المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
405

..........

____________

حيث القصر و التمام و ان العبرة في قضائهما برعاية حال الفوت لا حال الأداء فلا دلالة فيها على وجوب قضاء نفس الصلاة من غير هذه الناحية فضلا عن الدلالة على وجوب قضاء مطلق الفريضة الفائتة ليستدل بها على المقام. فالروايات قاصرة اما سندا أو دلالة.

و ربما يستدل بوجهين آخرين:

أحدهما الاستفادة مما دل على وجوب قضاء الصوم المنذور المعين لدى فوته لعذر أو لغيره كصحيحة ابن مهزيار الواردة في النذر كما تكررت الإشارة إليه فإنها ترشدنا الى ثبوته في الاعتكاف أيضا لمكان اشتماله على الصوم.

و فيه ما لا يخفى من وضوح الفرق المانع من صحة القياس. فان الصوم بنفسه متعلق للنذر في الأول. و اما في الثاني فهو شرط في صحة شيء آخر تعلق به النذر و هو الاعتكاف. فوجوبه في الأول النذر، و في الثاني الشرط، و ثبوت القضاء في أحدهما لا يستلزم الثبوت في الآخر بوجه.

فلو فرضنا ان أحدا سقط عنه الأمر بقضاء الاعتكاف المنذور لعجز و نحوه مما لا يرجى زواله، فهل يحتمل وجوب قضاء الصوم عليه استنادا الى تلك الصحيحة الدالة على وجوب قضاء الصوم المنذور؟.

ثانيهما ما ذكره كسابقه في الجواهر من انه قد ثبت القضاء لدى عروض ما يمنع عن إتمام الاعتكاف من حيض أو مرض و غيرهما مما قد اشتملت عليه النصوص و الفتاوى فيكشف ذلك عن ثبوته عند فوت الاعتكاف بأي نحو كان لعدم القول بالفصل.

و يندفع بمنع ثبوت الحكم في المقيس عليه لو أريد به القضاء بالمعنى المصطلح. أعني الإتيان خارج الوقت الذي هو المبحوث عنه في المقام

406

..........

____________

لقصور النصوص عن إثبات ذلك بل مفادها الإعادة و الاستيناف كما صرح بها في بعضها، فإنها ناظرة الى ان من كان معتكفا على النهج الشائع المتعارف من الاعتكاف الندبي أو الوجوبي بالوجوب الموسع لنذر و شبهه لو عرضه الحيض أو المرض و نحوهما مما يمنع عن الإتمام فلا جرم يبطل هذا الاعتكاف فيرفع اليد عنه و يأتي بفرد آخر بإعادة ذلك الاعتكاف و استينافه، و ليست ناظرة إلى القضاء الاصطلاحي للزوم حمل النصوص حينئذ على الواجب المعين بنذر و نحوه كي يتصور فيه الفوت و يتصف بالقضاء. و لا ريب انه فرد نادر جدا لا يمكن حمل المطلقات عليه، سيما و ان مقتضى القاعدة حينئذ بطلان النذر لكشف العجز الطارئ عن عدم القدرة على الامتثال المستلزم لانحلال النذر بطبيعة الحال. فالمراد هو الإعادة لا محالة و ان عبر بلفظ القضاء في بعضها. و لنعم ما صنع في الوسائل حيث عنون الباب الحادي عشر بقوله: (باب وجوب اعادة الاعتكاف ان كان واجبا).

إذا لم يثبت القضاء من أصله ليدعى شموله للمقام بعدم القول بالفصل.

فتحصل من جميع ما قدمناه ان المستند الوحيد في المسألة انما هو الإجماع. فإن تمَّ كما هو الأظهر حسبما مر، و إلا فالمسألة غير خالية عن الاشكال. هذا و لا بأس بالإشارة الى النصوص الدالة على وجوب قضاء الاعتكاف إذا فات بمرض أو حيض و هي ثلاثة و كلها معتبرة.

أحدها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنه يأتي بيته ثمَّ يعيد إذا برئ و يصوم (1).

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب الاعتكاف ح 1.

407

..........

____________

فإن الأمر بالإعادة لم يكن مولويا ليراد به وجوب القضاء و انما هو إرشاد إلى الفساد كما مر مرارا، و ان الاعتكاف المأتي به قد بطل بعروض الطمث أو المرض المانعين عن الصوم المشروط به الاعتكاف فلا مناص من الاستيناف وجوبا ان كان ما شرع فيه واجبا و ندبا ان كان مستحبا حسب اختلاف الموارد. و على التقديرين فهو اعادة لما سبق، و ليس من القضاء المصطلح لتوقفه على فرض عروض الطمث أو المرض في الاعتكاف الواجب المعين بنذر و شبهه كي يفوت بخروج الوقت و لا ريب في انه فرض نادر جدا، فكيف يمكن حمل المطلق عليه.

فان قلت الممنوع حمل المطلق على الفرد النادر لا شمول الإطلاق له فأي مانع من ان يراد المعنى الجامع بين الأداء و القضاء.

قلت القضاء متقوم بالفوت، و الأداء بعدمه و لا جامع بين المتناقضين فلا يمكن إرادتهما من دليل واحد مضافا الى بعده عن الفهم العرفي جدا كما لا يخفى. إذا فالصحيحة غير ناظرة إلى القضاء بوجه.

الثانية: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المعتكفة إذا طمثت قال: ترجع الى بيتها فاذا طهرت رجعت فقضت ما عليها (1) و التقريب كما سبق و ان تضمنت التعبير بالقضاء «فإنه بمعناه اللغوي أي مطلق الإتيان كما استعمل فيه كثيرا في الكتاب و السنة دون الاصطلاحي و الا كان الأحرى أن يقول هكذا. «فقضت ما فاتها» بدل قوله (عليه السلام): فقضت ما عليها. فان هذا التعبير ظاهر في أنها تأتي بما عليها فعلا لا ما فاتها قبلا كما لا يخفى. فهذا التعبير مؤكد لما استظهرناه من ارادة الاستيناف و مطلق الإعادة دون القضاء.

الثالثة: موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و أي

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب الاعتكاف ح 3.

408

..........

____________

امرأة كانت معتكفة ثمَّ حرمت عليها الصلاة فخرجت من المسجد فطهرت فليس ينبغي لزوجها ان يجامعها حتى تعود الى المسجد و تقضى اعتكافها (1) و قد ظهر الحال فيها مما مر.

على ان مضمونها غير قابل للتصديق لظهورها في انها تقضى من حيث ما قطعت لأنها باقية بعد على اعتكافها الأول، و ذلك لتضمنها منع الزوج- اما تحريما كما نستظهره من كلمة: ليس ينبغي، أو تنزيها على ما يراه القوم- عن مجامعتها حتى تعود الى المسجد، إذ لو كانت خارجة عن الاعتكاف و غير متلبسة به فعلا فأي مانع من وطيها حتى لو كان الطهر قبيل الفجر، و لو كان الطهر أثناء النهار أو أوائل الليل فالأمر أوضح لسعة الوقت إلى أول الفجر الذي هو مبدء الاعتكاف فلا يكون الوطي مزاحما و منافيا له بوجه. فالمنع عن الجماع لا يجتمع الا مع فرض البقاء على الاعتكاف مدة حيضها الى ان تعود الى المسجد التي أقلها ثلاثة أيام، و ربما تبلغ عشرة. و هذا غير قابل للتصديق كما ذكرناه لانمحاء صورة الاعتكاف في أقل من هذه المدة قطعا فإنه مشروط باستدامة اللبث كما مر. و لذا تقدم انه لو خرج و لو لحاجة ضرورية و طالت المدة بحيث انمحت الصورة بطل الاعتكاف، فلا بد من طرحها ورد علمها إلى أهله.

فاتضح من جميع ما قدمناه ان الحكم بالقضاء في الحائض و المريض غير ثابت في حد نفسه و ان كانت دعوى عدم القول بالفصل على تقدير الثبوت غير بعيدة لعدم احتمال الفرق بينهما و بين غيرهما كما لا يخفى.

فالعمدة في المسألة انما هو الإجماع لضعف ما استدل به سواه حسبما عرفت.

____________

(1) الوسائل باب 51 من أبواب الحيض ح 2.

409

و لو غمت الشهور فلم يتعين عنده ذلك المعين عمل بالظن (1) و مع عدمه يتخير بين موارد الاحتمال.

____________

(1) فيتنزل عن الامتثال القطعي الى الظني ان كان و الا فإلى الاحتمالي الذي نتيجته التخيير بين موارد الاحتمال. هذا و قد مر نظير هذا الفرع في كتاب الصوم و عرفت ان الظن لم ينهض دليل على اعتباره في المقام ما عدا صحيحة عبد الرحمن (1) و حيث ان موردها خصوص شهر رمضان و التعدي عنه قياس محض فلا دليل يعول عليه في الخروج عن أصالة عدم حجية الظن. إذا فيجري عليه حكم الشك.

و عرفت أيضا ان حكمه لزوم الاحتياط عملا بالعلم الإجمالي و ذلك لأجل ان مقتضى الاستصحاب و ان كان هو جواز التأخير إلى الشهر الأخير و بعده يستصحب بقاء الشهر المنذور.

و لكنه معارض بأصالة البراءة عن الوجوب في خصوص الشهر الأخير بعد معارضة استصحاب بقاء الشهر المزبور باستصحاب بقاء عدمه المردد بين كونه عدما أزليا زائلا أو عدما حادثا باقيا نتيجة الجهل بالمتقدم منهما و المتأخر و بعد التساقط كان المتبع هو العلم الإجمالي، و مقتضاه ما عرفت من وجوب الاحتياط الى ان يبلغ حد الحرج بحيث يقطع معه بسقوط التكليف اما للامتثال سابقا أو لعروض المسقط- و هو الحرج- لا حقا.

و عليه فالأظهر في المقام وجوب الاحتياط الى زمان يكون الاعتكاف فيه حرجيا و ان شئت مزيد التوضيح فراجع المسألة في كتاب الصوم (2)

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

(2) ص 130- 132 و ص 137.

410

[ (مسألة 18): يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد]

(مسألة 18): يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد (1) فلا يجوز ان يجعله في مسجدين سواء أ كانا متصلين أم منفصلين نعم لو كانا متصلين على وجه بعد مسجدا واحدا فلا مانع

____________

(1): لظهور النصوص الدالة على لزوم الاعتكاف في مسجد الجامع في وحدة المسجد بحكم الانصراف كما صرح به في الجواهر، فان الحمل على ارادة الجنس بعيد عن مساقها غايته كما لا يخفى.

و مع الغض عن هذا الانصراف فيمكن الاستدلال بإطلاق طائفتين من الروايات.

إحداهما النصوص الدالة على ان من خرج عن المسجد لحاجة لزمه الرجوع بعد الفراغ عنها الى مجلسه، فإنه لو جاز الاعتكاف في مسجدين لم يلزمه الرجوع الى نفس المكان بل جاز الدخول في مسجد آخر.

و مقتضى إطلاق هذه النصوص عدم جواز المكث خارج المسجد الذي اعتكف فيه بعد انقضاء الحاجة من غير فرق بين مسجد آخر و سائر الأمكنة بمقتضى الإطلاق، ثانيهما النصوص الدالة على ان من خرج عن المسجد لحاجة فحضرت الصلاة لا يجوز له ان يصلي (في غير مكة) إلا في المسجد الذي سماه، اي اعتكف فيه. فان مقتضى الإطلاق عدم جواز الصلاة حتى في مسجد آخر، فيكشف ذلك عن اعتبار وحدة المكان و عدم جواز الاعتكاف في مسجدين.

و هذا من غير فرق فيه بين كون المسجدين متصلين أو منفصلين بمقتضى الإطلاق، و ما عرفت من ظهور الأدلة و لو بحكم الانصراف

411

[ (مسألة 19): لو اعتكف في مسجد ثمَّ اتفق مانع من إتمامه فيه]

(مسألة 19): لو اعتكف في مسجد ثمَّ اتفق مانع من إتمامه فيه من خوف أو هدم أو نحو ذلك بطل (1) و وجب استينافه أو قضاؤه ان كان واجبا في مسجد آخر أو ذلك المسجد إذا ارتفع عنه المانع و ليس له البناء سواء كان في مسجد آخر أو في ذلك المسجد بعد رفع المانع.

____________

في اعتبار الوحدة الا ان يكون الاتصال على نحو يعد المجموع مسجدا واحدا كما لو وسع المسجد بوقف الأرض المتصلة و إلحاقها به كما سيأتي ان شاء اللّه لصدق الوحدة حينئذ كما هو ظاهر (1).

(1):- لعدم التمكن من الإتمام لا في هذا المسجد بعد ارتفاع المانع لاعتبار الاتصال و استدامة اللبث المتعذر بعد حصول الفصل الفاحش، و لا في مسجد آخر لاعتبار وحدة المكان المعتكف فيه كما هو ظاهر مما تقدم.

و احتمال جواز الإتمام في مسجد آخر كما عن الجواهر لم يعرف له اي وجه بعد فرض اشتراط الوحدة في المكان كما مر، و تعذر الشرط يستلزم تعذر المشروط المستلزم للبطلان بطبيعة الحال. و حينئذ فإن كان الاعتكاف واجبا غير معين وجب الاستيناف، و ان كان معينا كما لو

____________

(1) و قد حررت هذه الأبحاث مع مزيد من الحزن و الأسى، و تشتت البال و اضطراب الحال، لخطب نزل بي، و هو ارتحال سماحة آية اللّه، شيخنا الوالد- طاب ثراه- في بلدة (بروجرد) عن عمر يناهز الثالثة و الثمانين فطيب اللّه رمسه و نور مضجعه، و جزاه عنا و عن الإسلام و المسلمين خيرا، و رفع له ذكرا، و كانت وفاته في اليوم الخامس عشر من شهر محرم الحرام من السنة الخامسة و التسعين بعد الألف و الثلاثمائة من الهجرة.

412

[ (مسألة 20): سطح المسجد و سردابه و محرابه منه ما لم يعلم خروجها]

(مسألة 20): سطح المسجد و سردابه و محرابه منه ما لم يعلم خروجها (1) و كذا مضافاته إذا جعلت جزء منه كما لو وسع فيه.

[ (مسألة 21) إذا عين موضعا خاصا من المسجد محلا]

(مسألة 21) إذا عين موضعا خاصا من المسجد محلا

____________

نذر الاعتكاف في مكان خاص في زمان معين وجب القضاء لو قلنا بوجوبه حتى في هذه الموارد و لم نقل بانكشاف عدم الانعقاد من الأول بطرو العجز. و كيفما كان فيبتني الحكم على وجوب القضاء حتى في هذه الموارد.

(1):- لا ريب في لزوم إحراز المسجدية في ترتيب آثارها التي منها جواز الاعتكاف و لو من أجل يد المسلمين حيث تلقوها كذلك جماعة عن جماعة و خلفا عن سلف، و بعد الإحراز يجوز الاعتكاف في أي جزء منه من سطح أو سرداب أو محراب و نحو ذلك مما يحتوي عليه سور المسجد ما لم يثبت خلافه بقرينة خارجية. و لعل مخالفة الشهيد حيث نسب اليه البطلان و تحقق الخروج عن المسجد بالصعود على السطح محمول على ذلك، اي ما لو علم بخروج السطح عن المسجد و الا فهو بظاهره ظاهر الضعف، بل لا يحتمل من مثله دعوى اختصاص الاعتكاف بجزء خاص من المسجد لعدم خصوصية له بعد صدق عنوان المسجدية الذي هو الموضوع للحكم على الجميع بمناط واحد. و لذا لو اعتكف في نقطة معينة كحجرة من حجر المسجد فأراد الانتقال الى حجرة اخرى جاز له ذلك بلا اشكال.

و منه يظهر الحال في مضافات المسجد إذا جعلت جزء منه كما لو وسع فيه فان الزائد بعد ما الحق به محكوم بحكم الأصل كما هو ظاهر.

413

لاعتكافه لم يتعين (1) و كان قصده لغوا.

[ (مسألة 22): قبر مسلم و هاني ليس جزءا من مسجد الكوفة]

(مسألة 22): قبر مسلم و هاني ليس جزءا من مسجد الكوفة على الظاهر (2).

[ (مسألة 23): إذا شك في موضع من المسجد انه جزء منه أو من مرافقه]

(مسألة 23): إذا شك في موضع من المسجد انه جزء منه أو من مرافقه لم يجر عليه حكم المسجد (3).

____________

(1):- لان موضوع الحكم كما في النصوص المسجد الجامع الذي هو عنوان صادق على جميع اجزائه بمناط واحد من غير خصوصية لبعض دون بعض. و عليه فلا اثر لتعلق القصد بالاعتكاف في محل خاص من المسجد، بل يصبح قصده لغوا بطبيعة الحال كما أشار إليه في المتن.

(2):- سيجيء في المسألة الآتية انه لو شك في موضع انه جزء من المسجد أم لا لم يجر عليه حكم المسجد لأصالة العدم، الا انه في خصوص قبرهما (عليهما السلام) لا تصل النوبة إلى الشك كي يتمسك بالأصل، لأن شاهد الحال و ظاهر الأمر يقتضي الجزم بالعدم، لان من المعلوم انهما (عليهما السلام) قتلا مظلومين مقهورين من قبل طاغوت الوقت، و من هذا شأنه كيف يتيسر دفنه في المسجد الجامع المبني على نوع من التعظيم و التكريم، و من الذي يتجرأ على ذلك في قبال تلك السلطة الجبارة التي تصدت لذلك الهتك المعروف في كيفية القتل و ما بعده.

(3):- فان عنوان المسجدية أمر حادث لا بد من إحرازه في ترتيب الاحكام بعلم أو علمي و لو يد المصلين، و الا فمع الشك في موضع منه انه جزء منه أم لا كمخزن في المسجد يجعل فيه الأثاث لم

414

[ (مسألة 24): لا بد من ثبوت كونه مسجدا]

(مسألة 24): لا بد من ثبوت كونه مسجدا أو جامعا بالعلم الوجداني أو الشياع المفيد للعلم أو البينة الشرعية و في كفاية خبر العدل الواحد اشكال (1).

____________

يعلم انه جزء أو وقف بعنوان آخر فالمرجع أصالة لعدم.

(1):- هذا بحث كلي قد تعرضنا له في مطاوي هذا الشرح مرارا، و هو ان الموضوعات هل تثبت بخبر العدل الواحد- خبرا حسيا لا حدسيا- كما تثبت به الاحكام أو لا، مثل الاخبار بالطهارة أو النجاسة أو دخول الوقت و نحو ذلك، و منها المسجدية أو الجامعية فيما نحن فيه.

و قلنا ان الأوجه ثبوت كل شيء بخبر الواحد الا ما ثبت خلافه بدليل خاص كما في الترافع حيث يحتاج الى شاهدين عادلين، أو في الدعوى على الأموال المفتقرة إلى شاهد واحد و يمين، و قد يحتاج الى شاهد و امرأتين كالدعوى في غير الأموال أيضا كالزواج، و قد يحتاج إلى أربعة رجال أو ثلاثة و امرأتين كما في الزنا الى غير ذلك. فكلما دل الدليل على اعتبار العدد أو ضم اليمين يتبع و الا فبما ان عمدة المستند لحجية خبر الواحد انما هي السيرة العقلائية الممضاة عند الشارع بعدم الردع التي لا يفرق فيها قطعا بين الموضوعات و الاحكام كان خبر الواحد حجة في الشبهات الحكمية و الموضوعية بمناط واحد، إذ لا خصوصية للاحكام في ثبوت السيرة بالضرورة.

و اما رواية مسعدة بن صدقة: «. و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة» فغير صالحة للرادعية لا لأجل ضعف السند بجهالة مسعدة و ان كنا نناقش فيها سابقا من هذه الجهة، و ذلك

415

..........

____________

لوجوده في اسناد كامل الزيارات. بل لقصور الدلالة.

و توضيحه انه قد ذكر في موردها أمثلة ثلاثة كلها مجرى لأصالة الحل. اي محكوم بالحلية في ظاهر الشرع.

أحدها الثوب و لعله سرقة فإن هذا الاحتمال ملغى بمقتضى حجية يد المسلم الذي اشترى منه الثوب.

الثاني: امرأة تحتك لعلها أختك أو رضيعتك و هو أيضا مدفوع باستصحاب عدم النسب أو الرضاع الذي يترتب عليه صحة النكاح.

الثالث العبد و لعله حر قهر فبيع و هو أيضا لا يعتنى به بمقتضى حجية سوق المسلمين، بل لو ادعى العبد بنفسه ذلك أيضا لا يسمع منه.

و بعد ذلك كله يقول (عليه السلام): ان الأشياء كلها على هذا، أي على أصالة الحل و الجواز حتى يستبين، أي يظهر خلافه بنفسه و بالعلم الوجداني، أو تقوم به البينة، أي يقوم دليل من الخارج على الحرمة. و ليس المراد بالبينة المعنى الاصطلاحي، أعني الشاهدين العادلين لتكون الرواية رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على حجية خبر الواحد في الموضوعات الخارجية، إذ لم تثبت لهذه اللفظة حقيقة شرعية في كلمات النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو المعصومين (عليهم السلام) بل هي على معناها اللغوي، أعني مطلق الدليل و ما يتبين به الأمر.

و بهذا المعنى استعمل في القرآن قال تعالى (بِالْبَيِّنٰاتِ وَ الزُّبُرِ) و قال تعالى (حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) و كذلك قول النبي (ص): (إنما أقضي بينكم بالايمان و البينات) اي بالأدلة، و قوله (ص): (البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه) فان المراد مطالبة المدعي بالدليل في قبال المنكر. نعم ثبت من الخارج ان من أحد الأدلة شهادة العدلين لا ان شهادة العادلين بخصوصها هي المراد من كلمة (البينة) فإن

416

و الظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي (1).

____________

الأدلة كثيرة و منها شاهد واحد و يمين كما تقدم. فلا تنحصر في البينة المصطلحة.

و الذي يدلنا على ذلك مضافا الى ما عرفت من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية أن الأدلة التي تثبت بها الحرمة كثيرة كحكم الحاكم، و إقرار ذي اليد، و الشياع المفيد للاطمئنان، و الاستصحاب- كاستصحاب عدم التذكية- الى غير ذلك، و لا ينحصر رفع اليد عن الحلية بالبينة المصطلحة فلما ذا خصت من بينها بالذكر في قوله (عليه السلام) (حتى يستبين أو تقوم به البينة) مع ان بعضها كالإقرار أقوى منها في الاعتبار و مقدم عليها. فيكشف ذلك كشفا قطعيا عن ان المراد بالبينة في هذه الرواية كغيرها من موارد استعمالها في الكتاب و السنة مما تقدم هو مطلق الدليل و الحجة لا خصوص البينة المصطلحة، و انما هي فرد من أحد أفراد الأدلة.

فيكون المعنى ان الأشياء كلها على الجواز الى ان تثبت الحرمة اما بنفسها أو بقيام دليل شرعي من الخارج و منه خبر الواحد الثابت حجيته بالسيرة العقلائية. و معه فكيف تكون هذه الرواية رادعة عن السيرة.

فالصحيح ان خبر الواحد حجة في الموضوعات مطلقا كالأحكام الا ان يقوم الدليل على خلافه حسبما عرفت.

(1):- هذا أيضا بحث كبروي و ان حكم الحاكم هل هو نافذ مطلقا أو لا؟ و قد تقدم في بعض الأبحاث السابقة عدم الدليل على ثبوت الولاية المطلقة ليكون حكمه نافذا في جميع الموارد بنحو الكلية، بل المتيقن منه مورد النزاع و الترافع. فلو ادعى بعض الورثة وقفية بعض التركة بعنوان المسجدية و أنكرها الباقون فرفع النزاع الى الحاكم الشرعي فثبت عنده و حكم كان حكمه نافذا بلا اشكال و ترتب عليه آثار

417

[ (مسألة 25): لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية فبان الخلاف تبين البطلان]

(مسألة 25): لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية فبان الخلاف تبين البطلان (1).

[ (مسألة 26): لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل و المرأة]

(مسألة 26): لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل و المرأة (2) فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في بيتها بل و لا في مسجد القبيلة و نحوها.

[ (مسألة 27): الأقوى صحة اعتكاف الصبي المميز]

(مسألة 27): الأقوى صحة اعتكاف الصبي المميز (3)

____________

المسجدية التي منها صحة الاعتكاف كما هو الحال في بقية الأوقاف الواقعة موردا للنزاع، و اما بدون الترافع فلا دليل على نفوذ حكمه و مقتضى الأصل العدم.

(1):- إذ العبرة بالواقع، و لا اثر للاعتقاد الذي هو خيال محض، و المشروط ينتفي بانتفاء شرطه كما هو واضح.

(2):- لخلو الروايات عن التقييد بالرجل فالحكم فيها ثابت لطبيعي المعتكف و انه لا اعتكاف إلا في مسجد جامع فان نفي الطبيعة يستدعي بمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الرجل و المرأة، بل قد صرح في صحيحة داود بن سرحان بشمول الحكم للمرأة قال (عليه السلام) في ذيلها: «و المرأة مثل ذلك» (1) فإنها صحيحة السند بطريق الصدوق و ان كانت ضعيفة بالطريق الآخر من أجل سهل بن زياد.

و كيفما كان فلا حاجة الى الاستدلال بالصحيحة بعد إطلاق النصوص كما عرفت. فلا يقاس الاعتكاف بالصلاة التي ورد بلحاظها ان مسجد المرأة بيتها كما أشار إليه في المتن.

(3):- قد تكرر البحث في مطاوي هذا الشرح حول عبادات

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب الاعتكاف ح 10.

418

فلا يشترط فيه البلوغ.

____________

الصبي و قلنا ان المشهور هي المشروعية و ان غير واحد استدل لها بأنها مقتضى الجمع بين أدلة العبادات و بين حديث رفع القلم عن الصبي نظرا الى ان نتيجة ذلك نفي الإلزام فيبقى أصل المحبوبية على حالها.

و قلنا ان الجمع العرفي لا يقتضي ذلك لتوقفه على ان يكون المجعول في موارد الاحكام حكمين، و مدلول الأمر منحلا إلى أمرين: المحبوبية و الإلزام ليبقى الأول بعد نفي الثاني، نظير البحث المعروف من انه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، و ليس الأمر كذلك، بل مدلول الأمر حكم واحد بسيط، و ليس المدلول في مثل قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ. إلخ إلا كتابة واحدة لا كتابتين، إذ لا ينحل الوجوب الى جنس و فصل كما هو المحرر في محله فاذا ارتفع فقد ارتفع الحكم من أصله.

بل مقتضى الجمع العرفي بين حديث الرفع و المرفوع تخصيص تلك القوانين بالبالغين و انتفاء الحكم عن الصبي رأسا.

و لكنا استفدنا المشروعية مما ورد من قوله (عليه السلام): (مروا صبيانكم بالصلاة و الصيام) نظرا الى ان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، بل في بعضها الأمر بالضرب إذا بلغ السبع. و قد ورد النص في خصوص الحج باحجاج الصبي فيستكشف من ذلك كله الاستحباب و المشروعية.

و لكن هذا كله خاص بالأحكام الإلزامية مثل الصلاة و الصيام و نحوهما.

و اما في الأحكام الاستحبابية و منها الاعتكاف المبحوث عنه في المقام و كصلاة الليل و نحو ذلك فيكفي في إثبات المشروعية نفس الإطلاقات الأولية من غير حاجة الى التماس دليل آخر.

419

[ (مسألة 28): لو اعتكف العبد بدون اذن المولى بطل]

(مسألة 28): لو اعتكف العبد بدون اذن المولى بطل (1) و لو أعتق في أثنائه لم يجب عليه إتمامه و لو شرع فيه بإذن المولى ثمَّ أعتق في الأثناء فإن كان في اليوم الأول

____________

و الوجه فيه ما ذكرناه في الأصول في مبحث البراءة من ان حديث الرفع لا يشمل المستحبات لان المرفوع في مقام الامتنان اما المؤاخذة أو حكم إلزامي يكون قابلا الوضع ليرفع و ليس هو الا وجوب الاحتياط لوضوح ان المكلف لا يتمكن من امتثال الواقع المجهول فوضعه بإيجاب الاحتياط كما ان رفعه برفعه. و من المعلوم ان شيئا منهما لا يجري في المستحبات أما الأول فظاهر، و كذا الثاني لأن استحباب الاحتياط ثابت جزما.

و ليس في رفعه اي امتنان و لأجل ذلك ذكرنا ان البراءة غير جارية في المستحبات.

و هذا البيان الذي ذكرناه في حديث رفع التكليف جار في حديث رفع القلم عن الصبي بعينه لعدم الفرق بينهما الا من حيث ان الرفع هناك ظاهري و هنا واقعي. و هذا لا يكاد يؤثر فرقا فيما نحن بصدده بوجه.

فتحصل ان حديث الرفع غير جار في المقام و أمثاله من سائر المستحبات من أصله ليتكلم في تحقيق المرفوع و انه الإلزام أو أصل المشروعية ليتصدى لإقامة الدليل على إثباتها.

بل إطلاقات الأدلة من الأول شاملة للصبي من غير مزاحم، فتستحب له قراءة القرآن و الزيارة و صلاة الليل و غيرها، و منها الاعتكاف بنفس الإطلاقات من غير حاجة الى التمسك بمثل قوله (عليه السلام): مروا صبيانكم بالصلاة و الصيام، و انما نحتاج الى ذلك في الأحكام الإلزامية فقط حسبما عرفت.

(1):- لما تقدم عند التعرض لبعض فروع هذه المسألة من ان

420

أو الثاني لم يجب عليه الإتمام الا ان يكون من الاعتكاف الواجب و ان كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث و ان كان بعد تمام الخمسة وجب السادس.

[ (مسألة 29): إذا اذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن اذنه]

(مسألة 29): إذا اذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن اذنه (1) ما لم يمض يومان و ليس له

____________

العبد مملوك فلا يجوز له التصرف في ملك الغير بغير اذنه.

و عليه فلو اعتكف بغير الاذن ثمَّ أعتق في الأثناء لم يجب عليه الإتمام، إذ لا موجب لإتمام الفاسد و ان نسب الى الشيخ وجوبه لبعده جدا و عرائه عن اي دليل. و اما إذا كان بإذن المولى فأعتق جرى عليه ما مر من انه لو كان لك في اليوم الأول أو أثناء الثاني فهو مخير بين الإتمام و عدمه، كما إذا كان حرا من الأول، و إذا كان بعد اليومين وجب الثالث لإطلاق الدليل الدال عليه و كذلك الحال في وجوب ضم السادس لو أعتق في الخامس على كلام تقدم.

(1):- تقدم في المسألة السابقة بيان وظيفة العبد، و اما بالإضافة إلى المولى فهل له الرجوع عن الاذن بعد تلبس العبد بالاعتكاف المشروع؟

الصحيح هو التفصيل- كما في المتن- بين مضي اليومين و عدمه، ففي الثاني يجوز له الرجوع إذ لا موجب لسلب سلطنة المولى بعد جواز رفع اليد اختيارا، و عدم الملزم للإتمام و في الأول لا يجوز لوجوب المضي (1) و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

____________

(1) فيه ان وجوب المضي فرع جواز اللبث المنوط بالاذن حدوثا و بقاء و الا فهو تصرف في ملك الغير الذي هو محرم و مصداق لمعصية الخالق أيضا.

و قد أجاب دام ظله بان مقتضى ذلك جواز منعه عن الفرائض اليومية أيضا، و لكنه لا يخلو عن تأمل فلاحظ.

421

الرجوع بعدهما لوجوب إتمامه حينئذ و كذا لا يجوز له الرجوع إذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع فيه من العبد (1).

____________

(1):- كما لو نذر العبد ان يتم الاعتكاف متى شرع، و كان النذر بإذن المولى و قد شرع فيه العبد، فإنه ليس له الرجوع حينئذ لكونه على خلاف حقه سبحانه، و قد عرفت انه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق.

و لا يخفى ان الكبرى و ان كانت تامة و لكن التطبيق على المثال المزبور لا يتم على المختار من ان الاعتبار في صحة النذر يكون متعلقه راجحا في ظرف العمل مع قطع النظر عن تعلق النذر به بحيث لا يكون الأمر الناشئ من قبله مزاحما لواجب أو محرم، و الا فينحل النذر حينئذ من أصله. و هذا من خصوصيات النذر و شبهه، فيعتبر في متعلقه الرجحان حينما يقع خارجا، فاذا لم يكن كذلك و لو لأمر عارض مزاحم لم ينعقد.

و عليه فلا مانع من منع المولى، لان منعه يجعله مرجوحا مع قطع النظر عن تعلق النذر، فيخرج عن موضوع وجوب الوفاء بقاءا لما عرفت من ان الأمر الناشئ من قبل النذر يعتبر فيه ان لا يكون مزاحما لواجب آخر، و منه وجوب اطاعة المولى، فكيف يرتفع به ذلك الوجوب حتى تسوغ مخالفته.

و قريب منه المثال المعروف من انه لو نذر ان يزور الحسين (عليه السلام) كل ليلة عرفة فعرضته الاستطاعة انحل النذر حينئذ، لأن تفويت الحج غير مشروع، و لا يكون النذر مشرعا و إنما يقتضي وجوب ما هو مشروع في نفسه، و حال رجوع المولى عن الاذن حال عروض الاستطاعة في انه يوجب انحلال النذر.

422

[ (مسألة 30): يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة]

(مسألة 30): يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة (1) أو لحضور الجماعة أو لتشييع الجنازة و ان لم يتعين عليه هذه الأمور و كذا في سائر الضرورات العرفية أو الشرعية الواجبة أو الراجحة سواء كانت متعلقة بأمور الدنيا أو الآخرة مما ترجع مصلحته الى نفسه أو غيره و لا يجوز الخروج اختيارا بدون أمثال هذه المذكورات.

[ (مسألة 31): لو أجنب في المسجد و لم يمكن الاغتسال فيه]

(مسألة 31): لو أجنب في المسجد و لم يمكن الاغتسال فيه وجب عليه الخروج (2) و لو لم يخرج بطل اعتكافه لحرمة لبثه فيه.

____________

و الاولى ان يمثل لهذه الكبرى اعني عدم جواز الرجوع فيما إذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع بالإجارة المشروطة فلو استؤجر العبد بإذن المولى للاعتكاف و اشترط عليه الإتمام متى شرع فيه فإنه ليس له الرجوع حينئذ عن الاذن لوجوب الإتمام بمقتضى عقد الإيجار و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، و لا يناط هذا الوجوب بالرجحان في ظرف العمل كما كان كذلك في النذر كما هو ظاهر.

(1):- تقدم الكلام حول هذه المسألة و قلنا انه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الحاجة، بل يعتبر كونها مما لا بد منها و لو عرفا التقييد بذلك في بعض النصوص، كما انه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الأمر الراجح من حضور مجلس تعزية أو فاتحة و نحو ذلك. نعم دل الدليل على الجواز في موارد خاصة مثل تشييع الجنازة و نحوه مما تقدم فيقتصر عليها و لا يتعدى عنها.

(2):- بل وجب و ان أمكن الاغتسال حال المكث الا ان لا يزيد

423

..........

____________

زمانه على زمان الخروج فيجوز للعفو عن البقاء هذا المقدار بحكم الاضطرار كما تقدم سابقا. بل قد يشكل الخروج حينئذ لعدم الضرورة المسوغة.

و كيفما كان فمتى وجب عليه الخروج و لم يخرج فقد حكم في المتن ببطلان الاعتكاف لحرمة لبثه فيه.

و لكنه لا يتم على إطلاقه فإن هذا المكث و ان حرم و لا يكون جزءا من الاعتكاف جزما، لان الحرام لا يكون مصداقا للواجب، إلا أن البطلان لا بد و أن يستند الى احد أمرين:

اما الإتيان بمانع أو ترك جزء أو شرط عمدا، و قد يكون لغير العمد أيضا، و الا فالبطلان بلا سبب غير معقول.

اما المانع فلم يتحقق ضرورة أن ارتكاب الحرام لا يوجب البطلان فلو اغتاب أو افترى أو كذب أثناء اعتكافه أو ارتكب محرما آخر و منه المكث في المسجد جنبا لم يقدح ذلك في صحة الاعتكاف قطعا، و ان كان آثما لعدم تقيد الاعتكاف بعدم هذه الأمور و هذا واضح.

و اما ترك الجزء ففيه تفصيل: و توضيحه ان الأمر الوحداني المتعلق بالاعتكاف و المكث في المسجد ثلاثة أيام قد خصص من الأول بمقدار الحاجة الى الخروج و هو زمان الاغتسال بمقدماته من تحصيل الماء أو تسخينه أو الذهاب الى الحمام و نحو ذلك مما يتوقف عليه الغسل.

فليفرض انه يستوعب من الزمان مقدار نصف ساعة، فهذا المقدار مستثنى من الثلاثة و لا جزئية له فلا يجب المكث فيه، بل يحرم.

و عليه فلو فرضنا انه لا يفرق الحال بالنسبة الى هذا المقدار بين الخروج و عدمه لمساواتهما في عدم ارتفاع الجنابة قبل ذلك، كما لو فرضنا انه معتكف في مسجد الكوفة و لا بد من تحصيل الماء من الشط اما ان يذهب بنفسه أو يبعث من يجيء به، و على التقديرين يستوعب

424

[ (مسألة 32): إذا غصب مكانا من المسجد سبق اليه غيره]

(مسألة 32): إذا غصب مكانا من المسجد سبق اليه غيره بان ازاله و جلس فيه فالأقوى بطلان اعتكافه (1) و كذا إذا جلس على فراش مغصوب.

____________

من الوقت مقدار نصف الساعة، فلو اختار الجلوس في المسجد و انتظر مجيء من أرسله لتحصيل الماء فهو لم يترك جزءا من الاعتكاف، لان المفروض ان هذا المقدار من الزمان لا يجب المكث فيه. غاية الأمر انه كان يجب عليه الانتظار خارج المسجد فخالف و ارتكب الحرام، و قد عرفت ان ارتكابه لا يوجب البطلان.

نعم لو فرضنا انه جلس في المسجد زائدا على المقدار المذكور، فبما انه فوت على نفسه الاعتكاف في المقدار الزائد من الزمان فقد ترك جزءا من اللبث الواجب اختيارا و ذلك موجب للبطلان.

فتحصل انه لا بد من التفصيل بين ما إذا كان مكثه موجبا لترك جزء من الاعتكاف عامدا، كما لو مكث أكثر من المقدار اللازم كنصف الساعة في المثال فيبطل، و بين ما إذا لم يكن كذلك إذ لم يفرق الأمر بين الخروج و عدمه في ان كلا منهما لا يزيد على نصف ساعة مثلا فلا موجب حينئذ للبطلان حسبما عرفت.

(1):- يبتني ما ذكره (قده) على ان السابق في المسجد الشاغل للمكان ذو حق بالإضافة إليه بحيث لا يجوز التصرف فيه الا بإذنه كما في الاملاك فإنه و ان لم يكن ملكا له الا انه متعلق لحق الاختصاص.

فعلى هذا يكون التصرف و المكث بغير الاذن محرما فيبطل الاعتكاف، إذ لا يقع الحرام مصدقا للواجب، فهو مفوت لجزء من الاعتكاف بإشغال المكان.

425

..........

____________

و اما لو قلنا انه لا يستفاد من الأدلة ثبوت الحق بهذا المعنى كي لا يجوز التصرف بغير الاذن و إنما الثابت عدم جواز مزاحمته لكونه أحق و اولى، فلا تجوز ازالته عن المكان و منعه عن الاستفادة، و اما بعد الإزالة و ارتكاب المعصية فالمكان باق على الإباحة للجميع من غير حاجة الى الاذن، فلا يكون المكث محرما و لا الصلاة أو الاعتكاف باطلا. فهذا هو منشأ الكلام في بطلان الاعتكاف في المقام و عدمه.

فنقول الروايات الواردة في المقام ثلاث:

إحداها ما رواه الكليني بإسناده عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: (من سبق الى موضع فهو أحق به يومه و ليله) (1).

و هي ضعيفة سندا و دلالة:

أما السند فلأجل ان محمد بن إسماعيل و ان كان ثقة لأن المعروف ممن يسمى بهذا الاسم مردد بين ابن بزيع و ابن ميمون و كلاهما ثقة، فلا اشكال من هذه الناحية. و لكنها مرسلة و هي ليست بحجة و ان كان مرسلها ثقة فإن كثيرا من الثقات لهم مراسيل و لا يعتمد عليها قطعا لأن مجرد كون الراوي ثقة لا يستوجب حجية مراسيله إلا إذا علم المراد من الواسطة من الخارج، و لم يعلم في المقام و هذا ظاهر.

و اما الدلالة فلأنها تضمنت الأحقية يومه و ليله و هذا لم يلتزم به احد من الفقهاء، بل الأحقية تدور مدار مقدار أشغال المكان من ساعة أو ساعتين أو أقل أو أكثر. نعم لو كان المكان هو السوق، فبما ان الكاسب يشتغل غالبا طول النهار فهو يستوعب اليوم و لكنه ينتهى بدخول الليل. و على اي حال فلم يثبت حق الاختصاص في

____________

(1) الوسائل باب 56 من احكام المساجد ح 1.

426

..........

____________

الليل جزما سواء أ كان هو المسجد أم السوق، ما لم يكن شاغلا المكان. فالتقييد المزبور مما لا قائل به.

الثانية ما رواه الكليني أيضا بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو أحق به الى الليل. إلخ) (1).

و ربما يستشكل في سندها بان طلحة بن زيد لم يوثق و لكن الظاهر وثاقته و ان كان من العامة. و ذلك لأجل ان الشيخ ذكر في كتاب الفهرست عند ترجمته ان له كتابا معتمدا. فان الظاهر انه لا ينبغي الشك بحسب الفهم العرفي في ان الاعتماد من جهة وثاقته لا لخصوصية في الكتاب، إذ لو لم يكن ثقة فكيف يعتمد على كتابه و إنما تعرض للكتاب لأجل ان الغالب الرواية عن أرباب الكتب فيذكرون الطرق الى تلك الكتب فالتعبير المزبور بمثابة أن يقول انه و ان كان من العامة إلا أنه ثقة يؤخذ برواياته. هذا مضافا الى وقوعه في اسناد كامل الزيارات و تفسير القمي فالسند تام و لا مجال للخدش فيه.

و كذلك الدلالة، إذ التقييد بالليل لأجل ان موضوع الكلام هو السوق و قد شبهه بالمسجد في ان السبق يوجب الأحقية. و بما ان المتعارف الخارجي قيام السوق الى الليل و اشتغال الكاسب في تمام النهار فلأجله حدده الى الليل. فليس هذا التقييد أمرا زائدا على ما يقتضيه نفس التعارف الخارجي. فلا ينبغي ان يستشكل بان الفقهاء لم يحددوه بهذا الحد، بل حددوه بالحاجة، إذ الحاجة بالإضافة إلى السوق الذي هو موضوع الكلام يقتضي التقييد بالليل كما عرفت. فالرواية تدل على ان السابق له الحق، غير ان الحق في السوق الى الليل و في المسجد

____________

(1) الوسائل باب 56 من احكام المساجد ح 2.

427

..........

____________

بمقدار الحاجة. فلا اشكال من هذه الجهة.

الرواية الثالثة:- مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (سوق المسلمين كمسجدهم) يعني إذا سبق الى السوق كان له مثل المسجد (1). و هي من حيث الدلالة أظهر من الكل لعدم التقييد باليوم و الليل. فإشكال التقييد مرتفع هنا.

و اما السند فاعتباره يتوقف على ما ذهب إليه الأكثر من ان مراسيل ابن أبي عمير كمسانيد غيره، و أول من ادعى ذلك فيما نعلم هو الشيخ الطوسي في كتاب العدة حيث ذكر جماعة كصفوان، و ابن أبي عمير و البزنطي، و قال: انا علمنا انهم لا يروون و لا يرسلون الا عن ثقة. و لأجله سوى الأصحاب بين مراسيلهم و مسانيدهم. فان تمَّ ذلك كانت الرواية معتبرة و كافية في إثبات المطلوب، و لكنه لم يتم و لم تثبت هذه الدعوى إذ لم ينسبها الى احد، و إنما هي اجتهاد من الشيخ نفسه حيث يقول علمنا من حالهم هكذا، فهو استنباط منه (قده).

و قد ذكرنا في المعجم ان الشيخ (قده) بنفسه لم يلتزم بذلك حيث روى في التهذيب رواية عن ابن أبي عمير ثمَّ قال أول ما فيها انها مرسلة. و نحن بعد التتبع عثرنا على روايات لابن أبي عمير يروي عن جمع من الضعفاء، و هكذا صفوان و البزنطي، بل قد رووا عمن لا شك في ضعفه بتضعيف الشيخ و النجاشي. و عليه فهذه الرواية ساقطة لضعفها سندا، و ان كان الاستدلال بها أولى دلالة كما عرفت.

و قد عرفت ضعف الرواية الأولى أيضا.

و العمدة في المقام رواية طلحة التي عرفت أنها نقية السند ظاهرة الدلالة، فلا بأس بالاستدلال بها.

____________

(1) الوسائل باب 17 من أبواب آداب التجارة ح 2.

428

..........

____________

انما الكلام في المراد بالأحقية فهل معناها ان هذا المكان يعامل معه معاملة الملك في انه لا يجوز التصرف فيه الا بالإذن، أو ان المراد عدم جواز المزاحمة و المنع عن الاستفادة و ان السابق اولى و أحق بأن يستفيد؟؟ لا ريب ان المعنى الأول يحتاج الى مئونة زائدة و قرينة واضحة بعد ان كان المكان وقفا للجميع من غير خصوصية لأحد، فإن التخصيص بواحد بلا مقتض ما لم يدل عليه دليل قاطع.

و بالجملة القدر المتيقن مما يستفاد من الأحقية هو عدم جواز المزاحمة و الإزالة عن المكان. و اما بعد الإزالة و ارتكاب المعصية فلا تعرض في الرواية لجهة تصرفه أو تصرف غيره فيه. فلو أزال أحدا عن المكان ثمَّ جلس فيه شخص ثالث أ فهل يحتمل بطلان تصرفه لكونه في حكم الملك للسابق يتوقف على اذنه؟ لا يقول بذلك احد قطعا، فإنه لو تمَّ فهو خاص بالمزاحم.

و بالجملة فلا دليل على حرمة المكث، بل المكان باق على وقفيته الأصلية.

و نظير هذا ما ذكرناه في باب أولوية الولي في الصلاة على الميت و قلنا ان ما ورد من ان أولى الناس بميراثه اولى الناس بالصلاة عليه ليس معناه انه لا يجوز لغير الولي ان يصلى على الميت، بل المراد عدم جواز مزاحمته في الصلاة و انه اولى بذلك، و الا فالوجوب الكفائي ثابت لجميع المكلفين.

و كيفما كان فاستفادة ثبوت الحق للشاغل السابق بحيث يتوقف التصرف لغيره على الاذن أو رفع اليد مشكلة جدا، و لا أقل من الاجمال و القدر المتيقن عدم جواز المزاحمة حسبما عرفت.

و اولى من ذلك عدم بطلان الاعتكاف بالجلوس على الفراش المغصوب، فان الجلوس أمر و المكث أمر آخر و ان كانا متلازمين خارجا، فإن حرمة أحدهما لا تسري إلى الأخر بوجه فيبقى المكث

429

بل الأحوط الاجتناب عن الجلوس على ارض المسجد المفروش بتراب مغصوب على وجه لا يمكن ازالته (1) و ان توقف على الخروج خرج على الأحوط و اما إذا كان لابسا لثوب مغصوب أو حاملا له فالظاهر عدم البطلان.

____________

الذي يتقوم به الاعتكاف على ما كان عليه من الإباحة. فحال الجلوس المزبور حال اللباس المغصوب الذي التزم هو (قده) فيه بعدم البطلان لعدم سراية حرمة اللبس الى المكث المعتبر في الاعتكاف فإنهما من واد واحد. فكما ان الفرش يحرم الجلوس عليه كذلك اللباس يحرم لبسه، و كل منهما مغاير مع المكث الذي يتقوم به الاعتكاف، فلا وجه لسراية الحرمة إليه، كما لعله ظاهر جدا.

فلا وجه لما صنعه في المتن من التفرقة بينهما، بل كل من الجلوس و اللبس حرام مستقل و كلاهما أجنبي عن المكث الاعتكافي و ان تقارنا خارجا فلا تسرى الحرمة منهما اليه بوجه، بل كل يبقى على حكمه حسبما عرفت.

(1):- اما إذا أمكن الإزالة فحكمه حكم الفراش المغصوب، و قد تقدم.

و اما إذا لم يمكن كما لو صب فيه من السمنت و نحو ذلك بحيث لا يقبل القلع و لا يمكن الرد الى المالك فكان في حكم التالف في انه لا ينتفع به و ان قلع و رفع فقد ذكرنا في بحث المكاسب ان ما يعد من التالف يخرج بذلك عن المالية و الملكية بطبيعة الحال الا انه متعلق لحق المالك فلو تلفت دابة زيد أو كسر كوزه فقد سقطت عن المالية و ارتفعت الملكية. غاية الأمر ان هذه الأجزاء التالفة متعلق لحق المالك. و نتيجة ذلك انه لا يجوز لأحد مزاحمته في الاستفادة منها الصرف في المزرعة

430

[ (مسألة 33): إذا جلس على المغصوب ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو مضطرا]

(مسألة 33): إذا جلس على المغصوب ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو مضطرا لم يبطل اعتكافه (1)

____________

و نحوها، و اما عدم جواز التصرف فيها بغير الاذن فكلا، لان ذلك من آثار الملكية المفروض انتفاؤها. و على ذلك بنينا حكم الشوارع المستحدثة التي تنشئها الحكومة من غير رضا ملاكها اما مع العوض أو بدونه فإنه لا مانع من التصرف فيها من غير حاجة الى الاذن لخروجها عن الملكية بعد كونها في حكم التالف.

نعم لا تجوز مزاحمته لو أراد ان يستفيد منها كما عرفت.

و عليه فلا مانع من الجلوس على ارض المسجد أو الحرم المفروش بآجر أو سمنت مغصوب و لا يغلق باب المسجد بذلك فلا يجب الخروج و ان كان أحوط كما ذكره في المتن، فان ذلك كله ليس الا تصرفا في متعلق حق الغير و لا دليل على حرمته، و انما الحرام التصرف في أموال الناس لا حقوقهم، و انما الثابت عدم جواز المزاحمة مع الملاك حسبما عرفت. و لا مزاحمة في أمثال المقام كما هو ظاهر.

(1):- لو بنينا على بطلان الاعتكاف بالجلوس على المغصوب كما بنى عليه الماتن (قده) فهل الحال كذلك لو وقع عن اكراه أو اضطرار أو نسيان أو جهل؟

ذكرنا في محله ان الإكراه و الاضطرار و كذا النسيان- فيما إذا لم يكن الناسي هو الغاصب- يوجب رفع الحكم الواقعي و مقتضى ذلك التخصيص في أدلة الأحكام الأولية في صقع الواقع، فلو كان مضطرا في البقاء في المكان المغصوب أو مكرها جاز له ذلك و كان حلالا حتى واقعا، و ما من شيء حرمة اللّه الا و قد أحله عند الضرورة. فلا

431

..........

____________

مانع من الصلاة هناك، إذ المانع ليس هو عنوان الغصب، بل الحرمة المضادة للوجوب و المانعة عن صلاحية التقرب، و لا حرمة في المقام لا ظاهرا و لا واقعا حسب الفرض. كما انه يجوز التوضي بالماء المغصوب أيضا لو كان كذلك، كما لو أجبره جائر بإتلاف ماء الغير بأي نحو كان فصرفه في الوضوء.

و كذا الحال في ناسي الغصبية إذا لم يكن الناسي هو الغاصب، كما لو غصب المكان أو الماء شخص و اطلع عليه غيره ثمَّ نسي فصلى فيه أو توضأ به، فإنه يصح ذلك لحديث رفع النسيان الذي هو رفع واقعي بخلاف ما لو كان هو الغاصب فعرضه النسيان فإنه لا اثر لنسيانه حينئذ لاستناده الى سوء الاختيار.

و على الجملة ففي جميع هذه الموارد يحكم بالصحة لأن المانع انما هي الحرمة الفعلية و ان لم تكن منجزة، و ان المبغوض لا يكون مقربا، و كل ذلك منتف حسب الفرض.

و اما مع الجهل فالمعروف و المشهور انه ملحق بالنسيان و الاضطرار و لكن الأمر ليس كذلك على ما حققناه في الأصول، إذ الجهل لا يرتفع به الحكم الواقعي. فمن كان شاكا في غصبية الماء مثلا- و هو متمكن من الاحتياط- فغاية ما هناك ان يحكم عليه بالحلية الظاهرية استنادا إلى قاعدة اليد أو أصالة الإباحة. و اما الواقع فهو باق على حاله و قابل للامتثال و لو بالاحتياط، فهو حكم فعلي ثابت في حقه يتمكن من امتثاله. و معه كيف يمكن ان يكون هذا الحرام الواقعي مصداقا للواجب و مقربا من المولى بمثل صرفه في الوضوء و نحوه مع ما بينهما من التضاد.

فهذا داخل في الحقيقة في باب النهي عن العبادة، لا في باب اجتماع الأمر و النهي كما اختاره في الكفاية و عليه المشهور، بل ادعى الإجماع

432

..........

____________

- كما في مفتاح الكرامة- على صحة الوضوء بالماء المغصوب جهلا.

و لكنها بمراحل عن الواقع إذ لا موقع لدعوى الإجماع التعبدي في مثل هذه المسألة المبنية عندهم على القواعد و قد عرفت ان مقتضاها البطلان لعدم الاندراج في باب اجتماع الأمر و النهي بل هي من موارد النهي عن العبادة لكون الفعل بنفسه مصداقا للحرام الواقعي.

فليس المانع من الصحة عدم قصد القربة كما توهمه في الكفاية حتى يقال بإمكانه مع الجهل و لا الحرمة المنجزة كي يقال بارتفاعها في ظرف الجهل، بل المانع هو الحرمة الفعلية الواقعية و ان لم تكن منجزة إذ لا اثر للعلم فيما هو ملاك المانعية من امتناع كون الحرام مصداقا للواجب، و انما تختص المانعية بالحرمة المنجزة في باب التزاحم. فمع الجهل يصح سواء أ قلنا بالترتب أم لا، لأن المزاحمة لا تكون الا مع العلم، و بدونه لا مزاحمة، فلا يزاحم الواقع بوجوده مطلقا، بل بوجوده المنجز.

و اما في باب التعارض كما في المقام فالفعل بنفسه حرام واقعا، و معه كيف يقع مصداقا للواجب سواء أعلم به المكلف أم لا. و لا فرق في ذلك بين الواجب التعبدي و التوصلي لوحدة المناط. فلو أنفق على الزوجة بمال مغصوب و هو لا يعلم لا يكفي، لامتناع كون الإطعام الحرام مصداقا للإنفاق الواجب فيبقى مشغول الذمة لا محالة.

و ملخص كلامنا انه كلما كان شيء مصداقا للحرام الواقعي و كانت الحرمة فعلية و ان لم تكن منجزة و كان الاحتياط ممكنا فهذا لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب لما بينهما من التضاد في صقع الواقع، علم به المكلف أم لم يعلم فلا يكاد يمكن اجتماعهما في مورد واحد. و معه لا مناص من الحكم بالبطلان.

433

[ (مسألة 34) إذا وجب عليه الخروج لأداء دين واجب الأداء عليه أو لإتيان واجب آخر متوقف على الخروج]

(مسألة 34) إذا وجب عليه الخروج لأداء دين واجب الأداء عليه أو لإتيان واجب آخر متوقف على الخروج و لم يخرج اثم و لكن لا يبطل اعتكافه على الأقوى (1)

____________

فبناء على ما ذكره (قده) من بطلان الاعتكاف مع الجلوس على المغصوب لا يفرق فيه بين صورتي العلم و الجهل. نعم لا يبطل مع النسيان أو الاضطرار أو الإكراه و كلما يكون رافعا للتكليف الواقعي حسبما عرفت.

(1):- فان مثل هذا المكث الملازم لترك الواجب لا يضر باعتكافه، إذ لا مانع من الأمر به على نحو الترتب بأن يؤمر أولا بمزاحمة الأهم و هو الخروج، و علي تقدير الترك يؤمر بالمكث بنية الاعتكاف وجوبا أو استحبابا بناء على ما هو الصحيح من إمكان الترتب.

و لا فرق في ذلك بين القول بان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا، إذ على القول بالاقتضاء يكون النهي تبعيا من باب ان ترك احد الضدين مقدمة للضد الآخر فيكون فعله منهيا عنه، و من الواضح عدم المنافاة بين النهي التبعي و بين الأمر به على تقدير ترك ذي المقدمة، فيجري الترتب في المقام حتى على القول بالاقتضاء فضلا عن القول بالعدم كما هو الصحيح.

على انه يمكن تصحيح الاعتكاف حتى على القول بإنكار الترتب و الاكتفاء في البطلان بالنهي، بل بمجرد عدم الأمر باعتبار انه عبادة يعتبر في صحته الأمر و لا يمكن الأمر بالضدين معا و لو مترتبا.

و الوجه في ذلك انه لا شك في الصحة على تقدير الخروج. فهذا المقدار من المكث خارج عن الاعتكاف و مستثنى منه بمقتضى الأمر

434

[ (مسألة 35) إذا خرج عن المسجد لضرورة]

(مسألة 35) إذا خرج عن المسجد لضرورة فالأحوط مراعاة أقرب الطرق (1) و يجب عدم المكث الا بمقدار الحاجة و الضرورة،

____________

المتعلق بالخروج، فطبعا تبقى بقية الأجزاء تحت الأمر، و ليس في البين عدا احتمال ان يكون الخروج دخيلا في صحة الاعتكاف، و لكنه احتمال بعيد، بل لعله مقطوع العدم، إذ لا شك في عدم كونه شرطا للاعتكاف و لا جزءا منه. فاذا صح الاعتكاف على تقدير الخروج صح على تقدير عدمه أيضا و ان كان عاصيا.

و بعبارة أخرى بعد ان لم يكن عدم المكث بمقدار الخروج قادحا- بشهادة الصحة لو خرج- فيبقى احتمال كون الخروج شرطا في الصحة و هو ساقط جزما كما عرفت، غايته انه ترك واجبا أو ارتكب محرما، و لا يضر ذلك بالصحة بالضرورة فلو بقي حتى انتفى موضوع الخروج من إنقاذ غريق أو إطفاء حريق مثلا لم يكن اي موجب للبطلان. بل لا موجب حتى إذا كان المكث حراما بنفسه كما لو أجنب في المسجد و وجب الخروج للغسل فعصى و لم يخرج و لم يكن ذلك موجبا لتفويت مقدار من المكث الواجب على تفصيل تقدم سابقا، فان غايته ترك الواجب أو ارتكاب الحرام دون البطلان حسبما عرفت.

(1):- بل هو الأقوى كما عليه المشهور ظاهرا. و عن الجواهر و نجاة العباد انه عبر ب(ينبغي) الظاهر في عدم الوجوب و لا وجه له، إذ ليس معنى الخروج الذي سوغته الضرورة مجرد وضع القدم خارج المسجد ليتمسك بإطلاقه، بل معناه الكون في الخارج و انما عبر بالخروج لعدم تحققه الا به.

435

و يجب أيضا ان لا يجلس تحت الظلال مع الإمكان (1) بل الأحوط ان لا يمشي تحته أيضا،

____________

و عليه فاذا كان احد الطريقين يستوعب من الكون المزبور بمقدار عشر دقائق، و الآخر ثلاثين دقيقة فطبعا يكون مقدار عشرين دقيقة خارج المسجد من غير حاجة تقتضيه، فلا يجوز لاختصاص الجواز بالخروج بمقدار الحاجة التي تتأدى بعشر دقائق حسب الفرض و الزائد عليها ليس الا باشتهاء نفسه للتنزه و نحوه.

و على الجملة فلا يجوز اختيار أبعد الطريقين فيما إذا كان التفاوت فاحشا. نعم في التفاوت اليسير الذي لا يلتفت اليه العرف كمتر مثلا بحيث يكون الاختلاف بمقدار الثواني لا بأس باختيار الأبعد كما هو ظاهر.

و مما ذكرناه تعرف عدم جواز المكث خارج المسجد أزيد من مقدار الحاجة، فلا بد من الرجوع بعد قضائها لأن هذا هو مقتضى تخصيص الخروج بمقدار الحاجة. و قد صرح في بعض النصوص بقوله:

حتى يرجع الى مجلسه.

ثمَّ ان الخروج للحاجة الذي دلت النصوص على جوازه منزل على المتعارف بعد عدم التعرض لكيفية خاصة، فلا يعتبر الاستعجال في المشي كالركض، كما لا يجوز الإهمال و التواني.

(1):- للنهي عنه صريحا في صحيحة داود بن سرحان: (. و لا تقعد تحت ظلال حتى تعود الى مجلسك) (1).

و اما التقييد بالإمكان فلأجل قصور المقتضى عن أزيد من ذلك، إذ المذكور في صدر الصحيحة: (و ما ذا افرض على نفسي) و من البديهي أن لإنسان لا يفرض على نفسه إلا الأمر الاختياري الذي هو

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 3.

436

بل الأحوط عدم الجلوس مطلقا (1) الا مع الضرورة.

____________

تحت قدرته و إمكانه، فغير الممكن غير داخل في الفرض من أول الأمر.

ثمَّ ان صاحب الوسائل عنون الباب الثامن بقوله: (باب ان المعتكف إذا خرج لحاجة لم يجز له الجلوس و لا المشي تحت الظلال.

إلخ). ثمَّ قال: و تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس و المرور و لم يذكر في هذا الباب و لا فيما تقدم عليه ما يدل على المنع عن المشي و انما تقدم المنع عن الجلوس فقط كصحيحة ابن سرحان المتقدمة آنفا.

و أما المشي تحت الظلال فلم نجد رواية تدل على المنع عنه للمعتكف، و انما ورد ذلك في خصوص باب الإحرام، و لا ندري من أية رواية استفاد الحكم في المقام و هو اعرف بما قال.

فالظاهر ان المشي المزبور لا بأس به و ان كان تركه أحوط.

(1):- منشأ الاحتياط وجود روايتين يمكن ان يقال انهما تدلان على عدم جواز الجلوس مطلقا.

إحداهما صحيحة داود بن سرحان في حديث قال: (و لا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد الجامع إلا لحاجة لا بد منها ثمَّ لا يجلس حتى يرجع. إلخ) (1).

الثانية صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (لا ينبغي المعتكف ان يخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها ثمَّ لا يجلس حتى يرجع. إلخ) (2) حيث تضمنتا المنع عن الجلوس مطلقا.

و لكن العطف بكلمة ثمَّ في قوله: (ثمَّ لا يجلس) يستوجب ظهور الكلام في إرادة المنع بعد قضاء الحاجة و انه لا يجوز التأخير

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 1.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 2.

437

[ (مسألة 36) لو خرج لضرورة و طال خروجه]

(مسألة 36) لو خرج لضرورة و طال خروجه بحيث

____________

زائدا على مقدار الاحتياج، فلا تدل على المنع مطلقا، أي حتى قبل القضاء. و عليه فتكون أجنبية عن محل الكلام كما لا يخفى.

نعم في ذيل صحيحة الحلبي هكذا: «و لا يخرج في شيء إلا لجنازة أو يعود مريضا، و لا يجلس حتى يرجع. إلخ» من غير ان يذكر هنا كلمة (ثمَّ). و ظاهر هذه الفقرة هو المنع مطلقا قبل القضاء و بعدها تحت الظلال و غيرها و حملها على الجلوس بعد العيادة أو الجنازة بلا موجب.

و لكن لا بد من رفع اليد عن هذا الإطلاق:

اما لأجل انه خلاف المتعارف جدا فان التشييع بلا جلوس و ان أمكن و لكن العيادة بدونه غير ممكنة عادة للافتقار الى المكث عند المريض و الاستفسار عن صحنه و انتظار يقظته لو كان نائما و نحو ذلك مما يستلزم الجلوس بطبيعة الحال. فلا مناص من حمل النهي على ارادة الجلوس بعد قضاء الحاجة فيخرج عن محل الكلام كما عرفت.

و اما لأجل التقييد بالظلال في صحيحة ابن سرحان المتقدمة، فإن القيد و ان لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح الا انه يدل على عدم تعلق الحكم بالطبيعي على إطلاقه، و الا لكان القيد لغوا و بلا فائدة كما نبهنا عليه في الأصول فلو كان الجلوس مطلقا- في المقام- ممنوعا فما هو وجه الخصوصية في التقييد بالظلال، فلا جرم يحمل المطلق على المقيد لا لقانون الحمل عليه لعدم جريانه في النواهي كما لا يخفى، بل لأجل المفهوم بالمعنى الذي عرفت. إذا لا دليل على ممنوعية الجلوس على سبيل الإطلاق، بل المتيقن هو الجلوس تحت الظلال حسبما عرفت.

438

انمحت صورة الاعتكاف بطل (1).

[ (مسألة 37): لا فرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون]

(مسألة 37): لا فرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون (2) من القيام و الجلوس و النوم و المشي و نحو ذلك فاللازم الكون فيه بأي نحو ما كان.

[ (مسألة 38): إذا طلقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقا رجعيا]

(مسألة 38): إذا طلقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقا رجعيا (3) وجب عليها الخروج الى منزلها للاعتداد و بطل اعتكافها و يجب استينافه ان كان واجبا موسعا بعد الخروج من العدة و اما إذا كان واجبا معينا فلا يبعد التخيير بين إتمامه ثمَّ الخروج و إبطاله و الخروج فورا لتزاحم الواجبين و لا أهمية معلومة في البين و اما إذا طلقت بائنا فلا اشكال لعدم وجوب كونها في منزلها في أيام العدة.

____________

(1):- كما ظهر وجهه مما مر، فإن الصورة قوام العمل و من أهم الشرائط، و بانتفائها ينتفي المشروط.

(2):- لإطلاق الأدلة بعد ان كان الواجب مجرد اللبث و المكث.

(3):- اما إذا كان الطلاق بائنا أو مات عنها زوجها فلا إشكال فإنها حينئذ كسائر النساء أجنبية عن الزوج لها ما لهن و عليها ما عليهن.

و اما إذا كان رجعيا فيجب عليها الاعتداد في بيتها، و لا يجوز لها الخروج، كما لا يجوز له إخراجها ما لم تأت بفاحشة مبينة كتابا و سنة.

و من هنا قد يشكل الأمر في المقام نظرا الى ان مقتضى كونها مطلقة وجوب الرجوع الى البيت العدة، كما ان مقتضى كونها معتكفة عدم الخروج من المسجد.

439

..........

____________

و الذي ينبغي ان يقال انه لا إشكال في وجوب الرجوع فيما إذا كان الاعتكاف استحبابيا مع عدم اذن الزوج بالبقاء، أو كان واجبا موسعا كما لو وقع الطلاق في اليومين الأولين مع عدم الإذن أيضا لعدم المزاحمة حينئذ كما هو ظاهر فيبطل الاعتكاف.

كما لا ينبغي الاشكال- و ان لم يتعرض له الأكثر- في ان الاعتكاف إذا كان مع الاذن حدوثا و بقاءا يجوز الاستمرار فيه و ان كان مستحبا فضلا عن الواجب، و ذلك لأجل بعض الاخبار السليمة عن المعارض الناطقة باختصاص النهي عن الخروج من البيت بما إذا كان بغير اذن الزوج. و اما مع الاذن فيجوز لها الخروج. إذا فإذا فرضنا اذن الزوج بالبقاء في المسجد و كونها خارج البيت فلا مانع حينئذ من صحة اعتكافها.

و يؤيده ما دل من الاخبار على جواز حج الرجعية مع الاذن حتى الحج الاستحبابي. فالخروج مطلقا مع الاذن منصوص و كذلك الخروج لخصوص الحج و حال الاعتكاف حال الحج في انه مع رضاء الزوج لا ينبغي ان يستشكل في جوازه لإطلاق الاخبار و عدم المعارض كما عرفت.

إنما الكلام في صورة واحدة و هي ما لو كان الاعتكاف واجبا معينا كما في اليوم الثالث، أو كان واجبا بسبب آخر كالإجارة و نحوها و قد منع عنه الزوج فإنه يجب الرجوع الى البيت للاعتداد بمقتضى تلك الاخبار. كما انه يجب البقاء في المسجد للاعتكاف بمقتضى إطلاق دليله فيقع الإشكال في تقديم احد الدليلين بعد وضوح امتناع الجمع بين الأمرين.

و السيد الماتن (قده) أدرج المقام في الواجبين المتزاحمين من غير أهمية معلومة في البين و من ثمَّ حكم بالتخيير.

و هذا منه (قده) مبني على ما يظهر من غير واحد بل لعله

440

..........

____________

المشهور من ان الاعتداد في البيت و عدم الخروج بغير الاذن من أحكام العدة.

و اما لو أنكرنا ذلك و بنينا على ان هذا من أحكام الزوجية لا من أحكام العدة، نظرا الى ان المعتدة رجعية زوجة حقيقة لا انها بحكمها و ان حال هذا الطلاق حال البيع في الصرف و السلم. فكما ان الإنشاء من الآن و لكن إمضاء الشارع منوط بالقبض و به يتم البيع، فكذلك الطلاق ينشأ من الآن و لكن الفراق و البينونة لا تحصل الا بعد انقضاء العدة، و قبله ليس الا مجرد إنشاء محض مع بقاء جميع آثار الزوجية من جواز النظر و الكشف و التزيين و التمكين حتى ان الزوج لو قاربها معتقدا ان هذا زنا محرم لم يقع زنا بل يتحقق به الرجوع كما استفدنا ذلك من الرواية المعتبرة الناطقة بأنه (إذا انقضت العدة فقد بانت). فحرمة الخروج من البيت بغير الإذن الثابتة للزوجة ثابتة للمعتدة أيضا بمناط واحد و هو وجوب اطاعة الزوج من غير ان يثبت للمعتدة بما هي كذلك حكم خاص.

فعلى هذا المبنى- و هو الصواب- لا مزاحمة في البين لينتهي الأمر إلى التخيير، إذ ليس للزوج المنع عن الاعتكاف الواجب، و لا عن غيره من سائر الواجبات لما ثبت من انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. و في بعض الاخبار ان المعتدة تخرج للحج و لشهادة الحق من غير توقف على الاذن.

و عليه فالمتعين في المقام هو الإتمام ثمَّ الخروج. نعم على المبنى الآخر الذي عليه الأكثر- كما مر- من ان الحكم المزبور من أحكام العدة تعبدا صرفا من غير ان يكون بمناط اطاعة الزوج لإنكار الزوجية الحقيقية عن المطلقة الرجعية و انما هي بحكمها في بعض الآثار فتستقر المزاحمة حينئذ. و معه لا مناص من التخيير كما أفيد.

441

[ (مسألة 39): ان الاعتكاف اما واجب معين أو واجب موسع و اما مندوب]

(مسألة 39): قد عرفت ان الاعتكاف اما واجب معين (1) أو واجب موسع و اما مندوب فالأول يجب بمجرد الشروع بل قبله و لا يجوز الرجوع عنه و اما الأخيران فالأقوى فيهما جواز الرجوع قبل إكمال اليومين و اما بعده فيجب اليوم الثالث لكن الأحوط فيهما أيضا وجوب الإتمام

____________

و ملخص الكلام أنا تارة نلتزم بان الاعتداد حكم خاص شرعي ثابت لذات العدة تعبدا من غير ان تكون الرجعية زوجة حقيقة.

و اخرى نبني على إنكار التعبد الخاص و ان ذلك من أجل انها حقيقة مصداق للزوجة لا انها بحكمها كما هو المعروف، و ان إنشاء الطلاق ما لم تنقض العدة لا اثر له و لا بينونة قبله. و لأجله لم يكن معنى الرجوع إرجاع الزوجية بعد زوالها كما هو كذلك في مثل الفسخ، بل هو رجوع عما أنشأ و ابطال لما أنشأه و الا فالزوجية بنفسها باقية حقيقة و ليست بزائلة لتحتاج إلى الإرجاع.

فعلى الأول تقع المزاحمة بين الحكمين بعد عدم نهوض ما يقتضي جواز خروج الرجعية عن البيت بغير الإذن إلا لواجب أهم، لا لمطلق الواجب و لم تثبت أهمية الاعتكاف، و احتمال الأهمية ثابت من الجانبين و لا يمكن صرف القدرة إلا في أحد الامتثالين. فلا جرم تنتهي النوبة إلى التخيير بحكومة العقل.

و اما على الثاني فالمتعين إتمام الاعتكاف و ليس للزوج المنع عنه، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و هذا هو الصحيح كما عرفت.

فما ذكره في المتن مبني على الوجه الأول دون الثاني.

(1):- الاعتكاف اما واجب أو مندوب، و الواجب اما موسع

442

بالشروع خصوصا الأول منهما.

[ (مسألة 40): يجوز له ان يشترط حين النية الرجوع متى شاء]

(مسألة 40): يجوز له ان يشترط حين النية الرجوع متى شاء (1) حتى في اليوم الثالث سواء علق الرجوع على عروض عارض أولا بل يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض،

____________

أو مضيق. اما المضيق فيتعين من الأول.

و اما الموسع و المندوب فيجوز رفع اليد عنه في اليومين الأولين، و لا يجوز في اليوم الثالث، و لا مانع من ان يكون العمل مستحبا ابتداء، و واجبا بقاءا كما في الحج و العمرة لقوله تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ. بل قيل و لو ضعيفا ان الصلاة المستحبة أيضا كذلك.

و الحاصل انه لا مانع من استحباب الابتداء و وجوب الإتمام. و قد تقدم شطر من الكلام حول هذه المسألة في المسألة الخامسة فلاحظ.

(1):- هذا الحكم في الجملة مما لا اشكال فيه و لا خلاف، و قد دلت عليه الروايات المتظافرة.

و انما الإشكال في مقامين:

أحدهما هل يختص الحكم باليومين الأولين أو انه يعم الثالث أيضا فله أن يفسخ فيه؟ فيه كلام.

فقد نسب الى الشيخ في المبسوط منعه فيه نظرا الى وجوبه حينئذ و عدم جواز رفع اليد عنه. و مثله لا يقع موردا الشرط.

و لكنه كما ترى فإن عمدة المستند في وجوب اليوم الثالث انما هي صحيحة محمد بن مسلم (1) و هي في نفسها مقيدة بعدم الاشتراط قال

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب الاعتكاف ح 1.

443

..........

____________

(عليه السلام): (و ان أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له ان يفسخ.

إلخ). و اما اليومان الأولان فله الفسخ بدون الشرط الا ان يكون قد اشترط الاستمرار كما أشير إليه في هذه الصحيحة. و منه تعرف ان فائدة الشرط لا تظهر إلا في اليوم الثالث.

نعم لا يبعد ظهورها فيما لو شرع في الاعتكاف مترددا في الإتمام حيث لا يسوغ له ذلك فيه و لا في غيره من العبادات الا بعنوان الرجاء كما لا يجوز الايتمام مع التردد في الإتمام و ان ساغ له الانفراد لو بدا له و اما في المقام فيجوز مع الشرط حتى عن نية جزمية.

و كيفما كان فما ذكره الشيخ من التخصيص بالأولين و المنع عن الثالث لم يعلم وجهه ابدا.

ثانيهما هل يختص اشتراط الرجوع بصورة وجود العذر أو له ان يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض؟

نسب الأول إلى جماعة و لكنه أيضا لا وجه له. بل الظاهر جواز الاشتراط مطلقا كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ان مفهومها جواز الرجوع مع الشرط، و هو مطلق من حيث العذر و عدمه.

نعم استدل للاختصاص بالعذر بروايتين: إحداهما صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: (و ينبغي المعتكف إذا اعتكف ان يشترط كما يشترط الذي يحرم) (1). و معلوم ان المحرم يشترط الإحلال مع العذر و انه يتحلل عند ما حبسه اللّه.

الثانية موثقة عمر بن يزيد- و قد تقدم غير مرة صحة طريق الشيخ الى ابن فضال- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (و اشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب الاعتكاف ح 1.

444

و لا يجوز له اشتراط جواز المنافيات كالجماع و نحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله (1) و يعتبر ان يكون الشرط المذكور حال النية (2) فلا اعتبار بالشرط قبلها أو بعد الشروع فيه و ان كان قبل الدخول في اليوم الثالث،

____________

عارض ان عرض لك من علة تنزل بك من أمر اللّه تعالى) (1).

و هي أوضح دلالة من الاولى في الاختصاص بالعذر.

و لكن شيئا منهما لا يستوجب تقييدا في إطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدمة، إذ هما في مقام الأمر الاستحبابي بهذا الشرط و انه يستحب ان يشترط هكذا كما يقتضيه التعبير ب(ينبغي) في الاولى و الأمر بالشرط في الثانية فليكن المستحب كذلك. و اما الصحيحة فهي في مقام بيان الجواز و عدمه و انه في اليوم الثالث ان لم يشترط لم يجز الخروج و إلا جاز و لا تنافي بين الحكمين ابدا لعدم ورودهما في موضع واحد.

فغايته أن يكون موضوع الحكم الاستحبابي هو العذر، فلو تركه ترك امرا مستحبا، و اما أصل الجواز الذي تنظر إليه الصحيحة فهو مطلق من حيث العذر و عدمه.

(1):- لعدم الدليل على نفوذ مثل هذا الشرط بعد ان كان مقتضى الإطلاقات حرمة المنافيات شرط أو لم يشترط، و المتيقن من النفوذ هو اشتراط الفسخ فيرفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار كما مر و يرجع في شرط جواز المنافي إلى أصالة عدم النفوذ.

(2):- كما هو الحال في الاشتراط في باب الإحرام فإن وقته وقت النية على ما نطقت به النصوص. و من المعلوم اتحاد المقامين في

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب الاعتكاف ح 2.

445

و لو شرط حين النية ثمَّ بعد ذلك أسقط حكم شرطه فالظاهر عدم سقوطه (1) و ان كان الأحوط ترتيب آثار السقوط من الإتمام بعد إكمال اليومين.

____________

كيفية الاشتراط كما دلت عليه الروايات أيضا.

مضافا الى ان هذا هو مقتضى مفهوم نفس الشرط، فإنه على ما ذكرناه في بحث الشروط من المكاسب بمعنى الارتباط، و منه شريط المساحة و قد قال في القاموس: انه إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه و من هنا ذكرنا في محله ان الوجه في عدم وجوب الوفاء بالشروط الابتدائية ليس مجرد الإجماع و ان كان محققا، بل هو عدم إطلاق لفظ الشرط عليه لعدم كونه مرتبطا بعقد أو إيقاع فلا يسمى شرطا ليشمله عموم (المؤمنون عند شروطهم) و انما هو وعد محض يستحب للمؤمن أن يفي به، فإنه كدين في عهدته كما في بعض النصوص.

و عليه ففي المقام لو اتى بالاشتراط أثناء النية فقد حصل الارتباط الملحوظ فيما بينه و بين اللّه. و اما لو كان قبل الشروع أو بعده فهو شرط ابتدائي فلا دليل على اعتباره لاختصاص الإمضاء الشرعي بالقسم الأول فقط حسبما عرفت.

(1):- هل الشرط في المقام من قبيل الحقوق القابلة للإسقاط كما في باب العقود و الإيقاعات أولا؟ فيه قولان اختار الماتن عدم السقوط، و ان كان الإتمام مع الاسقاط هو مقتضى الاحتياط الذي هو حسن على كل حال.

و ما ذكره (قده) هو الصحيح.

و الوجه فيه ما تعرضنا له في مبحث الشروط من ان حقيقة الشرط

446

..........

____________

في مثل قولنا: بعتك على أن تخيط أو على ان يكون العبد كاتبا، ليس بمعنى تعليق العقد عليه بحيث انه لم ينشأ البيع لو لا الخياطة أو الكتابة و الا كان العقد باطلا من أصله لقيام الإجماع على بطلان التعليق في باب العقود و الإيقاعات.

كما انه ليس أيضا بمعنى مجرد التزام مستقل مقارنا مع الالتزام البيعي أجنبيا عنه من غير ربط بينهما فان هذا وعد محض و ليس من الشرط في شيء كما مر آنفا. فما هو المعروف من ان الشرط التزام في التزام لا نعقله.

بل الصحيح في معنى الشرط تعليق الالتزام بالعقد بحصول الشرط من دون تعليق في نفس العقد بوجه. فينشئ البيع مثلا على كل حال و لكن الالتزام به بقاءا منوط بحصول الشرط، فالتعليق في اللزوم لا في نفس البيع و مرجعه لدى التحليل الى جعل الخيار و انه يلتزم بالبيع على تقدير الخياطة، و الا فله خيار الفسخ.

فحقيقة الشرط في هذه الموارد على ما يساعده الارتكاز العقلائي ترجع الى عدم التزام الشارط بالعقد إلا على تقدير خاص، فان التعليق في نفس العقد و إن كان باطلا كما عرفت الا انه في الالتزام الراجع الى جعل الخيار لا بأس به. فلو تخلف الشرط صح العقد و ثبت اختيار الفسخ.

و لكن هذا يتجه في خصوص العقود القابلة الفسخ.

و اما ما لا يقبله كالطلاق و النكاح و نحوهما مما كان الخيار فيه على خلاف المرتكز العرفي فضلا عن الشرعي فليس معنى الشرط فيه التعليق في الالتزام، بل معناه التعليق في نفس العقد أو الإيقاع، فيعلق المنشأ فيهما على التزام الآخر بالشرط. و لا بأس بمثل هذا التعليق الذي هو تعليق على أمر حاصل، و انما لا يجوز فيما إذا كان على أمر

447

..........

____________

مستقبل اما مشكوك أو معلوم الحصول. و اما التعليق على الأمر الحالي المعلوم الحصول كأن يقول: بعتك الدار على ان يكون فلان ابن زيد و هو كذلك فلا مانع منه. و في المقام أيضا علق المنشأ على نفس الالتزام من الطرف الآخر و قد التزم حسب الفرض، و الا فيبطل من أجل عدم المطابقة، فكان الشرط حاصلا و العقد صحيحا و نتيجته مجرد الحكم التكليفي، أعني وجوب الوفاء بالشرط بمقتضى عموم المؤمنون عند شروطهم.

و على الجملة فالشرط المعقول مرجعه الى احد هذين الأمرين، اما تعليق الالتزام الراجع الى جعل الخيار، أو تعليق المنشأ الراجع إلى الإلزام بالوفاء، و بينهما عموم من وجه، فقد يفترق الأول كما في الشرط في ضمن الطلاق أو النكاح حسبما عرفت آنفا، و قد يفترق الثاني كما في بيع العبد على ان يكون كاتبا فإنه لا يقبل الإلزام بالوفاء لخروجه عن الاختيار، فمرجعه الى جعل الخيار فقط، و قد يجتمعان كما في البيع بشرط الخياطة فإنه يتضمن الإلزام بالوفاء، و الخيار مع التخلف.

و على كلا التقديرين اي سواء رجع الى جعل الخيار أم الى ان الشارط يملك الإلزام على المشروط له، فهو شيء قابل للإسقاط بمقتضى السيرة العقلائية، مضافا الى النصوص الواردة في الموارد المتفرقة.

و لكنه يختص بما إذا كان الشرط على النحو المعهود المألوف، أعني الشرط مع اشخاص آخرين في ضمن عقد أو إيقاع حسبما مر.

و اما الشرط مع اللّه سبحانه في ضمن عبادة و هي الاعتكاف في محل كلامنا فلم يدل اي دليل على جواز إسقاطه، فإن الذي شرع له من الأول إنما هو هذا الاعتكاف الخاص. اعني ما فيه اختيار الفسخ و الرجوع. فإرجاع هذا الى اللزوم و قلبه اليه ثانيا يحتاج الى الدليل

448

[ (مسألة 41): كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيته كذلك يجوز اشتراطه في نذره]

(مسألة 41): كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيته كذلك يجوز اشتراطه في نذره (1) كأن يقول للّه علي ان اعتكف بشرط ان يكون لي الرجوع عند عروض كذا أو مطلقا و حينئذ فيجوز له الرجوع و ان لم يشترط حين الشروع في الاعتكاف فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز الرجوع لكن الأحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضا و لا فرق في كون النذر اعتكاف أيام معينة أو غير معينة متتابعة أو غير متتابعة فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور في النذر و لا يجب القضاء بعد الرجوع مع التعين و لا الاستيناف مع الإطلاق.

____________

بعد كونه مخالفا لإطلاق الصحيحة التي دلت على انه مع الشرط يجوز له الفسخ أسقط أم لا.

و بعبارة أخرى باب الشرط هنا يغاير الشرط في باب العقود، فان معناه في الاعتكاف تحديد الالتزام من الأول باعتكاف خاص، و هو الذي يجوز له الفسخ، فإسقاطه يحتاج الى الدليل و لا دليل.

بخلاف العقود فإنه يرجع اما الى جعل الخيار أو إلزام المشروط عليه و كل منهما قابل للإسقاط. و هذا هو الفارق بين البابين فلاحظ.

(1):- قد يفرض رجوع الشرط الى النذر نفسه مع كون المنذور هو الاعتكاف المطلق فيشترط في ضمن النذر ان يكون له الرجوع في ذلك الاعتكاف، و قد يفرض رجوعه الى الاعتكاف نفسه، بان يكون المنذور الاعتكاف الخاص و هو المشروط بجواز الرجوع فيه في مقابل المطلق.

449

..........

____________

لا ينبغي التأمل في ان الأول ليس محلا للكلام، و لا هو مراد للماتن، إذ لا خصوصية لنذر الاعتكاف حينئذ بل حكمه حكم نذر التصدق، أو صلاة الليل أو أي شيء آخر، إذا شرط في ذلك النذر أن يكون له الرجوع فيما يأتي به من المنذور و هذا الشرط باطل في الجميع، لكونه شرطا لأمر غير سائغ لعدم جواز الرجوع في الاعتكاف المطلق مثلا الذي هو المنذور حسب الفرض، و لا نفوذ الشرط الا فيما إذا كان متعلقه سائغا في حد نفسه، و إلا فليس الشرط مشرعا و محللا للحرام، بل يفسد بهذا الشرط الباطل النذر أيضا كما لا يخفى.

فهذا الفرض غير مراد الماتن جزما.

بل مراده (قده) الفرض الثاني أعني رجوع الشرط الى الاعتكاف بان يكون المنذور الاعتكاف الخاص و هو الذي يكون له فيه حق الرجوع اي الاعتكاف المشروط دون المطلق. فحينئذ يصح ما ذكره (قده) من نفوذ الشرط لرجوعه في الحقيقة إلى مراعاة الشرط في نفس الاعتكاف، غايته ارتكازا و إجمالا لا تفصيلا، لأنه لو اتى بالاعتكاف بعنوان الوفاء بالنذر فلا جرم كان ناويا للاشتراط آنذاك بنية ارتكازية إذ لا يكون مصداقا للوفاء إلا إذا كان حاويا لهذا الاشتراط، و الا فالاعتكاف المطلق ليس له فيه حق الرجوع، و المفروض انه نذر اعتكافا له فيه هذا الحق. فبطبيعة الحال يكون الناوي للوفاء ناويا لذلك الاشتراط، غايته ان النية ارتكازية و إجمالية و من المعلوم عدم لزوم ذكر الشرط في ضمن الاعتكاف صريحا، بل يكفى البناء عليه و الإشارة الإجمالية و هي حاصلة في المقام كما عرفت. فهو و ان لم يكن مذكورا لفظا لكنه منوي ارتكازا، فلا حاجة بعد الاشتراط في النذر الى ذكره ثانيا صريحا حين الشروع في الاعتكاف.

450

[ (مسألة 42): لا يصح ان يشترط في اعتكاف ان يكون له الرجوع في اعتكاف آخر له]

(مسألة 42): لا يصح ان يشترط في اعتكاف ان يكون له الرجوع في اعتكاف آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه (1) و كذا لا يصح ان يشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده أو عبده أو أجنبي.

____________

و لا فرق في ذلك بين ان يكون المنذور الاعتكاف المعين أو غير المعين، مع التتابع أو بدونه، فيجوز له الرجوع في الجميع كما ذكره في المتن. و معه لا يجب عليه القضاء في المعين، و لا الاستيناف في الموسع، لان ذلك هو مقتضى الوفاء بالنذر المتعلق بالاعتكاف المشروط حسبما عرفت.

(1):- لعدم الدليل على نفوذ الشرط الواقع في غير الاعتكاف الذي يراد الرجوع فيه. و مقتضى الأصل العدم سواء أوقع الشرط في ضمن اعتكاف آخر أم في ضمن عقد آخر و نحوه، أو كان الشرط في اعتكافه فسخ اعتكاف الغير فإنه لا اثر الشرط في شيء من ذلك لعدم الدليل كما عرفت. هذا و نسب الى الجواهر احتمال نفوذه عملا بعموم «المؤمنون عند شروطهم» و لكنه واضح الدفع لان العموم ناظر الى نفوذ الشرط على المشروط عليه، و ان شرط المؤمن نافذ على نفسه لغيره، و انه عند شرطه، اي ملازم معه و لا ينفك عنه، نظير قوله (عليه السلام): المؤمن عند عدته، لا أن من اشترط شيئا بالنسبة إلى شخص آخر يكون نافذا في حقه، كما لو باع داره لزيد و اشترط ان يخيط له عمرو ثوبا، فان مثل هذا الشرط غير نافذ في حق ذلك الغير قطعا.

و المقام من هذا القبيل، فان الشرط في الاعتكاف شرط على اللّه

451

[ (مسألة 43): لا يجوز التعليق في الاعتكاف]

(مسألة 43): لا يجوز التعليق في الاعتكاف فلو علقه بطل (1) إلا إذا علقه على شرط معلوم الحصول حين النية فإنه في الحقيقة لا يكون من التعليق.

____________

سبحانه و هو تعالى أمضاه بالنسبة إلى نفس هذا الاعتكاف. و اما بالنسبة إلى غيره فلا دليل على نفوذه كي يرتفع حكمه بالشرط، و العموم المزبور لا يرتبط بما نحن فيه مما هو شرط عليه سبحانه و أجنبي عنه كما لعله ظاهر جدا.

(1):- لا ريب في جواز التعليق على أمر معلوم الحصول، كما لو علق اعتكافه على ان يكون هذا مسجد الكوفة و هو يعلم انه مسجد الكوفة، فإنه في الحقيقة ليس من التعليق في شيء و ان كان كذلك صورة كما صرح به في المتن و هذا ظاهر.

و اما التعليق على أمر مشكوك فالمشهور بطلانه كما اختاره في المتن بل أرسله في الجواهر إرسال المسلمات، و هو الصحيح. لا لأجل الإجماع على البطلان ليجاب عنه باختصاص مورده بالعقود و الإيقاعات و لم ينعقد إجماع في المقام.

بل الوجه فيه ما ذكرناه عند البحث عن بطلان التعليق في العقود و الإيقاعات من مباحث المكاسب.

و ملخصه انا ذكرنا هناك ان التعليق في الأفعال الخارجية الصادرة من المكلفين كالشرب و الاقتداء و الضرب و نحو ذلك أمر غير معقول، إذ لا معنى لان يشرب هذا المائع معلقا على كونه ماء، بداهة أن الشرب جزئي خارجي دائر أمره بين الوجود و العدم، فاما ان يشرب أو لا يشرب، و مع الشرب فقد تحقق هذا المفهوم خارجا سواء أ كان

452

..........

____________

المشروب ماء أم غير ماء. فلا معنى لتعليق شربه الخارجي على تقدير دون تقدير نعم يمكن ان يكون الداعي على الشرب تخيل انه ماء فيتبين الخلاف، فيكون من باب التخلف في الداعي و الاشتباه في التطبيق.

لا من باب التعليق و التقييد.

و نحوه الاقتداء معلقا على ان يكون الامام هو زيدا فبان انه عمرو فان الاقتداء فعل خارجي اما أن يتحقق أولا و لا يكاد يتحمل التعليق و التقدير بوجه. فان هذا نظير أن يضرب أحدا معلقا على كونه زيدا فإنه لا معنى لان يتقيد حصول الضرب بتقدير دون تقدير، إذ الضرب قد حصل خارجا بالضرورة، سواء أ كان المضروب هو زيدا أم عمروا.

و بالجملة فهذه الافعال لا تكاد تقبل التعليق ابدا، و انما هي من باب الاشتباه في التطبيق و التخلف في الداعي.

كما ان الإنشاء بما هو إنشاء غير قابل للتعليق أيضا، فإنه يوجد بمجرد إبراز ما في النفس من الاعتبار فلا معنى لقوله: بعتك ان كان هذا يوم الجمعة، ضرورة انه قد ابرز اعتبار البيع خارجا، سواء أ كان اليوم يوم الجمعة أم لا، فقد تحقق الإنشاء بمجرد الإبراز من غير إناطته بشيء أبدا.

فالتعليقات في باب العقود و الإيقاعات ترجع بأجمعها إلى المنشإ دائما فإن المنشأ قد يكون هو الملكية المطلقة، و كذا الزوجية و الحرية و نحو ذلك. و قد يكون الملكية المقيدة اي المعلقة بما بعد الوفاة مثلا كما في الوصية، و نحوها الحرية المعلقة كما في التدبير فينشأ الحصة الخاصة من الملكية أو الحرية و هي الحاصلة بعد الموت. فالتعليق بهذا المعنى أمر ممكن و معقول.

453

..........

____________

و حينئذ فإن قام الدليل على صحته يلتزم به كما في الوصية و التدبير و الا فلا، كما لو قال بعتك داري معلقا على مضي شهر بحيث يكون المنشأ الملكية بعد الشهر، أو قالت المرأة: زوجتك نفسي بعد مضي شهر، فان هذا لا دليل على صحته، و لم يكن ممضى عند العقلاء، بل الإجماع قائم على بطلانه، بل لو لا الإجماع أيضا لم يحكم بصحته، لما عرفت من انه غير معهود عند العقلاء. فلا تشمله الإطلاقات، فلأجل ذلك يحكم ببطلان التعليق في باب العقود و الإيقاعات.

و هذا البيان بعينه يجري في المقام أيضا، فإن الاعتكاف اعني نفس الليث فعل خارجي لا يقبل التعليق، فلا معنى لقوله: اعتكف ان كان هذا اليوم من رجب أو يوم الجمعة و هو لا يدري بذلك لتحقق المكث و اللبث خارجا على التقديرين. فهو نظير ان يضرب أحدا على تقدير انه زيد الذي عرفت بشاعته.

كما لا معنى للتعليق بالنسبة إلى نفس الإنشاء أي إبراز الالتزام بالاعتكاف لعين ما ذكر من تحقق الإبراز على التقديرين.

فالتعليق الممكن انما يتصور في مرحلة المنشأ أعني نفس الالتزام الذي تعلق به الإنشاء فإنه قد يلتزم بالاعتكاف مطلقا، و اخرى معلقا على تقدير دون تقدير كما في سائر الالتزامات، الا انه لا دليل على صحته في المقام، فان المنصرف من الروايات لزوم صدور الاعتكاف على سبيل التنجيز و عمدتها صحيحة داود بن سرحان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) اني أريد ان اعتكف فما ذا أقول و ما ذا افرض على نفسي. إلخ؟

حيث يستفاد منها بوضوح ان المعتكف لا بد و ان يفرض شيئا على نفسه و من الواضح ان الذي يعلق لم يفرض على نفسه شيئا، بل التزم على تقدير دون تقدير. فلا يصدق انه فرض على نفسه. و لأجله يحكم بالبطلان لعدم الدليل على صحة مثل هذا الاعتكاف حسبما عرفت.

454

[فصل في أحكام الاعتكاف]

«فصل» «في أحكام الاعتكاف» يحرم على المعتكف أمور:

أحدها مباشرة النساء بالجماع في القبل أو الدبر (1)

____________

(1):- ليلا كان أو نهارا بلا خلاف فيه، بل ادعي الإجماع عليه بقسميه، و تشهد له جملة من النصوص.

منها موثقة سماعة عن معتكف واقع اهله، فقال هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان. دلت على حرمة الوقاع لكونه بمنزلة الإفطار في شهر رمضان و هو حرام.

و موثقته الأخرى عن معتكف واقع اهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان (1).

و موثقة الحسن بن الجهم قال: سألته عن المعتكف يأتي أهله؟

فقال: لا يأتي امرأته ليلا و لا نهارا و هو معتكف (2) و نحوها غيرها و في بعضها انه إذا جامع نهارا فعليه كفارتان: كفارة الصوم و كفارة الاعتكاف و في الليل كفارة واحدة، و الحكم مسلم لا خلاف فيه و لا غبار عليه. و من المعلوم ان إطلاق الجماع في هذه النصوص يشمل المخرجين.

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 2، 5.

(2) الوسائل باب 5 من أبواب الاعتكاف ح 1.