مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج8

- السيد هاشم البحراني‏ المزيد...
399 /
3

[الجزء الثامن‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة لمؤسّسة المعارف الإسلاميّة ايران- قم المقدّسة ص. ب 768/ 37185 تلفون 732009

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و به نستعين‏

الباب الثاني عشر في معاجز الإمام الثاني عشر سميّ جدّه رسول اللّه و كنيّه: الحجّة بن الحسن العسكريّ ابن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر ابن عليّ زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ ابن أبي طالب أمير المؤمنين وصيّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خليفته على امّته‏

2657/ 1- قال الشيخ المفيد في «إرشاده»: كان الإمام بعد أبي محمّد- (عليه السلام)- ابنه المسمّى باسم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المكنّى بكنيته، و لم يخلّف أبوه ولدا غيره ظاهرا و لا باطنا؛ و خلّفه غائبا مستورا (1) على ما قدّمنا ذكره، و كان مولده- (عليه السلام)- ليلة النصف من‏

____________

(1) في المصدر: مستترا.

6

شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين، و امّه أمّ ولد يقال لها: نرجس، و كان سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه اللّه فيها الحكمة [و فصل الخطاب، و جعله آية للعالمين، و آتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبيّا] (1)، و جعله إماما في حال الطفوليّة الظاهرة، كما جعل عيسى بن مريم في المهد نبيّا.

و قد سبق النصّ عليه في أنّه الإمام‏ (2) من نبيّ الهدى- (عليه السلام)- ثمّ من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، و نصّ عليه الأئمّة- (عليهم السلام)- واحدا بعد واحد إلى أبيه الحسن- (عليه السلام)-، و نصّ أبوه عليه عند ثقاته و خاصّته‏ (3) و شيعته.

و كان الخبر بغيبته ثابتا قبل وجوده، و بدولته مستفيضا قبل غيبته، و هو صاحب السيف من أئمّة الهدى- (عليهم السلام)-، و القائم بالحقّ المنتظر لدولة الإيمان؛ و له قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الاخرى، كما جاءت بذلك الأخبار؛ فأمّا القصرى منهما فمنذ وقت مولده- (عليه السلام)- إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الاولى، و في آخرها يقوم بالسيف.

قال اللّه عزّ و جلّ: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (2) (4)

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) في المصدر: في ملّة الإسلام.

(3) في المصدر: و خاصّة شيعته.

(4) القصص: 5- 6.

7

و قال جلّ اسمه: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (1).

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «لن تنقضي الأيّام و اللّيالي حتّى يبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا؛ و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يبعث اللّه فيه رجلا من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا. (2)

2658/ 2- و قال الشيخ الفضل بن الحسن أبو عليّ الطبرسي في كتاب «إعلام الورى»: إنّه- (عليه السلام)- ولد بسرّمن‏رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين من الهجرة. روى ذلك محمّد بن يعقوب الكليني، (عن عليّ بن محمّد) (3)، و كان سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه اللّه سبحانه الحكم صبيّا كما آتاه يحيى، و جعله في حال الطفوليّة إماما كما جعل عيسى نبيّا في المهد صبيّا. (4)

2659/ 3- و قال الطبرسي أيضا: قد حصلت الغيبتان لصاحب الأمر على حسب ما تضمّنته الأخبار السابقة لوجوده عن آبائه‏

____________

(1) الأنبياء: 105.

(2) الإرشاد: 346 و عنه المستجاد: 521- 523 و كشف الغمّة: 2/ 446، و في الفصول المهمّة:

291- 292 و البحار: 51/ 23 ح 36 و إثبات الهداة: 3/ 554 عنه مختصرا.

و يراجع لقول النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- «لن تنقضي الأيّام» الخ و قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- «لو لم يبق» الخ إلى غيبة الطوسي: 180 ح 139 و 140 و معجم أحاديث الإمام المهدي- (عليه السلام)-: 1/ 170 ح 98.

(3) ليس في الكافي.

(4) إعلام الورى: 393- 394، و أخرج صدره في البحار: 51/ 2 ح 2 عن الكافي: 1/ 514.

8

و جدوده- (عليهم السلام)-، أمّا غيبته الصغرى‏ (1) منهما فهي التي كانت [فيها] (2) سفراؤه موجودين و أبوابه معروفين لا تختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- فيهم، فمنهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ، و محمّد بن عليّ بن بلال، و أبو عمرو عثمان بن سعيد السمّان و ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، و عمرو الأهوازي، و أحمد بن إسحاق، و أبو محمّد الوجناني، و إبراهيم بن مهزيار، و محمّد بن إبراهيم في جماعة اخرى [ربّما يأتي ذكرهم عند الحاجة إليهم في الرواية عنهم‏] (3)، و كانت مدّة هذه الغيبة أربعا و سبعين سنة.

و كان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري بابا لأبيه و جدّه- (عليهما السلام)- من قبل و ثقة لهما، ثمّ تولّى [الباقية] (4) من قبله و ظهرت المعجزات على يده، و لمّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمّد مقامه- رحمهما اللّه- بنصّه عليه، و مضى على منهاج أبيه في آخر جمادي الآخرة من سنة اربع أو خمس و ثلاثمائة، و قام مقامه أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت بنصّ أبي جعفر محمّد بن عثمان عليه و أقامه مقام نفسه، و مات في شعبان سنة ستّ و عشرين و ثلاثمائة، و قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري بنصّ أبي القاسم عليه، و توفّي في النصف من شعبان سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة.

فروي عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتّب أنّه قال: كنت بمدينة السّلام في السنة التي توفّي فيها عليّ بن محمّد السمريّ،

____________

(1) كذا في المصدر، و في الأصل: أمّا الغيبة القصوى.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

9

فحضرته قبل وفاته [بأيّام فخرج‏] (1)، و أخرج إلى الناس توقيعا نسخته:

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ يا عليّ بن محمّد السمري اعظم اللّه أجر إخوانك فيك فإنّك ميّت ما بينك و بين ستّة أيّام، فاجمع أمرك و لا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة (2)، فلا ظهور إلّا بعد أن يأذن اللّه تعالى ذكره، و ذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب و امتلاء الأرض جورا، و سيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، الا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذّاب مفتر، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم».

قال: فانتسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك؟ قال: للّه أمر هو بالغه فقضى، فهذا (3) آخر كلام سمع منه، ثمّ حصلت الغيبة الطولى التي نحن في أزمانها، و الفرج يكون [في‏] (4) آخرها بمشيّة اللّه تعالى. (5)

و ذكر في بعض الكتب أنّ الغيبة الاولى كانت أربعا و سبعين سنة، و وفاة عليّ بن محمّد السّمري سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة (6)، و هو الأظهر.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر، و في الأصل: الثانية.

(3) كذا في المصدر، و في الأصل: و قضى، و هذا.

(4) من المصدر.

(5) إعلام الورى: 416- 417 و عنه كشف الغمّة: 2/ 530، و رواه في كمال الدين: 516 ح 42 و غيبة الطوسي: 395 ح 365، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع الغيبة للطوسي- عليه الرحمة- بتحقيقنا.

(6) كالغيبة للشيخ الطوسي: 393- 396.

10

الأوّل: في معاجز مولده- (عليه السلام)-.

2660/ 4- ابن بابويه: عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد ابن يحيى العطّار، عن الحسين بن رزق اللّه، عن موسى بن محمّد بن القاسم ابن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: حدثتني حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا قالت:

بعث إليّ أبو محمّد الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- فقال: «يا عمّة اجعلي إفطارك [هذه‏] (1) الليلة عندنا، فانّها ليلة النصف من شعبان، و أنّ اللّه تبارك و تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة و هو حجته في أرضه»، قالت:

فقلت له: و من امّه؟ قال: «نرجس»، قلت له: جعلني اللّه فداك ما بها أثر؟

فقال «هو ما أقول لك»، قالت: فجئت، فلمّا سلّمت و جلست جاءت تنزع خفّي و قالت لي: يا سيّدتي [و سيّدة أهلي‏] (2) كيف أمسيت؟ فقلت:

بل أنت سيّدتي و سيّدة أهلي.

قالت: فأنكرت قولي و قالت: ما هذا [يا عمّة؟ قالت:] (3) فقلت لها:

يا بنيّة إن اللّه تبارك و تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيّدا في الدّنيا و الآخرة، قالت: فخجلت‏ (4) و استحيت، فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت و أخذت مضجعي فرقدت، فلمّا [أن‏] (5) كان في جوف اللّيل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي و هي نائمة ليس بها حادث، ثمّ جلست معقّبة، ثمّ اضطجعت ثمّ انتبهت فزعة و هي راقدة،

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) في البحار: فجلست.

(5) من المصدر و البحار.

11

ثمّ قامت فصلّت و نامت.

قالت حكيمة: و خرجت أتفقّد الفجر فاذا أنا بالفجر الأوّل كذنب السرحان و هي نائمة، فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمّد- (عليه السلام)- من المجلس فقال: «لا تعجلي يا عمّة فهاك الأمر قد قرب»، قالت: (فجلست) (1) و قرأت «الم السجدة» و «يس»، فبينما أنا كذلك اذا انتبهت فزعة، فوثبت إليها، فقلت: اسم اللّه عليك، ثمّ قلت لها:

تحسّين شيئا؟ قالت: نعم [يا عمّة] (2)، فقلت لها: اجمعي نفسك و اجمعي قلبك فهو ما قلت لك.

قالت حكيمة: ثمّ أخذتني فترة و أخذتها فترة، فانتبهت بحسّ سيّدي فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به- (عليه السلام)- ساجدا يتلقّى الأرض بمساجده، فضممته- (عليه السلام)- إليّ فإذا أنا [به‏] (3) نظيف منظّف، فصاح بي أبو محمّد- (عليه السلام)- «هلمّي إليّ ابني يا عمّة»، فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليتيه و ظهره و وضع قدميه على صدره، ثمّ ادلى لسانه في فيه و أمرّ يده على عينيه و سمعه و مفاصله، ثمّ قال: «تكلّم يا بنيّ»، فقال:

«أشهد أن لا إله إلّا اللّه [وحده لا شريك له‏] (4) و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-»، ثمّ صلّى على أمير المؤمنين و على الأئمّة- (عليهم السلام)- إلى أن وقف على ابيه- (عليه السلام)-، ثمّ أحجم‏ (5).

ثمّ قال أبو محمّد- (عليه السلام)-: «يا عمّة اذهبي به إلى امّه ليسلّم عليها

____________

(1) ليس في البحار، و فيه: فانّ الأمر قد قرب.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر و البحار.

(4) من المصدر و البحار.

(5) يقال: حجمته عن الشي‏ء فأحجم أي كففته فكفّ (البحار).

12

و أتيني به»، فذهبت به فسلّم [عليها] (1) و رددته فوضعته في المجلس، ثمّ قال: «يا عمّة إذا كان يوم السابع فأتينا»، قالت حكيمة: فلمّا اصبحت جئت لاسلّم على ابي محمّد- (عليه السلام)- و كشفت الستر لأتفقّد سيّدي- (عليه السلام)- فلم أره، فقلت (له) (2) جعلت فداك ما فعل سيّدي؟ قال: «يا عمّة استودعناه الذي استودعته أمّ موسى- (عليه السلام)-».

قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئت و سلّمت و جلست، فقال: «هلمّي [إليّ‏] (3) ابني»، فجئت بسيّدي- (عليه السلام)- و هو في الخرقة، ففعل به كفعلته الاولى، ثمّ أدلى لسانه في فيه كأنّما يغذّيه لبنا أو عسلا، ثمّ قال: «تكلّم يا بنيّ»، فقال- (عليه السلام)-: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه»، و ثنّى بالصلاة على محمّد و على أمير المؤمنين و على الأئمّة الطاهرين- (صلوات الله عليهم اجمعين)-، حتّى وقف على أبيه- (عليه السلام)-، ثمّ تلا هذه الآية:

[بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏] (4) وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (5).

قال موسى: فسألت عقبة الخادم عن هذا، فقال‏ (6) صدقت حكيمة. (7)

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) ليس في المصدر، و فيه: فقال: يا عمّة استودعناه.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) القصص: 5 و 6.

(6) في المصدر: عن هذه، فقالت.

(7) كمال الدين: 424 ح 1 و عنه إعلام الورى: 394- 395 و البحار: 51/ 2 ح 3.

13

الثاني: كلامه- (عليه السلام)- حين سقط من بطن امّه‏

2661/ 5- ابن بابويه: قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ما جيلويه و أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار قالا [حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، قال:] (1) حدّثنا الحسين بن عليّ النيسابوريّ، عن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه بن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- عن السيّاري قال: حدّثتني نسيم و مارية [قالتا:] (2) إنّه لمّا سقط صاحب الزمان- (عليه السلام)- من بطن امّه سقط جاثيا على ركبتيه، رافعا سبّابتيه إلى السماء، ثمّ عطس فقال: «الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله، زعمت الظلمة أنّ حجّة اللّه داحظة، و لو اذن لنا في الكلام لزال الشكّ».

قال ابراهيم بن محمّد بن عبد اللّه و حدّثتني نسيم خادم أبي محمّد- (عليه السلام)- قالت: قال لي صاحب الزمان- (عليه السلام)- و قد دخلت عليه بعد مولده بليلة، فعطست عنده، فقال لي: «يرحمك اللّه»، قالت نسيم:

ففرحت بذلك، فقال لي- (عليه السلام)- «أ لا ابشّرك في العطاس؟» فقلت: بلى [يا مولاي‏] (3) و قال: «هو أمان من الموت ثلاثة أيّام».

و رواه الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي- (رحمه الله)- قال:

و روى علّان الكليني قال: حدّثنا محمّد بن يحيى قال: حدّثنا الحسين‏

____________

و اورده في روضة الواعظين: 256- 257.

(1) من المصدر و البحار.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر، و فيه: فقال:

14

ابن عليّ النيسابوري قال: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه بن موسى ابن جعفر قال حدثتني نسيم و مارية (خادم الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-) (1) قالا: لمّا سقط صاحب الزمان- (عليه السلام)- و ساق الحديث-. (2)

الثالث: قراءته- (عليه السلام)- في بطن امّه و بعد سقوطه من بطن امّه و دعاؤه- (عليه السلام)- و الطّير الذي عرج به بعد ميلاده معه الطيور و غير ذلك من المعجزات‏

2662/ 6- ابن بابويه: قال: حدّثنا الحسين بن أحمد بن ادريس- (رضي الله عنه)- قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل قال:

حدّثني محمّد بن إبراهيم الكوفي قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الطهوي قال: قصدت حكيمة بنت محمّد- (عليه السلام)- بعد مضيّ أبو محمّد- (عليه السلام)- أسألها عن الحجّة و ما قد اختلف فيه النّاس من الحيرة الّتي هم فيها، فقالت لي: اجلس فجلست، ثمّ قالت: يا محمّد إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يخلّي الأرض من حجّة ناطقة أو صامتة، و لم يجعلها في أخوين بعد الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- تفضيلا للحسن و الحسين- (عليهما السلام)- و تمييزا (3) لهما أن يكون في الأرض عديلهما،

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كمال الدين: 430 ح 5، غيبة الطوسي: 244 ح 211 و 232 ح 200 و عنهما البحار: 51/ 4 و 6 ح 6- 8.

و رواه في إثبات الوصيّة: 221 و كشف الغمّة: 2/ 498 و 500 و اعلام الورى: 395 و الخرائج: 1/ 457 ح 2 و 465 ح 11، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع غيبة الطوسي.

(3) في المصدر: تنزيها.

15

إلّا أنّ اللّه تبارك و تعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن- (عليهم السلام)-، كما خصّ ولد هارون على ولد موسى- (عليهما السلام)-، و إن كان موسى حجّة على هارون، و الفضل لولده إلى يوم القيامة، و لا بدّ للامّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون و يخلص فيها المحقّون، لئلّا يكون للنّاس على اللّه حجّة (بعد الرسل) (1)، و إنّ الحيرة لا بدّ واقعة بعد مضيّ ابي محمّد الحسن- (عليه السلام)-.

فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن- (عليه السلام)- ولد؟ فتبسّمت ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن- (عليه السلام)- عقب فمن الحجّة من بعده؟! و قد أخبرتك أنّ الإمامة لا تكون لأخوين بعد الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.

فقلت: يا سيّدتي حدّثيني بولادة مولاي و غيبته- (عليه السلام)- قالت:

نعم كانت لي جارية يقال [لها] (2): «نرجس»، فزارني ابن أخي- (عليه السلام)- و اقبل يحدّ النظر إليها، فقلت له: يا سيّدي لعلّك هويتها؟ فارسلها إليك؟ فقال: «لا يا عمّة و لكنّي أتعجّب منها»، فقلت: و ما أعجبك؟ فقال- (عليه السلام)-: «سيخرج منها ولد كريم على اللّه عزّ و جلّ الذي يملأ اللّه به الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا»، فقلت: ارسلها إليك يا سيّدي؟ فقال «استأذني في ذلك أبي- (عليه السلام)-».

قالت: فلبست ثيابي و أتيت منزل أبي الحسن- (عليه السلام)-، فسلّمت و جلست، فبدأني- (عليه السلام)- و قال: «يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمّد- (عليه السلام)-»، قالت: فقلت: يا سيّدي على هذا قصدتك‏

____________

(1) ليس في المصدر، و فيه: كيلا يكون للخلق على اللّه حجّة.

(2) من المصدر و البحار.

16

على أن استأذنك في ذلك، فقال [لي‏] (1): «يا مباركة إنّ اللّه تبارك و تعالى أحبّ أن يشركك في الأجر و يجعل لك في الخير نصيبا»، قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي و زيّنتها و وهبتها لأبي محمّد- (عليه السلام)- و جمعت بينه و بينها في منزلي، فأقام عندي أيّاما، ثمّ مضى إلى والده- (عليهما السلام)-، و وجّهت بها معه.

قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن- (عليه السلام)- و جلس أبو محمّد- (عليه السلام)- مكان والده، و كنت أزوره كما [كنت‏] (2) أزور والده، فجاءتني نرجس يوما تخلع خفّي و قالت: يا مولاتي ناوليني خفّك، فقلت: بل أنت سيّدتي و مولاتي و اللّه لا أدفع إليك خفّي لتخلعيه و لا خدمتيني‏ (3) بل أنا أخدمك على بصري، فسمع أبو محمّد- (عليه السلام)- ذلك فقال:

«جزاك اللّه خيرا يا عمّة» فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية [و قلت:] (4) ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال- (عليه السلام)-: «يا عمّتاه بيتي الليلة عندنا، فإنّه سيولد اللّيلة المولود الكريم على اللّه عزّ و جلّ الذي يحيى اللّه عزّ و جلّ به الأرض بعد موتها»، قلت: ممّن يا سيّدي و لست أرى بنرجس شيئا من أثر الحبل؟! فقال: «من نرجس لا من غيرها»، قالت: فوثبت إلى نرجس فقلّبتها ظهرا لبطن فلم أر بها أثر حبل، فعدت إليه- (عليه السلام)- فأخبرته بما فعلت، فتبسّم ثمّ قال لي: «إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل، لأنّ مثلها مثل أمّ موسى- (عليه السلام)- لم يظهر بها الحبل و لم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأنّ فرعون كان‏

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) من المصدر و البحار.

(3) في المصدر: و لا لتخدميني.

(4) من المصدر و البحار.

17

يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى- (عليه السلام)-، و هذا نظير موسى- (عليه السلام)-».

قالت حكيمة: [فعدت إليها فأخبرتها بما قال و سألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئا من هذا، قالت حكيمة:] (1) فلم أزل ارقبها إلى [وقت‏] (2) طلوع الفجر و هي نائمة بين يدي لا تقلب جنبا إلى جنب، حتّى إذا كان في آخر اللّيل وقت طلوع الفجر و ثبت فزعة، فضممتها إلى صدري و سمّيت عليها، فصاح أبو محمّد- (عليه السلام)- و قال:

«اقرئي [عليها] (3) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (4)»، فأقبلت أقرأ عليها و قلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر [بي‏] (5) الأمر الذي اخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ كما (6) اقرأ و سلّم عليّ.

قالت حكيمة: ففزعت لمّا سمعت، فصاح بي أبو محمّد- (عليه السلام)-:

«لا تعجبي من أمر اللّه عزّ و جلّ إنّ اللّه تبارك و تعالى ينطقنا بالحكمة صغارا و يجعلنا حجّة في أرضه كبارا»، فلم يستتمّ الكلام حتّى غيّبت عنّي نرجس، فلم أرها كأنّه ضرب بيني و بينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد- (عليه السلام)- و أنا صارخة، فقال لي: «ارجعي يا عمّة فإنّك ستجديها في مكانها»، قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر و البحار.

(3) من المصدر و البحار.

(4) القدر: 1.

(5) من المصدر.

(6) في المصدر: مثل ما أقرأ.

18

الحجاب‏ (1) بيني و بينها، و إذا أنا بها و عليها من أثر النور ما غشي بصري، و إذا [أنا] (2) بالصبيّ- (عليه السلام)- ساجدا على وجهه، جاثيا على ركبتيه، رافعا سبّابتيه نحو السماء و هو يقول:

«أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ جدّي [محمّدا] (3) رسول اللّه و أن أبي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-»، ثمّ عدّ إماما إماما إلى أن بلغ إلى نفسه، ثمّ قال- (عليه السلام)-: «اللّهمّ انجز لي ما وعدتني و أتمم لي أمري و ثبّت وطأتي‏ (4)، و املأ الأرض بي عدلا و قسطا».

فصاح أبو محمّد- (عليه السلام)- فقال: «يا عمّة تناوليه و هاتيه»، فتناولته و أتيت به نحوه، فلمّا مثّلت بين يدي أبيه و هو على يدي سلّم على أبيه، فتناوله الحسن- (عليه السلام)- [مني‏] (5) و الطير ترفرف على رأسه، [و ناوله لسانه فشرب منه، ثمّ قال: «امضي به إلى امّه لترضعه و ردّيه إليّ»، قالت: فتناولته امّه فأرضعته، فرددته الى أبي محمّد- (عليه السلام)- و الطير ترفرف على رأسه‏] (6)، فصاح بطير منها فقال له: «احمله و احفظه و ردّه إلينا في كلّ أربعين يوما»، فتناوله الطير و طار به في جوّ السّماء و أتبعه سائر الطيور، فسمعت أبا محمّد- (عليه السلام)- يقول: «استودعك اللّه‏

____________

(1) في المصدر: أن كشف الغطاء الذي كان بيني و بينها.

(2) من المصدر و البحار.

(3) من المصدر.

(4) في حديث علي- (عليه السلام)- «إن تثبت الوطأة في هذه المزلّة فذلك المراد»، و تفسيره- (عليه السلام)- «الوطأة بالكون»: موضع القدم ... و يكون المعنى تثبت القدم في موضع تزلّ فيه الأقدام غالبا «مجمع البحرين».

(5) من المصدر و روضة الواعظين.

(6) من المصدر و روضة الواعظين.

19

الذي استودعته أمّ موسى [موسى‏] (1)»، فبكت نرجس، فقال لها: «اسكتي فإنّ الرضاع محرّم عليه إلّا من ثديك، و سيعاد إليك كما ردّ موسى إلى امّه، و ذلك قوله عزّ و جلّ: فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ‏ (2)».

قالت حكيمة: فقلت: و ما هذا الطير؟ قال: «هذا روح القدس الموكّل بالأئمّة- (عليهم السلام)- يوفّقهم و يسدّدهم و يربّيهم بالعلم».

قالت حكيمة: فلمّا كان بعد أربعين يوما ردّ الغلام و وجّه إليّ ابن أخي- (عليه السلام)-، فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بالصبيّ متحرّك يمشي بين يديه، فقلت: يا سيّدي هذا ابن سنتين؟! فتبسّم- (عليه السلام)-، ثمّ قال: «إنّ أولاد الأنبياء و الأوصياء إذا كانوا أئمّة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم، و إنّ الصبيّ منّا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، و إنّ الصبيّ منّا ليتكلّم في بطن امّه و يقرأ القرآن و يعبد ربّه عزّ و جلّ، و عند الرضاع تطيعه الملائكة و تنزل عليه صباحا و مساء».

قالت حكيمة: فلم أزل ارى ذلك الصبيّ في كلّ أربعين يوما إلى أن رأيته رجلا قبل مضيّ أبي محمّد- (عليه السلام)- بأيّام قلائل فلم أعرفه، فقلت لأبي محمّد- (عليه السلام)-: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟

فقال- (عليه السلام)-: « [هذا] (3) ابن نرجس و هو خليفتي من بعدي، و عن قليل تفقدوني فاسمعي له و أطيعي».

قالت حكيمة: فمضى أبو محمّد- (عليه السلام)- بعد ذلك بأيّام قلائل،

____________

(1) من المصدر و روضة الواعظين.

(2) القصص: 13.

(3) من المصدر.

20

و افترق النّاس كما ترى، و و اللّه إنّي لأراه‏ (1) صباحا و مساء و إنّه لينبّئني عمّا تسألوني عنه فاخبركم، و و اللّه إني لاريد أن أسأله عن الشي‏ء فيبدأني به، و إنّه ليرد عليّ الأمر فيخرج إليّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، و قد أخبرني البارحة بمجيئك إليّ و أمرني أن اخبرك بالحقّ.

قال محمّد بن عبد اللّه، فو اللّه لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها أحد إلّا اللّه عزّ و جلّ، فعلمت أنّ ذلك صدق و عدل من اللّه عزّ و جلّ، [و أنّ اللّه عزّ و جلّ‏] (2) قد أطلعه على ما لم يطلع عليه أحدا من خلقه. (3)

الرابع: قراءته- (عليه السلام)- وقت ولادته الكتب المنزلة من اللّه تعالى و الصّعود به الى سرادق العرش‏

2663/ 7- الحسين بن حمدان الحضيني في «هدايته»: قال:

حدّثني هارون بن مسلم بن سعدان البصري و محمّد بن أحمد البغدادي و أحمد بن إسحاق و سهل بن زياد الآدمي و عبد اللّه بن جعفر، عن عدّة من المشايخ الثقات الذين كانوا مجاورين‏ (4) للإمامين- (عليهما السلام)-، عن سيّدنا أبي الحسن و ابي محمّد- (عليهما السلام)- قالا: «إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا

____________

(1) كذا في المصدر و البحار، و في الأصل: و اللّه لأراه.

(2) من المصدر و البحار.

(3) كمال الدين: 426 ح 2 و عنه البحار 51/ 11 ح 14.

و رواه في روضة الواعظين: 257- 260، و قد تقدّم قطعة منه في الحديث 2510 و يأتي ذيله في الحديث 2681.

(4) في المصدر: ملازمين.

21

أراد أن يخلق الإمام أنزل قطرة من ماء الجنّة في ماء [من‏] (1) المزن، فتسقط في ثمار الأرض فيأكلها الحجّة- (عليه السلام)-، فإذا استقرّت في الموضع الذي تستقرّ فيه و مضي له أربعون يوما سمع الصوت، فإذا أتت له أربعة أشهر و قد حمل كتب على عضده الأيمن: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (2)، فإذا ولد قام بأمر اللّه و رفع له عمود من نور في كلّ مكان ينظر فيه إلى الخلائق و أعمالهم، و ينزل أمر اللّه إليه في ذلك العمود، و العمود نصب عينيه حيث تولّى و نظر».

قال أبو محمّد- (عليه السلام)-: «دخلت على عمّتي في دارها، فرأيت جارية من جواريهنّ قد زيّنت تسمّى نرجس، فنظرت إليها نظرا أطلته»، فقالت لي عمّتي حكيمة: يا سيّدي تنظر إلى هذه الجارية نظرا شديدا؟ فقلت له: «يا عمّة ما نظري إليها إلّا نظر التعجّب ممّا اللّه فيها من إرادته و خيرته» فقالت [لي‏] (3): يا سيّدي أحسبك تريدها؟

فأمرتها أن تستأذن أبي عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)- في تسليمها إليّ، ففعلت، فأمرها- (عليه السلام)- بذلك، فجاءتني بها».

قال الحسين بن حمدان: و حدّثني من أثق به من المشايخ، عن حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا- (عليهما السلام)- قال: كانت حكيمة تدخل على أبي محمّد- (عليه السلام)- فتدعو له أن يرزقه اللّه ولدا، و أنّها

____________

(1) من المصدر، و فيه: فتسقط في ثمرة من ثمار الجنّة.

(2) الأنعام: 115.

(3) من المصدر.

22

قالت: دخلت عليه فقلت له كما [كنت‏] (1) أقول و دعوت له كما كنت أدعو، فقال: « [يا عمّة] (2) أما [إنّ الذي‏] (3) تدعين [اللّه‏] (4) أن يرزقنيه [يولد في هذه الليلة] (5)، فاجعلي إفطارك عندنا»، فقلت: يا سيّدي ممّن يكون هذا المولود العظيم؟ فقال: «من نرجس يا عمّة».

قالت: فقلت [له‏] (6): يا سيّدي ما في جواريك أحبّ إليّ منها، و قمت و دخلت عليها و كنت إذا دخلت [الدار تتلقّاني و تقبّل يدي و تنزع خفّي بيدها، فلمّا دخلت إليها] (7) فعلت بي كما كانت تفعل، فانكببت على قدميها (8) فقبّلتها و منعتها ممّا كانت تفعله، فخاطبتني بالسّيادة فخاطبتها بمثلها، فقالت [لي‏] (9): فديتك، فقلت لها أنا فداءك و جميع العالمين، فأنكرت ذلك منّي، فقلت: لا تنكرين ما فعلت، فإنّ اللّه سيهب لك في هذه اللّيلة غلاما سيّدا في الدّنيا و الآخرة و هو فرج للمؤمنين، فاستحيت فتأمّلتها فلم أر بها أثر حمل.

فقلت لسيّدي أبي محمّد- (عليه السلام)-: ما أرى بها حملا، فتبسّم- (عليه السلام)- فقال: «إنّا معاشر الأوصياء ليس نحمل في البطون و إنمّا نحمل في الجنوب، و لا نخرج من الأرحام و إنّما نخرج من الفخذ الأيمن من امّهاتنا، لأنّنا نور اللّه الذي لا تناله الدناسات»، فقلت له: يا سيّدي لقد أخبرتني انّه يولد في هذه اللّيلة، ففي أيّ وقت منها؟ فقال: «في‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر و البحار.

(3) من المصدر و البحار.

(4) من المصدر و البحار.

(5) من المصدر و البحار.

(6) من المصدر و البحار.

(7) من إثبات الوصيّة.

(8) في المصدر و البحار: يديها، و في البحار: فقبّلتهما.

(9) من المصدر و البحار.

23

طلوع الفجر يولد الكريم على اللّه إن شاء اللّه تعالى».

قالت حكيمة: فقمت فأفطرت و نمت بالقرب من نرجس، و بات أبو محمّد- (عليه السلام)- في صفّة تلك الدار التي نحن فيها، فلمّا ورد وقت صلاة اللّيل [قمت‏] (1) و نرجس نائمة ما بها أثر ولادة، فأخذت في صلاتي ثمّ أوترت فأنا في الوتر حتّى وقع في نفسي أنّ الفجر قد طلع، و دخل في قلبي شي‏ء فصاح [بي‏] (2) أبو محمّد- (عليه السلام)- من الصفّة الثانية «لم يطلع الفجر يا عمّة» فأسرعت الصلاة و تحرّكت نرجس فدنوت منها و ضممتها إليّ و سمّيت عليها، ثمّ قلت لها: هل تحسّين بشي‏ء؟

فقالت: نعم، فوقع عليّ سبات لم أتمالك معه أن نمت، و وقع على نرجس مثل ذلك، فنامت فلم أنتبه إلّا [بحسّ‏] (3) سيّدي المهدي- (عليه السلام)- و صيحة أبي محمّد- (عليه السلام)- يقول: «يا عمّة هاتي ابني إليّ»، فقد قبّلته فكشفت عن سيّدي- (عليه السلام)- فإذا [أنا] (4) به ساجدا يبلغ الأرض بمساجده، و على ذراعه الأيمن [مكتوب‏] (5) جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (6)، فضممته إليّ فوجدته مفروغا منه، و لففته في ثوب و حملته إلى أبي محمّد- (عليه السلام)-، فأخذه و أقعده على راحته اليسرى و جعل راحته اليمنى‏ (7) على ظهره، ثمّ أدخل لسانه‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) من البحار.

(4) من البحار.

(5) من المصدر و البحار.

(6) الاسراء: 82.

(7) كذا في المصدر و البحار، و في الأصل هكذا: و اقعده على راحته اليمنى و أمرّ يده على ظهره.

24

- (عليه السلام)- في فمه و أمرّ بيده على ظهره و سمعه و مفاصله، ثمّ قال له:

«تكلّم يا بنيّ»، فقال:

«أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنّ عليّا أمير المؤمنين ولي اللّه- (عليه السلام)-»، ثمّ لم يزل يعدّد السادة الأئمّة- (عليهم السلام)- إلى أن بلغ إلى نفسه، و دعا لأوليائه بالفرج على يده ثمّ أحجم، فقال أبو محمّد- (عليه السلام)- «يا عمّة اذهبي به إلى امّه ليسلّم عليها و أتيني به»، فمضيت به [الى امّه‏] (1) فسلّم عليها و رددته إليه، ثمّ وقع بيني و بين [ابي‏] (2) محمّد- (عليه السلام)- كالحجاب، فلم أر سيّدي، فقلت له: يا سيّدي أين مولانا؟

فقال: أخذه منّي من هو أحقّ به منك فاذا كان يوم السّابع فأتينا، فلمّا كان اليوم السابع جئت فسلّمت [عليه‏] (3) ثمّ جلست، فقال- (عليه السلام)-: «هلمّي بابني»، فجئت بسيّدي و هو في ثياب صفر، ففعل به كفعله [الأوّل‏] (4) و جعل لسانه- (عليه السلام)- في فمه، ثمّ قال له: تكلّم يا بنيّ، فقال: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه»، و اثنى بالصلاة على محمّد و أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- حتّى وقف على أبيه، ثم قرأ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر و البحار.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر و البحار.

25

وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (1) ثمّ قال له: اقرأ يا بنيّ ممّا أنزل اللّه على أنبيائه و رسله، فابتدأ بصحف آدم- (عليه السلام)- فقرأها بالسّريانيّة، و كتاب ادريس، و كتاب نوح، و كتاب هود، و كتاب صالح، و صحف إبراهيم، و توراة موسى، و زبور داود، و انجيل عيسى، و قرآن‏ (2) محمّد جدّي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، ثمّ قصّ قصص النبيّين و المرسلين إلى عهده.

فلمّا كان [بعد] (3) أربعين يوما دخلت عليه إلى دار أبي محمّد- (عليه السلام)-، فإذا مولانا صاحب الزمان يمشي في الدار، فلم أر وجها أحسن من وجهه و لا لغة أفصح من لغته، فقال لي أبو محمّد- (عليه السلام)-:

«هذا المولود الكريم على اللّه عزّ و جلّ»، فقلت له: [يا] (4) سيّدي له أربعون يوما و أنا ارى من أمره ما أرى.

فقال- (عليه السلام)-: «يا عمّة أ ما علمت أنّا معاشر الأوصياء ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في جمعة، و ننشأ في الجمعة [مثل ما ينشأ غيرنا في الشهر، و ننشأ في الشهر مثل‏] (5) ما ينشأ غيرنا في السنة»، فقمت و قبّلت راسه و انصرفت ثمّ عدت و تفقّدته فلم اره، فقلت لسيّدي ابي محمّد- (عليه السلام)-: ما فعل مولانا؟ فقال: «يا عمّة استودعناه الذي استودعته أمّ موسى- (عليه السلام)-».

____________

(1) القصص: 5- 6.

(2) في المصدر و البحار: و فرقان.

(3) من المصدر و البحار.

(4) من المصدر.

(5) من إثبات الوصيّة.

26

ثمّ قال- (عليه السلام)-: «لمّا وهب لي ربّي مهديّ هذه الامّة أرسل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتّى وقف‏ (1) بين يدي اللّه عزّ و جلّ، فقال له:

مرحبا بك عبدي لنصرة ديني و إظهار أمري و مهديّ عبادي، آليت أنّي بك آخذ و بك اعطى و بك أغفر و بك اعذّب، اردداه أيّها الملكان على أبيه ردّا رفيقا، و أبلغاه أنّه في ضماني و كنفي و بعيني إلى أن احقّ به الحقّ و ازهق به الباطل، و يكون الدّين لي واصبا».

ثمّ قال: لمّا سقط من بطن امّه إلى الأرض وجد جاثيا على ركبتيه رافعا سبّابتيه، ثمّ عطس فقال: «الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله عبدا ذاكرا للّه غير مستنكف و لا مستكبر»، ثمّ قال- (عليه السلام)-: «زعمت الظلمة أنّ حجّة اللّه داحضة لو أذن [اللّه‏] (2) لي في الكلام لزال الشكّ». (3)

الخامس: غيبته- (عليه السلام)- يوم ولادته و غير ذلك‏

2664/ 8- أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري: قال: حدّثنا أبو المفضل محمّد بن عبد اللّه، عن محمّد بن اسماعيل الحسني، عن حكيمة ابنة محمّد بن عليّ الرضا- (عليه السلام)- انّها قالت: قال لي الحسن ابن عليّ العسكريّ- (عليه السلام)- ذات ليلة أو ذات يوم: «احبّ أن تجعلي إفطارك اللّيلة عندنا، فإنّه يحدّث في هذه اللّيلة أمر»، فقلت: و ما هو؟

____________

(1) في البحار: وقفا.

(2) من المصدر.

(3) الهداية الكبرى للحضيني: 70- 71 (مخطوط) و عنه البحار: 51/ 24- 28.

و رواه في إثبات الوصيّة: 218- 221 باختلاف يسير.

27

قال: «إنّ القائم من آل محمّد- (عليهم السلام)- يولد في هذه اللّيلة»، فقلت:

ممّن؟

قال: من نرجس. فصرت إليه، و دخلت إلى الجواري، فكان أوّل من تلقّتني نرجس، فقالت: يا عمّة كيف أنت؟ أنا أفديك.

فقلت لها: أنا أفديك يا سيّدة نساء (1) هذا العالم، فخلعت خفّي و جاءت لتصبّ على رجلي الماء، فحلّفتها أن لا تفعل و قلت لها: إنّ اللّه قد أكرمك بمولود تلدينه في هذه اللّيلة، فرأيتها لمّا قلت لها ذلك قد لبسها ثوب من الوقار و الهيبة، و لم أر بها حملا و لا أثر حمل.

فقالت: أيّ وقت يكون ذلك؟ فكرهت أن أذكر وقتا بعينه فأكون قد كذبت.

فقال لي أبو محمّد- (عليه السلام)-: «في الفجر الأول»، فلمّا أفطرت و صلّيت وضعت رأسي و نمت، و نامت نرجس معي في المجلس، ثمّ انتبهت وقت صلاتنا، فتأهّبت، و انتبهت نرجس و تأهبت، ثمّ إنّي صلّيت و جلست أنتظر الوقت، و نام الجواري و نامت نرجس، فلمّا ظننت أنّ الوقت قد قرب خرجت فنظرت إلى السماء، و إذا الكواكب قد انحدرت، و إذا هو قريب من الفجر الأوّل، ثمّ عدت فكأنّ الشيطان خبث‏ (2) قلبي.

قال أبو محمّد- (عليه السلام)-: «لا تعجلي» فكأنّه قد كان و قد سجد، فسمعته يقول في دعائه شيئا لم ادر ما هو، و وقع عليّ السّبات في ذلك الوقت، فانتبهت بحركة الجارية، فقلت لها: بسم اللّه عليك،

____________

(1) كذا في المصدر، و في الأصل: أنا فديتك، فقلت: بل بما نشاهد هذا العالم.

(2) في المصدر: أخبث.

28

فسكنت إلى صدري فرمت به عليّ و خرّت ساجدة، فسجد الصبيّ و قال: «لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- حجّة اللّه، و ذكر إماما إماما حتّى انتهى إلى أبيه، فقال أبو محمّد- (عليه السلام)-: «إليّ ابني»، فذهبت لاصلح منه شيئا، فإذا هو مسوّى مفروغ منه، فذهبت به إليه، فقبّل وجهه و يديه و رجليه، و وضع لسانه في فمه، و زقّه كما يزقّ الفرخ، ثمّ قال: اقرأ، فبدأ بالقرآن من بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إلى آخره.

ثم إنّه دعا بعض الجواري ممّن علم أنّها تكتم خبره، فنظرت، ثمّ قال: «سلّموا عليه و قبّلوه و قولوا: استودعناك اللّه و انصرفوا»، ثمّ قال:

«يا عمّة ادعي لي نرجس»، فدعوتها و قلت لها: إنّما يدعوك لتودّعيه، فودّعته، و تركناه مع أبي محمّد- (عليه السلام)- ثمّ انصرفنا، ثمّ إنّي صرت إليه من الغد، فلم أره عنده، فهنّأته فقال: «يا عمّة هو في ودائع اللّه إلى أن يأذن اللّه في خروجه». (1)

السّادس: أنّه- (عليه السلام)- ولد نظيفا مفروغا منه و غير ذلك‏

2665/ 9- الشيخ في «الغيبة»: قال: أخبرني ابن أبي جيّد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار محمّد بن الحسن القمّي، عن أبي عبد اللّه المطهريّ، عن حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا- (عليهما السلام)- قالت: بعث إليّ أبو محمّد- (عليه السلام)- سنة خمس و خمسين و مائتين في النصف من شعبان و قال: «يا عمّة اجعلي اللّيلة إفطارك‏

____________

(1) دلائل الإمامة: 268- 269 و عنه تبصرة الولي: 15 ح 3، و قد تقدّم قطعة منه في الحديث 2574

29

عندي فإنّ اللّه عزّ و جلّ سيسرّك بوليّه و حجّته على خلقه خليفتي من بعدي».

قالت حكيمة: فتداخلني بذلك‏ (1) سرور شديد و أخذت ثيابي [عليّ‏] (2)، و خرجت من ساعتي حتّى انتهيت إلى أبي محمّد- (عليه السلام)-، و هو جالس في صحن داره، و جواريه حوله، فقلت: جعلت فداك يا سيّدي الخلف ممّن هو؟ قال: «من سوسن»، فأدرت طرفي فيهنّ فلم ار جارية عليها اثر غير سوسن.

قالت حكيمة: فلمّا أن صلّيت المغرب و العشاء [الآخرة] (3) أتيت بالمائدة، فأفطرت أنا و سوسن و بايتّها في بيت واحد، فغفوت غفوة ثمّ استيقظت، فلم أزل متفكّرة (4) فيما وعدني أبو محمّد- (عليه السلام)- من أمر وليّ اللّه- (عليه السلام)-، فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كلّ ليلة للصّلاة، فصلّيت صلاة اللّيل حتّى بلغت إلى الوتر، فوثبت سوسن فزعة و خرجت (فزعة) (5) و اسبغت الوضوء، ثمّ عادت فصلّت صلاة اللّيل و بلغت إلى الوتر، فوقع في قلبي أنّ الفجر قد قرب، فقمت لأنظر فإذا بالفجر الأوّل قد طلع، فتداخل قلبي الشك من وعد ابي محمّد- (عليه السلام)- فناداني [من حجرته‏] (6) «لا تشكّي فإنّك بالأمر الساعة قد رأيته إن شاء اللّه تعالى».

____________

(1) في المصدر و البحار: لذلك.

(2) من المصدر و البحار.

(3) من المصدر و البحار.

(4) في المصدر و البحار: مفكّرة.

(5) ليس في البحار.

(6) من المصدر و البحار.

30

قالت حكيمة: فاستحييت من أبي محمّد- (عليه السلام)- و ما وقع في قلبي: و رجعت إلى البيت و أنا خجلة، فإذا هي قد قطعت الصّلاة و خرجت فزعة، فلقيتها على باب البيت، فقلت: بأبي أنت [و أمّي‏] (1) هل تحسّين شيئا؟ قالت: نعم يا عمّة إنّي لأجد أمرا شديدا، قلت: لا خوف عليك إن شاء اللّه تعالى، و أخذت و سادة فألقيتها في وسط البيت، و أجلستها عليها و جلست منها حيث تجلس‏ (2) المرأة من المرأة للولادة، فقبضت على كفّي و غمزت غمزا شديدا، ثمّ أنّت أنّة و تشهّدت، و نظرت تحتها فإذا أنا بوليّ اللّه- (صلوات الله عليه)- متلقيا الأرض بمساجده، فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمّد- (عليه السلام)-.

«يا عمّة هلمّي فأتيني بابني فأتيته به، فتناوله و أخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحهما (3)، ثمّ ادخله في فيه فحنّكه ثمّ أذّن في اذنيه و أجلسه في راحته اليسرى، فاستوى وليّ اللّه جالسا، فمسح يده على رأسه و قال له: «يا بنيّ انطق بقدرة اللّه» فاستعاذ وليّ اللّه- (عليه السلام)- من الشيطان الرجيم و استفتح:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (4) و صلّى على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على أمير المؤمنين و الأئمّة

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) في المصدر و البحار: تقعد.

(3) في المصدر و البحار: ففتحها.

(4) القصص: 5 و 6.

31

- (عليهم السلام)- واحدا و احدا حتّى انتهى إلى أبيه، فناولنيه أبو محمّد- (عليه السلام)- و قال: «يا عمّة ردّيه إلى امّه كي تقرّ عينها و لا تحزن و لتعلم أنّ وعد اللّه حقّ و لكنّ أكثر النّاس لا يعلمون‏ (1)» فرددته إلى امّه و قد انفجر الفجر الثّاني، فصلّيت الفريضة و عقّبت إلى أن طلعت الشمس، ثمّ ودّعت أبا محمّد- (عليه السلام)- و انصرفت إلى منزلي.

فلمّا كان بعد ثلاث اشتقت إلى وليّ اللّه، فصرت إليهم فبدأت بالحجرة الّتي كانت سوسن فيها، فلم أر اثرا و لا سمعت ذكرا، فكرهت أن أسأل، فدخلت على أبي محمّد- (عليه السلام)- فاستحييت أن أبدأه بالسؤال، فبدأني فقال: «هو يا عمّة في كنف اللّه و حرزة و ستره و غيبه حتّى يأذن اللّه [له‏] (2)، و إذا غيّب اللّه شخصي و توفّاني و رأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم، و ليكن عندك و عندهم مكتوما، فإنّ وليّ اللّه يغيّبه اللّه عن خلقه [و يحجبه عن عباده‏] [3]، فلا يراه أحد حتّى يقدّم [له‏] (4) جبرئيل- (عليه السلام)- فرسه، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا (5). (6)

السابع: اشراق النور في البيت الذي ولد فيه- (عليه السلام)- و نزول جبرئيل و الملائكة- (عليهم السلام)- و غير ذلك‏

2666/ 10- الراوندي في «الخرائج»: عن حكيمة قالت: دخلت‏

____________

(1) مقتبس من آية 13 من القصص.

(2) من المصدر و البحار.

(4) من المصدر و البحار.

(5) الأنفال: 42.

(6) غيبة الطوسي: 234 ح 204 و عنه البحار: 51/ 17 ح 25، و في إثبات الهداة: 3/ 414 ح 52 و ص 506 ح 315 و ص 682 ح 89 تقطيعا، و قد تقدّم صدره في الحديث 2597 و ذيله في الحديث 2649.

32

يوما على أبي محمّد- (عليه السلام)-، فقال: يا عمّة بيتي اللّيلة عندنا فانّ اللّه سيظهر الخلف، فيها قلت: و ممّن؟ قال: من نرجس، قلت: لست أرى بنرجس حملا، قال: « [يا عمّة] (1) إنّ مثلها كمثل أمّ موسى لم يظهر حملها بها إلّا وقت ولادتها»، فبتّ أنا و هي في بيت، فلمّا انتصف الليل صلّيت أنا و هي صلاة الليل، فقلت في نفسي: قد قرب الفجر و لم يظهر ما قال أبو محمّد- (عليه السلام)-.

فناداني [ابو محمّد- (عليه السلام)-] (2) من الحجرة «لا تعجلي»، فرجعت إلى البيت خجلة، فاستقبلتني نرجس [و هي‏] (3) ترتعد، فضممتها إلى صدري و قرأت عليها قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ و آية الكرسيّ، فأجابني الخلف من بطنها يقرأ كقراءتي.

[قالت:] (4) و أشرق نور في البيت، فنظرت فإذا الخلف تحتها ساجد (5) للّه تعالى إلى القبلة، فأخذته فناداني أبو محمّد- (عليه السلام)- من الحجرة: «هلمّي بابني إليّ يا عمّة»، قالت: فأتيته به فوضع لسانه في فيه و أجلسه على فخذه، و قال: «انطق يا بنيّ باذن اللّه تعالى»، فقال- (عليه السلام)-:

«أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ و صلّى اللّه على محمّد المصطفى و عليّ المرتضى و فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر، و في الأصل: ساجدا.

33

و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و عليّ بن موسى و محمّد بن عليّ و عليّ بن محمّد و الحسن بن عليّ أبي».

قالت حكيمة: و غمرتنا طيور خضر، فنظر أبو محمّد- (عليه السلام)- إلى طائر منها فدعاه فقال له: « [خذه و] (1) احفظه حتّى يأذن اللّه فيه، فانّ اللّه بالغ أمره»، [قالت حكيمة:] (2) فقلت لأبي محمّد- (عليه السلام)-: ما هذا الطائر و ما هذه الطيور؟ قال: «هذا جبرئيل و هذه ملائكة الرحمة»، ثمّ قال: «يا عمّة ردّيه إلى امّه كي تقرّ عينها و لا تحزن و لتعلم أنّ وعد اللّه حقّ و لكنّ أكثر الناس لا يعلمون»، فرددته إلى امّه.

قالت حكيمة: و لمّا ولد كان نظيفا مفروغا منه و على ذراعه الأيمن مكتوب‏ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (3). (4)

الثامن: إخباره- (عليه السلام)- حكيمة بالجماعة الّذين يسألونها عن ميلاده- (عليه السلام)- و غير ذلك‏

2667/ 11- أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري: قال: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون قال: حدّثني أبي (رحمه الله) قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال: حدّثنا محمّد بن جعفر، عن أبي نعيم‏ (5)، عن محمّد بن القاسم العلوي قال: دخلنا جماعة من العلويّة على حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى- (عليهم السلام)-، فقالت:

جئتم تسألونني عن ميلاد وليّ اللّه؟ قلنا: بلى و اللّه، قالت: كان عندي‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) الإسراء: 81.

(4) الخرائج: 1/ 455 ح 1 و عنه كشف الغمّة: 2/ 498.

(5) هو محمّد بن أحمد الأنصاري، روى عنه محمد بن جعفر بن عبد اللّه.

34

البارحة، و أخبرني بذلك، و إنّه كانت عندي صبيّة يقال لها نرجس، و كنت اربّيها من بين الجواري، و لا يلي تربيتها غيري، إذ دخل أبو محمّد- (عليه السلام)- عليّ ذات يوم، فبقي يلحّ النظر إليها، فقلت: يا سيّدي هل لك فيها من حاجة؟

فقال: «إنّا معاشر الأوصياء لسنا ننظر نظر ريبة، و لكنّا ننظر تعجّبا أنّ المولود الكريم على اللّه يكون منها»، قالت: قلت: يا سيّدي فأروح بها إليك؟ قال: استأذني أبي في ذلك، فصرت إلى أخي- (عليه السلام)-، فلمّا دخلت عليه تبسّم ضاحكا و قال: «يا حكيمة جئت تستأذنيني في أمر الصبيّة، ابعثي بها إلى أبي محمّد- (عليه السلام)-، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ أن يشركك في هذا الأمر» (1) فزيّنتها و بعثت بها إلى أبي محمّد- (عليه السلام)- فكنت بعد ذلك إذا دخلت عليها تقوم فتقبّل جبهتي فاقبّل رأسها، و تقبّل يدي فاقبّل رجليها (2)، و تمدّ يدها إلى خفّي لتنزعه فأمنعها من ذلك، و اقبّل يدها إجلالا و إكراما للمحلّ الذي أحلّه اللّه فيها، فمكثت بعد ذلك إلى أن مضى أخي أبو الحسن- (عليه السلام)-، فدخلت على أبي محمّد- (عليه السلام)- ذات يوم فقال: «يا عمّتاه إنّ المولود الكريم على اللّه و رسوله سيولد ليلتنا هذه.

فقلت: يا سيّدي في ليلتنا هذه؟ قال: «نعم»، [فقمت إلى الجارية] (3) فقلّبتها ظهرا لبطن فلم أر بها حملا، فقلت: يا سيّدي ليس بها حمل، فتبسّم ضاحكا و قال: «يا عمّتاه إنّا معاشر الأوصياء ليس يحمل‏

____________

(1) كذا في المصدر، و في الأصل: في الأجر.

(2) في المصدر: رجلها.

(3) من المصدر.

35

لنا في البطون و لكن يحمل‏ (1) في الجنوب».

فلمّا جنّ الليل صرت إليه، فأخذ أبو محمّد- (عليه السلام)- محرابه، فأخذت محرابها فلم يزالا يحييان الليل، و عجزت عن ذلك، فكنت مرّة أنام و مرّة اصلّي إلى آخر الليل، فسمعتها آخر الليل في القنوت لمّا انفتلت من الوتر مسلّمة صاحت: يا جارية الطست، [فجاءت بالطست‏] (2) فقدمته إليها فوضعت صبيّا كأنّه فلقة قمر، على ذراعه الأيمن مكتوب: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً و ناغاه‏ (3) ساعة حتّى استهلّ و عطس، و ذكر الأوصياء قبله حتى بلغ إلى نفسه، و دعا لأوليائه على يده بالفرج.

ثم وقعت ظلمة بيني و بين أبي محمّد- (عليه السلام)-، فلم أره، فقلت: يا سيّدي، أين الكريم على اللّه؟ قال: «أخذه من هو أحقّ به منك»، [فقمت‏] (4) و انصرفت إلى منزلي، فلم أره، و بعد أربعين يوما دخلت دار أبي محمّد- (عليه السلام)-، فإذا [أنا] (5) بصبيّ يدرج في الدار، فلم أر وجها اصبح من وجهه، و لا لغة افصح من لغته، و لا نغمة أطيب من نغمته، [فقلت: يا سيّدي من هذا الصبيّ؟ ما رأيت أصبح وجها منه و لا افصح لغة منه و لا أطيب نغمة منه‏] (6)، قال: «هذا المولود الكريم على اللّه»، قلت:

يا سيّدي و له أربعون يوما و أنا أدري‏ (7) من أمره هذا!

____________

(1) في المصدر: ليس يحمل بنا في البطون، و لكنّا نحمل في الجنوب.

(2) من المصدر.

(3) المناغاة: المحادثة، و قد ناغت الامّ صبيّها: لاطفته و شاغلته بالمحادثة و الملاعبة (النهاية لابن الأثير).

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) في المصدر: أرى.

36

قال: فتبسّم ضاحكا و قال: «يا عمّتاه أ ما علمت أنّا معاشر الأوصياء ننشأ في اليوم كما ينشأ غيرنا في الجمعة، و ننشأ في الجمعة كما ينشأ غيرنا في الشهر، و ننشأ في الشهر كما ينشأ غيرنا في السنة!» فقمت و قبّلت رأسه و انصرفت إلى منزلي، ثمّ عدت فلم أره، فقلت: يا سيّدي يا أبا محمّد لست ارى المولود الكريم على اللّه.

قال: «استودعناه من الذي استودعته أمّ موسى»، و انصرفت و ما كنت أراه إلّا [كلّ‏] (1) اربعين يوما. (2)

التاسع: النور الذي سطع منه- (عليه السلام)- عند ولادته حتّى بلغ افق السّماء و الملائكة التي تمسحت به عند ذلك‏

2668/ 12- ابن بابويه: قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه قال:

حدّثنا محمّد بن يحيى العطار قال: حدّثني أبو عليّ الخيزراني، عن جارية له كان أهداها لأبي محمّد- (عليه السلام)-، فلمّا أغار جعفر الكذّاب على الدار جاءته فارّة من جعفر فتزوّج بها.

قال أبو عليّ: فحدّثتني أنّها حضرت ولادة السيّد- (عليه السلام)-، [و أنّ اسم أمّ السيّد صقيل، و أنّ أبا محمّد- (عليه السلام)- حدّثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعو اللّه عزّ و جلّ لها أن يجعل منيّتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد- (عليه السلام)- و على قبرها لوح مكتوب عليه: هذا قبر أمّ محمد- (عليه السلام)-.

قال ابو عليّ: و سمعت هذه الجارية تذكر أنّه لما ولد السيّد

____________

(1) من المصدر.

(2) دلائل الإمامة: 269- 270، قد تقدّم صدره في الحديث 2509 و يأتي في الحديث 2715.

37

- (عليه السلام)-] (1)- رأت- له نورا ساطعا قد ظهر منه و بلغ افق السماء، و رأت طيورا بيضاء تهبط من السماء و تمسح أجنحتها على رأسه و وجهه و سائر جسده، ثم تطير، فأخبرنا أبا محمّد- (عليه السلام)- بذلك، فضحك ثمّ قال: «تلك ملائكة (السماء) (2) نزلت لتتبرّك به و هي أنصاره إذا خرج». (3)

العاشر: النور الذي سطع على رأسه إلى عنان السّماء عند ولادته- (عليه السلام)-، و سجوده لربّه و قراءته- (عليه السلام)- شَهِدَ اللَّهُ‏ الآية

2669/ 13- ابن بابويه: قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني- (رضي الله عنه)- قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن زكريا بمدينة السلام قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن خليلان بن خيلان قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن غياث بن اسيد قال: سمعت محمّد بن عثمان العمري- قدّس اللّه روحه- يقول: لمّا ولد الخلف المهديّ- (صلوات الله عليه)- سطع نور من فوق رأسه إلى عنان السّماء، ثمّ سقط لوجهه ساجدا لربّه تعالى ذكره، ثمّ رفع رأسه و هو يقول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر، و فيه: للتبرّك بهذا المولود.

(3) كمال الدين: 431 ح 7 و عنه البحار: 51/ 5 ح 10 و إثبات الهداة: 3/ 668 ح 36 و الصراط المستقيم: 2/ 235.

و أورده في الثاقب في المناقب: 584 ح 2 و روضة الواعظين: 260.

38

وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (1)، قال: و كان مولده- (عليه السلام)- ليلة الجمعة. (2)

الحادي عشر: أنّه- (عليه السلام)- ولد مختونا

2670/ 14- ابن بابويه: بالاسناد المتقدّم، عن محمّد بن عثمان العمري- قدّس اللّه روحه- أنّه قال: ولد السيّد- (عليه السلام)- مختونا، و سمعت حكيمة تقول: (إنّه) (3) لم ير بامّه دم في نفاسها، و هكذا سبيل امّهات الأئمّة- (صلوات الله عليهم)-. (4)

2671/ 15- ابن بابويه: عن عليّ بن الحسن بن الفرج المؤذّن، عن محمّد بن الحسن الكرخي قال: سمعت أبا هارون- رجلا من أصحابنا- يقول: رأيت صاحب الزّمان- (عليه السلام)- و وجهه [يضي‏ء] (5) كأنّه القمر ليلة البدر، و رأيت على سرّته شعرا يجري كالخطّ، و كشفت الثوب عنه فوجدته مختونا، فسألت مولانا الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- عن ذلك، فقال: «هكذا ولد، و هكذا ولدنا، و لكنّا سنمرّ الموسى [عليه‏] (6) لإصابة السنّة». (7)

____________

(1) آل عمران: 18- 19.

(2) كمال الدين: 433 ح 13 و عنه البحار: 51/ 15 ح 19 و إثبات الهداة: 3/ 669 ح 37.

(3) ليس في المصدر و البحار.

(4) كمال الدين: 433 ح 14 و عنه البحار: 51/ 16 ح 20.

(5) من المصدر و البحار.

(6) من المصدر.

(7) كمال الدين: 434 ح 1 و عنه البحار: 52/ 25 ح 18 و عن غيبة الطوسي: 250 ح 219.

و أورده في الخرائج: 2/ 957 و اعلام الورى: 397، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع الغيبة بتحقيقنا.

39

2672/ 16- ابن بابويه: قال: حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار- (رضي الله عنه)- قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان، عن محمّد بن الحسين بن يزيد، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الأزدي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول- لمّا ولد الرّضا- (عليه السلام)-: «إنّ ابني هذا ولد مختونا طاهرا مطهّرا، و ليس من الأئمّة أحد يولد إلّا مختونا طاهرا مطهّرا، و لكنّا سنمرّ الموسى [عليه‏] (1) لإصابة السنّة و اتّباع الحنيفيّة». (2)

الثاني عشر: أنّ له بيت الحمد يزهر من يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف‏

2673/ 17- محمد بن إبراهيم النعماني في «كتاب الغيبة»: قال:

أخبرنا عبد الواحد بن عبد اللّه قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن رباح قال:

حدّثنا محمّد بن العباس بن عيسى الحسيني، عن الحسن بن عليّ البطائنيّ، عن أبيه، عن المفضّل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول:

«إنّ لصاحب هذا الأمر بيتا يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفأ». (3)

____________

(1) من المصدر.

(2) كمال الدين: 433 ح 15 و عنه الوسائل: 15/ 164 ح 1 و البحار: 25/ 44 ح 19.

و أخرجه في البحار: 104/ 124 ح 76 عن مكارم الاخلاق: 230.

(3) غيبة النعماني: 239 ح 31 و عنه البحار: 52/ 158 ح 21 و عن غيبة الطوسي: 467 ح 483 باختلاف يسير.

و أخرجه في إثبات الهداة: 3/ 580 ح 758 عن إثبات الوصيّة: 226، و في ص 527 ح 436 عن إعلام الورى: 431، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع غيبة الطوسي بتحقيقنا.

40

الثالث عشر: خبر العجوز التي حضرت ولادته- (عليه السلام)-

2674/ 18- الشيخ الطوسي في «الغيبة» عن أحمد بن عليّ الرازي، عن محمّد بن عليّ، عن حنظلة بن زكريّا قال: حدّثني أحمد بن بلال بن داود الكاتب، و كان عامّيا بمحلّ من النصب لأهل البيت- (عليهم السلام)- يظهر ذلك و لا يكتمه، و كان صديقا لي يظهر مودّة بما فيه من طبع أهل العراق، فيقول- كلّما لقيني-: لك عندي خبر تفرح به و لا أخبرك به، فأتغافل عنه إلى أن جمعني و ايّاه موضع خلوة، فاستقصيت عنه و سألته أن يخبرني به، فقال:

كانت دورنا بسرّمن‏رأى مقابل دار ابن الرضا: يعني أبا محمّد الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-، فغبت عنها دهرا طويلا إلى قزوين و غيرها، ثمّ قضي [لي‏] (1) الرجوع إليها، فلمّا وافيتها و قد كنت فقدت جميع من خلّفته (فيها) (2) من أهلي و قراباتي إلّا عجوزا كانت ربتني، و لها بنت معها، و كانت من الطبع الأوّل‏ (3) مستورة صائنة لا تحسن الكذب، و كذلك مواليات لنا بقين في الدار، فأقمت عندهم أيّاما، ثمّ أردت‏ (4) الخروج، فقالت العجوز: كيف تستعجل الانصراف و قد غبت زمانا؟

فأقم عندنا لنفرح بمكانك.

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) ليس في المصدر و البحار.

(3) أي كانت من طبع الخلق الأوّل هكذا، أي كانت مطبوعة على تلك الخصال في أوّل عمرها (البحار).

(4) في المصدر: عندهنّ أيّاما، ثمّ عزمت الخروج.

41

فقلت لها على جهة الهزء: اريد [أن اصير] (1) إلى كربلاء، و كان النّاس للخروج في النصف من شعبان أو ليوم عرفة، فقالت: يا بنيّ اعيذك باللّه أن تستهين ما ذكرت أو تقوله على وجه‏ (2) الهزء، فإنّي [احدّثك‏] (3) بما رأيته بعد خروجك من عندنا بسنتين.

كنت في هذا البيت نائمة بالقرب من الدّهليز و معي ابنتي و أنا بين النائمة و اليقظانة، إذ دخل رجل حسن الوجه نظيف الثياب طيّب الرائحة، فقال: «يا فلانة يجيئك الساعة من يدعوك في الجيران، فلا تمتنعي من الذهاب معه و لا تخافي»، ففزعت و ناديت ابنتي، و قلت لها:

هل شعرت بأحد دخل البيت؟ فقالت: لا، فذكرت اللّه و قرأت و نمت، فجاء الرجل بعينه و قال [لي‏] (4) مثل قوله، ففزعت و صحت بابنتي، فقالت: لم يدخل البيت أحد فاذكري اللّه و لا تفزعي، فقرأت و نمت.

فلمّا كان في الثالثة جاء الرّجل و قال: «يا فلانة قد جاءك من يدعوك و يقرع الباب فاذهبي معه»، و سمعت دقّ الباب فقمت وراء الباب و قلت: من هذا؟ فقال: افتحي و لا تخافي، فعرفت كلامه و فتحت الباب فإذا خادم معه إزار، [فقال:] (5) يحتاج إليك بعض الجيران لحاجة مهمّة فادخلي، و لفّ رأسي بالملاءة و أدخلني الدار و أنا أعرفها، فإذا بشقاق‏ (6) مشدودة وسط الدار و رجل قاعد بجنب الشقاق، فرفع الخادم طرفه فدخلت، و إذا امرأة قد أخذها الطلق، و امرأة قاعدة خلفها كأنّها

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر و البحار، و في الأصل: على جهة الهزء.

(3) من المصدر و البحار.

(4) من المصدر و البحار.

(5) من المصدر و البحار.

(6) الشقاق جمع الشقّة بالكسر، و هو ما شقّ من الثوب مستطيلا (البحار).

42

تقبلها.

فقالت المرأة: تعينينا فيما نحن فيه، فعالجتها بما يعالج به مثلها، فما كان إلّا قليل حتّى سقط غلام، فأخذته على كفّي و صحت غلام غلام، و أخرجت رأسي من طرف الشقاق ابشّر الرجل القاعد، فقيل لي «لا تصيحي»، فلمّا رددت وجهي إلى الغلام قد كنت فقدته من كفّي، فقالت لي المرأة القاعدة: لا تصيحي، و أخذ الخادم بيدي و لفّ رأسي بالملاءة و أخرجني من الدار و ردّني إلى داري، و ناولني صرّة و قال: لا تخبري بما رأيت أحدا.

فدخلت الدار و رجعت إلى فراشي في هذا البيت و ابنتي نائمة بعد، فأنبهتها و سألتها هل علمت بخروجي و رجوعي؟ فقالت: لا، و فتحت الصرّة في ذلك الوقت و إذا فيها عشرة دنانير [عددا] (1)، و ما أخبرت بهذا أحدا إلّا في هذا الوقت لمّا تكلّمت بهذا الكلام على حدّ الهزء، فحدّثتك إشفاقا عليك، [فإنّ‏] (2) لهؤلاء القوم عند اللّه عزّ و جلّ شأنا و منزلة، و كلّما يدّعونه حقّ.

قال: فعجبت من قولها و صرفته إلى السخريّة و الهزء و لم أسألها عن الوقت غير أنّي أعلم يقينا أنّي غبت عنهم في سنة نيّف و خمسين و مائتين، و رجعت إلى سرّ من رأى في وقت أخبرتني العجوزة بهذا الخبر في سنة إحدى و ثمانين و مائتين [في وزارة عبيد اللّه بن سليمان لمّا

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) من المصدر و البحار.

43

قصدته‏] (1).

قال حنظلة: فدعوت بأبي الفرج المظفّر بن أحمد حتّى سمع معي منه هذا الخبر. (2)

الرابع عشر: خبر كامل‏

2675/ 19- الشيخ في «الغيبة»: عن جعفر بن محمّد بن مالك قال:

حدّثني محمّد بن جعفر بن عبد اللّه، عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري قال: وجّه قوم من المفوّضة و المقصّرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمّد- (عليه السلام)-. قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله [عن قوله:] (3) «لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي و قال بمقالتي».

[قال:] (4) فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد- (عليه السلام)- نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: وليّ اللّه و حجّته يلبس الناعم من الثياب و يأمرنا بمواساة الإخوان و ينهانا عن لبس مثله.

فقال: متبسّما: «يا كامل» و حسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: «هذا للّه و هذا لكم»، فسلّمت و جلست إلى باب عليه ستر مرخى، فجاءت الرّيح فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء اربع سنين أو مثلها.

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) غيبة الطوسي: 240 ح 208 و عنه البحار: 51/ 20 ح 28.

(3) من دلائل الإمامة.

(4) من المصدر و البحار.

44

فقال [لي‏] (1): «يا كامل بن ابراهيم» فاقشعررت من ذلك و الهمت أن قلت: لبّيك يا سيّدي، فقال: «جئت إلى وليّ اللّه و حجّته و بابه تسأله هل يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتك و قال بمقالتك؟» فقلت: إي و اللّه، فقال: «إذن و اللّه يقلّ داخلها، و اللّه إنّه ليدخلها قوم يقال لهم: الحقيّة»، قلت: يا سيّدي و من هم؟ قال: «قوم من حبّهم لعلّي يحلفون بحقّه و لا يدرون ما حقّه و فضله».

ثمّ سكت- (صلوات الله عليه)- [عنّي ساعة] (2) ثمّ قال: «جئت تسأله عن مقالة المفوّضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه، فإذا شاء شئنا، و اللّه يقول: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ (3)»، ثمّ رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر إليّ أبو محمّد- (عليه السلام)- متبسّما فقال: «يا كامل ما جلوسك؟ و قد أنبأك بحاجتك الحجّة من بعدي!»، فقمت و خرجت و لم اعاينه بعد ذلك.

قال أبو نعيم: فلقيت كاملا فسألته عن هذا الحديث فحدّثني به.

و رواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه: قال: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى قال: حدّثني أبي- (رضي الله عنه)- قال:

حدّثنا محمّد بن همام قال: حدّثني جعفر بن محمّد قال: حدّثني محمّد ابن جعفر قال: حدّثني أبو نعيم قال: وجّهت المفوّضة كامل بن إبراهيم المزني إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- يباحثون‏ (4) أمره.

____________

(1) من المصدر و البحار.

(2) من المصدر و البحار.

(3) الإنسان: 30 و التكوير: 29.

(4) كذا في المصدر، و في الأصل يتاخون.

45

قال كامل بن إبراهيم: فقلت في نفسي: أسأله [عن قوله‏] (1) «لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي و قال بمقالتي»، فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد- (عليه السلام)- نظرت إلى ثياب؛ و ساق الحديث إلى آخره. (2)

الخامس عشر: خبر أحمد بن إسحاق الوكيل و سعد بن عبد اللّه القمّي و هو خبر مشهور

2676/ 20- ابن بابويه في «الغيبة»: قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن محمّد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي قال: حدّثنا أحمد بن طاهر القمي قال: حدّثنا محمّد بن بحر بن سهل الشيباني قال: حدّثنا أحمد بن مسرور، عن سعد بن عبد اللّه القمّي- و الحديث طويل-.

قال فيه سعد بن عبد اللّه: قد كنت اتّخذت طومارا و أثبتّ فيه نيّفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل عنها خير (3) أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد- (عليه السلام)-، فارتحلت خلفه و قد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّمن‏رأى، فلحقته في بعض المناهل‏ (4)، فلمّا تصافحنا قال: بخير لحاقك‏

____________

(1) من المصدر الطبع الجديد: 505.

(2) غيبة الطوسي: 246 ح 216، دلائل الإمامة: 273- 274 و عنهما البحار: 52/ 50 ح 35.

و رواه في إثبات الوصيّة: 222 و الهداية الكبرى للحضيني: 87 (مخطوط)، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع الغيبة بتحقيقنا.

(3) في المصدر: عنها خبير اهل بلدي.

(4) في المصدر: المنازل، و في البحار: لخير لحاقك.

46

بي، قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسئلة، قال: قد تكافأنا على هذه الخطّة الواحدة، فقد برح بي العزم‏ (1) إلى لقاء مولانا أبي محمّد- (عليه السلام)-، و [أنا] (2) اريد أن أسأله عن معاضل في التأويل و مشاكل في التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة، فإنّها تقف بك على ضفّة (3) بحر لا تنقضي عجائبه، و لا تفنى غرائبه، و هو إمامنا.

فوردنا سرّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا- (عليه السلام)-، فاستأذنّا فخرج إلينا (4) الإذن بالدّخول عليه، و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبريّ، فيه ستّون و مائة صرّة من الدنانير و الدّراهم، على [كلّ‏] (5) صرّة منها ختم صاحبها.

قال سعد: فما شبّهت [وجه‏] (6) مولانا أبا محمّد- (عليه السلام)- حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر، و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، و على رأسه فرق بين و فرتين كأنّه ألف بين واوين، و بين يدي مولانا رمّانة ذهبيّة تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، و بيده قلم، إذا أراد أن يسطر به على البياض [شيئا] (7) قبض الغلام على اصابعه، فكان مولانا- (عليه السلام)- يدحرج‏

____________

(1) في المصدر و البحار: القرم، و هو بالتحريك شدّة الشوق.

(2) من المصدر و البحار.

(3) أي ساحل البحر.

(4) في المصدر: علينا، و في الاصل: لنا.

(5) من المصدر و البحار.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

47

الرمّانة بين يديه، و يشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبة (1) ما أراد (2).

فسلّمنا عليه، فألطف في الجواب و أومأ إلينا بالجلوس، فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طيّ كسائه، فوضعه بين يديه، فنظر أبو محمّد- (عليه السلام)- إلى الغلام و قال له:

«يا بنيّ فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك». فقال: «يا مولاي أ يجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة، و أموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟».

فقال مولاي- (عليه السلام)-: «يا ابن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز [ما] (3) بين الحلال و الحرام منها»، فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام: «هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقم، تشتمل على اثنين و ستّين دينارا، فيها من ثمن حجرة (4) باعها صاحبها و كانت إرثا له من أخيه‏ (5) خمسة و أربعون دينارا، و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيها من اجرة الحوانيت ثلاثة دنانير».

فقال مولانا- (عليه السلام)-: «صدقت يا بنيّ دلّ الرجل على الحرام‏

____________

(1) في المصدر: كيلا يصدّه عن كتابة ما أراد.

(2) فيه غرابة من حيث قبض الغلام ((عليه السلام)) على اصابع أبي محمّد ((عليه السلام)) و هكذا وجود رمانة من ذهب يلعب بها لئلا يصده عن الكتابة، و قد روى في الكافي: 1: 311 ح 15 عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد اللّه ((عليه السلام)) عن صاحب هذا الأمر، فقال: إنّ صاحب هذا الأمر لا يلهو و لا يلعب، و أقبل أبو الحسن موسى- و هو صغير- و معه عناق مكيّة و هو يقول لها: اسجدي لربك، فأخذه أبو عبد اللّه ((عليه السلام)) و ضمّه إليه و قال: بأبي و أمّي من لا يلهو و لا يلعب.

(3) من المصدر و البحار.

(4) في المصدر و البحار: حجيرة.

(5) في المصدر: عن أبيه.

48

منها».

فقال- (عليه السلام)-: «فتّش عن دينار رازيّ السكّة تاريخه سنة كذا (و كذا) (1)، قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، و قراضة أصليّة (2) وزنها ربع دينار؛ و العلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الجملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا و ربع منّ، فأتت على ذلك مدّة، و في انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه، فكذّبه و استردّ [منه‏] (3) بدل ذلك منّا و نصف منّ غزلا أدقّ ممّا كان دفعه إليه، و أخذ من ذلك ثوبا، كان هذا الديا نار مع القراضة ثمنه» فلمّا فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدّنانير باسم من أخبر عنه و بمقدارها على حسب ما قال، و استخرج الدّيا نار و القراضة بتلك العلامة.

ثمّ أخرج صرّة اخرى، فقال الغلام- (عليه السلام)-: «هذه لفلان بن فلان، من محلّة كذا بقم، تشتمل على خمسين دينارا لا يحلّ لنا لمسها»، قال: و كيف ذلك؟ قال- (عليه السلام)-: «لأنّها من ثمن حنطة حاف‏ (4) صاحبها على أكّاره في المقاسمة، و ذلك أنّه قبض حصّته منها بكيل واف و كال ما خصّ الأكّار بكيل بخس»، فقال مولانا- (عليه السلام)-: «صدقت يا بنيّ»، ثمّ قال: «يا ابن اسحاق احملها بأجمعها لتردّها أو توصي بردّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شي‏ء منها، و ائتنا بثوب العجوز».

____________

(1) ليس في المصدر و البحار.

(2) في المصدر و البحار: آمليّة.

(3) من المصدر و البحار.

(4) أي جور و ظلم.

49

قال أحمد: و كان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته، فلمّا انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إليّ مولانا أبو محمّد- (عليه السلام)- فقال:

«ما جاء بك يا سعد؟» فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا؛ قال: «فالمسائل التي أردت أن تسأل‏ (1) عنها؟» قلت: على حالتها يا مولاي، قال: «فسل قرّة عيني»- و أومأ إلى الغلام-، [فقال لي الغلام:

«سل»] (2)، فقلت له: مولانا و ابن مولانا إنّا روينا عنكم؛ و ساق الحديث.

بطوله حذفنا أوّله و آخره هنا من رواية ابن بابويه؛ و الحديث طويل ذكر سعد مسائله و أجاب عنها القائم- (عليه السلام)- ذكره ابن بابويه بطوله في الغيبة. (3)

2677/ 21- و رواه أيضا أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في «كتابه»: قال: أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز قال: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد الثعالبي قراءة في يوم الجمعة مستهلّ رجب سنة سبعين و ثلاثمائة قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمّي قال:

كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم و دقائقها، كلفا باستظهار ما يصحّ من حقائقها، مغرما بحفظ مشتبهها و مستغلقها، شحيحا على ما أظفر به من معاضلها و مشكلاتها، متعصّبا لمذهب‏

____________

(1) في المصدر: أن تسأله عنها.

(2) من المصدر.

(3) كمال الدين: 456- 459 قطعة من ح 21 و عنه البحار: 52/ 80- 82 قطعة من ح 51 و أورده في الثاقب في المناقب: 585 ح 1، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع الخرائج: 1/ 484.

50

الإماميّة، راغبا عن الأمن و السلامة في انتظار التنازع و التخاصم، و التعدّي إلى التباغض و التشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كشّافا عن مثالب أئمّتهم، هتّاكا لحجب قادتهم، إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة، و أطولهم مخاصمة و أكثرهم جدالا و أقشعهم‏ (1) سؤالا و أثبتهم على الباطل قدما.

فقال ذات يوم و أنا اناظره: تبّا لك- يا سعد- و لأصحابك، إنّكم معشر الرافضة تقصدون على المهاجرين و الأنصار بالطعن عليهما، و تجحدون من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ولايتهما و إمامتهما، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، أ ما علمتم أنّ الرسول- عليه و آله السلام- ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علما منه بأنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد أمر التأويل و الملقى إليه أزمّة الامّة، و عليه المعوّل في شعب الصّدع [و لمّ الشّعث‏] (2)، و سدّ الخلل، و إقامة الحدود و تسرية الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ ليس من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه، و لمّا رأينا النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- متوجّها إلى الانحجار (3) و لم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد استبان لنا قصد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأبي بكر إلى الغار للعلّة التي شرحناها.

و إنّما أبات عليّا- (عليه السلام)- على فراشه لما لم يكن يكترث له و لم‏

____________

(1) كذا في المصدر، و في الأصل: و أقعشهم.

(2) من المصدر.

(3) أي الاستتار.

51

يحفل به، لاستثقاله إيّاه و لعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.

قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتّى، فما زال يقصد كلّ واحد منها بالنقض و الردّ عليّ، ثمّ قال: يا سعد دونكها اخرى بمثلها تحطّم آناف الروافض، أ لستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرّأ من دنس الشكوك و الفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق، و استدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصدّيق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها؟

قال سعد: فاحتلت لدفع [هذه‏] (1) المسألة عنّي خوفا من الإلزام و حذرا من أنّي إن أقررت له بطوعهما في الإسلام احتجّ بأنّ بدء النفاق و نشوءه في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح القهر و الغلبة، و إظهار اليأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد له قلبه، نحو قول اللّه عزّ و جلّ‏ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا (2) و إن قلت: أسلما كرها، كان يقصدني بالطعن، إذا لم يكن ثمّة (3) سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.

قال سعد: فصدرت عنه مزوّرا (4) قد انتفخت أحشائي من الغضب و تقطّع كبدي من الكرب، و كنت قد اتّخذت طومارا و أثبتّ فيه نيّفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل التي لم أجد لها مجيبا على أن اسأل‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المؤمن: 84- 85.

(3) كذا في المصدر، و في الأصل: ثمّ.

(4) الازورار عن الشي‏ء: العدول عنه.

52

عنها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد- (عليه السلام)-، فارتحلت خلفه، و قد كان خرج قاصدا نحو مولاي بسرّمن‏رأى، فلحقته في بعض المناهل، فلمّا تصافحنا قال: لخير لحاقك بي، قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسئلة.

قال: قد تكافأنا عن هذه الخطّة الواحدة، فقد برح بي الشوق إلى لقاء مولانا أبي محمّد- (عليه السلام)-، و اريد أن أسأله عن معاضل في التأويل و مشاكل من التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة، فإنّها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه و لا تفنى غرائبه و هو إمامنا.

فوردنا سرّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا- (عليه السلام)-، فاستأذنّا فخرج [إلينا] (1) الاذن بالدخول عليه، و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبريّ، فيه ستّون و مائة صرّة من الدنانير و الدراهم، على كلّ صرّة ختم صاحبها.

قال سعد: فما شبّهت مولانا أبا محمّد- (عليه السلام)- حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوفى من لياليه اربعا بعد عشر، و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، على رأسه فرق بين و فرتين كأنّه ألف بين واوين، و بين يدي مولانا- (عليه السلام)- رمّانة ذهبيّة تلمع ببدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، و بيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض الغلام على أصابعه، و كان مولانا- (عليه السلام)- يدحرج الرّمانة بين يديه يشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبة ما أراد.

____________

(1) من المصدر.