عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق - ج2

- الشيخ حسين آل عصفور المزيد...
377 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الإقرار و ما يتعلق به من الاحكام

و هو مشتمل على مطالب، و كل مطلب مشتمل على مسائل:

المطلب الأول في بيان صيغه و شرائطه

و فيه مسائل:

المسألة الأولى [معنى الإقرار لغة و شرعا]

الإقرار لغة الإثبات من قولك: قر يقر و أقررته و قررته إذا أثبته في القرار، و لم يسمه الشارع إقرارا من حيث إنه افتتاح إثبات، بل لأنه إخبار عن ثبوت و وجوب حق سابق، و الأصل فيه من الكتاب قوله تعالى «كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ» (1) و قد فسرت بشهادة المرء على نفسه الإقرار.

و عن جراح المدائنى (2) كما في الكافي و التهذيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه».

____________

(1) سورة النساء- آية 135.

(2) الكافي ج 7 ص 395 ح 5، التهذيب ج 6 ص 242 ح 5، الوسائل ج 16 ص 135 ب 6 ح 1.

4

و

في النبوي (1) مرسلا «قال (صلى الله عليه و آله):

قولوا الحق و لو على أنفسكم».

و الإقرار شرعا عبارة عن الصيغة الصريحة، و هي اللفظ المتضمن للأخبار عن حق واجب، فقوله «اللفظ» بمنزلة الجنس يتناول للمفيد و غيره، كما أن المفيد يتناول الاخبار و الإنشاء. و قوله «متضمن» بمنزلة الفصل يخرج به سائر العقود و الإيقاعات المتضمنة للإنشاء كما يخرج باقي الألفاظ التي لا تتضمن إخبارا و دخل في قوله «حق» المال عينا و منفعة و توابعها من الشفقة و الخيار و أولوية التحجير و النفس و الحدود و التعزيرات لله تعالى و للآدمي. و أراد بالواجب معناه اللغوي و هو الثابت فيخرج به الاخبار عن حق في المستقبل و أنه ليس بإقرار و إنما هو وعد و ما في معناه.

و بهذا يستغنى عما عبر به البعض بقوله «من حق سابق» و تناوله للحق المؤجل أظهر من تناوله السابق له لأنه كان أمر ثابت الآن و إن كان استحقاق المطالبة به مستقبلا، و يمكن انجراره في السابق أيضا من حيث إن أمل الحق ثابت و إنما المستقبل المطالبة به، و تأخر استحقاق المطالبة أمر خارج عن الإقرار لأنه عبارة عن التأجيل، و ذكره في الإقرار بالحق ليس إقرارا و إنما هو دفع لما لزم من أصل الاخبار بالحق، و من ثمَّ يقبل الإقرار بالحق لا بالأجل، لكن ينتقض في طرده بالشهادة، فإنها إخبار عن حق واجب على غير المخبر. و إطلاق الحق الواجب يشمل ما هو واجب عليه و على غيره، و من ثمَّ زاد البعض في التعريف لازم للمخبر.

و أما نحو «نعم» في جواب من قال: لي عليك كذا، فإنه و إن كان مفردا ظاهرا إلا أنه متضمن للأخبار معنى قائم مقامه، فهو داخل في التعريف و لا حاجة إلى زيادة أو ما هو في معنى الأخبار.

الثانية: في بيان الألفاظ الدالة على الإقرار صريحا

و هي: لك علي أو عندي

____________

(1) تفسير الطبري ج 5 ص 206 مع اختلاف فيه.

5

أو في ذمتي، فمنها ما يفيد الإقرار بالعين صريحا و هو قوله: في يدي كذا، و منها ما يفيده ظاهرا و هو قوله: عندي، و منها ما هو صالح لهما كقوله: لدي و قبلي.

و تظهر الفائدة فيما لو ادعى خلاف مدلول اللفظ، فإنه لا يقبل، فإن ادعى ما يوافقه قبل. فلو عبر بما يفيد الدين ثمَّ قال: هو وديعة لم يقبل. و إذا ادعى التلف لم ينفعه بل يلزمه الضمان، بخلاف ما لو أتى باللفظ المفيد لها مثل قوله:

عندي ألف، أو الصالح لهما كقوله: قبلي ثمَّ فسره بالوديعة و ادعى التلف في وقت إمكانه فإنه يقبل، و سيأتي تتمة البحث في ذلك. فهذه قاعدة الألفاظ و بيان فائدتها فقس عليها ما أشبهها.

الثالثة [في صحة الإقرار بغير العربية]

لا ينحصر الإقرار في العربية بل يصح بغيرها من اللغات اضطرارا و اختيارا، لأن الغرض من الإقرار الاخبار عما في الذمة أو في العهدة، و لا يختص بلفظ معين بل ما دل على المراد، و لم ينحصر في لغة بل يصح إقرار أهل كل لغة بلغتهم إذا عرفوها لحصول المراد منها و هو الدلالة باللفظ على المعنى الذهني الذي يراد إثباته، و لم يرد من قبل الشارع ما يفيد الاختصاص بلغة خاصة بل قال (1)

«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

ثمَّ إن علم أن المقر عارف بمعنى ما ألزمه لم يقبل دعواه خلافه. و إن احتمل الأمرين و قال: لم أفهم معنى ما قلت صدق بيمينه لقيام الاحتمال و أصالة عدم العلم بغير لغته. و كذا القول في جميع العقود و الإيقاعات.

و لو علقه على شرط فقال: لك علي كذا إن شئت أو إذا شئت لم يكن إقرارا.

و كذا لو قال: إن قدم زيد أو إن رضي فلان أو شهد لأن الإقرار إخبار اقتضى أمرا خارجا عن اللفظ واقعا سوى طائفة في النفي و الإثبات أم لا (2).

و يلزم من ذلك أن يكون منجزا غير معلق على شيء من شرط أو صفة،

____________

(1) الوسائل ج 16 ص 133 ب 3 ح 2.

(2) كذا في النسخة.

6

لأن وقوع المعلق مشروط بوجود المعلق عليه، و ذلك ينافي مقتضى الخبر. و لا فرق في ذلك بين ما يقع باختيار المخبر كقوله: إن شئت- بالضم- أو لغير اختياره كقوله: إن شئت- بالفتح- و إن قدم زيد أو رضي أو شهد و نحو ذلك.

و لو قال: إن شهد لك فلان فهو صادق فموضع خلاف، و هذا الحكم قد ذكره الشيخ في المبسوط و تبعه عليه جماعة منهم المحقق- (رحمه الله)- و جعلوه من صيغ الإقرار و إن كان معلقا ظاهرا على شرط.

و وجهوه بأن صدقة يوجب ثبوت الحق في الحال و إن لم يشهد. و تقريره أنه قد حكم بصدقه على تقدير الشهادة، و الشهادة لا دخل لها في تحقق الصدق و عدمه، و إنما الصدق يقتضي مطابقة خبره للواقع وقت الإقرار، و لا يكون كذلك إلا على تقدير ثبوت الحق في ذمته وقت الإقرار، فيكون إقرارا منجزا و إن لم يشهد، بل و إن أنكر الشهادة. و مثله ما لو قال: إن شهد بكذا فهو حق أو صحيح.

و كذا لو لم يعين الشاهد فقال: إن شهد علي شاهد بكذا فهو صادق أو شهد عليه بالفعل فهو صادق. أما لو قال: إن شهد صدقته أو فهو عدل لم يكن مقرا، لأن الكاذب قد يصدق و الشهادة مبنية على الظاهر، فلا ينافي عدم مطابقتها لما في نفس الأمر العدالة.

و وجهوه ثانيا أيضا بأنه يصدق كلما كان صادقا على تقدير الشهادة، و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما كان صادقا على تقدير الشهادة كان المال في ذمته، لكن المقدم حق لإقراره فإنه حكم بصدقه على تقدير الشهادة فالتالي مثله.

و وجهوه ثالثا أيضا بأن يقال: إما أن يكون المال ثابتا أو لا، و الثاني باطل لأن ما يستلزم كذب الشاهد على تقدير الشهادة لأنه خبر غير مطابق لكنه قد حكم بصدقه على تقديرها الأول، و عورض بأمرين:

(أحدهما) التعليق، فإنه حكم بصدقه المقتضي لشغل الذمة إن شهد، و التعليق مناف لإقراره فكان كقولك: كذا إن قدم زيد، و يمكن الفرق بأن هذا تعليق محض

7

بخلاف ما نحن فيه لاحتمال أنه بيان لحكم الشهادة على تقدير وقوعها.

(و ثانيهما) أنه ربما كان اعتقاد المخبر امتناع الشهادة من الشخص المذكور لامتناع الكذب بالنسبة إليه عادة، فيريد بذلك أن ذلك لا يصدر منه. و مثله في محاورات العوام كثير كقول أحدهم: إن شهد فلان إني لأبي فهو صادق، و لا يريد سوى ما قلناه للقطع بعدم تصديقه على كونه ليس لأبيه، مع أن الأصل براءة الذمة.

و فصل العلامة في التذكرة فقال: الأقرب أنه ادعى عدم علمه بما قال و أن المقر له لا يستحق عنده شيئا و إن توهم أن فلانا لا يشهد عليه و كان ممن يخفى عليه ذلك قبل قوله و حمل على التعليق، و إلا ثبت. و الأصح عدم اللزوم، و هو اختيار أكثر المتأخرين.

و لو قال: له علي ألف إذا جاء رأس الشهر لزمه إن لم يقصد الشرط بل الأجل. و كذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف، و إنما كان كذلك لأن كلا من الصيغتين محتملة لإرادة التعليق و إرادة التأجيل لصلاحية اللفظ لهما تعين الاستفسار و الرجوع إلى قصد القائل، و هو مختار العلامة في القواعد و في التذكرة.

و أطلق المحقق في الشرائع اللزوم، و ليس بجيد. و حكى قولا بالفرق بينهما، و هو اللزوم إن قدم المال لأن التعليق إبطال للإقرار.

و رد بأن الكلام لا يتم أوله إلا بآخره، و من ثمَّ يحكم بثبوت الأجل لو فسر بالتأجيل. و لو قال: كان له علي ألف لزمه و لا يقبل دعواه في السقوط، و ذلك لأن لفظ «كان» لا يدل على الزوال. قال الله سبحانه «وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً» لكنها لا تشرع بذلك بحسب الاستعمال، فلو صح بالسقوط لم يقبل دعواه لأن الأصل البقاء.

الرابعة: لو قال: لي عليك ألف فقال: نعم

أو أجل أو بلى أو صدقت أو بررت أو

8

قلت حقا أو صدقا أو أنا مقر به أو بدعواك أو بما ادعيت أو لست منكرا له أو قضيتك أو برأتني منها فهو إقرار.

أما جوابه بنعم و أجل فظاهر، لأنه إن كان خبرا فنعم بعده حرف تصديق، و إن كان استفهاما فهي في الإثبات و الاعلام لأن الاستفهام في معنى إثباته بنعم و نفيه بلا و أجل مثلها.

و أما «بلى» فإنها و إن كانت في اصطلاح النحاة و العرف الخاص لإبطال النفي إلا أن الاستعمال العرفي بين العوام جوز وقوعها في جواز الخبر المثبت، لأن المحاورات العرفية جارية على هذا، و أهل العرف لا يفرقون بينها و بين نعم في ذلك و الأقارير إنما تجري مجاري العرف على ما ينقل أهل العرف لا على دقائق اللغة و اصطلاحات النحويين. هذا كله إن لم يكن قوله: لي عليك ألف استفهاما و الهمزة محذوفة.

فقد صرح ابن هشام في المغني (1) و غيره في غيره أنه قد وقع في كتب الحديث في الصحاحات المعتبرة ما يقتضي صحة أن يجاب بها الاستفهام المجرد مثل قوله (صلى الله عليه و آله) لأصحابه: أ ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى. و مثل قوله (صلى الله عليه و آله): أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له المجيب: بلى. و الأول قد رواه البخاري و الثاني مسلم.

و أما صدقت و بررت- بفتح الاولى و سكون الثانية- و قلت حقا و صدقا فإنه إقرار إذا كان لي عليك ألف خبرا مثبتا.

و أما قوله «أنا مقر به» فقد قوى أول الشهيدين في الدروس أنه ليس بإقرار حتى يوصله بقوله «لك». و يضعف بأن المتبادر عود الضمير في قوله «به» إلى ما ذكره المقر له و كونه اسم فاعل و يحتمل الاستقبال و يكون وعدا واردا على تقدير قوله «لك» و مدفوع بأنه لا يفهم من ذلك عرفا إلا الإقرار، و قد استشكله

____________

(1) المغني ج 1 ص 114 حرف الباء.

9

فخر المحققين في شرح القواعد.

و مثله قوله «أنا مقر بدعواك أو بما ادعيت أو لست بمنكر له». و احتمل في الدروس أيضا عدم كون الأخير إقرارا لأن عدم الإنكار أعم من الإقرار و هو وارد، إلا أن المفهوم عرفا من عدم الإنكار الإقرار.

و أما البواقي من الصيغ المذكورة فإن الرد و القضاء و البراءة فرع الثبوت و الاستحقاق و لازمهما، فادعاؤها يقتضي لثبوت الملزوم و الأصل بقاؤه.

فلو قال: أ ليس لي عليك كذا؟ فقال: بلى كان إقرارا. و اختلف ما لو قال:

نعم، و المشهور أنه ليس بإقرار، كما هو قول أكثر النحاة، و ذلك لأن «نعم» حرف تصديق، فإذا وقعت في جواب الاستفهام كان تصديقا لما ادخل عليه الاستفهام فيكون تصديقا للنفي، و ذلك مناف للإقرار. بخلاف «بلى» فإنه تكذيب له من حيث إن أصل بلى «بل» زيدت عليها الألف و هي للرد و الاستدراك، فإذا كان كذلك فقوله «بلى» رد لقوله: أ ليس لي عليك ألف، فإنه الذي دخل عليه حرف الاستفهام و نفي له، و نفي النفي إثبات.

قال العلامة في التذكرة: هذا تلخيص ما نقل عن الكسائي و جماعة من الفضلاء.

و في المغني لابن هشام: أن «بلى» تختص بالنفي و يفيد إبطاله سواء كان مجردا نحو قوله تعالى «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلىٰ وَ رَبِّي» (1) أم مقرونا بالاستفهام، حقيقيا كان نحو «أ ليس زيد بقائم» أو توبيخيا نحو «أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّٰا لٰا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ بَلىٰ» (2). أو تقريريا نحو «أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قٰالُوا بَلىٰ» (3) «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ» (4) فاجري النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد

____________

(1) سورة التغابن- آية 7.

(2) سورة الزخرف- آية 80.

(3) سورة الملك- آية 8 و 9.

(4) سورة الأعراف- آية 172.

10

في رده ب «بَلىٰ» و لذلك قال ابن عباس و غيره: لو قالوا نعم كفروا، و وجهه أن «نعم» تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب. و عند جماعة من النحويين أنه يكون مقرا.

قال العلامة في التذكرة: لأن كل واحدة من نعم و بلى تقام مقام الأخرى في العرف.

و نازع السهيلي و جماعة في المحكي عن ابن عباس و غيره في الآية متمسكين بأن الاستفهام التقريري خبر موجب و لهذا منع من جعل «أم» متصلة في قوله «أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ. أَمْ أَنَا خَيْرٌ» (1) لأنها لا تقع بعد الإيجاب. و استشكله بأن «بلى» لإيجاب بها الإيجاب اتفاقا، و في بحث «نعم» حكي عن سيبويه وقوع نعم في جواب أ لست.

ثمَّ قال في المغني: إن جماعة من المتقدمين و المتأخرين قالوا: إذا كان قبل النفي استفهام تقريري فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعيا للفظ، و تجوز عند أمن اللبس أن يجاب به الإيجاب رعيا لمعناه، و على ذلك

قول الأنصار

(2)

للنبي (صلى الله عليه و آله) و قد قال: أ لستم ترون لهم ذلك؟ قالوا: نعم.

و قول الشاعر:

أ ليس الليل يجمع أم عمرو * * * و إيانا فذاك بنا تداني

نعم و أرى الهلال كما تراه * * * و يعلوها النهار كما علاني

ثمَّ قال: و على ذلك جرى كلام سيبويه و المخطي مخطئ، فحيث ظهر أن «بلى» و «نعم» يتواردان في جواب أ ليس مع أمن اللبس، و اقتضى العرف إقامة كل منهما إقامة الأخرى، فقد تطابق العرف و اللغة على أن «نعم» في هذا اللفظ إقرار ك«بلى» لانتفاء اللبس. و هو الأصح، و اختاره أول الشهيدين في الدروس و المحقق الثاني في شرح القواعد.

و بما قررناه علم أن جعل «نعم» هنا إقرارا أو في من جعل «بلى» إقرارا

____________

(1) سورة الزخرف- آية 51 و 52.

(2) المغني ج 2 ص 347 حرف النون.

11

في قوله: لي عليك ألف للاتفاق على أن لإيجاب بها الإيجاب.

الخامسة: أن الإقرار بالإقرار إقرار [و حكم الإقرار المعلق]

لأنه إخبار جازم بحق سابق، و الإقرار حق أو في معنى الحق لثبوت الحق به فيستدرج في عموم

قوله (صلى الله عليه و آله)

(1)

«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

و لو قال: لي عليك ألف فقال: أنا مقر و لم يقل: به، أو قال: زنه أو خذه أو أنفذه أو زن أو خذ لم يكن إقرارا، و إنما لم يكن قوله: أنا مقر مجردا إقرارا لاحتماله المدعى و غيره، فإنه لو وصل به قوله: بالشهادتين أو ببطلان دعواك لم يحتمل اللفظ فجاز تقديره بما يطابق المدعى و غيره، و مع انتفاء الدلالة على المدعى يجب التمسك ببراءة الذمة حتى يقوم الدليل على اشتغالها.

و يحتمل عده إقرارا لأن وقوعه عقيب الدعوى يقتضي صرفه إليها كما قال الله تعالى «أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قٰالُوا أَقْرَرْنٰا» (2). و قوله تعالى «فَاشْهَدُوا» لما أمر الملائكة بالشهادة على الإقرار أو لبعضهم بالشهادة على البعض، فهذا دليل على البعض، فهذا دليل أن ذلك كاف في الإقرار مع عدم قوله به، و لأنه لولاه لكان هذا كاف من قال (3) في جواب الدعوى عليه بمال:

أنا مقر بالشهادة عد سفيها حذرا، و دفع الحذر به عن كلام العقلاء دليل على أنه مقصود الشارع.

و جوابه أن صدوره عقيب الدعوى إن أريد بصرفه إليها دلالته على الإقرار بمقتضاها فهو ممنوع لإمكان أن يراد الإقرار بشيء آخر و يكون فيه إشعار يرد دعوى المدعي لما يظهر من جوابه من الاستهزاء، و إن أريد بصرفه إليها كونه جوابا فلا دلالة فيه.

____________

(1) الوسائل ج 16 ص 133 ب 3 ح 2.

(2) سورة آل عمران- آية 81.

(3) كذا في النسخة، و لعل الصحيح «و لأنه لو لا هذا كافيا لكان من قال».

12

و أما الآية فلا دلالة فيها على محل النزاع لانتفاء احتمال الاستهزاء فيها و دعوى الهدرية و السفه مردودة بالاستهزاء من الأمور المقصودة لغة و عرفا، و الأصح الأول.

و أما زنه أو خذه أو نحوهما فلا يعد شيء منها إقرارا لانتفاء الدلالة عرفا و إن كان خروج ذلك مخرج الاستهزاء. و لو قال: أنا أقر به احتمل للوعد فلا يكون إقرارا، و ذلك لأن الفعل المستقبل و هو المضارع مشترك بين الزمانين كما هو الأصح، و الإقرار بالنسبة إلى المستقبل وعد كما تقرر.

و أما أنه لا يكون إقرارا فظاهر لأن الإقرار كما عرفت إخبار جازم بحق سابق. و يمكن أن يكون مراد العلامة في القواعد حيث عبر بهذه العبارة احتمال كونه وعدا و احتمال كونه إقرارا فتكون المسألة ذات وجهين، و هو الذي فهمه الشارح الفاضل فخر المحققين في الإيضاح و أول الشهيدين في بعض حواشيه حيث نقل أن فيها قولين.

و العلامة في التذكرة نقل عن الشافعية وجهين، و وجه الثاني أن قرينة الخصومة و توجه الطلب يشعر بالتنجيز فيكون إقرارا، و الأقوى الأول.

و لو قال: اشتر منى هذا العبد أو استوهبه فقال: نعم فهو إقرار، لأن «نعم» في جواب الفعل المستقبل حرف وعد وعدته إياه بالشراء منه، فيقتضي كونه مالكا لامتناع صدور البيع الصحيح من غير المالك، و مثله الاتهاب.

و قد فرق العلامة في التذكرة هنا بين أن يقول: اشتر مني هذا العبد فيقول:

نعم فإنه إقرار بأن المخاطب مالك للبيع و ليس إقرارا بأنه مالك للمبيع خاصة، و يشكل الفرق بأن اليد تدل على الملك و الأصل في ثبوت سلطنة التصرف أن لا تكون بالنيابة عن الغير، و لعل الأول أقرب. و كذا لو قال: بعني أو هبني أو ملكني، لأن هذه الألفاظ إقرار و ذلك بالطريق الأولى.

و لو قال: ملكت هذه الدار من فلان أو غصبتها منه أو قبضتها فهو إقرار،

13

بخلاف تملكتها على يده، لأن حصول الملك منه يقتضي كونه ذا يد و صدور سبب الملك منه، و كذا غصبتها منه و قبضتها. و أما تملكتها على يده فلا يقتضي إلا جريان سبب الملك على يده، و هو أعم من صدوره منه فإنه ربما كان واسطة في ذلك.

و لو قال: بعتك أباك فحلف عتق و لا ثمن، فإن قول المدعي: بعتك أباك إقرار بالبيع و دخوله في ملك ابنه فصار حرا، و حلفه على نفي الشراء ينفي عنه دعوى الثمن، فيكون المدعي قد أقر بموجب العتق في عبده المملوك له.

و لو قال: لك علي ألف في علمي أو فيما أعلم أو في علم الله تعالى لزمه، لأن ما في علمي ما يحتمل إلا الثبوت و مطابقة الواقع، فإن المتبادر من العلم هو اليقين و علمه تعالى يستحيل كون الواقع بخلافه، و قد أقر بأن الألف عليه في علمه سبحانه.

و لو قال: لك علي ألف إن شاء الله تعالى فليس بإقرار على الأصح لأنه قد علقه على شرط و التعليق مناف للإقرار لأن مشيته سبحانه و تعالى أمر لا يطلع عليه، و لا سبيل إلى العلم به إلا بأن يعلم ثبوت ذلك في ذمته، و احتمل البعض كونه إقرارا لازما إما بجعل المشية للتبرك لا للتعليق كما في قوله «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ» (1) فإن ذلك أكثري، أو لأنه إنكار بعد الإقرار لأنه قد وصل إقراره بما يرفعه بأجمعه، و لا يصرفه إلى غير الإقرار فلزمه ما قد أقر به لظاهر صلته به.

و يضعف بأن التبرك محتمل و الأصل براءة الذمة فلا تصير مشغولة بالمحتمل، نعم لو علم قصد التبرك فلا إشكال في اللزوم. و أما دعوى كونه إنكارا بعد الإقرار فمدفوعة بما مر من أن شرط الإقرار التنجيز و هو منتف هنا.

____________

(1) سورة الفتح- آية 27.

14

أما لو قال: له علي ألف إلا أن يشاء الله فإنه إقرار صحيح لأنه علق رفع الإقرار على أمر لا يعلم فلا يرتفع. هكذا قرره العلامة في التذكرة.

و لو قال: أنا قاتل زيد فهو إقرار لا مع النصب، و وجه الفرق أن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال و الاستقبال، فمع النصب يكون قد أعمله، فتعين أن لا يكون بمعنى الماضي و انتفى كونه بمعنى الحال فتعين أن يكون للاستقبال و حينئذ فلا يكون إقرارا لما علم غير مرة من أن الإقرار إخبار جازم بحق سابق، و مع الجر يكون ترك إعماله دليلا على أنه بمعنى الماضي فيكون إقرارا، و يؤيده استعمال أهل العرف إياه في الإقرار. و وجه التسوية بينهما كما احتمله في القواعد العلامة الحلي في عدم الإقرار أن الإضافة لا تقتضي كون اسم الفاعل بمعنى الماضي لجواز أن تكون الإضافة لفظية، و هي إضافة الصفة إلى معمولها، فتكون الإضافة بمعنى الحال أو الاستقبال، و يكون أثر العمل ثابتا تقديرا، و متى احتمل اللفظ الأمرين انتفى كونه إقرارا، فإن الأصل البراءة، و الحكم في الدماء مبني على الاحتياط التام كالحدود، و هو أقرب.

المطلب الثاني في المقر

و هو قسمان: مطلق و محجور، فالمطلق ينفذ إقراره بكل ما يقدر على إنشائه و لا تشترط عدالته، و المحجور سيأتي، و في هذا المطلب مسائل:

الاولى [في فروض الإقرار على النفس]

قد تقدم أنه يقبل إقرار الفاسق على نفسه كما في خبر أبي بصير، و كذلك الكافر لعموم

«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»

و لا تنتقض الكلية بإقرار الوكيل بما لا يقدر على إنشائه بما هو وكيل فيه، من حيث إنه غير نافذ على موكله، و لأن ذلك ليس إقرارا و إنما هو شهادة لأن الإقرار هو الاخبار بحق لازم للمخبر.

15

و من المطلق إقرار الأخرس، و يكفي في عبارته الإشارة المفهمة لأنها في حقه بمنزلة اللفظ في حق غيره، و لذلك يعتبر بيعه و سائر عقوده بها لكن بشرط فهمها كما تدل عليه الأخبار المتقدمة في عباداته و نكاحه و طلاقه و تلبيته، فإن فهمها الحاكم جاز له الحكم، و إلا افتقر إلى مترجمين عدلين يخبران بأن مقصوده منها الإقرار بكذا أو كذا. و مثله الأعجمي إذ لم يعرف الحاكم لسانه.

و أما المحجور عليه لانتفاء شرائط الإقرار في حقه فسبعة، الأول: الصبي لأن شرطه البلوغ، فلا يقبل إقراره و إن أذن له الولي سواء كان مراهقا أم لا. و قد نقل العلامة في التذكرة على ذلك الإجماع منا، و لكن قال في القواعد: و لو جوزنا وصيته في المعروف جوزنا إقراره بها لأن كل من ملك شيئا ملك الإقرار به.

و يدل على اشتراط البلوغ

صحيحة عبد الله بن سنان (1) «قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان على (عليه السلام) يقول:

الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية و هو مدرك».

و في خبر الفضل بن عبد الملك (2) «قال:

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حر أقر أنه عبد، قال: يؤخذ بما أقر به».

و يجب أن يحمل عليه إطلاق

موثقة إسماعيل بن الفضل (3) «قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): حر أقر على نفسه بالعبودية، أستعبده على ذلك؟ قال: هو عبد إذا أقر على نفسه».

الثانية: لو ادعى أنه بلغ بالاحتلام

في وقت إمكانه صدق قوله من غير يمين و إلا لدار، و هو باطل. و وجه لزوم الدور أن صحة اليمين مشروطة بكون الحالف

____________

(1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 78، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 1 و فيهما «و هو مدرك من عبد أو أمة، و من شهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا».

(2) التهذيب ج 8 ص 235 ح 79، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 2.

(3) التهذيب ج 7 ص 237 ح 57، الوسائل ج 16 ص 40 ب 29 ح 5.

16

بالغا لرفع القلم عن الصبي فتتوقف على الحكم بالبلوغ، فلو توقف الحكم بالبلوغ عليها لزم توقف كل منهما على الآخر و هو الدور.

و ربما دفع هذا الدور كما قاله شهيد الدروس بأن يمينه موقوفة على إمكان بلوغه، و الموقوف على يمينه هو وقوع بلوغه، فتغايره الجهة. و ضعفه ظاهر بأن إمكان البلوغ غير كاف في صحة إقرار الصبي.

و الجارية كالصبي إذا ادعت البلوغ بالاحتلام، و لو ادعته بالحيض فعند العلامة في التذكرة يقبل إن كان ذلك في وقت الإمكان. و استشكله الشهيد في الدروس لأن مرجعه إلى السن.

و لو ادعى أحدهما البلوغ بالإنبات وجب اعتباره، و لو ادعاه بالسنين طولب بالبينة لإمكانها، و قال العلامة في التذكرة: و لو كان قريبا بادعاء الاحتلام.

و فيه نظر، لأن ما يعتبر فيه البينة لا يقصر حكمه بعجز المدعى عنها، و هذا هو المناسب لإطلاق قولهم «و لو ادعاه بالسنين طولب بالبينة».

و لو أقر المراهق و اختلف هو و المقر له في البلوغ فالقول قوله من غير يمين إلا أن تقوم بينة ببلوغه، و ذلك لأن الأصل عدم البلوغ، و شرط صحة اليمين كونه بالغا و لم يثبت، و لأنه لو حلف لكان الثابت باليمين انتفاء صحتها، و هذا إذا كان الاختلاف قبل العلم ببلوغه. أما بعده ففي تقديم قوله تمسكا بأصالة عدم البلوغ أو قول الآخر تمسكا بأصالة الصحة في إقراره وجهان، و مثله بيعه و سائر عقوده. و قد تكلم فقهاؤنا في هذه المسألة في البيع و الضمان كما ذكره العلامة في القواعد.

الثالثة [في إقرار المجنون]

من المحجور عليه: المجنون، و هو مسلوب القول مطلقا، و في حكمه النائم و المغمى عليه و المبرسم و السكران و شارب المرقد و إن تعمد لغير حاجة.

و لا يقبل إقرار المجنون لأنه مسلوب العبارة في الإنشاء و الإقرار لغير استثناء، و لا فرق بين كون جنونه مطبقا أو يأخذه أدوارا، إلا أن الذي يأخذه أدوارا إذا

17

صدر إقراره في حال صحته نفذ لثبوت عقله حينئذ. و في حكم تلك الأفراد المذكورة كالنائم و الغافل و الساهي لرفع القلم عن النائم حتى ينتبه كما في المستفيضة النبوية و غيرها، و كذا عن الغافل و الساهي و لأنه لا قصد لأحدهم و كذا المغمى عليه و المبرسم و هو من أصابه البرسام و هو المرض الذي يهذي صاحبه و يتكلم بغير شعور.

و أما السكران الذي لا يحصل معه صحو أو لا يكون كامل العقل حالة سكره فلا يقبل إقراره، و قد نقل العلامة في التذكرة إجماعنا، و كأنه لم يلتفت إلى خلاف الإسكافي حيث قال: إن سكره إن كان من شرب محرم اختار شربه ألزم بالإقرار كما يلزم بقضاء الصلاة. و ربما فرق بين السكران قاصدا و غير قاصد.

و شارب المرقد كالسكران في ما قلناه و لو تعمد لغير حاجة تعود إلى كل منهما، فإنه لما لم يكن لأحدهما عقل كامل و لا قصد صحيح لم يعتد لما يقع منه و كونه يؤاخذ بقضاء الصلاة بعد لا يقتضي الاعتداد بأقواله و أفعاله شرعا، و لو ادعى زوال العقل حالة إقراره لم يقبل دعواه إلا بالبينة، و لو كان له حالة جنون فالأقرب سماع قوله.

أما الحكم الأول فلأنه قد ادعى فساد إقراره المحكوم بصحته ظاهرا، و الأصل عدم حدوث مانع من صحته كما أن الظاهر كذلك أيضا، و مع عدم البينة فالقول قول المقر له مع يمينه. و قول العلامة في التذكرة «و لو يعلم له حالة جنون» لم يلتفت إليه، و ظاهر هذا عدم توجه اليمين على الآخر و هو بعيد لأنه مدعى عليه، غاية ما في الباب كون الدعوى بعيدة و ذلك لأنه لا ينفي بوجه اليمين.

و أما الحكم في الثاني فوجه القرب أنه لما توارد عليه كل من الحالتين لم تكن له حالة معهودة ليحكم بوقوع الإقرار فيها. و الإقرار و إن كان الأصل فيه الصحة إلا أنه مشروط بصدوره في حال العقل الإقرار لعموم

قوله (عليه السلام) «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»

و احتمال كل من حالتي العقل و الجنون قد علم أنه

18

مكلف لاحتمال الأخرى، و الجهل بالشرط موجب للجهل بصحة المشروط، هذا مع أن الأصل براءة الذمة فيقدم قوله بيمينه. فإن قيل: لو كان العلم بوقوع الإقرار في حال العقل شرطا في الصحة كما حكم بصحة شيء من تصرفات من يعتريه الجنون إلا إذا قطع بكونه عاقلا في وقت إيقاعها و لما أوجب على وارثه ما أقر به مع حال جهل الإقرار، قلنا: هو كذلك، و إنما أوجبنا اليمين ها هنا لدعوى المقر له لصدور الإقرار حال العقل، و أما الوارث فإن ادعى صدور الإقرار حالة الجنون فهي كدعوى المورث، و إن صرح بعدم العلم ففيه نظر. و يحتمل عدم سماع قوله إلا بالبينة لسبق الحكم بالصحة.

و ينبغي أن يكون موضع المسألة إذا لم يعلم حاله بعد الإقرار، فإن علم و كان عاقلا فعلى مدعي تجدد الجنون البينة، و ينعكس الحكم لو انعكس الفرض.

و لو شهد الشهود بإقراره لم يفتقر إلى أن يقولوا طوعا في حال صحة من عقله بأن إطلاق الإقرار إنما يحمل على الإقرار الشرعي، و لا يكون شرعيا إلا إذا صدر طوعا في حال صحة العقل.

الرابعة [في إقرار المكره]

و من المحجور عليه: المكره، و لا ينفذ إقراره فيما اكره على الإقرار به إجماعا منا كما نقل في التذكرة، و الأصل فيه الأخبار المستفيضة.

منها

النبوية المروية بطرق معتبرة عنه (صلى الله عليه و آله) (1) «قال:

رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه».

و لو أقر بغير ما اكره عليه صح، مثل أن يكره للإقرار على رجل فيقر لغيره، أو يكره أن يقر على نوع من الحال فيقر بغيره، أو يكره على الإقرار بطلاق امرأته فيقر بغيرها، و هكذا في العتق و غيره لأن المقر به غير مكره فتناوله الأخبار بعمومها.

____________

(1) الوسائل ج 11 ص 295 ب 56 ح 3 و فيه «وضع».

19

أما لو اكره على الإقرار بمائة فأقر بمائتين فموضع خلاف، و الأقوى نفوذه لأن عدوله إلى أكثر مما وقع الإكراه عليه دليل صدوره باختياره، و هو اختيار العلامة في التذكرة، بخلاف ما لو أقر بأقل- خمسين- فإن الإكراه على الإقرار بعدد يقتضي شمول الإكراه لما دونه، و لأن الظاهر إنما أراد به دفع عادية المكره، و معلوم أنه متى أمكنه دفعه بالأقل لم يقر بما فوقه.

و لو اكره على أداء مال فباع شيئا من ماله ليؤديه صح البيع مع عدم حصر الأداء في مال بعينه، و هذا صحيح لأنه حينئذ مكره على بيع ذلك المال و لا يصح و يمكن أن يكون المراد به صحته حيث لا يكون سبب الأداء بحسب الواقع منحصرا في مال بعينه بأن لا يكون عنده ما يؤدي المال من ثمنه إلا شيء واحد، فإنه حينئذ يكون مكرها على البيع. و هذا الذي حكاه شيخنا الشهيد في حواشيه عن العلامة قطب الدين شارح المطالع ناقلا له عن العلامة.

و فيه نظر، لأن البيع المذكور مقصود إليه واقع بالاختيار ليدفع به أداء المكره كما لو دعته ضرورة أخرى إلى بيع ما لا يريد بيعه، و إنما حمل عليه محض الضرورة، و لأن انحصار سبب الأداء في بيع المال الواحد من الأمور النادرة، و لأنه لو عد ذلك إكراها شرعيا لأدى إلى أن [لا] يرغب أحد في الشراء من المالك على أداء مال فينسد عليه باب الخلاص و ذلك ضرره عليه عظيم. و الذي يقتضيه النظر أن الإكراه على أمر الكلي لا يعد إكراها على شيء من الجزئيات سواء تعددت بحسب الواقع أو لم يوجد منها إلا فرد واحد، إذ لا يدل الإكراه على الكلي على الإكراه على الجزئي بشيء من الدلالات و إن توقف حصول المكره عليه بحسب الواقع على حصول شيء منها.

و لو ادعى الإكراه حالة الإقرار لم يقبل منه إلا بالبينة العادلة لأن الأصل في الإقرار الصحة و الحكم بلزومه من وقت صدوره، فالبطلان غير متحقق حتى

20

ينهض به الدليل، فمع عدم البينة يحلف المدعى عليه و لو كان الإقرار عند السلطان لأن مجرد الوقوع عنده لا يقضي الإكراه. نعم لو وجدت قرينة دالة عليه كالقيد أو الجنس أو التوكيل للمقر بمن يحفظه و يمنعه من الانصراف قوى جانبه لمساعدة الظاهر فيصدق مع اليمين، و إنما يكون القيد و نحوه دليلا على الإكراه إذا لم يعلم كونه لأمر آخر، فلو علم أنه لا تعلق بالإكراه انتفى هذا الحكم.

الخامسة [في إقرار المفلس و المبذر و العبد]

من المحجور عليه: المفلس و المبذر، و قد مضى حكمهما في كتاب الحجر. و كذلك المريض و يقبل إقراره إن برئ مطلقا و يكون كإقرار الصحيح، و سيجيء تفصيل أحكامه إذا لم يبرأ و بيان تعلقه لو مات في مرضه، ثمَّ إنه قد اشتمل على فروع كثيرة يطول المقام بذكرها هنا و سنفرد لها بحثا فيما سيأتي و نفصل فيها تفصيل المسألة تفصيلا وافيا.

و من المحجور عليه: العبد، و لا يقبل إقراره بمال و لا حد و لا جناية توجب أرشا و لا قصاصا إلا أن يصدقه السيد لأنه محجور عليه في نفسه و ماله. قال الله تعالى «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» (1).

و ربما قيل بأنه يقبل منه و يتبع به بعد العتق كما لو صدقه السيد، و الأخبار تأباه، و قد نقل غير واحد الإجماع على عدم قبول إقراره في جميع هذه الأمور لعموم الآية و لإطلاق الشيئية على هذه الإقرارات كلها كما تضمنته الصحاح في تفسيرها، و لهذا لا يقطع في الإقرار بالسرقة و لا في الغرم إلا أن يصدقه مولاه، فإن كانت العين قائمة انتزعت و رجعت إلى صاحبها، و إن لم تكن قائمة يتبع بها بعد العتق. و كذلك الكلام في الجناية أيضا.

مقتضى عبارة غير واحد من المتأخرين عند تصديق المولى له يتبع بالجميع، و هو قوي إلا في الحدود حيث بنيت على التخفيف، و لو كان مؤذنا له في التجارة فأقر بما يتعلق بها قيل: يؤخذ ما أقر به مما في يده لأن الاذن في التجارة

____________

(1) سورة النحل- آية 75.

21

يقتضي الاذن في لوازمها و منها جواز الاستدانة. و لا يصح إقرار المولى عليه بحد و لا غيره من أنواع العقوبات كالتعزير و الضرب البدني و هذا حيث لا يصدقه العبد و إلا تعلق به.

و لو أقر المولى على العبد بالجناية فالأقرب قبول قول المولى في متعلق حقه، فيجب المال عن الجناية سواء كان عمدا أو خطأ، و تتعلق برقبة العبد لا في حق العبد كما لو اتفق موت مورثه و لا وارث سواه و هو ممن يفك بالدية لا غير.

و بالجملة أن الإقرار بالجناية خطأ و عمدا يتعلق بحق السيد و العبد معا، أما الجناية خطأ فلأنها توجب المال خاصة و يتعلق برقبة العبد الذي هو ملك السيد فيتعلق الإقرار بها بحق السيد من هذه الجهة و هو القول بأن الجاني إنما يفتدي بأرش الجناية، و إن كان أكثر من القيمة فيتعلق الإقرار بها في حق العبد فيما لو اتفق موت العبد في الصورة المذكورة، فإن حقه أن يفك بالقيمة و الباقي من التركة له.

و لو نفذ الإقرار بالجناية على العبد لوجب على القول الثاني فكه بأرش الجناية، و إن زاد على القيمة و لا يقبل إقراره بالرق لغير من هو في يده لأن اليد تقتضي الملك و إقراره بالرق يقتضي نفي ذلك فيكون إقرارا على الغير فلا يقبل و المراد بكونه تحت يده أن يكون تحت سلطنته على وجه الملك كما هو معلوم في العادة.

و كذلك لا يقبل منه إقراره بالحرية و إن كانت هي الأصل في الناس تقديما للظاهر على الأصل كما تدل عليه المعتبرة و من تحرر نصفه لكونه مبعضا نفذ نصف إقراره إذا كان الإقرار بمال أو بجناية توجب مالا أما لو أقر بالجناية توجب قصاصا فاستيفاء نصفه متعذر، فيمكن أن يجب نصف الدية و يتبع في المال بباقي ما أقر به في الصورة المذكورة بعد العتق لو قلنا بنفوذ إقراره في حق نفسه، و ينتفي على القول المشهور كما هو ظاهر الأخبار.

22

المطلب الثالث في بيان المقر له و شروطه

، و له شرطان و قد اشتمل هذا المطلب على مسائل:

الاولى: في بيان انتفاء الإقرار في حق من ليس له أهلية التملك

، فلو أقر لدابة أو حائط لم يصح و إن قال بسبب الدابة قيل يكون إقرارا لمالكها على تقدير الاستئجار.

و فيه نظر، إذ قد يجب بسببها ما لا يستحق المالك منه شيئا كأرش الجناية على سائقها أو راكبها، و هذا القول الذي حكيناه هو قول الشيخ في المبسوط.

و تنقيحه: أن قول المقر بسبب الدابة جار مجرى نمائها و سائر منافعها فيكون للمالك، و قد عرفت وجه النظر لأن الإقرار أعم.

فإن قيل: كونه للمالك عند الإطلاق أرجح لأن الغالب في التملك بسببها يكون للمالك، و لأن كونه للمالك مستغن عن تقدير أمر زائد و هو وقوع جنايتها في يده على غير المالك و الراجح مما يتعين المصير إليه، قلنا: إن حجيته باعتبار كثرة وقوعه لا يقتضي أرجحية استحقاق المالك إياه على غيره في نظر الشارع، و الإقرار محتمل لجميع ذلك، و الذي يقتضيه صحيح النظر الاستفسار لذلك الإقرار و قبول ما يفسره به و مع تعذره هو إقرار بالمجهول فيؤخذ بتفسيره و يلزم به.

أما لو قال: علي بسببها لمالكها أو قال: علي بسببها لزيد فلا إشكال في نفوذ الإقرار، فإذا أتى بالإقرار المبهم طولب بالبيان، فإن تعذر لموت و نحوه أقرع.

أما لو قال: بسبب حملها لغي ذلك الإقرار لامتناعه في العادة. و لقائل أن يقول: إن الضميمة تقتضي بطلان الإقرار، كما لو قال: كذا من ثمن خمر.

23

و لو أقر لميت صح و انتقل إلى ورثته لأن الميت في حكم المالك فكفى ذلك في صحة الإقرار له.

و لو قال: لا وارث له سوى هذا لزم التسليم إليه لأنه قد أقر بوجوب تسليم هذا القدر من ماله إليه فوجب أن يكون نافذا. و ربما يقال: إن قوله «لا وارث إلا هذا» إقرار في حق الغير لوجود وارث له فكيف يكون نافذا بحيث يلزم التسليم إليه، و قد أقر من أول الأمر بأنه للميت فيكون لورثته.

و لو أقر العبد صح و كان ذلك للمولى لأن يده يد السيد، و ربما قيل:

إن الإقرار يقتضي الملك لمن أقر به و هو ممتنع في حق العبد و الجواب: أن هذا القدر كاف لصحته و لا ينافيه كونه مجازا فإنه شائع شهير.

و لو أقر لحمل فلان بن فلانة و عزاه إلى الوصية أو إلى الميراث و ذلك للإطباق على أنه تصح الوصية له كما صح ميراثه فإذا ولدت ذكرا و أنثى فهو بينهما على حسب استحقاقهما، و هذا إنما يكون في الإرث، أما في الوصية فإنهما سواء. و لو عزاه إلى سبب ممتنع كالجناية عليه و المعاملة له فالأقرب اللزوم و إلغاء المبطل و هي الضميمة، أما صحة الإقرار فلعموم تلك الأخبار و قد سمعتها، و أما إبطال الضميمة فلأن كلام العقلاء المكلفين الأصل فيه الصون عن اللغو بحسب الإمكان فيقتصر في الإلغاء على الضميمة، لأن الإقرار يجب صونه عن الفساد بحسب الإمكان، أو لأن ذلك جار مجرى له ألف من خمر مع أن الضميمة غير مؤثرة في صحة الإقرار هنا قطعا، و كذا الاستثناء المستغرق.

لا يقال: أي فرق بينه و بين قوله «له علي ألف إن دخلت الدار» لأنا نقول:

الفرق بينهما ظاهر لأنه لا إقرار هنا أصلا لعدم التنجيز، بخلاف ما نحن فيه، لأنه قد أخبر بكون المقر به عنده ثمَّ وصفه بما يمتنع معه الثبوت فيكون رفعا للإقرار بعد ثبوته، فلو أطلق فالوجه الصحة تنزيلا للمحتمل على ما هو الوجه

24

الصحيح و هذا إذا قال: علي لحمل فلانة كذا من غير أن يضفه إلى سبب. و القول بالصحة للشيخ في المبسوط و عليه الأكثر.

و له قول آخر فيه بالفساد، لأن الأصل في الحمل أن لا يكون مالكا إلا في المواضع المخصوصة، لأن الأصل في المال و الغالب فيه إنما يثبت بمعاملة أو جناية، و ذلك منتف في حقه و لانتفاء الحكم بالملك قبل سقوطه حيا فلا يكون مالكا حقيقة، و الميراث و الوصية سببان للمالك عند سقوطه حيا و مانعان لملك غيره قبله، فحمل الإطلاق فيهما يحتاج إلى دليل، و ضعفه ظاهر، فإن هذا القدر كاف في صحة سببية الملك إليه.

و هذه القاعدة المطردة في الإقرار و لا يملك الحمل ما أقر له به إلا بعد وجوده حيا لدون ستة أشهر من حيث الإقرار ليقطع بوجوده حين حصول صدوره، بخلاف ما لو كان لستة فصاعدا فإنه لا يملك المقر به إليه لاحتمال تجدده بعد الإقرار لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر.

و لو سقط ميتا فإن عزاه إلى إرث أو وصية عاد إلى موروث الطفل و الوصي فيرثه وارث غيره من أمواله، و إن أطلق كلف السبب و عمل بقوله، و إن تعذر التفسير بموت أو غيره بطل الإقرار، كمن أقر لرجل لا يعرفه فهو كما لو أقر لواحد من خلق الله، و لا مجال للقرعة هنا لأنه ليس هنا من يقرع بينهم.

و لو ولدت اثنين أحدهما ميت كان المال للحي منهما لأن الميت بمنزلة من لم يكن.

و لو أقر لمسجد أو مشهد أو مقبرة أو مصنع أو طريق و عزاه إلى سبب صحيح شرعي مثل أن يقول: من غلة وقفه صح بغير إشكال كما سبق في الحمل. و إن أطلق و عزاه إلى سبب باطل فالوجهان السابقان. و قد حققنا لك أن الوجه ترتيل الإقرار على الأمر الصحيح المحتمل، و أن الأقرب لزوم الإقرار و إلغاء الضميمة فيها إذا عزى إلى سبب ممتنع.

25

الثانية: إن من شرائط صحة الإقرار و لزومه عدم صدور التكذيب من المقر له

، فلو قال: هذه الدار لزيد فكذبه لم يسلم إليه على طريق اللزوم.

و إن كان يصح التسليم إليه لو صدقه بعد الإنكار فيجوز تسليمها إليه في حال الإنكار أيضا لأنها ماله بزعم المقر، فله التسليم على مقتضى إقراره.

و يمكن أن يكون المراد عدم جواز التسليم إليه لانتفاء المقر عنه بتكذيبه فكيف يجوز تسليم ما ليس له إليه؟ و يمكن أن يبنى ذلك على أن المقر هل هو مؤاخذ بإقراره هذا أم لا؟ فعلى الأول: لا يجوز له التسليم إذ هو بالنسبة إليه ليس هو مال المقر له. و على الثاني: يجوز، نعم ليس له الإلزام بذلك.

ثمَّ إنه يتخير بين أن يترك في يد المقر أو القاضي، و ذلك لأن هذا مال الغائب لانتفائه عن المقر و المقر له، و القاضي ولي كل غائب و هو المتولي لحفظ المال الضائع و المجهول المالك، و هذا في حكم الضائع و المجهول. نعم لو رأى في إبقائه في يد المقر صلاحا أبقاه في يده.

و وقع في بعض شروح الإرشاد أنها تبقى في يد المقر إن قبلنا رجوعه لأصالة بقاء يده و لإمكان أن يدعيها فتثبت له.

و فيه نظر، إذ الأصل يرجع إليه في استصحاب يده و إمكان دعواه ملكيتها بعد ذلك، و قبولها منه لا يقتضي استحقاق الإدامة الآن إذ لا تلازم بينهما.

قال: و إن لم نقل به ففي انتزاعها منه وجهان، فإن رجع المقر له عن الإنكار سلم إليه المقر به لاستحقاقه إياه، و ذلك لزوال حكم الإنكار بالتصديق فيبقى الإقرار سليما عن المعارض، و لأنه مال لا يدعيه غيره، و صاحب اليد مقر له به، فكان له كما لو وجد كيس بين يد جماعة لا يعرف مالكه فادعاه البعض فإنه يحكم له به كما دل عليه الخبر المعتبر، لأن هذا المال لا منازعة فيه.

و لو رجع المقر عن إقراره في حال إمكانها إنكار المقر له فأقر بها و ادعى

26

ملكيتها فالأقرب عدم القبول، لأن إقراره الأول قد مضى عليه و حكم به فانقطعت سلطنته عن المقر به، فإن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و المشروط بعدم التكذيب إنما هو نفوذ الإقرار في حق المقر له بحيث يجب عليه تسليم المقر به لا أن ذلك شرط صحة الإقرار في نفسه إذ لا دليل عليه.

و يحتمل القبول لأنه مال لا يدعيه أحد، و اليد عليه له فيجب أن يقبل إقراره فيه و دعواه ملكيته، و لأنه لما خص ملكيته لزيد و قد انتفى عنه بنفسه جرى مجرى المباح. و ليس بشيء لما قلناه من الحكم بصحة الإقرار له الثابت في حقه و هذا إنما هو إذا قلنا بعدم انتزاعه من يده، فإن جوزناه لم يقبل رجوعه قطعا.

و يمكن أن يوجه الفرق بين رجوع المقر له و رجوع المقر لأن المقر أثبت الحق لغيره بإقراره فقطع سلطنته و أثبتها للغير فلم يقبل منه ما ينافي ذلك، لأن الإنكار بعد الإقرار غير مسموع لأنه أخرج الملك عن نفسه بإقراره فلا يعود إليه بمجرد الدعوى، و بصيرورة الحق لغيره يكون رجوعه عنه إلى آخر إقرارا في حق الغير. بخلاف المقر له فإنه اقتصر على الإنكار، و هو لا يدل على كون الملك لغيره بشيء من الدلالات الثلاث، و لأنه ربما أنه بنى على ظاهر الحال عنده لإمكان أن لا يعلم سبب حدوث الملك له و نحو ذلك فإنكاره قابل للتأويل، و لأن رجوعه متضمن للاعتراف بدعوى وجوب التسليم، و الإقرار بالدعوى بعد الإنكار مسموع و لو أنكر المقر له بعبد قيل: يعتق ذلك العبد لأنه لا مالك له بعد هذا الإقرار و الإنكار. و ليس بجيد، بل يبقى على الرقية المجهولة المالك، و يحتمل الحرية إذا ادعاها العبد. و القائل بعتق العبد بهذا الإنكار من المقر له الشيخ و ابن البراج، و وجهه أن صاحب اليد قد نفي ملكيته عنه بإقراره به لغيره و يلزم انتفاء ملكيته عن كل ما عدا المقر له و قد أنكر تملكه فيكون حرا.

و فيه نظر، إذ لا يلزم من نفي المالك ظاهرا انتفاؤه بحسب الواقع، و الفرض

27

أن رقية العبد أمر محقق كما قررناه فلا يتم ذلك، و أيضا فإنه لا علاقة للمقر بالعبد لإقراره به المعين لاقتضاء حصر الملك فيه نفيه عن غيره، و لأصالة عدم ملك آخر لا للمعين بإنكاره ملكيته، و الجمع بين انتفاء العلاقة و ثبوت الرقية محال.

فإن قيل: انتفاء العلاقة ظاهرا ليقتضي انتفاء الرقية ظاهرا و لا نعني بالحرية إلا ذلك إذ لا يريد إلا الحرية ظاهرا، قلنا: تحقيق المقام أن المنتفي ظاهرا هو علاقة شخص معين، أما مطلق العلاقة فلا، لأنها غير منتفية إذ الفرض أن الرقية كانت متحققة الثبوت حين الإقرار و العلاقة تابعة لها، فإذا نفاها المقر عن نفسه و عن هذا المقر له و نفاها المقر له عن نفسه لم يلزم من ذلك انتفاؤها بالكلية بعد تحقق ثبوتها. كما أن انتفاء ملك المقر عن غير العبد بإقراره و المقر له بتكذيبه لا يقتضي نفي أصل الملك و إلحاقه بالمباحات، و أيضا فإن الحرية أصل في الآدمي كما اقتضته الأخبار الصحاح الصراح المنادية: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية، فالرقية أمر طار فلا تثبت إلا بسبب ظاهر.

و فيه نظر، فإن الفرض ثبوتها و الانتقال عن حكم الأصل الذي هو الحرية بتلك العبودية الظاهرة الصادرة من ذي اليد.

و قد رد العلامة كلام الشيخ في جملة من كتبه و حكم ببقاء العبد على الرقية، إلا أنه مجهولة المالك فهو كغيره من الأموال الذي لا يعرف لها مالك، و هو الأصح، لأن الرقية قد ثبتت شرعا فلا تزول إلا بأحد الأسباب المقتضية للتحرير، و ليس الجهل بمالك للعبد منها.

و احتمل العلامة في القواعد ثبوت الحرية في العبد إن ادعاها العبد لنفسه لأنه مدع غير منازع في دعواه و لا سلطنة لأحد عليه. و ليس بشيء لأنه يجب على الحاكم أن ينازع عليه و يدافعه و يثبت اليد عليه و يصينه عن الضياع و سائر الأموال المجهولة المالك لما قدمناه من ثبوت رقيته تحقيقها ظاهرا.

و لو أقر لعبد الغير بنكاح أو تعزير قذف فكذبه السيد فالأقرب اللزوم،

28

بخلاف ما لو كذب العبد إذ لا حق للسيد هنا. و وجه القرب

الحديث النبوي حيث قال (صلى الله عليه و آله): إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

و لا حق للسيد في المقر به.

أما النكاح فهو و إن توقف صحته على رضا السيد إلا أنه إذا ثبت كان محض حق للعبد لا حق للسيد فيه، و نحن لا نريد بثبوته في حق السيد بحيث يحكم به بالنسبة إلى العبد بل نريد نفوذه في حق المقر، فلا يجوز للمرأة المقرة به أن تتزوج بغيره.

و أما التعزير للقذف فظاهر إذ لا تعلق للسيد بذلك. و يحتمل عدم النفوذ مع تكذيب السيد لإطلاق قولهم: الإقرار للعبد إقرار للسيد. نعم استيفاء التعزير موقوف على تصديق العبد و مطالبته. و هذه الفروع كلها غير منصوصة بالخصوص و إنما مستندها العمومات و هي كافية في الاستدلال.

المطلب الرابع في أحكام المقر به

و هو إما مال أو نسب أو حق أو حد، و يشمل الحق أيضا القصاص و الخيار و الشفعة و الأولوية و ما يجري هذا المجرى، و يشمل المال العين و الدين، و فيه مسائل:

الاولى: لا يشترط في المال المعلومية

فيصح الإقرار بالمجهول عن حق سابق، و الخبر قد يقع عن الشيء على جهة الإجمال كما يقع على جهة التفصيل و ربما كان في ذمة الإنسان ما لا يعلم قدره، فلا بد له من الاخبار عنه ليتفق هو و صاحبه على الصلح فيه بشيء، فمست الحاجة إلى سماع الإقرار بالمجهول، بخلاف بعض الإنشاءات فإن أغلبها لا تتحمل الجهالة احتياطا لابتداء الثبوت و تحرزا عن الغرر المنهي عنه، فإذا أقر بالمجهول طولب بالبيان و التفسير، فإن امتنع ففي إكراهه عليه و إلزامه به خلاف، و الأقرب ذلك، فيحبسه حتى يبين

29

لأن البيان واجب عليه، فإن امتنع منه حبس كما يحبس على أداء الحق، و مقتضاه أنه لو ادعى الجهالة بنسيان و نحوه لا يسمع.

و قال في التحرير: و لو قال: نسيت احتمل الرجوع إلى قول المدعي مع اليمين و الأقرب في صحة الإقرار بالمجهول الفرق بين أن يقع في جواب الدعوى و بين أن يقع ابتداء و إن كان المشهور عدم الفرق.

الثانية [في ما يشترط في المال المقر به]

يشترط في المال المقر به أن يكون ملكا للمقر حالة الإقرار حتى تقع المطابقة بين إقراره و ما في نفس الأمر، فلو نسيه لنفسه ابتداء ثمَّ أخبر بأنه ملك لعمرو كأن يقول: داري لفلان أو ملكي أو عبدي أو ثوبي لزيد مثلا بطل للتناقض.

و يمكن دفعه بأن قوله «داري لفلان» لا تناقض فيه لأن المراد به الدار التي هي بحسب الظاهر لي ملك لفلان في نفس الأمر و ليس في ذلك تناقض و لا تنافي، إلا أن يقال: إن المتبادر من قوله «داري» الدار التي هي لي في الواقع، و هذا أظهر من قوله «ملكي لفلان».

و الشيخ- (رحمه الله)- قال: إذا قال: له في ميراثي من أبي ألف درهم كان هبة [لا] إقرارا لأنه أضاف إلى نفسه ما هو ميراث لأبيه و لم يضفه إلى نفسه ابتداء، و قد تبعه ابن إدريس على ذلك.

و كذا لو قال: داري هذه لفلان لم يكن إقرارا، قال ابن إدريس: لأنه يكون مناقضة. و كيف تكون داره لفلان في حال ما هي له، نعم لو قال:

لي ذلك بأمر حق كان إقرارا صحيحا لأنه يجوز أن يكون له حق و جعل داره في مقابلة ذلك الحق.

و ذهب المحقق إلى التسوية بينهما و صحة الإقرار فيهما لأن الإضافة إلى الشيء يكفي فيها أدنى ملابسة كما قال الله تعالى «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» (1)

____________

(1) سورة الطلاق- آية 1.

30

و كوكب الخرقاء و قول أحد حامل الخشبة: خذ طرفك، و لأن الإضافة كما تكون للملك تكون للتخصيص أيضا، و لما انتفى الأول حمل على الثاني و لو مجازا لوجود القرينة الصارفة للفظ عن أحد محامله إلى غيره، و لا يحكم ببطلان الثاني المصرح به بمجرد الاحتمال في الأول.

و هذا محصل كلام المختلف، و لا يرد عليه أنه مجاز لأنه من المجازات الشائعة، و التناقض الذي فر منه الشيخ و ابن إدريس لا يندفع بقوله «بأمر حق» فمختار المختلف قوي جدا.

و لو قال: هذه الدار لفلان و كانت ملكي إلى وقت الإقرار لم يسمع الضميمة و صح الإقرار، و ذلك لأن الضميمة تقتضي بطلان الإقرار فتلغوا كما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر.

و بالجملة: فيشترط كون المقر به تحت يده و تصرفه و هو الملك المعبر عنه بتلك العبارة، فيكون المراد بكونه تحت يده و بالتصرف ما يقتضي الملك ظاهرا لما تقرر من لزوم كون الإقرار إنما يكون فيما كان متعلقه بملكه، لأن اليد إذا كانت يد عارية أو إجارة و نحو ذلك يكون في يد الغير، فإذا علم ذلك لم يعتد بإقراره لأنه إقرار في حق الغير، أما إذا جهل كان ذلك إقرارا، فقوله «الدار في يدي لفلان» لازم و نافذ لأن كونه في يده شرط صحة الإقرار كما عرفت، فالتصريح به يكون مؤكدا للصحة.

و لو قال: له في ميراث أبي أو من ميراث أبي مائة صح و كان إقرارا بدين في التركة.

و لقائل أن يقول: التناقض المدعى في قوله «داري لفلان» لازم ها هنا، لأن ما كان ميراثا للأب المقر فهو ملك له أو على حكم مال الميت مع الدين، و على كل تقدير فليس ملكا للمدين، و قد اقتضى الإقرار كونه ملكا له. فإن قيل:

المراد بقوله «في ميراث أبي» استحقاق ذلك، قلنا: هو خلاف الظاهر، فإنه خلاف

31

الموضع اللغوي و الشهير في الاستعمال العرفي، و إذا جاز ارتكاب مثل هذا هنا ففيما سبق أولى.

و لو أقر له بحرية عبد في يد غيره لم يقبل، فإن اشتراه صح تعويلا على قول صاحب اليد. و الأقرب أنه لو أقر من لا يد له على عبد و إنما هو في يد غيره بحريته لم يقبل، و المراد أنه لا يقبل الآن بالنسبة إلى من بيده العبد.

أما بالنسبة إلى المقر فإنه مقبول حتى لو انتقل إليه ظاهرا بسبب مملك كالبيع و الإرث فإنه يؤخذ بإقراره و ينفذ في حقه، و يصح له استخدام العبد بمجرد إذن من هو في يده بنحو عارية أو إجارة ما لم يكن ذلك برضا العبد، و لا يبرأ بدفع منافعه و كسبه إلى صاحب اليد.

و لو عقد على أمة للمقر برضاه و لم يأذن صاحب اليد لم يكن له نكاحا، و ليس له أن يعقد على امرأة عقد هذا العبد عليها بغير إذن صاحب اليد.

إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة، و السبب فيه عموم أخذ المقر بإقراره بالنسبة إلى نفسه، فإذا اشترى المقر هذا العبد صح الشراء تعويلا على صاحب اليد أنه ملكه، و الظاهر يساعده حيث إن الملك له شرعا و الإقرار السابق لم ينفذ. و قيل: إنه افتداء لا شراء صحيح لأن صحة العقد لا تكون إلا بالإيجاب و القبول الصحيحين. و معلوم أن القبول هنا غير صحيح لاعتراف المشتري بالحرية، و الأقرب ما قاله العلامة في القواعد من أنه فداء من طرف المشتري و بيع من طرف البائع عملا بظاهر الحال من كونه مالكا و عدم نفوذ الإقرار بالنسبة إليه.

و تتفرع على الحالتين فروع مناسبة لهما فمن ذلك عدم ثبوت خيار المجلس للمشتري، و كذا خيار الشرط من طرفه، بل لا يعقل اشتراط خيار له أصلا، و كذا خيار الحيوان و الرد بالعيب و الغبن إلى غير ذلك من اللوازم، و لا استبعاد في ذلك نظرا إلى الاعتبار المذكور، و مثله في الشريعة غير عزيز.

و كذا لا ولاء لأحد على هذا العتيق ظاهرا، أما المشتري فلأنه غير مباشر

32

للمعتق، و أما البائع فإنه ينفي العتق من رأس. نعم إن كان المشتري أخبر أن البائع أعتقه ينفذ ذلك بالنسبة إليه، فعلى هذا يكون عاقلته الامام، و ينبغي أن يكون إرثه له.

و أما ما ذهب إليه العلامة في القواعد و ابنه فخر المحققين في شرحه عليها من أنه يكون موقوفا فليس بشيء لمنافاته لذلك، و لعلهما أرادا أن البائع لو رجع إلى التصديق استحقه، و هو محتمل.

و لا ريب أن الثمن المدفوع إلى البائع لا يملكه في نفس الأمر إن كان المشتري صادقا، فإن قدر على أخذه بسرقة و نحوها كان له ذلك، و مع تلف العين فبذلها لأنه لم يسلطه على إتلافه، و إنما بذله توصيلا إلى دفع منكر فلا يعد تبرعا، فلو لم يظفر بالثمن إلى أن مات العبد نظر، فإن كان العتق الذي أقر به المشتري يقتضي ولاء للبائع أخذ المشتري قدر الثمن من تركة العبد، لأنه إن كان صادقا فهو مستحق لقدر الثمن على البائع، و إن كان كاذبا فالجميع له، فقدر الثمن مستحق له على كل تقدير. و إن لم يكن العتق المقر به مقتضيا ولاء للبائع فحال التركة ما سبق و يتوقع المشتري الفرصة في أخذ عوضه.

و بما قررناه يعلم أن إطلاق عبارة القواعد من أخذ المشتري الثمن من التركة غير جيد.

و لو مات العبد قبل القبض لم يكن للبائع المطالبة بالثمن قطعا إن لم يكن قبضه، و للمشتري المطالبة به مع القبض قطعا.

المطلب الخامس في الأقارير المجهولة

و فيه مسائل:

الاولى [في ما لو قال: له علي شيء]

أنه قد تقدم فيما سبق أن متعلق الإقرار لا يشترط فيه المعلومية فيصح و إن كان مجهولا، فإذا قال: له علي شيء ألزم البيان و التفسير و قبل منه

33

ذلك التفسير و إن قل إذا فسره بما يتمول في العادة قليلا كان أو كثيرا، حتى جاء في الحدود أنه لو أقر بحد و لم يفسره ضرب حتى ينهى عن نفسه، و ما ذلك إلا لقبول الإقرار بالمجهول حتى فيما بني على التخفيف من الحدود التي تدرء بالشبهات.

و وجه القبول أصالة براءة الذمة مما زاد، و لو فسره بما لم تجر العادة بملكه كقشرة الجوزة أو حبة الحنطة أو بما لا يملك في شريعة الإسلام كالخمر و الخنزير و جلد الميتة أو بالكلب العقور و السرجين النجس و إن انتفع بهما لم يقبل، و هذا إن كان الإقرار لمسلم، أما لو كان المقر كافرا صح التفسير بما يملكه الكافر كالخمر و الخنزير.

و إنما قيد الكلب بالعقور لأنه لو فسره بالكلب المعلم و السرجين الطاهر قبل، و وجهه أن كلا منهما مال يصح بيعه و مقابلته بالمال.

و لو فسره برد السلام أو العيادة أو جواب الكتاب أو تسميت العطسة و نحو ذلك من حقوق الايمان الشرعية لم يقبل لبعده عن الفهم في معرض الإقرار و لأن أمثال ذلك يسقط بالفوات و لا يستقر في الذمة و الإقرار مما يقتضيه الثبوت و الاستقرار بالمقر به في الذمة.

و احتمل العلامة في التذكرة القبول إذا أراد أن ذلك حق على رد سلامه إذا سلم و تسميته إذا عطس، لما روي في عدة من الأخبار المعتبرة أن للمسلم على المسلم ثلاثين حقا يرد سلامه و يسمت عطسته و يجيب دعوته.

و فيه نظر، لأن إطلاق قوله «علي شيء» إخبار عن الماضي و أنه يقتضي الملك عرفا و لا يعد شيئا من ذلك ملكا في العادة ليصح التفسير به. و صرح فيها بأنه لو قال: له علي شيء قبل التفسير بالعبادة و نحوها. و يشكل بأن الحق أخص فكيف يفسر بما لا يفسر به الأعم.

و لو قال: غصبته شيئا و فسره بالخمر و الخنزير قبل مع كون المقر له

34

مما يقع ملكه عليهما، أما مع الإسلام فموضع إشكال و سنذكر وجه الإشكال.

أما الأول فإن ذلك يعد مالا بالنسبة إليه، و أما مع الإسلام فمنشأ الإشكال الاختلاف في تفسير الغصب، فقيل: هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا. فعلى هذا لا يصح التفسير بما ذكره لأن المفسر به لا يعده مالا فلا يغصب. و قيل: إنه استيلاء على محرم بخلاف المحللة على ما في يده محترمة يستحق الإبقاء عليه ظاهرا فعلى هذا يصح. هكذا قرره فخر المحققين في شرحه على القواعد.

و المعروف في المذهب هو الأول، فلا يقبل و لا يتجه الاشكال. و على هذا فلا يخفي أن الاشكال إنما هو في التفسير بالخمر المحرمة بخلاف المحللة.

أما الخنزير فلا إشكال في عدم قبول التفسير به.

و في التذكرة قال: لو قال: غصبته شيئا ثمَّ فسر بالخمر و الخنزير مما لا يعد مالا قبل لأن الغصب لا يقتضي إلا الأخذ قهرا، و ليس في لفظه ما يشعر بالتزام أو تفويت لحق، بخلاف قوله «له». و به قال الشافعي، قال: و يحتمل قبوله إن كان المقر له ذميا، و إن كان مسلما فإشكال. و هذا مخالف لما قرره ولده في شرح القواعد، و كيف كان فالظاهر عدم القبول بالنسبة إلى المسلم.

و لو قال: أردت نفسه لم يقبل لجعله للفعل مفعولين الثاني منهما «شيئا» فيجب مغايرة الأول. و لا يرد ما قيل: إنه يجوز أن يكون «شيئا» بدلا من الضمير في «غصبته» لأن شرط إبدال النكرة من المعرفة في الأصح أن تكون منعوتة و هو منتف هنا، و لأن الأصل في السابق أن يكون مقصودا بالنسبة.

و علله أول الشهيدين في الدروس بأن الغصب حقيقة في أخذ المال حتى لو كان عبدا لم يقبل لاقتضاء مفعولي الفعل هنا المغايرة.

أما لو قال: غصبته ثمَّ قال: أردت نفسه قبل، و كذا لو قال: عنيته لأن الإنسان قد يغصب و يعين في غير المال. هكذا قال العلامة في القواعد.

35

و قيل عليه: إن هذا التعليل عليل لمنافاته لما سبق من الاشكال الناشئ من الاختلاف في تفسير الغصب.

و أجيب عن ذلك بأن الذي حكيناه عن كلام التذكرة في توجيه الإشكال يقتضي عدم المنافاة لأن منشأ الاشكال حينئذ كما عرفت ليس هو إلا الاختلاف في تفسير الغصب و لم يعتبره في التذكرة.

فإن قيل: هذا و إن لم يناف الاشكال المذكور على ما ذكرت فإنه مناف لتفسير الغصب حيث لا يقع إلا على المال، قلنا: إنما يجب حمل الغصب على المال إذا اقتضاه الكلام و لم يحتج إلى تقدير شيء، و ليس كذلك هنا لأن غصبيته إنما تحمل على المال إذا كان فيه محذوف، فوجب حمل الغصب على مجازه فإنه أولى من الحذف و الإضمار، فإنهما و إن كانا متساويين إلا أن الأصل براءة الذمة، و ليس الغبن من لوازم المال، فروي في عدة من الأخبار إطلاق الغبن على المقصر في أعمال الطاعات ففيها:

من استوى يوماه فهو مغبون

(1)

.

الثانية: لو امتنع من التفسير

حبس حتى يتبين، و قال الشيخ و ابن إدريس:

يجعل ناكلا فيحلف المدعي. هذا إذا كان ذلك في جواب الدعوى لا ابتداء، و ذلك لأن جواب الدعوى إذا وقع بالمجهول و لم يفسر كان ذلك إنكارا منه، فتعرض اليمين عليه فإن أصر جعل ناكلا و حلف المدعي إذا لم نقض بالنكول.

فإن أقر ابتداء قلنا للمقر له: ادع عليه حقك فإن أصر جعلناه ناكلا.

و وجه أنه إذا أمكن تحصيل الغرض من غير حبس لا يحبس، و يشكل بأن الرد إنما يكون مع عدم الإقرار، و الأصح أنه يحبس كما تقدم في وجوب البيان عليه، فإذا امتنع من ذلك الحق الواجب عليه حبس كما يحبس على الامتناع من أداء الحق. و لو فسره بكلب يجوز اقتناؤه قبل لأنه مال يقابل بمال كما سبق. و كذا لو فسره بحد قذف أو شفعة قبل تفسيره لأن كلا منهما حق مملوك، و لذلك صرح العلامة في التذكرة و التحرير.

____________

(1) عوالي اللئالى ج 1 ص 284 ح 129.

36

و يشكل بأن «اللام» تقتضي الملك و ذلك لا يعد ملكا في العادة و إن كان حق الشفعة أقرب لأنه لكونه وسيلة قريبة إلى الملك في حكم الملك، و مثله حق الخيار. و لو فسره بحق السكنى في بيت في المدرسة أو بمكان الصلاة في الصف و نحو ذلك ففي القبول نظر، و الأقوى عدم القبول لأنه خلاف المتبادر من إطلاق لفظ الحق و لوقوعه بعد لام الملك.

الثالثة: لو فسره بدرهم

فقال المدعي: بل أردت بقولك عشرة لم يقبل دعوى الزيادة بل عليه أن يدعي نفس العشرة، فالقول قول المقر في عدم الإرادة بعشر بكونها مسموعة، و يترتب عليها اليمين. و بذلك صرح في التذكرة حيث قال فيها: و إن قال:- يعني المقر له- أراد به المائتين حلف المقر على أنه ما أراد مائتين، و أنه ليس عليه إلا ما فسره به، و يجمع بينهما في يمين واحدة، فإن نكل المقر حلف المقر له على استحقاق المائتين، و لا يحلف على إرادة المقر لعدم إمكان الاطلاع عليها، بخلاف ما إذا مات المقر و فسره الوارث فالمدعي المقر له الزيادة، فإن الوارث يحلف على إرادة المورث لأنه قد يكون مطلعا على حال مورثه بخلاف المقر له. هذا كلامه.

و أورد عليه ما قيل: إنه إذا لم يكن اطلاعه على الإرادة فكيف يجوز الدعوى بها على وجه الجزم و يحلف عليها؟ نعم إن أريد أن له أن يستحلفه على أنه ما أراد ذلك و إن لم يأت بالدعوى على صورة الجزم إما لعدم اشتراط الجزم فيها مطلقا أو فيما يخفي غالبا أمكن، ثمَّ جواز حلف الوارث على إرادة المورث حيث لا يمكن الاطلاع عليها مشكل، فإن خفاء الإرادة على غير المريد أمر لا يختص بغير الوارث، و كذلك إمكان الاطلاع على إرادته بعارض لا يختص بالوارث و إن كان الوارث أقرب.

الرابعة: لو مات قبل التفسير

طولب الورثة بها إن خلف تركة، إذ لا يجب القضاء بدونها، فإن أنكروا العلم بالإرادة حلفوا على عدمه، و ربما أوجب عليه الحلف على عدم العلم بالاستحقاق لكونه أخف، فإن من علم إرادة المدعى

37

به بلفظ الإقرار فقد علم الاستحقاق.

و فرق العلامة في التذكرة بين أن يدعي الموصى له مجمل إرادة الموصي أكثر بما فسره به الوارث فأوجب اليمين على الوارث على نفي العلم باستحقاق الزيادة و لم يتعرض للإرادة في الأول، و أوجب حلفه على إرادة المورث للثاني محتجا للفرق بأن الإقرار إخبار عن حق سابق يمكن فيه الاطلاع، بخلاف الوصية لأنها إنشاء أمر عن جهالة، و بيانه إذا مات الموصي إلى الوارث.

و ضعف هذا الفرق بأن هذا مع انتفاء الإرادة لا معها.

و لو ادعى المقر له جنسا غير ما فسر و لم يدع شيئا ففي بطلان الإقرار بذلك و عدمه خلاف، جزم العلامة في القواعد بالإبطال. و استشكله المحقق الثاني في شرحه عليها حيث قال: و الحكم ببطلان الإقرار مشكل، فإنه لو رجع المقر له إلى التصديق نفذ فكيف يحكم ببطلانه؟ و بدون الرجوع قد بينا فيما سبق أنه يجب على الحاكم الشرعي انتزاع المقر به إن لم ير المصلحة في استئمان المقر عليه، فلا يستقيم ذلك الإطلاق في الحكم عليه بالبطلان.

الخامسة: لو قال: له علي مال

قبل تفسيره بالقليل أو الكثير منه مما يسمى مالا متمولا، و لا يقبل تفسيره بغيره من الحقوق كحد القذف و الشفعة إذ لا يعد شيء من ذلك مالا، و يعتبر في التفسير بالقليل أن لا يبلغ في القلة إلى حد لا يعد مال في العادة كحبة حنطة.

و صرح العلامة في التذكرة بعدم اعتبار هذا الشرط لأن كل متمول مال و لا ينعكس، و هو مشكل.

و اعتبر أبو حنيفة تفسيره بالمال الزكوي. و يقبل تفسيره بالأمة المستولدة لأن أم الولد قبل موت مولاها مال مملوك حتى لو كانت أم ولد للمقر فتنزل على سبق الملك للمقر له أو على انتقالها إليه في موضع يجوز فيه الانتقال كثمن

38

رقبتها مع إعسار المولى و وجه القبول عموم الأخبار مثل

قوله (عليه السلام): إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

و ربما استشكل بأن الاستيلاد حق مشترك بينهما و بين الله تعالى، و قبول التفسير بها يقتضي إبطاله. و احتمل أول الشهيدين في دروسه اعتبار تصديقها أو الاستفسار، و لا بأس به لأن فيه السلامة من الاشكال و خروجا من العهدة و جمعا بين الحقين، و لهذا جعله المحقق الثاني في شرح القواعد قويا جدا.

و لو قال: مال جزيل أو جليل أو عظيم أو نفيس أو خطير جدا قبل تفسيره أيضا بالقليل و ذلك بحمله على أنه يريد عظيم خطره أو عظيم وزر غاصبه و الخائن فيه، لكن يرد عليه أن ذلك لا يطابق الاستعمال العرفي.

و أجيب بأنه ليس للعرف في ذلك معنى محقق يرجع إليه، و عظيم الشيء و نفاسته تتفاوت بتفاوت أحوال الناس و اختلاف طبائعهم تفاوتا لا ينضبط، فربما عد القليل نفيسا في حال و باعتبار شخص و حقيرا في حال آخر و اعتبار آخر فلا يرجع في ذلك إلا إلى قبول تفسيره تمسكا بيقين البراءة.

و لو قال: مال كثير فعند الشيخ و جماعة أنه ثمانون كما ثبت في النذر بالدليل عن أهل البيت (عليهم السلام)، و وجه ثبوت ذلك عرف شرعي فكأنه من الحقائق الشرعية، و قد استدل عليه المعصوم بقوله تعالى «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ» (1) لأنها كانت ثمانون و هو متحقق، و ربما أجاب المتأخرون عن ذلك بأنه من باب القياس لأنه تقدير لا تساعد عليه اللغة و لا العرف فيقتصر فيه على موضع الوفاق، فحينئذ يرجع في التفسير إليه كما سبق، و هذا هو الأصح، و اختاره ابن إدريس و المتأخرون.

السادسة: لو قال: له علي مال أكثر من مال فلان

و فسره بأنه أكثر منه عددا إن كان مما يعد كالدراهم أو قدرا إن كان لا يعد كدار أو بستان (و يمكن

____________

(1) سورة التوبة- آية 25.

39

أن يكون المعنى أنه قد فسره بكونه أكثر عددا أو أكثر قدرا و معنى الاستواء في العدد) (1) الزم المثل بمثل ذلك و رجع في الزيادة إليه لأنها مجهولة. و مقتضى ما سبق أنه لا بد من تفسيرها بما يتمول في العادة، و اكتفي في التذكرة في قول تفسير الزيادة بما لا يتمول كحبة حنطة أو أقل من ذلك، و هذا منه بناء على أصله السابق.

و لو قال: كأني أظن ماله عشرة فثبت بالبينة مائة قبل تفسيره كخفاء المال، و الأصل براءة الذمة فلا يحكم بشغلها بمجرد الاحتمال.

و لو قال: أكثر من مال فلان مع إقراره ثمَّ قال: كنت أعتقده قليلا فتبين لي أنه كثير فالظاهر القبول أيضا، و أن الحكم في المسألتين غير مختلف.

أما لو شهد ابتداء بالقدر ثمَّ أقر بالأكثرية لم يسمع لو فسره بالقليل بدعواه ظن القلة لأن ذلك ينافي الشهادة، و هذا ينبغي تقييده بما لا يطول معه الزمان بحيث يمكن تجدد الاشتباه عليه. و لو فسر الأكثرية بالمنفعة أو البقاء أو البركة ففي السماع نظر منشأه من أن الأكثر عددا أو قدرا، و اللفظ إنما يحمل عند الإطلاق على الحقيقة، و من أن المجاز إنما يصار إليه مع وجود الصارف عن الحقيقة و هو أخبر بقصده و نيته، و اختاره في التذكرة.

و يشكل بأن الحمل على مجاز خلاف الظاهر، فإذا تراخى تفسيره عن الإقرار فسماعه محل تأمل. نعم إن اتصل به أمكن السماع لأن المجموع كلام واحد.

السابعة: لو قال: لي عليك ألف دينار فقال: علي أكثر من ذلك

لزمه ألفا و زيادة. و لو فسر الأكثر بالأكثر فلوسا أو حب حنطة فالأقرب عدم القبول.

و خالف العلامة في التذكرة في المسألة الأولى فقال: لا يلزمه أكثر من الألف بل و لا ألف لأن لفظ «أكثر» مبهم لاحتمالها الأكثرية في القدر أو العدد

____________

(1) لم يتضح المراد من العبارة التي جعلناها بين القوسين، و احتمال الزيادة أو التصحيف فيها غير بعيد.

40

فيحتمل أنه أراد أكثر منه فلوسا أو حب حنطة أو حب شعير أو غير ذلك فيرجع فيه إلى تفسيره، و وجه الأول لفظ «أكثر» إنما استعمل حقيقة في العدد أو في القدر فينصرف إلى جنس ما أضيف إليه لأنه لا يفهم عند إطلاقه غير ذلك، قال الله تعالى «أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مٰالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً» (1) «وَ قٰالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوٰالًا وَ أَوْلٰاداً» (2) و قد اعتبرنا حمل اللفظ على الظاهر في أقل الجمع و هو ثلاثة عند الأكثر مع احتمال غيره، و اعتبرنا الوزن الغالب و النقد الغالب و السلامة من العيب و الحلول مع أن الاحتمال قائم و إمكان إرادة المرجوح، فيجب الحمل على الظاهر هنا أيضا، و لا يعتد بتطرق الاحتمال.

و فصل في التذكرة و هو أنه إن قرن «أكثر» ب«من» التفضيلية لم يجب مشاركته في الجنس و إلا وجب لأن «أفعل» بعض مما يضاف إليه.

و تنظر في ذلك المحقق الثاني في شرح القواعد صحة قولنا «يوسف أحسن إخوته» و هو أحد صور الإضافة و ليس «أفعل» فيه بعضا مما أضيف إليه، فلا يصح ذلك التعميم بحيث يجعل قانونا كليا.

ثمَّ قال: و الذي يقتضيه النظر أنه لم يذكر المميز حينئذ في التفضيل، فالإبهام قائم و المرجع في التفسير إليه، و لا دليل على وجوب اتحاد الجنس، و ما ذكر من الشواهد على ذلك و الأدلة من الآيات المذكورة فأكثرها مع المميز و الذي لم يذكر فيه فيه خلاف اعتمادا على دلالة المقام عليه.

و لا يمكن الحكم بشغل الذمة بمجرد الاستناد إلى مجرد الأقوال من غير أن يكون في اللفظ دلالة صريحة، فالمحافظة على قاعدة الإقرار المتفق عليها المحصلة لبراءة الذمة أحسن من مراعاة القواعد اللغوية و العرفية الخاصة، سيما إذا كانت صادرة ممن لا يراعي هذه القواعد و لم يسمع بها و لم يأت من الشارع

____________

(1) سورة الكهف- آية 34.

(2) سورة سبأ- آية 35.

41

فيه حكم كلي و إن لم يلاحظه المقر.

الثامنة [في أن لفظ كذا من المبهمات]

قد صرح غير واحد بأن لفظ «كذا» من الألفاظ المبهمة و هو كناية عن العدد و هو كلفظ الشيء فيرجع في تفسيره إلى المقر أيضا سواء اتحد أو تكرر لأن تكراره للتأكيد لا للتجديد و التأسيس. فلو فسر المفرد (1) بدرهم و كان منصوبا لزمه درهم واحد و نصب على التمييز لصلوحه للإقرار و غيره، هذا هو المشهور. و قال الشيخ: يلزمه عشرون درهما لأنه أقل عددا ينتصب عنه التميز و لفظ «كذا» كناية عنه.

و يشكل بأن شغل الذمة بعشرين مع إمكان أن يراد بكذا واحد يقتضي التمسك بمجرد الاحتمال، و لا أثر لموازنة المبهمات المبينات باعتبار القرائن النحوية إما لعموم العلم (2) بكون ذلك مستفاد من اللفظ لوضعه له، و أما ثانيا فلأن العرف الخاص لا ينظر إليه و إنما يعتمد على ما يتفاهمه أهل العرف العام و يجري في محاوراتهم، إلا إذا لم ينضبط لاختلافه فالأصح إذا هو الأول، و لو رفعه فعند الأكثر كذلك و يكون تقديره شيئا هو درهم فجعل الدرهم بدلا من كذا منطبق على أوضح الاحتمالات.

أما لو خير لزمه في المشهور جزء درهم و صار مبهما إبهاما آخر فيرجع إليه في تفسيره. و قيل:- و القائل الشيخ أيضا و جماعة- إنه يلزمه مائة لأنه أقل عدد يضاف إلى تمييزه المفرد. و يرد عليه ما يرد على كلامه الأول مع عدم المستند الشرعي في ذلك.

و ما وجهه به من أن «كذا» كناية عن العدد و درهم بالجر بمنزلة التمييز بعده و أقل عدد مفرد يكون تميزه مجرورا عن لفظ المائة فضعفه غير خفي.

و لم يفرق الشيخ بين أن يقول: علي كذا درهم صحيح أو لا يقول كونه

____________

(1) كذا في النسخة، و يحتمل أن يكون «فلو فسره المقر».

(2) كذا في النسخة، و لعل الصحيح «أما أولا للعلم».

42

صحيحا. و فيه رد على بعضهم حيث فرق بين الأمرين لأنه إذا قال: له علي كذا درهم صحيح بالجر لم يجز حمله على بعض درهم فتعين المائة.

و الحق ما ذكرناه أولا لأن وصف الدرهم بالصحة لا ينفي تقدير الجزء لأن الجزء كما ينسب لمطلق الدرهم ينسب للصحيح أيضا، و وصفه بالصحة لا يقتضي ثبوت الدرهم الصحيح في النفقة كما زعمه في البعض، فإن بعض الدرهم الصحيح قد يكون مستحقا لغير من يستحق باقيه، و كذا كل صحيح من بيت أو سيف و حيوان و غيرها.

و لو وقف بالسكون قبل تفسيره بجزء درهم لاحتمال الجزء و بالدرهم لاحتمال الرفع فيلزمه أقل الأمرين، و أوجب بعضهم درهما.

و كذا لو قرر بغير عطف كأن قال: له كذا كذا درهما بالنصب أو بالرفع أو بالجر فلا يلزمه إلا ما سبق من غير تكرار. و وجهه أن «كذا كذا» يمكن أن يكون تكراره للتأكيد و كأنه قال: شيء شيء درهما و يكون درهما مميز للمؤكد و درهم بالرفع مفسر له، و في الجر كأنه قال: جزء جزء درهم، و يحتمل في الجر أنه إضافة جزء إلى جزء المضاف إلى درهم فيلزمه بعض بعض درهم و تفسيره إليه. و لو وقف لزمه أقل الاحتمالات لو فسر به.

و لو قال: كذا كذا كذا ثلاثا ثمَّ أتى بالدرهم بعده منصوبا أو مرفوعا كما سبق أيضا في أنه يلزمه درهم لإمكان التأكيد كما لو كرر الشيء ثلاثا، و لو جر فجزء درهم و على الاحتمال فجزء جزء جزء درهم و لو وقف فكما سبق أيضا.

و خالف الشيخ هنا كما خالف فيما سبق حيث قال: إذا قال: كذا كذا درهما بالنصب يلزمه أحد عشر درهما لأنه أقل عدد مركب مع غيره ينتصب بعده المميز إلى تسعة عشر، فيجب الحمل على الأقل، و يضعفه ما تقدم.

و لو عطف و رفع لزمه درهم لأنه ذكر شيئين ثمَّ أبدل منهما درهما فكأنه قال: هما درهم، و لو نصب احتمل لزوم درهم لأن «كذا» يحتمل أقل من درهم، فإذا

43

عطف مثله عليه و فسرها بدرهم جاز، و يحتمل لزوم درهمين لأنه ذكر جملتين، و فسر بدرهم فيعود إلى الجميع كمائة و عشرين درهما فيعود التفسير إلى الجميع و أكثر من درهم بناء على أن الدرهم تفسير للأخير، و يبقي الأول على إبهامه.

و قيل: يلزمه أحد و عشرون. فالاحتمالات إذا ثلاثة:

فالأول: لزوم درهم لأن «كذا» يحتمل أقل من درهم، فإذا عطف مثله و فسرهما بدرهم على طريق التمييز كان صحيحا جاريا على القوانين و الأصل براءة الذمة عما زاد، و هذا أقوى.

الثاني: لزوم درهمين لأنه ذكر جملتين و فسر بدرهم، فكيف يكون تفسير الجميع على معنى أنه مفسر للأخير، و دليل على أنه تفسير الأول كمائة و عشرين درهما فإنه قد صرح أن المائة تكون أيضا دراهم، و حينئذ يلزمه أكثر من درهم لأن الدراهم تفسير للأخير فيبقى الأول على إبهامه.

و قال الشيخ: إنه يلزمه أحد و عشرون لأنه أقل عددين عطف أحدهما على آخر و انتصب الدرهم بعدهما.

و قال ابن إدريس في مقابل كلامه: الأولى الرجوع إلى التفسير لأن «كذا» لفظ مبهم محتمل و لا يعلق على الدرهم بأمر محتمل و الأصل براءة الذمة.

و قال العلامة بعد حكايته كلام ابن إدريس: إن التحقيق أن نقول: إن كان القائل من أهل اللسان الزم بما قاله الشيخ و إلا رجع إلى تفسيره كما عليه ابن إدريس.

و يشكل بأن هذه المعاني ليست مستفادة من هذه الألفاظ بالوضع ليحكم على من كان من أهل اللسان بها، و على تقدير الوضع فأهل اللسان إنما يتحاورون في الأقارير و المعاملات لا يتفاهمه أهل العرف، و الأصح ما قاله ابن إدريس.

التاسعة: لو قال: له علي ألف و درهم أو درهمان

فالألف مبهم الجنس فيقبل تفسيره بما قل و كثر، و ذلك لأن عطف جنس معين على مبهم الجنس

44

لا يقتضي تفسيره إذ لا منافاة بين عطف بعض الأجناس على ما يغايرهما بل هو الواجب فبأي شيء فسره قبل حتى لو فسرت بحبات الحنطة قبل. و قد صرح بذلك العلامة في التذكرة، و يؤيده أن المفسر للشيء لا يعطف عليه إلا نادرا كما تقرر في العربية.

و لو قال: ألف و ثلاثة دراهم أو و خمسون درهما أو و خمسة عشر درهما أو ألفا و مائة درهم فالجميع دراهم على الأظهر، و ذلك لأن الاستعمال لغة و عرفا جار على الاكتفاء بمفسر الأخير في كونه تفسيرا لما قبله. قال الله تعالى «إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً» (1).

و في الحديث

(2)

أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة.

و غير ذلك من الاستعمالات في الأخبار و كلام العرب التي لا حصر لها.

و أما الاستعمالات العرفية فهو في الظهور مغنية عن التعرض لها و لبيانها، و كأنهم لما كرهوا الإتيان بالمميزات المؤلفة في الكلام الواحد اكتفوا بأحدهما و رجح المبهم الأخير على غيره لأن المفسر إنما يفسر ما قبله، و لأن المقطوع به هو تفسير ما اتصل به فيبقى ما سواه على الإبهام، و الأصل براءة الذمة، و لأن المستثنى المتعقب جملا يختص بالأخيرة في الأصح.

و يضعف بأن الاستعمال لما كان جاريا على ذلك بحيث لا يفهم عند الإطلاق سواه و لا يتوقف أحد في فهم المراد في مثل ذلك على مراتبه (3) لدفع الإبهام فإن المحذوف لدليل بمنزلة المذكور، و حينئذ فلا يتوقف الأصل ها هنا على وجود الناقل، و الاستثناء بعد جمل إنما يعود إلى الأخيرة على القول به مع انتفاء ما يدل على عوده إلى الجميع، و الأول أقوى، فلا إبهام في الأول و لا في الثاني بعد تفسيره بذلك المميز.

____________

(1) سورة ص- آية 23.

(2) الكافي ج 1 ص 439.

(3) كذا في النسخة.

45

و على القول الثاني و هو اختصاصه بالأخير و بقاء الأول على الإبهام، فلو باع بمائة و عشرين درهما مثلا لم يصح البيع حتى يذكر المائة. و لو قال: علي ثلاثة دراهم و ألف أو عشرون درهما و ألف، فالألف في المثالين مجهولة لأن السابق في مثل ذلك لا يفسر بما بعده و الأصل براءة الذمة.

أما لو قال: درهم و نصف فالأقوى حمل النصف على السابق لأن المتفاهم في العرف و المحاورات العرفية، حتى لو قال: له علي درهم و نصف درهم عد مطولا تطويلا زائدا على قدر الحاجة، و احتمل النقص عدمه للأصل و لأنه معطوف على الدرهم فلا يقيد به، و الأول أقوى.

و قال في التذكرة: لو قال: و نصف فالنصف مبهم، و هو خلاف الظاهر

العاشرة [في ما لو أطلق المقر بالموزون و المكيل]

إطلاق الإقرار بالموزون و المكيل ينصرف إلى موزون البلد و كيله لأنه المتظاهر عرفا، و لهذا يحمل الإطلاق في البيع عليهما. و كذا الذهب و الفضة ينصرف إلى نقد البلد الغالب.

و المراد بالذهب و الفضة الدراهم و الدنانير، فلو أقر بذهب أو فضة في غير أن يسمي الدراهم و الدنانير كأن قال: خمسة مثاقيل من ذهب أو من فضة فالظاهر أن ذلك لا ينصرف إلى الفضة العالية الخالصة في البلد، و لما كان الإطلاق محمولا على المتعارف لم يتفاوت الحال في حمل الدراهم و الدنانير على المغشوشة إذا كان نقد البلد مغشوشا، كما يحمل النقد على الخالص إذا كان غالبا في البلد من غير تفاوت، فإن تعدد الوزن أو النقد فتساويا من غير غلبة لأحدهما على الآخر رجع إليه في التعيين مثل أن يكون الرطل واقعا على كبير و صغير و النقد على صحيح و غير صحيح و تساوى الجميع في المعاملة بحيث لم يكن لبعض على بعض رجحان حصل الإبهام و رجع إليه في التعيين، و الأصل براءة الذمة و لو كان بعض الوزن أو النقد المتعدد غالبا في المعاملة، و يجب حمل الإطلاق عليه.

و لو فسر بالناقص النادر مع وجود الغالبية في البلد قبل مع اتصاله،

46

و كذلك الوزن لأن ذلك بمنزلة الاستثناء، و لأنه لو لا ذلك لأدى إلى تعذر الإقرار ممن عليه دراهم ناقصة، و لأن الكلام لا يعتبر معنى إلا بعد كماله و تمامه، بخلافه حالة الانفصال فإنه يقتضي رفع بعض ما حكم بثبوته فلا يسمع.

و كذا لو فسر بالمغشوشة مع الاتصال حيث يكون الغالب غيرها و إلا لم يحتج إلى اشتراط الاتصال.

و لو قال: له علي درهمان أو دراهم صغار ففسره بالناقص لا يقبل إلا مع الاتصال لأن إطلاق الدراهم يقتضي حملها على الغالب في العرف و وصفها بالصغر لمستفاد من الصفة و صريح اللفظ لا ينفي حملها على الغالب لأن الدراهم الغالبة تكون صغيرة في شكلها. نعم لو كان في الدراهم صغير و كان ناقصا و فسر به قبل منه.

و في التذكرة: أنه لو قال: له علي درهم أو درهمان أو درهما صغيرا أو دراهم صغار فالوجه قبول تفسيره بما أراد مما ينطبق عليه هذا الاسم. و هذا لا يخالف ما ذكرناه، مع أنه قال بعد هذا في المسألة التي تلي هذه: لو قال له:

دريهم بالتصغير فكما لو قال درهم لأن التصغير قد يكون في ذاته أو لقلة قدره عنده و قد يكون لمحبة.

و لو قال: له علي درهم كبير ففي التذكرة ذهب إلى أنه درهم من دراهم الإسلام لأنه كبير في العادة، قال: و لو كان هناك ما هو أكبر منه وزنا فالأقرب المساواة.

الحادية عشرة: صيغ الجمع من الألفاظ المبهمة

حيث إنها مشتركة بين جموع القلة و الكثرة و هي في اصطلاح النحويين مختلفة في القلة و الكثرة لكنه في عرف العام غير متفاوت، فيحمل على أقله و هو ثلاثة سواء كان جمع قلة أو كثرة و سواء كان معرفا بلام الجنس أو منكرا، و سواء وصفه بالقلة أو الكثرة أو لا، لأن الفرق بينهما استعمال خاص فلا يعارض أصالة البراءة، و المعروف باللام

47

و إن اقتضى العموم إلا أنه هنا ممتنع و ليس هناك حد [ينتهى] إليه فيلغى التعريف و كذا وصفه بالقلة و الكثرة.

و احتمل العلامة في قبول تفسيره باثنين محتجا بالاستعمال الشائع في الكتاب و السنة مثل قوله تعالى «فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ» (1) «فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا» (2) و

قوله (عليه السلام)

(3)

: الاثنان فما فوقهما جماعة.

و بأن حقيقة الجمع موجودة في الاثنين، قال: و لو سلم أنه مجاز فلا يستحيل إرادته، فإذا فسر به قبل لأنه أعرف بقصده.

و يرده أن المجاز خلاف للأصل، فالتفسير به يكون منفصلا عن الإقرار و رجوعا عنه و يلزمه قبول التفسير بالواحد لعين ما ذكره فإنه يستعمل إليه مجازا.

و في الدروس لأول الشهيدين: أنه لو فسر بالاثنين متأولا له بمعنى الاجتماع أو أخبر بأنه من القائلين أقل الجمع اثنان فالأقرب القبول، و يشكل بأن اللفظ يجب حمله عند الإطلاق على الشائع في الاستعمال، فإذا فسر بخلاف ذلك تفسيرا متراخيا عن الإقرار كان رجوعا عن بعض ما أقر به. و لو قال: ثلاثة آلاف و اقتصر عليها لزم بتفسير الجنس بما يصح تملكه مما يصدق عليه ذلك.

الثانية عشرة: لو قال: علي ما بين درهم و عشرة

لزمه إلى ثمانية لأن ذلك ما بينهما، و ظاهر إطلاقهم أن الثمانية دراهم و اللفظ غير صريح في ذلك.

و لو قال: من درهم إلى عشرة احتمل فيه وجوه: (أحدها) دخول الطرفين (و الثاني) خروجهما (و الثالث) دخول الابتداء و خروج الغاية. و بهذا الاحتمال تعددت الأقوال.

فوجه الأول أن ذلك جار في الاستعمال، تقول: قرأت القرآن من أوله إلى آخره و أكلت الطعام من أوله إلى آخره، و أورد عليه أن ذلك مستفاد من

____________

(1) سورة النساء- آية 11.

(2) سورة التحريم- آية 4.

(3) جامع الصغير ص 9.

48

قرأت القرآن و هو وقوع القراءة على جميعه. و كذا في قوله: و أكلت الطعام و دخول الطرفين بالقرينة المقالية، فكيف يستدل على ذلك عند الإطلاق؟

و وجه الثاني أن الأول و العاشر حدان لا يدخلان في المحدود كما لو قال:

بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار فإن الجدارين غير داخلين في المبيع. و قد نقل فخر المحققين في شرحه على القواعد عليه الإجماع و لقوله تعالى «أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» (1) و لأن الأصل البراءة فلا يجب سوى المتيقن و هو الأصح، و اختاره ابن إدريس في سرائره.

و وجه الثالث أن الأول ابتداء الغاية و العاشر هو الحد فيدخل الابتداء قطعا دون الحد، و لأن الملتزم زائد على الواحد و الواحد مبدأ العدد، و اختار هذا الشيخ في المبسوط و العلامة في الإرشاد. و ضعف بأن شغل الذمة لا يكون بمجرد الاستبعاد.

و لو قال: في مثله أردت المجموع لزمه خمسة و خمسون، لأنك في هذه الحال تزيد أول العدد و هو الواحد على آخره و هو العشرة ثمَّ تضرب المجموع في نصف العشرة، و طريق معرفة مجموع الأعداد المذكورة ما ذكرناه فما خرج فهو الجواب. و العلامة في القواعد أطلق الحكم هنا و في غيرها، و كذا غيره من فقهائنا ربما كان يظهر منه عدم الاعتداد بالإطلاق، و إنما يستقيم ذلك على القول بدخول الطرفين.

أما على القول بخروجهما أو خروج الغاية دون الابتداء فلا يبلغ المقر به خمسة و خمسين كما لا يخفى إلا أن يريد بقوله الإقرار بجميع الأعداد التي اشتمل عليها هذا اللفظ، فلا بحث في اللزوم و لا إشكال.

و لو قال: له درهم في عشرة و لم يرد الحساب و الضرب لزمه واحد، و ذلك لأن المقر به الدرهم و العشرة ظرف له.

____________

(1) سورة البقرة- آية 187.

49

و لو قال: درهمان في عشرة و أراد الضرب و الحساب لزمه عشرون، و لو أراد درهمين مع عشرة يجعل في المعية و المصاحبة قبل و لزمه اثنا عشر. أما إذا أراد الحساب فلا بحث لأن هذه العبارة ظاهرة فيه.

و أما إذا أراد درهمين مع عشرة فإن هذا المعنى شائع بين أهل اللغة و العرف، فإنهم يقولون: إذا أرادوا الجمع بعد التفريق في العدد قالوا عشرة في خمسة في سبعة إلى غير ذلك، فلا يمتنع الحمل عليه عند الإطلاق و مجيء «في» للمصاحبة شائع كما في قوله تعالى «ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ» (1) و يقبل منه هذا التفسير و إن كان هو من أهل الحساب على الأصح.

و ربما احتمل بعضهم عدم القبول لأن الظاهر من حال الحساب استعمال الألفاظ في معانيها المصطلح عليها فيما بينهم.

و رد بأن المحاورات العرفية غالبا لا تكون جارية على مصطلحات أهل العرف الخاص كما هو مشاهد مع أن الأصل براءة الذمة، و الأصح القبول.

و لو قال: أردت درهمين في عشرة لي قبل و يلزمه درهمان فإن «في» للظرفية فالأصل البراءة.

و لو قال: درهمان في دينار لم يحتمل الضرب و سئل، فإن فسره بالعطف لزمه درهمان و دينار و ذلك بناء على أن «في» للمصاحبة، و إلا فليس هنا عطف اصطلاحي.

و لو قال: أسلمتها في دينار فصدقه المقر له بطل إقراره لأن السلم لا يصح في الصرف لأنه مشروط بقبض الثمن و المثمن في المجلس لمكان الصرف، و إن كذبه صدق المقر له مع اليمين فيلزم المقر بالدرهمين و لا يقبل منه ما ينافي الإقرار و إن كان له إحلاف المقر له على نفي ما ادعاه.

____________

(1) سورة الأعراف- آية 38.

50

الثالثة عشرة: لو أقر له صريحا بالظرف دون المظروف أو بالعكس

لم يدخل أحدهما عند الإبهام في الآخر لاحتمال أن يريد بالظرف الذي له.

فإذا قال: له عندي زيت في جرة أو سيف في غمد أو كيس في صندوق أو فص في خاتم أو غصبت منه ثوبا في الظرف أو منديل لم يدخل الظرف لاحتمال أن يريد في جرة لي أو في غمد لي، و هكذا في الباقي. و ليس في اللفظ قرينة تدل على كون هذه الأشياء للمقر له، و إلا لكان إذا ضم إليه لفظ مفهم للمنافاة لظاهر الإقرار و يحتاج إلى العدول عن الظاهر مع أن الأصل براءة الذمة، و كذلك في الأمثلة الأخيرة لم يكن مقرا إلا بغصب الزيت و الثوب، خلافا لأبي حنيفة.

و لو قال: له عندي غمد فيه سيف أو جرة فيها زيت لم يدخل المظروف، و كذا له خاتم فيه فص أو عمامة فيه رأس عبد للعلة التي مر ذكرها.

و لو قال: له عندي خاتم و أطلق أو ثوب مطرز لزمه الخاتم بفضته و الطراز أيضا، لأن المتبادر من العبارة عند الإطلاق دخول الاطراز في الإقرار بالثوب بلا إشكال لأن الطراز جزء و الجزء في العادة المستمرة داخل. و أما الفص ففي دخوله في الإقرار إشكال ينشأ من أن اسم الخاتم يتناوله عرفا و من مغايرته إياه و انفصاله عنه، و لهذا يخلو الخاتم عنه كثيرا، و الأقوى الأول لأن الكلام في شمول اسم الخاتم في الفص إنما هو مع وجوده فيه فمر كما مر للطراز، و ليس كلما هو جزء للشيء يمتنع خلوه عنه. و اختار العلامة في التذكرة الثاني.

لو قال: له عندي جارية و جاء بها و هي حامل احتمل صحة استثناء الحمل لأن الحمل ليس جزء من الجارية لغة و لا عرفا، و لهذا لا يندرج في بيعها على الأصح. و خلاف الشيخ في ذلك نادر فلا يتناوله الإقرار بها و إن كان كل منهما تحت يده، و بهذا يظهر وجه الفرق بينهما و بين الخاتم و الفص فإنه جزء عرفا.

و يحتمل عدم صحة الاستثناء لأنه تابع للام و نمائها، و نمنع تبعيته لها في الإقرار لأن النماء إنما يتبع الأصل إذا تجدد في الملك و لم يكن هناك ما ينافي ملكيته،

51

و الإقرار لا يقتضي تقدم ملك الام على تجدد الحمل، و سيأتي في أحكام القضاء أنه لا يسمع دعوى: هذه ابنة أمتي لجواز تجددها في غير ملكه، فصحة الاستثناء لا يخلو من قوة.

و لو قال: له عندي دار مفروشة أو دابة مسروجة أو عبد عليه عمامة كان محتمل للأمرين و هو صحة الاستثناء و عدمها، و من ثمَّ وقع الخلاف في المسألة، فالقول بصحة الاستثناء واضح لخروج الفرش عن الدار و السرج عن الدابة و العمامة عن العبد و من جهة وصفها بكونها مفروشة فإذا سلمها غير مفروشة لم يكن المقر بها.

و رد بأن الوصف بذلك حين الإقرار لا يقتضي استحقاقها على هذا الوصف، مع كون اللفظ محتملا و يده على الأمرين معا، فلا يزول حكمهما بمجرد الاحتمال.

و ذهب الإسكافي إلى دخول السرج في الدابة، و ضعفه الشيخ في المبسوط و هو الأصح لأن الدخول غير متحقق. نعم قد يقال في الإقرار بالعبد تدخل العمامة و ما جرى مجراها من الثياب، و الفرق أن له يدا على ملبوسه، و ما في يد العبد فهو في يد السيد، فتدخل العمامة لا من جهة الإقرار بل من جهة اليد، و اختاره العلامة في التذكرة.

و يضعف بأنه لا يد للسيد على العبد هنا بل يد المقر عليه و على سائر ما عليه من عمامة و غيرها، لأنه و إن كان ذا يد إلا أنه من حيث إنه مال عليه يد فكذا ما عليه من الثياب، فإذا أقر بالعبد له لم يسر الإقرار إلى ما عليه و لا تزول يد المقر عنه، كما لا يسري إلى البيت الذي هو ساكنه و الطعام الذي بين يديه.

و لو أقر له بألف في هذا الكيس و الحال أنه لم يكن في الكيس شيء لزمه الألف لأن قوله «علي» يقتضي اللزوم، و لا أثر لقوله في هذا الكيس إذا لم يكن فيه شيء لأن اعتباره يقتضي رفع الإقرار فلا ينظر إليه.

52

الرابعة عشرة: لو قال: له في هذا العبد ألف

كان كلاما مجملا من الأقارير المبهمة لأن العبد لا يكون ظرفا للألف إلا بتأويل متجوز فيه، فيرجع و يكون مقبولا منه فيقبل منه و لو فسره بأرش الجناية و بكونه مرهونا و بأنه وزن في شراء عشره ألفا و اشتريت أنا جميع الباقي بألف و لم يلزمه إلا عشر العبد. و لو قال:

نقد عني في ثمنه ألفا كان قرضا. و لو قال: نقد ألفا في ثمنه و أنا ألفا بإيجاب واحد فقد أقر بالنصف و لو قال: وزنت أنا ألفين فقد أقر بالثلث. و لو قال: أوصى له بألف من ثمنه بيع و صرف إليه. و لو أراد إعطاء الألف من ماله من غير الثمن لم يجب القبول.

و تحقيق هذه الفروع و المسائل مفصلة أن المقر لزيد في هذا الأمر العبد بألف حيث إنه إقرار مجمل يجب إرجاعه إليه في التفسير لتعدد احتمالاته، فإذا فسره بأرش جناية صدرت من العبد على المقر له أو على عبده قبل منه و إن كان تفسيرا صحيحا و تعلق الألف برقبته، و إن فسره بكون العبد مرهونا بألف في ذمته قبل أيضا.

و استوجه العلامة في التذكرة بأن الدين و إن كان موضوعه الذمة فله تعلق ظاهر بالمرهون فصار كالتفسير بأرش الجناية. و في وجه ذهب إليه البعض أنه لا يقبل لأن الإقرار يقتضي كون العبد محل الألف و محل الدين بالذمة لا المرهون، و إنما المرهون وثيقة له.

قال العلامة في التذكرة: و على هذا لو نازعه المقر له أخذناه بالألف الذي ذكرناه في التفسير و طالبناه للإقرار المجمل بتفسير صالح. ثمَّ اختار الأول، و فيه قوة لأن محل الدين و إن كان في الحقيقة الذمة لأن العبد محل أيضا إذا كان رهنا باعتبار استحقاق أخذه من قيمته و ليس العبد بالنسبة إلى أرش الجناية محلا للأرش حقيقة لبقائه بكماله على ملك المالك مع تعلق الأرش به.

و إن فسر بأن المقر له وزن في عشر العبد ألفا و قال المقر: اشتريت أنا الباقي و تسعة أعشاره بألف قبل لأنه محتمل. و قيده في التذكرة بيمينه و الاختصاص