‏القواعد العامة في الفقه المقارن

- السيد محمد تقي الحكيم المزيد...
296 /
5

كلمة المركز

بسم اللّه الرحمن الرحيم على الرّغم من أنّ القواعد الفقهيّة تسهم إسهاما كبيرا في تسهيل و تنظيم و تفعيل عملية الاستنباط، إلا أنّها ظلّت من جملة العلوم التي لم تكن الدراسات المتوجّهة إليها متناسبة و متناسقة كما و لا كيفا مع شأنها و مكانتها و دورها المهمّ.

و من هذا المنطلق فإنّ علم القواعد الفقهية بات في حاجة ماسة إلى فتح نوافذ جديدة في البحث عنه، و تقديم أطروحات علمية أكثر حول قابلياته، و طرق استحصال هذه القابليات.

و ممّا يؤسف له أنّه لم يحاول التركيز على تفعيل قابليات القواعد الفقهية و التوسّع في البحث عن زواياها و أبعادها كعلم سوى نزر يسير من العلماء.

و من هذا النزر اليسير يبرز اسم العلاّمة محمد تقي الحكيم رحمه اللّه الذي بات يمثّل أحد عناصر ذلك الطيف من العلماء المخلصين الذين استوعبوا هموم الرسالة

6

و تبليغها بصدق و تفان، و تحمّلوا الصعاب في سبيل ضخّ العمل الفقهي برؤيا تجديدية مواكبة و الواقع المعاش.

فهو لم يكتسب موقعه من كتابة مؤلّفاته في مجال الفقه و الأصول، بقدر ما اكتسبه من تطلّعاته على الصعيد التقريبي، إذ كان رحمه اللّه يتعاطى مع الواقع الثقافي بكلّ إملاءاته العلمية برؤيا موضوعية و تقريبية تنمّ عن نظرته الخاصة تجاه فكر و ثقافة الآخرين، و عدم انحيازه في طرح أفكاره و مناقشتها إلى جهة دون أخرى، بل حاول أن يواكب مناهج المصلحين في تقديم النموذج العلمي الذي من شأنه تعزيز الوعي التقريبي الحرّ، من خلال كتاباته القيّمة بشأن القواعد الفقهية، و تعاطيه معها على أنّها علم قائم بذاته.

و لعلّ أروع ما يستوقف القارئ الكريم في شخصية و قلم هذا الرجل شيئان:

1. أدب الاعتراض الذي تحلّى به قلمه، فهو يلتزم الحوار و النقاش العلميين، بعيدا عن كلّ ألوان الانحياز و الحساسيات المفرطة، و كلّ العواطف الشخصية و الطائفية في تناوله للمسائل و الموارد الأصولية. فلم يطعن و لا يخدش أمرا إلاّ بدليل معتبر، و لا يردّ دعوى حتّى يثبت له خلافها.

2. احترامه المصلحة الاسلامية، حيث فرض على نفسه سلوكا خاصا من شأنها تعزيز مكانة الوحدة الاسلامية في نفوس المسلمين، و تكريس الواقع الذي يزيد من قوة و تماسك الوشائج الاجتماعية، لا الواقع الذي ينهش في جسد الأمة، و يصعد من وتيرة آلامها و شقائها.

و لمّا كان لهذا الكتاب الذي دوّنته يراعته الكريمة من أهمية في تقوية و تعميق هذا العلم و في حركة الفقه و التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، كان‏

7

حقيقا علينا أن نسلّط الضوء على بعض النقاط التي يمكن أن تستفاد منه، و يكتشفها الباحث في تضاعيف الكتاب؛ كي يطّلع القارئ العزيز عليها من كتب:

منها: قد ركّز المؤلّف على إثبات كون القواعد تشكّل منظومة متجانسة، و ليست هي شذرات متناثرة هنا و هناك، و إنّما هي مجموعة واحدة و سلسلة متّصلة و متّسقة فيما بينها، و هذا الاتّساق الشمولي يعكس مكانة كلّ قاعدة، و علاقتها بغيرها من القواعد الأخرى.

و من هاهنا درس المؤلّف في هذا الكتاب كلّ قاعدة على أنّها جزء من تلك المنظومة التي تعمل في إنجاز وظيفتها الفقهية؛ و لذا بيّن في بحثه ما يلابسها من القواعد.

و بتعبير آخر كان يرى أنّ القواعد الفقهية انطلاقا من كونها تمثّل نظما خاصا من العلاقات بين الأحكام الفقهية، ارتكزت و نشأت على أساس وجود ارتباط وثيق بينها، بحيث تندرج بعضها تحت البعض.

و لذا فعند ما يطرح قاعدة قاعدة «لا ضرر» يحاول أن يجمع تحتها طيفا واسعا من القواعد ذات العلاقة بها، فأورد قواعد عدّة مبتنية على قاعدة «لا ضرر» .

كما أنّه قسّم هذه القواعد التي عدّها ذات صلة بقاعدة «لا ضرر» إلى طوائف ثلاثة: فيعتبر بعضها مبنيّا على قاعدة «لا ضرر» ، و بعضها الآخر ما يبيّن دائرة المفهوم و المصداق للقاعدة، و بعضا ثالثا يصفه بقواعد تنفع الفقيه في مرحلة تطبيق هذه القاعدة.

8

و لأجل هذه النظرة الفاحصة في حقيقة القواعد الفقهية كان من الضرورة بمكان أن ينظر كلّ باحث في القواعد التي تذكرها المذاهب؛ لاكتشاف تلك العلاقة، و إلاّ خرجت عن منظومتها المتكاملة التي أعدّت لها، و عن وظيفتها الشرعية التي جاءت لإنجازها.

و منها: كانت القواعد الفقهية محصورة و منزوية في إطارها المذهبي الذي يدور عليه كلّ مذهب بحسب المباني التي يتّكئ عليها، إلاّ أنّ العلاّمة الحكيم أخرجها من إطارها الضيّق و البودقة التي هي فيها، و أرجعها إلى نصابها الصحيح:

من أنّها أحكام شرعية لا تختصّ بمذهب دون مذهب، شأنها كشأن أيّ معلم إسلامي آخر.

و منها: قد جسّد المؤلّف في كتابه هذا اسلوب المقارنة في البحث، و ذلك بعرض القواعد الفقهية من طريق الروايات التي هي في مجاميع الكتب الإسلامية، و التي لا تختصّ بمذهب معيّن دون آخر، و بهذا يضع أساسا محكما، و هو: وحدة المصادر الإسلامية التي يعتمد عليها الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية، و هذا إن دلّ على شي‏ء، فإنّه يدلّ على أنّ هناك محطات أساسية يمكن الفقهاء أن ينطلقوا منها في مسيرتهم الوحدوية التي يدعون إليها، ضدّ من يريد أن يكون سدّا مانعا من الوصول إلى الغاية المنشودة من الوحدة و الائتلاف، و يجعل وحدة كلمتهم التي يطلقونها جوفاء لا معنى لها.

و منها: استطاع العلاّمة المؤلّف من طريق القواعد الفقهية أن يعرض آراء الفقهاء

9

بما هي آراء لعلماء المسلمين، لا بما هي انعكاسات مذهبية، و بهذا أوجد خطابين حضاريّين:

خطاب حضاري عالمي على مستوى وضع القوانين و القواعد التي تلائم كلّ عصر، و تلبّي حاجات الإنسان التي تكفّل الإسلام بها.

و خطاب حضاري آخر في داخل البيت الإسلامي؛ إذ لا ريب في أنّ عرض الآراء و مناقشتها إن استحقّت ذلك، يفتح أفقا جديدا أمام الفقهاء في تحليل المسائل و تلاقح الأفكار، ممّا يؤدّي إلى الأخذ بالرأي الصائب في عملية الاستنباط بعد تمحيص تلك الآراء.

و منها: أنّ التنظير للقواعد الفقهية المقارنة سوف يفتح باب الاجتهاد و لو على مستوى الدراسة المقارنة، و هي خطوة أولى جديرة باهتمام الفقهاء و العلماء؛ لفتح باب الاجتهاد أمامهم على مصراعيه، فيشمل كلّ الحقول الإسلامية.

فالعالم و المجتهد الحصيف إذا ما تجذّر فيه الوعي التقريبي، فسوف يضحى وسيلة فاعلة في تكريس التعايش الفكري و الاجتماعي، و يمكن أن يعبّر عن الموقف الحقيقي التي تراه المرجعية الدينية في الظروف الفعلية الراهنة التي تعيشها الأمة الاسلامية.

و من هنا ندعو الفقهاء و العلماء، و رجال التقريب الأفذاذ، و النّخبة الواعية من المثقّفين، أن لا يقفوا في بحوثهم عند نوع معيّن منها، بل لتشمل المجالات المعرفية و الفكرية؛ كي تكون لغة الخطاب في إبراز الحضارة الإسلامية

10

لغة حضارية تستطيع أن تخاطب العالم كلّه، كما كانت الرسالة الاسلامية إبّان انبثاقها، ممّا جعلها تبزغ ليس على الجزيرة العربية فحسب، بل على كلّ بقاع المعمورة.

و من هذا المنطلق صار اهتمام مركزنا العلمي الأغرّ بهذا الأثر النفيس الذي كان المؤلّف قدس سرّه قد جعله الرقم (2) ضمن بحوث أسماها بـ «المدخل لدراسة الفقه المقارن» ، و العناية به توثيقا و تعليقا، و طباعة و نشرا، لا لشي‏ء إلاّ لإحساسه بالمسئولية تجاه العلم و الثقافة الإسلامية الأصيلة، و أيضا تجاه الأمة و وحدتها، و تحسير كلّ مظاهر التعصّب و التمذهب غير المرغوب فيهما.

و نحن إذ ندعو اللّه أن يتغمّد روح فقيدنا الغالي العلاّمة المبجّل السيّد محمد تقي الحكيم في فسيح جنّاته، و أن يحشره مع أجداده أهل بيت النبوّة و الكرامة؛ لما قدّمه في سبيل الإسلام و وحدة المسلمين من كتب قيّمة أنارت الطريق للأجيال القادمة، سواء على صعيد الدراسات المقارنة أم غيرها، نشكر الأخ الفاضل (و في الشناوة) على مساهمته في التوثيق و التعليق على ما جاء في متن هذا الكتاب، و نشكر أيضا قسم الفقه و الأصول التابع لمركز التحقيقات و الدراسات العلمية بكلّ أفراده، الذي يسعى إلى إنجاز أعماله على أحسن ما يكون، نقدّم كذلك فائق الشكر و الامتنان إلى كل العاملين و المسئولين في هذا المركز الأغرّ الذين بذلوا جلّ طاقاتهم في سبيل طبع و نشر هكذا كتب و دراسات تقريبية تصبّ في خدمة المسلمين، و في وحدة كلمتهم.

و يسرّنا أن ننتهز هذه الفرصة في تقديم شكرنا و امتناننا إلى سماحة الشيخ‏

11

التسخيري (حفظه اللّه) لما بذله من جهد على مستوى تقديم الملاحظات الهامة المتعلّقة بهذا الكتاب، و لم ينجل عنّا من تقديم ما يلزم في سبيل إنجازه.

نسأل اللّه العليّ القدير أن يثبّت خطى علمائنا الأحياء، و يرحم الماضين منهم، و يوفّقنا إلى تقديم الأفضل، لما ينفع طلبتنا و حوزاتنا العلمية إنّه سميع مجيب.

أحمد المبلّغي مسئول مركز التحقيقات و الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

كلمة معلق‏

تقديم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم من خلال عملنا في هذا الكتاب أمكننا أن نتعرّف بعض الملامح لمنهج العلاّمة الحكيم رحمه اللّه، و الأسس التي يرتكز عليها منهجه العامّ في طريقة البحث، و أسلوب التعامل مع كافة المدارس الإسلامية على المستوى القواعد الفقهية و الأصول العامّة بمختلف اتّجاهاتها المذهبية و العقائدية. و هذا الأسلوب كوّن اتّجاها خاصّا في كيفية تناول آراء المذاهب و الفرق الإسلامية الأخرى؛ لذلك نجد من الضروري أن نشير إلى بعض خصائص هذا الاتّجاه.

العلاّمة الحكيم و علم القواعد الفقهية

قد صحّ لنا أن نتساءل عن تعريف علم القواعد الفقهية و موضوعه و غايته، مثلما صحّ ذلك في تعريف علم الاصول؛ و لذا انبرى العلاّمة الحكيم رحمه اللّه لذلك معتمدا على طريقة التعريف المدرسي و الكلاسيكي في تعريف علم القواعد الفقهية، و هي طريقة اعتمدها علماء الأصول في تعريف العلم و بيان موضوعه و غايته، فجعل لعلم القواعد الفقهية تعريفا و موضوعا و غاية، كما هو الأمر في علم الأصول و غيره، و إليك بيان ذلك:

14

تعريف علم القواعد الفقهية

تطرّق العلاّمة الحكيم في تعريفه للقاعدة الفقهية إلى تعريفين: أحدهما قديم، و الآخر حديث، ثمّ أتى بتعريف ثالث قام هو بصناعته:

الأوّل: ما ذكره الحموي (غمز عيون البصائر 1: 51) بقوله: «حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته» . و هو تعريف قديم لهذا العلم.

و الثاني: ما ذكره الشيخ مصطفى الزرقا (المدخل الفقهي العامّ 2: 965) بقوله:

«أصول فقهية كلّية في نصوص موجزة دستورية، تتضمّن أحكاما تشريعية عامّة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» . و هو تعريف أضفى عليه صبغة دستورية و قانونية.

و الثالث: ما ذكره هو نفسه رحمه اللّه بقوله: «كبرى قياس يجري في أكثر من مجال فقهي لاستنباط حكم شرعي فرعي جزئي أو وظيفة كذلك» .

و هذا التعريف يشبه تعريف المحقّق النائيني للقاعدة الأصولية التي تمتاز به من المسألة و القاعدة الفقهية، فكما أنّ المسألة و القاعدة الأصولية تقع كبرى في قياس الاستنباط، كذلك القاعدة الفقهية تقع كبرى في قياس الاستنباط، غاية الأمر أنّ الكبرى الأصولية تنتج حكما كلّيا، و الكبرى الفقهية تنتج حكما جزئيا. و بذلك يكون قد حصلنا على تعريف لعلم القواعد الفقهية يكون جامعا لمصاديقه، و مانعا لأغياره.

و هذا العلم لم يكن معروفا سابقا بملامحه التي بها يكون جامعا مانعا: جامعا لكلّ ما ينطبق عليه ضابط القاعدة الفقهية، و مانعا لكلّ ما لا ينطبق عليه هذا الضابط، كما هو المتوقّع في تعريف أيّ علم.

و قد ألّفت كتب كثيرة في القواعد الفقهية، لكنّها لم تكتب على أنّ القواعد علم قائم بذاته، بل هي كتابات في قواعد فقهية أو دراسات متناثرة، تتعلّق بمجالات شتّى‏

15

في الفقه و الأصول، جلبت أنظار الفقهاء إليها؛ لعمومها و سريانها في أبواب فقهية كثير و مختلفة، مع أنّ لتلك القواعد تعريفا خاصّا بها ممّا يستدعي فصلها عن علم الأصول أو الفقه، و تحديد دراستها في ضمن علم خاصّ بها.

موضوع علم القواعد الفقهية

إنّ لكلّ علم موضوعا يبحث فيه عن عوارضه التي تتّصل به؛ ليمتاز كلّ علم من غيره، و حدّ المشهور هذا الموضوع بما كان البحث فيه عن عوارضه الذاتية، و لا يكون شاملا للعوارض الغريبة عن الموضوع.

بيد أنّ العلاّمة الحكيم يوسّع الموضوع حتى يشمل العوارض الذاتية و العوارض الغريبة (الأصول العامّة للفقه المقارن: 10-11) ، خروجا عن المشهور الذي خصّص الموضوع بالعوارض الذاتية له، ممّا أدّى إلى الإشكال بخروج كثير من مباحث العلم عن موضوعه الذي يبحث فيه عن عوارضه التي تتّصل به؛ لكونها ليست من العرضي الذاتي لذلك العلم، فتجشّموا كثيرا في دفع إشكال خروج بعض المباحث الأصولية المهمّة عن موضوع علم الأصول، مع أنّ هذه المباحث تقع في طريق الاستنباط في علم الأصول.

و بذلك يبتعد العلاّمة عن مثل هذه الإشكالات؛ لعدم قبوله أساسا أن يكون موضوع علم الأصول أو موضوع أيّ علم آخر مختصّا بعوارضه الذاتية، بل يعمّ كلّ عارض، سواء كان ذاتيا أم غريبا، إذا كان يتحقّق به الهدف و الغاية التي لأجلها دوّن ذلك العلم.

فعند ما يأتي إلى موضوع علم القواعد الفقهية يحدّه بقوله: «كلّ ما يصلح أن يقع وسطا في القياس الجاري في أكثر من مجال فقهي لانتاج حكم جزئي أو وظيفة كذلك» . و بذلك يكون قد حدّد الركيزة الأساسيّة لعلم له خصوصياته و مقوّماته؛ لكي‏

16

يمكن الباحث أن يميّز بين مسائل هذا العلم و بين مسائل العلوم الأخرى التي لا يمكن أن تقع وسطا في ذلك القياس.

و يعتبر العلاّمة الاستقراء هو الأساس للوصول إلى مسائل هذا العلم في ضوء الضابط الموضوعي لموضوع علم القواعد الفقهية.

و هذه خطوة مهمّة في تحديد ملامح و ركائز هذا العلم، و في ضوئها يتميّز موضوع علم القواعد الفقهية من موضوع علمي الفقه و الأصول، و لم نجد في حدود اطّلاعنا تحديدا دقيقا لموضوع علم القواعد الفقهية له مقوّماته و خصائصه كالذي ذكره العلاّمة الحكيم رحمه اللّه.

فمعظم الكتب التي كتبت في القواعد الفقهية لم تتطرّق إلى بيان ذلك، فقد تعرّضوا للقواعد الفقهية في طيّ كتب الفقه و الأصول، أو في كتب مستقلّة تصنّف في ضمن علم الفقه، مع أنّ لعلم القواعد الفقهية موضوعه الخاصّ به الذي يختلف به عن موضوع علم الفقه الاستدلالي؛ إذ إنّ ضابط القاعدة الفقهية يختلف عن ضابط المسألة الفقهية، فالقاعدة الفقهية تقع وسطا في قياس الاستنباط الذي يستنتج منه حكم فرعي جزئي، لكنّها تجري في أكثر من مورد أو باب فقهي، في حين المسألة الفقهية و إن كانت تقع وسطا في القياس، و لا يستنتج منه حكم عامّ، فإنّها لا تجري في أكثر من مورد أو مجال فقهي، و لا تتعدّاه إلى غيره.

الغاية من دراسة علم القواعد الفقهية

لكلّ علم غاية و هدف لأجلها يدوّن ذلك العلم، فكما أنّ لعلم الفقه غاية، و هي:

الاطّلاع التفصيلي على الأحكام الشرعية، أو تحديد الوظيفة العملية للمكلّف، كذلك لعلم القواعد الفقهية هدف و غاية، و اعتبر العلاّمة الحكيم غاية علم القواعد الفقهية هي نفس الغاية من دراسة الفقه الاستدلالي. غ

17

و بذلك يكون قد شكّل الملامح الرئيسة لعلم القواعد الفقهية، فهو أعطى القاعدة الفقهية تعريفا جامعا مانعا، تعريفا يشتمل على الشروط المهمّة التي يجب تحقّقها عند أصحاب المنطق في التعريف، و حدّد لنا بشكل واضح موضوع علم القواعد الفقهية، الذي يمتاز به من سائر العلوم، و الغاية التي من أجلها دوّن هذا العلم، و بذلك يتكوّن لنا علم ثالث لا يقلّ أهمّية عن أخويه: علم الأصول، و علم الفقه الاستدلالي.

المنهج المقارن عند العلاّمة الحكيم‏

و المنهج الذي يعتمده العلاّمة قدّس سرّه في دراسة القواعد الفقهية هو تقسيم تلك القواعد إلى قسمين على أساس التقسيم المعمول به في علم الأصول: من تقسيم الحكم الشرعي إلى حكم واقعي يكون ثابتا للشي‏ء بما هو في نفسه، و حكم ظاهري يكون ثابتا للشي‏ء بما أنّ حكمه الواقعي مجهول. فقسّم القواعد الفقهية إلى قواعد واقعية و ظاهرية، و كان من مصاديق الأولى قاعدة (لا ضرر و لا ضرار) و ما لابسها من القواعد، و قاعدة (نفي العسر و الحرج) و ما لابسها من القواعد، و قاعدة (إنّما الأعمال بالنيّات) و ما لابسها من القواعد. و من مصاديق الثانية قاعدة (الصحّة) و قاعدة (الفراغ و التجاوز) .

و لا بدّ من التنبيه على أنّ الكتاب الذي بين أيدينا يقتصر البحث فيه على القسم الأوّل من القواعد الفقهية، و هي القواعد الواقعية.

و اتّسم هذا المنهج بأسلوب البحث المقارن الذي يجمع في طيّاته الآراء و الأفكار التي تنتمي إلى كافّة المذاهب الإسلامية الأخرى، و يستوعب الاختلافات الناجمة عن الاجتهاد و تبدّل الرأي، و الاختلاف في فهم النصوص و تقييم الأدلّة.

و هذه هي المحاولة الثانية له لدراسة الفقه المقارن، بعد المحاولة في بحث أصوله في كتابه (الأصول العامّة للفقه المقارن) .

18

و كان الغرض من إيجاد هذا المنهج المقارن هو: الدخول إلى المدارس الفقهية و الأصولية عند المذاهب الإسلامية و الاطّلاع عليها من كثب، و نكون بذلك قد ابتعدنا عن الخطأ في نسبة الآراء الفقهية أو الأصولية إلى مذهب من المذاهب.

مضافا إلى أنّ هذا المنهج يساعد على إثراء الفكر، و يفتح أبواب التلاقح الفكري بين المذاهب الإسلامية على مستوى الفقه و أصوله و قواعده، ممّا يهيّئ المناخ المناسب المساعد على تجذير الوعي الفكري و الموضوعي للآراء و الأفكار، بعيدا عن أيّ موقف تعصّبي سلبي سابق تجاه المذهب الآخر.

و للمنهج المقارن شروط و ضوابط يجب توفّرها فيه؛ لكي يثمر في تحقيق الأهداف المرجوّة منه، و هذه الشروط يلخّصها العلاّمة الحكيم فيما يلي:

1-الموضوعية: لا بدّ للمنهج المقارن من تحقّق شرط الموضوعية في تمحيص الآراء و الأفكار المختلفة، و من دون ذلك لا يكون منهجا علميا، و لا يحقّق الأهداف المرجوّة منه.

و على هذا الأساس كان يتعامل العلاّمة الحكيم مع المدارس و الأفكار الأخرى، و ابتعد كثيرا عن الإيحاء إلى مذهب صاحب الرأي الفقهي أو الأصولي، و بالأخصّ فيما يتعلّق بالمباحث الخلافية، كالقياس و الاستحسان، و المصالح المرسلة، و فتح الذرائع و سدّها، و الإجماع؛ اعتمادا على التثبّت من نسبة رأي أو فكرة ما إلى جماعة أو مذهب أو مدرسة ما.

و يعتبر من الظلم أن نفترض لأنفسنا آراء سابقة فيها، ثمّ نحاول أن نجعلها منطلقا للمقارنة، أو أن نصدر الحكم على أساسها، من دون أن نتعرّف وجهات نظر الآخرين فيها، و ربّما كان الحقّ معهم في الكثير منها.

و اشترط في الباحث أيضا أن يكون متحرّرا و مهيّأ نفسيا للتحلّل من رواسبه‏

19

السابقة، و الخضوع لما تدعو إليه الحجّة عند المقارنة، سواء وافق ما تدعو إليه ما يملكه من آراء سابقة أم خالفها (الأصول العامّة للفقه المقارن: 12) ؛ لأنّه من دون ذلك سوف يجد الباحث نفسه في صراع مع ما كان يمتلكه من آراء سابقة، و مع المنهج المقارن الذي يفترض أن يكون البحث فيه مبنيا على أساس الموضوعية.

و كان يشترط رحمه اللّه للموضوعية أن يكون النظر في البحث المقارن مبتنيا على بحث الأصول و المباني العامّة-التي كان يرتكز عليها المجتهدون في استنباطهم للأحكام-على أساس من المقارنة (الأصول العامّة للفقه المقارن: 16) ، و إلاّ لا يمكن أن يكون البحث المقارن موضوعيا؛ لأنّه سوف ينطلق من أفكار و آراء سابقة في تلك الأصول و المباني، و يبني أساس أحكامه عليها، ممّا يعني فقدان المنهج المقارن لقيمته العلمية، و عدم وصوله إلى نتائج حقيقية.

و لقد كان العلاّمة الحكيم موفّقا لتحقيق تلك الموضوعية في منهجه المقارن في كتابه الأوّل (الأصول العامّة للفقه المقارن) و كذلك في هذا الكتاب الذي بنى منهجه على أساس الأخذ من آراء المذاهب الإسلامية كافّة، فأخذ من السيوطي الشافعي المتوفّى سنة 911 هـ، و من ابن نجيم الحنفي المتوفّى سنة 970 هـ، و من الطوفي الحنبلي المتوفّى سنة 716 هـ، كما أخذ من القرافي المالكي المتوفّى سنة 684 هـ.

و في الوقت الذي تناول أحاديث من سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله واردة في صحيح البخاري و صحيح مسلم، استقى أحاديث من سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و من أهل بيته الطاهرين واردة في الكافي و تهذيب الأحكام.

كلّ ذلك يدعم منهجه الموضوعي المقارن للفقه الإسلامي بين المذاهب كافّة، و يجعل منه المنهج الصحيح و الأفضل في البحوث المقارنة.

2-معرفة أسباب الخلاف: لكي ينتج المنهج المقارن ثماره لا بدّ للباحث في هذا

20

المجال من الاطّلاع الكامل على أسباب الخلاف بين الفقهاء و علماء الأصول، و تحرير محلّ النزاع في المسائل الخلافية التي يكثر الكلام فيها؛ لكي لا يصدر الباحث أحكامه جزافا، و ينسب الآراء إلى غير أصحابها و القائلين بها، و ما أكثر الآراء التي تنسب إلى غير أصحابها جزافا!

فلا بدّ أن يعي الباحث هذه المسئولية، و أن يحافظ على قدر من التوازن في أحكامه، مع الاطّلاع الكامل على مبتنيات كلّ مدرسة.

و لقد كان العلاّمة الحكيم موفّقا لاكتساب هذه المعرفة المطلوبة للمنهج المقارن، فهو كما خطا خطوات مهمّة في كتابه الأوّل (الأصول العامّة للفقه المقارن) ، و أسّس معالم ذلك المنهج، و طبّقه عمليا، كذلك فعل هنا في كتابه هذا، فقام بوضع المنهج العامّ في دراسة القواعد الفقهية الرئيسة، مع عرض لآراء المجتهدين و فقهاء المذاهب الإسلامية، ثمّ تقييم تلك الآراء و تمحيصها بحسب الضوابط العلمية الموضوعية المتّبعة.

3-الخبرة بأصول الاحتجاج: مجرّد المعرفة بأسباب الخلاف لا تكفي ما لم يكن الباحث في المنهج المقارن خبيرا في دراسة الآراء و المباني العامّة عند المذاهب الإسلامية و مدارسها الفكرية، و معرفة مفاهيم الحجج و أدلّتها، و مواقع تقديم بعضها على بعض.

و هذه الخبرة لا تتأتّى إلاّ من الخوض في المسائل الخلافية عمليا؛ فإنّ تحرير الاختلاف بين الآراء ليس أمرا سهلا يقدر عليه كلّ باحث ما لم يكن قد اكتسب خبرة طويلة في سبر آراء المذاهب الإسلامية، و نال قدرا من الاستيعاب في هذا المجال.

و من يطالع هذا الكتاب يجد أنّ مؤلّفه يتحلّى بقدر من الاستيعاب و الخبرة، فقد استطاع أن يأتي بالآراء في الأصول و القواعد الفقهية، و يعرض مبتنيات هذه الآراء،

21

و الأسباب الموضوعية وراء كلّ رأي أو فكرة، بعيدا عن كلّ ما يخلّ بهذا المنهج.

يضاف إلى ذلك أنّه كان يعتمد المنهج الأنسب للمقارنة بين القوانين و القواعد الإسلامية و القوانين و القواعد الوضعية، و كان يقارن بين آراء القدامى و آراء المحدثين أيضا في مجالات الفقه و الأصول و القواعد الفقهية؛ و في المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية.

المنهج التقريبي عند العلاّمة الحكيم‏

يسعى العلاّمة-في دراسة الفقه المقارن من خلال بحث أصوله و قواعده الفقهية- إلى إرساء الدعائم الرئيسة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، و ذلك بتوحيد مرجعياتها العلمية في أصول الفقه و القواعد العامّة: بأن تكون مشتركة بين الجميع، و تخضع لقوانين البحث و النقد العلمي، بعيدا عن الاختلافات العقائدية التي لا تتّصل مباشرة بمباحث الأصول و القواعد العامّة.

و يبدو أنّ العلاّمة الحكيم كان يؤكّد هذا المنهج؛ لأنّه كان يرى أنّ الوحدة و التقريب بين المذاهب الإسلامية لا يتحقّقان بمجرّد الشعارات، و عقد الندوات، و إلقاء الخطب، بل لا بدّ من المضيّ في خطوات ملموسة تهدف إلى تحقيق ذلك على ساحة العمل و أرض الواقع، و كسر حاجز عدم الثقة الذي يحول بين وحدة المسلمين، و الذي تراكم على مدى تلك القرون المتمادية، ممّا أدّى إلى أزمة عدم الثقة بالطرف الآخر، و عدم تفهّمه و الإنصات له.

و لذلك استشعر العلاّمة كلّ ذلك، و قام بخطوات يشهد لها بالنجاح؛ من أجل التقريب بين المذاهب الإسلامية، فمن خلال منهجه هذا استطاع أن يدخل المذاهب الإسلامية في حوار و نقاش للأسس و الركائز التي يبتني عليها كلّ مذهب على صعيدي الأصول و القواعد الفقهية؛ فإنّ التقارب يبدأ من الحوار و الاستماع إلى حجّة الطرف‏

22

الآخر، و من دون ذلك لا يستطيع الباحث أن يتعرّف الآراء الأخرى للمذاهب الإسلامية، و لا يستطيع الاقتراب من المنهج الذي لا يعرفه، و لم يطّلع عليه.

من هنا تكمن أهمّية المنهج المقارن الذي يصرّ عليه العلاّمة، فهو يؤدّي إلى رفع حالة الالتباس، و سوء الفهم الذي ساد بين المذاهب الإسلامية مدى زمن طويل، ممّا يهيّئ أرضية مشتركة لتوحيد المسلمين، و يجعل الحكم بين المسلمين هو الحجّة و البرهان، لا التعصّب المذهبي الذي هو آفة العلم.

و من حسنات المنهج المقارن أنّه يؤدّي إلى تلاقح الأفكار و نضجها، و يكسر حالة الجمود و التقليد التي تكون سائدة داخل المذهب الواحد؛ فإنّه بالاطّلاع على الآراء و الحجج الأخرى يمكن الفقيه-في ضوء الموازنة و المقارنة الموضوعية-أن يحلّل تلك الآراء، و يخضعها للمقاييس العلمية، و يقبلها إن وافقت تلك المقاييس، و يرفضها إن لم تطابقها، و قد جاء في الحديث الشريف: «الحكمة ضالّة المؤمن، فحيثما وجد أحدكم ضالّته، فليأخذها» .

عملنا في هذا الكتاب‏

كان عملنا في هذا الكتاب يتمحور في نقاط، و هي ما يلي:

1-الإرجاع إلى المصادر الأساسية: فقد عملنا جهد الإمكان على إرجاع الآراء المنسوبة إلى أشخاص معيّنين إلى كتبهم مباشرة، و عدم الاكتفاء بنسبة الآخرين إليها، فمثلا في الطبعة السابقة للكتاب كان قد نقل تعريف الحموي من كتاب (المدخل الفقهي العامّ) للشيخ مصطفى الزرقا، و نحن قمنا بإرجاع هذا التعريف إلى كتاب الحموي نفسه، و هو كتاب (غمز عيون البصائر) و كذلك الأمر بالنسبة إلى الآراء و الأفكار التي كانت تنسب إلى المحقّق النائيني، و كان يرجع فيها إلى كتاب (القواعد الفقهية) للبجنوردي، فأرجعنا آراء النائيني إلى كتابه (منية الطالب) .

23

و أمّا في الأمور و المطالب التي يظنّ أو يقطع فيها بعض الأحيان أنّ المصنّف قد اقتبس منها أو كان ناظرا إليها، فأرجعنا القارئ إلى بعض المصادر؛ لما فيه من الفائدة و توثيقا للأفكار الواردة في الكتاب.

كما أبدلنا بالمصادر ذات الطبعات القديمة التي هجرت، أو الطبعات الحجرية التي يندر تداولها اليوم، أو الكتب المخطوطة، الكتب الحديثة الطبع و المنقّحة و المتداولة.

2-اعتماد المصادر الحديثية المعتبرة و الروايات؛ فقمنا بإرجاع الأحاديث و الروايات إلى الكتب الحديثية المعتبرة عند المذاهب الإسلامية، مثلا الكتب الأربعة عند الإمامية، و الكتب الصحاح و المسانيد عند المذاهب الإسلامية الأخرى.

3-التعليق و الاستشهاد: فقد قمنا بالتعليق على بعض المواضع التي أحسسنا فيها بضرورة هذا الأمر، و الاستشهاد لبعض الأفكار و الآراء التي بيّنها المؤلّف، فقد استشهدنا بآراء من كتاب (تحرير المجلّة) للشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، و بآراء من (العناوين الفقهية) لمير فتّاح، و بآراء من (عوائد الأيام) للنراقي، و غيرهم؛ من أجل تأكيد الرأي الذي بيّن، و توثيق تلك الفكرة أو هذا الرأي.

و لا يفوتني أن أشكر جزيل الشكر مركز التحقيقات و الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية؛ لتبنّيه الأعمال و المشاريع العلمية التي تخدم أهداف التقريب، و تصبّ في تقدّم المسيرة الوحدوية التي أكّدها الإسلام و نبيّه الأكرم صلّى اللّه عليه و آله، و أخصّ بالذكر سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ أحمد المبلّغي حفظه اللّه تعالى مدير المركز الذي أتاح لي الفرصة للمشاركة في هذا المجال، و قدّم إليّ ما أحتاج إليه من وسائل و مراجع كان لها الأثر في إتمام هذا الكتاب النفيس.

و كذلك أشكر قسم الفقه و الأصول التابع للمركز بكلّ كادره؛ لما قدّموه إليّ من مساعدة في هذا النطاق.

24

نسأل المولى القدير أن يمدّنا بألطافه لخدمة الإسلام و المسلمين من طريق تعزيز الوحدة بين إخواننا و أبناء جلدتنا أينما كانوا في بقاع الأرض المعمورة، إنّه سميع مجيب.

و في الشناوةغ

25

ترجمة المؤلّف‏

بقلم: نجله علاء الدين السيّد محمد تقي الحكيم‏

المؤلّف في سطور

ولد سماحة سيّدي الوالد في مدينة النجف الأشرف بالعراق عام (1921 م- 1340 هـ) ، و دفن فيها.

نشأ نشأة علمية بتوجيه من والده سماحة السيّد سعيد الحكيم (ت 1395 هـ- 1975 م) و أعلام أسرته، فدرس علوم العربية و المنطق و البلاغة و أصول الفقه و الفلسفة و التاريخ على أيدي الأساتذة الأجلاّء العلماء الأعلام: أخيه السيّد محمد حسين الحكيم (ت 1410 هـ-1989 م) ، و الشيخ نور الدين الجزائري، و السيّد صادق السيّد ياسين، و الشيخ علي ثامر، و السيّد يوسف الحكيم (ت 1411 هـ-1990 م) ، و السيّد حسن الحكيم (ت 1394 هـ-1974 م) ، و السيّد محمد علي الحكيم، و الشيخ محمد رضا المظفر (1383 هـ-1964 م) ، و السيّد موسى الجصاني.

حضر دروس البحث الخارج في الفقه و الأصول على أيدي الآيات العظام: السيّد محسن الحكيم (ت 1390 هـ-1970 م) ، و السيّد أبي القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) .

و الشيخ حسين الحلي (ت 1395 هـ-1970 م) ، و السيّد ميرزا حسن البجنوردي‏

26

(ت 1396 هـ-1976 م) . و الفلسفة على يد الشيخ محمد رضا المظفر، و السيّد ميرزا حسن البجنوردي.

درّس السطوح العالية في الفقه و الأصول لطلبة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف سنوات عديدة.

قام بتدريس الفقه لطلبة البحث الخارج في الحوزة العلمية في النجف الأشرف على متن كتاب المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري، و أصول الفقه على متن كتاب الكفاية للشيخ محمد كاظم الخراساني.

درّس طلاّب البحث الخارج علم أصول الفقه المقارن بآراء أئمة المذاهب الإسلامية، و كتب بعض طلابه تقريرات درسه.

أسّس مع عدد من الأعلام جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف، و واكب نشاطها لأكثر من ربع قرن، و درّس في كليّتها كليّة منتدى النشر النّحو و الصّرف و البلاغة و الأدب و التاريخ و الفقه و الأصول و علم النّفس و علم الاجتماع، ابتداء من عام 1944 م.

أسّس مع عدد من المفكرين المجمع الثقافي لمنتدى النشر عام 1943 م، و ساهم في نشاطاته الثقافية المختلفة.

أسّس مع عدد من الأعلام كليّة الفقه في النجف الأشرف عام 1958 م، و تولّى فيها تدريس علوم أصول الفقه المقارن، و القواعد الفقهية المقارنة، و فقه اللغة، و التاريخ الإسلامي، و علمي الاجتماع و النّفس، ممّا يكشف عن موسوعيّة معرفيّة كبيرة.

أنتخب عميدا لكلّية الفقه عام 1965 م، و شغل هذا المنصب حتى عام 1970 م.

27

درّس أصول الفقه المقارن بمعهد الدراسات الإسلامية العليا، جامعة بغداد، من عام 1967 م حتى عام 1970 م.

أشرف على العديد من الرسائل الجامعية لطلبة الدراسات العليا، و ناقش مجموعة من رسائل الماجستير و الدكتوراه.

اختير خبيرا علميا أكاديميا لترقية حملة الشهادات العليا لرتب جامعية أعلى.

انتخب بالإجماع في عام 1964 م عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي، بترشيح من علاّمتي العراق المرحومين الشيخ محمد رضا الشبيبي و الدكتور مصطفى جواد، و شغل العضوية حتى عام 1996 م، و مثّل المجمع في عدد من المؤتمرات العلمية.

أنتخب عضوا في مجمع اللغة العربية المصري عام 1967 م.

أنتخب عضوا في مجمع اللغة العربية السّوري عام 1973 م.

أنتخب عضوا في مجمع اللغة العربية الأردني عام 1980 م.

أنتخب عضوا في مجمع الحضارة الإسلامية الأردني عام 1981 م.

كلّف عام 1981 م من قبل الجامعة العربية، المنظّمة العربية لمكافحة الجريمة، بوضع مصطلحات للعقوبات تكون معتمدة لدى دول الجامعة، و لكن هذا المشروع لم يكتمل لظروف خاصة.

عيّن عضو شرف في المجمع العلمي العراقي عام 1997 م.

دعي إلى الحضور العديد من المؤتمرات و الندوات العلمية في البلاد العربية و غيرها، و شارك في جملة منها، من ذلك:

أ-مؤتمر كراچي المنعقد في باكستان عام 1957 م، بمناسبة مرور 14 قرنا على ولادة الإمام علي عليه السّلام ممثّلا عن سماحة السيّد محسن الحكيم قدّس سرّه.

ب-المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالقاهرة عام 1964 م.

28

ج-المؤتمر المشترك بين مجمعي اللغة العربية المصري و العراقي المنعقد ببغداد عام 1965 م.

د-المؤتمر المشترك بين مجمعي اللغة العربية المصري و العراقي المنعقد بالقاهرة عام 1967 م.

هـ-مؤتمر دراسة أحرف الطّباعة العربية، بدعوة من المنظّمة العربية للثقافة و العلوم المنعقد بالقاهرة عام 1971 م.

و-ندوة المصطلحات القانونية، بدعوة من اتّحاد المجامع العربية المنعقدة بدمشق عام 1972 م.

ز-المؤتمر التأسيسي لجمعية الجامعات الإسلامية، بدعوة من جامعة القرويين، المنعقد بمدينة فاس عام 1974 م.

ح-ندوة معالجة تيسير النحو العربي المنعقدة بالجزائر عام 1975 م.

مؤلّفاته المطبوعة

1-مالك الأشتر، مطبعة الغري، النجف الأشرف 1946 م، طبعة ثانية، بيروت 2001 م، المؤسّسة الدولية للدراسات و النشر.

2-شاعر العقيدة (السيّد الحميري) ، مطبعة دار الحديث، بغداد 1963 م، طبعة ثانية، بيروت 2001 م، المؤسسة الدولية للدراسات و النشر.

3-الأصول العامّة للفقه المقارن، دار الأندلس، بيروت 1963 م، طبعة رابعة، بيروت 2001 م، المؤسّسة الدولية للدراسات و النشر.

4-الزواج المؤقّت و دوره في حلّ مشكلات الجنس، دار الأندلس، بيروت 1963 م.

5-فكرة التقريب بين المذاهب، مكتبة المنهل، الكويت 1978 م.

29

6-مناهج البحث في التاريخ، مكتبة المنهل، الكويت 1978 م.

7-تاريخ التشريع الإسلامي، كتاب المعهد، معهد الدراسات العربية و الإسلامية، لندن 1998 م.

8-التشيّع في ندوات القاهرة، دار التجديد، بيروت 1999 م.

9-من تجارب الأصوليّين في المجالات اللغوية، مؤسّسة الألفين، الكويت 2000 م.

10-عبد اللّه بن عباس، حياته و سيرته، شخصيّته و آثاره.

11-القواعد العامّة في الفقه المقارن، الطبعة الأولى، المؤسّسة الدوليّة للدّراسات و النشر، بيروت 1422 هـ-2001 م.

مؤلّفاته المخطوطة

1-زرارة بن أعين.

2-مع الإمام علي عليه السّلام، قيد الطبع.

3-مشكلات الأدب النجفي.

4-الإسلام و حريّة التملّك و المفارقات الناشئة عن هذه الحرية، قيد الطبع.

5-أبو فراس الحمداني (مفقود) .

6-تعليقة على كتاب (كفاية الأصول) للشيخ محمد كاظم الخراساني.

7-انطباعاتي عن محاضرات الأستاذ الشيخ حسين الحلّي.

8-تعليقة على كتاب (مستمسك العروة الوثقى) للسيّد محسن الحكيم.

نشاطاته الأخرى‏

و قد قدّم لمجموعة من الكتب بمقدّمات إضافية، منها:

30

1-كتاب (النصّ و الاجتهاد) للإمام شرف الدين، مطبعة النجف، النجف الأشرف 1956 م.

2-كتاب (الكندي: الرائد الأوّل للفلسفة الإسلامية و مفخرة الفكر العربي) للدكتور محمد بحر العلوم، مطبعة النجف، النجف الأشرف 1962 م.

3-ديوان السيّد الحميري، جمع و تحقيق و شرح شاكر هادي شكر، دار الحياة، بيروت 1966 م.

4-كتاب (القياس: حقيقته و حجيّته) للدكتور مصطفى جمال الدين، مطبعة النّعمان، النجف الأشرف 1972 م.

5-كتاب (العقل عند الشيعة الإماميّة) للدكتور رشدي عرسان عليان، مطبعة دار السّلام، بغداد 1973 م.

6-كتاب (عقد الفضولي في الفقه الإسلامي) للدكتور عبد الهادي الحكيم، مطبعة الآداب، النجف الأشرف 1965 م.

كما و نشر العديد من البحوث و المقالات في الصّحف و المجلاّت العراقية و العربية، منها:

البذرة، الهاتف، النجف، الإيمان، الأضواء، البيان، الدليل، الغري، النهج، العرفان، البلد، الحياة، مجلّة المجمع العلمي العراقي، مجلّة مجمع اللغة العربية المصري، و غيرها.

و أخيرا: أصدر الدكتور محمد كاظم مكي كتابا عن حياته، و آثاره، و نشاطاته العلمية تحت عنوان (و من ثمرات النجف في الفقه و الأصول و التاريخ و الأدب، السيّد محمد تقي الحكيم) مطبعة دار الزهراء، بيروت 1991 م.

و أصدر الدكتور عبد الأمير زاهد كتابا عن منهجيّته تحت عنوان (التّنظير المنهجي عند السيّد محمد تقي الحكيم) النجف 1999 م. طبع في بيروت، المؤسّسة الدولية للدّراسات و النشر 2001 م.

31

مقدّمة المؤلّف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد، فهذه هي المحاولة الثانية لدراسة الفقه المقارن من خلال بحث قواعده الفقهية هذه المرّة، بعد محاولتي الأولى في بحث أصوله الفقهية، في كتابي (الأصول العامّة للفقه المقارن) .

و كلتا المحاولتين تهدفان إلى وضع أسس علمية مقارنة لأصول الفقه و قواعده العامّة، تضفي على كلّ منهما سمة علم له مقوّماته و أسسه و معالم شخصيّته.

و هما-فيما أخال-محاولة لتطوّر فقه مقارن يشمل مختلف المدارس الفقهية، بما فيها مدرسة النجف الأشرف الحديثة و التي كان لها قدم سبق في تطوّر أمثال هذه الدراسات.

و المحاولتان تسعيان كذلك إلى إرساء ركائز واقعية عملية للتقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة، من خلال توحيد مرجعياتها الفكرية أصول فقه و قواعد عامة، تستنبط بواسطتهما الأحكام الفرعية التفصيلية الموحّدة وصولا إلى التقارب الإسلامي المنشود.

و قد حاولت في كتابي هذا وضع أسس عامة للقواعد الفقهية المقارنة، متّخذا من‏

32

قواعد الضرر و الحرج و النيّة نماذج تطبيقية لها، باعتبارها من أكثر القواعد الفقهية شمولا وسعة.

و لعلّ ما فيها من جدة النهج، و جهد المحاولة في التماس مواقع الالتقاء بين القواعد المتفرّقة، و دراستها دراسة منهجية لم يسبق لي أن اطّلعت على معالم محدّدة لها في تجارب السابقين، هذه الأمور كفيلة للطلب من ذوي الاختصاص تناول هذه الدراسة بالنقد الموضوعي، فإنّه أساس نجاح مثل هذه المحاولات و الاستفادة من عطائها في مجالات التشريع.

و اللّه أسأل أن يوفّقني إلى ما فيه خير الفكر، و أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، و الحمد للّه ربّ العالمين.

النجف الأشرف 27 رجب 1420 هـ المطابق 6/11/1999 م‏

***

33

بحوث تمهيدية

و تتضمّن:

*مدلول القاعدة الفقهية

*موضوع القواعد الفقهية

*ملاحظات حول مناهج البحث السابقة

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

المبحث الأول مدلول القاعدة الفقهية لغة و اصطلاحا

القاعدة لغة

في لسان العرب: «القاعدة أصل الأسّ، و القواعد الأساس، و قواعد البيت أساسه، و في التّنزيل: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ... (1) ، و فيه ... فَأَتَى اَللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ اَلْقَوََاعِدِ... (2) . (3)

و في الصّحاح للجوهري (قواعد البيت: أساسه) (4) .

و المراد بالفقه الذي أضيفت إليه القواعد هنا هو ما سبق تحديده في كتابنا (الأصول العامّة للفقه المقارن) من أنّه: «مجموع الأحكام الشرعية الفرعية الكليّة أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع أو العقل عند عدمها» (5) .

و من هذه الإضافة ندرك جانب التجوّز في حدود الأدلّة اللّغوية للقاعدة، و ذلك

____________

(1) . البقرة: 127.

(2) . النحل: 26.

(3) . لسان العرب 3: 361 مادة «قعد» .

(4) . الصحاح 2: 525 مادة «قعد» .

(5) . الأصول العامة للفقه المقارن: 36.

36

باستعمالها في الأساس المعنوي بدلا من الأساس المادّي المنصوص عليه في كتب اللغة، لأنّ الفقه-و هو من الأمور المعنويّة-لا بدّ أن يقوم على أسس معنوية لتصحّ إضافتها إليه.

القاعدة اصطلاحا

و الذي يبدو أنّ هذا التجوّز في استعمال القاعدة هنا تحوّل على أيدي الفقهاء إلى مصطلح يحمل دلالة محدودة، كما يظهر ذلك من تعاريفهم للقواعد الفقهية في المظانّ التي تذكر فيها هذه القواعد. (1)

و قد حاولنا أن نعرض لبعض هذه التعاريف بشي‏ء من الحديث تمهيدا لما انتهينا إليه من تحديد لما يجب أن يحمل هذا المصطلح من دلالة يخيّل إلينا أنّ الفقهاء الّذين تحدّثوا في هذا المجال كانوا يحومون حولها بالذّات، و إن لم تف تعاريفهم التي اطّلعنا عليها بذلك.

و قد اخترنا من تعاريفهم نموذجين أحدهما قديم و الآخر حديث.

تعريف الحموي للقاعدة الفقهية

فالحموي-و هو من أعلام الفقهاء القدامى-عرّف القاعدة الفقهية في حاشيته على الأشباه بأنّها: «حكم أغلبيّ ينطبق على معظم جزئياته» (2) .

و كأنّ المعرّف إنما قيّد الحكم بكونه أغلبيا، و كونه ينطبق على معظم جزئياته بالنّظر لما دخل على هذه القواعد أو معظمها من الاستثناءات فكانت نتائجها لذلك أغلبية (3) أي منطبقة على أكثر الجزئيات.

____________

(1) . انظر: الأشباه و النظائر للسبكي 1: 11، و مختصر من قواعد العلائي و كلام الأسنوي 1: 64، و شرح التلويح على التوضيح 1: 35، و تحرير المجلّة 1: 289، و القواعد الفقهية للبجنوردي 1: 5.

(2) . غمز عيون البصائر 1: 51. و الموجود في المصدر هكذا: «حكم أكثريّ لا كلّي، ينطبق على أكثر جزئياته؛ لتعرف أحكامها منه» .

(3) . قال في تهذيب الفروق 1: 58: «و معلوم أنّ أكثر قواعد الفقه أغلبية» .

غ

37

مناقشة التعريف‏
و هذا إن أريد به التحديد المنطقي لما يجب أن يحمل هذا المصطلح من دلالة فإنّه يرد عليه:

أوّلا: أنّه غير جامع، و ذلك لخروج القواعد الفقهية المنتجة لوظائف عقلية، كقواعد البراءة و الاحتياط العقليّين، إذا لوحظ إنتاجها لأحكام جزئية لوضوح أنّ نتائجهما ليست أحكاما، إذ لا يوجد فيها اعتبار، لأنّ العقل مدرك و ليس بحاكم‏ (1) ، و الحكم إنّما يتقوّم بالاعتبار لا بالإدراك.

و لخروج ما لم يدخل عليه الاستثناء من القواعد، كالقواعد العقلية، التي لا تقبل التخصيص أمثال: (الضّرورة تقدّر بقدرها) .

ثانيا: أنّه غير مانع، لإطلاق كلمة الحكم فيه، و مقتضى ذلك دخول القواعد العرفية و اللغوية و القانونية و الأصولية ذات الاعتبارات المعنيّة، و هي لا تنتج أحكاما فقهية و إن احتاج إليها الفقيه أحيانا في مجالات استنباطه، أمثال: (الأصل في الكلام الحقيقة) و (لا ينسب لساكت قول) ، و (القرآن حجّة) ، و هكذا...

يضاف إلى ذلك دخول ما يسمّى بالمسائل الفقهية في نطاق التعريف لكون أكثرها أحكاما أغلبية و هي ليست بقواعد.

ثالثا: دخول القيود التوضيحيّة في التعريف و هي على خلاف الأصل لوضوح أنّ ذكر كلمة (أغلبي) يغني عن ذكر (ينطبق على معظم جزئيّاته) .

هذا إذا أريد من التعريف أن يكون تعريفا علميا، أمّا إذا أريد منه أن يكون شرحا لفظيا للمصطلح فلا ترد عليه أكثر هذه المؤاخذات، إلاّ أنّ دخوله في مجالات البحث العلمي لا موضع له؛ لأنّ طبيعة البحث العلمي تستدعي الدقّة في التّحديد.

____________

(1) . للمزيد راجع مبحث: «العقل مدرك و ليس بحاكم» من الأصول العامة للفقه المقارن: 266.

38

تعريف آخر للقاعدة الفقهية
و كأنّ مصطفى الزرقا عدل-لذلك أو لما يشبهه-عن هذا التعريف إلى صياغة تعريف حديث، فقد عرّف القواعد الفقهية بأنّها: «أصول فقهية كلّية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاما تشريعية عامّة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» (1) .

مناقشة التعريف‏
و هذا التعريف و إن كان أسلم من سابقه لخروج الأحكام غير التشريعية عن حيّزه، إلاّ أنّه ما يزال موضعا لبعض تلك الملاحظات فهو:

أوّلا: غير جامع؛ لخروج الوظائف الفقهية المستفادة من الإدراك العقلي الذي لا يستتبع الكشف عن الحكم الشرعي، كبعض قواعد البراءة العقلية و الاحتياط المنتجة لوظائف جزئيّة.

ثانيا: غير مانع؛ لدخول المسائل الفقهية المصاغة بنصوص دستورية في حيّز التعريف؛ و ذلك لتضمّنها أحكاما عامّة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها.

ثالثا: انطواؤه على قيد إيضاحي لا ضرورة له و هو كلمة (في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها) ؛ لوضوح أنّ الحكم لا يرد إلاّ على موضوعه و الحوادث التي تدخل تحته.

التعريف المختار
و على هذا فالتعريف الذي يقتضينا أن نذكره هو التعريف السّالم من تلك المؤاخذات، و في حدود إدراكنا يقتضي أن يكون:

____________

(1) . المدخل الفقهي العام 2: 965.

39

(كبرى قياس يجري في أكثر من مجال فقهي لاستنباط حكم شرعي فرعي جزئي أو وظيفة كذلك) .

أضواء على التعريف‏
و أظن أنّ هذا التعريف بما أخذ فيه من قيود سوف يحدّد لنا الفروق بين القواعد الفقهية و غيرها ممّا التبس على الكثير منّا أمره فعددناه ضمن القواعد الفقهية، و هو لا يقتضي أن يكون منها، و يدفع عنه ما سبق أن لاحظناه على التعريفين السّابقين من عدم الاطّراد و الانعكاس.

و أهمّ ما يقتضينا أن نشير إليه في هذا المجال هو:

الفرق بين القاعدة الفقهية و المسألة الفقهية
و لعلّ ما ورد في التعريف من كون قياس القاعدة الفقهية يجري في أكثر من مجال فقهي يحدّد هذا الفرق، و ذلك أنّ القاعدة الفقهية تجري في أكثر من مجال فقهيّ؛ بخلاف المسألة الفقهية، فهي و إن صلحت أن تكون ضابطة لجزئياتها كقولنا مثلا: كل مكلّف تجب عليه صلاة الظهر، على نحو يستطيع أن يجري قياسها كل واحد من المكلّفين لاستنتاج حكمه الجزئي، كأن يقول: أنا مكلّف، و كلّ مكلّف تجب عليه صلاة الظهر، فأنا تجب عليّ صلاة الظهر.

إلاّ أنّ اقتصارها على مجال فقهي واحد لا تتجاوزه إلى غيره أبعدها عن صدق مدلول القاعدة عليها بخلاف قاعدة (لا ضرر و لا ضرار) مثلا؛ فإنّ تمشّيها في أكثر المجالات الفقهية كالصلاة، و الصوم، و الحج، و غيرها هو الذي أهلها لصدق عنوان القاعدة عليها (1) .

فقولنا: (يجري في أكثر من مجال فقهي) يخرج المسألة الفقهية؛ كما أنّ قولنا:

____________

(1) . راجع: فوائد الأصول 4: 310.

40

(لاستنباط حكم شرعي فرعي جزئي) يشير إلى:

الفروق بين القاعدة الفقهية و الأصولية
و الحقيقة أنّ الفروق التي ذكرت على ألسنة الفقهاء و الأصوليين كثيرة؛ لعلّ أهمّها ممّا يتّصل بتعريفنا فرقان:

أوّلا: إنّ إنتاج القاعدة الفقهية هو الحكم الجزئي أو الوظيفة الجزئية؛ بخلاف القاعدة الأصولية؛ فإنّ إنتاجها دائما هو حكم كلّي أو وظيفة كذلك. (1)

و قد أورد على هذا الفارق بأنّه لا يصلح أن يكون فارقا؛ لأنّ ما اعتبر من القواعد الأصولية نراه تارة ينتج الحكم الكلّي و أخرى الحكم الجزئي‏ (2) ، فمن تيقّن الحكم الكلّي ثمّ شكّ بارتفاعه؛ استصحب ذلك الحكم استنادا إلى مدلول هذه القاعدة (لا تنقض اليقين بالشكّ) ، و كانت نتيجة هذا الاستصحاب هو بقاء الحكم الكلّي، و من تيقّن طهارته و شكّ في ارتفاعها؛ استصحب الطّهارة و هي حكم جزئي.

و كذلك ما اعتبر أنّه قاعدة فقهية كقاعدة الطّهارة و هي: (كلّ مشكوك طاهر) ؛ نراها تنتج مرّة حكما كليّا، و ذلك إذا كان المشكوك هو الحكم الكلّي، و أخرى حكما جزئيا، و ذلك إذا كان المشكوك هو طهارة ثوبه مثلا. و قد أجبنا في كتابنا (الأصول العامّة للفقه المقارن) و نحن نتحدّث عن هذه الشبهة بأنّه: «ليس هناك ما يمنع من اشتراك الموضوع الواحد بين علمين و أكثر إذا تعدّدت فيه الحيثيّات بتعدّد العلوم.

فالاستصحاب من حيث إنتاجه للحكم الكلّي يكون موضوع مسألة أصولية، و من حيث إنتاجه للحكم الجزئي يكون موضوع مسألة فقهية، و تعدّد الحيثيّة يعدّد

____________

(1) . انظر: المصدر السابق 1: 19.

(2) . ممّا اضطر البعض إلى التفصيل في داخل المسألة الواحدة؛ فذهبوا إلى أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية هو مسألة أصولية، و الاستصحاب الجاري في الشبهات الموضوعية هو مسألة فقهية.

انظر: فوائد الأصول 4: 311-312، و مصباح الأصول 3: 6-8، و منتهى الأصول 2: 497.

41

الموضوع حتما، و كذلك القول في أصل الطهارة» . (1)

و نظيره ما قيل في الكلمة التي وقعت موضوعا لكلّ العلوم اللّسانية، فهي من حيث الإعراب و البناء موضوع لعلم النحو، و من حيث الإعلال و الإدغام موضوع لعلم الصرف، و هكذا. (2)

ثانيا: إنّ القاعدة الفقهية-بعد استنباطها من الأصول-يستطيع أن يجري قياسها كلّ مكلف حتى إذا كان غير مجتهد؛ ليطبّقها على نفسه تمهيدا للعمل على وفقها، بخلاف القاعدة الأصولية فإنّ الذي يختصّ بإجراء قياسها هو المجتهد دون غيره؛ لأنّ كيفيات استنباط الأحكام الكليّة من أدلّتها لا يستطيع إدراكها غير المختصّين من ذوي الاجتهاد، و نتائجها توصل إلى العلم بالأحكام، و هي سابقة في الرتبة على القياس الذي يجري في مقام العمل ليوصل إلى أحكام جزئية. (3)

و قد يورد على هذا الفارق بأنّ قسما من القواعد الفقهية ممّا يتعسّر فهمها على غير المختصّين فكيف يوكل إليهم إجراء قياسها؟أمثال: قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) ، و (الخراج بالضمان) ، و (لا ضرر و لا ضرار) . (4)

و لكنّ هذا الإيراد لا يبدو له وجه؛ لأنّ المقياس الذي ذكرناه ليس هو فهم غير المجتهد و عدم فهمه، و إنّما المقياس هو أنّ القاعدة الفقهية كالمسألة الفقهية ممّا تتّصل بعمله مباشرة فهو الذي يحتاج إلى إجراء قياسها، بخلاف القاعدة الأصولية و الفهم و عدم الفهم ليس هو المقياس، و حسابها حساب المسائل الفقهية، و أكثرها لا يفهمها غير المختصّين إلاّ بعد إيضاحها لهم.

فالقاعدة الفقهية متى فهمها العامّي استطاع تطبيقها على نفسه في مجالات عمله

____________

(1) . الأصول العامة للفقه المقارن: 40.

(2) . انظر: فوائد الأصول 1: 23.

(3) . انظر: فرائد الأصول 3: 18-19.

(4) . مصباح الأصول 1 ق 1: 18-19.

42

الخاص.

و قد أشار إلى هذا الفارق التعريف بأخذه في القاعدة الفقهية إنتاجها الحكم الجزئي؛ لأنّ هذا النوع من الحكم هو الذي يتّصل بعمل العامل عادة بعد إجراء قياسه من قبله.

الفرق بين القواعد الفقهية و القواعد العقلية و العرفية و غيرها
و من هذا التعريف أيضا يتّضح الفرق بين القواعد الفقهية و غيرها ممّا يلابسها من القواعد العقلية أو العرفية أو القانونية أمثال: قاعدة (لا ينسب إلى ساكت قول) ، و قاعدة (الأصل في الكلام الحقيقة) ، و قاعدة (إذا تعذّر إعمال الكلام يهمل) ، و قاعدة (السؤال معاد في الجواب) .

بتقريب: أنّ القاعدة الفقهية يكون إنتاجها للحكم الجزئي إنتاجا مباشرا بحكم وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، بينما لا تقع هذه القواعد و نظائرها في كبرى القياس المنتج للحكم أو الوظيفة و إن استعان بها الفقيه في مجالات استنباطه للحكم الشرعي الكلّي أو الوظيفة (1) ، و حسابها حساب بقيّة القواعد النحوية أو البلاغية أو الأصولية.

و الحقيقة أنّ القواعد الفقهية من الفقه لكونها ضوابط لمسائل فقهية، بخلاف هذه القواعد فهي ليست من الأحكام أو الوظائف بشي‏ء.

و إذا تمّ ما ذكرناه من تحديد لهذه القواعد و الفروق بينها و بين غيرها ممّا يشبهها، و أردنا أن نضفي عليها سمة العلم كما صنعوه بالنّسبة إلى أصول الفقه، عدنا إلى التساؤل عن: موضوع القواعد الفقهية.

____________

(1) . ذكر النائيني: «و هذا بخلاف مسائل سائر العلوم؛ فإنّها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط أصلا» . فوائد الأصول 1: 19.

43

المبحث الثاني موضوع القواعد الفقهية

و قبل أن نتحدّث عن موضوعها، نودّ أن نذكّر بما سبق أن أشرنا إليه في كتابنا (الأصول العامّة للفقه المقارن) من تحديدنا لموضوع العلم و أنّه بعد إدخال بعض الإصلاح عليه:

«ما يبحث فيه عن عوارضه التي تتّصل بتحقيق الغاية منه، سواء منها ما يدخل في عنوان ما اصطلحوا عليه بالعرض الذاتي أم الغريب» . (1)

و قد شرحنا السرّ في اختيارنا لهذا التعميم خروجا على ما ذهب إليه بعض من أعلام الباحثين في هذا المجال. (2)

و في حدود هذا الاختيار نتحدّث عن موضوع القواعد الفقهية.

و الذي يبدو لنا أنّ موضوعها هو: كلّ ما يصلح أن يقع وسطا في القياس الجاري في أكثر من مجال فقهي لإنتاج حكم جزئي أو وظيفة كذلك.

____________

(1) . الأصول العامة للفقه المقارن: 10-11.

(2) . ذكر المحقّق الخراساني: «إنّ موضوع كلّ علم-و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي بلا واسطة في العروض-هو... » فهو مع اقتصاره على العرض الذاتي في موضوع العلم، عمّم الذاتي إلى ما لا تكون فيه واسطة عروضية، أي كانت فيه واسطة في الثبوت. انظر: كفاية الأصول: 7.

44

و تعداد مصاديق ما يصلح منها لذلك موكل إلى الاستقراء.

الغاية من دراسة هذه القواعد

أمّا الغاية من دراسة هذه القواعد، فهي الغاية من دراسة الفقه الاستدلالي، أعني:

التعرّف التفصيلي على الأحكام و الوظائف الشرعية أو العقلية؛ تمهيدا لتقديمها للعاملين بها، بالإضافة إلى الجانب التيسيري الّذي توفّره دراسة هذه القواعد مجتمعة في كيان مستقلّ، بحكم كونها ضوابط لمسائل متفرّقة في مختلف المجالات الفقهية.

فهي بدلا من أن تدرس أكثر من مرّة دراسة تفصيليّة تبعا لوجود مسائلها المشتّتة في مظانّها من الفقه، تدرس مرّة واحدة في المدخل، و يحال عليها كلّ ما ورد لها مصداق من المصاديق في أيّ مجال من المجالات، على أنّ الباحث قد يعجز عن الوصول إلى بعض القواعد لو أراد التعرّف عليها في الكتب الاستدلالية الفقهية؛ للجهل بمظانّ بحثها في تلك الكتب، بينما ييسّر له بحثها في كتاب مستقلّ وسائل التعرّف عليها عادة.

مصادر البحث في القواعد الفقهيّة

عنيت بالبحث عن هذه القواعد كتب كثيرة ألّفت في الفقه أو الأصول، كما ألّفت فيها كتب مستقلّة ركّزت عليها في مختلف المذاهب الإسلامية، نذكر أهمّها في حدود ما اطّلعنا عليه:

(1) القواعد و الفوائد، للشهيد الأول (محمد بن مكي العاملي) .

(2) تمهيد القواعد، للشهيد الثاني (زين الدين بن علي العاملي) .

(3) عوائد الأيام، للشيخ أحمد النراقي.

(4) العناوين، لمير فتاح.

45

(5) نضد القواعد، لعبد اللّه بن المقداد الملقّب بالفاضل السيوري.

(6) الأصول، لعبيد اللّه بن الحسن الكرخي.

(7) قواعد الأحكام، لعز الدين بن عبد السلام.

(8) الفروق، للقرافي.

(9) القواعد في الفقه الإسلامي، لعبد الرحمن بن رجب.

(10) الأشباه و النظائر، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي.

(11) الأشباه و النظائر، لزين الدين بن إبراهيم المعروف بابن نجيم، و غيرها.

و قد ذكر في صدر مجلة «الأحكام العدلية» (1) ما يقرب من مائة قاعدة، و شرحها من عني بشرح المجلّة من الشرّاح، كما شرحها و استدرك عليها الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه «تحرير المجلّة» (2) بما يقرب من خمسين قاعدة.

و قام الشيخ مصطفى الزرقا بمحاولة تنظيميّة لهذه القواعد، مع شرح موجز لها في كتابه «المدخل الفقهي العام» .

و قد عرض الزرقا جملة من هذه المصادر عرضا تاريخيا؛ سلسلها حسب زمن تأليفها، و اعتبر المذهب الحنفي أقدم المذاهب التي عنيت بجمع القواعد و تدوينها، و ليس المهمّ فعلا تحقيق هذا الجانب، فلتراجع. (3)

____________

(1) . مجلّة عنيت بالقواعد الفقهية، كانت تصدر في زمن الدولة العثمانية عند ما رأت أنّ الحاجة ماسّة لوضع قانون منتزع من فقه السادة الحنفية؛ لتنجو محاكمها من الارتباك و الاختلاف الناشئين عن الأقوال المختلفة في كتب فقه الحنفية، فانتقت طائفة من جلّة العلماء و مبرّزي الفقهاء في ذلك العصر لتضع هذا القانون، و تقوم بذلك العمل الكبير، و كانت هذه المجلّة أعظم آثار الدولة العثمانية. انظر: درر الحكّام شرح مجلّة الأحكام 1: 3 مقدّمة المعرّب.

(2) . قال الطهراني: و هذا الكتاب من أهمّ آثاره، ألّفه بعد أن رأى «مجلّة العدلية» أو «مجلّة الأحكام» ، المقرّر تدريسها في كلية الحقوق ببغداد في زمن الأتراك، و رأى فيها نقصانا و زيادة و حاجة إلى التنقيح و التحرير، فألّف هذا الكتاب، و هو خمسة أجزاء، يعرف قدره و جلالة مؤلّفه من تبحّر في الفقه» . طبقات أعلام الشيعة/نقباء البشر في القرن الرابع عشر 1 ق 2: 619.

(3) . المدخل الفقهي العام 2: 969-976.

46

و لأستاذنا: السيّد ميرزا حسن البجنوردي كتاب «القواعد الفقهية» (1) في أجزاء عدّة و هو حافل بعشرات من القواعد.

***

____________

(1) . ذكر فيه المصنّف ثلاثا و ستين قاعدة فقهية، و تطرّق لها بشي‏ء من الإطناب و التفصيل، و إيضاحها دلالة و سندا و موردا، و بيان النسبة بينها، و تعيين الحاكم و المحكوم و الوارد و المورود منها، و الكتاب مطبوع في سبعة أجزاء.

غ

47

المبحث الثالث ملاحظات حول المناهج السابقة

و الملاحظ على أكثر ما كتب ممّا اطّلعنا عليه من كتب القواعد الفقهية أنّ القواعد فيها لم تدرس دراسة منهجية، تعرض لتحديد المدلول العلمي للقاعدة، ثمّ لمصادرها الشرعية أو العقلية، و الشبهات التي تثار حولها سندا و دلالة، و الاستثناءات التي تدخل عليها-إن وجدت-و مجالات تطبيقها، إلى غير ذلك من مقتضيات البحث المنهجي.

كما يلاحظ على هذه الكتب أنّها لم تقتصر على عرض ما يصلح أن يكون قاعدة فقهية، و إنّما عرضت بالإضافة إلى ذلك قواعد ليست من الفقه و إن لابسته، كما عرضت لمسائل فقهية لا يمكن أن ينطبق عليها عنوان القاعدة، و قد تضخم لذلك عدد ما عرض في بعضها حتى تجاوز خمسمائة قاعدة و مسألة. (1)

و كان الأولى من الناحية المنهجية أن تقصى هذه المسائل و القواعد لتوضع في مواضعها الطبيعية من العلوم الأخرى، أو تبحث في بحوث التمهيد، إن لم يكن لها مكان محدّد في بقية العلوم، و كان ممّا يحتاج إليه الفقيه في مجالات استنباطه.

و قد لاحظنا نفس هذه الملاحظة على أكثر الكتب التي ألّفت في علم الأصول،

____________

(1) . ذكر القرافي و هو يتحدّث عن كتابه: «و جمعت فيه من القواعد خمسمائة و ثمانية و أربعين قاعدة، أوضحت كلّ قاعدة بما يناسبها من الفروع» . الفروق 1: 11.

48

حيث أثقلت بقواعد ليست من علم الأصول و إن احتاج إليها الأصوليون. (1) .

المنهج المختار

لم نجد في الواقع لدى الفقهاء منهجا معيّنا يقوم على أساسه تخطيط البحث في هذه القواعد على نحو يضفي عليه سمة العلم، و كلّ ما هناك دراسات لقواعد متفرّقة لا يجمع بينها جامع، ممّا اضطرّ كثير من الباحثين أن يرتّبها حسب الحروف الهجائيّة. (2)

و من الواضح أنّ هذا النهج إن صلح للفهرسة و لبعض الأعمال الموسوعية كدوائر المعارف، أو كتب اللّغة، فهو لا يصلح لكتابة علم له مقوّماته و معالم شخصيته.

لذلك فضّلنا أن نعود إلى هذه القواعد؛ فنلتمس مواقع الالتقاء بينها، حتّى إذا تمّ كلّ ذلك اخترنا ثلاثة نماذج تطبيقية، طبعنا عليها منهجنا في المقارنة و التحليل.

تقسيم القواعد إلى قواعد واقعية و قواعد ظاهرية

و قد لاحظنا أنّ هذه القواعد يمكن أن تلتقي بقسمين رئيسين اصطلحنا على أحدهما بـ (القواعد الواقعيّة) كما اصطلحنا على الآخر بـ (القواعد الظاهريّة) .

القواعد الواقعية

و نريد بها القواعد الناظرة إلى الأحكام الواردة على موضوعاتها دون لحاظ طروّ حالة الشكّ عليها، و ينتظم في ذلك قواعد (الضرر) و (الحرج) و (النيّة) و أمثالها.

____________

(1) . كمباحث الألفاظ و مباحث الملازمات العقلية. راجع: الأصول العامة للفقه المقارن: 38.

(2) . انظر على سبيل المثال: المنثور في القواعد للزركشي، و موسوعة القواعد الفقهية للبورنو، و القواعد لمحمد كاظم المصطفوي.

49

القواعد الظاهريّة

و نريد بها القواعد الضابطة لأحكام أو وظائف يحدّدها الشارع أو العقل، عند طروّ الشكّ على الحكم الواقعي، أو موضوعه، سواء كان لسان هذه القواعد لسان أمارة أم أصل، و ينتظم في ذلك قواعد (الصحّة) و (الفراغ) و (التجاوز) و غيرها.

تجميع القواعد حسب مواقع الالتقاء

و هذه القواعد المنتظمة في هذين القسمين يمكن أن توزّع بحسب الالتقاء بينها إلى أبواب و فصول، فهناك مثلا عدّة قواعد تعالج مواضيع ضررية، و أخرى تعالج مواضيع حرجية، و ثالثة تعالج أحكاما ضمانية، و هكذا... فيأخذ كلّ واحد منها بابا أو فصلا في باب من أحد القسمين، و تختصّ كلّ قاعدة ببحث يأخذ موقعه من الباب أو الفصل، بادئين بأكثر القواعد شمولا وسعة في الفقه، ثمّ الأكثر فالأكثر، و هكذا.

طريقة بحث القواعد المستقلّة

أمّا القواعد المستقلّة التي لا يجمعها مع غيرها قدر جامع؛ فيمكن أن تبحث في باب مستقلّ بعنوان (قواعد متفرّقة) ، يلحق تبعا لمداليل هذه القواعد في مكانه الطبيعي من القسمين.

و على هذا فهيكل البحث يقوم على أساس تقسيم القواعد إلى قسمين، ينطوي كلّ قسم على أبواب و فصول.

المنهج العام في بحث القواعد الرئيسة

أمّا طريقة بحث هذه القواعد-و بخاصّة الرئيسة منها-فتقوم في الغالب على‏

50

أساس التماس:

أوّلا: مصدر القاعدة.

ثانيا: مدلولها.

ثالثا: حجّيتها.

رابعا: الشبهات التي تثار حولها.

خامسا: الاستثناءات الواردة عليها إن وجدت.

سادسا: مجالات تطبيقها.

سابعا: القواعد المترتّبة عليها.

عارضين في كلّ ذلك آراء مجتهدي مختلف المذاهب الإسلامية في حدود ما نعثر عليه من آرائهم فيها، ثمّ التعقيب بما نراه، معتمدين منهج المقارنة الذي سبق أن تحدّثنا عنه في بحوث التّمهيد من كتابنا «الأصول العامّة للفقه المقارن» (1) ، مؤكّدين على الجانب التّقييمي في هذه البحوث؛ لأنّه هو الذي يهمّنا في أمثال هذه الدراسات.

***

____________

(1) . الأصول العامّة للفقه المقارن: 12 و ما بعدها.

51

القواعد العامة في الفقه المقارن‏

و يتضمّن ثلاثة فصول:

*الأول: قواعد الضرر و ما يلابسها

*الثاني: قواعد الحرج و ما يلابسها

*الثالث: قواعد النيّة و ما يلابسها

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الفصل الأول قواعد الضرر و ما يلابسها

و يتضمّن تمهيدا و ثلاثة مباحث:

*التمهيد: منهج قواعد الضرر و ما يلابسها

*المبحث الأوّل: قاعدة لا ضرر و لا ضرار و ما يلابسها

*المبحث الثاني: القواعد التي بنيت على قاعدة لا ضرر و لا ضرار

*المبحث الثالث: تزاحم الأضرار و كيفيّة علاجه‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}