التنقيح - ج1

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
506 /
1

التنقيح‏

2

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

3

التنقيح تعليقة موسّعة على فرائد الأصول للشّيخ الأنصاريّ (قدّس سرّه) الجزء الأول تأليف السّيّد محمّد سعيد الطّباطبائي الحكيم (مد ظله)

مؤسسة الحكمة الثقافة الإسلامية

4

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1431 ه- 2010 م‏

5

مقدمة الناشر:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

يسرنا أن نقدم نتاجا علميا آخر لسماحة آية اللّه العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله الشريف) و هو ما سطره من بحوث علمية و تعليقات و مناقشات معمقة في فترة شبابه قبل أربعة عقود أو أكثر لكتاب فرائد الأصول للشيخ الأعظم الأنصاري (رضوان اللّه عليه) أبّان تدريسه في مرحلة السطوح لهذا السفر القيم المعتمد في الحوزات العلمية حيث كان سماحته (مد ظله)- ملتزما منذ بواكير عمره العلمي- بالدقة و كتابة ما يدرسه و ما يدرّسه لطلابه من دروس و بحوث.

إلا أنها لم يقدّر لها أن تنشر في الفترات السابقة يوم كان نظام الحكم في العراق يحارب الحوزة العلمية و علماءها و يحد من نشر ثقافتها و يقتل أو يسجن أو يشرد رجالاتها و يطال منع الرقابة في وزارة اعلامه كتبا لمؤلفين كبار.

و شاءت العناية الإلهية أن تحفظ هذه الصحف من التلف و المصادرة يوم تعرض سماحته (مد ظله) للاعتقال و تعرض منزله للتفتيش و العبث من قبل السلطة الجائرة آنذاك.

6

و نظرا لمكانة كتاب الشيخ الأعظم الأنصاري (أعلى اللّه مقامه) و اهتمام الاساتذة و العلماء الأعلام بالبحوث و التعليقات العلمية عليه و كذلك أهمية التنقيح الذي سطره سماحة السيد الحكيم (أطال اللّه بقاءه) و ما يشتمل عليه من مبان و اطروحات علمية حديثة.

يشرفنا في مؤسسة الحكمة للثقافة الاسلامية أن نساهم في إخراج هذا السفر القيّم الذي يمثل نتاجا لأحد أبرز أعلام الحوزة العلمية أثناء تدريسه لطلابه في مرحلة السطوح العالية، لينتفع منه رواد العلم و أهل الفضل و التحصيل في الحوزات العلمية.

كما نود أن نشير الى أننا اعتمدنا عند الطبع و الإخراج على نفس النسخة التي اعتمدها سماحة السيد لممارسته بعد أن كان يقابلها ببعض النسخ.

نسأل اللّه تعالى أن يصون الحوزة العلمية و يسدد مسيرتها المباركة برعاية مولانا الإمام المهدي المنتظر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و ان يحفظ مرجعنا المفدى و سائر المراجع و العلماء و يديمهم منارا للعلم و المؤمنين إنه نعم المولى و نعم النصير.

بيروت 25/ ذو الحجة/ 1430 ه

13/ كانون أول/ 2009

مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

فاعلم: أن المكلف‏

1

إذا التفت إلى حكم شرعي، فيحصل له [فإما

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

اللهم إني أتوسل إليك بأحب الخلق عليك أن تكون في عوني و ترزقني التوفيق و النجاح و الفلاح و الصلاح برحمتك يا أرحم الراحمين. أنت حسبي و نعم الوكيل.

نعم المولى و نعم النصير.

____________

(1) لعل الأولى عدم أخذ المكلف عنوانا للشاك، لظهوره في عدم ترتب الأحكام إلا بعد المفروغية عنه و إحرازه، مع أنه يكفي فيها احتمال كونه مكلفا، فلو فرض التفات من ليس مكلفا واقعا، كالصبي و شك في كونه مكلفا لجرى في حقه ما يجري في حق من يعلم بكونه مكلفا، كالبالغ لو شك في بعض التكاليف الخاصة، لأن ملاك جريان الأحكام المذكورة و لزوم الفحص عن الأدلة و الأصول و الجري على مقتضياتها هو وجوب دفع الضرر المحتمل، الذي يكفي فيه احتمال‏

8

أن يحصل له‏] إما الشك فيه، أو القطع، أو الظن.

فإن حصل له الشك، فالمرجع فيه هي القواعد

1

الشرعية

2

الثابتة للشاك في مقام العمل، و تسمى ب (الأصول العملية)

3

، و هي منحصرة في أربعة، لأن الشك:

إما أن يلاحظ فيه‏

4

الحالة السابقة أم لا.

فالأول: مجرى الاستصحاب.

- كون الإنسان بالغا مرتبة التكليف، نعم وضوح رفع القلم عن غير البالغ أوجب قصور الاحتمال المذكور عن من يعلم بعدم بلوغه.

____________

(1) القواعد المذكورة شرعية كانت أو عقلية ليس موضوعها الشك المقابل للظن، بل مطلق الاحتمال، نعم لا مجال للعمل بها مع قيام الحجة- كما يأتي في محله- و من ثم كان الأولى للمصنف (قدّس سرّه) تثليث الأقسام بوجه آخر، بان يقول: فإما أن يحصل له القطع أولا، و على الثاني فإما أن يقوم عنده طريق معتبر أولا، فعلى الأول يعمل بالطريق المذكور، و على الثاني يكون المرجع هو القواعد المذكورة.

(2) القواعد المذكورة ليست شرعية فقط، بل بعضها عقلى محض، كالتخيير و الاحتياط عند الشك في المكلف به، و بعضها شرعي و عقلي، كالبراءة و بعضها شرعي محض، كالاستصحاب. و الكلام هنا يعم الجميع و لا يختص ببعضها.

(3) لعل الوجه في تسميتها بالعملية كون الملحوظ فيها مقام العمل، بخلاف الطرق، فإن نظرها إلى الواقع، و هي في مقام بيانه و الحكاية عنه، و إن كان من لوازم حجيتها العمل أيضا.

(4) فيه اشارة إلى أنه لا يكفي في جريان الاستصحاب وجود الحالة السابقة، بل لا بد من ملاحظة الشارع لها في مقام التعبد، و لو كانت و لم يلحظها لم يجر الاستصحاب، كما هو الحال في الشبهة الحكمية قبل الفحص.

9

و الثاني: إما أن يكون الشك فيه في التكليف أم لا.

فالأول مجرى البراءة. و الثاني: إما أن يمكن فيه الاحتياط أم لا

1

، فالأول مجرى قاعدة الاحتياط، و الثاني مجرى التخيير

2

. و ما ذكرنا هو المختار في مجاري الأصول الأربعة

3

.

____________

(1) المراد عدم إمكان الاحتياط من حيث طبيعة الشك- كما في الدوران بين الوجوب و التحريم- لا الإمكان الفعلي، اذ قد يمتنع الاحتياط بالعجز عنه و إن كان ممكنا ذاتا، كما لو علم بوجوب أحد شيئين لا يقدر المكلف على الجمع بينهما، فإنه لا يجري التخيير حينئذ، بل قد يقال بتبعيض الاحتياط أو بسقوطه كلية.

اللهم إلا أن يقال: مختار المصنف (قدّس سرّه) في مثله تبعيض الاحتياط، و هو راجع إلى التخيير. فلاحظ.

(2) و عليه يكون مجرى التخيير الشك في المكلف به، مع أنه (قدّس سرّه) جعله في المباحث الآتية من صور الشك في أصل التكليف، و خص الاحتياط بالشك في المكلف به.

و كأن ما هنا مبني على أن المراد بالشك في التكليف هو الشك بأصل التكليف لعدم العلم حتى بجنسه، أما ما يأتي فمبني على أن المراد به هو الشك بنوعه و لو كان جنسه معلوما، فالفرق بينهما لفظي محض. فلاحظ.

(3) لكن يأتي منه (قدّس سرّه) إن شاء اللّه تعالى أن الرجوع إلى جملة من هذه الأصول في الشبهة الحكمية- التي هي محل الكلام- مشروط بالفحص، و لا يكفي فيه تحقق موضوعاتها المذكورة.

و لعله (قدّس سرّه) في مقام الاشارة الإجمالية لمجاري الأصول- كما هو المناسب للمقام- مع إيكال التفاصيل إلى محلها. و لأجله لا ينبغي الاهتمام بمثل هذه الإشكالات فيما ذكره و إطالة الكلام فيها، كما فعله غير واحد.

10

و قد وقع الخلاف فيها

1

، و تمام الكلام في كل واحد موكول إلى ما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة:

الأول: في القطع.

و الثاني: في الظن.

و الثالث: في الأصول العملية التي هي المرجع عند الشك.

____________

(1) من الأخباريين حيث ذهبوا إلى وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية مع أنها شك في التكليف، و من المحقق القمي (قدّس سرّه) حيث ذهب إلى عدم وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة.

11

المقصد الأوّل في البحث في حجيّة القطع‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

المقصد الأول في البحث في حجية القطع‏

[مقدمات:]

[وجوب متابعة القطع‏]

أما الكلام في المقصد الأول فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا، لأنه بنفسه طريق إلى الواقع‏

1

، و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا

2

.

و من هنا يعلم: أن إطلاق (الحجة) عليه ليس كإطلاق (الحجة) على‏

____________

(1) بل هو بنفسه وصول للواقع و منجز الواقع و ثبوت العذر فيه من لوازم وصوله الذاتية التكوينية. و معه لا حاجة إلى الاستدلال على حجيته بلزوم الدور أو التسلسل. بل لعله لا فائدة فيه، لأنه لا طريق إلى بطلانهما إلا العلم، فالاستدلال دوري، فتأمل.

(2) إذ الجعل الشرعي إنما يتناول الأمور الاعتبارية التي ليس لها واقع محفوظ وراء الاعتبار، دون الأمور التكوينية و الذاتيات القائمة بنفسها مع قطع النظر عن الاعتبار.

14

الأمارات المعتبرة شرعا، لأن الحجة عبارة عن: الوسط

1

الذي به يحتج على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغير لإثبات حدوث العالم، فقولنا: الظن حجة، أو البينة حجة، أو فتوى المفتي حجة، يراد به كون هذه الأمور أوساطا لإثبات أحكام متعلقاتها، فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه. و كذلك قولنا: هذا الفعل مما أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البينة على كونه محرما، و كل ما كان كذلك فهو حرام‏

2

.

و هذا بخلاف القطع، لأنه إذا قطع بوجوب شي‏ء، فيقال: هذا واجب، و كل واجب محرم ضده أو يجب مقدمته‏

3

.

و كذلك العلم بالموضوعات، فإذا قطع بخمرية شي‏ء، فيقال: هذا خمر، و كل خمر يجب الاجتناب عنه، و لا يقال: إن هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية حكمه كذا، لأن أحكام الخمر إنما تثبت للخمر، لا لما علم أنه خمر.

____________

(1) و هو المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى في القياس المنطقي.

و هذا أحد القولين في معنى الحجة عندهم. و عن ظاهر التفتازاني أنها تمام المقدمتين المشتملتين على الأوسط القياسي.

(2) و الكبريات المذكورة مستفادة من الأدلة الشرعية الدالة على اعتبار هذه الأمور، فالأمور المذكورة علة لثبوت الأحكام الظاهرية الناشئة منها و المترتبة عليها، و إن لم تؤخذ في موضوعات الأحكام الواقعية.

(3) فإن حرمة الضد و وجوب المقدمة من لوازم مطلق الواجب، لا خصوص المعلوم منه.

15

و الحاصل: أن كون القطع حجة غير معقول، لأن الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب‏

1

، فلا يطلق على نفس القطع‏

2

.

هذا كله بالنسبة إلى حكم متعلق القطع و هو الأمر المقطوع به، و أما بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال:

[انقسام القطع إلى طريقي و موضوعي‏]

إن الشي‏ء المعلوم بوصف كونه معلوما حكمه كذا، و حينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم و إن لم يطلق عليه الحجة، إذ المراد ب (الحجة) في باب الأدلة: ما كان وسطا

3

لثبوت أحكام متعلقه شرعا، لا لحكم آخر،

____________

(1) كما هو مقتضى تعريفها بأنها المعلوم التصديقي الموصل إلى مجهول تصديقي. فتأمل.

(2) ظاهر كلامه السابق و اللاحق إن كلامه في القطع بموضوع الحكم، أعني: القطع بالصغرى كالخمر، و من الظاهر أنه يوجب القطع بالمطلوب- و هو النتيجة- لا نفس القطع بالمطلوب، فلا يتم ما ذكره (قدّس سرّه) هنا في وجه عدم صدق الحجة عليه.

و العمدة ما ذكره أولا من أن الحجة ليست مطلق ما يوجب القطع بالمطلوب، بل خصوص الأوسط القياسي، و القطع بموضوع الحكم ليس وسطا قياسيا، لما فرض من عدم أخذه في الكبريات.

نعم ما ذكره (قدّس سرّه) من التعليل هنا إنما يتم في القطع بالكبرى المتضمنة للحكم الشرعي الكلي، و لا يبعد كونه هو محل كلامهم في المقام. لأنه هو الذي يهم الأصولي، و ليس القطع بالصغرى إلا مقدمة للقطع بالحكم الفرعي الجزئي، و هو ليس محل الكلام للأصوليين. فلاحظ.

(3) مما سبق تعرف أن المراد بالوسط هنا ليس الوسط القياسي، لأن الوسط القياسي يثبت أحكام نفسه لا أحكام متعلقه، فلا بد أن يراد بالوسط هنا الواسطة-

16

كما

1

إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا، لا على نفس الخمر، و كترتب وجوب الإطاعة عقلا على معلوم الوجوب، لا الواجب الواقعي.

و بالجملة: فالقطع قد يكون طريقا للحكم، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم.

ثم ما كان منه طريقا لا يفرق فيه بين خصوصياته، من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه، إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلقه، فيترتب عليه أحكام متعلقه، و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، لأنه مستلزم للتناقض.

[خواص القسمين‏]

[عدم جواز النهي عن العمل في الطريقي و جوازه في الموضوعي‏]

فإذا قطع كون مائع بولا- من أي سبب كان- فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه، لأن المفروض أنه بمجرد القطع يحصل له صغرى و كبرى، أعني قوله: «هذا بول، و كل بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه» فحكم الشارع بأنه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له‏

2

، إلا إذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب‏

- و العلة.

كما أن المراد بالثبوت هنا ما يساوق الإثبات لا ما يقابله. و قد عرفت أنه إنما يصح ذلك في الأدلة بالإضافة إلى الأحكام الواقعية لا الظاهرية. فلاحظ.

____________

(1) تمثيل لما كان مثبتا لحكم آخر غير حكم متعلقه، و هو الذي ذكر أنه لا يكون دليلا.

(2) يعني باعتقاد القاطع، و إن لم يلزم التناقض في الواقع لو فرض خطأ القطع. إلا أن هذا الفرض مما لا يلتفت إليه القاطع حين قطعه، لاعتقاده بصحة-

17

الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ما علم بوليته على وجه خاص من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما، فيكون العلم مأخوذا في الموضوع، و حكمه‏

1

أنه يتبع في اعتباره- مطلقا أو على وجه خاص- دليل ذلك الحكم الثابت الذي أخذ العلم في موضوعه.

فقد يدل على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به مطلقا، بمعنى انكشافه للمكلف من غير خصوصية للانكشاف، كما في حكم العقل‏

- قطعه، فلا يتسنى له تصحيح ترخيص الشارع و رفع التناقض عنه.

هذا و لكن النهي عن العمل بالقطع لا يرجع إلى الترخيص في متعلقه على خلاف حكمه الواقعي، بل مجرد عدم حجيته بنحو يصح الاحتجاج به للعبد و عليه، و ذلك لا يناقض الحكم الواقعي بوجه، كما لم يكن الحكم بعدم حجية الظن راجعا إلى الترخيص في متعلقه حتى يستلزم الظن بالتناقض، الذي هو ممتنع كالعلم به.

نعم الأصول الترخيصية- لو فرض جريانها- تقتضي الترخيص.

إلا أن ذلك مشترك بين العلم و الظن. و من ثم أشكل الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، و ما يصلح من الوجوه لدفع الإشكال المذكور و إن كان لا يجري مع القطع إلا أنه إنما لا يجري فيه لكون حجيته ذاتية بديهية، و معه لا حاجة إلى الاستدلال على حجيته بلزوم التناقض أو غيره.

على أن غاية ذلك عدم جريان الأصول الترخيصية، لا امتناع ردع الشارع عن حجية القطع.

مع أن بطلان التناقض لا طريق له إلا القطع، فالاستدلال به موقوف على حجيته، فكيف يكون دليلا عليها؟! نظير ما سبق في الاستدلال بالدور و التسلسل.

فلاحظ.

____________

(1) يعني: حكم القطع الموضوعي من حيث الإطلاق و التقييد.

18

بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فإن مدخلية القطع بالمطلوبية أو المبغوضية في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختص ببعض أفراده‏

1

. و كما في حكم الشارع بحرمة ما علم أنه خمر أو نجاسته بقول مطلق، بناء على أن الحرمة و النجاسة الواقعيتين إنما تعرضان موردهما بشرط العلم- لا في نفس الأمر- كما هو قول بعض.

و قد يدل دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاص أو شخص خاص، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين:

من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب و السنة، كما سيجي‏ء

2

، و ما ذهب إليه بعض: من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى‏

3

.

و أمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم غير القاطع‏

4

كثيرة، كحكم الشارع‏

____________

(1) لأن ملاك الحسن و القبح المذكورين هو حسن الانقياد للمولى و قبح التمرد عليه، و يصدق الانقياد و التمرد مع العلم بمراد المولى و بما يبغضه من دون خصوصية لأفراد العلم في ذلك.

(2) في التنبيه الثاني. لكن يأتي أنه من القطع الطريقي لا الموضوعي. و لذا كان ممتنعا عقلا.

(3) فإن ولاية القاضي على تنفيذ حقه تعالى تابعة للجعل الشرعي، فلا مانع من اعتبار قيام الطريق في موضوعها، كما لا مانع من تخصيصه بطريق خاص.

(4) لأن حجية القطع على غير القاطع ليست ذاتية، بل تحتاج إلى جعل شرعي كسائر الطرق و الأمارات، فيكون القطع المذكور مأخوذا في موضوع الحكم-

19

على المقلد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهادية المعهودة، لا من مثل الرمل و الجفر، فإن القطع الحاصل من هذه و إن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه‏

1

، إلا أنه لا يجوز للغير تقليده في ذلك، و كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإمامي من الطرق الاجتهادية المتعارفة، فإنه لا يجوز للغير العمل بها، و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحس لا من الحدس، إلى غير ذلك.

[قيام الأمارات و بعض الأصول مقام القطع الطريقي و الموضوعي الطريقي‏]

ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع: قيام الأمارات الشرعية و بعض الأصول العملية مقامه في العمل‏

2

، بخلاف المأخوذ في‏

- الظاهري للغير، فيقبل التخصيص.

____________

(1) لأنه بالإضافة إلى عمل نفسه طريقي محض، فحجيته ذاتية لا تقبل الردع، كما سبق.

(2) لأن ملاك العمل بالقطع منجزيته و معذريته بسبب الانكشاف الحاصل به، و أدلة اعتبار الأمارات و الأصول تقتضي المعذرية و المنجزية في مواردها بلا إشكال، إما لسوقها لذلك ابتداء، أو لسوقها لجعل الحجية الملزومة للمعذرية و المنجزية عقلا، أو لسوقها للتعبد بمضمونها المستلزم لهما أيضا، أو لأن مفادها جعلها علما تعبدا، فيترتبان عليها كما يترتبان على العلم، أو لأن مفادها تنزيلها منزلة العلم، أو تنزيل مؤدياتها منزلة الواقع، فيكون قيامها موجبا للعلم بالواقع التنزيلي، فيتنجز أو يكون موردا للمعذرية كالواقع الحقيقي المعلوم، أو لغير ذلك مما يذكر في المطولات.

و لعل الأقرب الثاني في مفاد أدلة الأمارات و الثالث في مفاد أدلة الأصول الشرعية، و الأول في بعض الأصول العقلية و تمام الكلام في المطولات.

20

الحكم على وجه الموضوعية، فإنه تابع لدليل الحكم.

فإن ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع [كالأمثلة المتقدمة. خ‏] قامت الأمارات و بعض الأصول‏

1

مقامه‏

2

.

- ثم إن بعض الأصول العقلية لا تتعرض للمعذرية و المنجزية، بل لمقام الامتثال لا غير بعد الفراغ عن مقام التنجز، كما في الاحتياط و التخيير، و من الظاهر عدم قيامها مقام القطع حينئذ، و إن وجب العمل بها، إلا أنه بملاك آخر غير ملاك العمل بالقطع.

____________

(1) و هي الأصول الإحرازية كالاستصحاب. أما مثل أصل البراءة فلا وجه لقيامه مقام القطع الموضوعي، إذ ليس فيه شائبة الكشف، و ليس مفاد دليله جعل الحجية، كما فصل في محله.

(2) لكن من الظاهر أن الأمارات ليست تامة الطريقية، لاحتمال خطئها، فلا وجه لقيامها مقام القطع التام الطريقية. و لذا لا إشكال في عدم قيام الأمارات غير المعتبرة مقامه.

نعم قد يدعى أن ذلك يكون بتوسط دليل اعتبارها.

إما بدعوى: أنه مفاد تتميم طريقيتها و كشفها تعبدا، فيلحقها حكم القطع التام الطريقية.

أو بدعوى: إنه مفاد تنزيلها منزلة القطع في الأحكام.

لكن الدعوى الأولى غير تامة، لأن الكشف من الأمور الحقيقية غير القابلة للتعبد و الاعتبار.

و الثانية- لو تمت- لا تنفع لأن التنزيل إنما يصح بلحاظ الأثر العملى، و حينئذ فالتنزيل منزلة العلم إن كان بلحاظ أثره لم تترتب آثار القطع الطريقي، لعدم الأثر الشرعي له، بل للمقطوع.

و إن كان بلحاظ أثر المقطوع لم تترتب آثار القطع الموضوعي، لاختصاص-

21

و إن ظهر من دليل الحكم اعتبار القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره، كما إذا فرضنا أن الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائية و الثلاثية،

- الأثر به دون المقطوع، و الجمع بينهما بعيد عن المرتكزات العرفية، بل لعله ممتنع، لأن الأول يستلزم لحاظ العلم بنفسه أصالة، لكونه موضوع الأثر، و الثاني يستلزم لحاظه آلة بما هو طريق للمعلوم الذي هو موضوع الأثر، فالجمع بينهما يستلزم الجمع بين اللحاظين المتنافرين، و حيث إنه لا إشكال في قيامها مقام القطع الطريقي فلا بد من عدم قيامها مقام الموضوعي.

هذا و قد يستفاد من دليل أخذ القطع في موضوع الحكم أنه قد اعتبر بما هو حجة يصح الاعتماد عليه في البناء على وجود متعلقه، و حينئذ لا يبعد كفاية ما دل على حجية الأمارات في ترتيب أحكام القطع عليها.

فإن قلت: ما سبق في تنزيل الأمارات منزلة العلم آت هنا، إذ التعبد بالحجية إنما يصح بلحاظ الأثر، و حينئذ فالأثر الملحوظ إما إن يكون هو أثر نفس الحجة، فلا تترتب آثار القطع الطريقي، أو أثر موضوعها و متعلقها فلا تترتب آثار القطع الموضوعي، و لا يمكن الجمع بينهما، لما سبق.

قلت: الحجية لا تتقوم بالأثر، حتى تستلزم ملاحظته بل هي معنى عقلائي اعتباري قائم بنفسه، و قوامها كون الشي‏ء بنحو صالح لأن يعتمد عليه في البناء على ثبوت مؤداه و تحققه.

و الظاهر أنه المراد من السلطان الذي تكرر كثيرا في الكتاب المجيد كقوله تعالى: «ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ».* و لا يبعد كون المراد بها هذا المعنى عند الأصوليين و الباحثين عن الأدلة.

نعم لا بد في جعله من أثر مصحح له، و إلا كان لاغيا. لكن لا يلزم لحاظه عند الجعل، بل يكفي توقع ترتب الأثر، بخلاف مقام التنزيل، فإنه متقوم بالأثر فلا بد من ملاحظته حينه و ملاحظة نحو انتسابه لطرفي التنزيل. فتأمل جيدا.

22

و الأوليين من الرباعية، فإن غيره- كالظن بأحد الطرفين، أو أصالة عدم الزائد- لا يقوم مقامه إلا بدليل خاص خارجي‏

1

غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة و أصالة عدم الأكثر.

و من هذا الباب: عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البينة أو اليد- على قول-

2

و إن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا، لأن العلم بالمشهود به في مقام العمل على وجه الطريقية، بخلاف مقام أداء الشهادة. إلا أن يثبت من الخارج: أن كل ما يجوز العمل به من الطرق الشرعية يجوز الاستناد إليه في الشهادة، كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد

3

.

____________

(1) و يكون ذلك الدليل موجبا للخروج عن ظهور الدليل الأول في كون الموضوع هو القطع بما هو صفة، إما لكونه أقوى منه ظهورا، أو لكونه مفسرا له حاكما عليه.

(2) كأنه لدعوى ظهور بعض النصوص في كون العلم مأخوذا في موضوع جواز الشهادة بما هو صفة خاصة، مثل ما رواه المحقق (قدّس سرّه) في الشرائع عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد سئل عن الشهادة: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أودع» و في خبر علي بن غياث: «لا تشهد بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك». و لعله المناسب للمرتكزات العرفية. و تمام الكلام في محله.

(3) و هي رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال (عليه السلام): نعم.

قال الرجل: أشهد أنه في يده و لا أشهد له فلعله لغيره.

فقال (عليه السلام): أ فيحل الشراء منه؟ قال: نعم.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فلعله لغيره. من أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا-

23

و مما ذكرنا يظهر: أنه لو نذر أحد أن يتصدق كل يوم بدرهم ما دام متيقنا بحياة ولده، فإنه لا يجب التصدق عند الشك في الحياة لأجل استصحاب الحياة

1

، بخلاف ما لو علق النذر بنفس الحياة، فإنه يكفي في الوجوب الاستصحاب.

[انقسام الظن كالقطع إلى طريقي و موضوعي‏]

ثم إن هذا الذي ذكرنا- من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقية و أخرى على وجه الموضوعية- جار في الظن أيضا، فإنه و إن فارق العلم في كيفية الطريقية- حيث إنّ العلم طريق بنفسه، و الظن المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتب أحكام متعلقه، كما أشرنا إليه سابقا- إلا أنه أيضا: قد يؤخذ طريقا

2

مجعولا إلى متعلقه، سواء كان موضوعا على وجه الطريقية لحكم متعلقه‏

3

أو لحكم‏

- لك ثم تقول بعد الملك: هو لي، و تحلف عليه، و لا يجوز لك أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك.

ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».

____________

(1) لظهور أخذ اليقين في النذر بما هو صفة خاصة.

(2) الظاهر أن المراد بأخذه طريقا للحاظه بما هو طريق و حجة لا بما هو صفة خاصة، فيشمل حينئذ الطريقي المحض الذي وظيفته الكشف عن الحكم الواقعي لمتعلقه، و إن كان موضوعا لحكمه الظاهري- كما سبق- كما يشمل القسم الأول من الموضوعي الذي هو مأخوذ في الحكم الواقعي لحكم آخر غير حكم متعلقه لكن بما هو طريق لا بما هو صفة خاصة.

(3) يعني: مأخوذا في موضوع الكبرى الشرعية الظاهرية، حيث تقدم أن الظنون المعتبرة- كالبينة- مأخوذة في موضوع الحكم الظاهري، و هي طريق الحكم-

24

آخر

1

يقوم مقامه سائر الطرق الشرعية

2

، فيقال: إنه حجة

3

. و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقية

4

لحكم متعلقه أو لحكم آخر، و لا يطلق عليه الحجة

5

فلا بد من ملاحظة دليل ذلك ثم الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكن الغالب فيه الأول.

- إلى الواقع الثابت لمتعلقاتها، كالخمر و الميتة. و هذا هو الظن الطريقي.

____________

(1) هذا إشارة إلى الظن الموضوعي الملحوظ بما هو طريق و حجة، حيث عرفت أنه لا يكون طريقا لحكم متعلقه، بل يكون مأخوذا في موضوع حكم آخر، على النحو الذي تقدم في القطع.

(2) لما عرفت من قيامها مقام القطع الطريقي و الموضوعي المأخوذ بما هو طريق لا بما هو صفة، فكذلك تقوم مقام الظن في القسمين المذكورين.

لكن لما كانت الطرق المذكورة كالظن في الافتقار إلى الجعل فلا وجه لفرض كونها قائمة مقامه، و ليس هو بأولى من العكس.

فالأولى أن يقال: إنها جميعا قائمة مقام العلم الذي تكون حجيته ذاتية، و هو مستغن عن الجعل.

(3) أما بناء على تفسير الحجة بالوسط القياسي فواضح. و أما بناء على تفسيرهما بما كان طريقا لثبوت أحكام متعلقه فلا يتم إلا في القسم الأول.

نعم بناء على ما ذكرنا قريبا في معنى الحجة من أنها عبارة عما يصح الاعتماد عليه في البناء على ثبوت متعلقه- و ذكرنا أنه بهذا المعنى تقوم مقامه الطرق- ففرض كون الظن مأخوذا بما هو طريق لا بما هو صفة خاصة ملازم لحجيته بالمعنى المذكور.

(4) يعنى بل بما هو صفة خاصة لم يلحظ فيها الحجية و الطريقية.

(5) يعني: باصطلاح أهل الأدلة لا بالمعنى الذي ذكره و لا بالمعنى الذي ذكرناه، كما يظهر بأدنى تأمل.

25

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول [هل القطع حجة مطلقا او فى خصوص صورة مصادفته للواقع‏]

[الكلام في التجري و أنه حرام أم لا؟]

أنه قد عرفت أن القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلة المثبتة لأحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها، فيقطع بالنتيجة، فإذا قطع بكون شي‏ء خمرا، و قام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة، فيقطع بحرمة ذلك الشي‏ء.

لكن الكلام في أن قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع‏

1

و إن‏

____________

(1) بمعنى: صحة احتجاج الشارع عليه به، لا كونه مجعولا من قبله، لما عرفت من امتناع جعله حجة في مقام العمل مطلقا حتى في حال الخطأ.

ثم إن الكلام لا يختص بالشارع، بل يجري في سائر الموالي. كما أنه لا يختص بالقطع، بل يجري في الحجج الشرعية أيضا.

و من ثم كان الأولى له (قدّس سرّه) أن يحرر النزاع بوجه آخر، فيقول: إن اعتبار قيام الحجة في صحة العقاب هل يرجع إلى كونه تمام الموضوع له، فيحسن معه، و لو لم يصادف الواقع، أو إلى كونه جزء الموضوع له، فلا بد من فرض المخالفة الواقعية مع مخالفة الحجة في حسنه؟

26

كان مخالفا للواقع في علم اللّه، فيعاقب على مخالفته، أو أنه حجة عليه إذا صادف الواقع؟ بمعنى: أنه لو شرب الخمر الواقعي عالما عوقب عليه في مقابل من شربها جاهلا، لا أنه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا و إن لم يكن خمرا في الواقع.

[الاستدلال على حرمة التجري بالإجماع‏]

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتفاق على الأول، كما يظهر من دعوى جماعة الإجماع على أن ظان ضيق الوقت إذا أخر الصلاة عصى و إن انكشف بقاء الوقت، فإن تعبيرهم بظن الضيق لبيان أدنى مراتب فردي الرجحان‏

1

، فيشمل القطع بالضيق.

نعم، حكي عن النهاية، و شيخنا البهائي، التوقف في العصيان، بل في التذكرة: «لو ظن ضيق الوقت عصى لو أخر إن استمر الظن‏

2

، و إن انكشف خلافه فالوجه عدم العصيان»، انتهى. و استقرب العدم سيد مشايخنا في المفاتيح.

و كذا لا خلاف بينهم ظاهرا في أن سلوك الطريق المظنون الخطر، أو مقطوعه، معصية يجب إتمام الصلاة فيه، و لو بعد انكشاف عدم الضرر فيه. فتأمل‏

3

.

____________

(1) لوجوب متابعة الظن في المقام كالقطع، لا لخصوصية فيه.

(2) يعني: عصى ظاهرا، إذ من المحتمل خطأ الظن، فلا معصية بناء على إناطتها بالواقع.

(3) لعله إشارة إلى أن اتفاقهم على وجوب الإتمام لا يدل على ما نحن فيه، لاحتمال كون منشئه أن الظن بالمخالفة و المعصية مأخوذ في موضوع وجوب الإتمام و لو لم تتحقق المعصية واقعا.

27

و يؤيده: بناء العقلاء على الاستحقاق. و حكم العقل بقبح التجري.

[الاستدلال على الحرمة بالدليل العقلي‏]

و قد يقرر دلالة العقل على ذلك‏

1

: بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا، و قطع الآخر بكون مائع معين آخر خمرا، فشرباهما، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر:

فإما أن يستحقا العقاب، أو لا يستحقه أحدهما، أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني و الرابع، و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار

2

، و هو مناف لما يقتضيه العدل، فتعين الأول.

و يمكن الخدشة في الكل.

- أو أن الظن بالضرر مأخوذ موضوعا في حرمة الاقدام على الضرر المظنون واقعا، فالاقدام على الضرر المظنون حرام واقعا لا ظاهرا، فانكشاف الخطأ لا يقتضي عدم حرمة الاقدام. و إن كان الثاني خلاف ظاهر الأدلة، و الأول محتاج إلى التأمل و النظر فيها.

____________

(1) قيل: إن المقرر هو الفاضل السبزواري (قدّس سرّه).

(2) و هو إصابة الواقع و عدمها. لكن تعليل ذلك بمنافاته للعدل في غير محلها، لأن المنافي للعدل نفس العقاب لأجل أمر غير اختياري، أما استحقاقه فهو تابع لحكم العقل الذي لا معنى لمنافاته للعدل.

28

أما الإجماع فالمحصل منه‏

1

غير حاصل، و المسألة عقلية

2

، خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية

3

و ستعرف من قواعد الشهيد (قدّس سرّه)، و المنقول منه ليس حجة في المقام‏

4

.

و أما بناء العقلاء فلو سلم فإنما هو على مذمة الشخص‏

5

من حيث إن هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن انكشف لهم من حاله أنه بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله، فإن المذمة على المنكشف‏

6

، لا الكاشف‏

7

.

____________

(1) يعني: بنحو يكشف عن رأى المعصوم (عليه السلام) المعلوم عدم خطئه حتى في الأمور العقلية.

(2) فيحتمل بل يعلم استنادهم فيها إلى حكم العقل، بل هو بنظرهم، لا إلى رأى المعصوم (عليه السلام) المأمون عليه الخطأ. هذا بناء على أن الكلام في استحقاق العقاب بسبب التجري لا في حرمة الفعل المتجرى به شرعا، و إلا كانت المسألة شرعية.

و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى. فلاحظ.

(3) و كذا من التذكرة حيث جزم بالعدم، كما تقدم.

(4) يعني: بلحاظ كون المسألة عقلية، بل التحقيق عدم حجيته حتى في المسائل الشرعية كما يأتي في محله.

(5) المفروض في الاستدلال دعوى بناء العقلاء على الاستحقاق، لا مجرد الذم، فحمله على مجرد الذم ينافي التسليم بالدعوى المذكورة، و هو راجع إلى إنكارها.

(6) و هو صفة الشقاء المبنية على التمرد.

(7) و لو كان الذم على الكاشف لكان نافعا فيما نحن فيه، حيث يقتضي قبح نفس الفعل الصادر باعتقاد التحريم فيدل على كونه جريمة و ذنبا يستحق من أجله-

29

و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجري‏

1

، فإنه لكشف ما تجرى به عن خبث الفاعل، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

و الحاصل: أن الكلام في كون هذا الفعل الغير المنهي عنه واقعا مبغوضا للمولى‏

2

من حيث تعلق اعتقاد المكلف بكونه مبغوضا، لا في أن هذا الفعل المنهي عنه باعتقاده ظاهرا ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيده و كونه في مقام الطغيان و المعصية، فإن هذا

3

غير منكر في المقام كما سيجي‏ء، لكن لا يجدي في كون الفعل محرما شرعيا

4

، لأن استحقاق المذمة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل، و من المعلوم أن الحكم العقلي باستحقاق الذم إنما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل، لا بالفاعل‏

5

.

- العقاب.

____________

(1) يعني: عن دعوى حكم العقل بقبح التجري التي تقدم الاستدلال بها في المقام.

(2) عرفت أن الكلام في المقام يحتمل أن يكون في حرمة الفعل المتجرى به و كونه مبغوضا للمولى، كما يحتمل أن يكون في استحقاق العقاب عليه و إن لم يكن مبغوضا، و لا محرما، و أنه سيأتي الكلام في الأمرين معا.

(3) و هو كون الفعل كاشفا عن سوء سريرة العبد.

(4) كما لا يجدي في إثبات استحقاق العقاب عليه لو لم يكن محرما شرعيا.

(5) و الحاصل: أن استحقاق العقاب و التحريم الشرعي تابعان لقبح الفعل و هو غير ثابت، و مجرد الذم لا يقتضيه لإمكان ابتنائه على قبح الفاعل المنكشف بالفعل، و هو غير كاف في استحقاق العقاب و لا في تحريم الفعل، كما لعله ظاهر.

30

و أما ما ذكر من الدليل العقلي، فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع، لأنه عصى اختيارا، دون من لم يصادف.

و قولك: إن التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار، ممنوع، فإن العقاب‏

1

بما لا يرجع بالآخرة إلى الاختيار قبيح، إلا أن عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم، كما يشهد به الأخبار الواردة في أن: من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، و من سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها.

فإذا فرضنا أن شخصين سنا سنة حسنة أو سيئة، و اتفق كثرة العامل بإحداهما و قلة العامل بما سنة الآخر، فإن مقتضى الروايات كون ثواب الأول أو عقابه أعظم‏

2

، و قد اشتهر: «أن للمصيب أجرين و للمخطئ‏

____________

(1) قد يظهر منه أن الكلام في العقاب و عدمه، لا في استحقاقه و عدمه. لكنه ليس محل الكلام، و الكلام إنما هو في الاستحقاق، و إن كان تعليله في الاستدلال السابق بمنافاة العدل إنما يناسب إرادة نفس العقاب.

فالأولى أن يقال في الجواب: إنه بناء على عدم استحقاق المتجري للعقاب يكون استحقاق العقاب منوطا بالمخالفة الواقعية التي هى اختيارية للمصيب، و عدم الاستحقاق مع الخطأ لعدم الموضوع، و لا مانع عند العقلاء من كونه غير اختياري، فعدم الموضوع يوجب عدم العقاب و إن لم يستند إلى الاختيار، نظير من لا يتحقق منه العصيان لحبس و نحوه مما يوجب سلب قدرته على المعصية و إن كان بحيث لو قدر لعصى. فلاحظ.

(2) مع أن لازمه رفع العقاب عن الثاني بسبب أمر غير اختياري، و هو عدم العمل بسنته السيئة، و كذا يلزمه زيادة ثواب الأول بسبب أمر غير اختياري، و هو العمل بسنته الحسنة. فتأمل.

31

أجرا واحدا

1

». و الأخبار في أمثال ذلك في طرف الثواب و العقاب بحد التواتر

2

.

فالظاهر: أن العقل إنما يحكم بتساويهما

3

في استحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته مع المولى‏

4

، لا في استحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية

5

.

و ربما يؤيد ذلك: أنا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة الذم بين من صادف قطعه الواقع و بين من لم يصادف.

إلا أن يقال: إن ذلك إنما هو في المبغوضات العقلائية، من حيث أن زيادة الذم من المولى و تأكده من العقلاء، بالنسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفي، المستحيل في حق الحكيم تعالى، فتأمل‏

6

.

____________

(1) فإنه يدل على زيادة ثواب المصيب بسبب أمر غير اختياري، و هو كرفع العقاب بسبب أمر غير اختياري.

(2) لكنها واردة في فعلية الثواب و العقاب، لا في استحقاقهما الذي هو محل الكلام.

(3) يعني: تساوي المصيب و المخطئ في المثال السابق في الاستدلال السابق المنسوب للسبزواري.

(4) الذي عرفت أنه ليس مدار العقاب.

(5) كي يدل على قبح نفس الفعل ليستحق عليه العقاب.

(6) لعله إشارة إلى منع زيادة الذم للمصيب عند العقلاء، إذ الذم تابع للقصد الجرمي الذي يشترك بين المصيب و المخطئ، و قبح فعل المصيب واقعا لا دخل له فيه.-

32

- و قد ظهر من جميع ما سبق عدم وفاء شي‏ء من الوجوه السابقة في إثبات تحريم التجري و كونه منشأ لاستحقاق العقاب. و من ثم كان ظاهر المصنف (قدّس سرّه) البناء على عدمهما.

و الذي ينبغي أن يقال:

إن كان المدعى مبغوضية الفعل للمولى بعنوان كونه صادرا بقصد التجري، بحيث يكون محرما ثانويا واقعيا، كالغصب فذلك أمر شرعي تعبدي لا بد في إثباته من أدلة شرعية أو عقلية كاشفة عن الحكم الشرعي، و ليس في الأدلة ما ينهض بذلك.

إذ الإجماع ليس بنحو يكشف عن رأى المعصوم، خصوصا مع قرب احتمال أن يكون مرادهم مجرد استحقاق العقاب على الفعل، الذي هو أعم من الحرمة كما سيأتى، فتكون المسألة عقلية لا شرعية.

و مثله جميع الأدلة الشرعية التي قد تدل على العقاب، فإنها غير ظاهرة في الحرمة الواقعية، بل قد تظهر في اختصاص الحرمة بموضوعاتها الواقعية.

و كذا حكم العقل و العقلاء بالذم و القبح و استحقاق العقاب، إذ هي- لو سلّمت- أعم من المدعى.

و إن كان المدعى استحقاق العقاب بالتجري من دون أن يقتضى حرمة الفعل فالمسألة عقلية لا مجال للأدلة الشرعية فيها، إلا بأن تكشف عن الحكم العقلي لو فرض حصول الشبهة فيه.

و الظاهر أن الدليل عليها منحصر ببناء العقلاء على الاستحقاق- الذي سبق من المصنف (قدّس سرّه) الإشارة إليه- و إنكاره مكابرة.

لكن ليس بنحو يقتضي مبغوضية الفعل للمولى، و لا الذم على نفس الفعل، حتى يسهل إنكار ذلك، بل بنحو يرجع إلى أن موضوع استحقاق العقاب ليس-

33

[تفصيل صاحب الفصول في التجري‏]

هذا، و قد يظهر من بعض المعاصرين‏

1

: التفصيل في صورة القطع بتحريم شي‏ء غير محرم واقعا، فرجح استحقاق العقاب بفعله، إلا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة

2

، فإنه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد

3

، نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية، فإن قبح التجري عندنا ليس ذاتيا، بل يختلف بالوجوه و الاعتبار.

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل، فحسب أنه ذلك الكافر و تجرى فلم يقتله، فإنه لا يستحق الذم على هذا الفعل عقلا عند من انكشف له الواقع، و إن كان معذورا لو فعل.

- هو المخالفة الواقعية بشرط قيام الحجة، بل مخالفة الحجة عملا لما يستلزم ذلك من التمرد و مجاهرة المولى و هتك حرمته عملا الذي يحصل مع خطأ الحجة كما يحصل مع إصابتها. و به يفترق عن ظهور خبث النفس من غير طريق التجري، فإنه لا يستلزم شيئا من ذلك.

و دعوى: أنه لا بد في الاستحقاق من مبغوضية الفعل و قبحه (مصادرة) بل لما كان الاستحقاق بحكم العقل فهو لا يفرق بين الأمرين. و الرجوع إلى المرتكزات العقلائية كاف في استيضاح الحكم المذكور.

و لعل في الأدلة النقلية ما يشهد بذلك بعد التأمل فيها. فلاحظ.

____________

(1) و هو صاحب الفصول.

(2) إذ لو كان مشروطا بقصد القربة كان الاعتقاد بحرمته مانعا من التقرب به فيبطل، و لا يكون حسنا واقعا، حتى يمكن فيه دعوى مزاحمة حسنه لقبح التجري.

(3) لعله إشارة إلى ما يأتي منه من احتمال ملاحظة الأهمية في الواجب الواقعي أو في التجري.

34

و أظهر من ذلك: ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي، فتجرى فلم يقتله.

أ لا ترى: أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له، فصادف العبد ابنه و زعمه ذلك العدو فتجرى و لم يقتله، أن المولى إذا اطلع على حاله لا يذمه على هذا التجري، بل يرضى به و إن كان معذورا لو فعل.

و كذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوه، فأدى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرى و لم يفعل.

و هذا الاحتمال‏

1

حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع، و لذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب، لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب، بخلاف ما لو ترك العمل به، فإن المظنون فيه عدمها

2

.

و من هنا يظهر: أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية

____________

(1) و هو احتمال خطأ الطريق المنصوب.

(2) إنما تكون السلامة مظنونا بعدمها إذا احتمل كون مخالفة الطريق موجبة لحصول واجب، ليزاحم قبح التجري، أما لو علم بعدم حصول واجب في ذلك و غاية ما يحتمل هو حصول المباح فيقطع بعدم السلامة عن العقاب، للعلم بعدم مزاحمة قبح التجري بشي‏ء.

هذا بناء على أن الاقدام على مخالفة الطريق اعتمادا على احتمال خطئه من أقسام التجري، أما بناء على عدم كونه من أقسام التجري و أن استحقاق العقاب معه مختص بما إذا تحققت المعصية الواقعية فلا قطع باستحقاق العقاب، بل يكون مظنونا للظن بعدم خطأ الطريق. فلاحظ.

35

أشد منه في مباحاتها، و هو فيها أشد منه في مندوباتها، و يختلف باختلافها ضعفا و شدة كالمكروهات، و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاته و جهات التجري. انتهى كلامه، رفع مقامه.

أقول: يرد عليه:

أولا: منع ما ذكره من عدم كون قبح التجري ذاتيا، لأن التجري على المولى قبيح ذاتا سواء كان لنفس الفعل، أو لكشفه عن كونه جريئا- كالظلم- بل هو قسم من الظلم‏

1

، فيمتنع عروض الصفة المحسنة له، و في مقابله الانقياد للّه سبحانه و تعالى، فإنه يمتنع أن يعرض له جهة مقبحة.

و ثانيا: لو سلم أنه لا امتناع في أن يعرض له جهة محسنة، لكنه باق على قبحه‏

2

ما لم يعرض له تلك الجهة، و ليس مما لا يعرض له في نفسه‏

____________

(1) لأن من حقوق المولى الأعظم على عبده خضوعه له و انقياده لتكاليفه، و التجري، ينافي الحق المذكور، فيكون ظلما.

لكن الالتزام بذلك مستلزم للالتزام باستحقاق العقاب، فلا يحسن من المصنف (قدّس سرّه) الذي تقدم منه إنكار ذلك، إلا أن يكون هذا منه (قدّس سرّه) مبنيا على متابعة الفصول في تسليم قبح التجري و إلزامه بمقتضى مذهبه.

(2) يعني: الذاتي، خلافا لما سبق من الفصول من عدم كون قبحه ذاتيا. لكن الظاهر أن مراده بعدم كونه ذاتيا أنه ليس من لوازم الذات التي لا تنفك عنها بسبب وجود المزاحم.

لا أنه لا اقتضاء للذات له لو خليت و نفسها، و لذا التزم باستحقاق العقاب بالتجري إذا لم يصادف واجبا.

36

حسن و لا قبح إلا بعد ملاحظة ما يتحقق في ضمنه.

و بعبارة أخرى: لو سلمنا عدم كونه علة تامة للقبح كالظلم، فلا شك في كونه مقتضيا له كالكذب، و ليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها و لا قبحها، و حينئذ فيتوقف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمن لإنجاء نبي.

و من المعلوم أن ترك قتل المؤمن بوصف أنه مؤمن في المثال الذي ذكره، كفعله، ليس من الأمور التي تتصف بحسن أو قبح، للجهل بكونه قتل مؤمن‏

1

، و لذا اعترف في كلامه بأنه لو قتله كان معذورا

2

، فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقق التجري في ضمنه مما يتصف بحسن أو قبح، لم يؤثر في اقتضاء ما يقتضي القبح‏

3

، كما لا يؤثر

4

في اقتضاء ما يقتضي‏

- فالظاهر أن مراده من كون قبحه بالوجوه و الاعتبارات أنها صالحة للتأثير فيه، لا أنها هي المقتضية له مع عدم اقتضاء الذات له.

____________

(1) الجهل لا ينافي الحسن و القبح الواقعيين التابعين لترتب المفسدة أو المصلحة على الشي‏ء. و مدعى صاحب الفصول صلوح جهة الحسن الواقعية لمزاحمة قبح التجري.

فالعمدة منع صلوح جهات الحسن و القبح الواقعية لمزاحمة جهات الحسن و القبح الظاهرية الحاصلة بالتجري و الانقياد بنحو تمنع من تأثيرهما الثواب و العقاب، كما سيأتي.

(2) و لو كانت الجهة الواقعية مؤثرة في الحسن و القبح اللذين هما مناط العقاب و الثواب لم يكن معذورا. فلاحظ.

(3) لأن المزاحمة مشروطة بتنافي المتزاحمين أثرا.

(4) النقض على الفصول بذلك في غاية المتانة، لأن المقامين من باب واحد-

37

الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره، فإنه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد، و عدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.

و دعوى: أن الفعل الذي يتحقق به التجري و إن لم يتصف في نفسه بحسن و لا قبح لكونه مجهول العنوان لكنه لا يمتنع أن يؤثر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه‏

1

، إلا أن نقول بعدم مدخلية الأمور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذم‏

2

، و هو محل نظر، بل منع.

و عليه‏

3

يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجري‏

4

.

مدفوعة- مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه و بين ما تقدم من الدليل العقلي، كما لا يخفى على المتأمل‏

5

-: بأن العقل مستقل بقبح التجري‏

- و سيأتي تمام الكلام إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) لما كان المفروض ثبوت الاقتضاء فلا معنى لمزاحمة المقتضي بما لا يقتضي أثرا مزاحما لمقتضاه.

(2) يعني: أن الأمور الواقعية لما كانت غير اختيارية لعدم القصد إليها بسبب الجهل بها، امتنع تأثيرها في رفع القبح الحاصل من التجري، لأن الحسن و القبح تابعان للأمور الاختيارية.

(3) يعني: على المنع من الدعوى السابقة، و هي دعوى عدم دخل الأمور غير الاختيارية في الحسن و القبح.

(4) و هو الدليل المتقدم عن السبزواري، حيث تقدم من المصنف (قدّس سرّه) الجواب عنه بأنه لا مانع من ارتفاع العقاب لأجل الأمور غير الاختيارية، و القبيح إنما هو دخلها في تحقق العقاب.

(5) لعل الفرق بينهما: إن المدعى هناك عدم العقاب لعدم المقتضي و عدم-

38

في المثال المذكور

1

، و مجرد تحقق ترك قتل المؤمن في ضمنه مع الاعتراف بأن ترك القتل لا يتصف بحسن و لا قبح لا يرفع قبحه، و لذا يحكم العقل بقبح الكذب و ضرب اليتيم إذا انضم إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك‏

2

.

- المقتضي للعقاب مانع من استحقاقه و إن كان ناشئا من أمر غير اختياري.

أما هنا فعدم الاستحقاق ليس لعدم المقتضي، لفرض تمامية اقتضاء التجري، بل لدعوى المزاحم و مع فرض عدم كون المزاحم اختياريا يمتنع تأثيره في الحسن و القبح، فيمتنع أن يزاحم المقتضي لهما، كما ذكرنا.

____________

(1) يعني: إن التزاحم لما كان في الجهات المقتضية للحسن و القبح العقليين فلا بد من إدراك العقل له، و لا يدركه العقل في المقام، بل يدرك قبح التجري بلا مزاحم.

و التحقيق: أن الحسن و القبح الواقعيين التابعين للملاكات الواقعية المستتبعة لإرادة المولى و كراهته و أمره و نهيه تشريعا، لا يصلحان لمزاحمة الحسن و القبح الحاصلين للانقياد و التجري، لعدم التمانع بينهما في مقام الأثر، لعدم السنخية بين أثريهما، إذ استحقاق العقاب و الثواب تابع للجهة الثانية، و الآثار الواقعية تابعة للأولى.

فاللازم الالتزام بأن كلتا الجهتين مؤثرة فيما تقتضيه من دون أن تزاحمها الجهة الأخرى. كما أنه لاجل ذلك يمتنع تأكد تأثير إحدى الجهتين بالأخرى.

و عليه يتعين بطلان ما ذكره في الفصول من تخفيف العقاب أو رفعه مع مصادفة التجري لفعل واجب أو ترك حرام.

و لذا لا يظن منه الالتزام بتخفيف الثواب أو رفعه لو صادف الانقياد ترك واجب أو فعل حرام مع كون المقامين من سنخ واحد، كما لا يخفى.

(2) يعني: بوجود المصلحة الرافعة لقبح الكذب و ضرب اليتيم.

39

ثم إنه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: أن التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما.

و لم يعلم معنى محصل لهذا الكلام، إذ مع كون التجري عنوانا مستقلا في استحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن أريد به وحدة العقاب‏

1

، فإنه ترجيح بلا مرجح‏

2

، و إن أريد به عقاب زائد على عقاب محض التجري، فهذا ليس تداخلا، لأن كل فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.

و التحقيق: أنه لا فرق في قبح التجري بين موارده، و أن المتجري لا إشكال في استحقاقه الذم من جهة انكشاف خبث باطنه و سوء سريرته بذلك. و أما استحقاقه للذم من حيث الفعل المتجرى في ضمنه، ففيه إشكال، كما اعترف به الشهيد (قدّس سرّه) فيما يأتي من كلامه.

____________

(1) إلا أن يرجع إلى عدم الموجب للعقاب على الجهة الواقعية بنفسها مع قطع النظر عن العلم بها. و إن العقاب على التجري لا غير، فلا موجب للعقاب في قبال التجري حتى يرد ما ذكره المصنف (قدّس سرّه). لكن لا وجه حينئذ للتعبير في الفصول بالتداخل، كما هو ظاهر.

بل لا وجه لدعوى أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في المباحات كما سبق منه ايضا.

(2) هذا إنما يلزم لو كان مدعى الفصول كون العقاب مسببا عن أحدهما بعينه، أما لو التزم بكونه مسببا عنهما معا فلا مجال للإشكال بذلك، بل اللازم الإشكال عليه بأصالة عدم التداخل في الأسباب المتعددة في المسبب القابل للتعدد أو التأكد، التي لا إشكال فيها ظاهرا، بل و لا في الخروج عنها من دليل و هو مفقود.

40

بل يظهر منه (قدّس سرّه): أن الكلام في تأثير نية المعصية إذا تلبس بما يراه معصية، لا في تأثير الفعل المتلبس به إذا صدر عن قصد المعصية، فتأمل‏

1

.

[دلالة الأخبار الكثيرة على العفو عن التجري بمجرد القصد إلى المعصية]

نعم، يظهر من بعض الروايات حرمة الفعل المتجرى به، لمجرد الاعتقاد، مثل موثقة سماعة

2

في رجلين قاما إلى الفجر، فقال أحدهما:

هو ذا، و قال الآخر: ما أرى شيئا، قال (عليه السلام): فليأكل الذي لم يتبين له، و حرم على الذي زعم أنه طلع الفجر، إن اللّه تعالى قال:

كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.

____________

(1) لعله إشارة إلى رجوع هذا إلى دعوى العقاب على التجري، غايته ليس على نفس الفعل، بل على القصد في ظرفه، فما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) لا ينافي العقاب على التجري.

(2) كأنه لحكم الإمام (عليه السلام) بحرمة الأكل على الذي تبين له، و مقتضى إطلاقه ثبوت الحرمة حتى في ظرف الخطأ، فيدل على حرمة التجري.

و فيه: أن التبين في الآية الكريمة إن كان هو الموضوع الواقعي للحرمة كان القطع موضوعيا و خرج عن باب التجري. و إن كان ذكره موضوعا في الحكم الظاهري مع كون موضوع الحكم الواقعي هو طلوع الفجر واقعا كما هو الظاهر كان مراد الامام (عليه السلام) من الحرمة هي الظاهرية، ليطابق الدليل، و هو الآية، و ذلك يقتضي اختصاص الحرمة الواقعية بحال الإصابة، و لا تعم الخطأ. و لا دلالة له حينئذ على كون الفعل معصية واقعا بسبب التجري. فهي أجنبية جدا عما رامه المصنف (قدّس سرّه) من سوقها لبيان حرمة نفس الفعل المتجرى به.

فالتحقيق ما سبق من عدم الدليل على ذلك، كما سبق عن الشهيد (قدّس سرّه) و يأتي في كلامه الآتي.

41

و أما التجري على المعصية بسبب القصد إلى المعصية

1

، فالمصرح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه، و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا، مثل:

قوله (صلوات اللّه عليه): «نية الكافر شر من عمله».

و قوله: «إنما يحشر الناس على نياتهم».

[دلالة بعض الأخبار على العقاب بالقصد]

و ما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار، و خلود أهل الجنة في الجنة، بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلدوا في الدنيا.

و ما ورد من أنه: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار، قيل: يا رسول اللّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لأنه أراد قتل صاحبه».

و ما ورد في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام، كغارس الخمر و الماشي لسعاية مؤمن.

و فحوى‏

2

ما دل على أن الرضا بفعل كفعله، مثل ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، و على الداخل إثمان: إثم الرضا، و إثم الدخول».

و ما ورد في تفسير قوله تعالى:

فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:

____________

(1) يعني: من دون مباشرة فعل يعتقد بكونه معصية.

(2) فإن العقاب على الرضا يقتضي العقاب على العزم على فعل الحرام، لأن العزم يشتمل على الرضا و زيادة. فتأمل.

42

من أن نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخرهم عن القاتلين بكثير، لرضاهم بفعلهم‏

1

.

و يؤيده: قوله تعالى‏

2

:

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ،

و قوله تعالى‏

3

:

إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ،

و ما ورد

4

من أن: «من رضي بفعل فقد لزمه و إن لم يفعل»، و قوله تعالى‏

5

:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

____________

(1) هذا غير متعرض للعقاب، بل لمجرد صحة نسبة الفعل إلى الراضي به.

فتأمل.

(2) ذكر بعض المفسرين أن المراد بالذي يحب اشاعة الفاحشة في الذين آمنوا هو نسبتها إليهم و قذفهم بها، فليست هي متعرضة لمحض النية، بل للفعل المحرم، فتكون أجنبية عما نحن فيه.

لكن لا يبعد أن يكون التعبير بالحب مشعرا بأن المدار عليه لا على نفس القذف، فتصلح لتأييد المطلب، و إن لم يمكن الاستدلال بها. فلاحظ.

(3) بناء على أن المراد من الإبداء محض الإظهار، و من الإخفاء مجرد النية.

فيدل على العقاب على النية. لكن لا يبعد أن يكون المراد به العقاب على الفعل الصادر عن النية، غايته أن النية الدافعة للفعل و الموجبة له قد تظهر و قد تختفي.

(4) هذا ملحق بأدلة العقاب على الرضا، و ليس من سنخ ما سبق مؤيدا للمطلب.

(5) بناء على أن المراد محض الإرادة، كما هو مقتضى الجمود على ألفاظ الآية، لا أن الكناية عن نفس الفعل التابع لها، و إلا كان أجنبيا عما نحن فيه، إلا إن يكون مسوقا للتأييد لإشعار ذكر الإرادة بدخلها. فلاحظ.

43

[الجمع بين أخبار العفو و العقاب‏]

و يمكن حمل الأخبار الأول على من ارتدع عن قصده بنفسه، و حمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره.

أو يحمل الأول على من اكتفى بمجرد القصد، و الثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات‏

1

، كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرم، حيث عممه بعض الأساطين لإعانة نفسه على الحرام، و لعله لتنقيح المناط، لا بالدلالة اللفظية

2

.

____________

(1) هذا لا يناسب الاستدلال بفحوى ما تضمن العقاب على الرضا، لعدم كون الرضا مبنيا على الاشتغال بالمقدمات، فالحمل الأول لعله أنسب بذلك.

فلاحظ.

(2) لعدم صدق الإعانة في فعل الإنسان نفسه، لظهور الإعانة في تعدد المعين و المعان، هذا، و في إمكان تنقيح المناط إشكال إذ إعانة الانسان لنفسه شرط في تحقق المعصية، فلا يمكن حرمتها في قبال المعصية، بخلاف إعانته لغيره. فتأمل.

ثم إنه لو فرض ظهور الأدلة في ثبوت العقاب على العزم على المعصية فلا مجال لدعوى منافاتها لحكم العقل بلحاظ أن العقاب فرع الجريمة، و مجرد العزم لا يكون جريمة. لعدم وضوح القاعدة المذكورة، لإمكان دعوى كفاية العزم في استحقاق العقاب و إن لم تكن بذلك الوضوح، و لأجله لا مجال لرد الأدلة لو تمت دلالتها. و لو فرض تمامية الحكم العقلي المذكور تعين حمل الأدلة على حرمة العزم شرعا، ليكون جريمة يستحق لأجلها العقاب.

و دعوى: كونه خارجا عن الاختيار و إلا لتسلسل.

ممنوعة: لأن التسلسل يمنع من توقف جميع أفراد العزم على الاختيار و لا يمنع من دخول بعض أفراده تحته، كما أوضح في مباحث الإرادة.-

44

[أقسام التجري‏]

ثم اعلم: أن التجري على أقسام، يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلتها.

أحدها: مجرد القصد إلى المعصية.

ثانيها: القصد مع الاشتغال بمقدماته.

و ثالثها: القصد مع التلبس بما يعتقد كونه معصية.

و رابعها: التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقق المعصية به.

و خامسها: التلبس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام.

و سادسها: التلبس به رجاء أن لا يكون معصية، و خوف أن يكون معصية.

و يشترط في صدق التجري في الثلاثة الأخيرة: عدم كون الجهل عذرا عقليا أو شرعيا

1

كما في الشبهة المحصورة الوجوبية أو التحريمية،

- هذا و لو تم ثبوت العقاب على العزم على المعصية كان العقاب على التجري أولى، لما فيه من العزم مع المباشرة و إعلان التمرد على المولى، كما لا يخفى.

____________

(1) إذ لو كان عذرا جاز الاقدام و لم يحسن العقاب بلا كلام.

لكن الظاهر اختصاص العذر بما إذا لم يكن الاقدام برجاء تحقق المعصية، بحيث يكون العمل مبتنيا على الالتفات إلى العذر و الاعتماد عليه، أما إذا لم يبتن على ذلك بل ابتنى على الرغبة في مخالفة المولى و الاستهانة بالحكم الشرعي، كما لو كان الشخص في مقام التمرد و لم يتيسر له مقطوع الحرمة، بل تيسر له محتمل الحرمة لا غير فأقدم عليه رغبة في الوقوع في الحرام أشكل خروجه عن التجري، إذ مجرد وجود العذر لا يصلح للاعتذار ما لم يكن عمل المعتذر مبتنيا عليه.

بل لا يبعد ذلك في الصورة الخامسة المبتنية على عدم المبالاة بالمعصية نعم لا بدّ-

45

و إلا لم‏

1

يتحقق احتمال المعصية و إن تحقق احتمال المخالفة للحكم الواقعي، كما في موارد أصالة البراءة و استصحابها.

ثم إن الأقسام الستة كلها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمة من حيث خبث ذاته و جرأته و سوء سريرته، و إنما الكلام في تحقق العصيان بالفعل المتحقق في ضمنه التجري. و عليك بالتأمل في كل من الأقسام.

قال الشهيد (قدّس سرّه) في القواعد:

لا يؤثر نية المعصية عقابا و لا ذما

2

ما لم يتلبس بها، و هي مما ثبت في الأخبار العفو عنه.

- في ذلك من كون الملحوظ هو المعصية من حيث هي معصية و لا يكفي مجرد القصد إلى موضوعها إذا كان معتمدا على العذر العقلي أو الشرعي فمن أقدم على شرب محتمل الخمرية برجاء أن يكون خمرا قد رخص الشارع أو العقل في ارتكابه ظاهرا فهو يحب الخمر من حيث هو لا من حيث كونه معصية و حراما، لا يكون متجريا و لا عاصيا، بل لا يعاقب حتّى لو صادف الخمر بعد فرض الترخيص المذكور.

كما أنه لا يبعد عدم صدق التجري لو كان الإقدام مع الاحتمال المنجز كما في الشبهة المحصورة برجاء عدم الوقوع في الحرام، لعدم القصد إلى التمرد و هتك حرمة المولى، بل ليس الإقدام فيه إلّا خروجا عن قاعدة دفع الضرر المحتمل فلا يقتضي ترتب العقاب إلا في صورة الوقوع في الحرام لا غير.

فالمدار في تجري على القصد إلى هتك حرمة المولى و عصيانه أو عدم المبالاة بذلك لا على منجزية الاحتمال. فلاحظ.

____________

(1) يعني: لو كان عذرا عقليا أو شرعيا.

(2) الظاهر ثبوت الذم في قصد معصية المولى الحقيقي و إن كان مجردا عن الفعل كما سبق من المصنف (قدّس سرّه)، و إنما الكلام في العقاب.

46

و لو نوى المعصية و تلبس بما يراه معصية، فظهر خلافها، ففي تأثير هذه النية نظر:

من أنها لما لم تصادف المعصية صارت كنية مجردة، و هي غير مؤاخذ بها.

و من دلالتها على انتهاك الحرمة و جرأته على المعاصي. و قد ذكر بعض الأصحاب: أنه لو شرب المباح تشبيها بشرب المسكر فعل حراما، و لعله ليس لمجرد النية

1

، بل بانضمام فعل الجوارح.

و يتصور محل النظر في صور:

منها: ما لو وجد امرأة في منزل غيره، فظنها أجنبية فأصابها، فبان أنها زوجته أو أمته.

و منها: ما لو وطئ زوجته بظن أنها حائض، فبانت طاهرة.

و منها: ما لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبين أنه ملكه.

و منها: ما لو ذبح شاة بظنها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.

و منها: ما إذا قتل نفسا بظن أنها معصومة، فبانت مهدورة.

و قد قال بعض العامة: نحكم بفسق المتعاطي ذلك، لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، و يعاقب في الآخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين الصغيرة و الكبيرة. و كلاهما تحكم و تخرص على الغيب‏

2

، انتهى البحث‏

____________

(1) لا نية للمعصية في المقام، و مجرد قصد التشبه لا دخل له بذلك، إذ الكلام في قصد المعصية لا قصد التشبه بها، فلو تمت الحرمة في المقام كانت أجنبية عما نحن فيه.

(2) أما الفسق فلا ينبغي الإشكال فيه بناء على أنه من سنخ الملكة القائمة-

47

في القطع الحاصل من المقدمات العقلية.

- بالنفس، لعدم الفرق في انكشافها بين المعصية الحقيقية و التجري.

نعم بناء على تقومه بفعل الحرام كان حصوله مبنيا على حرمة الفعل المتجرى به، و قد سبق أنه لا دليل عليه.

و أما العقاب عليه في الجملة فهو الظاهر أيضا بناء على ما سبق منا. و أما تحديده بالوجه المذكور فهو كما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) خال عن الدليل.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الثاني [: عدم حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية]

أنك قد عرفت: أنه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم، و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية الغير الضرورية

1

، لكثرة وقوع الاشتباه و الغلط فيها، فلا يمكن الركون إلى شي‏ء منها.

[مناقشة الأخباريين‏]

فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع، فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف، و لو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدمات الشرعية، طابق النعل بالنعل‏

2

.

و إن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية، لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها، فلو سلم ذلك‏

3

____________

(1) لعلها مثل الملازمات العقلية، كاستتباع وجوب الشي‏ء لوجوب مقدمته، أو لحرمة ضده. بخلاف مثل امتناع اجتماع النقيضين من البديهيات.

(2) لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها أيضا، كما يناسبه كثرة الخلاف فيها.

(3) يعني: كثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها.

50

و أغمض عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلة الشرعية

1

، فله وجه‏

2

، و حينئذ: فلو خاض فيها و حصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك، لتقصيره في مقدمات التحصيل‏

3

.

إلا أن الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد مما يقع في فهم المطالب من الأدلة الشرعية

4

.

و قد عثرت- بعد ما ذكرت هذا- على كلام يحكى عن المحدث الأسترآبادي في فوائده المدنية، قال- في عداد ما استدل به على انحصار الدليل في غير الضروريات الدينية في السماع عن الصادقين (عليهم السلام)-:

____________

(1) كما يعلم بكثرة الاختلاف بين العلماء، لكن قد يدفع ذلك بأنه يكفي في الفرق قيام الأدلة على جواز الرجوع إلى الطرق الشرعية. فتأمل.

(2) فإن ذلك حكم شرعي تعبدي قابل للجعل.

(3) حيث خالف فيها المولى باختياره، و مثل ذلك مسقط للقطع عن المعذرية عقلا في ظرف الخطأ، و إن كان لا يتسنى للقاطع الالتفات إلى ذلك لقطعه بإصابة قطعه، و عدم خطئه.

نعم هذا إنما يتم بناء على أن النهي عن الخوض في المطالب العقلية طريقي لحفظ الواقع الذي يعلم الشارع بضياعه بسبب الخوض فيها.

أما لو كان النهي أصليا نفسيا فهو إنما يقتضي العقاب على نفس مخالفة النهي المذكور و لا دخل له بمعذرية القطع. فلاحظ.

(4) كثرة الخطأ أمر قريب جدا، إلا أن بلوغ ذلك حدا يستكشف منه المنع الشرعي غير ظاهر.