الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج17

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
441 /
3

[تتمة كتاب الحج]

[تتمة الباب الرابع]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المقصد الثالث في نزول منى و ما بها من المناسك

قال في القاموس: «منى كإلى: قرية بمكة و تصرف، سميت لما يمنى بها من الدماء، قال ابن عباس لأن جبرئيل (عليه السلام) لما أراد أن يفارق آدم (عليه السلام) قال: تمن. قال: انتمى الجنة، فسميت به لأمنية آدم» انتهى.

و المروي من طرقنا

ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب العلل عن محمد بن سنان (1) قال:

«إن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) كتب إليه: أن العلة التي من أجلها سميت منى منى أن جبرئيل قال هناك لإبراهيم (عليه السلام): تمن على ربك ما شئت، فتمنى إبراهيم في نفسه أن يجعل الله مكان ابنه إسماعيل كبشا يأمره بذبحه فداء له، فأعطاه مناه».

هذا و قد عرفت مما تقدم (2) الكلام في وقت الإفاضة من المشعر إلى منى

____________

(1) علل الشرائع- ج 2 ص 120 ط طهران. و البحار- ج 99 ص 272.

(2) راجع ج 16 ص 456- 459.

4

و ما فيه من الخلاف، و أن الأحوط تأخير الإفاضة إلى طلوع الشمس و إن كان المشهور جوازه قبل الطلوع، إلا أنه لا يجوز له أن يجوز وادي محسر الذي هو حد المشعر مما يلي منى إلا بعد طلوع الشمس.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«لا يجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس».

و المتبادر من تحريم مجاوزته تحريم قطعه و الخروج منه، لأن الأصحاب (رضوان الله عليهم) صرحوا بعدم جواز قطعه و لا بعضه قبل طلوع الشمس، لخروجه عن المشعر، و هو مؤيد لما قدمناه من ترجيح عدم جواز الإفاضة قبل طلوع الشمس.

و يمكن أن يكون هذا وجه جمع بين الاخبار المتقدمة بأن تحمل الأخبار الدالة على أفضلية الإفاضة قبل الطلوع على الإفاضة من محله الذي بات فيه و ان بقي في حدود المشعر إلى طلوع الشمس، و لا يدخل في وادي محسر الذي هو حدها الخارج عنها من هذه الجهة إلا بعد طلوعها، و الأخبار الدالة على أنه لا يجوز له الإفاضة قبل طلوع الشمس و إن أفاض فعليه دم على الخروج من حدود المشعر قبل طلوع الشمس، لا على الإفاضة من منزله الذي بات فيه، و على هذا الوجه تجتمع الاخبار. إلا أن ظاهر عبارة

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.

5

كتاب الفقه (1) يحتاج في قبوله إلى نوع تكلف و تأويل.

و يستحب السعي في وادي محسر بعد دخوله و الدعاء بالمأثور، و هو

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا مررت بوادي محسر- و هو واد عظيم بين جمع و منى، و هو إلى منى أقرب- فاسع فيه حتى تجاوزه، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حرك ناقته فيه، و قال: اللّهمّ سلم عهدي، و اقبل توبتي، و أجب دعوتي، و اخلفني بخير فيمن تركت بعدي».

و في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

«الحركة في وادي محسر مأة خطوة».

قال الصدوق (ره) و في حديث آخر (4)

«مائة ذراع».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (5):

«فإذا بلغت طرف وادي محسر فاسع فيه مقدار مأة خطوة، و إن كنت راكبا فحرك راحلتك قليلا».

و روى في الكافي عن عمر بن يزيد (6) قال:

«الرمل في وادي محسر قدر مأة ذراع».

و الظاهر أن هذه الرواية هي التي أشار إليها الصدوق فيما تقدم من عبارته، إلا أن الرواية مقطوعة كما ترى.

____________

(1) ص 28 و المستدرك- الباب- 12- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 4.

(5) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 5.

6

و يستحب الرجوع للسعي لو تركه في الموضع المذكور،

لما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري (1) و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«أنه قال لبعض ولده: هل سعيت في وادي محسر؟ قال:

لا فأمره أن يرجع حتى يسعى، قال: فقال: إني لا أعرفه، فقال له:

سل الناس».

و عن الحجال عن بعض أصحابه (2) قال:

«مر رجل بوادي محسر فأمر أبو عبد الله (عليه السلام) بعد الانصراف إلى مكة أن يرجع فيسعى».

و إطلاق النص يقتضي عدم الفرق في الترك بين أن يكون نسيانا أو غيره، فيستحب الرجوع في الجميع.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن مناسك منى يوم النحر ثلاثة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق. و تحقيق الكلام في ذلك يقتضي بسطه في فصول ثلاثة:

الفصل الأول في رمي جمرة العقبة

و فيه مسائل

[المسألة] الأولى [هل الرمي واجب أو مسنون؟]

الأظهر الأشهر وجوب الرمي، و ظاهر العلامة في المنتهى و التذكرة أنه لا خلاف فيه، قال في المنتهى: «إذا ثبت هذا فان رمي هذه الجمرة بمنى

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.

7

يوم النحر واجب، و لا نعلم فيه خلافا».

مع أنه في المختلف قد نقل جملة من الأقوال المختلفة في ذلك، فنقل عن الشيخ في الجمل أنه ذهب إلى أن الرمي مسنون قال: «و كذا قال ابن البراج، و المشهور الوجوب، و عن الشيخ المفيد أنه قال: و فرض الحج الإحرام و التلبية و الطواف بالبيت و السعي بين الصفا و المروة و شهادة الموقفين و ما بعد ذلك سنن، بعضها أوكد من بعض، و هو يشعر بالاستحباب ايضا،- قال-: و الشيخ لما عد فرائض الحج في كتابي النهاية و المبسوط لم يذكر الرمي و قال في الاستبصار: قد بينا أن الرمي سنة، و ليس بفرض في كتابنا الكبير و قال ابن حمزة: الرمي واجب عند أبي يعلى، مندوب عند الشيخ أبي جعفر و الخذف واجب عند السيد، و قال ابن الجنيد: سنة، ثم قال: و من ترك رمى الجمار كلها متعمدا

فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1)

انه لم يتم حجه، و عليه الحج من قابل، و لم تحل له النساء أيضا، فإن كان جاهلا فعلم و هو بمكة رجع حتى يرميها متفرقا، فان خرج من مكة أمر من يرمي عنه،.

و قال أبو الصلاح: فإن أخل برمي الجمار أو بشيء منه ابتداء أو قضاء أثم بذلك و وجب عليه تلافي ما فرطه، و حجه ماض، و قال ابن إدريس: و هل رمي الجمار واجب أو مسنون؟ لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا، و لا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه، و قد يشتبه على بعض أصحابنا و يعتقد أنه مسنون غير واجب، لما يجده من كلام بعض المصنفين و عبارة موهمة أوردها في كتبه و يقلد المسطور بغير فكر و لا نظر، و هذا غاية الخطأ و ضد الصواب، فان شيخنا (ره) قال في الجمل:

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.

8

و الرمي مسنون فظن من يقف على هذه العبارة أنه مندوب، و انما أراد الشيخ بقوله: مسنون أن فرضه عرف من جهة السنة، لأن القرآن لا يدل على ذلك» ثم أطال في الاستدلال.

أقول: لا يخفى عليك بعد ملاحظة ما سمعت من الأقوال بعد ما تكلفه ابن إدريس من هذا الاحتمال، و لو لم يكن ثمة إلا عبارة الشيخ في الجمل التي ذكرها لأمكن ما ذكره من التأويل، إلا أن كلمات الشيخ و غيره متكثرة بذلك.

و لهذا قال شيخنا الشهيد في الدروس: «ذهب الشيخ و القاضي و هو ظاهر المفيد و ابن الجنيد إلى استحباب الرمي. و قال ابن إدريس: لا خلاف عندنا في وجوبه، و لا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه. و كلام الشيخ انه سنة محمول على ثبوته بالسنة. و قال المحقق: لا يجب قضاؤه في القابل لو فات مع قوله بوجوب أدائه، و الأصح وجوب الأداء و القضاء» انتهى.

و قال شيخنا أمين الإسلام الطبرسي طاب ثراه في كتاب مجمع البيان:

«و أركان أفعال الحج: النية و الإحرام و الوقوف بعرفة و الوقوف بالمشعر و طواف الزيارة و السعي بين الصفا و المروة، و أما الفرائض التي ليست بأركان فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له، و أما المسنونات من أفعال الحج فمذكورة في الكتب المصنفة فيه. و أركان فرائض العمرة: النية و الإحرام و طواف الزيارة و السعي و أما ما ليس بركن من فرائضها فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له» انتهى.

و ظاهره بل صريحه كما ترى أن ما عدا هذه المعدودة من المسنونات و المستحبات، و أن ذلك هو الذي عليه متقدمو الأصحاب ممن سبقه و عاصره

9

من غير خلاف يعرف، حيث إنه لم يسنده إلى قائل مخصوص و لم ينقل فيه خلافا، و ظاهره أنه مسلم الثبوت. و هو مشكل أي إشكال و معضل أي إعضال، لما يفهم من الاخبار من وجوب الأمور المذكورة كما سنشرحه إنشاء الله تعالى كملا في موضعه.

فمما يدل على وجوب الرمي هنا

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته (1):

«ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها» الحديث.

و ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«أي امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر ليلا فلا بأس، فليرم الجمرة ثم ليعض و ليأمر من يذبح عنه» الحديث.

و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء و الصبيان أن يفيضوا بليل و أن يرموا الجمار بليل و أن يصلوا الغداة في منازلهم، فان خفن الحيض مضين إلى مكة و وكلن من يضحي عنهن».

و في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري و غيره عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء و الضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل و أن يرموا الجمرة بليل، فإن

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 6.

10

أرادوا أن يزوروا البيت وكلوا من يذبح عنهم».

و عن سعيد السمان (1) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عجل النساء ليلا من المزدلفة إلى منى، فأمر من كان عليها منهن هدي أن ترمي و لا تبرح حتى تذبح، و من لم يكن عليها منهن هدي أن تمضي إلى مكة حتى تزور».

و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«سمعته يقول: لا بأس أن تقدم النساء إذا زال الليل، فيقفن عند المشعر الحرام ساعة ثم ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة، ثم يصيرن ساعة ثم ليقصرن، و ينطلقن إلى مكة فيطفن، إلا أن يكن يردن أن يذبح عنهن فإنهن يوكلن من يذبح عنهن».

و عن سعيد الأعرج في الصحيح (3) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهن بليل، قال: نعم- إلى أن قال- ثم أفض بهن حتى تأتي بهن الجمرة العظمى، فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن و يقصرن من أظفارهن» الحديث.

و بذلك يظهر أن القول بالاستحباب بعد ورود هذه الاخبار مما لا يلتفت إليه، و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.

المسألة الثانية [الأمور الواجبة في الرمي]

يجب فيه أمور

أحدها- النية

، و قد تقدم الكلام فيها في غير مقام.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.

11

و

ثانيها- العدد

، و هو سبع حصيات، و عليه اتفاق الخاصة و العامة، و يدل عليه

رواية أبي بصير (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

ذهبت أرمي فإذا في يدي ست حصيات، فقال: خذ واحدة من تحت رجلك».

و استدل على ذلك

برواية عبد الأعلى (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«قلت له: رجل رمى الجمرة بست حصيات فوقعت واحدة في الحصى، قال: يعيدها إن شاء من ساعته، و ان شاء من الغد إذا أراد الرمي، و لا يأخذ من حصى الجمار».

و في الدلالة تأمل، لاحتمال أن تلك الواحدة التي وقعت من الست، فلا يتم الاستدلال.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3):

«و ارم جمرة العقبة في يوم النحر بسبع حصيات».

و هو صريح في المطلوب.

و ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«أنه قال في رجل أخذ احدى و عشرين حصاة فرمى بها، فزاد واحدة فلم يدر من أيتهن نقصت؟ قال فليرجع فليرم كل واحدة بحصاة، قال: و قال في رجل رمى الأولى بأربع و الأخيرتين

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2- 3.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2- 3.

(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 4.

(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 7- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1 و ذيله في الباب- 6- منها- الحديث 1.

12

بسبع سبع، قال: يعود فيرمي الأولى بثلاث و قد فرغ، الحديث.

و سيأتي بتمامه قريبا إنشاء الله تعالى، و نحوه غيره.

و

ثالثها- إيصالها بما يسمى رميا

، فلو وضعها وضعا من غير رمي لم يجز،

لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته المتقدمة (1):

«ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها،.

و الأمر للوجوب، و الامتثال انما يحصل بإيجاد الماهية التي تعلق بها الأمر، و لا ريب أن الوضع بالكف و طرحها لا يدخل تحت مفهوم الرمي، فلا يكون مجزئا.

و قال العلامة في المنتهى: «و يجب إيصال كل حصاة إلى الجمرة بما يسمى رميا بفعله، فلو وضعها بكفه في المرمي لم يجزه، و هو قول العلماء» ثم استدل عليه بالأمر بالرمي في حديث معاوية المذكور و حديث آخر من طريق الجمهور (2) ثم قال: «و لو طرحها قال بعض الجمهور: لا يجزؤه، لأنه لا يسمى رميا، و قال أصحاب الرأي: يجزؤه، لأنه يسمى رميا. و الحاصل أن الخلاف وقع باعتبار الخلاف في صدق الاسم، فان سمي رميا أجزأ بلا خلاف، و إلا لم يجز إجماعا» انتهى.

أقول: لا يخفى أن الظاهر من كلام أهل اللغة أن الطرح بمعنى الرمي قال في القاموس: «طرحه و به كمنعه: رماه و أبعده».

و قال أحمد بن محمد الفيومي في كتاب المصباح المنير: «طرحته طرحا من باب نفع: رميت به، و من هنا قيل: يجوز أن يعدى بالباء فيقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(2) سنن البيهقي- ج 5 ص 128.

13

طرحت به، لأن الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن يعمل عمله، و طرحت الرداء على عاتقي ألقيته عليه» انتهى.

و قال في كتاب شمس العلوم: «طرح الشيء ألقاه، يقال: طرحه و طرح به بمعنى، و التحقيق المتسارع إلى الذهن أنه إذا قيل: رميت زيدا بالحجر و رميت الجمرة بالحصاة فلا معنى له إلا باعتبار القذف بها من بعد و رميها في الهواء حتى تصل إليه، و إذا قيل: رميت الحجر أو رميت بالحجر فهو بمعنى إلقاؤه من يده و ابعاده عنه، و هذا المعنى هو الذي يطلق عليه الطرح، فيقال: طرحته و طرحت به، لا المعنى الأول، و أما الوضع فهو أخص من ذلك».

و

رابعها- إصابة الجمرة بها بفعله

، و هو مما لا خلاف فيه بين كافة العلماء.

و عليه يدل

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1):

«إن رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها، و إن أصابت إنسانا أو جملا ثم وقعت على الجمار أجزأك».

قال في الدروس: «و الجمرة اسم لموضع الرمي، و هو البناء أو موضعه مما يجتمع من الحصى، و قيل: هو مجتمع الحصى لا السائل منه، و صرح علي بن بابويه بأنه الأرض» انتهى.

و قال في المدارك: «و ينبغي القطع بإصابة البناء مع وجوده، لأنه المعروف الآن من لفظ الجمرة، و لعدم تيقن الخروج عن العهدة بدونه، أما مع زواله فالظاهر الاكتفاء بإصابة موضعه» انتهى. و هو جيد.

أقول: و لعل مستند ما نقل عن علي بن بابويه هنا

قوله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

14

في كتاب الفقه الرضوي (1):

«فإن رميت و وقعت في محمل و انحدرت منه الى الأرض أجزأ عنك، و إن بقيت في المحمل لم تجز عنك، و ارم مكانها أخرى».

فإن ظاهرها الاكتفاء بإصابة الأرض و إن كان من أول الرمي، و لعله لو نقلت عبارته لكانت هي العبارة المذكورة كما عرفته غير مرة.

فلو وقعت على الأرض ثم و ثبت إلى الجمرة بواسطة صدم الأرض أو المحمل أو نحو ذلك أجزأت كما سمعته من عبارة كتاب الفقه (2) و صحيحة معاوية بن عمار (3) و الوجه فيه ظاهر، لأنه مستند إلى رميه.

و كذا لو وقعت على ما هو أعلى من الجمرة ثم استرسلت إليها.

و لو شك في الإصابة أعاد، لعدم تحقق الامتثال الموجب للبقاء تحت عهدة الخطاب.

و

خامسها- أن يرميها متفرقة متلاحقة

، فلو رمى بها دفعة لم يجزه، لأن المروي من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) انما هو الأول، و هي عبادة مبنية على التوقيف، فلا يجزئ ما عدا ذلك، و بذلك صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) أيضا.

قال في المنتهى: «و رمي كل حصاة بانفرادها، فلو رمى الحصيات دفعة لم يجزء،

لأن النبي (صلى الله عليه و آله) رمى متفرقات، و قال:

خذوا عني مناسككم

(4)

».

____________

(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(4) تيسير الوصول- ج 1 ص 312.

15

و في الدروس أنها تحسب واحدة، و فيه اشكال، قال: «و المعتبر تلاحق الرمي لا الإصابة، فلو أصابت المتلاحقة دفعة أجزأت، و لو رمى بها دفعة فتلاحقت في الإصابة لم يجز» و في الاجزاء في الصورة الأولى أيضا إشكال.

و بالجملة فالواجب الوقوف على الكيفية المنصوصة المعلومة من فعلهم (عليهم السلام) إذ لا مستند في أصل المسألة إلا ذلك كما عرفت، و الذي دلت عليه الاخبار و نقل من فعلهم (عليهم السلام) هو الرمي واحدة بعد واحدة.

و

سادسها- مباشرة الرمي بنفسه

، فلو استناب غيره لم يجزه إلا مع الضرورة، كما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى.

و

سابعها- وقوع الرمي في وقته

، و هو من طلوع الشمس الى غروبها، فلو رمى في ليلة النحر أو قبل طلوع الشمس لم يجز إلا لعذر، كما تقدم و سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى في المقام.

المسألة الثالثة [مستحبات الرمي]

للرمي مستحبات (منها)

الطهارة

على الأشهر الأظهر، و نقل عن الشيخ المفيد و المرتضى و ابن الجنيد أنه لا يجوز الرمي إلا على طهر.

و يدل على المشهور

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال:

«و يستحب أن ترمي الجمار على طهر».

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 3.

16

و عن أبي غسان عن حميد بن مسعود (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهر، قال: الجمار عندنا مثل الصفا و المروة حيطان إن طفت بينهما على غير طهر لم يضرك، و الطهر أحب الي فلا تدعه و أنت قادر عليه».

و أما

ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجمار، فقال: لا ترم الجمار إلا و أنت على طهر».

و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن الفضل الواسطي (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

«لا ترم الجمار إلا و أنت طاهر».

فحملهما الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الاستحباب كما هو صريح صحيح معاوية بن عمار.

و لعل من ذهب الى الوجوب استند إلى ظاهر هذين الخبرين، الا أن وجه الجمع بينهما و بين غيرهما مما عرفت يقتضي الحمل على ما ذكروه (رضوان الله تعالى عليهم).

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 5 عن أبي غسان حميد بن مسعود على ما في الطبع الحديث من الوسائل و الاستبصار ج 2 ص 258. و في التهذيب ج 5 ص 198 الرقم 660 ابن أبي غسان عن حميد بن مسعود و في الوافي ج 8 ص 161 ابن أبي غسان حميد بن مسعود.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 6.

17

و قد تقدم في كتاب الطهارة في باب الأغسال المستحبة (1) أن بعض الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ذكر استحباب الغسل لرمي الجمار و قد قدمنا أنه لا دليل عليه.

و يؤيده أنه

قد روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«سألته عن الغسل إذا رمى الجمار، قال: ربما فعلت، فأما السنة فلا، و لكن من الحر و العرق».

و عن الحلبي أيضا في الصحيح (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغسل إذا أراد أن يرمي الجمار، فقال: ربما اغتسلت، فأما من السنة فلا».

و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في عدم استحباب الغسل، و أنه ليس سنة و انما يقع لازالة العرق و الحر و نحو ذلك.

و (منها)

رمي جمرة العقبة مقابلا لها مستدبرا للقبلة

، و قال ابن أبي عقيل: «يرميها من قبل وجهها من أعلاها».

و قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه: «و تقف في وسط الوادي مستقبل القبلة يكون بينك و بين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشرة خطوة و تقول و أنت مستقبل القبلة».

هكذا نقل عنه في المختلف بعد أن نقل عن المشهور انه يرمي هذه الجمرة من قبل وجهها مستدبر القبلة مستقبلا لها، فان رماها عن يسارها

____________

(1) ج 4 ص 236.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 4.

18

مستقبلا للقبلة جاز إلا أن الأول أفضل، و هو اختيار الشيخ و ابن أبي عقيل و أبي الصلاح و غيرهم، و قال علي بن بابويه. ثم نقل العبارة المذكورة، ثم قال:

«لنا

ما رواه معاوية بن عمار (1) عن الصادق (عليه السلام)

ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها».

و ظاهر كلامه (قدس سره) أنه فهم من كلام الشيخ علي بن بابويه المذكور هو رميها مستقبل القبلة، فنسبه بهذا الى مخالفة المشهور من استحباب رميها مستدبر القبلة مقابلا لوجهها.

و الشهيد في الدروس قد نقل عنه ما هذه صورته قال: «و قال علي بن بابويه يقف في وسط الوادي مستقبل القبلة، و يدعو و الحصى في يده اليسرى، و يرميها من قبل وجهها لا من أعلاها- قال في الدروس- و هو موافق للمشهور إلا في موقف الدعاء» انتهى.

أقول: لا يخفى أن رسالة الشيخ المذكور لا تحضرني، إلا أن عبارته المذكورة إنما أخذت من كتاب الفقه الرضوي على النمط الذي تكرر ذكره في غير مقام.

و هذه صورة عبارة الكتاب (2)

«و ارم جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، و تقف في وسط الوادي مستقبل القبلة يكون بينك و بين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشرة خطوة، و تقول و أنت مستقبل القبلة و الحصى في كفك اليسرى اللهم هذه حصيات فاحصن لي عندك، و ارفعهن في عملي،

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(2) ذكر صدره في المستدرك- الباب- 1- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 4 و ذيله في الباب- 3- منها- الحديث 1.

19

ثم تتناول منها واحدة، و ترمى من قبل وجهها، و لا ترمها من أعلاها، و تكبر مع كل حصاة».

انتهى.

و هو ظاهر فيما ذكره شيخنا الشهيد في الدروس من موافقة القول المشهور في رمي الجمرة العقبة من قبل وجهها، و المخالفة في موقف الدعاء خاصة.

و بالجملة فإن صحيحة معاوية بن عمار قد دلت على أنه يرميها من قبل وجهها لا من أعلاها، و هكذا عبارة كتاب الفقه المذكورة، و هما ظاهرتان في الرد لما نقل عن ابن أبي عقيل، و لم نقف له فيما نقل عنه على دليل.

و أما رمى الأولى و الثانية فيرميهما عن يسارهما و يمينه مستقبل القبلة.

و (منها)

البعد عن الجمرة بعشر خطوات أو خمس عشرة خطوة

، لما عرفت من عبارة كتاب الفقه،

و في صحيحة معاوية بن عمار (1)

«و ليكن فيما بينك و بين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعا».

و هو قريب من الأول، لأن ما بين الخطى لا يقصر عن الذراع و لا يزيد عليه غالبا.

و (منها)

استحباب الدعاء

، ففي صحيحة معاوية بن عمار (2) المتقدمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها. و لا ترمها من أعلاها، و تقول و الحصى في يدك: اللهم هؤلاء حصياتي فأحصهن لي، و ارفعهن في عملي، ثم ترمي، فتقول مع كل حصاة: الله أكبر، اللهم أدحر عني الشيطان، اللّهمّ تصديقا بكتابك و على سنة نبيك، اللهم اجعله حجا مبرورا و عملا مقبولا و سعيا مشكورا و ذنبا مغفورا، و ليكن فيما بينك و بين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعا، فإذا أتيت رحلك و رجعت من الرمي فقل: اللهم بك وثقت و عليك توكلت، فنعم

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

20

الرب و نعم المولى و نعم النصير، قال: و يستحب أن ترمي الجمار على طهر».

و (منها)

استحباب التكبير مع كل حصاة

، كما في رواية كتاب الفقه (1) و التكبير مع الدعاء كما في صحيحة معاوية المتقدمة (2).

و روى في الكافي في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال:

«ما أقول إذا رميت؟ قال: كبر مع كل حصاة».

و (منها)

أن يكون الحصى في يده اليسرى و يرمي باليمنى

، و قد تقدم ما يدل على ذلك في عبارة كتاب الفقه (4).

و في رواية أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): خذ حصى الجمار بيدك اليسرى و ارم باليمنى».

و (منها)

الرمي ماشيا

على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله تعالى عليه) و قد اختلف هنا كلام الشيخ.

فقال في كتاب النهاية: «لا بأس أن يرمي الإنسان راكبا، و إن رمى ماشيا كان أفضل».

و قال في المبسوط لما ذكر رمي جمرة العقبة: «يجوز أن يرميها راكبا و ماشيا، و الركوب أفضل، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) رماها راكبا» و هو اختيار ابن إدريس على ما نقله في المختلف.

____________

(1) المستدرك- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(2) المتقدمة في ص 19.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(4) المستدرك- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.

21

قال في المدارك بعد نقل عبارة المبسوط و احتجاجه بأن النبي (صلى الله عليه و آله) رماها راكبا ما صورته: «و لم أقف على رواية تتضمن ذلك من طريق الأصحاب» انتهى.

و فيه ما سيظهر لك إنشاء الله تعالى من ورود الرواية بذلك، إلا أنه لم يقف عليها.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل رمى الجمار و هو راكب فقال: لا بأس به».

و ما رواه في الكافي عن مثنى عن رجل (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام)

«أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانت يرمي الجمار ما شاء».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (3) عن أخيه عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال:

«كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يرمي الجمار ماشيا».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابنا (4) عن أحدهم (عليهم السلام) في رمي الجمار

«أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) رمى الجمار راكبا على راحلته».

و في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى (5)

أنه رأى أبا جعفر (عليه السلام) رمى الجمار راكبا».

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

22

و عن عبد الرحمن بن أبي نجران في الصحيح (1)

«أنه رأى أبا الحسن الثاني (عليه السلام) رمى الجمار و هو راكب حتى رماها كلها».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن عنبسة بن مصعب (2) قال:

«رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) بمنى يمشي و يركب، فحدثت نفسي أن أسأله حين ادخل عليه، فابتدأني هو بالحديث، فقال: إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يخرج من منزله ماشيا إذا رمى الجمار، و منزلي اليوم أنفس من منزله، فأركب حتى انتهى إلى منزله، فإذا انتهيت إلى منزله مشيت حتى أرمي الجمار».

أقول: «قوله (عليه السلام): و منزلي اليوم أنفس» أي افسح، من النفس بالتحريك بمعنى الفسحة، قال في النهاية «و منه الحديث (3) ثم يمشي أنفس منه، أي افسح و أبعد قليلا».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن علي بن مهزيار (4) قال:

«رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يمشي بعد يوم النحر ثم يرمي الجمرة: ثم ينصرف راكبا، و كنت أراه ماشيا بعد ما يحاذي المسجد بمنى،.

قال:

و حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن الحسن بن صالح عن بعض أصحابنا قال:

نزل أبو جعفر (عليه السلام) فوق المسجد بمنى قليلا عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.

(3) نهاية ابن الأثير- مادة «نفس».

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الحجرة العقبة- الحديث 4 و 5 راجع الكافي ج 4 ص 486.

23

دابته حين توجه ليرمي الجمار عند مضرب علي بن الحسين (عليهما السلام) فقلت له: جعلت فداك لم نزلت هاهنا؟ فقال: إن هذا مضرب علي بن الحسين (عليهما السلام) و مضرب بني هاشم و أنا أحب أن امشي في منازل بني هاشم».

أقول: المفهوم من هذه الأخبار بضم بعضها إلى بعض هو التخيير بين الركوب و المشي من غير تفضيل في جانب أحدهما على الآخر، لأن جملة منها قد تضمنت أنهم (عليهم السلام) كانوا يرمون مشاة، و جملة أخرى تضمنت أنهم (عليهم السلام) كانوا يرمون ركبانا، و دعوى حمل أخبار المشي على الفضل و الاستحباب و أخبار الركوب على الجواز- كما يفهم من المدارك و غيره- يحتاج الى دليل.

و بالجملة فهذه أخبار المسألة التي وقفت عليها، و لا يظهر لي منها وجه رجحان و تفضيل لأحد الأمرين، كما لا يخفى على المتأمل، و دعوى أن المشي أشق، و أفضل الأعمال أحمزها (1) مع كونه خارجا عن أدلة المسألة غير مسلم على إطلاقه.

و (منها)

الرمي خذفا

على المشهور، و قال السيد المرتضى رضى الله عنه:

«مما انفردت به الإمامية القول بوجوب الخذف بحصى الجمار، و هو أن يضع الرامي الحصاة على إبهام يده اليمنى و يدفعها بظفر إصبعه الوسطى».

و وافقه ابن إدريس، فقال بالوجوب، و ربما كان منشأه الاعتماد على الإجماع المفهوم من كلامه، و إن لم يذهب إليه غيره على ما يفهم من كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و منهم العلامة في المختلف، حيث

____________

(1) إشارة إلى ما رواه ابن الأثير في النهاية عن ابن عباس في مادة «حمزة».

24

انه نسبه إلى متفرداته (قدس سره)، و استند الأصحاب فيما ذهبوا إليه من الاستحباب بأن الأصل و إطلاق الأمر بالرمي يقتضي عدم الوجوب.

و الذي يدل على الاستحباب

ما رواه الكليني عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) قال:

«حصى الجمار تكون مثل الأنملة، و لا تأخذها سوداء و لا بيضاء و لا حمرا، خذها كحيلة منقطة تخذفهن خذفا، و تضعها على الإبهام و تدفعها بظفر السبابة».

و هذا الحديث رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي فهو صحيح.

و استندوا في حمل الأمر بالخذف في الرواية على الاستحباب إلى ما اشتملت عليه من الأوامر و النواهي التي بمعنى الاستحباب و الكراهة، و فيه ما لا يخفى.

بقي الكلام في معنى الخذف بالخاء و الذال المعجمتين، و الرواية المذكورة قد فسرته بما عرفت، و هو ظاهر كلام الشيخين و أبي الصلاح، حيث فسروه بأنه وضع الحصاة على إبهام يده اليمنى و دفعها بظفر السبابة.

و قال ابن البراج: «يأخذ الحصاة فيضعها على باطن إبهامه و يدفعها بالسبابة- قال-: و قيل: يضعها على ظهر إبهامه و يدفعها بالسبابة».

و اما ما ذكره المرتضى (رحمه الله) مما قدمنا نقله عنه فلم نقف على مأخذه، و كلام أهل اللغة أيضا لا يساعده.

قال في كتاب المصباح المنير: «خذفت الحصاة و نحوها خذفا من

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 20- من أبواب الموقوف بالمشعر- الحديث 2 و ذيله في الباب- 7- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.

25

باب ضرب رميتها بطرفي الإبهام و السبابة».

و قال في القاموس: «الخذف كالضرب: رميك بحصاة أو نواة و نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تخذف به».

و قال الجوهري: «الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع».

و بالجملة فالعمل على ما دل عليه الخبر، و الأحوط أن لا يرمي بغير هذه الكيفية، و سيأتي إنشاء الله تعالى تتمة الكلام في بقية أحكام الرمي في المباحث الآتية.

الفصل الثاني في الذبح

و تحقيق الكلام فيه يقع في مقامات:

المقام الأول في الهدي

و فيه مسائل:

الأولى [وجوب الهدي على المتمتع و عدم لزومه على المفرد و القارن]:

لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في وجوب الهدي على المتمتع و عدم وجوبه على غيره من الفردين الآخرين حكاه العلامة في التذكرة و المنتهى.

26

اما الأول فلقوله عز و جل (1) «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» و الاخبار الكثيرة.

و منها

قول أبي جعفر (عليه السلام) في حديث زرارة في المتمتع (2)

«و عليه الهدى، قال زرارة: فقلت: و ما الهدى؟ قال: أفضله بدنة و أوسطه بقرة و أخسه شاة».

و ما رواه في الكافي عن سعيد الأعرج (3) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة، و من تمتع في غير أشهر الحج ثم يجاور بمكة حتى يحضر الحج فليس عليه دم انما هي حجة مفردة».

و هو ظاهر في أن المتمتع يجب عليه الهدى و غيره لا يجب عليه.

و ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عبد الله (4) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المعتمر المقيم بمكة يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى، فقال: يتمتع أحب إلي، و ليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين، فان اقتصر على عمرته في رجب لم يكن متمتعا، و إذا لم يكن

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبح- الحديث 5. و فيه «و أخره شاة» و نقله في الباب- 5- من أبواب أقسام الحج- الحديث 3 و فيه «أخفضه شاة» كما في التهذيب ج 5 ص 36- الرقم 107.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 11.

(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 4- من أبواب أقسام الحج- الحديث 20 و تمامه في التهذيب ج 5 ص 200- الرقم 664.

27

متمتعا لا يجب عليه الهدى».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) عن أحدهما (عليه السلام) قال:

«سألته عن المتمتع كم يجزؤه؟ قال: شاة».

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر من نوادر احمد بن محمد بن أبي نصر عن جميل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«أنه سأله عن المتمتع كم يجزؤه؟ قال شاة».

و أما الثاني- و هو أنه لا يجب على غير المتمتع قارنا كان أو مفردا مفترضا أو متنفلا- فالأصل و عدم ما يوجب الخروج عنه و ما تقدم في رواية سعيد الأعرج (3) و رواية إسحاق بن عبد الله (4)

و قوله (عليه السلام) في حسنة معاوية (5) في المفرد:

«و ليس عليه هدى و لا أضحية».

و نقل في المختلف عن سلار أنه عد في أقسام الواجب سياق الهدى للمقرن و المتمتع، و احتج له

بما رواه عيص بن القاسم في الصحيح (6) عن الصادق (عليه السلام)

«أنه قال في رجل اعتمر في رجب و اقام بمكة حتى يخرج منها حاجا فقد وجب عليه الهدى و إن خرج من مكة حتى يحرم من غيرها فليس عليه هدى».

ثم أجاب عنها بالحمل على الاستحباب أو على من اعتمر في رجب و اقام بمكة إلى أشهر الحج ثم تمتع فيها بالعمرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 13.

(3) المتقدمان في ص 26.

(4) المتقدمان في ص 26.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 2.

28

إلى الحج. انتهى.

أقول: و ربما قيل: إن هذا الهدي جبران من كان عليه أن يحرم بالحج من خارج وجوبا أو استحبابا فأحرم من مكة، فإن خرج حتى يحرم عن موقفه فليس عليه هدي، و لا بعد فيه، فإنه قد ورد به روايات.

و لعله إلى هذا المعنى أشار في الدروس حيث قال:

«و في صحيح العيص يجب على من اعتمر في رجب و اقام بمكة و خرج منها حاجا، لا على من خرج فأحرم من غيرها، و فيه دقيقة».

انتهى. فان الظاهر أن الدقيقة المشار إليها هي ما ذكرناه من جعل الهدي جبرانا في الصورة المذكورة.

و قد تقدمت جملة من الأخبار دالة على أن المجاور بمكة إذا أراد الحج إفرادا فإنه يخرج من أول ذي الحجة إلى الجعرانة أو التنعيم، فيهل بالحج و يبقى إلى يوم التروية، و يخرج إلى الحج، و هذه الرواية دلت على أن من خرج و عقد الحج من خارج مكة فليس عليه هدي، و من لم يخرج و أحرم من مكة فعليه الهدي جبرانا لحجة، حيث أخل بالخروج إلى خارج مكة، و يدل على الهدي في الصورة المذكورة بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها.

و الحمل على التقية أيضا غير بعيد، لأنه مذهب أبي حنيفة و اتباعه كما نقله في المنتهى.

و بالجملة فإن هذه الرواية معارضة بما هو أوضح دلالة و أصرح مقالة و أوفق بمطابقة الأصول و اتفاق الأصحاب كما عرفت، عدا القائل المذكور فتعين تأويلها بأحد الوجوه المذكورة و إلا فطرحها، و الله العالم.

29

الثانية [هل يجب الهدي على المكي لو تمتع؟]:

اختلف الأصحاب في حكم المكي لو تمتع هل يجب عليه هدي أم لا؟

فالمشهور الأول، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الهدي في حج التمتع مطلقا، و قال الشيخ في بعض كتبه بالثاني.

و احتج الشيخ بقوله تعالى (1) «ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» فان معناه أن الهدي لا يلزم إلا من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، قال: «و يجب أن يكون قوله ذلك راجعا إلى الهدي لا إلى التمتع، و لو قلنا: إنه راجع إليهما و قلنا: إنه لا يصح منهم التمتع أصلا لكان قويا» انتهى.

و أجاب عنه في المختلف بأن «عود الإشارة إلى الأبعد أولى، لما عرفت من أن النحاة فصلوا بين الرجوع إلى القريب و البعيد و الأبعد في الإشارة، فقالوا في الأول: «ذا» و في الثاني «ذاك» و في الثالث «ذلك» قال: مع أن الأئمة (عليهم السلام) استدلوا على أن أهل مكة ليس لهم متعة بقوله تعالى (2) «ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و الحجة في قولهم» انتهى. و هو جيد.

و قد تقدمت الروايات (3) التي أشار إليها (قدس سره) في استدلال الأئمة

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 196.

(3) راجع ج 14 ص 322- 324.

30

(صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين )في المقدمة الرابعة في أقسام الحج (1).

و المحقق في الشرائع قد وافق الشيخ في مقدمات كتاب الحج في المقدمة المتضمنة لتقسيم الحج، فقال بعد ذكر الخلاف في جواز التمتع لأهل مكة: «و لو قيل بالجواز لم يلزمهم هدي» و وافق المشهور في باب الهدي من الكتاب المذكور، فقال: «و لو تمتع المكي وجب عليه الهدي».

و نقل شيخنا الشهيد في الدروس عن المحقق قولا ثالثا في المسألة، و هو الوجوب إن تمتع ابتداء، لا إذا عدل إلى التمتع، قال: «و لو تمتع المكي فثالث الأوجه وجوبه عليه إن تمتع ابتداء لا إذا عدل إلى التمتع، و هو منقول عن المحقق، و يحتمل وجوبه إذا كان لغير حج الإسلام» انتهى.

أقول ما ذكره (قدس سره) من الاحتمال إنما يتم لو سلم دلالة الآية على سقوط الهدي عن المكي كما ادعاه الشيخ، لأن موردها حج الإسلام، و يثبت وجوب الهدي في غيره بالعمومات، إلا أن دلالة الآية على ذلك ممنوعة، فلا وجه لهذا الاحتمال حينئذ.

الثالثة [تخير المولى بين الهدي عن مملوكه أو أمره بالصوم]:

لو تمتع المملوك باذن مولاه تخير المولى بين أن يهدي عنه و أن يأمره بالصوم، و عليه اتفاق الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).

____________

(1) ج 14 ص 311.

31

و عليه يدل جملة من الأخبار

كصحيحة جميل بن دراج (1) قال:

«سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع، قال: فمره فليصم، و إن شئت فاذبح عنه».

و صحيحة سعد بن أبي خلف (2) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت: أمرت مملوكي أن يتمتع، قال: إن شئت فاذبح عنه، و إن شئت فمره فليصم».

و موثقة إسحاق بن عمار (3) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا مكة بعمرة و خرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام، قال: قل لهم: يغتسلون ثم يحرمون، و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم».

و موثقة سماعة (4)

«أنه سأله عن رجل أمر غلمانه أن يتمتعوا، قال:

عليه أن يضحّي عنهم، قلت: فإن أعطاهم دراهم فبعضهم ضحى و بعضهم أمسك الدراهم و صام، قال: قد أجزأ عنهم، و هو بالخيار إن شاء تركها، و لو أنه أمرهم و صاموا كان قد أجزأ عنهم».

فأما

ما رواه الشيخ في الموثق عن الحسن العطار (5) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع بالعمرة إلى

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 7. عن الحسن بن عمار على ما في الطبع الحديث من الوسائل، و في الكافي ج 4 ص 304 إسحاق بن عمار.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 8- 3.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 8- 3.

32

الحج أ عليه أن يذبح عنه؟ قال: لا، إن الله يقول

عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (1)

».

فقد حمله الشيخ على أنه لا يجب عليه الذبح، و هو مخير بينه و بين أن يأمره بالصوم، لما مر.

أقول: لا يخفى أن الحمل المذكور في حد ذاته جيد، إلا أن إيراد الآية هنا لا ملائمة فيه لذلك، و لعل الوجه في إيرادها أن السائل توهم وجوب الهدي على المملوك، و أنه لعدم إمكانه منه يذبح عنه مولاه، فرد (عليه السلام) هذا الوهم بالآية، و أنه لا يجب عليه و لا على مولاه تعيينا، بل يتخير بين الذبح عنه و أمره بالصيام.

و أما

ما رواه أيضا عن علي (2) و الظاهر أنه ابن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال:

«سألته عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع ثم أهل بالحج يوم التروية و لم اذبح عنه أ فله أن يصوم بعد النفر؟ قال:

ذهبت الأيام التي قال الله، ألا كنت أمرته أن يفرد الحج؟ قلت: طلبت الخير، قال: كما طلبت الخير فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة، و كان ذلك يوم النفر الأخير».

فحمله الشيخ على أفضلية الذبح حينئذ، بمعنى أن التخيير و ان كان باقيا إلا أن الأفضل في هذه الصورة الذبح عنه.

و هو و ان كان بعيدا عن سياق الخبر إلا أنه لا مندوحة عنه في مقام الجمع بين الاخبار.

و أما

ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال:

«سألته عن المتمتع المملوك، فقال: عليه مثل ما على الحر،

____________

(1) سورة النحل: 16- الآية 75.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 5.

33

إما أضحية و إما صوم».

و في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«سألته عن المملوك المتمتع، فقال:

عليه ما على الحر، إما أضحية و إما صوم».

فحملهما الشيخ في التهذيبين على محامل بعيدة غاية البعد.

و الأقرب ما ذكره في المدارك من أن المراد بالمماثلة في كمية ما يجب عليه و إن كانت كيفية الوجوب مختلفة، بمعنى أنه لا بد من أحدهما إما أضحية يضحي عنه مولاه و إما صوم يصومه بنفسه، و الإجمال هنا وقع اعتمادا على ما ظهر من التفصيل في غيرهما.

و أما

ما رواه عن يونس بن يعقوب (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): معنا مماليك لنا قد تمتعوا أ علينا أن نذبح عنهم؟ قال:

المملوك لا حج له و لا عمرة و لا شيء».

فقد حمله الشيخ على عدم إذن المولى، و لو لم يذبح المولى عنه تعين عليه الصوم، و لا يتوقف على إذنه، و ليس له منعه عنه لأنه أمره بالعبادة، فوجب عليه إتمامها لقوله عز و جل (3):

«وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ».

و بالجملة فالوجوب ثابت عليه بالأخبار المتقدمة، و سقوطه يحتاج إلى دليل، و ليس فليس.

و لو أدرك المملوك أحد الموقفين معتقا لزمه البدي كالحر، و مع تعذره

____________

(1) أشار إليه في الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 5 و ذكره في التهذيب ج 5 ص 481- الرقم 1709.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 6.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 196.

34

الانتقال إلى الصوم، و لا خلاف فيه، و الوجه فيه ظاهر، لدخوله بذلك في حكم الأحرار، فتجري عليه الأحكام الجارية عليهم.

الرابعة [اعتبار النية في الذبح]:

قالوا: و النية شرط في الذبح، لأنه عبادة، و كل عبادة يشترط فيها النية، و لأن جهات إراقة الدماء متعددة، و لا يتمحض المذبوح هنا إلا بالقصد.

و يجوز أن يتولاها عنه الذابح، لأنه فعل تدخله النيابة، و استدل عليه أيضا

بصحيحة علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال:

«سألته عن الضحية يخطئ الذي يذبحها فيسمى غير صاحبها اتجزئ عن صاحب الضحية؟ فقال: نعم، إنما له ما نوى».

أقول: و الأمر في النية- على ما عرفت فيما قدمنا في غير موضع- أظهر من أن يحتاج إلى التعرض لها و ذكرها بالمرة.

الخامسة [الأقوال في إجزاء الهدي عن الأكثر من واحد و عدمه]:

المشهور بين متأخري الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه لا يجزئ الواحد في الواجب إلا عن واحد، و به صرح الشيخ في مواضع من الخلاف و ابن إدريس و الشهيد في الدروس و المحقق في الشرائع و غيرهم.

قال في الخلاف: «الهدي الواجب لا يجزئ إلا واحد عن واحد،

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الذبح- الحديث 1.

35

و إن كان تطوعا يجزئ عن سبعة إذا كانوا من أهل بيت واحد، و إن كان من أهل بيوت شتى لا يجزئ».

و قال في النهاية و المبسوط و الجمل و موضع من الخلاف: «إنه يجزئ الهدي الواجب عند الضرورة عن خمسة و عن سبعة و عن سبعين- و قال- تجزئ البقرة عن خمسة إذا كانوا أهل بيت».

و قال سلار: «تجزئ بقرة عن خمسة نفر» و أطلق.

و قال ابن البراج: «و لا يجزئ الهدي الواحد عن أكثر من واحد إلا في حال الضرورة، فإنه يجزئ عن أكثر من ذلك».

و قال علي بن بابويه: «تجزئ البقرة عن خمسة نفر إذا كانوا من أهل بيت،

و روي (1)

أن البقرة لا تجزئ إلا عن واحد،.

و

أنه إذا عزت الأضاحي بمنى أجزأت شاة عن سبعين».

و قال ابن إدريس: «لا يجزئ إلا واحد عن واحد مع الاختيار، و مع الضرورة و العدم الصيام».

و قال في موضع آخر من الخلاف: «يجوز اشتراك سبعة في بدنة واحدة أو بقرة واحدة إذا كانوا متفرقين و كانوا أهل خوان واحد، سواء كانوا متمتعين أو قارنين».

نقل هذه الأقوال كملا العلامة في المختلف، و اختار فيه الاجزاء عند الضرورة عن الكثير دون الاختيار، و هو ظاهره في المنتهى أيضا.

و الروايات في المسألة لا تخلو من اختلاف و من ثم- اختلفت كلمة الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).

____________

(1) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 4.

36

(فمنها)

ما رواه الصدوق عن محمد الحلبي في الصحيح (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النفر تجزؤهم البقرة؟ قال: أما في الهدي فلا، و أما في الأضحى فنعم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«لا تجوز البدنة و البقرة إلا عن واحد بمنى».

و في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«تجزئ البدنة و البقرة في الأمصار عن سبعة، و لا تجزئ بمنى إلا عن واحد».

و هذه الاخبار ظاهرة في الدلالة على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم الاجزاء عن أكثر من واحد.

(و منها)

ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (4) قال:

«سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن قوم غلت عليهم الأضاحي و هم متمتعون و هم مترافقون و ليسوا بأهل بيت واحد و قد اجتمعوا في مسيرهم و مضربهم واحد، أ لهم أن يذبحوا بقرة؟ فقال: لا أحب ذلك إلا من ضرورة».

و عن حمران في الحسن (5) قال:

«عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مأة دينار فسئل أبو جعفر (عليه السلام) عن ذلك، فقال: اشتركوا فيها، قلت: كم؟ قال: ما خف فهو أفضل، قلت: عن كم تجزئ؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 11.

37

قال: عن سبعين».

أقول: المراد بالتخفيف قلة عدد الشركاء.

و عن زيد بن جهم (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متمتع لم يجد هديا، فقال: أما كان معه درهم يأتي به قومه فيقول أشركوني بهذا الدرهم؟!».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«تجزئ البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد».

و عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البقرة يضحى بها، فقال: تجزئ عن سبعة».

و ما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه و التهذيب عن أبي بصير في الموثق (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«البدنة و البقرة تجزئ عن سبعة إذا اجتمعوا من أهل بيت واحد و من غيرهم».

و ما رواه الشيخ عن السكوني (5) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال:

«البقرة الجذعة تجزئ عن ثلاثة من أهل بيت واحد، و المسنة تجزئ عن سبعة نفر متفرقين، و الجزور يجزئ عن عشرة متفرقين».

و عن سوادة القطان و ابن أسباط (6) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 13.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 9.

38

قالا:

«قلنا له: جعلنا فداك عزت الأضاحي علينا بمكة أ فيجزئ اثنين أن يشتركا في شاة؟ فقال: نعم و عن سبعين».

و روي في الفقيه (1) قال:

«سأل يونس بن يعقوب أبا عبد الله (عليه السلام) عن البقرة يضحى بها؟ فقال: تجزئ عن سبعة نفر.

و قال فيه أيضا (2).:

و روي أن الجزور يجزئ عن عشرة نفر متفرقين، و إذا عزت الأضاحي أجزأت شاة عن سبعين».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3):

«و تجزئ البقرة عن خمسة، و روى عن سبعة إذا كانوا من أهل بيت واحد، و روى أنها لا تجزئ إلا عن واحد، و روى أن شاة تجزئ عن سبعين إذا لم يوجد شيء».

أقول: و ظاهر هذه الأخبار كما ترى الدلالة على القول بالجواز مع الضرورة، حملا لمطلقها على مقيدها، و تقييد الأخبار الثلاثة المتقدمة بها أيضا قريب بحمل عدم الاجزاء فيها على حال الاختيار، و احتمال التطوع في كثير من أحاديث الجواز أيضا ممكن، و لهذا أن الشيخ في كتابي الأخبار حمل أخبار الجواز على التطوع تارة و على الضرورة أخرى، و بعض الاخبار المذكورة ظاهر في الحمل الأول و بعضها ظاهر في الحمل الثاني.

و بذلك يظهر قوة القول بالجواز مع الضرورة أو في التطوع و عدم الجواز في الواجب اختيارا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 17.

(3) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 4.

39

ثم إنه على تقدير القول بالواحدة ينتقل إلى الصوم لو لم يجد.

و أما التفصيل في ذلك بين البقرة و غيرها- بأن يقال بالاجزاء في البقرة عن خمسة دون غيرها كما صار إليه في المدارك استنادا إلى صحيحة معاوية بن عمار (1) المتقدمة- فهو لا يتم إلا مع طرح غيرها من الروايات الدالة على الاجزاء حال الضرورة مطلقا، بقرة كان الهدي أو غيرها، خمسة كانوا أم أكثر. و (منها) حسنة حمران (2) و صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج (3) و غيرهما من الاخبار المتقدمة.

و الذي ينبغي أن يقال في ذلك أن ذكر الخمسة في بعض (4) و السبعة في آخر (5) و العشرة في ثالث (6) كل محمول على الأفضل، لما دلت عليه حسنة (7) حمران من أن كل ما خف فهو أفضل و الا فالشاة الواحدة في مقام الضرورة تجزئ عن السبعين، كما تضمنته رواية سوادة و ابن أسباط (8) و مرسلة الفقيه (9) و المرسلة المذكورة في كتاب الفقه الرضوي (10) و حسنة حمران (11) و ان كان موردها البدنة.

و على ما ذكرناه تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار.

و الظاهر أنه لا خلاف في الاجزاء في هدي التطوع أضحية كان أو

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 7.

(7) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 11.

(8) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 9.

(9) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 17.

(10) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 4.

(11) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 11.

40

مبعوثا به من الأقطار أو متبرعا بسياقه مع عدم تعيينه بالإشعار أو التقليد إما الهدي في الحج المندوب فإنه يصير واجبا بوجوب الحج بعد الدخول فيه، فيصير حكمه حكم الهدي في الحج الواجب بالأصل، قال العلامة في التذكرة:

«أما التطوع فيجزئ الواحد عن سبعة و عن سبعين حال الاختيار، سواء كان من الإبل، أو البقر أو الغنم إجماعا».

و من أخبار المسألة

ما رواه الصدوق في العلل و العيون عن الحسين بن خالد (1) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال:

«قلت له: عن كم تجزئ البدنة؟ قال عن نفس واحدة، قلت: فالبقرة؟ قال: تجزئ عن خمسة إذا كانوا يأكلون على مائدة واحدة، قلت: كيف صارت البدنة لا تجزئ إلا عن واحد و البقرة تجزئ عن خمسة؟ قال: إن البدنة لم يكن فيها من العلة ما كان في البقرة، إن الذين أمروا قوم موسى بعبادة العجل كانوا خمسة، و كانوا أهل بيت يأكلون على خوان واحد، و هم الذين ذبحوا البقرة» الحديث.

و رواه في الخصال مثله، و في المحاسن أيضا مثله.

و ما رواه في كتابي الخصال و العلل عن يونس بن يعقوب (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البقرة يضحى بها، قال: فقال:

تجزئ عن سبعة نفر متفرقين».

و في العلل و المقنع

«و روي

(3)

أن البقرة لا تجزئ إلا عن واحد».

و ما رواه

علي بن جعفر (4) في كتابه قال:

«سألته عن الجزور و البقرة كم يضحى بها؟ قال: يسمي رب البيت نفسه، و هو يجزئ عن أهل

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 18.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 19.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 20.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 22.

41

البيت إذا كانوا أربعة أو خمسة».

أقول: قد عرفت مما قدمنا سابقا من الوجه الذي اجتمعت عليه الاخبار هو أنه لا يجزئ الواحد في الواجب إلا عن واحد في حال الاختيار فالظاهر حينئذ حمل هذه الاخبار على هدي التطوع، كما هو ظاهر أكثرها و التعليل المذكور في الرواية الأولى إنما هو بالنسبة إليه، و يحمل إجزاء البدنة عن نفس واحدة على الأفضل، و الرخصة في البقرة للعلة المذكورة.

السادسة [بيان موضع ذبح الكفارات و الهدي]:

قال الشيخ في النهاية: «جميع ما يلزم المحرم المتمتع و غير المتمتع من الهدي و الكفارات في الإحرام لا يجوز ذبحه و لا نحره إلا بمنى، و كل ما يلزمه في إحرام العمرة فلا ينحره إلا بمكة».

و قال علي بن بابويه: «كلما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك أن تنحر أو تذبح ما يلزمك من الجزاء بمكة عند الجزورة قبالة الكعبة موضع النحر، و إن شئت أخرته إلى أيام التشريق فتنحره بمنى إذا وجب عليك في متعة، و ما أتيته مما يجب عليك فيه الجزاء في حج فلا تنحره إلا بمنى، و ان كان عليك دم واجب و قلدته أو جللته أو أشعرته فلا تنحره الا يوم النحر بمنى».

و قال ابن البراج: «و كل من كان محرما بالحج وجب عليه جزاء صيد اصابه و أراد ذبحه أو نحره فليذبحه أو ينحره بمنى، و إن كان معتمرا فعل ذلك بمكة أي موضع شاء منها، و الأفضل أن يكون فعله لذلك بالجزورة،

42

مقابل الكعبة، و ما يجب على المحرم بعمرة مفردة من كفارة ليست كفارة صيد فإنه يجوز له ذبحها أو نحرها بمنى».

و قال أبو الصلاح: «و يذبح و ينحر من الفداء لما قتله من الصيد في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة بمكة قبالة الكعبة و في إحرام الحج بمنى».

و قال سلار: «كلما يجب من الفدية على المحرم بالحج فإنه يذبحه أو ينحره بمنى، و إن كان محرما بالعمرة ذبح أو نحر بمكة».

و قال ابن إدريس: «لا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحج و العمرة المتمتع بها إلى الحج إلا بمنى في يوم النحر أو بعده، فان ذبح بمكة أو بغير منى لم يجز، و ما ليس بواجب جاز ذبحه أو نحره بمكة، و إذا ساق هديا في الحج فلا يذبحه أيضا إلا بمنى. فان ساقه في العمرة المبتولة نحره بمكة قبالة الكعبة بالجزورة».

و قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: «و الذي رواه الشيخ في هذا الباب حديثان: (أحدهما)

عن إبراهيم الكرخي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«في رجل قدم بهديه مكة في العشر، فقال: إن كان هديا واجبا فلا ينحره إلا بمنى، و إن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء، و إن كان قد أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم الأضحى».

و (الثاني)

رواية معاوية بن عمار (2) في الحسن قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

إن أهل مكة أنكروا عليك أنك ذبحت هديك في منزلك، فقال: إن مكة كلها منحر».

قال الشيخ: الوجه في الحديث الحمل على الهدي المستحب فإنه يجوز ذبحه بمكة» انتهى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 2.

43

أقول: أما الكلام في غير الهدي من فداء الصيد و نحوه فقد تقدم تحقيق البحث فيه مستوفى في بعض مسائل البحث الخامس في اللواحق بأحكام الصيد (1) و أما الهدي الذي نحن الآن بصدد البحث عنه فالظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في أن ما وجب منه في الحج يجب ذبحه بمنى.

قال في المدارك بعد قول المصنف: «و يجب ذبحه في منى»: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و أسنده العلامة في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه» ثم نقل عنه الاستدلال على ذلك بأدلة أظهرها رواية إبراهيم الكرخي (2) المتقدمة.

ثم قال: «و يدل عليه أيضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«في الرجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره، قال: إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه، و إن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه».

- قال-: و إذا لم يجز المذبوح في غير منى عن صاحبه مع الضرورة فمع الاختيار أولى- ثم قال-: و لا ينافي ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (4)».

ثم أورد الرواية المتقدمة في كلام العلامة، ثم ذكر جواب الشيخ

____________

(1) راجع ج 15 ص 328- 339.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 2.

44

المتقدم، و نقل عن الشيخ في التهذيب أنه قال: «إن هذا الخبر مجمل، و الخبر الأول- يعني خبر الكرخي المتقدم- مفصل، فيكون الحكم به أولى».

أقول: ما ذكره الشيخ (ره) و تبعه عليه الجماعة و إن احتمل إلا أن الظاهر حمل الخبر المذكور على العمرة لا الحج، و هدي العمرة محله مكة بلا إشكال.

و الذي يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (1)

«أن عباد البصري جاء إلى أبي عبد الله (عليه السلام) و قد دخل مكة بعمرة مبتولة و أهدى هديا فأمر به فنحر في منزله، فقال له عباد: نحرت الهدي في منزلك و تركت أن تنحره بفناء الكعبة و أنت رجل يؤخذ منك فقال له: أ لم تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نحر هديه بمنى و أمر الناس فنحروا في منازلهم؟ و كان ذلك موسعا عليهم، فكذلك هو موسع على من ينحر الهدي بمكة في منزله إذا كان معتمرا».

على أنه لو كان الخبر صريحا في الهدي الواجب في الحج لوجب حمله على التقية، لأن القول بجواز نحره في مكة مذهب جمهور الجمهور، فإنهم لم يوجبوا الذبح في منى.

قال في المنتهى: «نحر هدي المتمتع يجب بمنى، ذهب إليه علماؤنا، و قال أكثر الجمهور: إنه مستحب، و الواجب نحره بالحرم، و قال بعض الشافعية: لو ذبحه في الحل و فرقه في الحرم أجزأ».

هذا و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام و الداخلة في سلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 1.

45

هذا النظام زيادة على ما ذكر

ما رواه الشيخ في الصحيح عن مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا دخل بهديه في العشر فان كان أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم النحر، و إن كان لم يقلده و لم يشعره فلينحره بمكة إذا قدم في العشر».

و عن عبد الأعلى (2) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام):

لا هدي إلا من الإبل، و لا ذبح إلا بمنى».

أقول: تخصيص الهدي بالإبل محمول على الفضل و الاستحباب مثل:

«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»

(3)

.

و روى الكليني و الشيخ في الموثق عن شعيب العقرقوفي (4) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال:

بمكة، قلت: أي شيء أعطي منها؟ قال: كل ثلثا و اهد ثلثا و تصدق بثلث».

و روى الكليني عن معاوية بن عمار (5) في الصحيح قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): من ساق هديا في عمرة فلينحره قبل أن يحلق و من ساق هديا و هو معتمر نحر هديه بالمنحر، و هو بين الصفا و المروة، و هي الجزورة، قال: و سألته عن كفارة المعتمر أين تكون؟ قال: بمكة إلا أن يؤخرها إلى الحج فتكون بمنى، و تعجيلها أفضل و أحب إلي».

و رواه الصدوق مرسلا إلى قوله:

«و هي الجزورة».

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام المساجد- الحديث 1- من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 4.

46

و روى الشيخ في الحسن عن مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«منى كلها منحر، و أفضل المنحر كله المسجد».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2):

«و كل ما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك أن تذبح أو تنحر ما لزمك من الجزاء بمكة عند الجزورة قبالة الكعبة موضع النحر، و إن شئت أخرته إلى أيام التشريق، فتنحره بمنى، و قد روي ذلك أيضا، و إذا وجبت عليك في متعة، و ما أتيته مما يجب عليك الجزاء في حج فلا تنحره إلا بمنى، فان كان عليك دم واجب قلدته أو جللته أو أشعرته فلا تنحره إلا في يوم النحر بمنى».

و من هذه العبارة أخذ علي بن الحسين بن بابويه عبارة رسالته المتقدمة على العادة المعروفة و الطريقة المألوفة.

و المستفاد من هذه الاخبار و ضم بعضها إلى بعض- و به يحصل التوفيق بين ما ربما يتوهم منه المخالفة- أن هدي الحج الواجب لا ينحر أو يذبح إلا بمنى، و كذا ما أشعر و قلد وجوبا أو استحبابا، و الهدي المستحب يجوز نحره بمكة رخصة، و هدي العمرة نحره بمكة واجبا كان أو مستحبا و أن مكة كلها منحر و إن كان أفضلها الجزورة، و منى كلها منحر و إن كان أفضلها حوالي المسجد».

ثم إنه من المحتمل قريبا أن قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه:

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 7.

(2) البحار- ج 99 ص 289 و ذكر ذيله في المستدرك- الباب- 3- من أبواب الذبح- الحديث 1.

47

«و قد روي ذلك أيضا» إشارة إلى الزيادة التي

في صحيحة معاوية بن عمار (1) برواية الكليني، أعني قوله: قال:

«و سألته عن كفارة المعتمر أين تكون؟».

الى آخره، و الله العالم.

السابعة [حكم ما لو ضل هديه و ذبحه غيره]:

اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) فيما لو ضل هديه فذبحه عنه غيره، فقيل بعدم إجزائه عنه، و ذلك بأنه لم يتعين بالشراء للذبح، و إنما يتعين بالنية، فلا تقع من غير المالك أو وكيله، و به صرح المحقق في الشرائع، و نسبه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك إلى المشهور.

و قيل باجزائه عنه، و هو الذي افتى به العلامة في المنتهى من غير نقل خلاف في ذلك، و اختاره الشهيد في الدروس و شيخنا المشار إليه في المسالك و سبطه في المدارك، و نقله أيضا عن الشيخ و جمع من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).

و هو الأصح لما تقدم سابق هذه المسألة من صحيحة منصور بن حازم (2)

و صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«إذا وجد الرجل هديا ضالا فليعرفه يوم النحر و اليوم الثاني و الثالث ثم ليذبحها عن صاحبها عشية الثالث».

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 1.

48

و روى الصدوق (رحمه الله) في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا أصاب الرجل بدنة ضالة فلينحرها و يعلم أنها بدنة».

و لو ذبحها الواجد عن نفسه لم تجز عن واحد منهما اتفاقا، أما الواجد فلكونه غاصبا متعديا، و أما عن صاحبها فلعدم نيته و قصده حال الذبح.

و مثله الحكم فيما لو اشترى هديا فنحره ثم ظهر له مالك، فإنه لا يجزئ عن واحد منهما.

و عليه يدل

ما رواه في الكافي عن جميل عن بعض أصحابه (2) عن أحدهما (عليهما السلام)

«في رجل اشترى هديا فنحره، فمر بها رجل فعرفها، فقال: هذه بدنتي ضلت مني بالأمس و شهد له رجلان بذلك، فقال: له لحمها و لا تجزئ عن واحد منهما- ثم قال-: و لذلك جرت السنة بإشعارها و تقليدها».

أقول: و بذلك صرح الشيخ في التهذيب أيضا، فقال: «و من اشترى هديا فذبحه فمر به رجل فعرفه فقال: هذا هديي ضل منى فأقام بذلك شاهدين فان له لحمه، و لا يجزئ عن واحد منهما» ثم استدل بالخبر المذكور.

بقي الكلام فيما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم (3) من الأمر بالتعريف الأيام المذكورة هل هو على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ ظاهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 1.

49

عبارة العلامة في المنتهى الثاني، حيث قال: «ينبغي لواجد الهدي الضال أن يعرفه ثلاثة أيام، فإن عرفه صاحبه و الا ذبحه عنه» ثم أورد صحيحة محمد بن مسلم.

و قال في المسالك: «إنه لم يصرح أحد بالوجوب»، و في الدروس «أنه مستحب، و لعل عدم الوجوب لاجزائه عن مالكه فلا يحصل بترك التعريف ضرر عليه، و يشكل بوجوب ذبح عوضه عليه ما لم يعلم بذبحه، و يمكن أن يقال بعدم الوجوب قبل الذبح، لكن يجب بعده ليعلم المالك فيترك الذبح ثانيا أخذا بالجهتين» انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) أخيرا بقوله: «و يمكن» إلى آخره جيد بالنسبة إلى الخروج عن الإشكال الذي ذكره من عدم تصريح أحد بالوجوب، و بيان الوجه فيه و ما يرد عليه من الاشكال المذكور، لكن فيه خروج عن النص المذكور، حيث إنه (عليه السلام) أمر بالتعريف قبل الذبح، و أنه يؤخر الذبح إلى عشية الثالث بعد التعريف في تلك المدة، فكيف يتم القول بالوجوب بعد، و لا مستند له؟! إذ الرواية إنما تضمنت الأمر بالتعريف قبل الذبح، فان قيل بها لم يتم ما ذكره، و إن عدل عنها فلا مستند له.

و بالجملة فعدم وجود القائل بالوجوب لا يمنع من القول به إذا اقتضاه الدليل من غير معارض في البين.

على أن المفهوم من كلام سبطه في المدارك أن القول بالوجوب ظاهر الشيخ في النهاية، و اليه يميل كلامه في الكتاب المذكور، حيث قال:

«و لا يبعد وجوب التعريف، كما هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية عملا بظاهر الأمر» انتهى.

50

و كيف كان فلا ريب أن الاحتياط يقتضيه.

ثم إنه قال في المدارك على أثر الكلام المذكور: «و لو قلنا بجواز الذبح قبل التعريف لم يبعد وجوبه بعده ليعلم المالك، فيترك الذبح ثانيا».

أقول: قد تبع جده (قدس الله روحيهما) فيما قدمنا نقله عنه في المقام، و فيه ما عرفت آنفا، و نزيده هنا بأن نقول: إن ما ذكره من العلة لا تصلح لأن تكون مستندا للوجوب الذي هو حكم شرعي يترتب على الإخلال به الإثم و العقوبة، فهو يتوقف على الدليل الشرعي و النص القطعي المنحصر عندنا في الكتاب العزيز و السنة النبوية، و الركون إلى تعليل الأحكام الشرعية و بنائها على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة ظاهرة، و النص المذكور كما عرفت لا ينطبق على هذا القول.

قال في المسالك: «ثم إنه على تقدير الاجزاء لا إشكال في وجوب الصدقة و الإهداء، أما الأكل فهل يقوم الواجد مقام المالك فيجب عليه أن يأكل منه أم يسقط؟ فيه نظر، و لعل السقوط أوجه».

و جزم سبطه في المدارك- بعد أن استظهر وجوب الصدقة و الإهداء- بسقوط وجوب الأكل قطعا، قال: «لتعلقه بالمالك».

أقول: ما ذكراه (نور الله تعالى مرقديهما) من وجوب الصدقة و الإهداء لا يخلو عندي من توقف و إشكال، لأن غاية ما دلت عليه الاخبار المتقدمة هو الذبح عنه خاصة، و الاخبار الدالة على الصدقة و الإهداء و الأكل (1) إنما وردت بالنسبة إلى المالك إذا ذبحه، فإنه يجب عليه أن يقسمه أثلاثا على الوجه المذكور، و بعين ما قالوه في عدم وجوب الأكل

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح.

51

على الواجد من أن الآمر بالأكل إنما تعلق بالمالك يجري في الفردين الآخرين، فإن الأمر بالصدقة و الإهداء إنما تعلق في الاخبار الدالة عليهما بالمالك، و لا بعد في جواز الاكتفاء به عن صاحبه بمجرد الذبح نيابة عنه إذا اقتضاه الدليل بإطلاقه، و تقييده يحتاج إلى دليل، و ليس إلا الأخبار التي موردها المالك، و هي لا تصلح للتقييد.

و بالجملة فإن مقتضى إطلاق النصوص المتقدمة الاكتفاء بمجرد الذبح عنه و إن كان ما ذكره أحوط، و الله العالم.

الثامنة [كيفية تقسيم الهدي و أنه واجب أو مستحب]:

اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في كيفية قسمة الهدي، و هل هي على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشيخ (رحمه الله):

«من السنة أن يأكل من هديه لمتعته، و يطعم القانع و المعتر ثلثه، و يهدي للأصدقاء ثلثه».

و قال أبو الصلاح: «و السنة أن يأكل بعضها و يطعم الباقي».

و قال ابن البراج: «و ينبغي أن يقسم ذلك ثلاثة أقسام، فيأكل أحدها إلا أن يكون الهدي لنذر أو كفارة، و يهدي قسما آخر، و يتصدق بالثالث».

قال في المختلف بعد نقل ذلك: «و هذه العبارات توهم الاستحباب».

و قال ابن أبي عقيل: «ثم انحر و اذبح و كل و أطعم و تصدق».

و قال ابن إدريس: «و أما هدي المتمتع و القارن فالواجب أن يأكل

52

منه و لو قليلا، و يتصدق على القانع و المعتر و لو قليلا للآية (1) و هو قوله تعالى فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ».

قال في المختلف بعد نقله: «و هو الأقرب للأمر، و أصل الأمر للوجوب،

و ما رواه معاوية بن عمار (2) عن الصادق (عليه السلام) قال:

«إذا ذبحت أو نحرت فكل و أطعم، كما قال الله تعالى

فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ»

.

- ثم نقل حجة الآخرين بأن الأصل عدم الوجوب، و أجاب- بأنه لا دلالة للأصل مع وجود الأمر».

قال في المنتهى: «ينبغي أن يقسم أثلاثا: يأكل ثلثه و يهدي ثلثه و يتصدق على الفقراء بثلثه، و هذا على جهة الاستحباب- ثم قال:- قال بعض علمائنا بوجوب الأكل، و قال آخرون باستحبابه، و الأول أقوى للآية».

و ظاهر كلامه في المختلف هو اختيار مذهب ابن إدريس في وجوب الأكل و لو قليلا و الصدقة و لو قليلا، و أما الإهداء فلم يتعرضا له، و في المنتهى وجوب الأكل خاصة للآية، و يلزمه وجوب الصدقة ايضا للاية، و على كل من القولين فالقسمة أثلاثا إنما هو على جهة الاستحباب، و به صرح أيضا في الإرشاد.

و قال الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه: «ثم كل و تصدق و اطعم و أهد إلى من شئت، ثم احلق رأسك» و هو مطلق في القدر و في كونه وجوبا أو استحبابا.

و قال الشهيد (رحمه الله) في الدروس: «و يجب أن يصرفه في الصدقة

____________

(1) سورة الحج: 22- الآية 36.

(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1.