أنوار الفقاهة (كتاب الوقف)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
76 /
51

فيهما معاً و الضابط إيجاب الجناية للمال و على المختار فيتولى الشراء الموقوف عليهم إن قلنا انهم يملكون الموقوف مع احتمال أن يتولاه الحاكم لتعلق حق البطون اللاحقة به و الحاكم ولي الغائب و المعدوم و لو كان بالوقف ناظر قد صرح بنظارته لمثل ذلك تولى الشراء ذلك الناظر و لو لم يصرح له بمثل ذلك ففي شمول إطلاق النظارة لمثل ذلك بحيث لا يبعد العدم و ان قلنا ان الوقف لله تعالى مطلق أو في مكان خاص كان المتولى للشراء الحاكم الشرعي مع احتمال كونه للموقوف عليهم لعود نفعه لهم و هو احتمال ضعيف و مع تعذر الحاكم تولاه الموقوف عليهم مع احتمال تقديم عدول المؤمنين و هو أقرب و مع عدم امكان تولي الموقوف عليهم فلا شك في رجوع الولاية لعدول المؤمنين و إن قلنا بعدم انتقال الوقف عن الواقف ففي كون الولاية له أو للحاكم أو للموقوف عليه وجوه اوجهها الأول، و هل يفتقر بعد الشراء إلى صيغة الوقف للاصل و لان الوقف لا يكون وقفا من دون الصيغة القربة أو لا يفتقر بل يصير بالشراء وقفا كما يصير الرهن بذلك رهنا لأنه يغتفر في الثواني و التوابع ما لا يغتفر في الاوائل و المتبوعات وجهان أحوطهما الأول و عليه فيتولى الصيغة من يتولى الشراء و يكون حكم ما بين الشراء و الصيغة حكم الوقف و يملكه مالك الوقف على الاقوال المتقدمة و لا يجوز التصرف من بعد الشراء بل يكون محجوزاً و لو لم يف المال بشراء عبد تام

اشتري به شقصاً امتثالًا للامر بحسب الإمكان و لو زاد عن عبد اشترى بالزائد شقصاً آخر و هكذا و هل للموقوف عليهم العفو عن القصاص بحيث انهم لو عفوا لم يكن للبطون اللاحقة حق فيها و كذا لو عفوا عن الدية و الارش يحتمل ذلك لانحصار الحق الآن فيهم و تجدد استحقاق البطون اللاحقة بعد سقوط الحق بالعفو و يحتمل العدم لوجود سبب استحقاقهم حين الجناية و لتعلق حقهم على وجه الشركة مع الموجودين فلا يسقط حق واحد بعفو آخر و اسقاط حقه منه و هذا أوجه و عليه فهل للاحقين القصاص إذا عفا عنه الموجودون لاشتراكهم في استحقاقه أو ليس لهم إلا الدية تغليبا لجانب العفو و حفظا للنفس المحترمة عن الاتلاف مهما امكن وجهان و في الأخير قوة و على ما ذكرنا فلو كان الجاني عبداً فان اقتص الموجودون منه فلا كلام و ان عفوا عنه

52

كان للاحقين استرقاقه و يثبت وقفا بنفس الاسترقاق و بالصيغة وجهان على ما تقدم و هل لهم القصاص وجهان على ما تقدم و إن استرقه الموجودون ففي اختصاصهم به و لزوم جعله وقفاً لتعلق حق البطون اللاحقة به وجهان مبنيان على ما تقدم و هل يفتقر بعد الاسترقاق إلى صيغة الوقف وجهان الأول يبتنيان على ما تقدم.

الثاني و العشرون: في مباحث متعلقة بالموقوف عليه:

الأول يشترط في الموقوف عليه ذكره بنفسه أو بما ينوب عنه من جهة أو مصرف

فلو وقف و لم يذكر شيئا من ذلك بطل الوقف للاصل و لظاهر الأخبار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) و لفتوى المشهور و لظاهر الاجماع المنقول و لأن الوقف تمليك فما لم يذكر المالك بطل و لبطلان الوقف على المجهول فغير المذكور أولى و نقل عن ابن الجنيد (رحمه الله) جواز هذه صدقة لله تعالى و لم يذكر المتصدق عليه و كانت في أهل الصدقات و هو شاذ متروك و يشترط كونه موجودا أو معدوماً ممكن الوجود تابعاً للموجود كالوقف على أولاده الموجودين و ما سيوجد منهم أو من غيرهم وقف تشريك أو الوقف على اولادهم ثمّ على ما سيوجد منهم أو من غيرهم وقف ترتيب فلو كان معدوما غير ممكن الوجود كالوقف على الميت أو على ما تلده الاموات أو على العنقاء بطل منضما كان أو منفردا أو وقف تشريك أو ترتيب و كذا لو كان ممكن الوجود الا انه لم ينضم إلى موجود على وجه التشريك أو الترتيب بل كان مستقلا بالوقف فانه يبطل قطعا و يشترط كونه قابلا للملك فلا يصح الوقف على الجماد و لا على حمل و لا على عبد اما الجماد فلا اشكال فيه و أما الحمل فانه و ان كان موجودا حيا و يصح قبول وليه عنه إلا ان الظاهر منهم ان الحمل لا قابلية له للملك المنجز قبل خروجه حيا و ان صح تمليكه بغير التنجيز كالوصية و النذر إذا خرج بعد ذلك حيا و يكون الخروج كاشفا أو ناقلا و الإجماع منقول على ذلك و أما العبد فظاهرهم على عدم صحة الوقف عليه و نقل عليه الاجماع و بناه جمع على القول بملكه و عدمه فإن قلنا بملكه صح الوقف عليه و تولى القبول و القبض مولاه و ان قلنا بالعدم فلا يصح الوقف عليه و لا ينصرف إلى سيده قهرا لعدم القصد إليه و يستثنى من ذلك الوقف على العبد المعد لخدمة

53

الحضرة و المسجد و كذا الدابة كما يستثنى من الوقف على الجماد الوقف على القنطرة و المسجد و الحضرة فان ذلك كله جائز لرجوع الوقف في الحقيقة وقفا على أهل تلك المصلحة من المسلمين رجوعاً قهريا أو قصديا على ما تقدم سابقا و على كلا التقديرين فجوازه لا اشكال فيه و الاتفاق و السيرة قاضية به و لا يعارض ذلك ما ورد في المرسل عن الوقوف على المساجد قال لا يجوز فان المجوس وقفوا على بيوت النار و كذا ما ورد في الخبر الآخر و هما ضعيفان سنداً و يزيد الآخر بضعف الدلالة على ما ذكرناه و مع ذلك شاذان متروكان فطرحهما أو تنزيلهما على ارادة البيع و الكنائس من لفظ المساجد مما يعين الوقف عليه على الاثم أو على ارادة الاستفهام الانكاري من لفظ لا يجوز و يكون المقصود من ذكر التعليل بيان جوازه على المساجد بطريق اولى و حملها على الكراهة بعد اتفاق الأصحاب على الجواز و الاستحباب بعيد و يمكن حمل الكراهة على ارادة تجنب صورة اللفظ في الوقف على المساجد للبعد مما يفعله المجوس و يشترط كون الموقوف عليه مما لا يحرم عليه البر و الصدقة كالوقف على العصاة و الزناة و قطاع الطريق و شاربي الخمر لكونهم كذلك لا لكونهم من ولد آدم أو غيرها من الجهات المحللة و يشترط كونه معلوما غير مبهم و لا مردد فيه بين عام و خاص أو تشريك أو ترتيب أو بين شخصين أو كلى ملحوظا فيه نفس الطبيعة دون الفرد و لو وقع ما لا يصح الوقف عليه أو لا كان منقطع الأول و وسطا كان منقطع الوسط و اخيرا كان منقطع الاخير و حكم منقطع الوسط بالنسبة إلى ما بعده كحكم منقطع الأول و بالنسبة إلى ما قبله كحكم منقطع الاخير و الاقوى صحة منقطع الاخير مع ارادة الجنس و الاطلاق دون ما إذا اريد نفس الوقف المؤيد و كذا الاقوى صحة الوقف على ما يصح الوقف عليه إذا انضم ما لا يصح كمعدوم لا يمكن وجوده أو جماد أو ما يحرم الوقف عليه و يقضي بالتنصيف كما ان الاقوى فساد منقطع الأول للشك في شمول دليل الصحة له و للزوم إما صحة الوقف مع عدم موقوف عليه أن أجرينا الوقف على اطلاقه أو مخالفة الواقف و قصده إن اجريناه على ما يصح الوقف فقط فيخالف قوله عليه اسلام الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و العقود يتبع القصود و ما قيل انا نلتزم

54

أن هنالك موقوفاً عليه فإذا أمكن انقراضه اعتبر انقراضه فيكون انقراضه شرطاً في تجويز الانتفاع لا في نفوذ الوقف و النماء للواقف و ورثته لمنقطع الوسط و يساوي ما لا يمكن انقراضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى و إن لم يمكن انقراضه كان شرط الواقف محالا فلا يلزم اتباع شرط الوقف لأنه انما يلتزم اتباعه لو كان سائغا و اذا كان الشرط لغواً لم يبطل الوقف لوجود الموقوف عليه فينصرف إليه ضعيف جداً و ذلك لأن العقد إذا ابتنى على شرط فاسد فسد العقد بفساده و الحكم بأن الشرط إذا كان محالًا يكون لغواً فيفسد بنفسه مخالف لقواعد الشروط و قياسه على منقطع الوسط قياس باطل لأن الكلام فيه في منقطع الأول بالنسبة إلى ما بعده و وجود الموقوف عليه على غير النحو المقصود من الواقف إليه لأن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها على أن ما أمكن انقراضه لو جعل شرطاً في انتفاع الثاني و جعل النماء للواقف مدة وجوده كان بمنزلة عدم اخراج الواقف الوقف عن نفسه و هو باطل قطعاً و نقول زيادة على ذلك إن منقطع الأول ليس بمنزلة الشرط الملغى كي يمكن اسقاطه و صحة الوقف بل هو ركن من اركان الوقف لأنه موقوف عليه ابتداءً و اذا فسد ركن الوقف فسد الوقف و لا يمكن أن يقال أنه بمنزلة الوقف على ما يصح الوقف عليه و ما لا يصح فيصح في القابل دون غيره للفرق بينهما من حيث أن الوقف في الاخير قد وقع دفعة على ما يصح الوقف عليه و ما لا يصح فيمكن أن يؤثر في القابل دون غيره بخلاف الأول لأن الوقف قد انصب عليه أولا ثمّ على القابل فاذا بطل اثره في الابتداء لم يمكن أن يؤثر في الاستدامة لابتنائها على الابتداء و بهذا يظهر ضعف من حكم بصحة الوقف المنقطع الأول استناداً للاصل و إلى انه بمنزلة ضم صحيح إلى فاسد فيصح فيما يصح و يفسد فيما يفسد و وجه الضعف ما عرفت من انقطاع الأصل و من الفرق بين الضميمتين من إمكان القول بالصحة هناك دونه هنا و على القول بالصحة فهل تصرف منفعة الوقف في الحال إلى من يصح في حقه أو ترجع إلى الواقف أو تصرف في وجوه البر أو يفرق بين ما يمكن انقراضه كالعبد و شبهه فيصرف إلى الواقف أو إلى الفقراء أو المساكين لخروجه عن ملك الواقف في الجملة و بين ما لا يمكن انقراضه كالوقف على ميت أو

55

مجهول ابتداءً فيصرف إلى من يصح الوقف في حقه وجوه و التفصيل على القول بالصحة قريب.

الثاني: إذا وقف على ما ينقطع عادة فاتفق انقطاعه و لم يكن الواقف عالماً بانقطاعه و لا قصده

و كذا لو وقف على جهة فبطل رسمها كما إذا وقف على مدارس أو مساجد فاضمحلت اضمحلالا لا يرجى عوده و كذا لو وقف وقفا امتنعت منفعتها كما إذا وقف مسجداً أو مدرسة فخربت البلد خرابا لا يرجى عوده أو وقف قنطرة فذهب الماء ذهابا لا يرجى عوده أو غير ذلك فإنه في ذلك كله لا يبطل الوقف و لا يعود إلى الواقف منه شيء بل تصرف منافعه في وجوه البر فللحاكم أن يؤجر المسجد و المدرسة لانتفاع آخر و يأخذ الاجرة و يصرفها في وجوه البر و كذا له أن يأخذ نما الوقف على كل مصلحة بطل رسمها فيصرفه في وجوه البر و نسب ذلك إلى المشهور بل ربما يظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه و ان غيره شاذ نادر و علل بخروجه عن ملك الواقف و صرفه في وجوه البر أقرب للغرض الاصلي و انسب إليه و ربما يؤيده ما ورد في الوصية و النذر المعين كالخبر فيمن أوصى بوصية و لم يحفظ الوصي إلا باباً واحداً كيف يصنع بالباقي فوقع (عليه السلام): (الابواب الباقية اجعلها في البر). و في آخر فيمن اوصى بمال يحج به عنه فلم يسمع فتصرف فسئل الامام (عليه السلام) فقال: (إن كان لا يبلغ أن يحج من مكة فليس عليه ضمان) و في جملة من الأخبار ما يدل على ان ما أوصى به للكعبة أو كان هدياً أو نذراً يباع إن كان جارية و نحوها و إن كان دراهم صرفت في المنقطعين من زوارها و على كل حال فالحكم في الجملة لا إشكال فيه إنما الاشكال في لزوم صرفه في الاقرب إلى تلك المصلحة من وجوه البر فالاقرب فيصرف وقف المسجد و نمائه و أجرة المسجد و منافعه في مسجد آخر و كذا المدرسة و القنطرة و الحمام و غيرها أو عدمه وجهان:

و وجه الأول: الاحتياط في مال الغير و عدم جواز التصرف فيه غير المقطوع به و لأنه أقرب إلى غرض الواقف فينبغي اتباعه و لأن الواقف كان الغرض منه القربة

56

و المسجدية و كونه المسجد الخاص فإذا انتفى كونه المسجد الخاص بقي إرادة المطلق و لأنه لا يترك الميسور و ما لا يدرك كله لا يترك كله.

و وجه الثاني: كما هو ظاهر اطلاقات الفقهاء بل ربما يدعي أنه المشهور هو استواء القرب كلها في عدم تناول عقد الوقف لها و عدم قصد الواقف إليها بالخصوص و مجرد المشابهة و القرب لا دخل لهما تعلقه بها و حينئذٍ فيبطل القيد و يبقى أصل الوقف من حيث القربة و لأن الخاص إذا انتفى انتفى العام ما عدا القربة بانتفائه فلا يبقى ما يلزم اتباعه و يمكن الفرق بين نماء الوقف على مصلحة خاصة فتبطل تلك المصلحة فيحكم فيه بلزوم صرفه في الاقرب فالاقرب و بين أجرة نفس الوقف إذا لم ينتفع به في تلك الجهة الموقوف عليها فيؤجر لغيرها مع ضبط حججه و طواميره فيحكم فيه بجواز صرفه في وجوه البر مطلقاً و هذا الأخير هو الاقوى.

هذا كله فيما لو كان الوقف على مصلحة لا تنقطع غالبا فاتفق انقطاعها أما لو كان على مصلحة تنقطع غالباً فالاقوى كونه كمنقطع الاخير يعود ملكها للواقف مع احتمال صرفه في وجوه البر لأن الوقف على المصلحة وقف على المسلمين فلا يزال عنه معنى الدوام و ذكر المصلحة الخاصة المنقطعة بمنزلة اشتراط صرفه في الابتداء على جهة خاصة فاذا بطلت لا يبطل أصل الوقف و لو كان الموقوف على مصلحة مشكوك في انقطاعها و عدمه قوي تنزيلها منزلة المقطوع بدوامها للاستصحاب و احتمل الحكم بتنزيلها منزلة ما ينقطع غالبا لاشتراط الدوام في الوقف و الشك في الشرط شك في المشروط لأن الأصل عدم.

الثالث: لا يجوز للموقوف عليه وطء الامة الموقوفة إذا كان له شركاء في طبقته فيها

فإن فعل أثم و عليه ما عدا نصيبه من العقر للشركاء و كذا من قيمة الولد لو اولدها و عليه الحد بنسبة ما لغيره و لو انحصر الموقوف فيه فالذي يظهر من الأصحاب حرمة وطئه لها و إن قلنا إن الموقوف عليه يملك الوقف و ذلك لأن ملكه غير تام لتعلق حق البطون اللاحقة فلو وطأها فقد عرضها للإتلاف لاحتمال صيرورتها أم ولد له فيحرم وطؤه لها و هل تحرم باقي الانتفاعات من اللمس و لتقبيل فيه وجهان، و ظاهر التعليل

57

العدم ثمّ لو وطأها و فعل حراماً كان الولد حراً إلا انه مالك و وطؤه ليس من الزنا و ليس عليه حد و لا قيمة الولد لأنه من النماء و نماء الموقوف للموقوف عليه و لا يكون الولد وقفاً كامه بناءً على لحوق ولد المملوك به في الوقفية فيجب على الواطئ حينئذٍ قيمته و يشتري بها ما ما يكون وقفا عبداً أو بعض عبد لفساد المبني عليه و لو قلنا به في المملوك لا نقول به هاهنا تغليبا لجانب الحرية و لو قلنا إن الموقوف يملكه الله تعالى أو الواقف الولد رقاً مع الوطء و في صيرورته وقفاً و عدمه وجهان: اوجههما العدم و عليه فيتحرر لانعتاقه على ابيه بملكه له و هل عليه الحد لكونه زانٍ أو ليس عليه لان الملكية و عدم الملكية شبهة حكم لكونها مورد خلاف فيدرأ بها الحد و الاظهر ثبوت الحد لان الظاهر اختصاص الشبهة التي يدرأ بها الحد بشبهة الحكم الناشئة من وقوع الخلاف و الا لزم كون كل ما فيه خلاف شبهة يسقط بها الحد و ان ترجح أحد الطرفين عند المجتهد و هو بعيد جداً و لا يجب على الموقوف عليه المهر و لا قيمة الولد لانهما من النماء الذي يعود إليه و هل تصير الامة بوطء الموقوف عليه على القول بملكه ام ولد له لعلوقها منه في ملكه فيشملها حكم امهات الاولاد أو لا تكون للشك في دخول هذا الفرد في ام الولد لان الظاهر منها كون الموطوءة ملكا تاما لا يتعلق بعينه حق آخر لا سابقا و لا لاحقا و لانها تقوم كلها على الموقوف عليه و لا شيء من امهات الاولاد ما تقوم كلها على مولاها بدليل الاستقرار لمنافاة الوقف للاستيلاد و الحق هنا تعارض ما دل على دوام الوقف و عدم تغيره و تبديله لما دل على انعتاق ام الولد فيحتمل ترجيح الاخير لان الاستيلاد مبني على السراية و التغليب كالعتق و يحتمل ترجيح الأول لسبقه فيستصحب إلى ان يثبت المزيل و لا يبعد ترجيح حكم الوقف للشك في تحقيق كونها أم ولد و على تقدير اجراء حكم امهات الاولاد عليها فهل يؤخذ من تركته قيمتها فيشتري به وقفا للبطون اللاحقة بناءً على ان عوض الموقوف تشترك فيه جميع البطون أو لا يؤخذ بناءً على ان العوض لمن كان موجود الوقف بنوته فيستحيل ثبوت العوض على نفسه لنفسه و قد يؤيد الأول ان الوطء متلف فيلزمه ضمانها في تركته كما إذا اتلف مالا غيره بل ربما قيل إنا متى حكمنا بكونها ام ولد انعتقت بموته و أخذت قيمتها من تركته

58

قولا واحدا و الفرق بين القيمة هنا و بين القيمة في غيرها عن عوض الوقف الذي يجري فيه الخلاف إذا باشره الموقوف عليه ان الوطء هاهنا قد اتلفها على البطون بعد موته فحال الاتلاف لم يكن في ملكه بخلاف ما إذا اتلفها في حياته لأنه اتلفها لنفسه و لا يستحق وارثه في القيمة شيئا لانه حال الضمان لم يكن في ملكه و قد يجاب بأنها إذا صارت ام ولد حكم عليه بقيمتها في الحال كما في وطء أحد الشريكين و لكن لما كان صرفها إلى البطون اللاحقة غير ممكن تأخر الدفع إلى امكانه و هو ما بعد الموت و لا يلزم منه تأخر الحكم بنفوذ الاستيلاد و لزوم القيمة إلى ما بعد الموت و هو حسن و قد يقال ان سبب حكم الأصحاب بعتقها و لزوم القيمة ما بعد موت الواطئ هو احتمال موت الولد في حياة الواطئ فلا يتحقق سبب العتق المقتضي لبطلان الوقف بعد لزومه و قد يجمع بين الحكمين بجعل موت الواطئ كاشفا عن نفوذ الاستيلاد من حينه جمعا بين حق الوقف و حق استيلاد عليه فلا فرق بين كون الولد من أهل الوقف و بين عدمه لنفوذ الاستيلاد حين الحمل فتعود ملكا للموقوف عليه فتعود طلقا فيكون ارثا فتنعتق من نصيب ولدها و متى قلنا بنفوذ الاستيلاد لزم اخراج القيمة بعد الموت و شراء ما يكون وقفا بدلا عن الموطوءة مشابهة لها في الصفات مهما امكن لان ما لا يدرك كله لا يترك كله و تنعتق هي من نصيب ولدها و يجوز تزويج الامة الموقوفة و متعتها و يتولى تزويجها الناظر و الا فالموقوف عليه ان قلنا بملكه و الا فالحاكم ان قلنا بانه لله تعالى و الا فالواقف ان قلنا ببقاء الوقف على ملكه و لو كانت موقوفة على جهة عامة فوليها الحاكم و المهر للموقوف عليهم على كل حال لانه من نماء الوقف و ولد الامة أيضا للموقوف عليهم إذا كان من زناً أو من عبد أو من حر مشترط عليه الرقية على القول بجوازه لانه نماؤها فيكون لهم خلافا لجمع من اصحابنا حيث جعله وقفا كالولد من المدبرة و المرهونة في التبعية و هو ضعيف و المقيس عليه ممنوع و الأصل و القواعد تقضي بخلافه و لو وطأها الحر شبهة فالولد حر على الواطئ قيمته يوم سقط حيا لاهل الوقف الموجود و لا يلزم اقامة بدله وقفا من قيمة و لو وطأها الواقف و قلنا انه لا يملك كان حكمه حكم الاجنبي.

59

الرابع: يجوز للموقوف عليه ايجار الوقف و لكن ينفسخ العقد بموت المؤجر هاهنا

و إن لم نقل إن موت أحد الأجيرين مما تنفسخ فيه الإجارة و ذلك لتعلق حق البطون بالموقوف هاهنا و تلقيهم الوقف عن الواقف دون الموقوف عليه فكان ملك الموقوف عليه كالمؤقت فلا يجوز له التجاوز عنه بخلاف الملك الحقيقي فإن الوارث إنما يتلقى عن المورث فيرث ما كان ملكاً له بعد موته و ما نفد من يده أو خرج عن ملكه لم يتعلق للوارث فيه نصيب نعم لو كان المؤجر للواقف الناظر فيه لمصلحة البطون اللاحقة أو الموقوف عليه أيضاً و لكن لا لمصلحته بل لمصلحة البطون اللاحقة حيث يكون ناظرا عليها أو الحاكم الشرعي لمصلحة الوقف العام أو الخاص الذي هو ولي عليه لا لمصلحة الموجودين من أرباب الوقف مضى عقد الإجارة في جميع ما قدمناه على البطون اللاحقة و لم يكن له فسخه و القول بمضي الإجارة تنزيلًا للواقف منزلة المالك ضعيف جداً و لا يبعد أن الانفساخ هنا بمعنى التزلزل بالنسبة إلى البطون اللاحقة فلهم أن يجيزوا العقد الأول فلا يكون باطلًا أصلًا و لهم أن يردوا فيرد المستأجر حينئذ من الأجرة المسماة مما قابل المتخلف منها بنسبة أجرة المثل للمتخلف من الماضي و لو وقعت إجارة من الناظر و لم يعلم انها لمصلحة الواقف أو الموقوف عليهم الموجودين فالاستصحاب يقضي بمضي الإجارة و أصالة عدم المانع من تصرف البطون اللاحقة في ملكهم بعد انتقاله إليهم و عدم انتقال ملكهم عنهم و عدم نفوذ عقد غيرهم في ملكهم تقضي بعدم مضيها في حقهم و أشكل منه ما لو كان المؤجر هو نفس الموقوف عليهم و لم يعلم انهم أجروا لمصلحتهم أو لمصلحة الوقف و لا يبعد ترجيع عدم لزوم الإجارة سيما في الأخير.

الخامس: لا يجوز للمسلم أو المؤمن الوقف على الكنائس و البيع لمصلحتها تعميراً و تنظيفاً أو للفرش فيهما أو للاسراج

و لا يجوز الوقف على التوراة و الانجيل كتابةً و تصحيفاً و لا على جميع كتبهم و مواضع عباداتهم كل ذلك لما فيه من الاعانة على الإثم و من تقوية كلمة الكفر و من الموادة لمن حاد الله تعالى فلا يجامع القربة المشروطة في الوقف و لما يظهر من الأصحاب بحيث قد يدعى اجماعا و لا يتفاوت الحال

60

بين القول بجواز الوقف على اليهود و النصارى و بين القول بعدمه و ما يقال انه على القول بجواز الوقف عليهم يصح الوقف على كنائسهم و بيعهم لأنه يكون في الحقيقة وقفا عليهم كما يكون الوقف على المساجد وقفا على المسلمين لا وجه له للفرق بين الوقف على المساجد من حيث كونها مصلحة محللة من مصالح المسلمين و بين الوقف على الكنائس من حيث كونها مصلحة محرمة مشتملة على اعانة الاثم و لا يجدي رجوع الوقف على الكفار فيها و الوقف عليهم جائز لاختلاف الحكم من حيث ان رجوعه إلى الكفار كان على جهة محرمة و هي تقوية دينهم و اعلاء كلمتهم فهو منهي عنه و لا يجامع القربة بخلاف الوقف عليهم لإيصال النفع اليهم دنيويا أو اخرويا لانهم من النفوس التي لا يحرم صلتها لكونها من بني آدم و لكل كبد حرى اجر و من عباد الله تعالى فانه لا باس به و لا يستلزم منع هذا فانه يجوز الوقف على المسلمين و لا يجوز الوقف على لهوهم و بيوت خمورهم و على العصاة منهم لمعصيتهم و لو تعلق غرض صحيح في الوقف على الكنائس و البيع و التوراة و الانجيل بحيث يعتد به و يكون راجحا جاز الوقف عليها.

السادس: يجوز الوقف من الكافر و المخالف على المؤمن

و على من كان مثلهما بل و على الجهات المحرمة في شرعنا كالوقف على البيع و الكنائس و التوراة و شبهها بل و على بيوت النار و نحوهها مما كان راجحاً في شرعهم كل ذلك لما ورد من الزامهم بما الزموا به انفسهم و لما دل على تقريرهم على مذهبهم من رواية أو سيرة أو اجماع و لا يتفاوت الحال في ذلك بين صدور القربة منهم حين الوقف و بين عدمه بعد أن يكون الصادر منهم وقفا في مذهبهم و لا يبتني صحة وقفه و عدمه على صدور نية القربة كما يظهر من جملة من الفقهاء و حيث ان المانع من الصحة علل المنع بعدم امكان نية القربة و المجوز علل الجواز بامكان ذلك إلا من الدهرية و المعطلة لان ابتناء ذلك على صدور نية القربة و عدمه مما يفسد الوقف منهم من اصله لان القربة الصادرة منهم فاسدة غير مقبولة لاشتراط الايمان في صحة العبادات المشروطة بالقربة فلا تكون مصححة للوقف المشروط بها ثمّ إنا لو صححنا وقفهم على مذهبهم و الزمناهم فهل يصح الدخول إليه

61

و العبور عليه في مثل كنائسهم و قناطرهم الظاهر ذلك مع الاطلاق و مع النص على كون الوقف على أهل نحلتهم و انصراف الاطلاق إلى ذلك كانصراف الوقف منهم على العلماء و الفقراء إلى علمائهم و فقرائهم فاشكال و يقوى الاشكال فيما إذا كان نص الواقف على اخراج المسلمين أو المؤمنين من الوقوف حينئذٍ فيحتمل حرمة ذلك علينا للاصل القاضي بحرمة مال الغير من دون إذنه و يحتمل الجواز لخروج الوقف في مثل ذلك عن ملكهم و صيرورته لله تعالى و نحن أحق منهم و لا يلزم اتباع شرطهم لفساده و لا يلزم من فساده فساد الوقف لصحته عندهم مع الشرط فنلزمهم بما الزموا به انفسهم و يحتمل أنه لو وقف على مثل المؤمنين و المطيعين و المصلين و نحوها اختص الوقف بنا لإرادة الواقع و ليس غيرنا كذلك واقعا سواء صدر الوقف من كافر أو مخالف و يحتمل أنه من تعارض الاسم و الاشارة.

السابع: لا يجوز الوقف من المسلم على الكافر أو المخالف لكفره و لخلافه قطعا

و هل يجوز الوقف على الكافر لغير ذلك من الجهات قيل بالجواز مطلقا و قيل بالمنع مطلقا و قيل بالمنع في الحربي دون غيره مطلقا و قيل بالمنع في الحربي إذا لم يكن رحماً و قيل بالمنع في غيره ايضاً إذا لم يكن رحماً و لو كان رحما جاز و قيل بالمنع ما لم يكن أحد الوالدين و لو كان أحدهما جاز و الاقوى عدم جوازه في الحربي مطلقاً رحماً أو غيره أباً أو غيره خاصاً كالوقف عليهم أو عاماً على جميعهم أو على جهة من جهات مصالحهم وفاقاً للمشهور بل ربما يظهر من بعضهم دعوى الاتفاق عليه و يدل على المنع ما دل على النهي عن موادَّة من يحاد الله تعالى و عن الركون إلى الظالمين و عن القرب اليهم و ما دل على الامر بالبعد عنهم و التجنب منهم و اظهار عداوتهم و البراءة منهم و الوقف عليهم مناف لذلك و حمل جميع ذلك على كون القصد في القرب و المودة و الركون هو علة أنهم كفار و محادون لله تعالى بعيد عن الظاهر و يدل على المنع ايضاً أن الوقف مبني على الدوام و عدم جواز التغيير و التبديل و هو ينافي كونه على الحربي لأنه ماله فيء للمسلمين يصح نقله و بيعه بعد قبضه لهم و لا أقل من الشك في صحة مثل هذا الوقف على هذا النحو و الأصل يقضي بفساده و شمول العمومات و الاطلاقات

62

لمثل هذا الفرد مشكوك فيه و بالجملة فالمتيقن من صحة الوقف هو ما كان الموقوف عليه قابلا للملك الدائم و التمليك كالحر المسلم و غيره مشكوك في صحته و الأصل عدمه فظهر بذلك ضعف ما يقال من ان عدم جواز تغيير الوقف من حيث هو لا ينافي جواز تغيره من حيث كون الحربي و ما يملك فيئاً للمسلمين يصح ملكه و نقله و كذا ضعف ما يقال إن الوقف على الحربي مشمول لقوله (عليه السلام): (الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و لكل كبد حرى أجر) و شمول اطلاقات ادلة الوقف و للإجماع المنقول عن الطبرسي في جواز ان يبر الرجل إلى من يشاء من أهل الحرب قرابة أو غيرها و ذلك لانصراف جميع ذلك لغير الوقف المبني على التاييد و الدوام و القربة و الرجحان و الأدلة و إن كان بينهما عموم من وجه و يمكن الجمع بينهما بحمل المنع على الموادة للحادة و الجواز على الموادة لجهة اخرى إلا ان عموم ما دل على الجواز غير شامل للوقف على الحربي إما لانصرافه إلى غيره أو لتخصيصه بما قدمناه و الأظهر جوازه على الذمي مطلقا و يزداد الجواز قوة لو كان الذمي قريبا و يزيد عليه لو كان أحد الأبوين كل ذلك لعموم بالأدلة و إطلاقات الوقف من غير معارض لأنهم قابلون للتمليك و قابلون للصلة و العطية و مالهم محترم و نفوسهم معتصمة بالذمام و لكل كبد حرا أجر و هم من بني آدم المكرمين و لاحتمال تولد مسلم منهم و لقوله تعالى: [لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] (الممتحنة آية 8) و لما دل على الحث على صلة الارحام و النهي عن قطيعة الرحم و ما دل على الحث على صلة الوالدين و الرحمة لهما و النهي عن الاعراض عنهما و الأمر بصلتهما و برهما و مصاحبتهما في الدنيا معروفاً بل قد نقل على جواز الوقف على الأقارب مطلقاً الإجماع و نسب إلى رواية بل و جميع ما دل على جواز الوقف على الأقارب شامل للمسلم و غيره خرج الحربي بما تقدم من الأدلة و بقي الباقي بل ظاهر القدماء امن الخلاف منعاً و جوازاً مطلقاً و التفصيل على ما ذكر وارد على الكافر مطلقاً من غير تقييد بكونه ذميا أو حربياً و يؤيد ذلك إجماع الطبرسي المتقدم خرج منه الحربي و بقي الباقي و لا يعارض ذلك سوى الآية المتقدمة الناهية عن موادة من حاد الله تعالى

63

و هي غير قابلة لمعارضة جميع ما تقدم فلا بد من حملها على خصوص الحربي أو على خصوص الموادة للمحادة بل ربما يدعي ظهور ذلك منها و بالجملة فمتى حصل الرجحان و صح قصد القربة في الوقف على أهل الذمة كان مشمولًا لأدلة الوقف من غير معارض سيما بالنسبة إلى الأقارب و خصوص الأبوين لقوة الأدلة الدالة على جواز صلتهما و برهما و رجحان ذلك و حصول ذلك في الوقف الخاص لا إشكال فيه و إن أشكل حصوله في الوقف العام في الجملة لبعد الرجحان و القربة بالنسبة إليه و يلحق بالكافر كل من خرج عن طريقة الحق من المخالفين و الفرق غير الاثنى عشرية على القول بالجواز و على القول بالمنع وجهان من اختصاص كثير من أدلة المنع بالكافر و من شمول التعليل بعدم الرجحان و عدم حصول نية التقرب و النهي عن موادة من حاد الله للجميع و يلحق المرتد الفطري بالحربي لعدم استقرار ملكه له على الاظهر.

الثامن: لو وقف الواقف على ذي وصف بلفظ العموم كالفقراء و العلماء

و الزوار و الحجاج و المترددين و الصلحاء انصرف ذلك العام إلى أهل نحلة الواقف و ملته مسلماً كان الواقف أو كافراً تخصيصاً للعام بالعرف و العادة القاضيين بارادة المتكلم من ذلك العام خصوص ذلك الفرد فيكون بمنزلة القرينة و شاهد الحال على ارادة الخاص من العام و ليس من باب تعارض اللغة و العرف كي تبنى المسألة على تقديم ايهما فمن قدم اللغة أخذ بالعموم و من قدم العرف أخذ بالخصوص إذ لا ندعي أن العام صار حقيقة عرفية في الخاص بل ندعي أن العام قد تخصص بالعادة و شاهد الحال و هذا غير ذلك و لو سلمنا انه من ذلك الباب لحكمنا بتقديم العرف في مثل الوصية و الوقف و نحوهما و الخلاف في تقديم ايهما إنما يختص بما إذا صدر في كلام الشارع دون ما إذا صدر من أهل العرف نفسه و هل يسري الحكم بذلك لما إذا ذكر الموقوف عليه خاليا عن الوصف كما إذا وقف على الرجال أو على بني تميم و كان منهم من أهل نحلته و منهم من ليس كذلك و مثله ما لو وقف على اولاد ارحامه و كان منهم من أهل ملته و منهم من لم يكن كذلك يحتمل الحكم بالتخصيص ايضاً عملًا بشاهد الحال و يحتمل العدم لأصالة بقاء العموم و قضاء شاهد الحال هناك لا يستلزم

64

قضاءه هنا و هذا اوجه و لو انعكس شاهد الحال فقضى بالعموم كوقف القناطر و شبهها على المترددين أو الابراد على الحجاج و نحوهم و لو لم يقض شاهد الحال بشيء حكمنا بالعموم من غير إشكال و لو قلنا إن الوقف غير جائز على الكافر اصالة فلا يبعد جوازه في مثل ذلك على الانضمام و ربما يدعى ان السيرة قاضية به و هل يصلح الحكم بحرمة الوقف على الكافر ان يكون مخصصاً للعام فيما إذا صدر لفظ شامل للكافر و المسلم و صارفاً للظاهر عن غيره يحتمل ذلك حملًا لفعل المسلم على الوجه الصحيح و تمسكاً بصحة الوقف مهما امكن أولا يصلح لأن الأصل لا يعارض ظاهر الخطاب و إلا لانفتح من ذلك ما لا نقوله من الابواب وجهان و لا يبعد الأخير و الظاهر أن أهل المذهب الخاص من الامامية كالاثنى عشرية و نحوهم ينصرف الوقف الصادر من أحدهم إلى أهل مذهبه دون غيره و لو وقف المسلم على الفقراء و لم يكن في بلده سوى الكفار و قلنا ببطلان الوقف على الكافر احتمل البطلان تقديماً للظاهر من اللفظ و احتمل الصحة و صرف الفقراء لغير فقراء أهل بلده تنزيلا لفعل المسلم على الوجه الصحيح مهما أمكن و لو وقف واقف على المسلمين انصرف إلى من صلى إلى القبلة أي اعتقد الصلاة إليها و ضابطه من أقر بالشهادتين و لم ينكر ضروريا كالخوارج و الغلاة و المجسمة و النواصب مع احتمال دخول اولئك في المسلمين و إن خرجوا عن حكمهم بانكار ضروريات من ضرورياته و يدخل في ذلك المخالفون قطعاً خلافاً لمن حكم بكفرهم و التاركون للواجبات الضرورية و المرتكبون للحرمات خلافاً لمن جعل العمل جزءاً من الاسلام و تدخل النساء و الاطفال و المجانين قضاءً لحق العرف و لو صدر الوقف من أهل ملة خاصة كالمؤمن فهل يختص بأهل ملته كلفظ الفقراء و شبهه نظرا للعرف و العادة أو لا يختص لمنع قضاء العرف بالاختصاص و منع شاهد الحال و للفرق بين الفقراء و المسلمين من حيث أن الوقف على جميع الفقراء مع تباين مقالاتهم و اختلاف آرائهم بعيد جدا بخلاف الوقف على المسلمين فإنه أمر مرغوب فيه شرعاً و تمكن عادة و الأول اقوى إلى نظر العرف لا لما عللوه من اختلاف الآراء و تباين المقالات فإنه شامل للمسلمين لافتراقهم إلى نيف و سبعين فرقة نعم لو صدر الوقف ممن

65

يرى تحريم الوقف على غير أهل نحلته احتمل انصرافه إلى أهل نحلته تصحيحا للوقف مهما امكن أو جعل ذلك بمنزلة القرينة.

التاسع: لو وقف واقف على الامامية انصرف إلى الاثني عشرية

كما هو ظاهر العرف و عليه فتوى المشهور و نقل الاجماع عليه فلا يدخل فيها اجتناب الكبائر و ما قيل بوقوع الخلاف فيه ضعيف لاختصاص ادلة مدعي دخول اجتنابها في لفظ المؤمنين دون لفظ الامامي كما سيجيء إن شاء الله و لو وقف على المؤمنين انصرف إلى الاثنى عشرية و لم يدخل فيها اجتناب الكبائر كما نسب لكافة المتأخرين و لمختار الطوسي قائلًا إنه عندنا كذلك و يساعده العرف ايضاً إلا إذا قامت قرينة على خلافه كما إذا كان مذهب الواقف خلاف ذلك و نحوه ما لو قامت قرينة على عدم ذلك كما إذا صدر الوقف من مخالف فإن الظاهر أنه لا يريد سوى المعنى الأصلي و هو التصديق بما جاء به النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فيكون مصروفاً إلى أهل نحلته بزعمه لاعتقاده أن لا مصدق سواهم و بالجملة فالايمان هو التصديق و استعمل عرفاً و شرعاً في تصديق خاص و هو التصديق القلبي بما جاء به النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و يختلف باختلاف المستعملين فإن كان المستعمل له امامياً كان الظاهر منه ارادة الامامية و إن كان مخالفا كان الظاهر منه ارادة أهل ملته و الظاهر أنه لو صدر من امامي كان منصرفا إلى من اعتقد عصمة الائمة و افضليتهم و تقديمهم على غيرهم مع امامتهم و مع عدم انكاره ضروريا من ضروريات الاسلام أو الايمان و الظاهر دخول الاقرار اللساني فيه أيضا كما يظهر من العرف و من بعض الأخبار و أما دخول اجتناب الكبائر و منها الاصرار على الصغائر على الاظهر في الايمان فهو و ان ذهب إليه جمع من اصحابنا و نطقت به الأخبار حيث أنها دلت على أن الايمان إقرار باللسان و اعتقاد بالجنان و عمل بالاركان فيكون العمل ثلاثة فالظاهر انه معنى مجازي أو مشترك اظهر افراده المعنى المعروف أو مشكك أو على افراده و أكملها الجامع للثلاثة و على كل حال فالوقف يدور مدار متفاهم العرف و اللغة بالنسبة إلى الواقف و المعنى المذكور في الأخبار لا يعرفه إلا الخواص و لا يوجد مصداقه إلا نادراً في أوحدي الناس فلا يجوز ابتناء الامور اللفظية الدائرة مدار العرف عليه نعم لو جاء الحكم من الشارع

66

معلقاً على الإيمان و المؤمن احتجنا إلى معرفة المراد منه لاشتباهه في الأخبار حيث إن المراد منها ما دلت على أنه التصديق و الاقرار و منها ما دلت على أنه هما و العمل و العرف يساعد الأول و على كل حال فتحقيق مفهومه شيء و تمييز مصاديقه بالنسبة إلى المستعمل فيه شيء آخر و حينئذٍ فمتى صدر لفظه من أحد و كان بزعمه أن مصداقه أهل مذهب خاص انصرف الوقف فيه إلى ما زعم مع احتمال انصرافه إلى ارادة الواقع فيكون المراد بالمؤمنين نحن فلو صدر الوقف على المؤمنين من مخالف كان وقفاً علينا قهراً يجوز لنا التصرف فيه و يحرم عليهم مع احتمال أنه من تعارض الاسم و الاشارة.

العاشر: لو وقف واقف على الشيعة

انصرف إلى من شايع علياً (عليه السلام) و قدمه على غيره و أقر بعصمته سواء أقر بجميع الائمة (عليهم السلام) من بعده ام لا و يدخل فيهم الامامية و الفطحية و الناووسية و الجارودية اما غير الجارودية من الزيدية كالسلمانية و التبرية و الصالحية فانه يقولون بامامة الشيخين أبي بكر و عمر فلا يكونون من الشيعة و كذا الملاحدة من فرق الاسماعيلية و خص بعضهم لفظ الشيعة في العرف المتأخر بالامامية فقط حتى ادعى أنه صار عرفية خاصة فيهم و القرشيين و كأنه حقيقة عرفية خاصة أو مجاز في التغليب مشهور و قد وقع التناول في جميع الخطابات الواردة على ذلك النحو في الكتاب و السنة بالاستقراء فيما عدا ما يخرجه الدليل و ربما يظهر الاتفاق عليه.

الحادي عشر: إذا وقف على أولاده أو بنيه اختص بالصلبيين من الاولاد

و شمل الذكر و الانثى و الخنثى مع احتمال اختصاصهم في العرف الغالب في الذكور و الاوجه الأول و لا يشمل اولاد الاولاد، اولاد البنات و كذا لو وقف على البنات اختص بالصلبيات دون بنات الاولاد و بنات البنات كل ذلك قضاء الحق العرف و اللغة و لصحة سلب الولد عن الولد فيقال ولد ولدي لا ولدي و يؤيده قوله تعالى: [وَ وَصّٰى بِهٰا إِبْرٰاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ] (البقرة آية 132) فيمن قرأ بالنصب فان يعقوب ولد الولد و العطف و العطف يقضي بالمغايرة ظاهراً فلا ينافيه ما قيل من إنه يجوز كون العطف من باب عطف الجزء على الكل كقوله تعالى [مَنْ كٰانَ عَدُوًّا لِلّٰهِ وَ مَلٰائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ] (البقرة آية 98)

67

حيث ان جبريل (عليه السلام) من الملائكة و قيل بشمول الولد لولد الولد حقيقة قضاءً لحق الاستعمال و الأصل فيه الحقيقة و كذا لف الابن و البنت ورد ان الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابنا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أن عيسى ابن آدم مع انه ولد البنت من دون اب و لإطلاق بني آدم و بني اسرائيل على الموجودين الآن و للإجماع على تحريم حليلة ولد الولد من قوله تعالى: [وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ] (النساء آية 23) و على تحريم بنت البنت من قوله تعالى: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ] (النساء آية 23) و على دفع السدس للابوين مع ولد الولد من قوله تعالى: [وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ] (النساء آية 11) و على قسمة اولاد الاولاد بالتفاوت من قوله تعالى: [يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ] (النساء آية 11) و الجواب ان الاستعمال مسلم و لكنه أعم من الحقيقة و المجاز و جميع ما جاء في الكتاب محتمل للاستعمال المجازي في الأعم و تكون قرينة حالية قد كشفت عنها الأخبار و الاجماع و محتمل الارادة الحقيقية فيجيء الاشتراك في الحكم من دليل خارجي كالسنة و الاجماع و يمكن القول بالحقيقة الشرعية لما ورد في كثير من الأخبار الخاصة في مقام الحاجة (ان ولد البنت ولد) و يمكن حملها على ارادة كونه بحكم الولد في الشرف و الرفعة و بالجملة فهنا مقامات ثلاثة:

احدها: ان ولد الولد هل يشمله لفظ الولد أم لا بل يختص بولد الصلب و كذا لفظ الابن.

الثاني: على تقدير تسليم الشمول فهل ولد البنت كولد الابن ام لا.

الثالث: هل الانتساب إلى شخص كهاشمي و تميمي يختص بمن اتصل به من الآباء أو يكفي في النسبة الاتصال به من طرف الامهات و نحن نقول في الجميع بما يحكم به العرف و المرتضى و جمع من الاخبارية خالفونا في الجميع و ادعوا صحة الاطلاق على ولد البنت أنه ولد و صحت النسبة إلى من اتصل به من طرف بناته و لو قال الواقف وقفت على اولاد اولادي اشترك اولاد البنين و البنات و الذكور و الإناث و الخناثى كلهم بالسوية لشمول لفظ الاولاد للجميع فكذا اولاد الاولاد و يقضي

68

بالاقتسام بالسوية حاق اللفظ مع عدم المرجح و القرينة و هذا كله بالنسبة إلى الطبقة الاولى من أولاد و أما الطبقات الأخر فيشكل الحال في شمولهم إلا أن يقول: ما تعاقبوا و تناسلوا و كذا يشكل الحال في شمولهم لأولاد بنات اولاد الواقف و لان ولد بنت ولد الواقف ليس من اولاد أولاده الا أن يقول: اولاد الاولاد من البنين و البنات ما تعاقبوا و تناسلوا و لو وقف على البنين و البنات لم تدخل الخناثى و لو جمعها دخلت لعدم خروجها عنهما مع احتمال كون الخنثى المشكل صنف ثالث خارج عنهما و قد يساعده العرف إذا وقف على من انتسب إليه اختص بمن به من اولاد الاولاد دون البنات و لو وقف على اقاربه انصرف إلى الاعمام و الاخوال و اولادهم ما لم يبعدوا عنه كثيراً فلا يصدق عليهم الاقارب عرفا و يخرج عنهم بحسب العرف الآباء و الأمهات و الأخوة مع احتمال دخول الأخوة و احتمال دخول الجميع نظراً لما في اللغة بعيد وقف على أقرب الناس إليه انصرف إلى الآباء و الأولاد فان لم يكونوا انصرف إلى الأخوة و الأجداد فإن لم يكونوا انصرف إلى الاعمام و الاخوال فإن لم يكونوا انصرف إلى أولادهم و هل المتقرب بسببين كأخ من أب و أم يمنع المتقرب بسبب واحد وجهان و لا يبعد العدم نعم الولد يمنع ولد الولد و الجد القريب يمنع البعيد و هكذا و لو وقف على أخواله و أعمامه تساووا في الاستحقاق و كذا لو وقف على أولاده و اخوته و كذا لو وقف على قراباته استوى الذكر و الانثى كل ذلك لظاهر اللفظ و لو وقف على عشيرته انصرف إلى الخاص من قومه و هم الادنون منه و القريبون من نسبه و هو اوسع دائرة من لفظ القرابة و اخص من لفظ القوم و نسب تفسير العشيرة بذلك للمشهور قيل و فيه رواية و لو وقف على نسله و ذريته اشترك فيه جميع من تولد منه بواسطة و بغير واسطة و لو وقف على ارحامه انصرف إلى قراباته الأدنين و في دخول الاولاد و الآباء اشكال و العرف يبعده.

الثاني عشر: لو وقف على جيرانه انصرف إلى من كانت داره قريبة لداره عرفاً

و ربما كان حده من يلي داره من جميع جوانبها إلى اربعين ذراعاً شرعياً كما نسب لجمع من الاساطين و شهد به العرف و نقل عليه الاجماع و قيل حده إلى اربعين دار

69

و دلت عليه جملة من الروايات و منها الصحيح: حد الجوار اربعون داراً من كل جانب من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و القول به شاذ مطرح مخالف للعرف و اللغة و اللفظ إنما يحمل على قصد الواقف التابع لعرفه دون ما في الأخبار و دعوى انها كاشفة عن العرف مخالف لما تراه بديهة و كونها كذلك في زمن الصدور بعيد جداً على أن الروايات موافقة لمذهب عائشة على ما نقل و من المحتمل ارادة بيان الحكم فيها لا الاسم فلا يحمل اللفظ عليه أو انه حقيقة شرعية في ذلك فيحمل عليه كلام الشارع دون كلام أهل العرف في وقف أو وصية أو أنه مجاز شرعي اطلق عليه لعلاقة بينهما فلا يجوز حمل اللفظ عليه أو انه مشترك بينهما فلا يلزم حمل اللفظ عليه بخصوصه ثمّ ان الدور إن كانت ملكا لأربابها فكل مجاور لكل و كذا لو كانت كلها مستأجرة أو كان بعضها ملكا و بعضها مستأجرة اما لو كان بعضها مستعاراً ففي تحقق الجارية اشكال و الظاهر أنه يتحقق و لو كانت كلها مغصوبة أو بعضها فإن كان مع الجهل فالاظهر التحقق و إلا فالاظهر عدمه لسقوط احترامه و يحتمل ثبوت حقه و إن فعل حراما لعدم المنافاة و يحتمل سقوط الحق منه و عدم سقوطه عليه و يلحق بالدور بيوت القصب و الشعر إن كانت منفردة و إن استدار عليها شبه الحائط احتسب العدد منه و لا يشترط في الجار فعلية السكنى فلو غاب بنية الرجوع لم يسقط حقه و لو اعرض عن سكنى تلك الدار سكن غيرها أم لا سقط حقه و لو باعها فالجوار للمشتري و لو قبل أن يسكن و لكن على اشكال و لا يبعد لزوم سكناه بعد الشراء في الجملة و لو كان له داران يتردد اليهما في السكنى كان له خياران و لو قسم السكنى عليهما مدة فمدة و كانت المدة طويلة كان كل مدة جارا لهم دون الاخرى و من وصلت الاربعون ذراعاً إلى بابا داره أو إلى حائطه خرج عن الوقف على الظاهر من وصلت إلى نصف داره أو إلى ثلثه بل و ثلثيه كان جارا و لو كان الكسر قليلا خرج على الظاهر و الظاهر ان الوقف يشمل الانثى و الذكر و المعيل الصغير و الكبير سوى المملوك و هل يقسم الحاصل على نسبة فيتساوون فيه أو على نسبة لدور ثمّ يقسم سهم كل دار إلى أهله بالسوية وجهان و لا شك ان الأول أوجه على ما قلناه من العرف أو الاذرع و على القول الآخر

70

فقسمته على الدور غير بعيدة و لو تباعدت الدور على القول باعتبارها فان كان تباعداً فاحشاً سقط حكمها على الاظهر و إلا بقي و لو انقسمت دار إلى اربعين كانت الجارية للمقسوم و يسقط حكم الدور الاولية على الظاهر و الدار من الجانب الأعلى و الأسفل و لا يسقط بها الجوار على جميع الاقوال و على القول باعتبار الدور اشكال و لم يكن للمتجاورين دور و لا شبهها فالمحكم العرف ليس الا و الظاهر أن الوقف على الجيران من الوقف الخاص الواجب فيه الاستيعاب و لكن إن كان مما لا ينقرضون غالبا لم يحتج الوقف عليهم إلى نقل إلى من لا ينقرض غالبا و إلا احتاج.

الثالث عشر: إذا وقف على قومه انصرف على المشهور

نقلا إلى أهل لغته أما مطلقا أو الذكور منهم خاصة و نسب الأول إلى رواية و بموافقتها للمشهور تكون معتبرة و نقل على الثاني الاجماع هو الاقرب إلى العرف و يحمل المطلق عليه جمعا و في قوله تعالى: [لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لٰا نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ] (الحجرات آية 11) و قوله:

أقوم آل حصن أم نساء

دلالة على اختصاصه بالذكور و قد يختص القوم بالرجال من أهل القبيلة و العشيرة و الاهل كما قال قائل:

قومي هم قتلوا أُميم اخي * * * و إذا رميت يصيبني سهمي

و ربما يساعده العرف و قد يختص بالرجال التابعين لرئيسهم السامعين لقوله و يشهد به العرف ايضاً و لا يبعد عند صدوره اليوم لا يراد إلا المعنيين الآخرين و حمله عليهما أحوط نعم قد يشكل فيما إذا كانت عشيرته أو اتباعه من غير أهل لغته فهنا يحتمل شمول اللفظ لهم تبعاً للعرف و يحتمل عدمه تبعا للمشهور في تخصيص القوم بأهل لغته و يؤيده الاجماع المنقول و الحق ان قصد الواقف إن علم اتبع و إلا فإن اختص بعرف خاص انصرف لفظه إلى رااردة و ان لم يكن هناك عرف خاص حمل على ما عليه مشهور الأصحاب لانهم الاعرف بما عليه الخطاب.

71

الرابع عشر: لو وقف على مواليه الصالح لصدقه على الاعلين المعتقين له و الادنين الذين اعتقهم

فاذا قامت قرينة صارفة عن أحد المعنيين أو عرف معين لإرادة واحد بعينه أو ظهور في أحدهما دون الآخر فلا اشكال و فيما عدا ذلك فهل يقع الوقف باطلا من اصله لإجماله أو يقع صحيحا لأصالة الحمل على الصحة فيضرب عليه بالقرعة أو يحمل على الجميع لأنه مشترك لفظي فيحمل على الجميع للحكمة أو لأنه ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرائن أو لأن الجميع يجوز استعمال المشترك فيه و تحقيق القول في ذلك أن الواقف إما أن يقف على لفظ مفرد أو جمع و على كل تقدير فالشك إما أن يقع في الوقف بعد صدوره من الواقف فلم يعلم المراد منه أو حين صدوره بمعنى أن الواقف علق الواقف على هذا الاسم من دون ملاحظة شيء بعينه فإن كان الأول و كان اللفظ مفرداً فالاوجه حمل الوقف على الصحة و ارادة الواقف منه معنى خاصاً حين الوقف و لكن لا نعرفه و حينئذٍ فطريقة القرعة أو الصلح بين المشتبهين بنحو لا ينافي الوقف ثمّ إن جوزنا استعمال المشترك في معاينة دخلت جميع المعاني في القرعة و إلا لم تدخل و احتمال الحكم ببطلان الوقف لأصالة عدم ارادة معنى معين فيكون من باب تعليق الوقف على المجمل فيبطل بعيد نعم يمكن تنزيله على ارادة الاعلى لكونه منعماً فيغلب الظن بارادة الوفاء و يكون بمنزلة القرينة و يمكن تنزيله على الادنى لافتقاره و شدة حاجته و لكونه بمنزلة من فارقه من عياله و يمكن تنزيله عليها إذا جوزنا استعمال المشترك في معنييه ملاحظة للامرين و لو جعلنا المولى مشتركاً معنويا أو قلنا ان المشترك اللفظي ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرائن حمل على ارادة الكل و لكن الأول مخالف لاهل اللغة و العرف لعدم القدر المشترك بين المعنيين و لاجماله حين الاطلاق و لنص الفقهاء و اللغويين على اشتراكهما لفظا و الثاني مخالف لمذهب الأكثر و المحققين من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه و مخالف لطريقة استعمال أهل العرف و اللغة و ان كان الثاني و كان مفردا فان قلنا ان المولى متواطئ و قلنا بصحة استعمال المشترك في الجميع و انه ظاهر فيه صح و حمل على الجميع و الا فالأوجه البطلان لمكان تعليق الوقف على مجهول عند الواقف و الوقف على المجهول

72

باطل و قد تحتمل الصحة بحمله على ارادة المعنى المجازي العام كمفهوم اللفظ أو مسماه تصحيحا للعقد مهما امكن و إن كان اللفظ مثنى أو جمعا فإن لم نشترط فيهما اتحاد المعنى فعلى الأول و هو وقوع الشك في الوقف المتقدم يحكم بصحة الوقف و يكون دائرا بين كل معنى متحد قد ثني اللفظ باعتباره أو جمع و بين ارادة الجميع فيستخرج بالقرعة و ان قلنا انه ظاهر في الثاني حمل عليه و ان قلنا إنه مشترك معنوي حمل على الجميع و إن قلنا له فرد ظاهر يكون بمنزلة القرينة على ارادة معنى معين حمل عليه و ان اشترطنا اتحاد المعنى كان حكمه حكم المفرد و الكلام فيه كالكلام فيه و يجيء الكلام في المثنى و الجمع عند تعليق الواقف الوقف على مجرد المعنى اللفظ ما يجيء في المفرد إذا جوزنا استعماله في جميع معانيه و قلنا إنه ظاهر فيها فإن قلنا بجوازه في المثنى و الجمع و ظهوره حمل عليه و الا فإن ظهور القرائن سبق ذهن الواقف لإرادة معنى خاص حمل عليه و الا فإن قلنا إنه متواطئ حمل على الجميع و الا فالاوجه بطلان الوقف من اصله لتعليقه على المجهول.

الخامس عشر: لو وقف في سبيل الله انصرف مصرفه إلى جهات القرب

و كان وقفا على المسلمين و إن لم يذكر لفظهم و لا تختص به قربة دون اخرى كما في فتوى المشهور نقلا بل تحصيلا و نقل عليه الاجماع في الوصية لان السبيل هو الطريق إليه و لا يراد به معناه الحقيقي بل الطريق إلى ثوابه و رضوانه فيشمل كل قربة و في تفسير علي بن ابراهيم ما يدل على ان السبيل هو جمع سبل الخير و خالف الشيخ (رحمه الله) في ذلك فخصه بالغزاة المطوعة دون العسكر المقاتل على باب السلطان و بالحج و العمرة و قسمه بينها اثلاثا و كذا ابن حمزة فخصه بالمجاهدين و هما شاذان و لو ضم الواقف إلى سبيل الله تعالى سبيل الخير و سبيل الثواب كان الحكم على ما تقدم و خالف فيه الشيخ (رحمه الله) فقسمه اثلاثا و جعل الغزاة و الحج و العمرة سبيل لله تعالى و الفقراء و المساكين و يبدأ باقاربه سبيل الثواب و الفقراء و المساكين و الغارمين و في الرقاب سبيل الخير و هو شاذ لا يساعده عرف و لا لغة و لو وقف على وجوه البر انصرف إلى كل ما فيه نفع عام للانام و يحتمل انصرافه لكل ما فيه ثواب و لو بصلة الأغنياء لان البر الطاعة و الخير و الإحسان

73

و لو وقف على مستحق الزكاة انصرف إلى الاصناف الثمانية و هل يجب استيعاب الاصناف و ان لم يجب استيعاب افرادها لمكان انحصارها أو لا يجب وجهان و الاول احوط و يجوز اعطاء الفقير زائدا على مئونته كما يعطي من الزكاة على الاظهر و يعطي المؤلفة لانه من مصالح المسلمين.

السادس عشر: لو وقف على أولاده

فاذا انقرضوا أو انقرض أولاده فعلى الفقراء كان الوقف على أولاده لازما مطلقا و هل يكون على اولاد الاولاد أيضا تشريكا أو ترتيبا أو لا يكون مطلقا و الظاهر على القول بدخول اولاد الاولاد في الاولاد دخولهم تشريكا و يكون الشرط في كونه للفقراء انقراضهم و على القول بعدم دخولهم احتمل دخولهم تشريكا و هو ضعيف و احتمل دخولهم ترتيبا و ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) عملا بالظاهر من اللفظ لاشتراط الواقف انقراضهم في الانتقال إلى الفقراء و لعطف الانقراض على الانقراض و كل منهما مقتضى لدخولهم في الوقف و لابتناء الوقف على الدوام و عدم دخولهم مناف للزوم الوقف لموقوف عليه فهو قرينة على ارادة الدخول و كون الوقف عليهم ترتيبا انما جاء من عطفهم على الاولاد المنقرضين فالحكم انما استفيد من اللفظ بعد الحكم بانقراض الاولين و كان استحقاقهم مرتبا على انقراض الاولين و يضعفه ضعف دلالة ما ذكره على كونه موقوفا عليه لعدم دلالته باحدى الدلالات و مجرد تصحيح اللفظ لا يكون قرينة على ارادة ما لم يذكره الواقف أو على صرف ما ذكره إلى المجاز من استعمال الاولاد فيما يشمل اولاد الاولاد بل قد

يقال ان ذكر اولاد الاولاد بعد الاولاد دليل على ان الأول لم يتناولهم و انما ذكره لاجل اشتراط ترتب استحقاق الفقراء على انقراضهم و على ما ذكر فيكون الوقف كمنقطع الوسط يكون الوقف على ما قبله حبسا و على ما بعده باطلًا و على تقدير صحته على ما بعده فالنماء المتخلل بين موت الاولاد و أولادهم هل هو لورثة الواقف ام لا اشكال ينشأ من انتقال الوقف و عدمه فإن قلنا ببقائه على ملكه فهو لورثة الواقف و إن قلنا بانتقاله إلى الله تعالى فالاوجه صرفه في وجوه البر و على القول بانتقاله للموقوف عليه يشكل أيضا من حيث انتقال الملك عن الواقف فلا يعود إليه فيكون

74

لورثة البطن الأول لانتقاله إليه فيستصحب إلى أن يعلم المستحق و من ان الوقف في حكم ملك لتلقى البطن الثاني عنه و بموت البطن الأول زال ملكه و ليس ثمّ موقوف عليه غيره إلى أن ينقرض البطن الثاني و يتمتع بقاء الملك من غير مالك فيكون لورثة الواقف و فيهما ضعف لأن ورثة الأول لا يستحقونه بالوقف لانتفاء مقتضيه و لا بالارث لان الوقف لا يورث و لانقطاع تملك مورثتهم من الوقف بموته فكيف يورث عنه و لأن خروج الملك عن الواقف يوجب عدم العود إليه و إلى ورثته إلا بسبب جديد و ليس فليس نعم لو قلنا انه حبس صح عوده إلى ورثة الواقف على وجه الملك ثمّ ينتقل عنهم إلى الفقراء و لكنه مفتقر إلى ثبت.

خاتمة في بيان أمور:

أحدها: لو اضمحل الموقوف باستيلاء الماء أو الخراب الذي لا يرجى معه العود

صرفت آلائه إلى موقوف آخر مشابه له كمسجد و مدرسة فان لم يمكن بقي وقفاً ينتفع به اربابه و لو آلت آلائه إلى الخراب بحيث لا ينتفع بها فيه و لا في غيرها فإن أمكن بيعها و كان لها قيمة بيعت و أخذ بثمنها وقفا مشابهاً مهما امكن كفراش و فراش و قنديل و قنديل فإن لم يمكن المشابه أخذ غيره و وضع فيه فإن لم يكن صرف الثمن فيه بأي نحو كان مع احتمال جواز ذلك ابتداءً لتساوي جميع المصارف بالنسبة إلى الثمن بعد أن بيعت للعين و الأظهر و الأحوط الأول اقتصارا على اليقين في التصرف بمال الغير و إن لم يمكن صرفها في ذلك الوقف صرفت في غيره مشابها له و لو دار الامر بين بيعها و صرف ثمنها في ذلك الوقف و بين الانتفاع بها في وقف آخر مشابه له فلا يبعد ترجيح الأول و لو لم يكن بيعها امكن صرفها في المشابه لزم الاحتراز عن تفويت المال من غير مقتضٍ و لو لم يمكن صرفها في وقف آخر و لا بيعها لخروجها عن التمول عاد تملكا لأرباب تلك الجهة و يكون بمنزلة نماء الوقف و قد يحتمل المنع من بيع الآلات مطلقاً و لو اضمحلت لبناء الوقف على الدوام فلا يجوز نقله و لكنه ضعيف مخالف لفتوى الأصحاب و مشتمل على تضييع المال.

75

ثانيهما: لا يجوز بيع الوقف المبني على الدوام و لا نقله مطلقاً

كما هو الظاهر من إطلاقه و المفهوم من لفظه و مصداقه و لبنائه على الدوام كما جاءت به سيرة الأنام و افعال الائمة (عليهم السلام) و لظهور الأخبار في منعه و بيان منافاة البيع و النقل و الميراث له ذاتاً و لتعلق حق البطون به فهم كالشركاء فيه فيكون التصرف فيه على وجه النقل اكل مال بالباطل و من باب الظلم و العدوان سيما لو قلنا إن ثمنه يكون للبائع لا انه يشتري به وقفا و للإجماع المنقول على المنع مطلقاً و للخبر فيمن شرى وقفاً لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في الملك و بذلك ظهر ضعف قول المجوز لبيعه إذا خيف فساده أو خرابه لخلف بين اربابه كما في قول أو بحيث لا يجدي نفعا و خيف خرابه و كانت باربابه حاجة شديدة ودعت إلى بيعه الضرورة كما في ثاني أو كان بيعه أعود كما في ثالث أو غير ذلك من الاقوال المتكثرة استناداً إلى أخبار قاصرة سنداً و دلالة و لإجماعات منقولة مضطربة معارضة بمثلها و لشهرة مركبة من مجموع الاقوال المفيدة و هي غير صالحة للحجية ما لم تكن بسيطة فلا تصلح لمقاومة ادلة المنع و يمكن حمل الأخبار على الوقف الغير المؤبد و كذا تنزيل الاجماعات أو على الوقف قبل قبضه و لو أردنا ان نختار الاخذ بها لاقتصارنا في الجواز على الجامع لجميع القيود و التزمنا بشراء وقف بثمنه تحصيلا لغرض الواقف بقدر الامكان و قد بسطنا الكلام في المقام في كتاب البيع فلا نعيده.

ثالثها: لا يجوز صرف آلات وقف في وقف آخر

لان الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و لو زاد منها شيء آخر لوقت الحاجة و استثنى من ذلك المساجد فيجوز صرف ما زاد من أحدها في الآخر لعدم المنافاة لغرض الواقف و هو أيضا لا يخلو من اشكال و على كل حال فلا يلحق به الحضرات و المشاهد و المدارس اقتصاراً على مورد اليقين و كذا لا يجوز التصرف في الوقف بما ينافي غرض الواقف و يزاحم الموقوف عليه في الجهة الموقوف عليها لحرمة التصرف بمال الغير من دون اذن بل شاهد حال الواقف يقضي بالمنع فلا يجوز الجلوس في المساجد و لمشاهد بما ينافي غرض الواقف لمنع الزائرين و المصلين و لا يجوز وضع شيء فيها بما ينافي غرضه أيضا كغرس شجرة في المساجد

76

و المشاهد أو دكان أو بناء مناف بل لا يبعد انه لو خرجت الاشجار لنفسها لزم على المستولي قلعها نعم لو سبق الزرع و الغرس و البناء على الوقف جاز ابقاؤه مطلقا على الاظهر.

رابعها: لو اندرس شرط الوقف قسم بالسوية

مع أهل العلم باصل الاستحقاق و جهل مقادير السهام لأصالة عدم التفاضل و ربما الحق به الجهل بالترتيب لأصالة عدم التقدم و التأخر و لو علم التفضيل و شك في المفضل أو علم الترتيب و شك في السابق فالقرعة أو الصلح و لو أخبر الواقف بعد وقفه و تقبيضه ففي لزوم الأخذ باخباره وجهان و لا يبعد اللزوم و لو جهل ارباب الوقف صرف في وجوه البر و يحتمل كونه مجهول المالك فيتصدق بعينه و هو ضعيف.

خامسها: يجوز قسمة الوقف عن الطلق في المشاع

و تكون القسمة مثبتة لكل منهما و لا بأس إلا أن تتضمن القسمة رداً من الوقف إلى أهل الطلق فالاظهر المنع لاستلزامه عود الموقوف طلقاً و لا يجوز قسمة الوقف مع اتحاد الواقف و الموقوف عليه بمعنى كون الموقوف عليه وقف عليه واحد بعقد واحد سواء اتحد و بعد ذلك تعدد أو كان متعدداً ابتداءً لمنافاته لغرض الواقف و لعدم شمول دليل القسمة لمثله و لتعلق حق البطون لمجموعه و للزومه لتغير الوقف و احتمال الجواز ضعيف نعم لو تنازعوا كانت لهم المهاباة و يجوز قسمة الوقف إذا تعدد الواقف و الموقوف عليه سواء وقع الوقف بصفقة واحدة أو صفقتين على الأظهر.

تم كتاب الوقف و يليه كتاب الصدقة و السكنى إن شاء الله تعالى

و الحمد لله أولا و آخراً و الصلاة و السلام على اشرف أنبيائه محمد و آله الطيبين الطاهرين.