إيضاح ترددات الشرائع - ج2

- نجم الدين جعفر بن زهدري الحلي المزيد...
191 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(ذكر ترددات كتاب النكاح)

[فى حكم أكل ما ينثر في الاعراس]

قال (رحمه اللّه): و أكل ما ينثر في الاعراس جائز، و لا يجوز أخذه الا باذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال، و هل يملك بالاخذ؟ الاظهر نعم.

أقول: يمكن أن يقال: ان الاذن في الاخذ يفيد إباحة التصرف لا التملك، و هو ظاهر كلام المتأخر، و الفرق بين الاباحة و التملك أن الاباحة يجوز الرجوع فيها ما دامت العين باقية، سواء كانت لاجنبي، أو الذي رحم يصرف فيها، أو لا بخلاف التمليك فانه لا يجوز الرجوع فيه و ان كانت العين باقية.

[فى العبارة عن الايجاب]

قال (رحمه اللّه): و العبارة عن الايجاب لفظان: زوجتك و أنكحتك. و في متعتك تردد، و جوازه أرجح.

أقول: منشؤه: النظر الى أن النكاح عصمة مستفادة من الشرع، فتقف صحتها على ما دل الشرع على الانعقاد به قطعا في الدائم، و ليس الا لفظي الزواج و النكاح

4

و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (1)، و أتبعه المتأخر.

و الالتفات الى أن اللّه تعالى قد عبر عن عقد النكاح بهذه الالفاظ الثلاثة، فيكون موضوعة له، اذ الاصل في الاطلاق الحقيقة، و هذا الدليل ذكره المصنف في المسائل الكمالية، و هو ظاهر كلام الشيخ في النهاية (2).

قال (رحمه اللّه): و لو قال: زوجت بنتك من فلان، فقال: نعم، فقال الزوج:

قبلت، صح، لان نعم يتضمن اعادة السؤال و لو لم يعد اللفظ، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن النكاح عصمة شرعية، فيقف انعقاده على وجود اللفظ الذي جعله الشارع دليلا عليه، و ليس الا الزواج و النكاح، أو المتعة على خلاف فيها.

و الالتفات الى لفظة «نعم» تقتضي اعادة السؤال، فيكون تقدير الكلام حينئذ:

نعم زوجت بنتي، و لا خلاف في الانعقاد لو أتى بذلك، فكذا الاتيان بمعناه، اذ المقصود بالذات انما هو المعنى، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (3).

و نمنع كون المعنى مقصودا فقط، بل المقصود المعنى و اللفظ معا، كما في الطلاق و غيره من ألفاظ العقود و الايقاعات، و لعل الاول أقرب، و هو ظاهر كلام المتأخر.

قال (رحمه اللّه): لا عبرة بعبارة الصبي ايجابا و قبولا، و لا بعبارة المجنون، و في السكران الذي لا يعقل تردد، أظهره أنه لا يصح و لو أفاق فأجاز.

أقول: منشؤه: النظر الى أن السكران الذي لا يعقل مساو للمجنون، فيكون حكمه حكمه.

____________

(1) المبسوط 4/ 193.

(2) النهاية ص 450.

(3) المبسوط 4/ 193.

5

و الالتفات الى الرواية المروية عن أبي الحسن (عليه السلام) (1). و هي التي أشار إليها المصنف.

[فى حكم ولاية الوصي]

قال (رحمه اللّه): و لا ولاية للوصي و ان نص الموصى على النكاح على الاظهر.

أقول: ذهب الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (2) الى ان ولاء النكاح مستفاد بالوصية، اذا كان الموصي من له ولاية على الموصى عليه، محتجا بالاصل، و لانه لا مانع منه، و بعموم قوله تعالى «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» (3).

و أيضا فلا خلاف أن له أن يوصي بالنظر في مالهما (4)، فكذلك في التزويج و الجامع بينهما ثبوت الولاية له عليهما. و ضعف هذه الادلة جميعا ظاهر، فلا حاجة بنا الى ابانته.

[فى حكم ما لو زوجها الولي بدون مهر المثل]

قال (رحمه اللّه): اذا زوجها الولي بدون مهر المثل، هل لها أن تعترض؟ فيه تردد، و الاظهر أن لها الاعتراض.

أقول: منشؤه: النظر الى أن في التزويج بدون مهر المثل ضررا على الزوجة و ربما لحقها بذلك عار، فيكون لها الاعتراض، عملا بقوله (عليه السلام) «لا ضرر و لا اضرار» (5) و لان تصرف الولي مشروط بالغبطة، و لا غبطة في التزويج بدون مهر المثل.

و الالتفات الى أن عقد الولي مأذون فيه شرعا، فلا يكون لها الاعتراض فيه.

[فى حكم ولاية الأم]

قال (رحمه اللّه): لا ولاية للام على الولد، فلو زوجته فرضي لزم العقد، و ان

____________

(1) تهذيب الاحكام 7/ 392، ح 47.

(2) الخلاف 2/ 142 مسألة 9.

(3) سورة البقرة: 181.

(4) فى «س»: ماله.

(5) عوالى اللئالى 1/ 383 و 220 و 2/ 74 و 3/ 210.

6

كره لزمها المهر، و فيه تردد، و ربما حمل على دعوى الوكالة فيه.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة براءة ذمة الام، فمن شغلها بشيء فعليه الدلالة، و لان الام لا ولاية لها في غير النكاح عندنا، فهي كالاجنبي سواء، فان رضي بعقدها صح و لزمه المهر و الا فلا، و هو اختيار المتأخر.

و الالتفات الى رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سأله رجل زوجته أمه و هو غائب، قال: النكاح جائز، ان شاء الزوج قبل و ان شاء ترك، فان ترك الزوج تزويجه، فالمهر لازم لامه (1). و بها أفتى الشيخ في النهاية (2).

و ضعف هذه الرواية ينشأ من مخالفتها الاصل أولا، و من جهالة حال بعض رجالها ثانيا.

و قال المصنف (رحمه اللّه): يمكن حمل الرواية على أن الام ادعت الوكالة عن الولد، فيلزمها المهر حينئذ، لانها غارة و مدعية عقدا مأذونا فيه، فيترتب عليه ثبوت المهر، ان أوجبناه على الوكيل.

[فى حكم ما زوج الاجنبي امرأة]

قال (رحمه اللّه): اذا زوج الاجنبي امرأة- الى آخره.

أقول: أشار بقوله «على القولين» الى الاختلاف في أن عقد النكاح هل يقف على الاجازة أم لا؟ قال بعض الاصحاب: انه يقف على الاجازة، و بعضهم منع من ذلك، و قيل: ان عقد الاجنبي يقع باطلا، و هو اختيار الشيخ في الخلاف (3).

[فى حكم ما لو طلق زوجته فوطئت بالشبهة]

قال (رحمه اللّه): لو طلق زوجته فوطئت بالشبهة- الى قوله: و ان احتمل أن يكون منهما استخرج بالقرعة، على تردد، أشبهه أنه للثاني.

أقول: منشؤه: النظر الى أن مع تساوي الاحتمالين تنتفي الاولوية، فيجب الاستخراج بالقرعة، فمن خرج اسمه فهو له، و الا لزم الترجيح من غير مرجح

____________

(1) فروع الكافى 5/ 401- 402.

(2) النهاية ص 467.

(3) الخلاف 2/ 143.

7

و هو خيرة الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى أن الزوجة فراش للثاني حينئذ، فيكون الولد له، عملا بعموم قوله (عليه السلام) «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (2).

[فى حكم انتشار الحرمة بالرضاع]

قال (رحمه اللّه): انتشار الحرمة بالرضاع يتوقف على شروط: الاول- أن يكون اللبن عن نكاح، فلو در أو كان عن زنا لم يثبت حرمة، و في نكاح الشبهة تردد، أشبهه تنزيله على النكاح الصحيح.

أقول: منشؤه: النظر الى أن الاصحاب لم يفصلوا بين النكاح الفاسد و بين نكاح الشبهة، الا في الحاق الولد و رفع الحد، فمن ادعى ثالثا فعليه الدليل، و به أفتى الشيخ في المبسوط (3) و تبعه المتأخر.

و الالتفات الى أن نكاح الشبهة يثبت معه النسب الصحيح الشرعي، فكذلك الرضاع الشرعي، عملا بقوله (عليه السلام) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4) فجعله أصلا للنسب، و هو الذي قواه الشيخ و المتأخر، الا أن المتأخر قال بعد ذلك: ولي في ذلك نظر و تأمل.

و أقول: بعد منشأ هذا النظر المنع من دلالة الخبر على محل النزاع، اذ المفهوم منه غير ذلك.

قال (رحمه اللّه): و لو ارتضع من ثدي الميتة، أو رضع بعض الرضعات و هي حية ثم أكملها [ميتة] لم ينشر الحرمة، لانها خرجت بالموت عن التحاق الاحكام فهي كالبهيمة المرتضعة، و فيه تردد.

____________

(1) المبسوط 4/ 209.

(2) مسند أحمد بن حنبل 6/ 129.

(3) المبسوط 5/ 291.

(4) عوالى اللئالى 1/ 44، برقم: 55.

8

أقول: منشؤه: النظر الى انتشار الحرمة بالرضاع تعبد شرعي، فيقف على الدليل الشرعي، و حيث لا دلالة فلا حكم، و لانها خرجت بالموت عن التكليف و انتشار الحرمة بالرضاع تكليف، و المقدمتان ظاهرتان، و به أفتى الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2)، عملا بأصل الاباحة، و لقوله تعالى «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» (3) و هذه ما أرضعت، و قوله تعالى «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» (4) و أتبعه المتأخر.

و الالتفات الى عموم قوله (عليه السلام) «حرمة الميت كحرمة الحي» (5) و المراد بلفظ الميت الذكر و الانثى، و من جملة الحرمة انتشار التحريم بالرضاع، فيحرم عليه ميتة مع اكماله الرضعات المعتبرة شرعا جميع من يحرم عليه لو كانت حية، و هو قول أبي حنيفة و مالك و الاوزاعي، و الاول عندي أقوى.

قال (رحمه اللّه): الشرط الثالث- أن يكون الرضاع في الحولين، و يراعى ذلك في المرتضع، لقوله (عليه السلام) «لا رضاع بعد فطام» (6) و هل يراعى في ولد المرضعة؟ الاصح أنه لا يعتبر.

أقول: مراعاة ذلك في المرتضع متفق عليه بين علمائنا و فتواهم على أنه لا يعتبر في ولد المرضعة، فلو أرضعت صبيا بلبن ولدها الرضعات الشرعية و لولدها لصلبها أكثر من حولين نشر الحرمة.

و شرط أبو الصلاح في انتشار الحرمة أن يكون الرضاع واقعا في الحولين

____________

(1) المبسوط 5/ 296.

(2) الخلاف 2/ 323 مسألة 14.

(3) سورة النساء: 23.

(4) سورة النساء: 24.

(5) تهذيب الاحكام 1/ 419، ح 43.

(6) عوالى اللئالى 1/ 72 و 2/ 128 و 270 و 3/ 324.

9

من غير المرتضع و ولد المرضعة، فلو حصل بعد أن مضى لهما أو لاحدهما حولان أو أكمل بعد مضيهما من عمرهما أو عمر أحدهما لم ينشر حرمة.

لنا- عموم قوله تعالى «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» (1) و اصالة عدم الاشتراط ترك العمل بها في الصورة الاولى، فيبقى معمولا بها في الثانية.

قال (رحمه اللّه): لو كان له أمة يطأها، فأرضعت زوجته الصغيرة، حرمتا جميعا و يثبت مهر الصغيرة، و لا يرجع به على الامة، لانه لا يثبت للمولى مال في ذمة مملوكته، نعم لو كانت موطوءة بالعقد يرجع به عليها و يتعلق برقبتها، و عندي في ذلك تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن هذا الرضاع جار مجرى الجناية، اذ فيه تفويت منفعة البضع على الزوج، و جناية الامة تتعلق برقبتها اجماعا منا، و هو اختيار الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (2).

و الالتفات الى أصالة براءة الذمة، و هي دليل قطعي، فيتمسك بها الى حين ظهور الناقل قطعا أو ظاهرا. و نمنع كون منفعة البضع مضمونة، و حملها على الجناية قياس، و هو باطل عندنا في الشرعيات، و به أفتى الشيخ في الخلاف (3).

فرع:

القائل بالضمان أوجب بيعها فيه مع امتناع المولى عن الفك، كما في الجناية و سيأتي، و المصنف (رحمه اللّه) قال: و لو قلنا بوجوب العود لم نقل ببيع المملوك فيه، بل تتبع به اذ تحررت.

فالمصنف (رحمه اللّه) أجراه مجرى الدين الذي يستدينه المملوك بغير اذن

____________

(1) سورة النساء: 23.

(2) المبسوط 5/ 298- 299.

(3) الخلاف 2/ 324 مسألة 18.

10

مولاه، و الشيخ (رحمه اللّه) أجراه مجرى الجناية.

[فى حكم الوطي بالشبهة]

قال (رحمه اللّه): و أما الوطي بالشبهة، فالذي خرجه الشيخ (رحمه اللّه) أنه ينزل منزلة النكاح الصحيح، و فيه تردد، أظهره أنه لا ينشر، لكن يلحق معه النسب.

أقول: منشؤه: النظر الى أن الوطي الصحيح ينشر حرمة المصاهرة، فكذا ما هو في حكمه، أعني: وطئ الشبهة و عقد الشبهة، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى أن حمله على النكاح الصحيح و الزنا قياس، و الاصل عدم التحريم، فلا يصار إليه الا بدليل، و هو اختيار المتأخر.

فرع:

الوطي المباح بغير عقد الشبهة و الوطي بملك اليمين، ينشر تحريم المصاهرة و يثبت به حرمة المحرم. و أما الوطي الحرام، فلا يثبت به حرمة المحرم اجماعا و لا ينشر تحريم المصاهرة على الاقوى.

و المراد بانتشار الحرمة المنع من نكاح أم الزوجة مطلقا، و ابنتها اذا كان قد دخل بها معا على سبيل الدوام، و من نكاح اختها على سبيل الجمع.

و المراد بثبوت حرمة المحرم جواز النظر الى من حرم عليه نكاحهن بالمصاهرة تحريم تأبيد.

و أما الوطي بالشبهة، فهل ينشر حرمة المصاهرة؟ سلف البحث فيه، لكن لا خلاف أنه لا يثبت به حرمة المحرم.

[فى حكم النظر لغير المالك]

قال (رحمه اللّه): و أما النظر فيما يسوغ لغير المالك، كنظر الوجه و لمس الكف، لا ينشر الحرمة. و ما لا يسوغ لغير المالك، كنظر الفرج و القبلة و مس

____________

(1) المبسوط 4/ 203.

11

باطن الجسد بشهوة، فيه تردد، أظهره أنه يثمر كراهية. و من نشر به الحرمة، قصر التحريم على أب اللامس و الناظر و ابنه خاصة، دون أم المنظورة و الملموسة و بنتها.

أقول: منشؤه: النظر الى أصل الاباحة، و يؤيده عموم قوله تعالى «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (1) و عموم قوله تعالى «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» (2) و هو اختيار المتأخر.

و الالتفات الى رواية محمد بن علي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون له الجارية يقبلها هل يحل لولده؟ فقال: بشهوة، قلت: نعم، فقال: ما ترك شيئا اذا قبلها بشهوة، فقال ابتداءً منه ان جردها فنظر إليها بشهوة حرمت على أبيه و ابنه (3).

و في معناها رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4). و هو اختيار الشيخ في النهاية (5).

و اعلم أن الشيخ المفيد (قدس اللّه روحه) قصر التحريم على منظورة الأب دون منظورة الابن، و تبعه أبو الصلاح، عملا بروايتي محمد بن مسلم و جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (6).

و حكاه سلار رواية، و قال الشيخ في المبسوط: النظر الى الفرج ينشر حرمة المصاهرة، حكاه عنه صاحب كشف الرموز.

____________

(1) سورة النساء: 3.

(2) نفس الآية.

(3) تهذيب الاحكام 8/ 209.

(4) تهذيب الاحكام 8/ 208- 209، ح 46.

(5) النهاية ص 496.

(6) تهذيب الاحكام 7/ 282، ح 29.

12

[فى حكم ما اذا دخل بصبية لم تبلغ تسعا فأفضاها]

قال (رحمه اللّه): اذا دخل بصبية لم تبلغ تسعا فأفضاها، حرم عليه وطؤها و لم تخرج من حباله، و لو لم يفضها لم يحرم على الاصح.

أقول: ظاهر كلام الشيخ في النهاية (1) يقتضي التحريم مطلقا، سواء حصل الافضاء بالدخول أو لم يحصل، و هو ظاهر كلام المتأخر، و لعله اعتماد على رواية سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابنا قال: اذا خطب الرجل المرأة، فدخل بها قبل أن يبلغ تسع سنين فرق بينهما و لا تحل له أبدا (2).

لكن الرواية ضعيفة، و سهل ضعيف، و هي مع ذلك معارضة بالاصل و عمومات الآيات الدالة على إباحة الزوجات و المشهور من الروايات، فهي اذن ساقطة.

و المراد بالتفريق في الخبر تحريم الوطي لا فسخ العقد، و لا تحريم امساكها زوجة. و هذا التفسير ذكره المتأخر في تفسير كلام النهاية، و هو حسن.

[من زنا بامرأة لم تحرم عليه نكاحها]

قال (رحمه اللّه): من زنا بامرأة لم تحرم عليه نكاحها، و كذا لو كانت مشهورة بالزنا، و كذا لو زنت امرأته و ان أصرت، على الاصح.

أقول: لا خلاف أن مع عدم الاصرار لا تحرم الزوجة. و انما الخلاف لو حصل الاصرار، فذهب الشيخ و أتباعه و المتأخر الى أنها لا تحرم، عملا باصالة الاباحة، تمسكا بعموم الآية. و قال المفيد: يحرم امساكها مع الاصرار، الا أن تظهر التوبة، و أطلق سلار القول بالتحريم.

[لو أسلم و عنده أربع حرائر]

قال (رحمه اللّه): لو أسلم و عنده أربع حرائر و ثنيات، فأسلم معه اثنتان، ثم اعتق و لحق به من بقي، لم يزد على اختيار اثنتين، لانه كمال العدد المحلل له، و لو أسلمن [كلهن] ثم أعتق ثم أسلم، أو أسلمن بعد عتقه و اسلامه في العدة، ثبت نكاحه عليهن، لاتصافه بالحرية المبيحة للاربع، و في الفرق اشكال.

____________

(1) النهاية ص 453.

(2) تهذيب الاحكام 7/ 312، ح 50.

13

أقول: منشؤه: النظر الى وجود الحرية المبيحة للاربع في الصورتين، فيكون له اختيار الاربع جميعا في الصورة الاولى، عملا بالمقتضي.

و الالتفات الى أن الاعتبار بحال ثبوت الاختيار، و الاختيار انما ثبت له حال العبودية، فاذا أعتق لم يتغير قدر ما ثبت له بعتقه، كما أنه لو أسلم الحر موسرا و عنده أربع زوجات إماء، فلم يتخير حتى أعسر، لم يكن له أن يختار واحدة منهن، اعتبارا بحال ثبوت الاختيار.

و لو كان معسرا حين أسلم معه، فأيسر بعد ذلك، كان له أن يختار واحدة، اعتبارا بحال ثبوت الاختيار، و لا ينظر الى تغير الحال فيما بعد، و هو اختيار الشيخ محتجا بعين هذا الدليل.

فاذا تقرر هذا، فله اختيار أي الاثنتين شاء السابقتين على عتقه، أو المتأخر عنه، و له أن يتزوج بأخريين، أو يستأنف العقد على الاثنتين اللاحقتين.

[اختلاف الدين فسخ لا طلاق]

قال (رحمه اللّه): اختلاف الدين فسخ لا طلاق- الى قوله: و لو كان المهر فاسدا، وجب به مهر المثل مع الدخول، و قبله نصفه ان كان الفسخ من الرجل.

و لو لم يسم مهرا و الحال هذه، كان لها المتعة كالمطلقة، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن ارتداد الزوج قبل الدخول فسخ، حصل قبل الدخول فأشبه الطلاق، فتجب لها المتعة، كالمطلقة التي لم يسم لها مهرا صحيحا و لا فاسدا، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى أصالة براءة الذمة، و لان حملها على المطلقة قياس، و هو عندنا باطل، فلا يجب لها شيء. و يحتمل وجوب نصف مهر المثل. أما لو حصل الارتداد بعد الدخول و لم يسم لها مهرا وجب مهر المثل قطعا.

[فى نكاح الشغار]

قال (رحمه اللّه): نكاح الشغار باطل، و هو أن تتزوج امرأتان برجلين على أن

____________

(1) المبسوط 4/ 225.

14

يكون مهر كل واحدة نكاح الاخرى. أما لو زوج الوليان كل منهما صاحبه و شرط لكل واحدة مهرا معلوما، فانه يصح.

و لو زوج أحدهما الاخر و شرط أن بزوجه الاخرى بمهر معلوم، صح العقدان و يبطل المهر، لانه شرط مع المهر تزويجا، و هو غير لازم، و النكاح لا يدخله الخيار، فيكون لها مهر المثل، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى تطرق الجهالة في المهر، فيكون باطلا. أما المقدمة الاولى، فلانه جعل تزويج كل واحدة منهما شطر صداق الاخرى، فالبضع لم يشرك فيه اثنان حتى يكون شغارا، فيبطل النكاح.

و انما قلنا انه جعل تزويج كل واحدة شطر صداق الاخرى- لانه ما رضي لبنته مهرا الا بشرط أن يحصل له نكاح بنت زوجها، و هو شرط باطل لا يلزم الوفاء به فيبطل صداق المائة.

أما أولا، فلان التزويج بعض الصداق هنا و قد بطل، فيبطل جميع الصداق اذ بطلان الجزء يستلزم بطلان الكل، لاستحالة وجوده من حيث أنه كل بدونه.

و أما ثانيا، فلانه على تقدير عدم الوفاء بالشرط الذي هو التزويج يجب أن يرد الى المائة ما نقص من الصداق لاجل الشرط، و ذلك القدر مجهول، فيبطل الصداق و اذا بطل سقط و وجب مهر المثل و النكاح بحاله، لان النكاح لا يفسد بفساد الصداق. هذا خلاصة كلام الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى أنه شرط سائغ، فيكون لازما. أما الاولى، فلان تزويج كل واحد من الرجلين بنت الاخر مشروع اجماعا. و أما الثانية، فلقوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (2) و لانه شرط وقع في عقد لازم، فيكون لازما بالاغلبية.

____________

(1) المبسوط 4/ 244.

(2) عوالى اللئالى 1/ 293، برقم: 173.

15

[لا يقع بالمستمتع بها ايلاء و لا لعان]

قال (رحمه اللّه): لا يقع بالمستمتع بها ايلاء و لا لعان على الاظهر.

أقول: مذهب الشيخ (رحمه اللّه) أنه لا يقع، و تبعه أبو الصلاح و المتأخر، و قال المرتضى و شيخنا المفيد: انه يقع.

لنا- الروايات المشهورة المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام).

قال (رحمه اللّه): و في الظهار تردد، أظهره أنه يقع.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم الآية فيقع، و به أفتى المفيد و المرتضى و ابن أبي عقيل و أبو الصلاح.

و الالتفات الى أن المتمتع بها ليس لها اجبار الزوج على النكاح، فلا يقع بها الظهار، لعدم الفائدة، و به أفتى ابن بابويه و المتأخر، عملا برواية علي بن فضال (1). و اعتبار فائدة الظهار في المطالبة بالوطء ممنوع، و الرواية مرسلة فليست حجة.

[فى عدة الوفاة]

قال (رحمه اللّه): و تعتد من الوفاة و لو لم يدخل بها، بأربعة أشهر و عشرة أيام ان كانت حائلا، و بأبعد الاجلين ان كانت حاملا، على الاصح.

أقول: هذا هو المشهور بين الاصحاب، و مستنده عموم آية الوفاة، و به روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) قال المفيد و سلار: وعدتها شهران و خمسة أيام و هو ظاهر كلام المرتضى، و اختاره القاضي عبد العزيز بن البراج، و مستنده رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوج متعة ثم مات عنها ما عدتها؟

قال: خمسة و ستون يوما (2). و حملها الشيخ (رحمه اللّه) على كون الزوجة مملوكة، توفيقا بين الروايات، و هو حسن.

[لو باع أمة و ادعى أن حملها منه]

قال (رحمه اللّه): لو باع أمة و ادعى أن حملها منه، فانكر المشتري، لم يقبل

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 534.

(2) تهذيب الاحكام 8/ 158، ح 146.

16

قوله في افساد البيع، و يقبل في التحاق الولد، لانه اقرار لا يتضرر به الغير، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم قوله (عليه السلام) «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1) فيكون مقبولا، و لانه اقرار لا يتضرر به المشتري، سواء باعه الامة بحملها أو منفردة عنه.

و الالتفات الى أن في هذا الاقرار اضرارا بالغير، فلا يكون مسموعا. أما الصغرى، فلوجوب فكه من تركة أبيه مع القول بالتحاقه بتقدير الموت و لم يخلف وارثا سواه، و هو اضرار عظيم بالمشتري. و أما الكبرى، فلقوله (عليه السلام) «لا ضرر و لا اضرار في الاسلام» (2) و لانعقاد الاجماع عليها.

[فصل العيوب]

قال (رحمه اللّه) في فصل العيوب: و الجنون سبب لتسلط الزوجة على الفسخ، دائما كان أو أدوارا. و كذا المتجدد بعد العقد و قبل الوطي، أو بعد العقد و الوطي و قد يشترط في المتجدد أن لا يعقل أوقات الصلاة، و هو في موضع التردد.

أقول: الاشتراط ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (3) و الخلاف (4)، و قال في النهاية:

ان اختارت فراقه كان على وليها طلاقه (5).

و أما منشأ التردد: فالنظر الى أصالة لزوم العقد، فلا يتسلط على فسخه الا بدليل و لم يثبت في غير المستغرق لاوقات الصلاة.

و الالتفات الى ظاهر رواية القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة قال: سئل أبو ابراهيم (عليه السلام) المرأة تكون لها الزوج قد أصيبت في عقله من بعد ما تزوجها أو

____________

(1) عوالى اللئالى 1/ 223 و 2/ 257 و 3/ 442.

(2) عوالى اللئالى 1/ 220 و 383 و 2/ 74 و 3/ 210.

(3) المبسوط 4/ 250.

(4) الخلاف 2/ 183.

(5) النهاية ص 486.

17

عرض له جنون، قال: لها أن تنزع نفسها منه ان شاءت (1).

فشرع لها الفسخ مطلقا، و لم يعتبر الاستغراق و عدمه، و لا طلاق الولي أيضا، لكن الرواية ضعيفة، فان القاسم بن محمد و علي بن أبي حمزة واقفيان.

و المعتمد في الاستدلال على ثبوت الفسخ مطلقا أن يقال: لا جرم أن الجنون سبب مانع من الاستمتاع كما ينبغي، و تستضر به المرأة ضررا عظيما، فيسوغ لها الفسخ، دفعا للضرر الناشئ من فوات ثمرة العقد.

قال (رحمه اللّه): و العنن مرض يضعف معه القوة عن نشر العضو- الى قوله:

فلو وطأها و لو مرة، ثم عن أو أمكنه وطؤ غيرها مع عننه عنها لم يثبت لها الخيار على الاظهر.

أقول: قال الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (2): اذا كان له أربع نسوة، فعن عن واحدة دون الثلاث، لم يحكم لها بحكم العنة عند أصحابنا، و قال المخالف:

لها حكم نفسها و يضرب لها المدة.

و بمعناه قال في الخلاف (3)، و نسب القول الاخر الى الشافعي، و استدل باجماع الفرقة و أخبارهم.

قال (رحمه اللّه): و لو حدث الجب لم يفسخ به، و فيه قول آخر.

أقول: قال الشيخ في المبسوط (4) و الخلاف (5): لا ترد الرجل من عيب يحدث به الا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلاة، و قال المخالف: اذ احدث واحد من الاربعة: الجنون و الجذام و البرص و الجب، فلها الخيار، و عندنا أنه لا خيار

____________

(1) تهذيب الاحكام 7/ 428- 429، ح 19.

(2) المبسوط 4/ 250.

(3) الخلاف 2/ 183.

(4) المبسوط 4/ 252.

(5) الخلاف 2/ 183.

18

في ذلك، و احتج في الخلاف بأن العقد قد صح شرعا، و ثبوت الرد يحتاج الى دليل، و حيث لا دلالة فلا رد.

قال (رحمه اللّه): أما الجنون، فهو فساد العقل- الى قوله: مع غلبة المرة.

أقول: قال صاحب الصحاح: المرة احدى الطبائع الاربع، و المرة القوة و شدة العقل أيضا، و رجل مرير أي: قوي ذو مرة (1).

قال (رحمه اللّه): و أما العرج، ففيه تردد، أظهره دخوله في أسباب الفسخ اذا بلغ الاقعاد.

أقول: منشؤه: النظر الى التمسك بمقتضى العقد، و هو اللزوم و عدم التسلط على الفسخ، و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2) و الخلاف (3).

و الالتفات الى أن في ذلك عضاضة على الزوج، و ربما نفرت نفسه منه و تضرر به، فيسوغ له الفسخ دفعا لمضرته، و هو اختيار الشيخ في النهاية (4). و الذي ذكره المصنف توسط بين القولين، و لا بأس به.

قال (رحمه اللّه): العيوب الحادثة بالمرأة قبل العقد مبيحة للفسخ، و ما يتجدد بعد العقد و الوطي لا يفسخ به، و في المتجدد بعد العقد و قبل الدخول تردد، أظهره أنه لا يبيح الفسخ، تمسكا بمقتضى العقد السليم عن معارض.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة لزوم العقد، ترك العمل بها في الصورة الاولى، للاخبار و الاجماع، فيبقى معمولا بها فيما عداها، و هو اختيار المتأخر.

و الالتفات الى عموم الاخبار الواردة بثبوت الرد مع وجود هذه العيوب، و لم يفصلوا بين العيب السابق على العقد أو المتأخر عنه، و هو اختيار الشيخ في

____________

(1) صحاح اللغة 2/ 814.

(2) المبسوط 2/ 250.

(3) الخلاف 2/ 182.

(4) النهاية ص 485.

19

المبسوط (1) و الخلاف (2).

[في المهور]

قال (رحمه اللّه) في المهور: و هل يجب تعيين الحرف.

أقول: المراد بالحرف هنا القراءة، يقال قرأت بحرف أبي عمرو، أي:

بطريقته.

قال (رحمه اللّه): قيل: اذا لم يسم [لها] مهرا و قدم لها شيئا ثم دخل، كان ذلك مهرها- الى قوله: و استنادا الى قول مشهور.

أقول: هذه المسألة أفتى بها الشيخان و ابن البراج و سلار، و تبعهم المتأخر، مدعيا للاجماع عليها محتجا به.

و المراد بالرواية ما روي عن الباقر (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة فدخل بها فأولدها ثم مات عنها، فادعت شيئا من صداقها على ورثة زوجها، فجاءت تطلبه منهم و تطلب الميراث، قال فقال: أما الميراث فلها أن تطلبه، و أما الصداق فان الذي أخذت من قبل أن يدخل عليه، فهو الذي حل للزوج به فرجها، قليلا كان أو كثيرا، اذ هي قبضته منه و قبلته و دخلت عليه، فلا شيء لها بعد ذلك (3).

و لا جرم أن هذه الرواية مطلقة، فتأولها الشيخان و أتباعهما بما ذكروه، جمعا بين الادلة، و هو حسن.

قال (رحمه اللّه): و لو نقصت عين المهر أو صفته، مثل عور الدابة أو نسيان الصنعة، قيل: كان لها نصف القيمة [سليما] و لا يجبر على أخذ نصف العين و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن المفروض مهرا انما هو العين دون القيمة،

____________

(1) المبسوط 4/ 251.

(2) الخلاف 2/ 183.

(3) تهذيب الاحكام 7/ 359، ح 22.

20

فيجب أخذ نصف الموجود منها و نصف قيمة التالف، عملا بظاهر قوله تعالى «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» (1) أي: فلكم نصف ما فرضتم، لانه تعالى جعل النصف مستحقا بالطلاق، و لا يجوز أن يكون المستحق للنصف بالطلاق الزوجة، لانها كانت مالكة لجميع المهر بالعقد، فتعين أن يكون الزوج، و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2) و الخلاف (3).

و الالتفات الى أن المفروض انما هو العين سليمة من جميع العيوب، فيكون بالخيار بين أخذ نصف الموجود و نصف قيمة التالف، و بين أخذ نصف قيمتها معا، دفعا للضرر الناشي من وجوب أخذ نصف العين معيبا، و هو القول الاخر للشافعي، و اختاره الشيخ في المبسوط أولا.

قال (رحمه اللّه): و لو زاد بكبر أو سمن، كان له نصف قيمته من دون الزيادة و لا تجبر المرأة على دفع العين، على الاظهر.

أقول: قال الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (4) بعد أن خير المرأة في هذه الصورة بين دفع نصف العين، و أوجب على الزوج القبول حينئذ، و بين دفع القيمة من دون الزيادة، و يقوى في نفسي أن له الرجوع في نصفه مع الزيادة التي لا تتميز و لقوله تعالى «فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» (5) و ان كان الاول قويا.

و الاول عند المتأخر أولى، لانه نماء حدث في ملكها، فيكون لها. و المقدمتان اجماعيتان.

قال (رحمه اللّه): و لو أصدقها تعليم سورة ثم طلقها قبل الدخول و التعليم،

____________

(1) سورة البقرة: 237.

(2) المبسوط 4/ 277.

(3) الخلاف 2/ 191.

(4) المبسوط 4/ 277- 278.

(5) سورة البقرة: 237.

21

قيل: يعلمها النصف من وراء الحجاب، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة الجواز، و لان التعليم حق لها، فيجوز توفيتها اياه كغيره من الحقوق، و به أفتى الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2)، محتجا بأن الذي وجب عليه و استقر تعليم نصف ما سمي، فإيجاب غيره يحتاج الى دليل.

و الالتفات الى أن تعليم نصف السورة يستدعي سماع صوت المرأة الاجنبية و هو غير جائز. أما أولا، فلان صوت المرأة عورة. و أما ثانيا، فلانه لا يؤمن من الافتنان بها، و هو الوجه الاخر للشافعي، و لعله الاقرب.

قال (رحمه اللّه): و لو شرط لامرأته مهرا ان أبقاها في بلده و أريد منه ان أخرجها فأخرجها الى بلد الشرك، لم يجب اجابته. و ان أخرجها الى بلاد الاسلام، كان الشرط لازما، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى رواية علي بن رئاب عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سئل و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن يخرج بها الى بلاده، فان لم تخرج معه، فمهرها خمسون دينارا، أ رأيت ان لم تخرج معه الى بلاده، قال فقال: ان أراد أن يخرج بها الى بلاد الشرك، فلا شرط له عليها في ذلك، و لها مائة دينار التي أصدقها اياها. و ان أراد أن يخرج بها الى بلاد المسلمين و دار الاسلام، فله ما اشترط عليها، و المسلمون عند شروطهم، و ليس له أن يخرج بها الى بلاده حتى يؤدي إليها صداقها و ترضى من ذلك بما رضيت به و هو جائز (3).

____________

(1) المبسوط 4/ 275.

(2) الخلاف 2/ 190.

(3) تهذيب الاحكام 7/ 373، ح 70.

22

و هذه الرواية حسنة، و عليها فتوى الشيخ في النهاية، بناء على أنه اذا شرط لامرأته أن لا يخرجها من بلدها، كان الشرط لازما.

و الالتفات الى مقتضى العقد تسلط الزوج على الزوجة استمتاعا و اسكانا، و الشرط المذكور مناف لمقتضاه (1)، فيكون مخالفا للكتاب و السنة، فلا يثبت المشترط، و به أفتى المتأخر، بناء على أنه اذا شرط لها أن لا يخرجها من بلدها كان الشرط باطلا، و نقل عن الشيخ (رحمه اللّه) أنه رجع عن ذلك في الخلاف (2) في مسألة اذا أصدقها ألفا و شرط أن لا يسافر بها، فالشرط باطل و النكاح و الصداق صحيحان.

و اعلم أن بين المسألتين فرقا بعيدا، على أنا نمنع بطلان هذا الشرط، عملا بعموم قوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (3).

قال (رحمه اللّه): الصداق يملك بالعقد على أشهر الروايتين، و لها التصرف فيه قبل القبض على الاشبه.

أقول: قال الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف: ليس للمرأة أن تتصرف في الصداق قبل القبض، محتجا بأن جواز التصرف بعد القبض مجمع عليه و لا دليل على جواز تصرفها قبله و بأنه روي عن النبي (عليه السلام) أنه نهى عن بيع ما لم يقبض (4). و الحق الجواز.

لنا- عموم قوله (عليه السلام) «الناس مسلطون على أموالهم» (5) و المنع عن بعض التصرفات، و هو البيع على تقدير تسليمه لا يستلزم المنع عن باقي التصرفات،

____________

(1) فى «س»: لمقتضاها.

(2) الخلاف 2/ 199 مسألة 32.

(3) عوالى اللئالى 1/ 293 و 2/ 275 و 3/ 217.

(4) الخلاف 2/ 191 مسألة 7.

(5) عوالى اللئالى 1/ 222 و 457 و 2/ 138 و 3/ 208.

23

و هو ظاهر.

قال (رحمه اللّه): و اذا عفت المرأة عن نصيبها، أو عفى الزوج عن نصيبه- الى قوله: و لا يفتقر الى القبول على الاصح.

أقول: قد مر بحث أن القبول هل هو شرط في صحة الابراء أم لا؟

قال (رحمه اللّه): اذا زوج ولده الصغير، فان كان له مال، فالمهر على الولد و ان كان فقيرا، فالمهر في عهدة الولد. و لو مات الولد، أخرج المهر من أصل تركته، سواء بلغ الولد و أيسر أو مات قبل ذلك.

فلو دفع الأب المهر و بلغ الصبي و طلق قبل الدخول، استعاد الولد النصف دون الوالد، لان ذلك يجري مجرى الهبة.

ثم قال: لو أدى المهر عن ولده الكبير تبرعا، ثم طلق الولد، رجع الولد بنصف المهر، و لم يكن للوالد انتزاعه لعين ما ذكرناه في الصغير، و في المسألتين تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن أداء المهر عن الولد بمنزلة الهبة له، فلا يجوز الرجوع فيه.

أما الصغرى، فلان المهر عوض البضع، و هو ملك للولد اجماعا، فيكون عوضه و هو المهر واجبا عليه كغيره من الاثمان، و اذا ثبت أن المهر يتعلق بذمة الولد بنفس العقد، تبين أن أداء الوالد للمهر جار مجرى الهبة له.

و أما الكبرى، فاجماعية عندنا، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1). و لقائل أن يمنع الصغرى، سلمنا لكن لم قلت أن المنزل منزلة الشيء يكون حكمه حكم ذلك الشيء، هذا هو القياس بعينه، و هو عندنا باطل.

و الالتفات الى أصالة بقاء الملك على مالكه و عدم انتقاله عنه، ترك العمل بها

____________

(1) المبسوط 4/ 292.

24

في الصورة الاولى، فيبقى معمولا بها في الثانية.

[فى حق المضاجعة]

قال (رحمه اللّه): و لو بات عند الامة ليلة، ثم اعتقت قبل استيفاء الحرة، قيل:

يقضي للامة ليلة، لانها ساوت الحرة، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أنها ساوت الحرة قبل توفية حقها عليها، فينبغي أن يكون حقها مثل حق الحرة، لانها حرة مثلها، و يؤيده عموم قوله تعالى «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ» (1) أي: التي لا زوج لها، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (2).

و الالتفات الى أنها انما صارت حرة بعد استيفاء حقها، فلا تجب لها شيء آخر، بل يبتدئ، بالقسمة بعد توفية الزوجة الاخرى حقها، و هذا عندي أقوى.

قال (رحمه اللّه): و يستحب أن يقرع بين الزوجات اذا أراد استصحاب بعضهن في السفر، و هل يجوز العدول عن من خرج اسمها الى غيرها؟ قيل: لا، لانها تعينت للسفر، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة الجواز، و لان القسم في السفر حق للزوج فقط، فجاز له تركه، اما بأن يعدل الى غيرها من الزوجات أولا يستصحب معه واحدة منهن.

و الالتفات الى أن القرعة قد عينتها للسفر، فلا يجوز العدول عنها الى غيرها، و الا لم يكن للقرعة فائدة، فيكون الامر بها عبثا، و هو باطل، و به أفتى الشيخ في المبسوط (3).

قال (رحمه اللّه): و هل بعث الحكمين على سبيل التحكيم أو التوكيل؟ الاظهر

____________

(1) سورة النساء: 129.

(2) المبسوط 4/ 332.

(3) المبسوط 4/ 333.

25

أنه تحكيم.

أقول: ذهب الشيخ في الخلاف (1) الى أنه تحكيم، محتجا بوجوه:

الاول: قوله تعالى «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» (2) و ظاهر الآية دالة على التحكيم، لانه لم يقل فابعثوا وكيلا.

الثاني: الخطاب الشرعي اذا ورد مطلقا انصرف الى الائمة و القضاة، و هذا من جملة ذاك.

الثالث: لو توجه الخطاب الى الزوجين لقال: فابعثا، و التالي باطل فالمقدم مثله، و الشرطية ظاهرة اذ هما اثنان.

الرابع: قوله تعالى «إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا» (3) فأضاف تعالى الإرادة الى الحكمين، و لو كانا وكيلان (4) لم يضف إليهما.

الخامس: روى الاصحاب أنهما يمضيان (5) ما اتفق رأيهما عليه الا الفرقة، فانهما يستأدياهما، فدل أنه على سبيل التحكيم، لان التوكيل لا يجوز فيه انفاذ شيء الا باذن الموكل، و عليه المتأخر، و ما عرفت من الاصحاب فيه خلافا، بل من الجمهور.

[فى الفراش]

قال (رحمه اللّه): و لو وطئ أمته، و وطأها آخر فجورا، ألحق الولد بالمولى.

و لو حصل مع ولادته أمارة يغلب بها الظن أنه ليس منه، قيل: لم يجز له الحاقة و لا نفيه عنه، بل ينبغي أن يوصي له بشيء و لا يورثه ميراث الاولاد، و فيه تردد.

____________

(1) الخلاف 2/ 211.

(2) سورة النساء: 35.

(3) سورة النساء: 35.

(4) فى «م»: و لو كان توكيلا.

(5) فى «س»: يصيبان.

26

أقول: منشؤه: النظر الى الرواية (1)، و عليها فتوى الشيخ في النهاية (2).

و الالتفات الى عموم قوله (عليه السلام) «الولد للفراش» (3) و هذا فراش، فيكون لاحقا إليه ما لم ينفه، فان نفاه فلا لعان. و هو اختيار المتأخر، و لعله الاقرب.

[لو ادعى الأب وجود متبرعة و أنكرت الام]

قال (رحمه اللّه): فرع- لو ادعى الأب وجود متبرعة و أنكرت الام، فالقول قول الأب، لانه يدفع عن نفسه وجوب الاجرة، على تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى كون الام منكرة، فيكون القول قولها، عملا بقوله (عليه السلام) «البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر» (4) و لان ارضاع الولد حق لوالديه، و هو مدع لاسقاطه بوجود متبرعة، فيكون القول قولها الا أن يقيم البينة بذلك.

و الالتفات الى أن انكار الام لوجود المتبرعة يتضمن دعوى شغل ذمة الأب بايجاب الاجرة عليه، و الاصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها بشيء من الاشياء فعليه البينة و على المنكر اليمين، للخبر المذكور، و هو اختيار الشيخ في المبسوط.

قال (رحمه اللّه): لو فقد الابوان، فالحضانة لاب الأب، فان عدم قيل: كانت الحضانة للاقارب، و يترتبون ترتب الارث، نظرا الى الآية، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى قوله تعالى «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ*» (5) قال الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (6) و الخلاف: و هذا عام في كل

____________

(1) تهذيب الاحكام 8/ 183، ح 65.

(2) النهاية ص 506.

(3) تهذيب الاحكام 8/ 183، ح 64.

(4) عوالى اللئالى 1/ 244 و 453 و 2/ 258.

(5) سورة الانفال: 75.

(6) المبسوط 6/ 42.

27

شيء الا ما خصه الدليل (1).

و الالتفات الى أن اثبات الحضانة لغير الأب و الام و الجد للاب حكم شرعي، فيفتقر الى الدليل الشرعي، و حيث لا دلالة فلا حكم، و نمنع دلالة الآية على موضع النزاع.

قال المتأخر بعد أن أورد معظم ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف في هذا المعنى: هذا من تخريجات المخالفين و معظمه قول الشافعي، و ناؤهم على القول بالعصبية، و ذلك عندنا باطل، و لا حضانة عندنا الا للام و الأب. أما غيرهما، فليس له ولاية سوى الجد من قبل الأب خاصة.

قال (رحمه اللّه): اذا طلبت الام للرضاع أجرة زائدة عن غيرها، فله تسليمه الى الاجنبية، و في سقوط حضانة الام تردد، و السقوط أشبه.

أقول: منشؤه: النظر الى أن الحضانة هل هي تابعة للرضاع أم لا؟ فان قلنا بالاول سقطت و الا فلا، و الحق أنها لا تسقط.

لنا- أنهما شيئان متغايران، و تداخلهما على خلاف مقتضى الاصل، فلا يصار إليه إلا لدليل. أما أنهما شيئان متغايران، فلانه يصح استئجار المرأة للحضانة دون الرضاع و بالعكس، و لو لا التغاير لما صح ذلك. و أما الكبرى فظاهرة، و هو اختيار المتأخر (رحمه اللّه). فاذا ثبت أنها لا تسقط وجب على الام تسليمه الى المرضعة كل ما احتاج الى الرضاع، ثم اذا روي لبنا أخذته منها بحق الحضانة ثم هكذا.

[فى النفقة]

قال (رحمه اللّه): و في وجوب نفقة الزوجة بالعقد أو بالتمكين تردد، أظهره بين الاصحاب وقوف الوجوب على التمكين.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب الانفاق، ترك العمل بها في صورة حصول التمكين من الاستمتاع، للاجماع، فيبقى معمولا بها فيما

____________

(1) الخلاف 2/ 336.

28

عداها، و هو اختيار المتأخر.

و الالتفات الى اطلاق الروايات الدالة على وجوب الانفاق على الزوجات.

قال (رحمه اللّه): و في وجوب الانفاق على آباء الابوين و أمهاتهم تردد، أظهره الوجوب.

أقول: منشؤه: النظر الى أنه هل يطلق على هؤلاء الاباء و الامهات اسم الأب و الام أم لا؟ فان قلنا بالاول نظرا الى العرف، أوجبنا النفقة لورود النص بوجوب النفقة على الابوين. و ان لم نقل به نظرا الى الوضع اللغوي، لم نوجب شيئا، تمسكا بأصالة براءة الذمة السالمة عن معارضة النص و فتوى الاصحاب طرا على الاول. و أما الثاني، فمذهب مالك من الجمهور.

29

فصل (ذكر الترددات المذكورة فى القسم الثالث فى الايقاعات)

[فى الوكالة في الطلاق للغائب]

قال (رحمه اللّه): و تجوز الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا و للحاضر على الاصح.

أقول: قد سبق البحث في هذه المسألة مستوفى، فلا معنى لاعادته.

قال (رحمه اللّه): و لو نظر الى زوجته و أجنبية، فقال: احداكما طالق، ثم قال: أردت الاجنبية قبل. و لو كان له زوجة و جارة و كل منهما سعدى، فقال: سعدى طالق، ثم قال: أردت الجارة لم يقبل، لان «احداكما» يصلح لهما، و ايقاع الطلاق على الاسم لا يصرف الى الاجنبية، و في الفرق نظر.

أقول: منشؤه: النظر الى أن «احداكما» لفظ متواط يقع على الزوجة و الاجنبية وقوعا متساويا، فيقبل قول الزوج في التخصيص، لانه أبصر بقصده و نيته.

و ليس كذلك المسألة الثانية، لان العلم في أصل اللغة انما وضع لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه، فاذا أطلق على آخر كان بنوع من الاشتراك، فاذا ثبت أنه مشترك لم يكن حمله على كلي مفهوميه على سبيل الحقيقة، لما بين في أصول الفقه بل على سبيل المجاز، و هو غير نافع هنا.

و اذا لم يجز حمله على كلي مفهوميه، افتقر في دلالته علي أحدهما الي قرينة

30

و إلا لزم الترجيح من غير مرجح، و هو باطل، و القرينة هنا من طرفنا، اذ العادة أن الطلاق لا يواجه به الا الزوجة.

و الالتفات الى أن «احداكما» كما يصلح أن يواجه به الزوجة و غيرها، فكذلك سعدى على تقدير أن يكون موضوعا لهما. و جميع ما ذكرتموه في المسألة الاولى آت هنا، فاما أن تنوره في الصورتين أو تمنعوا قبول قوله في الصورتين، و الا فقبول النية في احدى الصورتين و منعها في الصورة الاخرى مع تساويهما ترجيح من غير مرجح، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1).

و قول «احداكما» لفظ متواط ممنوع، اذ المتواطي يتناول الاشخاص المندرجة تحته على سبيل الجمع، و ليس كذلك أحدهما. و اعلم أن الجمهور مطبقون على الفرق بين الصورتين.

قال (رحمه اللّه): و في ثبوت الارث مع سؤالها الطلاق تردد، أشبهه أنه لا إرث، و كذا لو خالعته أو بارأته.

أقول: هذه المسألة مبتنية على أن التوريث هل هو لمكان التهمة أم هو حكم معلق على طلاق المريض؟ كيف ما كان فان قلنا بالاول، كما هو مذهب الشيخ في المبسوط (2)، لم يكن لها الميراث هنا، لانتفاء التهمة بسؤالها.

و ان قلنا بالثاني، كما هو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (3)، عملا بعموم الاخبار الدالة على ثبوت الارث مع حصول الطلاق في حال المرض من غير تفصيل كان لها الميراث.

و اعلم أن المتأخر أفتى بما اختاره الشيخ في الخلاف، و نقل عن الشيخ

____________

(1) المبسوط 5/ 90.

(2) المبسوط 5/ 80.

(3) الخلاف 2/ 241 مسألة 55.

31

(رحمه اللّه) أنه أفتى في الجزء الثالث من الاستبصار بما أفتى به في المبسوط، عملا بما رواه زرعة عن سماعة قال: سألته (عليه السلام) عن رجل طلق زوجته و هو مريض، قال: ترثه ما دامت في عدتها، فان طلقها في حال اضرار، فهي ترثه الى سنة، فان زاد عن السنة يوم واحد لم ترثه، و تعتد أربعة أشهر و عشرا عدة المتوفى عنها زوجها (1).

ثم قال: و من العجب: انه تخصيص العموم في استنصاره بخبر سماعة الذي رواه زرعة، و هما فطحيان، فان كان يعمل بأخبار الآحاد، فلا خلاف بين من يعمل بها ان شرط العمل بذلك أن يكون راوي الخبر عدلا، و الفطحي كافر، فكيف يعمل بخبره؟ و يخصص به العموم المعلوم، و المخصص يكون دليلا معلوما كالمخصص فهذا لا يجوز عند الجميع.

[فى المحلل]

قال (رحمه اللّه): و يعتبر في الزوج الذي يحلل المرأة شروط أربعة: أن يكون الزوج بالغا، و في المراهق تردد، أشبهه أنه لا يحلل.

أقول: منشؤه: النظر الى قوله (عليه السلام) «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم» (2) و في رفع القلم عنه دليل على أنه لا حكم لجميع أفعاله، و من جملتها تحليل الزوجة بوطئه، و هو اختيار المتأخر.

و الالتفات الى عموم قوله تعالى «حتى ينكح زوجا غيره» (3) فعلق الحل بنكاح الزوج، و لا جرم أن المراهق يسمى زوجا، و يؤيده قوله (عليه السلام) «حتى تذوق عسيلتها و تذوق عسيلته» (2) و لا ريب أن المراهق أعني: الصبي الذي قارب البلوغ

____________

(1) الاستبصار 3/ 307 ح 14.

(2) عوالى اللئالى 1/ 209.

(3) سورة البقرة: 230.

32

له عسيلة. أي: لذة الجماع، و به أفتى الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف، قال: و لا يلزم عليه غير المراهق، لانه لا يعرف العسيلة (2).

قال (رحمه اللّه): و لو قال: راجعتك اذا شئت أو ان شئت لم يقع، و لو قالت:

شئت، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أنه علق الرجعة بشرط و قد وجد، فيوجد المشروط عملا بالشرط، و لقوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (3) و هذا خبر في معنى الامر.

و الالتفات الى أن الرجعة حق للزوج فقط، فلا اعتبار بمشيتها، فيكون وجود هذا الشرط كعدمه، فلا تصح الرجعة، و لانه ايقاع فلا يصح معلقا على شرط أو صفة، قياسا على الطلاق، و هو اختيار الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (4).

قال (رحمه اللّه): و لو ادعى أنه راجع زوجته الامة في العدة فصدقته، و أنكر المولى و ادعى خروجها قبل الرجعة، فالقول قول الزوج. و قيل: لا يكلف اليمين لتعلق حق النكاح بالزوجين، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن الرجعة استباحة بضع تتعلق بالزوجين فقط، فمع تصادقهما على صحتهما يحكم بصحتها شرعا، عملا بقوله (عليه السلام) «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (5).

و لا يفتقر في الحكم بصحة قوله الى يمين، اذ فائدة اليمين: اما اسقاط دعوى

____________

(1) المبسوط 5/ 109- 110.

(2) الخلاف 2/ 249- 250.

(3) عوالى اللئالى 1/ 293، برقم: 173.

(4) المبسوط 5/ 106.

(5) عوالى اللئالى 1/ 223 و 2/ 257 و 3/ 442.

33

المدعي، أو اثبات ما يدعيه، و هي منتفية هنا، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى أن الرجعة اثبات لنوع تسلط و سلطنة على الامة، فيقف ثبوتها على اذن المالك لانها ماله، و النبي (عليه السلام) قال: لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه (2). و مع دعواه لانقضاء العدة و انكاره وقوع الرجعة قبل خروجها من العدة لم يحصل الاذن، فلا يحكم بصحة الرجعة، و نمنع تعلق حق النكاح بالزوجين فقط، بل انما نقول بذلك اذا كانا حرين فحسب. و يحتمل أن يكون القول قول الزوج مع اليمين، لانه يدعي الظاهر.

[لا تجب العدة بالخلوة]

قال (رحمه اللّه): و لا تجب العدة بالخلوة منفردة عن الوطي على الاشهر.

أقول: ذهب الشيخ في النهاية (3) الى وجوبها، بناء على أن المهر يستقر بمجرد الخلوة، فتجب العدة، للحكم بثبوت الوطي المترتب عليه العدة، و أنكره الباقون بناء على أنه لا يستقر الا بالدخول، لان العدة تترتب على الوطي، فحيث لا وطئ فلا عدة. و لما كان الحق أن المهر لا يستقر الا بالدخول، لا جرم كان القول بوجوب العدة بمجرد الخلوة ضعيفا لضعف أصله.

قال (رحمه اللّه): و يلزم المتوفى عنها [زوجها] الحداد، و هو ترك ما فيه ريبة- الى قوله: و في الامة تردد، أظهره أنه لا حداد عليها.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب الحداد، ترك العمل بها في الحرة، للاتفاق عليه، فيبقى معمولا بها فيما عداها، و هو ظاهر كلام المتأخر.

و الالتفات الى عموم الاحاديث الدالة على وجوب الاحداد على الزوجات، و طريقة الاحتياط قاضية بذلك، و به أفتى الشيخ في المبسوط (4)، لقوله (عليه السلام) «لا تحل

____________

(1) المبسوط 5/ 107.

(2) عوالى اللئالى 1/ 222، برقم: 98.

(3) النهاية ص 512.

(4) المبسوط 5/ 263.

34

لامرأة تؤمن باللّه و اليوم الاخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال الا على زوج أربعة أشهر و عشرا (1). فشرع الاحداد على الزوجة أربعة أشهر و عشرا، و لم يفرق في ذلك بين الامة و الحرة.

قال (رحمه اللّه): لا نفقة على الغائب في زمان العدة، و لو حضر قبل انقضائها نظرا الى حكم الحاكم بالفرقة، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن نفقة الزوجة تابعة لبقاء زوجيتها، و مع حكم الحاكم بالفرقة تنقطع الزوجية، فتنقطع معلولها و هو النفقة، عملا بالعلية، و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2).

و الالتفات الى أنها في حكم الزوجة ما دامت في العدة، فتجب لها النفقة لو حضر قبل انقضائها.

أما الصغرى، فلانه أملك بها مع حضوره قبل خروجه من عدتها، و لو لا أنها زوجته لما صح له ذلك الا بعقد جديد و مهر مستأنف.

و أما الكبرى فاجماعية، و لانها محبوسة عليه في هذه الحال، فتجب لها النفقة عليه.

أما لو حضر بعد انقضاء العدة قبل التزويج أو بعده، ففي وجوب نفقتها عليه في زمان اعتدادها منه اشكال، ينشأ: من انقطاع العصمة بينهما، و من أنها حال الاعتداد في حكم زوجته، لما ذكرناه.

قال (رحمه اللّه): و لو طلقت في مسكن دون مستحقها، جاز لها الخروج عند الطلاق الى مسكن يناسبها، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم النهي عن اخراج المعتدة من بيتها، و لا

____________

(1) المبسوط 5/ 265.

(2) المبسوط 6/ 12.

35

ريب في صدق اسم البيت هنا على المسكن الذي طلقت فيه مطلقا، اذا المراد بالبيت المذكور في قوله تعالى «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» (1) المسكن الذي يسكنها الزوج فيه و ليس بمملوك لها، بدليل أنه يقال: يسوغ اخراجها منه مع الاتيان بالفاحشة، و لو كان ملكا لها لما ساغ اخراجها منه على كل حال.

و الالتفات الى أن على الزوجة في ذلك عضاضة، و ربما لحقها باعتباره عار و ضرر، فيشرع لها الانتقال الى مسكن يناسبها، دفعا للضرر، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (2).

____________

(1) سورة الطلاق: 1.

(2) المبسوط 5/ 254.

36

فصل (ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الخلع)

[لو طلبت منه طلاقا بعوض]

قال (رحمه اللّه): لو طلبت منه طلاقا بعوض، فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين، و لو طلبت منه خلعا بعوض، فطلق به لم يلزم البذل، على القول بوقوع الخلع بمجرده فسخا، و يلزم على القول بأنه طلاق، أو أنه يفتقر الى الطلاق.

أقول: اعلم أن الذي يلوح في أول النظر عدم الفرق بين المسألتين في هذا التفصيل، اذ لقائل أن يقول: لا يخلو اما أن يكون المعتبر في استحقاق البذل الاتيان بالصيغة أو بمرادفها، فان كان الاول لم يقع الخلع على القولين في الصورة الاولى، لايقاعه غير ملتمسها. و يقع الطلاق في الصورة الثانية رجعيا، و لا يستحق باعتباره البذل، لما قلناه أولا على القولين أيضا.

و ان كان المعتبر هو الثاني يأتي التفصيل في المسألتين، فالفرق تحكم، لكن الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط قال: لو قالت: خالعني على ألف مثلا، و نوت به الطلاق، فقال: طلقتك، صح عندنا و عندهم. فأما ان قالت: طلقني على ألف، فقال: خلعتك عليها ناويا الطلاق، فعلى ما اخترناه لا يقع، و على ما

37

يذهب إليه بعض أصحابنا من أن تلفظ الخلع يقع الفرقة ينبغي الوقوع.

ثم قال بعد أن ذكر أن القائل بالوقوع من الاصحاب ينبغي له الاقتصار على لفظ الخلع. و اذا اثبت هذا فعلى ما اخترناه من طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها به، لم يصح على المذهبين جميعا، أعني: مذهبي أصحابنا، لانه أجابها الى غير ملتمسها، لانها طلبت منه فراقا يقع به نقصان الطلاق، فأجابها بما لا ينقص الطلاق فأما ان طلبت منه فسخا بعوض فطلقها به، ينبغي أن يقول من أجاز من أصحابنا ذلك أنه لا يقع، لاعطائها غير مطلوبها، و حكى عن بعض الوقوع (1). فأتبع المصنف تفصيله الاخر، و ليس بجيد.

قوله «لانه أجابها الى غير ملتمسها» قلنا متى يكون كذلك اذا جعلنا الخلع فسخا أو طلاقا، الاول مسلم و الثاني ممنوع، لان صيغة الطلاق و الخلع عند هذا القائل مترادفتان، و قد مر في أصول الفقه صحة اقامة كل من المترادفين مقام صاحبه.

و من العجب أن الشيخ و المصنف (رحمهما اللّه) ذكرا أن فائدة الخلاف الاعتداد به في عدد الطلقات على الثاني دون الاول، ثم قالا هذه المقالة. و اذا تقرر ما قلناه فالتفصيل الذي ذكرناه جيد.

[فى بذل الفداء]

قال (رحمه اللّه): و يصح بذل الفداء منها و من وكيلها و ممن يضمنه باذنها، و هل يصح من المتبرع؟ فيه تردد، و الاشبه المنع.

أقول: منشؤه: النظر الى أن وقوع الخلع الشرعي بهذا النوع من البذل حكم شرعي، فيقف على الدلالة الشرعية، فحيث لا دلالة فلا شرع، و به أفتى الشيخ في المبسوط (2) و الخلاف (3)، محتجا بقوله تعالى «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ

____________

(1) المبسوط 4/ 348.

(2) المبسوط 4/ 368.

(3) الخلاف 2/ 222.

38

فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» (1).

فأضاف تعالى الفداء إليها، و في اضافته إليها دليل على أنه لا يصح بذله من غيرها، و بأصالة بقاء العقد، فيتمسك بها الى حين ظهور المزيل قطعا، و أتبعه المتأخر.

و الالتفات الى الاصل الدال على الجواز، و به قال جميع الفقهاء الا الثوري.

قال (رحمه اللّه): أما لو قال: طلقها على ألف من مالها و علي ضمانها، أو على عبدها هذا و علي ضمانه صح، فان لم ترض بدفع البذل صح الخلع و ضمن المتبرع و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أنه أجنبي، فلا يصح بذل الفداء منه، لما قدمناه، و لانه ضمان ما لم يجب، فلا يكون لازما.

و الالتفات الى أن في ذلك مصلحة عامة مقصودة للعقلاء، و هو مما يمس الحاجة إليه، فيكون مشروعا لمساس الحاجة إليه، كما لو قال عند خوف الغرق: ألق متاعك في البحر و علي ضمانه، و ان كانا جميعا ضمان ما لم يجب، و به أفتى الشيخ في المبسوط (2).

و في الجمع بين قوله في هذه المسألة و التي قبلها تضاد ظاهر، لان المصلحة الداعية الى مشروعيتهما واحدة، فالعمل بها في احدى المسألتين الغاؤها في الاخرى ترجيح من غير مرجح، و هو باطل.

[فى الظهار]

قال (رحمه اللّه): و في وقوع الظهار موقوفا على الشرط تردد، أظهره الجواز.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم الروايات الدالة على الوقوع و يؤيده عموم

____________

(1) سورة البقرة: 229.

(2) المبسوط 4/ 367.

39

الآية (1)، و به أفتى الشيخ في النهاية (2) و الخلاف (3).

و الالتفات الى أن الظهار ايقاع، فلا يصح موقوفا على شرط كالطلاق، و يؤيده أصالة براءة الذمة، و حل الزوجة ممن حرم وطؤها بهذا النوع من الظهار، و أوجب الكفارة به فعليه الدلالة، و به أفتى المتأخر، محتجا بهذه الادلة، و نقل ذلك عن شيخنا المفيد و علم الهدى و جلة المشيخة من أصحابنا.

و بما قاله روايتان: احداهما عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (4)، و الثانية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5).

لكن المتأخر لا يرضى بهما استدلالا، لانهما مع كونهما من أخبار الآحاد، فيهما ضعف، لان في طريق الرواية الاولى أبا سعيد الادمي، و قد طعن فيه الشيخ (رحمه اللّه) و جماعة من أصحابنا، و في طريق الثانية ابن فضال، و هو فطحي، و مع ذلك فروايته مرسلة.

و أما الدلائل التي استدل بها فضعيفة جدا: أما الاول، فلانه قياس محض، و هو عندنا باطل. و أما الثاني، فلان الاصالة تخالف لقيام الدلالة و قد بيناها.

لا يقال: لا خلاف بين الاصحاب أن الظهار حكمه حكم الطلاق و من جملة أحكام الطلاق أن لا يقع موقوفا على الشرط.

قلنا: هذه الدعوى ممنوعة، و هي منقوضة بمسائل كثيرة لا حاجة بنا الى تعدادها و انما هذا شيء ادعاه المتأخر و اما نقله ذلك عن أكثر الاصحاب.

قال (رحمه اللّه): و هل يقع الظهار بالموطوءة بالملك؟ فيه تردد، و المروي

____________

(1) سورة المجادلة: 2.

(2) النهاية ص 525.

(3) الخلاف 2/ 260.

(4) تهذيب الاحكام 8/ 13، ح 17.

(5) تهذيب الاحكام 8/ 13، ح 18.

40

أنه يقع كما يقع بالحرة.

أقول: منشؤه: النظر الى رواية اسحاق بن عمار قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من جاريته، فقال: الحرة و الامة في هذا سواء (1). و في معناها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).

و رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهم السلام) قال: سألته عن الظهار يقع على الحرة و الامة؟ فقال: نعم (3). و عليها فتوى الشيخ في النهاية (4) و الخلاف (5)، محتجا بالاجماع، و عموم آية الظهار، و اختاره ابن أبي عقيل في المتمسك.

و الالتفات الى أصالتي الاباحة و براءة الذمة من وجوب الكفارة، فمن ادعى تحريم المملوكة و شغل الذمة بالكفارة، فعليه الدلالة. و هو اختيار المفيد و علم الهدى في بعض مسائلة و سلار و أبي الصلاح و المتأخر.

و يؤيده الرواية المروية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل جعل جاريته عليه كظهر أمه قال: يأتيها و ليس عليه شيء (6).

و الارجح الاول، لان رواياته أصح طريقا، و مع ذلك فهي مؤيدة بعموم القرآن. و أما الرواية الدالة على عدم الوقوع، فضعيفة لان في طريقها علي بن فضال، و هو فاسد العقيدة، و في طريقها ابن بكير و هو أيضا كذلك، و حمزة بن حمران و هو مجهول الحال.

لا يقال: ففي طريق روايتكم الاولى عمار، و هو فطحي.

____________

(1) تهذيب الاحكام 8/ 24، ح 51.

(2) تهذيب الاحكام 8/ 24، ح 52.

(3) تهذيب الاحكام 8/ 17، ح 28.

(4) النهاية ص 527.

(5) الخلاف 2/ 259.

(6) تهذيب الاحكام 8/ 10، ح 7.

41

لانا نقول: عمار و ان كان فطحيا، لكن الشيخ وثقه و عمل بمفرداته، و مع ذلك فهي مؤيدة بروايات أخر.

و اعلم أن المتأخر قال: ان المملوكة ليست من النساء، فلا يدخل تحت الآية و ليس بشيء و أن ذلك دعوى مجردة.

قال (رحمه اللّه): و لو ظاهر من واحدة مرارا، وجب عليه بكل مرة كفارة، فرق الظهار أو تابعه، و من فقهائنا من فصل.

أقول: قال الشيخ في المبسوط: اذا ظاهر من امرأته مرارا لم يحل. اما أن يوالي أو يفرق، فان و الى بأن قال: أنت علي كظهر أمي مرارا، فان نوى بالثاني و الثالث التأكيد لم يلزمه إلا كفارة واحدة بلا خلاف، و ان لم ينو التأكيد و لا الاستيناف، فانه يلزمه كفارة واحدة اجماعا أيضا، و ان نوى الاستيناف لزمه بكل واحدة كفارة عندنا و عند قوم. و قال بعضهم: يلزمه واحدة.

و أما ان فرق فانه ينظر، فان كفر عن الاول ثم تلفظ بالثاني، وجب عليه بالثاني كفارة مجددة بلا خلاف، و ان لم يكفر عن الاول فالحكم كما لو و الى ذلك و نوى به الاستيناف عندنا و عند الاكثر بكل لفظ كفارة، و قال بعضهم: كفارة واحدة (1).

و قال في الخلاف (2): يلزم بكل مرة كفارة اذا نوى الاستيناف بها، و لم يفرق بين المتتابع و المتفرق، محتجا باجماع الفرقة و الاحتياط و عموم الآية.

و قال المتأخر: و اذا كرر كلمة الظهار، لزمه بكل دفعة كفارة، فان وطئ التي كرر القول لها قبل أن يكفر، لزمته كفارة واحدة عن الوطي و كفارات التكرار و لعله الاقرب.

____________

(1) المبسوط 5/ 152.

(2) الخلاف 2/ 262.

42

لنا- عموم الآية، و لا ريب في صدق اسم الظهار على كل مرة مرة و ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر قال: عليه بكل مرة كفارة (1). و في معناها رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) و قد روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل ظاهر من امرأته أربع مرات في كل مجلس واحدا، قال: عليه كفارة واحدة (3).

فالشيخ (رحمه اللّه) لما نظر الى اختلاف الروايتين جمع بينهما بالتفصيل الذي نقلناه عنه، و هو حسن، لكن هذه الرواية ضعيفة السند، فلا اعتماد عليها.

[فى كفارة الحنث في العهد، و في النذر]

قال (رحمه اللّه): و كذا كفارة الحنث في العهد، و في النذر على تردد.

أقول اختلف الاصحاب في كفارة خلف النذر و العهد، فذهب الثلاثة و سلار الى أنها مثل كفارة رمضان، عملا برواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: من جعل عليه عهد اللّه و ميثاقه في أمر فيه طاعة فحنث، فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستين مسكينا (4). و في معناها رواية جميل بن دراج عن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5).

و ذهب ابن بابويه الى أنها كفارة يمين، عملا برواية حفص بن غياث قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كفارة النذر، فقال: كفارة يمين (6)، و هي ضعيفة، فان حفص بن غياث بتري. و في طريقها سليمان بن داود المنقري، و قد طعن فيه ابن الغضائري و ضعفه جدا.

____________

(1) تهذيب الاحكام 8/ 22، ح 45.

(2) تهذيب الاحكام 8/ 22، ح 46.

(3) تهذيب الاحكام 8/ 23، ح 48.

(4) تهذيب الاحكام 8/ 315، ح 47.

(5) تهذيب الاحكام 8/ 314، ح 42.

(6) تهذيب الاحكام 8/ 316، ح 52.

43

و قال المتأخر: ان كان النذر صوما معينا، فكفارته كفارة رمضان، و ان كان غير الصوم فكفارة خلفه كفارة يمين. و المصنف (رحمه اللّه) اختار أن كفارة خلف النذر كفارة يمين، عملا برواية جميل بن صالح عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال:

من عجز عن نذر نذره، فكفارة يمين (1). و كفارة خلف العهد كفارة رمضان، عملا بما ذكرناه من الروايات.

قال (رحمه اللّه): و يعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف: الوصف الاول- الايمان و هو معتبر في كفارة القتل اجماعا، و في غيرها على التردد، و الاشبه اشتراطه.

أقول: ذهب الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (2) و المبسوط (3) الى أن الايمان في الرقبة غير معتبر، الا في كفارة القتل، دون ما عداها من سائر الكفارات محتجا بوجهين:

الاول: أصالة براءة الذمة تنفي وجوب ذلك مطلقا، ترك العمل بها في كفارة القتل، للنص و الاجماع، فيعمل بها فيما عداها.

الثاني: القرآن ورد بوجوب هذه الكفارات على من وجد منه سببها، و لم يشترط في الرقبة الايمان، بل أطلق ذلك اطلاقا، و انما قيدها بالايمان في قتل الخطأ خاصة، فحمل غيرها عليها يحتاج الى دليل، و لا دليل في الشرع يوجب ذلك.

و قال المتأخر: اختلف أصحابنا في ذلك، فالاظهر الذي يقتضيه أصول المذهب أن في جميع الرقاب في الكفارات و غيرها لا تجزئ الا المؤمنة، أو بحكم المؤمنة و لا تجزئ الكافرة، محتجا بقوله تعالى «وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» (4)

____________

(1) تهذيب الاحكام 8/ 306، 14.

(2) الخلاف 2/ 420.

(3) المبسوط 6/ 212.

(4) سورة البقرة: 267.

44

و الاستدلال بها يتوقف على مقدمات.

الاولى: أن النهي المجرد يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات، و قد ثبت ذلك جميعا في أصول الفقه.

الثانية: أن الكافر يسمى خبيثا، فيدخل تحت الآية، و قد ادعي الاجماع على اجراء هذا الاسم عليه.

الثالثة: أن العتق يسمى انفاقا و الحق ذلك، اذ الانفاق عبارة عما أخرج لوجه اللّه تعالى، عتقا كان أو غيره. و هو اختيار الشيخ في التبيان (1).

و اذا تقرر ذلك فنقول: نهى تعالى عن انفاق الخبيث، و عتق الكافر انفاق خبيث، فيكون منهيا عنه، و اذا كان منهيا عنه لم يكن مجزئا، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه، و بأن طريقة الاحتياط قاضية بذلك، لان الذمة مشغولة بالكفارة بغير خلاف، و لا تبرأ بيقين الا اذا كفر بالمؤمنة، لوقوع الخلف في اجزاء ما سواها و للاتفاق على اجزائها، و هو اختيار علم الهدى و غيره من المشيخة، و اختاره الشيخ (رحمه اللّه) في التبيان، و به قال الشافعي و مالك و الاوزاعي و أحمد و اسحاق.

[لو أسلم المراهق لم يحكم باسلامه]

قال (رحمه اللّه): و لو أسلم المراهق لم يحكم باسلامه، على تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم قوله (عليه السلام) «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» (2) و ارتفاع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لقوله، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (3).

و الالتفات الى عموم قوله (عليه السلام) «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (4) و لان

____________

(1) التبيان 2/ 344.

(2) عوالى اللئالى 1/ 209.

(3) المبسوط 6/ 212.

(4) عوالى اللئالى 1/ 223 و 2/ 257 و 3/ 442.

45

المراهق- أعني: الذي ناهز البلوغ- غير عاقل و لقائل أن يمنع ذلك، اذ العقل انما يتحقق مع البلوغ أما قبله فلا.

قال (رحمه اللّه): و يعتبر نية التعيين ان اجتمعت أجناس مختلفة، على الاشبه.

أقول: قال الشيخ في المبسوط: اذا وجبت عليه كفارات من جنس واحد أو من أجناس، فأعتق عنها أو صام، فان الواجب عليه أن ينوي التكفير، بحيث لا يفتقر الى تعيين النية عن كفارة بعينها.

قال و قال قوم: ان كانت من جنس واحد، كفاه نية التكفير و لم يحتج الى نية التعيين. و ان كانت من أجناس، فلا بد فيها من نية التعيين، فان لم يعين لم يجزئه و هذا عندي أقوى (1).

و الحق ما قواه الشيخ أخيرا، و هو اختياره في الخلاف، و اختاره المتأخر.

قال (رحمه اللّه): و لو كانت الكفارات من جنس واحد، قال الشيخ: يجزي نية التكفير مع القربة، و لا يفتقر الى التعيين، و فيه اشكال.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم قوله (عليه السلام) «الاعمال بالنيات» (2) وجه الاستدلال أنه (عليه السلام) علق حصول الاعمال بانضمام النيات إليها، فمهما لم تحصل النية مع العمل لم يقع العمل مشروعا.

اذا تقرر هذا فنقول: كل واحدة من هذه الكفارات يسمى عملا، و ان كانت من جنس واحد، فمهما لم ينوه بانفراده لم يقع مشروعا، فلا يكون مجزئا، فيجب حينئذ نية التعيين، تحصيلا للاتيان بالمأمور شرعا.

و الالتفات الى أن نية التكفير مشتملة على نية كل فرد فرد من الكفارات، لكون

____________

(1) المبسوط 6/ 209.

(2) تهذيب الاحكام 4/ 186.

46

التكفير مصدرا، و المصدر جنس مندرج على جميع ما تحته من الجزئيات، فتكون مجزية، و هو الاقوى، و اختاره المتأخر، و ادعى الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، و الظاهر أنه أراد اجماع فقهاء العامة.

قال (رحمه اللّه): و لو قال له قائل: أعتق مملوكك عن كفارتك و لك علي كذا فاعتقه لم يجز عن الكفارة، و في وقوع العتق تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن العتق ايقاع صدر من أهله في محله، فكان صحيحا. و انما لم يجز عن الكفارة لانه قصد بعتقه العوض. اما الصغرى ففرضية اذ التقدير أنه وقع من المالك البالغ العاقل في حق مملوكه. و أما الكبرى فاجماعية.

و هو اختيار الشيخ في المبسوط، محتجا بأن العتق أوقع عن أمرين، فاذا لم يقع عن أحدهما وقع عن الاخر، و يستحق حينئذ العوض على الباذل و يقع العتق عنه، و يكون ولاؤه له دون مولاه.

و الالتفات الى أن المالك انما قصد اعتاقه على أن يكون مجزيا عن الكفارة و لم يحصل، فبطل عتقه.

قال (رحمه اللّه): و مع تحقق العجز عن العتق- الى قوله: و هل يأثم مع الافطار؟ فيه تردد، أشبهه عدم الاثم.

أقول: منشؤه: النظر الى أن المتابعة بين الشهرين واجبة اجماعا فالمخل بها من غير عذر آثم، و ان جاز له البناء على صومه، الا اذا كان قد صام من الشهر الثاني شيئا، اذ لا منافاة بين حصول الاثم بالاخلال بالتتابع و بين جواز البناء، و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى اطلاق الروايات الدالة على جواز التفريق مع صيام شيء من

____________

(1) المبسوط 6/ 214.

47

الشهر الثاني، و في جواز التفريق دليل على عدم الاثم، و هو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف.

قال (رحمه اللّه): اذا كان له مال يصل إليه بعد مدة غالبا لم ينتقل فرضه بل يجب الصبر، و لو كان مما يتضمن المشقة بالتأخير كالظهار، و في الظهار تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن الانتقال عن احدى خصال الكفارة المرتبة مشروط بالعجز عن الخصلة المتقدمة عليها، و هو غير متحقق هنا، فلا يجوز الانتقال بل يجب الصبر الى أن يصل الى موضع يساره و يعتق، و هو الاقوى عند الشيخ في المبسوط (1) لانه حق لا يفوت بالتأخير.

و الالتفات الى أن عليه في التأخير ضررا و مشقة و حرجا، فيكون سفها، عملا بظاهر الآيات و المشهور من الروايات.

[فى الايلاء من المجبوب]

قال (رحمه اللّه): و في صحة الايلاء من المجبوب تردد، أشبهه الجواز، و يكون فئته كفئة العاجز.

أقول: منشؤه: النظر الى عموم الآية (2)، و به أفتى الشيخ في المبسوط (3).

و الالتفات الى أن الايلاء عبارة عن قصد الاضرار بالزوجة بالامتناع من وطئها بصفة يمين، و لا ريب أن المجبوب الذي لم يبق له شيء بحال غير قادر على الوطي، بل هو ممتنع بغير يمين.

قال (رحمه اللّه): و في وقوعه بالمستمتع بها تردد، أظهره المنع.

أقول: منشؤه: النظر الى رواية العلاء بن رزين عن عبد اللّه بن أبي يعفور

____________

(1) المبسوط 6/ 211.

(2) سورة البقرة: 226.

(3) المبسوط 5/ 142.

48

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا ايلاء على الرجل من المرأة التي يتمتع بها (1). و عليها فتوى الشيخ و علم الهدى و ابن أبي عقيل و المتأخر.

و احتج علم الهدى بقوله تعالى «فَإِنْ فٰاؤُ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ فَإِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» وجه الاستدلال أن يقال: المراد من النساء في الآية الدائمات، لتعقيبها بالطلاق في من لم يفيء، و لما كان الطلاق بالمستمتع بها منفيا، لا جرم كان الايلاء كذلك.

و فيه نظر، فانه من باب تخصيص العام باللفظ الخاص، و قد بين ضعفه في أصول الفقه.

و الالتفات الى عموم آية الايلاء، و به قال أبو الصلاح، و حكى ذلك عن المفيد في بعض مسائله، و المعتمد الاول.

قال (رحمه اللّه): و اذا وافقته فهو مخير بين الطلاق و الفئة، فان طلق فقد خرج عق حقها، و تقع الطلقة رجعية على الاشهر.

أقول: ذهب أكثر الاصحاب الى أن طلاق المولى يقع رجعيا، و خالف شاذ منهم في ذلك و قال: انه يقع بائنا. لنا- الاصل.

قال (رحمه اللّه): و لو تجددت أعذارها في أثناء المدة، قال في المبسوط:

تنقطع الاستدامة عدا الحيض، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن الحيض أمر معتاد للمرأة، فلا يعد عذرا مانعا من جهتها، اذ العذر هنا عبارة عن الامر النادر المانع من الوطي، كالمرض و الجنون و ما شاكلهما في المنع من الوطي.

و لان الحيض لو قطع الاستدامة لزم أن لا يتم تربص واحد في غالب العرف فان العرف أن تحيض المرأة في كل شهر حيضة، فيفضي الى منع التربص بكل

____________

(1) تهذيب الاحكام 8/ 8، ح 22.

49

حال، و هذا الدليل ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1)، محتجا به على هذا المطلوب.

و الالتفات الى أنه عذر، فتنقطع الاستدامة كغيره من الاعذار.

فرع:

قال في المبسوط: لو كانت أعذارها موجودة حين الايلاء، لم يضرب لها المدة ما دامت الاعذار موجودة، لان المدة انما تضرب اذا امتنع من جماعها بعقد يمين، و هاهنا قد حصل المنع بغير يمين.

ثم قال (رحمه اللّه): هذا في جميع الاعذار الا الحيض، فانه لو آلى منها و هي حائض لم يمنع الحيض من ابتداء المدة (2).

و أقول: البحث هنا في الحيض، كالبحث في كونه قاطعا للاستدامة أم لا، و التردد التردد و البيان البيان.

[المدة المضروبة بعد الترافع لا من حين الايلاء]

قال (رحمه اللّه): قال في المبسوط: المدة المضروبة بعد الترافع لا من حين الايلاء، و فيه تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى اطلاق الروايات الدالة على مدة التربص أربعة أشهر من غير تقييد بالمرافعة أو غيرها، و يؤيده عموم الآية، و به قال أكثر الاصحاب.

و الالتفات الى أن التربص حكم شرعي، و الاحكام الشرعية اذا وردت مطلقة انصرفت الى أهل الشرع، فتكون مدة التربص موقوفة على اذن الشارع، و هو المراد بالمرافعة، و به قال الشيخ و أتبعه المتأخر.

قال (رحمه اللّه): و لا يلحق الخصي المجبوب على تردد.

____________

(1) المبسوط 5/ 136.

(2) المبسوط 5/ 135- 136.

50

أقول: منشؤه: النظر الى أن العادة قاضية بأن مقطوع الذكر و الانثيين معا لا يولد، فلا يلحق به الولد قضاء للعادة، اذ الشرعيات مبنية على الظواهر، و هو الذي قواه الشيخ في المبسوط (1).

و الالتفات الى عموم قوله (عليه السلام) «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (2) فالحق الولد بمجرد الفراش، و امرأة الخصي المجبوب يسمى فراشا، فيكون الولد الذي يلده امرأته لاحقا به، و لا ينفى عنه الا باللعان، و لعله الاقرب عملا بالاحتياط.

[فى اللعان]

قال (رحمه اللّه): و لو اعترفت المرأة بعد اللعان لم يجب عليها الحد، الا أن تقر أربع مرات، و في وجوبه معها تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى قوله تعالى «وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذٰابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهٰادٰاتٍ بِاللّٰهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكٰاذِبِينَ» (3) فجعل الاثنان بذلك دارئا للعذاب الذي هو عبارة عن الحد هنا عنها و قد حصل، فيسقط الحد عملا بالمقتضي السالم عن المعارض.

و الالتفات الى أن موجب الحد هنا شيء متجدد غير الاول، و هو الاقرار أربعا، فيجب الحد عملا بالمقتضي أيضا، و عليه فتوى الشيخ في النهاية (4) و المبسوط (5) و الخلاف (6)، و أتبعه المتأخر، و هو قوي.

قال (رحمه اللّه): اذ قذفها فأقرت قبل اللعان، قال الشيخ (رحمه اللّه): لزمها الحد ان أقرت أربعا و سقط عن الزوج. و لو أقرت مرة، فان كان هناك نسب، لم ينتف الا باللعان، و كان على الزوج أن يلاعن لنفيه، لان تصادق الزوجين على الزنا لا ينفي

____________

(1) المبسوط 5/ 186.

(2) عوالى اللئالى 2/ 132 و 275.

(3) سورة النور: 8.

(4) النهاية ص 521.

(5) المبسوط 5/ 201.

(6) الخلاف 2/ 288.

51

السبب، اذ هو ثابت بالفراش، و في اللعان تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أن اللعان انما يجب على نفي الفراش، ثم يتبعه انتفاء النسب، و ليس كذلك هنا، اذ اللعان هنا ينفرد بنفي النسب، فلم يكن للزوج ذلك، و هو مذهب أبي حنيفة.

و الالتفات الى أن النسب لم ينتف باعترافها بالزنا. أما أولا، فلعدم التنافي بين ثبوت الزنا و النسب، اذ هو ممكن الاجتماع. و أما ثانيا، فلان النسب لاحق بالفراش، فاحتاج في نفيه الى اللعان، و هذا الدليل الاخير احتج به الشيخ في المبسوط (1).

و احتج في الخلاف (2) بقوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰاجَهُمْ» (3) الآية، فشرع اللعان عند حصول الرمي المطلق الشامل للقذف بالزنا منفردا عن انكار الولد و منضما إليه نطقا أو معنى، و لم يفرق بين أن تعترف المرأة بالزنا أو تنكره، و هو قوي و نمنع انحصار اللعان فيما ذكر أولا، و انما هو مذهب أبي حنيفة فقط.

[فى العتق]

قال (رحمه اللّه): أما العتق، فعبارته الصريحة: التحرير، و في الاعتاق تردد.

أقول: منشؤه: النظر الى أصالة بقاء الملك على مالكه، فلا ينتقل عنه الا بأحد الاسباب المحررة قطعا، و ليس إلا لفظة التحرير، لوقوع الاجماع على صحة العتق مع التلفظ بها، و حصول الخلف في وقوع مع اللفظ بغيرها.

و هو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف، محتجا باجماع الفرقة و أخبارهم، و بأن الاصل بقاء الرق، و ايجاب العتق بما قالوه يحتاج الى دليل، و ما ذكرناه مجمع

____________

(1) المبسوط 5/ 202.

(2) الخلاف 2/ 288- 289.

(3) سورة النور: 6.

52

على وقوع العتق به (1) و هو الظاهر من كلام المتأخر.

و الالتفات الى أن أهل اللغة يستعملون لفظة العتق في التحرير استعمالا ظاهرا، بحيث لا يفهم منها عند الاطلاق الا التحرير، و سبق المعنى الى الذهن دليل الحقيقة و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2) و ابن أبي عقيل، و يؤيده اتفاق علمائنا (رضوان اللّه عليهم) على حصول العتق بقول القائل: اعتقتك و جعلت مهرك عتقك، الى غير ذلك من المسائل المشهورة.

قال (رحمه اللّه): و لو قال لامته: يا حرة و قصد العتق، ففي تحريرها تردد، و الاشبه عدم التحرير لبعده عن شبه الانشاء.

أقول: منشؤه: النظر الى أن التحرير حكم شرعي، فيقف ثبوته على اللفظ الذي وضعه الشارع دليلا على وقوعه، و ليس إلا قوله: أنت حر أو حرة، و لان لفظ النداء بعيد عن شبه الانشاء و العتق انما يقع بصيغة الانشاء فقط، اذ هو ايقاع فيستحيل وقوعه بلفظ الاخبار أو غيرها و ان قصد بها العتق، لان النية لا تستقل بوقوع العتق ما لم يكن اللفظ الصريح كغيره من الايقاعات.

و الالتفات الى عموم قوله (عليه السلام) «الاعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى» (3) و هذا قد نوى العتق، فيجب أن يكون حاصلا له، عملا بظاهر الخبر.

قال (رحمه اللّه): اذا أعتق ثلث عبيده و هم ستة، استخرج الثلث بالقرعة، و صورتها: أن يكتب في ثلاث رقاع اسم اثنين في كل رقعة، ثم يخرج على الحرية أو الرقية، فان أخرج على الحرية كفت الواحدة، و ان أخرج على الرقية أفتقر الى اخراج اثنين.

____________

(1) الخلاف 2/ 653 مسألة 14.

(2) المبسوط 6/ 51.

(3) تهذيب الاحكام 4/ 186.