دلائل النبوة - ج2

- الحافظ أبي نعيم الأصبهاني المزيد...
369 /
325

الفصل السّابع عشر و مما ظهر من الآيات في مخرجه إلى المدينة و في طريقه (صلى اللّه عليه و سلم)

229- حدّثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال ثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال ثنا محمد بن حيان قال ثنا أحمد بن علي الخزاعي قال ثنا مسلم بن إبراهيم قال ثنا عوين‏ (1) بن عمرو القيسي قال سمعت أبا مصعب المكي يقول: أدركت أنس بن مالك و زيد بن أرقم و المغيرة بن شعبة فسمعتهم يحدّثون:

أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة الغار أمر اللّه سبحانه شجرة فنبتت على وجه الغار فسترته، و أمر حمامتين و حشيّتين فوقفتا بفم الغار، و أقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيّهم و حرباتهم و سيوفهم حتى إذا كانوا من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قدر أربعين ذراعا جعل بعضهم ينظر في الغار فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ما قال فعرف أن اللّه عز و جلّ قد درأ بهما، فدعا لهن وسمت عليهن و فرض جزاءهن و نزلن بالحرم.

230- حدثنا سليمان بن أحمد إملاء و قراءة قال ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد

____________

(ح/ 229) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 228 عن مسلم بن إبراهيم بسنده و فيه زيادة قصة العنكبوت، و قال السيوطي في الخصائص الكبرى 460 و أخرجه أيضا ابن مردويه و البيهقي و أبو نعيم، و قال ابن كثير في السيرة 1/ 240 رواه ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد عن عمرو بن علي عن عون بن عمرو فذكره ثم قال: هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.

(ح/ 230) أخرجه البخاري من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري فذكره برواية أتم مما هنا.- ر: فتح الباري 8/ 231-.

____________

(1) الصواب عون بن عمرو و يلقب عوين.

326

الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للمسلمين بمكة: قد أريت‏ (1) دار هجرتكم بأرض سبخة (2) ذات نخل بين لابتين و هما الحرّتان‏ (3) فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و رجع إلى المدينة بعض من هاجر إلى الحبشة، و تجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: أترجو ذلك؟ بأبي أنت و أمي، قال:

نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لصحبته، و علف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق الشّجر (4) أربعة أشهر.

قالت عائشة رضي اللّه عنها: فبينا نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مقبلا مقنّعا رأسه في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي و أمي، إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاستأذن، فأذن له، فدخل. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين ذاك: يا أبا بكر أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك- بأبي أنت يا رسول اللّه- فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنه قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: فالصحابة- بأبي أنت يا رسول اللّه- فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): نعم، فقال أبو بكر: فخذ- بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه- إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بالثمن.

قالت عائشة رضي اللّه عنها: فجهزناهما أحثّ الجهاز (5) و صنعنا

____________

(1) في الأصل: «رأيت» فصححناه من البخاري.

(2) سبخة: ذات نزّ و ملح.

(3) الحرة: أرض ذات حجارة سود.

(4) في الأصل «السّمر» فصححناه من إتحاف الورى و غيره.

(5) أحث الجهاز: أسرع الجهاز.

327

لهما سفرة في جراب‏ (1) فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت‏ (2) به الجراب، فلذلك كانت تسمى ذات النطاقين، فلحق النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر بغار في جبل يقال له ثور (3) فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الرحمن بن أبي بكر (4) و هو غلام شاب لقن ثقف فيخرج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة (5) من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من الليل، فيبيتان في رسلها حتى ينعق‏ (6) بها عامر بن فهيرة، و يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، و استأجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بني الدّئل من بني عبد بن عدي هاديا خرّيتا- و الخريت: الماهر بالهداية- فأمّناه فدفعا إليه راحلتيهما و واعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليالي الثلاث، فارتحلا و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل الدّيلي، فأخذ بهم طريق السواحل و هو طريق أذاخر (7).

231- حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا أحمد بن محمد التمار قال ثنا محمد بن سعيد الأثرم قال ثنا همّام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر قال:

____________

(ح/ 231) أخرجه البخاري- انظر فتح الباري 8/ 11- و مسلم في المناقب 7/ 108 و أحمد في المسند برقم 11.

____________

(1) سفرة في جراب: زادا في كيس.

(2) أوكت: ربطت.

(3) ثور: جبل بأسفل مكة.

(4) الصواب عبد اللّه كما في البخاري- قال ابن حجر في الفتح 8/ 238 وقع في نسخة عبد الرحمن و هو وهم.

(5) المنحة: الغنم يمنحها غيره ليستفيد من لبنها.

(6) الرسل: القطيع من الغنم. ينعق: يصيح.

(7) أذاخر: موضع بأعلى مكة.

328

كنت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الغار فرفعت رأسي فإذا أقدام المشركين فقلت: يا رسول اللّه لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا، قال: يا أبا بكر ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما.

232- حدثنا فاروق الخطابي ثنا زياد بن الخليل ثنا إبراهيم بن المنذر قال ثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة:

عن ابن شهاب قال: فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر من جوف الليل قبل الغار- غار ثور- و هو الغار الذي ذكره اللّه عز و جل في القرآن، قال:

و أتت قريش على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى علوه، و سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر و اشتد خوفه عند ذلك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا تحزن إنّ اللّه معنا، و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنزلت السّكينة من اللّه عز و جل، قال اللّه عز و جل، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى‏ وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏ (1) و كانت لأبي بكر منحة من غنم تروح عليه و على أهله بمكة، فأرسل أبو بكر عامر بن فهيرة و أمره أن يرعى عليهما- و كان عامر مولّدا من مولدي الأزد، و كان للطّفيل بن عبد اللّه ابن سخبرة و هو أبو الحارث بن الطّفيل، و كان أخا عائشة بنت أبي بكر و عبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما، فأسلم عامر و هو مملوك، فاشتراه أبو بكر من الطفيل فأعتقه، و كان حسن الإسلام- و كان يرعى الغنم في ثور، يروحها على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و على أبي بكر في الغار كل ليلة يحلبان و يريحان، ثم يسرح بكرة فيصبح مع رعاة الناس فلا يفطن له أحد.

____________

(ح/ 232) ذكره الطبراني عن عروة بشكل مختلف عن ذكره هنا- ر: مجمع الزوائد 6/ 51.

____________

(1) التوبة: 40.

329

233- حدثنا عبد اللّه بن جعفر قال ثنا يونس بن خبيب قال ثنا أبو داود (1) قال ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زرّ عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال:

كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر و قد فرّا من المشركين فقالا: يا غلام عندك لبن تسقينا؟ فقلت: إني مؤتمن، و لست بساقيكما، قالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فأعتقلها أبو بكر، و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الضرع فمسحه و دعا، فحفل الضّرع، و أتى أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو و أبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع:

اقلص، فقلص، فلما كان الغد أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت: علّمني من هذا القول الطيب- يعني القرآن- فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنك غلام معلّم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.

234- حدثنا أبو إسحاق بن حمزة و أبو محمد بن حيان و محمد بن عمرو بن أسلم و أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني في آخرين قالوا حدثنا الفضل بن الحباب قال ثنا عبد اللّه بن رجاء قال ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال:

اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل رحلي إلى منزلي، قال: لا، حتى تحدثني كيف صنعت حين خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)(2) فقال أبو بكر الصديق: خرجنا فأدلجنا

____________

(ح/ 233) أخرجه أحمد في المسند برقم 4412 و ابن سعد في الطبقات 3/ 1/ 156- 157 كلاهما من طريق عفان عن حماد بن سلمة بسنده و قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، و أخرجه أبو داود الطيالسي عن حماد برقم 2456 و قال ابن كثير في السيرة 2/ 265 هذه القصة ثابتة في الصحاح و غيرها.

(ح/ 234) أخرجه البخاري من طريق عبد اللّه بن رجاء عن إسرائيل- ر: الفتح 8/ 9- و مسلم في الزهد 8/ 236 و 237 و أحمد في المسند برقم 3 و قول البراء في آخر الحديث: «و لم يقدم رسول اللّه حتى قرأت سورا من المفصّل» هذه الزيادة في مسند أحمد دون الصحيحين.

____________

(1) في الأصل داود فصححناه من السيرة لابن كثير.

(2) في البخاري: حين خرجتما من مكة و المشركون يطلبونكم.

330

و احثثنا يومنا و ليلتنا حتى أظهرنا، فقام قائم الظهيرة، فضربت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه؟ فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فإذا فيها ظل، فسويته لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و فرشت له فروة، و قلت: إضطجع يا رسول اللّه، فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطّلب؟ فإذا أنا براعي غنم فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فسماه، فعرفته‏ (1)، ثم أدلجنا و القوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس، فقلت: يا رسول اللّه هذا الطّلب قد لحقنا، فقال: لا تحزن إن اللّه معنا، حتى إذا دنا منّا بكيت، فقال لي: لم تبكي؟ فقلت أما و اللّه ما أبكي على نفسي، و لكن أبكي عليك، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): لا تبك، ثم قال اللهم إكفناه بما شئت، فساخت فرسه في الأرض إلى بطنها، في أرض صلد، فوثب عنها و قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك، فادع اللّه أن ينجّيني مما أنا فيه، فواللّه لأعمّينّ على من ورائي من الطلب، فدعا اللّه فرجع إلى أصحابه، و مضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنا معه، فقدمنا المدينة، فتلقانا الناس يقولون: جاء رسول اللّه، جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و تنازعت القوم أيهم ينزل عليه، فنزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على بني النجار، قال البراء: و لم يقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى قرأ قرآنا من المفصّل.

235- حدثنا أبو إسحاق بن حمزة قال ثنا الوليد بن بيان قال ثنا عبد الصمد بن‏

____________

(ح/ 235) أخرجه البخاري عن محمد عن عبد الصمد عن أبيه بسنده- ر: الفتح 8/ 251- و قال ابن كثير في السيرة 2/ 275 و أخرجه أيضا الإمام أحمد في المسند 3/ 153.

____________

(1) في البخاري زيادة: فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: فهل أنت حالب لنا؟

قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا- ضرب إحدى كفيه بالأخرى- فحلب لي كثبة من لبن و قد جعلت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إداوة على فمها خرقة، فصبت على اللبن حتى برد أسفله فانطلقت به إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فوافقته قد استيقظ، فقلت له: إشرب يا رسول اللّه فشرب حتى رضيت، ثم قلت قد آن الرحيل يا رسول اللّه؟ قال: بلى.

331

عبد الوارث‏ (1) قال ثنا أبي عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال:

أقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، فنزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جانب الحرة، و بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فسلّموا عليه و قالوا: إركبا آمنين مطاعين، قال: فركب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر، و حفّوا حولهما بالسلاح، قال فقيل في المدينة جاء نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فاستشرفوا ينظرون و يقولون: جاء نبي اللّه، جاء نبي اللّه، قال: فأقبل يسير، حتى نزل جانب دار أبي أيوب، قال فإنه‏ (2) ليحدّث أهله، إذ سمع‏ (3) به عبد اللّه بن سلام و هو في نخل يخترف منه‏ (4)، فعجل أن يضع التي يخترف فيها، فجاء و هي معه، فسمع من نبي اللّه ثم رجع إلى أهله، فقال نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أيّ بيوت أهلنا أقرب؟ قال، فقال أبو أيوب: هذه داري، و هذا بابي، قال، فقال: انطلق فهي‏ء لنا مقيلا، قال، فذهب أبو أيوب فهيأ لهما مقيلا، ثم جاء فقال يا نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد هيأت لكما مقيلا، قوما على بركة اللّه فقيلا، قال: فلما خلا نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جاء عبد اللّه بن سلام‏ (5) فقال: أشهد أنك رسول اللّه حقا، و أنك جئت بحق، و لقد علمت اليهود أني سيدهم [و ابن سيدهم‏] (6) و أعلمهم و ابن أعلمهم، فادعهم، فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ، فأرسل نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم، فدخلوا عليه، فقال نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا معشر اليهود ويلكم اتقوا اللّه، فواللّه‏

____________

(1) في الأصل عبد الوارث بن عبد الصمد، و الصواب ما أثبتناه، كما في تقريب التهذيب.

(2) في الأصل «فأتاه» فصححناه من البخاري.

(3) في الأصل «يسمع» فصححناه من البخاري.

(4) يخترف منه: يجني ثماره.

(5) كان اسمه في الجاهلية: حصين. فلما أسلم سماه الرسول: عبد اللّه.

(6) من البخاري.

332

الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول اللّه و أني جئتكم بحق فأسلموا، قالوا: ما نعلمه، قال: فأي رجل فيكم عبد اللّه بن سلام؟ قالوا:

ذاك سيدنا و ابن سيدنا، و أعلمنا و ابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا حاشا للّه ما كان يسلم، قال يا ابن سلام أخرج إليهم، فقال: يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا اللّه، فواللّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه لرسول اللّه صدقا، و أنه قد جاء بحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

236- حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا محمد بن الحسين عن علي بن بحر ثنا يوسف بن واضح قال ثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق. و ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال ثنا سعيد بن يحيى الأموي قال ثنا أبي قال ثنا محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي عن أبيه مالك بن جعشم عن أخيه سراقة بن مالك قال:

لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة إلى المدينة مهاجرا جعلت قريش لمن ردّه عليهم مائة من الإبل: قال، فبينا أنا جالس إذ جاء رجل منا فقال: و اللّه لقد رأيت ركبا ثلاثة مروا عليّ آنفا، إني لأراه محمدا و أصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبغون ضالّة لهم، قال: لعله، قال فمكثت قليلا، ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت بفرسي إلى بطن الوادي، و أمرت بسلاحي، فأخرجت من وراء حجر، ثم أخذت قداحي لأستقسم بها (1)، ثم انطلقت فلبست لامتي‏ (2) ثم‏

____________

(ح/ 236) أخرجه البخاري- ر: الفتح 8/ 239- و ذكر منه إلى قوله: فكتب في رقعة من أدم. و قال الحافظ ابن حجر: و قد أخرجه البيهقي في الدلائل و قبله الحاكم في الإكليل من طريق ابن إسحاق عن الزهري، و كذا أورده الإسماعيلي من طريق معمر و المعافى في الجليس من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري- ر: الفتح 8/ 239- و أخرجه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق بطوله- ر: الروض الأنف 2/ 6- و انظر: الوفا بأحوال المصطفى 1/ 241.

____________

(1) القدح: قطعة من الخشب بطول الفتر يكتب على بعضها نعم، و على بعضها لا، و يغفل بعضها، لتستخار في الحوادث الجسام، و هي معروفة في الجاهلية و حرّمها الإسلام.

(2) اللامة: الدرع.

333

أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج الذي أكره، لا يضره، قال و كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة، فركبت في أثره، فبينا فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطت عنه، قال قلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره، لا يضره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطتّ عنه، قال فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج الذي أكره، لا يضره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت، فلما بدا لي القوم فرأيتهم- و في رواية معمر: حتى إذا دنوت سمعت قراءة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- و هو لا يلتفت، و أبو بكر يلتفت و يكثر الالتفات، ساخت‏ (1) يدا فرسي في الأرض، حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها، فزجرتها فتمعّضت، فلم تكد تخرج، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان‏ (2) ساطع من الدخان.

و في سياق محمد بن إسحاق و موسى بن عقبة فناديت: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، انظروني أكلمكم، فواللّه لا أريبكم، و لا يأتينكم مني شي‏ء تكرهونه، قال، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر: قل له ما تبغي منا؟

قال: فقال لي ذلك أبو بكر، قال، قلت: تكتب لي كتابا يكون لي آية بيني و بينك، قال اكتب له يا أبا بكر، قال فكتب لي كتابا في عظم أو في رقّ أو في خرقة ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكتّ فلم أذكر شيئا مما كان، حتى فتح اللّه عز و جل لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة، و فرغ من حنين و الطائف، خرجت و معي الكتاب لألقى به، فلقيته بالجعرّانة (3)، قال فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرّعونني‏

____________

(1) ساخت: غاصت.

(2) عثان: دخان.

(3) مكان بين الطائف و مكة و هو إلى مكة أقرب.

334

بالرّماح و يقولون، إليك، إليك، ماذا تدنو، حتى دنوت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على ناقته، و اللّه لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمّارة (1)، قال فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول اللّه هذا كتابك لي، أنا سراقة بن مالك بن جعشم، قال، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يوم وفاء و برّ، ادنه، قال:

فدنوت منه، فأسلمت، قال ثم ذكرت شيئا أسأل عنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول اللّه الضالة من الإبل تغشى حياضي و قد ملأتها لإبلي هل لي من أجر إن سقيتها؟ قال: نعم، في كلّ ذات كبد حرّاء أجر، قال سراقة: فرحت إلى قومي فسقت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صدقتي.

237- حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال ثنا منجاب بن الحارث قال ثنا إبراهيم بن يوسف قال ثنا زياد بن عبد اللّه عن محمد ابن إسحاق قال: قال أبو بكر الصديق فيما يزعمون- و اللّه أعلم- في دخوله الغار مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مسيره معه حين ساروا في طلب سراقة بن جعشم إياهم:

قال النبيّ و لم أجزع يوقّرني* * * و نحن في سدنة في ظلمة الغار (2)

لا تخش شيئا فإن اللّه ثالثنا* * * و قد توكّل لي منه بإظهار

و إنما كيد من تخشى بوادره* * * كيد الشياطين كادته لكفّار

و اللّه مهلكهم طرا بما كسبوا* * * و جاعل المنتهى منهم إلى النار

و أنت مرتحل عنهم و تاركهم* * * إما غدوّا و إما مدلج سار (3)

____________

(ح/ 237) قال ابن كثير و قد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار و سيرهما بعد ذلك و ما كان من قصة سراقة شعرا فذكره، ثم قال: و قد روى أبو نعيم هذه القصة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطولة جدا و ذكر معها قصيدة أخرى- السيرة 2/ 244- و قال السهيلي في الروض الأنف 2/ 6 و في السير من رواية يونس شعر لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه فذكره.

____________

(1) الجمارة: قلب النخلة، شبهها بذلك لبياضها.

(2) سدنة: خدمة. و في إتحاف الورى 1/ 390 «سدفة»، و السدفة هي الظلمة.

(3) أدلج: سار في أول الليل.

335

و هاجر أرضهم حتى يكون لنا* * * قوم عليهم ذوو عزّ و أنصار

حتى إذا الليل و ارانا جوانبه* * * و سدّ من دون من نخشى بأستار

سار الأريقط يهدينا و أنيقه* * * ينعبن بالقوم نعبا تحت أكوار (1)

يعسفن عرض الثنايا بعد أطولها* * * و كل سهب دقيق‏ (2)الترب موّار

حتى إذا قلت‏ (3)قد أنجدن عارضنا* * * من مدلج فارس في منصب وار

يردى به مشرف الأقطار معترم* * * كالسيد ذي اللبدة (4)المستأسد الضاري‏

فقال، كرّوا، فقلنا (5)إن كرّتنا* * * من دونها لك نصر الخالق الباري‏

إن تخسف‏ (6)الأرض بالأخرى و فارسها (7)* * * فانظر إلى مربع‏ (8) في الأرض خوّار (9)

فهيل لما رأى أرساغ مقربه* * * قد سخن في الأرض لم تحفر بمحفار (10)

فقال هل لكم أن تطلقوا فرسي* * * و تأخذوا موثقي في نصح أسرار

و أصرف الحيّ عنكم إن لقيتهم* * * و أن أعوّر منهم عين عوار

فادع الذي هو عنكم كفّ عدوتنا (11)* * * يطلق جوادي فأنتم خير أبرار

فقال قولا رسول اللّه مبتهلا:* * * يا ربّ إن كان‏ (12)ينوي غير إخفار

فنجّه سالما من شرّ دعوتنا* * * و مهره مطلقا من كل آثار

____________

(1) نعب: صوّت، و أكوار: مفردها كور و هو من النقص بعد الزيادة، و في إتحاف الورى «نصبا».

(2) في الروض الأنف: رقيق. و في إتحاف الورى «رقاق».

(3) في الأصل: «قلن» فصححناه من الروض الأنف.

(4) في الأصل «اللبد» فصححناه من الروض الأنف.

(5) في الروض الأنف: فقلت.

(6) فيه: يخسف.

(7) فيه: فارسه. و في إتحاف الورى 1/ 391 «بالأحوى و فارسه».

(8) فيه: أربع.

(9) فيه: غوار.

(10) أرساغ: مفردها: رسغ.

(11) في الروض الأنف و سبيل الهدى و الرشاد: عورتنا.

(12) فيه: منه.

336

فأظهر اللّه- إذ يدعو- حوافره* * * و فاز فارسه من هول أخطار

و قال أبو بكر رضي اللّه عنه أيضا:

ألم ترني صاحبت أيمن صاحب* * * على واضح من سنة الحق منهج‏

فلما و لجت الغار قال محمد* * * أمنت فثق في كلّ حس و مدلج‏

بربك إن اللّه ثالثنا الذي* * * نبوء به في كل مثوى و مخرج‏ (1)

و لا تحزنن فالحزن وزر و فتنة* * * و إثم على ذي النهية المتحرّج‏

فما زال فيما قال من كل خطة* * * على الصدق يأتينا به لم يلجلج‏

إذا اختلفت فيه المقالة بينت* * * رسائل صدق وحيها غير مرتج‏

ملائكة من عند من جل ذكره* * * متى تأتنا بالوحي يا قوم تعرج‏

فقد زاد نفسي و اطمأنت و آمنت* * * به اليوم ما لاقى جواد ابن مدلج‏

سراقة إذ يبغي علينا وليده* * * على أعوجي كالهراوة مدلج‏

فقال رسول اللّه: يا ربّ انجه* * * فمهما تشاء من ماطع الأمر فرّج‏ (2)

فساخت بهن الأرض حتى تغيبت* * * حوافره في بطن واد معجّج‏ (3)

فأغناه ربّ العرش عنا ورده* * * و لو لا دفاع اللّه لم يتفرج‏

و قال أبو جهل بن هشام فيما يزعمون حين سمع بسراقة بن مالك، و ما يذكر من أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ما رأى من أمر الفرس حين أصابه ما أصابه، و تخوّف أبو جهل سراقة أن يسلم حين رأى ما رأى فقال:

بني مدلج إني أخاف سفيهكم* * * سراقة مستغو لنصر محمد

عليكم به لا يفرقن‏ (4)جموعكم* * * فتصبح شتّى بعد عزّ و سؤدد

____________

(1) نبوء به: نعترف به و نؤمن.

(2) ماطع الأمر: خالصه.

(3) معجج: كثير الغبار.

(4) في سيرة ابن كثير 2/ 249: ألا يفرق. و كذا في إتحاف الورى 1/ 389.

337

يظن سفيه الحيّ أن جاء شبهة* * * على واضح من سنّة الحق مهتد

فأنّى يكون الحقّ ما قال إذ غدا* * * و لم يأت بالحق المبين المسدّد

و لكنه ولّى غريبا بسخطة* * * إلى يثرب منا، فيا بعد مولد

و لو أنه لم يأت يثرب هاربا* * * لأشجاه وقع المشرفيّ المهند (1)

فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل فيما قال:

أبا حكم و اللّه لو كنت شاهدا* * * لأمر جوادي إذ تسيخ‏ (2)قوائمه‏

عجبت و لم تشكك بأن محمدا* * * نبي و برهان فمن ذا يكاتمه‏ (3)

عليك بكفّ القوم عنه فإنني* * * أرى أن يوما ما ستبدو معالمه‏ (4)

بأمر يود النصر فيه بالبها (5)* * * لو أن جميع الناس طرّا يسالمه‏ (6)

238- حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز. و ثنا أبي قال ثنا محمد ابن محمد بن عقبة الشيباني و محمد بن موسى الحلواني. و ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق السراج قال ثنا مكرم بن محرز الكعبي الخزاعي قال حدثني أبي محرز ابن مهدي عن حزام بن هشام عن أبيه هشام عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين خرج من مكة خرج منها مهاجرا هو و أبو بكر و مولى أبي بكر عامر بن فهيرة و دليلهم الليثي عبد اللّه بن أريقط، فمروا على‏

____________

(ح/ 238) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 9 من طرق كلها عن حزام بن هشام بسنده و قال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، ثم ذكر ما يستدل به على صحته و صدق رواته.

و قال في مجمع الزوائد 6/ 58 رواه الطبراني و في إسناده جماعة لم أعرفهم. و قال السيوطي في الخصائص الكبرى 1/ 446 أخرجه البغوي و ابن شاهين و ابن السكن و ابن منده و الطبراني و الحاكم و البيهقي و أبو نعيم من طريق حزام بن هشام.

____________

(1) المشرفي المهند: السيف. و في إتحاف الورى 1/ 389 «لأسحاه وقع ...» أي قشر جلده.

(2) في سيرة ابن كثير: تسوخ، و معناها: تغوص. و كذا في إتحاف الورى.

(3) في سيرة ابن كثير: يقاومه. و كذا في إتحاف الورى.

(4) في سيرة ابن كثير: أخال لنا يوما. و في إتحاف الورى «أرى أمره يوما ستبدو معالمه».

(5) في سيرة ابن كثير: فإنهم. و في إتحاف الورى «بأمر تودّ النفس فيه بأنها».

(6) في سيرة ابن كثير: فإن جميع الناس طرا مسالمه.

338

خيمتي أمّ معبد الخزاعية (1)، و كانت برزة جلدة تحتبي‏ (2) بفناء القبة، ثم تسقي و تطعم، فسألوها لحما و تمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، و كان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، قال: بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أفتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت و أمي، نعم، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فمسح ضرعها بيده، و سمى اللّه عز و جل، و دعا لها في شاتها، فتفاجّت‏ (3) عليه و درّت و اجترّت، فدعا بإناء يريض الرهط (4)، فحلب فيها ثجّا، حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، و سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم (صلى اللّه عليه و سلم) ثم أراضوا، ثم حلب ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها و بايعها (5)، ثم ارتحلوا عنها، فقال: ما لبثت إذ جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا (6)، مخهنّ قليل، فلما رأى أبو معبد (7) اللبن عجب و قال: من أين لك هذا؟ و الشاة عازب حائل، و لا حلوبة في البيت، قالت: لا و اللّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا و كذا، فقال: صفيه لي يا أمّ معبد، قالت، رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، و لم تزر به صعلة، و سيم قسيم، في عينيه دعج، و في أشفاره عطف، و في صوته صهل، و في‏

____________

(1) هي: عاتكة بنت خالد.

(2) احتبى: جلس على إليته وضم فخذيه إلى بطنه بذراعيه ليستند.

(3) تفاجّت: فرّجت ما بين رجليها للحلب.

(4) يريض الرهط: يرويهم.

(5) أي بايعها على الإسلام.

(6) ضعافا. و شرح الكلمات الغريبة سيأتي في آخر الحديث.

(7) أبو معبد: اختلف في اسمه فقيل أكثم، و قيل خنيس، و قيل عبد اللّه.

339

عنقه سطع، و في لحيته كثاثة (1)، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سماه و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاهم من بعيد، و أحلاه و أحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نذر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظم تحدّرن، ربعة، لا بائن من طول و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، هو أنظر الثلاثة منظرا و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس و لا معتد.

قال أبو معبد: هو و اللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة و لقد هممت أن أصحبه و لأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا، فأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون و لا يدرون من صاحبه:

جزى اللّه ربّ الناس خير جزائه* * * رفيقين قالا (2)خيمتي أمّ معبد

هما نزلاها بالهدى و اهتدت به* * * فقد فاز من أمسى رفيق محمّد (3)

فيال قصيّ ما زوى اللّه عنهم* * * به من فعال لا تجازى وسؤدد

ليهن بني كعب مقام‏ (4)فتاتهم* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلّبت* * * عليه صريحا صرة الشاة مزبد

فغادرها رهنا لديها لحالب* * * يرددها في مصدر ثم مورد

و في رواية أبي عمر بن حمدان: و أصبح صوت بالمدينة بين السماء و الأرض يسمعون و لا يرون من يقوله.

____________

(1) طول شعر اللحية و كثافته.

(2) في سيرة ابن هشام: حلّا.

(3) البيت في سيرة ابن هشام هكذا:

هما نزلا بالبر ثم تروّحا* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد

(4) في البداية و النهاية 3/ 109 مقام.

340

و في الرواية الأولى: فلما سمع حسان بن ثابت الأنصاري الهاتف شب يجاوب الهاتف و هو يقول:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم* * * و قدّس من يسري إليه و يغتدي‏

ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم* * * و حلّ على قوم بنور مجدد

هداهم به بعد الضلالة ربّهم* * * فأرشدهم، من يتبع الحقّ يرشد

و هل يستوي ضلّال قوم تسفّهوا* * * عمايتهم، هاد به كل مهتدي‏ (1)

و قد نزلت منه على أهل يثرب* * * ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد

نبي يرى ما يرى الناس حوله* * * و يتلو كتاب اللّه في كلّ مسجد

و إن قال في يوم مقالة غائب* * * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد

ليهن أبا بكر سعادة جده* * * بصحبته، من يسعد اللّه يسعد

ليهن بني كعب مقام فتاتهم* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد

قال أبو أحمد بن بشر بن محمد ثنا عبد الملك بن وهب:

بلغني أن أم معبد هاجرت و أسلمت و لحقت برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و رواه أبو أمية محمد بن إبراهيم بن بشر بن محمد مثله.

حدثنا سليمان بن أحمد إملاء و قراءة قال ثنا علي بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد القاسم بن سلام:

البرزة من النساء: الجلدة، تظهر للناس و يجلس إليها القوم.

و قوله: كان القوم مرملين مسنتين: المرمل: الذي قد نفد زاده، و قوله: مسنتين: هم الذين أصابتهم السّنة، و هي: الأزمنة و المجاعة.

قال أبو عبيد: إذا قال: يال فلان: فذلك في الاستغاثة بالفتح، و يال‏

____________

(1) الشطر الثاني في إتحاف الورى هكذا «عمىّ و هداة يقتدون بمهتدي» و البيت في الطبقات:

و هل يستوي ضلال قوم تسكعوا* * * عمى و هداة يهتدون بمهتد

341

المسلمين، و إذا أراد التعجب و النداء قال: يال فلان بالكسرة.

و قوله كسر الخيمة: هو مؤخرها، و فيه لغتان كسر و كسر، و قال بعضهم الكسر هو في مقدم الخيمة.

و قوله فتفاجّت عليه يعني: فرجت رجليها كما تفعل التي تحلب.

و قوله: بإناء يريض الرهط: أي ينهنههم مما يجتريهم لكثرته إذا شربوه.

و قوله فحلب فيها ثجّا: يعني سيلا، و كذلك كل سيل، و منه قوله (صلى اللّه عليه و سلم) و قد سئل عن الحجّ فقال: العجّ و الثّجّ، فالعجّ: رفع الصوت بالتلبية، و الثّجّ: سيل دماء الهدي.

و قولها أراضوا: أصل هذا في صب اللبن على اللبن، و معنى قولها أراضوا: هو شرب لبن صبّ على لبن.

و قوله فغادره عندها: يقول: تركه.

و قوله يسوق أعنزا تساوكن هزلا: و التساوك المشي الضعيف.

و قوله و الشاة عازب: يعني قد عزبن عن البيت فخرجن إلى المرعى.

و قوله الحيّل: التي ليست بحوامل.

و قولهما في صفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

ظاهر الوضاءة: يعني الجمال، و الوضي‏ء: الجميل.

و المتبلّج الوجه: الذي فيه إضاءة و نور. رجل متبلّج و أبلج قال الأعشى:

حكمتموه فقضى بينكم* * * أبلج مثل القمر الباهر

و قولها: لم تعبه ثجلة: و معناه عظم البطن، تقول: فليس هو كذلك.

342

و قولها: لم تزر به صعلة: تريد صغر الرأس، يقال: رجل صعل.

و قولها: و سيم قسيم: كلاهما هو الجمال، قال: و قال الشاعر يمدح قوما:

كأن دنانير على قسماتهم* * * و إن كان قد شفّ الوجوه لقاء

يقول: و إن كان لقاء الحرب قد شفهم، فإن جماله على حاله، يريد بالقسمات: الوجوه الحسان.

و قولها: في عينيه دعج: و هو سواد الحدقة، يقال: رجل أدعج و امرأة دعجاء.

و قولها: في أشفاره عطف: كان بعض الناس يظنها معطوفة، و أنا أظنها: وطفا، و كذلك كل مستطيل مسترسل، و أيضا السحابة الدانية من الأرض وطف.

و قوله: في صوته صهل: إنه صحل، و هو شبيه بالبحح، و ليس بالشديد منه، و لكنه حسن، و بذلك توصف الظباء.

و قولها: في عنقه سطع: هو الطول، يقال منه: رجل أسطع و امرأة سطعاء، و هذا مما يمدح به الناس.

و قولها: أزجّ: هو المقوس الحاجبين، و الأقرن هو الذي التقى حاجباه بين عينيه.

و قولها: منطقه لا نزر و لا هذر: فالنزر: القليل، و الهذر: الكثير، تقول: قصد بين ذلك.

و قولها: لا تقتحمه عين من قصر: تقول لا تزدريه فتنبذه، و لكن تقبله و تهابه.

343

و قولها: محفود محشود: فالمحفود: المخدوم، قال اللّه عز و جل‏ بَنِينَ وَ حَفَدَةً و محشود: هو الذي قد حشده أصحابه و حفّوا حوله و أطافوا به.

239- حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى المروزي قال ثنا أحمد ابن محمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد قال حدثني صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب أخبرني عبيد اللّه بن عتبة عن عبد اللّه بن عباس:

أنه أخبره أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام و بعث بكتابه مع دحية الكلبي، و أمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فدفعه دحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، و كان قيصر لما كشف اللّه عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا للّه عز و جل لما أبلاه اللّه، فلما جاء قيصر بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال حين قرأه: إلتمسوا لي ها هنا أحدا من قومه لنسأله عن هذا الرجل.

قال عبد اللّه بن العباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان جالسا في رجال من قريش قدموا تجارا في المدة التي بينهم و بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطلق بي و بأصحابي حتى قدمنا إيلياء، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، و عليه التاج، و إذا حوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أيّهم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا إليه،

____________

(ح/ 239) أخرجه البخاري عن إبراهيم بن حمزة عن إبراهيم بن سند بسنده إلى قوله و أنا كاره- ر: الفتح 6/ 450- و أحمد في المسند برقم 2370 و قال أحمد شاكر في شرح المسند و رواه مسلم في المغازي، و أبو داود في الأدب، و الترمذي في الاستئذان، و النسائي في التفسير، و لم يخرجه ابن ماجة كما قال القسطلاني في شرح البخاري.

344

قال: أي قرابة بينك و بينه؟ قلت: هو ابن عمي، و ليس في الركب يومئذ من بني عبد مناف غيري، قال قيصر: ادنوه مني، ثم أمر بأصحابي‏ (1) فجعلوا خلف ظهري عند كتفي، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذب فكذّبوه، قال أبو سفيان: و اللّه لو لا الحياء يومئذ من أن يأثروا عني الكذب لكذبت عنه حين سألني، و لكن استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقته عنه، ثم قال لترجمانه: كيف حسب هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب، قال:

فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل في آبائه من ملك؟

قلت: لا، قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال فيزيدون أن ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا، قال فهل يغدر؟ قلت: لا، و نحن الآن منه في مدة نخاف أن يغدر، قال أبو سفيان: و لم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا انتقصه به لا أخاف أن يؤثر غيرها، قال: فهل قاتلتموه و قاتلكم؟

قلت: نعم، قال: فكيف كانت حربكم و حربه؟ قلت: كانت دولا و سجالا، يدال علينا مرة و ندال عليه الأخرى، قال: فماذا يأمركم به؟

قلت: يأمرنا أن نعبد اللّه وحده و لا نشرك به شيئا، و ينهانا عما كان يعبد آباؤنا، و يأمرنا بالصلاة و الصدق و الكفاف و العفاف و الوفاء بالعهد و أداء الأمانة.

فقال لترجمانه حين قلت ذلك كله: قل له إني سألتك عن نسبه فيكم؟ فزعمت: أنه ذو نسب، و كذلك الرسل تبعث في نسب قومها، و سألتك: هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ فزعمت: أن لا، فقلت لو

____________

(1) في الأصل: ثم جعل من أصحابي، فصححناه من السيرة الحلبية 3/ 273.

345

كان أحد منكم قال هذا القول قبله: قلت رجل يأتمّ بقول قيل قبله، و سألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس و يكذب على اللّه عز و جل، و سألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت لو كان من آبائه ملك فقلت ملك آبائه، و سألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟

فزعمت أن ضعفاؤهم اتبعوه، و هم أتباع الرسل، و سألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، و كذلك الإيمان حتى يتم، و سألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت: أن لا، و كذلك الإيمان إذا خالطه بشاشة القلوب لا يسخطه أحد، و سألتك: هل قاتلتموه و قاتلكم؟

فزعمت: أن قد فعل و إن حربكم و حربه دولا يدال عليكم مرة و يدال عليه أخرى، و كذلك الرسل تبتلى، و تكون لها العاقبة، و سألتك: فماذا يأمركم به؟ فزعمت: أنه يأمركم أن تعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا، و ينهاكم عما كان يعبد آباؤكم و يأمركم بالصلاة و الصدق و العفاف و الوفاء بالعهد و أداء الأمانة، و هذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج، و لكن لم أظن أنه منكم، و إن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، و لو أرجو أني أخلص إليه‏ (1) لتجشمت‏ (2) حتى ألقاه، و لو كنت عنده لغسلت قدميه.

قال أبو سفيان ثم دعا بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأمر به فقرى‏ء فإذا فيه:

(بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد عبد اللّه و رسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين، فإن تولّيت فعليك إثم‏

____________

(1) أصل إليه.

(2) تكلفته مع المشقة.

346

الإريسيين‏ (1)، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏.

قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الروم الذين حوله من عظماء الروم، و كثر لغطهم، و لا أدري ما قالوا: و أمر بنا فأخرجنا، فلما أن خرجنا من عنده مع أصحابي و خلوت بهم قلت لهم: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة (2) هذا ملك بني الأصفر يخافه.

قال أبو سفيان و اللّه ما زلت متيقنا دليلا أن أمره سيظهر حتى أدخل اللّه قلبي الإسلام و أنا كاره.

قال أبو سفيان في رواية: و حضرته يتحادر جبينه عرقا من كرب الصحيفة التي كتب إليه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في رسالته: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ... (3) الآية. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ ... (4) الآية. قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... إلى قوله تعالى .. صاغرون‏ (5).

240- حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن عبد اللّه بن شداد:

____________

(ح/ 240)- ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 309 و قال: رواه البزار عن إبراهيم بن إسماعيل عن يحيى بن سلمة عن أبيه و كلاهما ضعيف. و قال ابن حجر في الفتح 1/ 40 أخرجه الطبراني من طريق ضعيف، أقول: و هذه الرواية مختصرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 306.

____________

(1) هم فلاحو القرى- الريفيون-.

(2) أي عظم أمر محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

(3) آل عمران: 64.

(4) الفتح: 28.

(5) التوبة: 29.

347

عن دحية الكلبي قال بعث النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) معي بكتاب إلى قيصر، فقمت بالباب و قلت: أنا رسول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ففزعوا لذلك، فدخل عليه الآذن فقال: هذا رجل بالباب يزعم أنه رسول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأذن لي، فدخلت عليه، فأعطيته الكتاب فقرى‏ء عليه فإذا فيه:

(بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه إلى قيصر صاحب الروم) قال ابن أخ له أحمر أزرق سبط الشعر، قد نخر، ثم قال: لم لم يكتب إلى ملك الروم و لم يبدأ بك؟ فلا تقرأ كتابه اليوم، فقال لهم:

أخرجوه، و دعا بالأسقف، و كانوا يصدرون عن رأيه فيقبلون قوله، فلما قرأ عليه الكتاب قال: هو و اللّه رسول اللّه الذي بشّرنا به موسى و عيسى (عليهما السلام)، قال: فأيّ شي‏ء ترى؟ قال: أرى أن تتبعوه، قال قيصر: و أنا أعلم ما تقول، و لكني لا أستطيع أن أتبعه فيذهب ملكي فيقتلني الروم.

و في رواية محمد بن أبي علي ثم دعاني فقال: بلّغ صاحبك أني أعلم أنه نبي، و لكن لا أترك ملكي.

ثم أخذ الكتاب فوضعه على رأسه و قبّله و طواه في الديباج و الحرير و جعله في سفط، و أما الأسقف فإن النصارى كانوا يجتمعون إليه في كل أحد، فيخرج إليهم و يذكّرهم و يقصّ عليهم، ثم يدخل فيقعد إلى يوم الأحد، فكنت أدخل عليه فيسألني، فلما جاء الأحد انتظروه يخرج إليهم، فلم يخرج، و اعتلّ عليهم بالمرض، ففعل ذلك مرارا، حتى كان آخر ذلك أن حضروا ثم بعثوا إليه لتخرجن أو لندخلنّ عليك، فإنّا قد أنكرناك منذ قدم هذا العربي، قال دحية: فبعث الأسقف إليّ فقال: إذهب إلى صاحبك فاقرأ (عليه السلام) و أخبره أني أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، و أن عيسى عبد اللّه و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم، و أنه ابن العذراء البتول، فقتلوه. ثم رجع دحية إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

348

فأخبره. فوجد عنده رسل عامل كسرى على صنعاء، بعث إليه بكتاب، و قد كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى كسرى بكتاب، و كتب كسرى إلى صاحبه بصنعاء يتوعده و يقول: إلّا تكفيني رجلا بأرضك يدعوني إلى دينه أو أؤدي الجزية و أنا صاغر، فإن لم أفعل قاتلني، فإن ظهر عليّ قتل المقاتلة و سبى الذّرّية، لتكفينه أو لأفعلن بك. فبعث صاحب صنعاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتاب صاحبهم تركهم خمسة عشر ليلة لا يكلمهم و لا ينظر إليهم إلا إعراضا. فلما مضت خمسة عشر ليلة تقدموا إليه، فلما رآهم دعاهم و قال: إذهبوا إلى صاحبكم فقولوا إن ربي قتل ربّك الليلة، فانطلقوا فأخبروه بالذي صنع، و بالذي قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال لهم صاحبهم تحفظون تلك الليلة؟ قالوا: نعم، ليلة كذا و كذا، و قال: أخبروني كيف رأيتموه؟ قالوا: ما رأينا ملكا أهيب منه، لا يخاف شيئا، آمنا لا يحرس، و لا يرفع أصحابه أصواتهم عنده.

قال دحية: ثم جاء الخبر بأن كسرى قتل تلك الليلة.

241- حدثنا حبيب بن الحسن قال حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان قال ثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة أن ابن عباس أخبره:

أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه مزّقه. قال ابن شهاب: فحسبت أن ابن المسيب قال: دعا عليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يمزّقوا كل ممزّق.

قال محمد بن إسحاق و بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه بن حذافة بن‏

____________

(ح/ 241) أخرج البخاري الحديث من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بسنده مختصرا إلى قوله كل ممزق، و ذكر أن عبد اللّه بن حذافة هو الذي حمل الكتاب- ر: الفتح 9/ 191- و كذا أحمد برقم 2184 و قال ابن كثير في السيرة 3/ 508 قال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثنا ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب قال فذكر الحديث بطوله.

349

قيس بن عدي بن سعد (1) بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس و كتب معه:

(بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه النبي الأمي إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى و آمن باللّه و رسوله و شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، أدعوك بدعاية اللّه. فإني أنا رسول اللّه إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا و يحقّ القول على الكافرين، فاسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك).

فلما قرى‏ء كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شققه و قال: يكتب إليّ بهذا الكتاب و هو عبدي.

قال محمد بن إسحاق: فبلغني أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: مزّق ملكه، حين بلغه أنه شق كتابه.

ثم كتب كسرى إلى باذان و هو على اليمن: إبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه‏ (2) و هو أبابوه و كان كاتبا حاسبا بكتاب ملك فارس، و بعث معه برجل من الفرس خرخسرو و كتب معهما إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمره أن ينصرف معه إلى كسرى و قال لأبابوه: ويلك، أنظر ما الرجل، و كلّمه و ائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدوا رجالا بندب من قريش من أرض الطائف فسألوهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة و استبشروا بهما و فرحوا، و قال بعضهم لبعض: أبشروا فقد نصب‏ (3) له كسرى ملك الملوك و كفيتم‏

____________

(1) في الأصل: سعيد، فصححناه من سيرة ابن هشام 4/ 8 طبعة 1355 ه.

(2) القهرمان: كلمة فارسية و تعني: أمين الملك، و وكيله الخاص بتدبير دخله و خرجه.

(3) أي: عاداه.

350

الرجل، فخرجا حتى قدما إلى المدينة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فكلمه أبابوه و قال: إن شاهان شاه ملك الملوك كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك‏ (1)، و قد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك و يكفّ به عنك، و إن أبيت فهو من قد علمت، و هو مهلكك و مهلك قومك و مخرّب بلادك، و قد دخلا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد حلقا لحاهما، و أعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، و قال:

ويلكما، من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا ربّنا- يعنيان كسرى- فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي، و قصّ شاربي، ثم قال لهما: إرجعا حتى تأتياني غدا، و أتى رسول (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر أن اللّه عز و جل قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا و كذا في ليلة كذا و كذا، لعدة ما مضى من الليل‏ (2)، فلما أعلمهما الرسول بذلك، قالا: هل تدري ما تقول؟ فقد نقمنا منك ما هو يسير أيسر من هذا، فنكتب بهذا عنك و نخبر الملك؟ قال: نعم أخبراه ذلك عني، و قولا له: إن ديني و سلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، و ينتهي إلى منتهى الخفّ و الحافر، و قولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، و ملّكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى خرخسرو منطقة فيها ذهب و فضة كان أهداها له بعض الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، و أخبراه الخبر، فقال: و اللّه ما هذا بكلام ملك، و إني لأرى هذا الرجل نبيا كما يقول، و لننظرن ما قد قال، فلئن كان ما قال حقا، ما فيه كلام أنه لنبي مرسل، و إن لم يكن فسنرى فيه رأينا، فلم ينشب باذان إذ قدم عليه كتاب شيرويه:

____________

(1) في الأصل: يأتيك به و هو لا يستقيم.

(2) و ذلك لسبع ساعات مضت من ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع.

351

(أما بعد، فإني قد قتلت كسرى و لم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان قد استحلّ من قتل أشرافهم، و تجمير بعوثهم‏ (1)، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، و انظر الرجل الذي كتب إليك كسرى فيه فلا تهيجه حتى يأتيك أمري).

فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إن هذا الرجل لرسول، فأسلم و أسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن، فكانت حمير تقول: لخرخسرو ذو المعجزة- المنطقة التي أعطاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و المنطقة بلسان حمير: المعجزة- فبنوه اليوم ينسبون إليها، خرخسرو ذو المعجزة.

و قد كان قال أبابوه لباذان: ما كلمت رجلا أهيب عندي منه، فقال له باذان هل معه شرط؟ قال: لا.

ذكر ما روي في مناجاة الصديق مشركي مكة على غلبة الروم و الفرس‏

242- حدثنا محمد بن إبراهيم قال ثنا أبو عروبة الحراني قال ثنا المسيب بن واضح قال ثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم، لأنها أهل كتاب، و كان المشركون يعجبهم أن تغلب الفرس لأنها أهل أوثان، و ذكر ذلك أبو بكر للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال سيهزمون، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا: إجعل بيننا و بينك أجلا، فإن غلبوا كان لك كذا و كذا، و إن غلبوا كان لنا، فجعل‏

____________

(ح/ 242) أخرجه الترمذي برقم 3191 و قال حسن صحيح غريب. و أحمد في المسند برقم 2495 و 2770 كلاهما من طريق أبي إسحاق عن سفيان، و قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. و قال ابن كثير في السيرة 2/ 91 و السيوطي في الخصائص الكبرى 1/ 355 أخرجه البيهقي أيضا.

____________

(1) أي حبس جيوشهم في الثغور و منعها من العودة إلى البلاد.

352

بينهم و بينه خمس سنين، فمضت على ذلك، فذكر ذلك أبو بكر للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال ألا جعلت دون العشر؟- قال سعيد و البضع دون العشر- قال: فغلبت الروم ثم غلبت، فذلك قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ‏ (1) إلى قوله تعالى: بِنَصْرِ اللَّهِ‏.

قال سفيان سمعت أنهم غلبوا يوم بدر.

243- حدثنا إبراهيم بن أحمد قال ثنا أحمد بن الفرج قال ثنا أبو عمر الدوري قال ثنا محمد بن مرزوق قال ثنا محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما:

في قوله عز و جل‏ الم* غُلِبَتِ الرُّومُ ... فذكر مناجاة أبي بكر مع أبيّ بن خلف نحوه. و قال ظهرت الروم على فارس يوم الحديبية و ذلك عند رأس سبع سنين.

قال الشيخ: و موضع الدّلالة من هذه القصة إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بأن الروم سيصيرون غالبين بعد أن غلبوا: فأزال اللّه تعالى عن المؤمنين بهذا الخبر ما بهم من الاغتمام من غلبة فارس الروم، فتحقق و عد اللّه في صدق الخبر، و أما مراهنة أبي بكر و مناحبته‏ (2) لقريش كان تحرّيا و اجتهادا من أبي بكر، يقع فيه الإصابة و الخطأ، فإذا لم يصب كان الخطأ واقعا في تحرّي أبي بكر لا في إخبار اللّه، لأن اللّه عز و جل لم يعيّن على سنة بعينها، و إنما و عد غلبة الروم فارس في البضع، من سنة إلى تسع، فصار الروم غالبين لهم في البضع تحقيقا لخبر اللّه عز و جل و وعده، فكان ذلك آية لرسول‏

____________

(ح/ 243) انظر الرواية السابقة و هذه الرواية فيها الكلبي و هو متهم.

____________

(1) أول سورة الروم.

(2) مناحبته: هنا مفاخرته.

353

اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذ أخبرهم بما تحقق صدقه، و ظهرت حقيقته، و في ذلك ثبوت نبوته (صلى اللّه عليه و سلم).

ذكر ما روي في قصة السيد و العاقب لما نكلا عن المباهلة، و التزامهما الجزية فرارا من المباهلة

و ذلك قوله تعالى‏ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ‏ إلى قوله تعالى‏ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏- آل عمران 61-.

244- حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا أحمد بن داود المكي و محمد ابن زكريا الغلّابي قال ثنا بشر بن مهران الخصاف قال ثنا محمد بن دينار عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جابر قال:

قدم على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) العاقب و الطيب‏ (1) فدعاهما إلى الإسلام فقالا:

أسلمنا يا محمد قبلك، قال كذبتما، إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام: قالوا: فهات انبئنا، قال: حبّ الصليب و شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يغادياه بالغداة، فغدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أخذ بيد عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين رضي اللّه عنهم، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه، و أقرا له، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و الذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارا، قال جابر: فيهم نزلت:

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ...- آل عمران 61-.

____________

(ح/ 244) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 85 من طريق يحيى بن حاتم العسكري عن بشر بن مهران بسنده و فيه بشر بن مهران قال ابن أبي حاتم ترك أبي حديثه و عمر بن شبة في تاريخ المدينة 2/ 585، و انظر قصة السيد و العاقب في البخاري في كتاب المغازي و في مسند أحمد 1/ 414 و 5/ 385 و 401.

____________

(1) في أسباب النزول للواحدي «السيد» و اسمه «الأيهم» و هو عالمهم و أما العاقب فهو عبد المسيح و هو صاحب مشورتهم و هما راهبا نجران.

354

قال الشعبي: قال جابر: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏: رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عليّ.

أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ‏: الحسن و الحسين.

وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ‏: فاطمة رضي اللّه عنهم أجمعين.

245- حدثنا إبراهيم بن أحمد ثنا أحمد بن فرج قال ثنا أبو عمر الدوري قال ثنا محمد بن مروان عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما:

أن و فد نجران‏ (1) من النصارى قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم السيد: و هو الكبير، و العاقب: و هو الذي يكون بعده و صاحب رأيهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لهما: أسلما، قالا: قد أسلمنا، قال ما أسلمتما، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما منعكما من الإسلام ثلاث فيكما، عبادتكما الصليب، و أكلكما الخنزير، و زعمكما أن للّه ولدا و نزل: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏- آل عمران 59- فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول و نزل:

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‏ من القرآن‏ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ‏ الآية ثُمَّ نَبْتَهِلْ‏- آل عمران- يقول نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق، هو العدل، و أن الذي تقولون هو الباطل.

و قال لهم: إن اللّه قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم، قالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك، قال: فخلا بعضهم ببعض‏

____________

(ح/ 245) و ذكره عمر بن شبّة في تاريخ المدينة المنورة 2/ 584 مختصرا.

____________

(1) نجران: من مخاليف اليمن.

355

و تصادقوا فيما بينهم، فقال السيد للعاقب: قد- و اللّه- علمتم أن الرجل لنبيّ مرسل، و لئن لاعنتموه إنه لا ستئصالكم، و ما لاعن قوم نبيا قطّ فبقي كبيرهم و لا نبت صغيرهم، فإن أنتم لم تتبعوه و أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه و ارجعوا إلى بلادكم، و قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج بنفر من أهله، فجاء عبد المسيح بابنه و ابن أخيه، و جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه علي و فاطمة و الحسن و الحسين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن أنا دعوت فأمّنوا أنتم، فأبوا أن يلاعنوه و صالحوه على الجزية، فقالوا: يا أبا القاسم نرجع إلى ديننا و ندعك و دينك، و ابعث معنا رجلا من أصحابك يقضي بيننا، و يكون عندنا عدلا فيما بيننا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إئتوني العشية أبعث معكم القويّ الأمين، فنظر حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه فقال: اذهب مع هؤلاء القوم فاقض بينهم بالحق.

246- حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا عبدان بن أحمد ثنا محمد بن مصفى قال ثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللّه بن سلام عن أبيه:

أن عبد اللّه بن سلام قال لأحبار اليهود إني أردت أن أجدّد بمسجد أبينا إبراهيم و إسمعيل عهدا، فانطلق إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بمكة فوافاهم و قد انصرفوا من الحجّ، فوجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمنى و الناس حوله، فقام مع‏

____________

(ح/ 246) لم نجده عند غير أبي نعيم، و لم نجد من ذكر أن نزول سورة الإخلاص بسبب سؤال عبد اللّه بن سلام بل الذي ذكر أن اليهود أتوا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقالوا صف لنا ربك الذي تعبده فأنزل اللّه عزّ و جلّ‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الآيات. أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء و الصفات بسند حسن عن ابن عباس- ر: فتح الباري 17/ 125- و أخرجه أيضا من حديث ابن عباس ابن أبي حاتم- ر: أسباب النزول للسيوطي ص 260- قلنا: و عبد اللّه بن سلام يهودي الأصل فلعله أبهم في تلك الروايات و ذكر صريحا في هذه الرواية و اللّه أعلم. و روى من حديث أبي بن كعب قال قال المشركون لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنسب لنا ربك فنزلت، أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد و صححه الحاكم 2/ 540 و وافقه الذهبي، و الترمذي رقم 3361 و الواحدي في أسباب النزول ص 262 كلهم من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب- ر: فتح الباري 10/ 370 و 17/ 125-.

356

الناس، فلما نظر إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: أنت عبد اللّه بن سلام؟ قال:

نعم، قال: ادن، فدنوت منه فقال: انشدك باللّه يا عبد اللّه بن سلام أما تجدني في التوراة رسول اللّه، فقلت له: إنعت ربّنا، قال فجاء جبرئيل حتى وقف بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ (1) إلى آخرها فقرأها علينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

قال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة، فكتم إسلامه، فلما هاجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و أنا فوق نخلة لي أجدها فألقيت نفسي، فقالت أمي: للّه أنت، لو كان موسى بن عمران ما كان تم لك أن تلقي نفسك من أعلى النخلة، فقلت و اللّه لأنا أسرّ بقدوم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من موسى بن عمران إذ بعث.

247- حدثنا علي بن هارون قال ثنا موسى بن هارون بن عبد اللّه قال ثنا شيبان ابن فروخ قال ثنا حماد بن سلمة قال ثنا ثابت و حميد عن أنس:

أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قدم المدينة و عبد اللّه بن سلام في نخلة فأتى عبد اللّه بن سلام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: إني أسائلك عن أشياء لا يعلمها إلّا نبيّ، فإن أنت أخبرتني بها آمنت بك، فسأله عن الشّبه، و عن أول شي‏ء يحشر الناس، و عن أول شي‏ء يأكل أهل الجنة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

أخبرني بهن جبرئيل آنفا، قال: فإن ذلك عدو اليهود، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

أما الشّبه إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة ذهب بالشّبه، و إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ذهبت بالشبه، و أول ما يحشر الناس نار تجي‏ء من قبل المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، و أول شي‏ء يأكل أهل الجنة رأس ثور و كبد

____________

(ح/ 247) أخرجه البخاري في صحيحه من عدة طرق كلها عن حميد عن أنس بألفاظ متقاربة- فتح الباري 7/ 176 و 8/ 247 و 9/ 232-. و انظر صحيح مسلم في كتاب الحيض.

____________

(1) الإخلاص: 1 و 2.

357

حوت، فقال: يا رسول اللّه إن اليهود قوم بهت، و إنهم إن يسمعوا بإيماني بك يبهتوني، و وقعوا فيّ، فاخبئني لهم، و ابعث إليهم، فبعث إليهم فجاؤوا، فقال: ما عبد اللّه فيكم؟ قالوا: سيدنا و ابن سيدنا و أعلمنا و ابن أعلمنا و خيرنا و ابن خيرنا، فقال أرأيتم إن أسلم تسلمون، قالوا له: أعاذه اللّه أن يفعل ذلك، ما كان ليفعل ذلك، قال: اخرج يا ابن سلام: فخرج إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه، قالوا:

بل هو شرّنا و ابن شرّنا و جاهلنا و ابن جاهلنا، فقال: ألم أخبرك يا رسول اللّه أنهم قوم بهت.

248- حدثنا محمد بن أحمد أبو أحمد قال ثنا عبد اللّه بن محمد بن شيرويه قال ثنا إسحاق بن إبراهيم قال ثنا عيسى بن يونس قال ثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال:

بينا أنا أمشي مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حرث من الأرض بالمدينة و هو يتوكأ على عسيب‏ (1) معه، فمررنا على نفر من اليهود، فقال بعضهم سلوه، و قال بعضهم لا تسألوه عن شي‏ء عسى أن يخبركم بشي‏ء تكرهونه، فقال بعضهم: نسأله، فقام رجل فقال يا أبا القاسم ما الروح؟ قال فسكت عنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه قال:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا- الإسراء 85-.

____________

(ح/ 248) أخرجه البخاري في صحيحه من طريق عبد اللّه بن زياد عن الأعمش- فتح الباري 1/ 234- و من طريق حفص بن غياث عن الأعمش- فتح الباري 10/ 15- بسند حديث الباب و أخرجه مسلم في صحيحه 8/ 128 و أخرجه أحمد في مسنده برقم 4248.

____________

(1) العسيب: جريدة النخل المستقيمة إذا كشط خوصها، أو إذا لم ينبت عليه الخوص.

358

ذكر أخبار الجن و إسلامهم و وفودهم إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و تعرضهم للمسلمين، منها ما كان بمكة، و منها ما كان بالمدينة، جمعناه في باب واحد

249- حدثنا عبد اللّه بن سلام بن محمد و محمد بن إبراهيم قالا ثنا أبو يعلى قال ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان قال ثنا صيفي عن أبي السائب قال سمعت أبا سعيد الخدري يحدث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

إنّ بالمدينة نفرا من الجنّ قد أسلموا، فمن رأى من هذه العوامر (1) شيئا فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد ثلاث فليقتله فإنه شيطان.

250- حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد قال ثنا القاسم بن زكريا قال ثنا بندار و أحمد بن سنان قالا ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال: قال عبد اللّه بن مسعود:

كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجنّ، و استمسك هؤلاء بعبادتهم فأنزل اللّه تعالى:

أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏- الإسراء 57-.

251- حدثنا الحسن بن علي الوراق قال ثنا محمد بن أحمد بن يحيى بن سليم قال ثنا عبدة الصفار قال ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال ثنا أبي قال سمعت خبرا عن قتادة عن عبد اللّه بن معبد الزماني عن عبد اللّه بن عتبة عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه:

____________

(ح/ 249) أخرجه مسلم في صحيحه 7/ 41 في السلام من طريق زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد و الترمذي في الأحكام برقم 1484 و أبو داود في الأدب برقم 5256 و الموطأ 2/ 976.

(ح/ 250) أخرجه البخاري في صحيحه من طريق يحيى القطان عن سفيان- فتح الباري 10/ 12-

(ح/ 251) راجع الحديث رقم (250) و هذا المسند منقطع.

____________

(1) العوامر: الجن التي تعمر الأمكنة، أي تسكنها.

359

أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجنّ، فأسلم الجنّيّون، و الإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت‏ أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ الآية.

باب ما روي في جمعهم الصدقات و دفعها إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

252- حدثنا أبو عمرو بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان ثنا عبيد بن هشام الحلبي و حكيم بن سيف الرقي قالا ثنا عبيد اللّه بن عمر عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

خرج رجل من خيبر فتبعه رجلان، و آخر يتلوهما يقول: ارجعا، حتى أدركهما، فردّهما ثم لحق الرجل فقال له: إن هذان شيطانان، و إني لم أزل بهما حتى رددتهما عنك، فإذا أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاقرئه السلام و أخبره أنّا في جمع صدقاتنا، و لو كانت تصلح له لبعثناها إليه، فلما قدم الرجل المدينة أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره، فنهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند ذلك من الخلوة.

253- حدثنا سهل بن عبد اللّه ثنا الحسين بن إسحاق ثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا وكيع و يحيى بن يمان عن سفيان عن عاصم‏ (1) عن زرّ (2).

____________

(ح/ 252) أخرجه أحمد في المسند برقم 2719 و 2510 و قال أحمد شاكر في الحاشية إسناده صحيح، و أخرجه أبو يعلى و البزار و رجالهم ثقات- ر: مجمع الزوائد 8/ 104- و قال ابن حجر رواه أحمد و الحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس- ر: فتح الباري 7/ 155- و قال السيوطي رواه أحمد و البزار و أبو يعلى و البيهقي- ر: الخصائص 1/ 185-.

(ح/ 253) رواه البزار و رجاله ثقات- مجمع الزوائد 7/ 106- و أخرجه الحاكم 2/ 452 و صححه موصولا عن زر عن عبد اللّه بن مسعود.

____________

(1) عاصم: هو ابن بهدلة.

(2) زرّ: هو ابن حبيش. و زرّ: بكسر أوله و تشديد الراء مخضرم ثقة جليل كما في تقريب التهذيب.

360

وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ‏ قال: كانوا تسعة أحدهم زوبعة فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا قالوا صه [الأحقاف: 29].

254- حدثنا محمد بن أحمد بن يوسف قال ثنا موسى بن هارون قال ثنا أبي قال ثنا أبو أسامة قال ثنا مسعر عن معن‏ (1) بن عبد الرحمن قال:

سمعت أبي يقول: سألت مسروقا: من آذن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالجنّ ليلة استمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك عبد اللّه بن مسعود، آذنته بهم سمرة (2)، و قال: قال مرة أخرى: شجرة.

255- حدثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال ثنا بشر بن الوليد الكندي قال ثنا بشر بن عبد اللّه الناجي قال:

كنت عند الحسن بن أبي الحسن فجاء ابن سيرين، فسلّم و جلس، فجاءه رجلان فقالا: جئناك نسألك عن شي‏ء، فقال: سلاني عمّا بدا لكما فقالا: عندك علم من الجنّ ممن بايع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فتبسم و قال: ما كنت أظنّ أن يسألني عن هذا أحد من الناس، و لكن اذهبا إلى أبي رجاء (3) لأنه أكبر سنا مني، لعله يخبركم بالذي رأى و سمع، فانطلق الرّجلان و انطلقت معهما حتى دخلنا على أبي رجاء، فإذا هو في جوف الدار، و الدار مملوءة رملا، و إذا بين يديه ناقة تحلب، فسلمنا عليه و جلسنا فقلنا: جئناك نسألك عن شي‏ء، فقال: سلا عما شئتم، فقالا: أعندك علم من الجنّ ممن بايع‏

____________

(ح/ 254) أخرجه البخاري من طريق أبي أسامة بسند حديث الباب و متنه دون قوله (آذنته بهم سمرة) و لكن قال ابن حجر في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة بهذا الإسناد «آذنت بهم سمرة»- فتح الباري 8/ 172-.

(ح/ 255) لم أجده عند غير أبي نعيم- ر: الخصائص 1/ 347-.

____________

(1) في الأصل «معمر» و ما أثبتناه هو الصواب كما في البخاري.

(2) السّمر: ضرب من شجر الطلح، مفردها: سمرة.

(3) هو أبو رجاء العطاردي، و اسمه، عمران: أدرك الجاهلية و الإسلام و لم ير النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يسمع منه.

361

النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فتبسم مثل الحسن، فقال ما كنت أظن أن يسألني عن هذا أحد من الناس، و لكن أخبركم بالذي رأيت و بالذي سمعت، كنا في سفر حتى نزلنا على الماء فضربنا أخبيتنا و ذهبت أقيل، فإذا أنا بحية دخلت الخباء و هي تضطرب، فمددت أداوتي فنضحت عليها من الماء، كلما نضحت عليها الماء سكنت، و كلما حبست عنها الماء اضطربت حتى آذن المؤذّن بالرحيل، فقلت لأصحابي: انتظروا حتى أعلم هذه الحية إلى ما تصير، فلما صلينا العصر ماتت الحية، فعمدت إلى عيبتي‏ (1) فأخرجت منها خرقة بيضاء فلففتها و كفنتها و حفرت لها و دفنتها، ثم سرنا يومنا ذلك و ليلتنا، حتى إذا أصبحت و نزلنا على الماء، و ضربنا أخبيتنا، فذهبت أقيل، فإذا أنا بأصوات: سلام عليكم، مرتين، لا واحد، و لا عشرة، و لا مائة، و لا ألف، أكثر من ذلك، فقلت: ما أنتم: قالوا نحن الجنّ، بارك اللّه عليك، قد صنعت إلينا ما لا نستطيع أن نجازيك عليه، فقلت: ماذا صنعت إليكم؟

قالوا: إن الحيّة التي ماتت عندك كانت آخر من بقي ممن بايع من الجنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم).

256- حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا مطلب بن شعيب قال ثنا عبد اللّه بن صالح قال حدثني عبد العزيز بن [عبد اللّه بن أبي‏] (2) سلمة الماجشون عن معاذ بن عبد اللّه بن معمر قال:

كنت جالسا عند عثمان بن عفان فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، بينا أنا بفلاة كذا و كذا إذا إعصاران قد أقبلا، أحدهما من مكان و الآخر من‏

____________

(ح/ 256) لم أجده عند غير أبي نعيم من حديث معاذ بن عبد اللّه بن معمر و لكن أخرج الدميري في حياة الحيوان 1/ 262 هذه القصة من حديث ابن عمر قال كنت عند أمير المؤمنين عثمان بن عفان فذكر مثله و قال هما في كتاب خير البشر بخير البشر- انظر الخصائص 1/ 348-.

____________

(1) العيبة: وعاء من جلد و نحوه يكون فيه المتاع.

(2) ما بين الحاصرين من تقريب التهذيب.

362

مكان، فالتقيا فاعتركا ثم تفرقا، و أحدهما أقلّ منه حين جاء، فذهبت حتى جئت معتركهما فإذا من الحيّات شي‏ء ما رأيت قطّ غيره، و إذا ريح المسك من بعضها، فجعلت أقلّب الحيات أنظر من أيّها هذا الريح؟ فإذا ذلك الريح من حية صفراء دقيقة، فظننت أن ذلك لخير فيها، فلففتها في عمامتي ثم دفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد و لا أراه فقال: يا عبد اللّه ما هذا الذي صنعت؟ فأخبرته بالذي رأيت، فقال إنك قد هديت، هذان حيّان من الجنّ [من‏] (1) بني شعيبان و بني أقيس التقوا فكان بينهم من القتل ما رأيت، و استشهد الذي أخذته، و كان من الذين استمعوا الوحي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال عثمان: إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا و إن كنت كاذبا فعليك كذبك.

257- حدّثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا أبو الطيب أحمد بن روح قال ثنا يعقوب الدورقي قال ثنا الوليد بن بكر التيمي قال ثنا حصين بن عمر قال أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم [النخعي‏] (2) قال:

خرج نفر من أصحاب عبد اللّه‏ (3) يريدون الحجّ، حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحيّة تتثنى على الطريق، أبيض ينفح منه ريح المسك، فقلت لأصحابي: امضوا فلست بنازح حتى أنظر ما يصير من أمر هذه الحية، قال، فما لبثت أن ماتت. فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها و نحّيتها عن الطريق فدفنتها، فأدركت أصحابي في العشي، قال: فواللّه إنّا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن‏

____________

(ح/ 257) لم أجده عند غير أبي نعيم- انظر: الخصائص 1/ 349- و لكن أخرجه الدميري في كتاب الحيوان 1/ 262 و نسبه إلى كتاب خير البشر بخير البشر.

____________

(1) ما بين الحاصرين من الخصائص.

(2) ما بين الحاصرين من الخصائص.

(3) عندما يطلق عبد اللّه فهو ابن مسعود.

363

عمرا؟ قلنا و من عمر؟ و قالت: أيكم دفن الحية؟ قلت: أنا، قالت: أما و اللّه لقد دفنت صوّاما قوّاما يأمر بما أنزل اللّه، و لقد آمن بنبيكم و سمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة. قال الرجل: فحمدنا اللّه تعالى، ثم قضينا حجنا، ثم مررت بعمر بن الخطاب بالمدينة فأنبأته بأمر الحية فقال صدقت، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة.

258- و حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد قال ثنا أحمد بن عمرو ابن جابر الرملي قال ثنا أحمد بن محمد بن ظريف قال ثنا محمد بن كثير عن الأعمش قال حدثني وهب بن جابر عن أبي بن كعب قال:

خرج قوم يريدون مكة فضلّوا الطريق. فلما عاينوا الموت أو كادوا أن يموتوا لبسوا أكفانهم و تضجّعوا للموت، فخرج عليهم جنيّ يتحلل الشجر و قال: أنا بقية النفر الذين استمعوا على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول (المؤمن أخو المؤمن عينه، و دليله، لا يخذله، هذا الماء و هذا الطريق) ثم دلهم على الماء و أرشدهم إلى الطريق.

ما روي في التقائهم برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

259- حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا أحمد بن محمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد قال ثنا محمد بن إسحاق قال:

ثم إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انصرف راجعا من الطائف إلى مكة حين يئس من خير ثقيف حتى إذا كان بنخلة (1) قام من جوف الليل يصلي، فمرّ به النفر

____________

(ح/ 258) لم أجده عند غير أبي نعيم- انظر الخصائص 1/ 350-.

(ح/ 259) هكذا أخرجه ابن إسحاق في السيرة 1/ 421 بدون إسناد و قال ابن حجر في الفتح 10/ 300 أخرجه ابن مردويه من طريق النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس كانوا سبعة من أهل نصيبين. و عند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد نحوه لكن قال أربعة من نصيبين و ثلاثة من حران و هم حسا و نسا و شاصر و ماضر و الأدرس و وردان و الأحقب أ. ه.

____________

(1) نخلة: موضع بين مكة و المدينة و هو يبعد مسيرة ليلة عن مكة.

364

من الجنّ الذين ذكرهم اللّه، و هم‏ (1) فيما ذكر لي سبعة نفر من أهل نصيبين‏ (2) أسماؤهم فيما بلغني، حسا، و مسا، و شاصرة، و ناصرة، و ابنا الأرب، و أبين، و أخضم فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا و أجابوا إلى ما سمعوا، فقص اللّه عليه خبرهم في القرآن‏ وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏- الأحقاف 29 و ما بعدها- و قال‏ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً- الجن 1- إلى آخر هذه السورة.

260- أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثني ابن أبي سبرة:

عن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر قال: غاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالطائف إلى أن رجع خمسا و عشرين ليلة، و قدم مكة يوم الثلاثاء و عشرين خلت من ذي العقدة، و كان قد خرج لثلاث بقين من شوال، و قدم عليه الجنّ الحجون‏ (3) في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة.

قال الواقدي و بقي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة ثلاثة أشهر حتى قدم عليه الجنّ، قال.

261- فحدثني يعقوب بن عمرو عن يعقوب بن سلمة عن كعب الأحبار قال:

لما انصرف النفر السبعة من أهل نصيبين من بطن نخلة و هم فلان و فلان و الأرديبان و الأحقب جاؤوا قومهم منذرين، فخرجوا وافدين إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هم ثلاث مائة، فانتهوا إلى الحجون، فجاء الأحقب فسلم‏

____________

(ح/ 260) لم أجده عند غير أبي نعيم و هو من رواية الواقدي و هو متروك.

(ح/ 261) هو بسند الحديث رقم 260 و فيه الواقدي و هو متروك.

____________

(1) في الأصل «ذكر اللّه فيهم» فصححناه من سيرة ابن هشام.

(2) نصيبين: هي قاعدة ديار ربيعة.

(3) الحجون: جبل بأعلى مكة.

365

على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك، فواعده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الليل بالحجون.

262- قال الواقدي فحدثني عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس عن أبيه قال:

قدم نفر من الجنّ على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة حتى نزلوا بأعلى مكة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يذهب معي رجل في قلبه حبة خردل من غل على أحد، فقال عبد اللّه بن مسعود فتناول إداوة فيها نبيذ.

قال عمران بن أبي أنس خرج حتى إذا كان بالحجون خط له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خطّا ثم قال قف ها هنا حتى أرجع و لا تخف، و مضى. قالوا: قال ابن مسعود: و أنا أنظر إلى جبلهم حلقا حلقا. قال، و مضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى تغيّب عن ابن مسعود فلم يره عبد اللّه، حتى أسحر و عبد اللّه قائم لم يجلس، فقال له: ما زلت قائما، قال عبد اللّه: قلت لي قف ها هنا، فما كنت أجلس حتى أراك، قال: هل رأيت شيئا؟ قال رأيت أسودة و أحبلة، و سمعت لغطا شديدا، قال هؤلاء جنّ نصيبين، جاؤوني يختصمون إليّ في شي‏ء كان بينهم، فلما برق الفجر قال: هل معك من وضوء للصلاة؟ قال، قلت: معي إداوة (1) فيها نبيذ، قال ثمرة طيبة و ماء طهور، قال، أصبب عليّ، ففعلت، ثم جاءه اثنان منهم فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): ألم أقض حاجتكما؟

قالا: بلى، و لكنا أحببنا أن يصلّي معك منا مصلّ. فصلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و صليّا. و قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الصبح «تبارك، الملك» و سورة «الجن» فلمّا سلّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال ابن مسعود: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصغي‏

____________

(ح/ 262) لم أجده عند غير أبي نعيم من رواية عمران بن أبي أنس و لكن رواه الطبراني و أحمد من طريق أبي زيد عن ابن مسعود و أبو زيد هو مولى عمرو بن حريث مجهول كما في مجمع الزوائد 8/ 314 و قد رواه أبو داود و الترمذي مختصرا- راجع نصب الراية 1/ 137-.

____________

(1) إداوة: إناء من جلد.

366

بسمعه، فلبث ساعة، قال فنما عليّ ما سمعا من القرآن، و سألوني الزاد، فقال عبد اللّه يا رسول اللّه فهل عندك شي‏ء تزوّدهم؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

زودتهم الرّجيع، و لا يجدون عظما إلا وجدوه عرقا (1)، و لا روثة إلا وجدوها ثمرة نضرة، قالوا: يا رسول اللّه يفسده الناس علينا، فنهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يستنجى بالعظم و الرّجيع.

فقال عبد اللّه بن مسعود: لما قدم الكوفة و رأى الزطّ قال هؤلاء أشبه من رأيت من الإنس بالجنّ الذين صرفوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالحجون.

263- حدثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر قال ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين قال ثنا محمد بن عريز قال ثنا سلامة بن روح عن عقيل عن ابن شهاب قال حدثني أبو عثمان بن سنّة الخزاعي أن ابن مسعود قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأصحابه و هو بمكة من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجنّ فليفعل، فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنّا بأعلى مكة خطّ لي خطا [و أمرني أن أجلس فيه‏] (2) ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حتى حالت بيني و بينه، حتى ما أسمع صوته، انطلقوا يتقطّعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، و فزع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الملخة (3)، فانطلق، فبرز، ثم أتاني فقال ما فعل الرهط؟ قلت: هم أولئك يا رسول اللّه قال: فأخذ عظما و روثا فأعطاهم إيّاهما، ثم نهى أن يستطيب‏ (4) أحد بعظم أو روث.

____________

(ح/ 263) أخرجه ابن جرير و الحاكم 2/ 504 و صححه، و قال الذهبي هو صحيح عند جماعة، و البيهقي من طريق أبي عثمان الخزاعي- ر: الخصائص/ 342-.

____________

(1) العرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم.

(2) ما بين الحاصرتين من الخصائص.

(3) كذا في الأصل، و في الخصائص «و فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع الفجر». و الملخة: مكان قريب هناك.

(4) يستطيب: يستنجي.

367

264- حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا إبراهيم بن محمد بن مصفى و عمرو بن عثمان قالا ثنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه:

قال: بينا أنا نائم اعترض لي الشيطان فأخذت بحلقه فخنقته حتى أني لأجد برد لسانه على إبهامي، فيرحم اللّه سليمان، فلولا دعوته‏ (1) لأصبح مربوطا تنظرون إليه.

265- و حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر. و ثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا شبابة بن سوار. و ثنا أبو أحمد محمد بن أحمد قال ثنا إسحاق بن بنان قال ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا النضر بن شميل قالوا عن محمد بن زياد عن أبي هريرة:

عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال إن عفريتا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني اللّه منه، فأخذته و أردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلّكم أجمعون، فذكرت دعوة أخي سليمان‏ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏- ص 35- قال، فرددته خاسئا.

266- حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم قال ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا حرملة بن يحيى قال ثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن ربيبة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال:

____________

(ح/ 264) لم نجده عند غير أبي نعيم- انظر الخصائص 2/ 279- و هو بمعنى الحديث رقم 266 و لكن فيه مخالفة له حيث جعل القصة في حال نوم رسول اللّه و الذي ذكر في الصحيح أن رسول اللّه كان يصلي ...

(ح/ 265) أخرجه البخاري في صحيحه في عدة أماكن- ر: فتح الباري 2/ 101 و 3/ 322 و 7/ 269- و أخرجه مسلم أيضا 2/ 72.

(ح/ 266) أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 73.

____________

(1) و هي قوله‏ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏.

368

قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي فسمعته يقول: أعوذ باللّه منك، ثم قال:

ألعنك بلعنة اللّه، ثلاثا، ثم بسط يديه‏ (1) كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، و رأيناك بسطت يديك‏ (2)، قال: إن عدوّ اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ باللّه منك، فلم يستأخر عني، ثم قلتها فلم يستأخر، ثم قلت ذلك فلم يستأخر، فأردت أخذه فلولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثوقا (3) يلعب به ولدان أهل المدينة.

267- و حدثنا أبو إسحاق بن حمزة قال ثنا محمد بن يحيى و جعفر بن أحمد ابن سنان قالا ثنا هلال بن بشر قال ثنا عثمان بن الهيثم ثنا عوف عن محمد:

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: و لّاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زكاة رمضان أن أحتفظ بها، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقال: دعني فإني محتاج و عليّ عيال، و شكا حاجته، فرحمته و خلّيت سبيله، و أصبحت‏

____________

(ح/ 267) أخرجه البخاري في صحيحه قال: و قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكره. قال ابن حجر هكذا أورد البخاري هذا الحديث هنا- ر: فتح الباري 5/ 392- و لم يصرح فيه بالتحديث و زعم ابن العربي أنه منقطع. و أعاده كذلك في صفة إبليس 7/ 147 و في فضائل القرآن 10/ 432 لكن باختصار، و قد وصله النسائي و الإسماعيلي و أبو نعيم من طرق إلى عثمان المذكور، و ذكرته في تعليق التعليق من طريق عبد العزيز بن منيب و عبد العزيز بن سلام و إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني و هلال بن بشر الصوّاف و محمد بن غالب الذي يقال له تمتام و أقربهم لأن يكون البخاري أخذه عنه إن كان ما سمعه من ابن الهيثم هلال بن بشر فإنه من شيوخه، و له طريق أخرى عند النسائي أخرجها من رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي هريرة، و قال السيوطي أخرجه البخاري و النسائي من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة فذكره ثم قال: و أخرجه النسائي و ابن مردويه و أبو نعيم من طريق أبي المتوكل الناجي عن أبي هريرة فذكر نحوه- ر: الخصائص 2/ 362-.

ملاحظة: ذكر المصنف الحديث مرة ثانية برقم 546.

____________

(1) في مسلم: و بسط يده.

(2) في مسلم: يدك.

(3) في مسلم: موثقا.

369

فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة، قلت: يا نبيّ اللّه اشتكى حاجة شديدة و عيلة و جهدا فرحمته فخليت سبيله، فقال: إنه قد كذبك، و سيعود، حتى كان الليلة الثانية جاء يحثو من الطعام، فأخذه أبو هريرة فقال: لأرفعنّك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، زعمت أنك لا تعود و أراك قد عدت، قال دعني، فشكا عيالا و حاجة شديدة فخلى سبيله و رحمه، و أصبح فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة، قلت: يا نبي اللّه شكا حاجة شديدة و جهدا فرحمته و خليت سبيله، فقال: أما أنه قد كذبك، فعاد الليلة الثالثة، فأخذه أبو هريرة فقال: لأرفعنّك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، هذه ثلاث ليال تزعم أنك لا تعود ثم تعود، قال دعني فإني لا أعود، و أعلّمك كلمات ينفعك اللّه بها:

إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ من أوّلها إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من اللّه حافظ و لا يقربك شيطان حتى تصبح، فخلّى سبيله، فأصبح، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة؟ قلت: يا نبي اللّه علّمني شيئا زعم أن اللّه ينفعني به، قال: ما هو؟ قال: أمرني إذا آويت إلى فراشي أقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها، فإنه لا يزال عليّ حافظ و لا يقربني شيطان حتى أصبح، قال: أما أنه قد صدقك و هو كذوب، يا أبا هريرة تعلم من تخاطب منذ ثلاث؟ قلت: لا، قال: ذلك شيطان.

268- و حدثنا عن جعفر الصائغ قال ثنا عفان قال ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زرّ عن عبد اللّه رضي اللّه عنه‏ (1).

إن رجلا لقي شيطانا في سكّة من سكك المدينة فصارعه فعفّره،

____________

(ح/ 268) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن و الدارمي و الطبراني و البيهقي عن ابن مسعود- الخصائص 2/ 367-.

____________

(1) هو عبد اللّه بن مسعود.

370

فقال: دعني لأخبرك بشي‏ء يعجبك، قال: لا، حتى تخبرني، قال فودعه‏ (1) و قال: أخبرني، فأبى أن يخبره، فصارعه فعفّره، فقال: دعني لأخبرك بشي‏ء يعجبك، قال: لا، حتى تخبرني، قال فودعه، و قال أخبرني، فأبى أن يخبره، فصارعه فعفّره فعضّ بأصبعه، فقال: دعني حتى أخبرك بشي‏ء يعجبك، قال لا و اللّه حتى تخبرني، قال: هل تقرأ سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: فإن الشيطان لا يسمع منها بشي‏ء إلا أدبر و له هيج‏ (2) كهيج الحمار.

فقيل لابن مسعود: و من ذلك الرجل؟ قال: و من عسى، إلا أن يكون عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.؟

269- حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم قال ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النضر. و ثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قالا ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي ثنا أبو معشر المدني عن نافع عن عبد اللّه بن عمر قال قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه:

____________

(ح/ 269) قال السيوطي أخرجه العقيلي و البيهقي- ر: الخصائص 1/ 351- و قال ابن عراق في تنزيه الشريعة 1/ 239 أخرجه العقيلي من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي و جاء من حديث أنس من طريق أبي سلمة محمد بن عبد اللّه الأنصاري بنحوه هكذا قال العقيلي بنحوه و لم يسقه ثم قال و ليس للحديث أصل. و تعقب بأن الكاهلي قد تابعه محمد بن أبي معشر نحوه رواه البيهقي في الدلائل و قال عقب إخراجه: أبو معشر روى عنه الكبار إلا أن أهل الحديث ضعفوه، قال، و قد روي من وجه آخر، هذا أقوى منه و جاء أيضا من حديث عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء الخرساني عن ابن عباس عن عمر، و أخرجه الفاكهي في أخبار مكة عن ابن عباس و لم يذكر عمر، و أخرجه أبو جعفر المستغفري في الصحابة عن سعيد بن المسيب قال قال عمر. و لحديث أنس طريق ثان ليس فيه أبو سلمة الأنصاري أخرجه أبو نعيم في الدلائل و جاء عن عائشة مرفوعا إن هامة بن هيم بن لاقيس في الجنة أخرجه علي بن الأشعث أحد المتروكين المتهمين في كتاب السنن أ. ه. و راجع الإصابة 3/ 563 فإن فيه زيادات عما ذكره ابن عراق و لكن ليس فيه ما يقوي الحديث.

____________

(1) ودعه: تركه.

(2) في الخصائص «خبج كخبج الحمار» و الخبج: الضراط. و الهيج: النفور و الثورة.

371

(بينا نحن مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قعود على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ في يده عصا، فسلّم على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فردّ (عليه السلام)، ثم قال: نغمة الجنّ و غنّتهم، من أنت؟ قال: أنا هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس، قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): ما بينك و بين إبليس إلا أبوان؟ قال: نعم، قال: فكم أتى عليك من الدّهور؟ قال [قد أفنيت الدهر عمرها إلا قليلا، ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام‏] (1)، أفهم الكلام، و أمرّ بالآكام، و آمر بإفساد الطعام، و قطيعة الأرحام، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بئس العمل و اللّه عمل الشيخ المتوسم، و الشابّ المتلوّم، قال ذرني من التعداد، إني تائب إلى اللّه، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم و أبكاني، و قال: لا جرم أني على ذلك من النادمين، و أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين، قلت: يا نوح إني ممن أشرك في دم السعيد الشهيد هابيل ابن آدم، فهل تجد عند ربّك لي من توبة؟ فقال: يا هامة، همّ بالخير و أفعله قبل الحسرة و الندامة، إني قرأت فيما أنزل اللّه تعالى عليّ: أنه ليس من عبد تاب إلى اللّه عز و جل بالغا ذنبه ما بلغ إلا تاب اللّه عليه، فقم فتوضأ و اسجد للّه تعالى سجدتين، قال ففعلت من ساعتي ما أمرني به، قال: فناداني إرفع رأسك، فقد نزلت توبتك من السماء، فخررت للّه ساجدا حولا. و كنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم و أبكاني، و قال: لا جرم إني على ذلك من النادمين، و أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين. و كنت زوّارا ليعقوب، و كنت من يوسف بالمكان الأمين، و كنت ألقى إلياس في الأودية و أنا ألقاه الآن، و إني لقيت موسى‏

____________

(1) في الأصل «قد أفنيت الدهر عمرها إلا قليلا، قال ما علم ذلك؟ قال: كنت و أنا غلام ابن أعوام» و هو مضطرب، فصححناه من الخصائص.

372

ابن عمران، و علمني من التوراة، و قال: إن أنت لقيت عيسى فأقرئه مني السلام، و إني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته منه السلام، و إن عيسى قال لي: إن لقيت محمدا فأقرئه مني السلام، قال فأرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عينيه فبكى، و قال: و على عيسى السلام ما دامت الدنيا، و عليك يا هامة بأدائك الأمانة، قال هامة: يا رسول اللّه إفعل بي ما فعل موسى بن عمران، إنه علّمني من التوراة، فعلّمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا وقعت الواقعة، و المرسلات، و عمّ يتساءلون، و إذا الشّمس كوّرت، و قل هو اللّه أحد، و المعوذتين و قال: إرفع إلينا حاجتك يا هامة، و لا تدع زيارتنا.

قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم ينعه إلينا، فلست أدري أحيّ هو أم ميّت)- السياق للقاضي.

قال الشيخ رحمة اللّه عليه: و إن اعترض معترض محتجا بقوله تعالى‏ إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏- الأعراف 27- دافعا لهذه الأخبار.

قيل: جرت العادة بهذا على عموم الناس، فأما في زمان الأنبياء فقد كانوا يظهرون، في عهد سليمان بن داود، و كظهور إبليس متمثّلا بالشيخ النجدي مع قريش في دار النّدوة حين اجتمعوا للمكر برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما وقع في زمان النبوة على الصحابة فمحمول على ما يظهر اللّه لصدق الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و مضاف إلى سائر دلالاته و آياته، كإعلام النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من أخذ الجنيّ و خنقه حين عرض له في صلاته لتقوية بصائرهم و زيادة في علمهم، و في إعلام النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أبا هريرة بعود الجني إلى أخذه تمرة برهان أنه كان مما أطلعه اللّه عز و جل عليه من الغيوب التي لا يظهر عليها إلا من ارتضى من رسول.

373

الفصل الثامن عشر (1) في ذكر الأخبار من شكوى البهائم و السباع و سجودها لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ما حفظ من عهده من كلامها

فمنه كلام الذئب:

270- حدثنا فاروق الخطابي قال ثنا عباس قال ثنا هشام بن علي السيرافي، قال ثنا هريم بن عثمان و أبو عمر الحوضي و هدبة بن خالد. و ثنا سليمان بن أحمد قال ثنا عباس الأسفاطي قال ثنا أبو الوليد الطيالسي قالوا ثنا القاسم بن الفضل الحداني‏ (2) عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال:

بينما راع يرعى بالحرّة إذ انتهز الذئب شاة فتبعه الراعي، فحال بينه و بينها، فأقبل الذئب على الراعي فقال: يا راعي ألا تتقي اللّه، تحول بيني و بين رزق ساقه اللّه إليّ؟ فقال الراعي: العجب من ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بما هو أعجب من هذا؟

هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين الحرّتين يدعو الناس إلى أنباء ما قد سبق، فساق الراعي شاءه حتى أتى إلى المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم دخل‏

____________

(ح/ 270) أخرجه أحمد 3/ 84 و ابن سعد و البزار و الحاكم 4/ 467 و البيهقي و صححاه من طرق عن أبي سعيد- ر: الخصائص 2/ 267- و قال في مجمع الزوائد 8/ 291 رواه أحمد و البزار نحوه باختصار و رجال أحد أسنادي أحمد رجال الصحيح. قلنا: و أخرجه ابن حبان في صحيحه- زوائد ابن حبان رقم 2109-.

____________

(1) هو الفصل الثاني و العشرون في تصنيف أبي نعيم.

(2) في الأصل «الحراني» و ما أثبتناه هو الصواب كما في زوائد ابن حيان و تقريب التهذيب.

374

على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره‏ (1) بما قال للذنب. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): صدق الراعي، ألا إنه من أشراط الساعة كلام السباع الإنس، و الذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس و حتى يكلّم الرجل شراك نعله، و يحدثه سوطه و يخبره بما أحدث أهله بعده.

271- حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم قال ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الأشعث بن عبد اللّه عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

جاء ذئب إلى غنم فأخذ منها شاة، فطلبها الراعي حتى انتزعها من فيه، فصعد الذئب على تلّ فأقعى، ثم قال: عمدت إلى رزق رزقنيه اللّه فأخذته مني، فقال الرجل: و اللّه ما رأيت مثل اليوم قط، ذئب يتكلم فقال: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرّتين يخبر بما مضى، و بما هو كائن بعدكم، فأتى الرجل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره و أسلم، فصدّقه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: إنها أمارة من أمارات ما بين يدي الساعة، قد يوشك أن يخرج الرجل فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه و سوطه بما أحدث أهله بعده.

272- و قد زاد الواقدي فيما أخبرناه أبو عمرو محمد بن أحمد قال ثنا الحسن ابن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي عن رجل سماه عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب قال:

____________

(ح/ 271) أخرجه أحمد 2/ 306 بسند صحيح- الخصائص 2/ 267- و قال في مجمع الزوائد 8/ 292 رواه أحمد و رجاله ثقات، و هو في الصحيح باختصار. قلنا: كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة عند البخاري سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: بينما راع في غنمه غدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع؟ يوم ليس لها راع غيري- فتح الباري 8/ 23-.

(ح/ 272) أخرجه أحمد برقم 8049 و ابن سعد في الطبقات 1/ 359 من طريق الواقدي و هو متروك. و روى ابن أبي شيبة 11/ 480 نحوه عن أبي معاوية عن الأعمش عن شمر، و الدارمي ص 8 عن سفيان عن الأعمش.

____________

(1) في الأصل «فأخبرهم» و ما أثبتناه هو الصواب كما في المستدرك.