالإضافة الى كل واحد من الأيام السابقة إلى اليوم التاسع جاريا و سالما عن المعارض، فيحرز في كل منها عدم القدوم ببركة الاستصحاب و ينفى موضوع الاعتكاف بضم الوجدان الى الأصل فإنه يوم وجدانا و لم يقدم فيه زيد بالاستصحاب، فلا يجب الاعتكاف.

و بالجملة العبرة في جريان الأصل بمراعاة الشك في ظرف العمل و هو بالنسبة إلى اليوم الأخير لا شك له في ظرفه، فلا معنى لجريان الأصل فيه، فيكون جريانه في كل واحد من الأيام السابقة الى ان يقطع بالخلاف سليما عن المعارض، فان حصل القطع في نفس اليوم

390

[ (مسألة 10): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين]

(مسألة 10): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد (1).

[ (مسألة 11): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الأولى فيه]

(مسألة 11): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الأولى فيه (2) بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر فإن الليلة الأولى جزء من الشهر.

____________

اعتكف، و ان تعلق بالأيام السابقة كان معذورا في الترك لأجل استناده الى الأصل.

فتحصل ان العلم الإجمالي في المقام و كل ما كان نظيرا له من التدريجيات التي لا يجري الأصل في الفرد الأخير منها لا يكون منجزا و يختص التنجيز في التدريجي و الدفعي بما إذا كانت الأصول جارية في تمام الأطراف، و ساقطة بالمعارضة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1):- لعدم مشروعية الاعتكاف كذلك كما تقدم الا ان يريد مجرد اللبث و العكوف و المكث و البقاء- لا الاعتكاف الاصطلاحي المحكوم بأحكام خاصة- فإنه أيضا بنفسه عبادة كما تقدم، فيكون راجحا و لا سيما إذا كان مقرونا بعبادة اخرى من ذكر أو قراءة و نحوهما فلا مانع من انعقاد نذره حينئذ حتى لو تعلق بمكث ساعة في المسجد فضلا عن الأيام الثلاثة و لو بغير الليالي فإنه يتبع قصد الناذر كما هو ظاهر.

(2):- لخروجها عما به قوام الاعتكاف فإنه متقوم في أصل الشرع بالبدأة من الفجر و ان ساغت الزيادة بإدخال الليلة لكنها تحتاج إلى عناية زائدة و تعلق القصد بها، فبدونه ينزل على ما هو المجعول في أصل الشرع من خروج الليلة الاولى. و هذا بخلاف النذر المتعلق باعتكاف الشهر، إذ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين كما تقدم في كتاب الصوم،

391

[ (مسألة 12): لو نذر اعتكاف شهر يجزئه ما بين الهلالين]

(مسألة 12): لو نذر اعتكاف شهر يجزئه ما بين الهلالين و ان كان ناقصا (1)

____________

فيعم الليلة لدخولها فيه. و بذلك افترق الشهر عن اليوم.

هذا و لكن الصحيح ان الحكم بدخول الليلة في الشهر و خروجها تابع لقصد الناذر، فان قصد أحدهما فهو. و أما لو أطلق نذر الشهر و لم يقصد الا ما تحت هذه العبارة فلا يبعد الخروج حينئذ لأن الشهر و ان كان حقيقة فيما بين الهلالين كما ذكر الا ان مناسبة الحكم و الموضوع تستدعي إرادة البدأة من الفجر، لان هذا هو المعتبر في الاعتكاف، و ما يتقوم به في أصل الشرع بحسب الجعل الاولى و التقديم عليه بإدخال الليلة يحتاج إلى عناية خاصة و مئونة زائدة كما تقدم.

فبدون رعايتها كما هو المفروض حيث أطلق و لم يقصد الا ما هو ظاهر اللفظ ينزل الكلام على ما هو أخف مئونة كما لا يخفى.

(1):- بل هو المتعين عليه و ليس مجرد الاجزاء لما تقدم من ان الشهر حقيقة في ذلك لغة و عرفا و انه اسم لنفس الهلال باعتبار انه يشهد و يظهر بعد الخفاء ثمَّ يبقى الى ظهور الهلال الجديد، و لأجله كان اللفظ حقيقة فيما بين الهلالين. و من ثمَّ أشرنا في كتاب الصوم الى لزوم مراعاته في صوم الشهرين المتتابعين، و عدم كفاية التلفيق.

ففي المقام أيضا لا يجزئ الملفق من نصفي شهر أو أكثر لعدم صدق الشهر الذي هو حقيقة فيما بين الهلالين عليه بوجه.

و عليه فلا يفرق في ذلك بين كون الشهر تاما أو ناقصا لصدق ما بين الهلالين على التقديرين.

نعم على تقدير النقص يجب تكميله بيوم بناء على القول بأنه كلما زاد على الثلاثة يومين وجب تكميلهما ثلاثا، فان الناقص يتألف من تسع

392

و لو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوما (1).

[ (مسألة 13) لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع]

(مسألة 13) لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع (2)

____________

مرات ثلاثة أيام و يزيد عليها بيومين فوجب اليوم الثالث. و اما بناء على إنكاره لضعف مستنده كما سبق فلا حاجة الى التكميل. و على اي حال فإضافة اليوم من أجل تكميل الاعتكاف لا لتكميل نقص الشهر.

(1):- لان المنصرف من مقدار الشهر بحسب الظهور العرفي انما هو الثلاثون. فلو قال بقيت في بلدة كذا شهرا لا ينسبق الى الذهن الا ذلك، بحيث لا يحسن منه هذا التعبير لو كان دخوله يوم العشرين و خروجه يوم التاسع عشر من الشهر القادم مثلا الا بنحو من العناية، و الا فقد بقي تسعة و عشرين يوما لا مقدار الشهر، فإنه خلاف ظاهر اللفظ بمقتضى الانصراف العرفي كما عرفت.

و لو لا هذا الانصراف فمجرد التقدير بالطبيعي الجامع بين الناقص و الكامل بان نذر اعتكاف مقدار شهر من شهور السنة و هي مختلفة من حيث الكمال و النقص يستدعي الاجتزاء بالناقص لانطباق الطبيعة عليه، كما لو نذر أن يتصدق بما يعادل ربحه اما في هذا اليوم أو اليوم الماضي و هو لا يعلم بذلك فانكشف ان ربحه هذا اليوم خمسة دنانير و في الأمس ديناران، فإنه يجزئ التصدق حينئذ بدينارين لما عرفت من ان تعليق الحكم على طبيعة مشتملة على فردين أحدهما تام و الآخر ناقص و هي منطبقة على كل منهما حسب الفرض يستدعي جواز الاجتزاء بالفرد الناقص.

فالعمدة في المقام في الحمل على التمام- اعني الثلاثين- انما هو الانصراف و الظهور العرفي حسبما عرفت.

(2):- لما عرفت من ان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين فاجزاؤه

393

و اما لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة الى ان يكمل ثلثون يوما بل لا يبعد جواز التفريق يوما فيوما و يضم الى كل واحد يومين آخرين بل الأمر كذلك في كل مورد لم يكن المنساق منه هو التتابع.

____________

متتابعة بالذات. فلا جرم كان ملحوظا في المنذور فلا مناص من رعايته، فلو فرّق و لفق و لو بان يعتكف في النصف الأول من شهر رجب في سنة و النصف الثاني منه في سنة أخرى حنث و لم يف بنذره لعدم الإتيان بمتعلقه كما هو ظاهر.

هذا إذا تعلق النذر بعنوان الشهر كشهر رجب مثلا.

و اما إذا نذر اعتكاف مقداره فيما ان التتابع غير ملحوظ حينئذ في المنذور جاز التفريق و التوزيع كيفما شاء من التنصيف أو التثليث و نحوهما من أنحاء التقسيط مرات عديدة، و ان كانت عشر مرات كل مرة ثلاثة.

بل لم يستبعد في المتن جواز التفريق يوما فيوما الى ان يكمل الثلاثون، و لكن حيث ان الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام فيلزمه حينئذ ان يضم الى كل واحد يومين آخرين فيكون المجموع تسعين يوما في ثلاثين وجبة كل وجبة ثلاثة أحدها نذرا و الآخران تكميلا.

فكأنه (قده) يرى ان عشر وجبات غير مجزية و ان بلغ مجموعها ثلاثين يوما.

و هو مبني اما على دعوى لزوم قصد عنوان الوفاء في امتثال الأمر النذري، و حيث لم يقصده إلا في الواحدة من كل ثلاثة فلا يقع الباقي وفاء عن النذر.

و يدفعه ان العنوان المزبور غير لازم القصد، فان الوفاء هو

394

..........

____________

الإنهاء و الإتمام و الإتيان بذات المتعلق كما في الوفاء بالعقد الذي يكون إنهاؤه و إتمامه بعدم الفسخ المساوق للزوم، و في المقام بعدم حل النذر و لزوم العمل به، و الأمر الناشئ من قبل النذر توصلي لا تعبدي فلا يجب قصده و التقرب به. فمتى اتى بالمتعلق كيفما اتفق فقد ادى ما عليه و لا يعتبر شيء آخر أزيد من ذلك كما أوضحناه في محله عند التكلم حول معنى الوفاء.

و عليه فاليومان الآخران يحسبان وفاء عن النذر بطبيعة الحال، و ان جيء بهما بعنوان التكميل فلا حاجة الى الزيادة على الواجبات العشر.

أو يبتني على أخذ خصوصية في المنذور لا تنطبق الا على واحد من الأيام الثلاثة، كما لو نذر ان يعتكف شهرا في أفضل مكان من مواطن مسجد الكوفة كمقام إبراهيم (عليه السلام) و كان اعتكافه يوما في المقام و يومين في سائر أماكن المسجد، أو نذر ان يصوم في اعتكافه بعنوان الاعتكاف فصام يوما كذلك و يومين بعنوان النيابة أو الكفارة و نحوهما فحينئذ لا يحتسب من كل ثلاثة إلا يوما واحدا.

و بالجملة فكلام الماتن (قده) يبتني على احد هذين الأمرين.

و اما إذا فرضنا ان متعلق النذر مطلق لم تؤخذ فيه أية خصوصية ما عدا تعلقه بمقدار الشهر كما هو المفروض في عبارة المتن و بنينا على عدم لزوم قصد عنوان الوفاء كما هو الصحيح حسبما عرفت فلم تكن حينئذ حاجة الى ضم اليومين الى كل واحد ليبلغ المجموع تسعين يوما. بل بمجرد الانضمام و لو كان بعنوان التكميل يحتسب وفاء عن النذر و تبرء الذمة عنه لان الانطباق قهري و الاجزاء عقلي. فيكتفى بالوجبات العشر البالغ مجموعها ثلاثين.

395

[ (مسألة 14): لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع]

(مسألة 14): لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع (1) سواء شرطه لفظا أم كان المنساق منه ذلك فأخل بيوم أو أزيد بطل و ان كان ما مضى ثلاثة فصاعدا و استأنف آخر مع مراعاة التتابع فيه و ان كان معينا و قد أخل بيوم أو أزيد وجب قضاؤه و الأحوط التتابع فيه أيضا،

____________

(1):- إذا نذر الاعتكاف في مدة محدودة كشهر مثلا مقيدا بالتتابع اما للتصريح به أو لكونه المنساق من الكلام و قد أخل بهذا القيد، فقد يكون المنذور كليا، و اخرى متعينا في زمان خاص كشهر رجب.

فعلى الأول لا إشكال في البطلان لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، فلا ينطبق المنذور على المأتي به، و لأجله لا مناص من الاستيناف و الإتيان بفرد آخر مراعيا فيه التتابع كما في سائر موارد النذر، فلو نذر أن يقرأ سورة تامة متتابعا فقرأ و أخل بالتتابع لم يجز و وجب الاستيناف، و هذا ظاهر لا سترة عليه.

و اما في الثاني فلا ريب في البطلان أيضا لما ذكر. بل العصيان و وجوب كفارة الحنث ان كان متعمدا، و إلا فلا شيء عليه، و لا فرق في ذلك بين ترك المنذور رأسا و بين الإخلال بقيد المتابعة.

و المعروف و المشهور وجوب القضاء مع الترك بالمرة. و سيجيء البحث حول ذلك عند تعرض الماتن ان شاء اللّه. و لا كلام من هذه الناحية و انما الإشكال بعد الفراغ عن أصل القضاء في جهتين.

إحداهما إذا فاته الاعتكاف المنذور و لو بالإخلال بجميعه و عدم الإتيان بشيء منه حتى يوما واحدا اما لعذر أو لغير عذر فهل يعتبر

396

..........

____________

التتابع في القضاء كما كان معتبرا في المقضي، و قد تقدم نظير هذا البحث في قضاء الصوم المنذور المشروط فيه التتابع، و ذكرنا ثمة انه لم يساعد الدليل و هو صحيحة علي بن مهزيار الا على أصل القضاء دون كيفيته و أقمنا شواهد على عدم لزوم مطابقة القضاء مع الأداء في الخصوصيات. فلو فاته الصيام من أيام القيظ الشديدة الحر الطويلة النهار جاز القضاء من أيام الشتاء القصيرة، أو لو فات الصوم المنذور إيقاعه في بلد جاز القضاء في بلد آخر فلا تلزم مراعاة جميع الخصوصيات و منها التتابع.

و كيفما كان فذاك البحث جار في المقام أيضا و قد احتاط الماتن بالتتابع. و الظاهر ان الحكم في هذه المسألة مبني على ما يستند إليه في أصل القضاء.

فان كان المستند فيه الدليل اللفظي كالنبوي: اقض ما فات كما فات كان اللازم اعتبار المتابعة أيضا، لأن نفس الدليل يدل على لزوم كون القضاء مماثلا للأداء.

و ان كان المستند الدليل اللبي و هو الإجماع فالمتيقن منه أصل القضاء دون التتابع. و ستعرف إنشاء اللّه ضعف الاستناد الى الدليل اللفظي.

و عليه فان بنينا على تمامية الإجماع كما لا تبعد فغايته ثبوت أصل القضاء دون المتابعة فيرجع في نفيها إلى أصالة البراءة.

و على الجملة لا ينبغي التأمل في ان الخصوصيات الملحوظة في الاعتكاف أو الصوم المنذورين من الزمانية و المكانية و غيرهما كالوقوع في فصل الصيف و النهار الطويل أو النجف الأشرف مثلا غير لازم المراعاة في القضاء لدى فوات المنذور لعذر أو لغيره. فلو نذر ان يعتكف في مسجد الكوفة ففاته و لو عن عمد فلا ريب في جواز قضائه

397

..........

____________

في أي مسجد جامع فليكن التتابع أيضا من هذا القبيل بعد قصور الدليل عن إثبات وجوبه في القضاء كالأداء حسبما عرفت.

الجهة الثانية لو أخل بالتتابع المعتبر في المنذور، فهل يجب عليه قضاء المنذور من أصله، أو خصوص ما أخل به؟ فلو نذر الاعتكاف من أول رجب الى اليوم السادس مثلا متتابعا، فتابع في الأربعة و أخل بالأخيرين، فهل يختص القضاء بهما نظرا إلى انه قد اتى بالباقي متتابعا و كان موافقا للمنذور فلا وجه لقضائه، أو انه يجب قضاء الكل لعدم إغناء التتابع في البعض عن الكل بعد ان كان المجموع واجبا واحدا ارتباطيا لانتفاء المركب بانتفاء جزئه فالإخلال بالبعض إخلال بالمركب بطبيعة الحال، كما هو مقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء؟؟

المشهور هو الثاني، أي قضاء المنذور بتمامه كما اختاره في المتن.

و لكن على ضوء ما قدمناه في الجهة الأولى حول اعتبار التتابع يظهر الحال هنا أيضا و انه لا يجب إلا قضاء ما أخل به فقط فان المستند في القضاء لو كان دليلا لفظيا تضمن ان من فاته الاعتكاف المنذور وجب قضاؤه صح التمسك بإطلاق الفوت الشامل لما فات رأسا أو ما فات و لو ببعض اجزائه باعتبار ان فوات الجزء يستدعي فوات الكل و اتجه الحكم حينئذ بقضاء المنذور بتمامه.

إلا انك عرفت ان المستند انما هو الإجماع، و من المعلوم عدم ثبوته في المقام، كيف و قد ذهب جماعة من الأصحاب منهم صاحبا المدارك و المسالك الى الاقتصار على قضاء ما أخل به و ان ذهب المشهور الى قضاء نفس المنذور. فالمسألة خلافية و لا إجماع في المقام على قضاء المنذور بتمامه كي نلتزم به. فعدم القول به لقصور في المقتضى لا لأن

398

و ان بقي شيء من ذلك الزمان المعين بعد الإبطال بالإخلال فالأحوط ابتداء القضاء منه (1).

[ (مسألة 15): لو نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بالرابع]

(مسألة 15): لو نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بالرابع (2) و لم يشترط التتابع و لا كان منساقا من نذره وجب قضاء ذلك اليوم و ضم يومين آخرين و الاولى جعل المقضي أول الثلاثة و ان كان مختارا في جعله أيا منها شاء.

____________

التتابع في البعض يغني عن المركب ليرد عليه ما أورده في الجواهر من الإيراد الظاهر و هو وضوح عدم الإغناء بعد فرض ارتباطية الاجزاء، و كون الإخلال بالبعض إخلالا بالكل كما مر.

نعم لا مناص من قضاء ما أخل به فإن المسألة و ان كانت خلافية كما عرفت الا ان الكل مطبقون على وجوب القضاء في هذا المقدار على سبيل الإجماع المركب، فلا سبيل لتركه بعد فئام الإجماع عليه.

(1):- رعاية للأداء في الزمان بقدر الإمكان و لكنه استحسان لا يصلح مستندا للحكم الشرعي. بل لا يتم في نفسه، إذ بعد الإخلال بالتتابع في الزمان المعين المضروب لم يبق فرق بين الباقي و ما بعده في ان الكل خارج عن الأجل المعين و الوقت المضروب فيكون قضاء لا محالة.

نعم كان ذلك هو الاولى من باب استحباب الاستباق الى الخير و المسارعة اليه و التعجيل فيه الذي هو أمر مندوب مرغوب فيه في جميع الواجبات و المستحبات.

(2):- لا إشكال في وجوب قضاء الرابع حينئذ- بمعنى الإتيان دون القضاء بالمعنى المصطلح كما لا يخفى- و في وجوب ضم يومين آخرين معه كما افاده لعدم مشروعية الاعتكاف أقل من الثلاثة.

399

..........

____________

و انما الإشكال في ان المقضي هل يتعين جعله أول الثلاثة، أو انه مخير بين ذلك و بين جعله الوسط أو الأخير كما اختاره في المتن و ان جعل الأول أولى. و قد افتى بمثل ذلك في الجواهر أيضا.

و الظاهر ان المسألة مبنية على لزوم قصد عنوان الوفاء في تفريغ الذمة عن المنذور. و اما بناء على ما عرفت من عدم لزوم القصد لكون الوفاء هو الإنهاء و إتمام ما التزم به و الإتيان بمتعلق نذره، و الأمر الناشئ من قبله توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد التقرب فلا حاجة حينئذ إلى التعيين من أصله لعدم المقتضي له، فيحسب واحد من الثلاثة وفاء، و الاخران متمما، و يمكن ان يقال بانطباق ذلك الواحد على الفرد الأول قهرا و بطبيعة الحال كما لا يخفى.

بل حتى إذا قلنا بلزوم قصد الوفاء جاز له ان يقصد الوفاء بمجموع الثلاثة، لعدم الدليل على لزوم التشخيص و التعيين بوجه.

و قد يقال انه بعد فرض عدم مشروعية الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام فالأمر بقضاء اليوم الفائت بنفسه أمر بضم اليومين الآخرين. و بما ان المجموع عبادة واحدة و اعتكاف واحد فالكل واجب بوجوب واحد نفسي و مصداق للوفاء بالنذر. فلا معنى للتعيين في اليوم الأول أو غيره، إذ الكل متعلق لأمر واحد نفسي كما عرفت.

و يندفع بان ضم اليومين لم يكن لمصلحة نفسية كي يكون الكل واجبا بالوجوب النفسي، و انما هو من أجل المقدمية تحصيلا لشرط الصحة في اليوم الفائت بعد امتناع وقوعه مجردا عنهما نظير بقية الواجبات المقيدة بشيء كاشتراط الصلاة بالطهور فإن الأمر بالواجب المقيد لا ينفك عن المقدمية.

و بعبارة أخرى قد ذكرنا في محله ان جميع الواجبات المركبة

400

..........

____________

المتدرجة في الوجود كالصلاة لا ينفك اجزاؤها بالأسر عن القيدية و الاشتراط، فلكل جزء حيثيتان: حيثية الأمر النفسي الضمني المنبسط عليه من ناحية الأمر بالمركب، و حيثية كونه قيدا في صحة الجزء الآخر على ما هو مقتضى فرض الارتباط الملحوظ بين الاجزاء. فالجزء من الصلاة ليس مطلق التكبير بل ما كان ملحوقا بالركوع، كما ان الركوع مشروط بكونه مسبوقا بالقراءة و ملحوقا بالسجود. و هكذا الحال في سائر الأجزاء فإنها برمتها مشروطة بالمسبوقية و الملحوقية معا ما عدا الجزء الأول و الأخير فإنهما مشروطان بواحد منهما، إذ لا جزء قبل الأول و لا بعد الأخير، فلو تجرد الركوع مثلا عما تقدمه أو ما تأخره لم يقع مصداقا للواجب.

و هكذا الحال في الاعتكاف فان كل يوم بالإضافة إلى اليوم الآخر مشروط بالمسبوقية أو الملحوقية أو هما معا فلا جرم كان ذلك قيدا في الصحة، و بما ان الاعتكاف المفروض في المقام ليس بواجب من غير ناحية النذر و هو لم يتعلق الا بيوم واحد كان انضمام اليومين الآخرين من جهة صحة المنذور فقط، من غير ان يتضمنا ملاك النفسية بوجه لأنه لم ينشأ الا من قبل النذر و هو مختص بواحد منها فحسب. فلا محالة كان وجوبهما متمحضا في المقدمية.

و حينئذ فإن التزمنا بوجوب المقدمة وجب اليومان شرعا و كان المركب مؤلفا من الواجب النفسي و الغيري، و إن أنكرناه كما هو الصحيح على ما حقق في الأصول من عدم الوجوب الا عقلا من باب اللابدية بقيا على حكمهما الأول و ان وجب الثالث بملاك التتميم الثابت في كل اعتكاف، و لا ضير في تركب الواجب من جزئين: أحدهما واجب نفسي و الأخر غيري، أو من واجب و غير واجب حكم العقل

401

[ (مسألة 16): لو نذر اعتكاف خمسة أيام وجب]

(مسألة 16): لو نذر اعتكاف خمسة أيام وجب

____________

بوجوبه كما لا يخفى.

و عليه فالواجب النفسي و ما هو مصداق للوفاء انما هو واحد من الثلاثة.

ثمَّ ان الامتثال في المركبات التدريجية و منها الاعتكاف انما يتحقق بالجزء الأخير فما لم يتعقب به يبطل من الأول فسقوط الأوامر الضمنية و اتصافها بالامتثال دفعي و في زمان واحد، و هو آن الفراغ من المركب و انما التدرج في نفس العمل و ذات المتعلق كصيام الأيام الثلاثة في الاعتكاف.

و عليه فلا يعلم أن أيا من هذه الأيام مصداق للوفاء و امتثال للأمر النفسي، إذ لا ميز و لا تعين لواحد منها عن الآخر حتى في صقع الواقع و في علم اللّه تعالى لما عرفت من ان الكل تتصف بالامتثال المستتبع لسقوط الأمر في آن واحد. و معه كيف يمكن التعيين بالقصد. نعم لا مانع منه و ليس هو من التشريع و لكن لا ملزم له و لا حاجة اليه.

و هذا نظير ما لو كان زيد مدينا لعمرو بدرهم، أو كان قد نذر ذلك فدفع اليه درهمين قاصدا بأحدهما الوفاء و بالآخر الهبة و العطاء فإنه لا يتعين أحدهما في أحدهما بالخصوص لعدم التعين و الامتياز حتى بحسب الواقع، فلا يتميز الوفاء عن العطاء ليتعين بالقصد.

و مقامنا من هذا القبيل فان الاعتكاف عبادة واحدة، و ليس هو في كل يوم عملا مستقلا لينطبق النذر على الأول، بل امتثال الكل في زمان واحد و بنسبة واحدة، و قد اتى بالجميع بقصد الوفاء عن ذلك اليوم، فلا تعين له في شيء منها ليتعين بالقصد حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

402

ان يضم إليها سادسا سواء تابع أو فرق بين الثلاثتين (1)

____________

(1): اما مع التفريق فظاهر لوجوب ضم الثالث الى اليومين بعد الثلاثة، إذ لا اعتكاف أقل من الثلاثة.

و كذا مع التتابع و الإتيان بالمجموع في اعتكاف واحد لما تقدم عند التكلم حول الشرط الخامس من صحيحة أبي عبيدة المصرحة بأنه إن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر (1).

و عن الأردبيلي عدم وجوب ضم السادس في صورة المتابعة نظرا الى اختصاص دليل الضم و هو الصحيح المتقدم بالمندوب فلا يعم المنذور مع إمكان التفرقة بان في المندوب قد تحقق الاعتكاف في أصل الشرع بالثلاثة الأول و ليس ثمة ما يدل على اتصال الزائد و هو اليومان، بل هما بمثابة اعتكاف جديد، فلا جرم دعت الحاجة الى التكميل، إذ لا اعتكاف أقل من الثلاثة. و هذا بخلاف المنذور، فإن الخمسة حينئذ اعتكاف واحد عن أمر و ملاك واحد و هو النذر، فلا نقص ليحتاج الى التتميم، و لا بأس بالزيادة على الثلاثة.

و اعترض عليه غير واحد بأن الصحيحة و ان كانت مختصة بالمندوب الا ان المنذور ليس حقيقة أخرى غيره بل هما فردان من طبيعة واحدة، فإذا ثبت حكم لأحدهما ثبت للآخر بطبيعة الحال لاشتراكهما في الاحكام و عدم احتمال التفرقة فيها.

و هذا كما ترى قابل للمناقشة، إذ لقائل أن يقول ان الحكم إذا كان خاصا بمورد و متعلقا بفرد فكيف يسوغ لنا التعدي إلى الفرد الآخر و ان اتحدا في الطبيعة. نعم لو كان الحكم متعلقا بالطبيعة عم جميع الافراد كما لو ورد (لا اعتكاف أقل من ثلاثة أيام) دون ما كان خاصا

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب الاعتكاف حديث 3.

403

[ (مسألة 17):- لو نذر زمانا معينا شهرا أو غيره]

(مسألة 17):- لو نذر زمانا معينا شهرا أو غيره و تركه نسيانا أو عصيانا أو اضطرارا وجب قضاؤه (1)

____________

بمورد و واردا في فرد بخصوصه كما في المقام.

و الصحيح فساد المطلب من أصله، و ان الصحيحة غير مختصة بالمندوب- لا انه يسلم الاختصاص و يجاب بما لا يسلم عن النقاش- إذ لا موجب لتوهم الاختصاص عدا التعبير بقوله (عليه السلام) (فهو يوم الرابع بالخيار) نظرا الى عدم الخيار بين القطع و الاسترسال في الاعتكاف الواجب، و لزوم المضي فيه الى ان يفرغ فيكشف ذلك عن ارادة المندوب.

و لكنك خبير بان هذا لازم أعم لثبوت التخيير في الواجب الموسع أيضا كالمندوب فيجوز في كل منهما رفع اليد في اليوم الرابع و الخامس كاليومين الأولين، فلا شهادة في هذا التعبير على ارادة المندوب بوجه نعم لا خيار في الواجب المعين بنذر و نحوه، كما لو نذر ان يعتكف من أول رجب من هذه السنة إلى اليوم الخامس، فإنه يجب عليه الإتمام و لا خيار في شيء من الأيام، و لكن لا يحتمل الفرق بين الواجب الموسع و المعين من هذه الجهة قطعا لعدم القول بالفصل، إذ لا قائل بالفرق بينهما، و ان قيل بالفرق بين الواجب و المستحب كما عرفت.

فالصحيح ان الصحيحة بنفسها وافية لإثبات الحكم في كل من المندوب و المنذور لكونه معلقا فيها على طبيعي الاعتكاف الشامل لجميع الافراد. نعم هي قاصرة عن الشمول للواجب المعين نكته ملحق للقطع بعدم الفصل حسبما عرفت.

(1):- العمدة في المقام انما هو الإجماع الذي ادعاه جمع من

404

..........

____________

الإعلام و منهم من لا يعتنى بالشهرات و الإجماعات المنقولة كصاحب المدارك حيث صرح بأنه مقطوع به في كلام الأصحاب، و لا يبعد تحققه، بل هو الظاهر، فهو المستند في المسألة، و لولاه لكان الحكم في غاية الإشكال لضعف سائر ما يستدل له.

فان ما يتوهم الاستدلال به من النصوص روايات ثلاث: ثنتان منها مرسلتان. إحداهما النبوي المرسل: (اقض ما فات كما فات) و الأخرى المرسل عنهم (عليهم السلام): (من فاتته فريضة فليقضها) و لم يلتزم الأصحاب بمضمونها من وجوب القضاء لكل فريضة فائتة ليدعى الانجبار بالعمل على تقدير تسليم كبرى الانجبار. فان من نذر قراءة القرآن أو الدعاء أو زيارة الحسين (عليه السلام)- مثلا- في وقت معين ففائته لعذر أو لغير عذر لم يلتزم احد بوجوب قضائها، و القضاء في الصوم المنذور المعين محل خلاف، و ان كان عليه الأكثر النص الخاص.

و بالجملة فلم يعهد من احد منهم الالتزام بالقضاء فيما عدا الصوم و الاعتكاف المنذورين. على ان لفظ الفريضة المذكور في المرسلة منصرف الى ما ثبت وجوبه في أصل الشرع و بحسب الجعل الاولي و لا يكاد يشمل ما التزم به الناذر على نفسه. فالرواية على تقدير صحتها منصرفة عن المقام قطعا.

و الثالثة صحيحة زرارة قال: قلت له رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر. قال: يقضي ما فاته كما فاته، ان كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها. إلخ (1) و هي كما ترى واضحة الدلالة بقرينة الصدر و الذيل على ان المراد بالمماثلة في قوله (عليه السلام): «يقضي ما فاته كما فاته» التماثل من

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.