الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج18

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
359 /
5

الجزء الثامن عشر

تتمة القسم الثامن‏

تتمة الباب السادس‏

الفصل الرابع:

قلع باب خيبر: أحداث و تفاصيل‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

علي عليه السّلام قالع باب خيبر:
و قالوا أيضا: «و قتل علي يومئذ ثمانية من رؤسائهم، وفر الباقون إلى الحصن، فتبعهم المسلمون. فبينما علي يشتد في أثرهم، إذ ضربه يهودي على يده ضربة سقط منها الترس، فبادر يهودي آخر، فأخذ الترس، فغضب علي، فتناول باب الحصن، و كان من حديد، فقلعه، و تترس به عن نفسه» (1) .

قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللّه بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب-رضي اللّه عنه-حين بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود-و قد صرحوا بأنه مرحب‏ (2) -فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، و هو يقاتل، حتى فتح اللّه تعالى عليه الحصن.

ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 51.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

8

على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه‏ (1) .

و عن زرارة، عن الإمام الباقر «عليه السلام» : انتهى إلى باب الحصن، و قد أغلق الباب في وجهه، فاجتذبه اجتذابا، و تترس به، ثم حمله على ظهره، و اقتحم الحصن اقتحاما، و اقتحم المسلمون و الباب على ظهره..

إلى أن قال «عليه السلام» : ثم رمى بالباب رميا الخ.. (2) .

قال الديار بكري: ثم لما وضعت الحرب أوزارها ألقى علي ذلك الباب الحديد وراء ظهره ثمانين شبرا.. و في هذا قال الشاعر:

علي رمى باب المدينة خيبر # ثمانين شبرا وافيا لم يثلم‏ (3)

غير أن الحلبي قال: «قال بعضهم: في هذا الخبر جهالة و انقطاع ظاهر.

قال: و قيل: و لم يقدر على حمله أربعون رجلا. و قيل: سبعون.

و في رواية: أن عليا كرم اللّه وجهه لما انتهى إلى باب الحصن اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده سبعون رجلا، فكان جهدا

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام (ط المكتبة الخيرية بمصر) ج 3 ص 175 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 128 و راجع: الإصابة ج 2 ص 502 و تذكرة الخواص ص 27 و البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها و ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص 74 و 75 و الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج 1 ص 185-188 و معارج النبوة ص 219 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و مسند أحمد ج 6 ص 8 و تاريخ الخميس ج 1 ص 51 عن المنتقى، و التوضيح، عن الطبراني، و أحمد.

(2) البحار ج 21 ص 22 عن إعلام الورى ج 1 ص 207 و مدينة المعاجز ج 1 ص 177.

(3) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

9

أن أعادوه إلى مكانه» (1) .

و قال القسطلاني: «قلع علي باب خيبر، و لم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد» .

و روى البيهقي من طريقين: عن المطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي-رضي اللّه عنه-عن آبائه، قال: حدثني جابر بن عبد اللّه: أن عليا «عليه السلام» حمل الباب يوم خيبر، حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها، و أنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا.

رجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم، و هو ضعيف‏ (2) .

و في شواهد النبوة: روي أن عليا «عليه السلام» بعد ذلك حمله على ظهره، و جعله قنطرة حتى دخل المسلمون الحصن‏ (3) .

و هذا إشارة إلى وجود خندق كان هناك، فلما أغلقوا باب الحصن صار أمير

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و تاريخ الخميس ج 2 ص 51 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 128 و الإصابة ج 2 ص 502 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و عن البيهقي، و الحاكم.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 128 و 129 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 212 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 90 و البداية و النهاية ج 4 ص 189 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و راجع: تذكرة الخواص ص 27 و الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج 1 ص 185-188 و معارج النبوة ص 219 و تاريخ الخميس ج 2 ص 51 عن الحاكم، و البيهقي، و البحار ج 21 ص 19 و في هامشه عن المجالس و الأخبار ص 6.

(3) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 و راجع: تحف العقول ص 346.

10

المؤمنين «عليه السلام» إليه، فعالجه حتى فتحه، و أكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ أمير المؤمنين «عليه السلام» باب الحصن فجعله على الخندق جسرا لهم، حتى عبروا، فظفروا بالحصن، و نالوا الغنائم.

فلما انصرفوا من الحصن أخذه أمير المؤمنين «عليه السلام» بيمناه، فدحا به أذرعا من الأرض. و كان الباب يغلقه عشرون رجلا (1) .

و قيل: لما قلع علي «عليه السلام» باب الحصن اهتز الحصن، فسقطت صفية عن سريرها، وشجت وجهها.

و قالوا أيضا: إن ضربته «عليه السلام» على رأس مرحب بلغت إلى السرج، فقده نصفين‏ (2) .

و خبّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن رميه «عليه السلام» باب خيبر أربعين شبرا، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي نفسي بيده، لقد أعانه عليه أربعون ملكا (3) .

قال القسطلاني: قال شيخنا: «قال بعضهم: و طرق حديث الباب كلها واهية، و لذا أنكره بعض العلماء» (4) .

و في بعضها قال الذهبي: إنه منكر.

و في الإمتاع: و زعم بعضهم: أن حمل علي كرم اللّه وجهه الباب لا أصل

____________

(1) البحار ج 21 ص 16 و ج 41 ص 281 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 128 و عن مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 126 و مدينة المعاجز ج 1 ص 175.

(2) معارج النبوة ص 323 و 219.

(3) البحار ج 21 ص 19 و في هامشه عن مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 78.

(4) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 عن المواهب اللدنية و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

11

له، و إنما يروونه عن رعاع الناس، و ليس كذلك. ثم ذكر جملة ممن خرجه من الحفاظ» (1) .

و نقول:

إن لنا مع هذه النصوص العديد من الوقفات، نجملها فيما يلي:

إختلافات لا تضر: أربعون أم سبعون:
و قد يقال: إن اختلاف الروايات في عدد الذين جربوا حمل ذلك الباب، بين ثمانية رجال، و أربعين، و سبعين.. دليل على عدم صحة الرواية، و على أن ثمة من يتعمد الكذب في هذا الأمر.

غير أننا نقول:

إن الاختلاف الذي يضر: هو ذلك الذي يشير إلى تناقض لا مجال للخروج منه و عنه..

و لكن الأمر هنا ليس كذلك، إذ لعل جميع هذه الروايات صحيحة، على اعتبار: أن محاولات حمل أو قلب ذلك الباب قد تعددت، و فشلت كلها. فأخبر كل واحد من الرواة عن الواقعة التي رآها.

باب واحد، أم بابان في خيبر؟!:
و قد يقال أيضا: إن حديث اقتلاع باب خيبر قد جاء بصور مختلفة، حيث إن بعضها ذكر: أن عليا «عليه السلام» اقتلع باب حصن خيبر.

و بعضها يقول: إن ترسه طرح من يده، فوجد عند الحصن بابا، فأخذه

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

12

فترّس به نفسه. فإذا كانت الرواية متناقضة فلا يمكن الأخذ بها..

و نقول:

أولا: إن تناقض الرواية لا يعني أن جميع نصوصها مكذوبة.

ثانيا: إن من الممكن: أن يكون هناك بابان، ترّس «عليه السلام» بأحدهما عن نفسه، ثم لما انتهى إلى الحصن طرحه، و أخذ باب الحصن بيده، فاقتلعه، وجعله جسرا للمسلمين، ليصعدوا عليه، و هو حامل له..

و ربما يكون أحدهما: هو الذي لم يستطع الثمانية أن يقلبوه..

و الآخر: هو الذي عجز عن حمله، الأربعون تارة، و السبعون أخرى..

و ربما يكون أحدهما من الحديد، و الآخر من الحجر، و قد يختلط الأمر على الرواة، فيصفون أحدهما بما يكون للآخر..

التكبير من السماء:
و قد ذكرت الروايات: أن الناس سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم، و سمعوا نداء يقول:

لا سيف إلا ذوالفقار # و لا فتى إلا علي‏

و قد أشرنا: إلى بعض ما يستفاد من هذا النداء في واقعة أحد، في الجزء السابع من هذا الكتاب (الطبعة الخامسة) ، فلا بأس بمراجعة ما ذكرناه هناك..

و نضيف هنا أمورا ثلاثة:

أحدها: أن هذا التكبير، و ذلك النداء هما بمثابة إعطاء الدليل الحاسم لكل عاقل يحترم نفسه بحقانية هذا الدين، و بأنه مرعي من رب الأرض و السماء، و لا بد أن يزيد هذا الأمر من صلابة الإنسان المؤمن في الدفاع عن‏

13

دينه، و يزيل أي شك، أو ريب من قلبه..

فلا مجال بعد هذا للتفكير بالفرار من الزحف، و لا مبرر للضعف أمام مظاهر القوة، و لا يصح الانبهار بكثرة الأعداء.. فلا مبرر إذن لأي فرار يحدث، أو ضعف يظهر بعد ذلك، كالذي حدث في حنين و في خيبر، أو في غيرهما.

كما لا مبرر لاستمرار اليهود على عنادهم، و كفرهم، بعد أن رأوا هذه الآية السماوية الظاهرة.

فإصرار هم على الحرب يدل: على أنهم ليسوا طلاب حق و حقيقة، و أنهم لا يتخذون مواقفهم تلك بسبب شبهة عرضت لهم، أو لأنهم بحاجة إلى المزيد من الدلالات على الحق.

بل كل ما في الأمر هو: أنهم ينقادون لشهواتهم، و أن الشيطان يزين لهم أعمالهم، و يعدهم، و يمنيهم، و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا.

الثاني: أن ذلك التكبير و النداء، الذي جاء بعد تحقيق هذا الإنجاز العظيم، يمثل إدانة للذين هربوا، أو ضعفوا، و إعلان أن سيوفهم، ليست سيوفا حقيقية، و أن مظاهر الرجولة، و الفتوة، و القوة فيهم ليست واقعية، فإنه:

لا سيف إلا ذوالفقار # و لا فتى إلا علي‏

الثالث: أن هذا التكبير قد جاء ليكون هو المفردة التي اختيرت لإعلان هذا النصر، و ربما يكون فيه أيضا إلماحة: إلى أن السبب فيما جرى للمسلمين، هو:

اغترارهم بكثرتهم، و شعورهم بأنهم قد سجلوا انتصارات عظيمة، حين كانوا دون هذا العدد.. كما في بدر و أحد، و الخندق.. مع أن تلك الإنتصارات لم تكن على أيديهم، بل كانت على يد علي «عليه السلام» بالذات..

14

كما أن اليهود قد غرتهم أيضا كثرتهم، و حسن عدتهم، و مناعة حصونهم، و وفرة المال في أيديهم.. رغم أنهم قد رأوا ماذا كان مصير أهل العدة من المشركين، و كذلك من إخوانهم الذين حاربوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و أحد، و الخندق، و قريظة، و قينقاع، و النضير، و غير ذلك..

و قد كان نصيب هؤلاء و أولئك هو الفرار، و الهزيمة، و البوار، و ظهر لهم جميعا؛ أن كل شي‏ء يعتمدون عليه سوى اللّه ما هو إلا يباب و سراب، فلا شي‏ء أكبر من اللّه، و لا يصح الاعتماد إلا عليه، و لا اللجوء إلا إليه.

و قد جاء هذا البيان الإلهي، بهذه الطريقة الغيبية، ليخاطب وجدان الإنسان و ضميره، و يجعل هذا الوجدان هو الطريق إلى القلب، الذي يوظف المشاعر الإيمانية، و نداء الفطرة، و ما يقدمه العقل من شواهد و دلالات في تمهيد السبيل إليه، و اقتباس الدليل الواضح عليه..

لا سيف إلا ذو الفقار في خيبر أيضا:
و رووا أيضا: أن عليا «عليه السلام» لما شطر مرحبا شطرين نزل جبرئيل من السماء متعجبا، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ممّ تعجبت؟

فقال: إن الملائكة تنادي في صوامع جوامع السماوات:

لا سيف إلا ذو الفقار # و لا فتى إلا علي‏ (1)

و ذكر أحمد في الفضائل: أنهم سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم،

____________

(1) البحار ج 21 ص 40 عن مشارق أنوار اليقين، و راجع: حلية الأبرار للبحراني ج 2 ص 162 و إحقاق الحق ج 8 ص 319 و مجمع النورين ص 178 و 194.

15

و قائلا يقول:

لا سيف إلا ذو الفقار # و لا فتى إلا علي‏

فاستأذن حسان بن ثابت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ينشد شعرا، فأذن له، فقال:

جبريل نادى معلنا # و النقع ليس بمنجلي

و المسلمون قد أحدقوا # حول النبي المرسل

لا سيف إلا ذو الفقار # و لا فتى إلا علي‏ (1)

قال سبط ابن الجوزي: «فإن قيل: قد ضعّفوا لفظة: لا سيف إلا ذو الفقار.

قلنا: الذي ذكروه: أن الواقعة كانت في يوم أحد.

و نحن نقول: إنها كانت في يوم خيبر» .

و كذا ذكر أحمد بن حنبل في الفضائل: و في يوم أحد، فإن ابن عباس قال: لما قتل علي «عليه السلام» طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين صاح صائح من السماء:

لا سيف إلا ذو الفقار # و لا فتى إلا علي‏

قالوا: في أسناد هذه الرواية عيسى بن مهران، تكلم فيه، و قالوا: كان شيعيا.

____________

(1) راجع: الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 167 و نهج الإيمان لابن جبر ص 177 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 17 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 52 و الغدير ج 2 ص 59 و ج 7 ص 205 و تذكرة سبط ابن الجوزي ص 16.

16

أما يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء (1) .

و قيل: إن ذلك كان يوم بدر. و الأول أصح.

تشكيكهم بقلع باب خيبر:
و حين تصل النوبة إلى تضحيات علي «عليه السلام» و كراماته، فإن الأذهان تتفتق، و المواهب تشرئب، و العبقريات الخارقة تنشط من عقالها..

و البراعة الفائقة تتجلى، و نظارة التنقيب و الاستقصاء تنطلق لتتحرى، و تبحث و تنقب، لتستخرج المدخرات، و لتنثر الجواهر و الدرر من جعبتها، فيقولون لك:

هذا الخبر فيه جهالة، و ذاك فيه انقطاع ظاهر، و ذلك الخبر ضعيف، أو منكر.

بل تجد من يقول: طرق حديث الباب كلها واهية، أو حديث الباب لا أصل له، أو أنه يروى عن رعاع الناس..

و قد فات هؤلاء الناس:

أولا: إذا ثبت حديث قلع الباب، و غيره من طريق أهل البيت «عليهم السلام» ، فلا نبالي ما يقول فلان، و ما يسطره علان.. لأن أهل البيت «عليهم السلام» أدرى بما فيه، و هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.

و لذلك تجدنا مطمئنين لما عندنا من حقائق لا يخالجنا فيها شك، و لا تأخذنا في التمسك بها و الحرص عليها لومة لائم..

____________

(1) الغدير للأميني ج 2 ص 60 عن تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 16.

17

ثانيا: إن حديث قلع الباب ثابت حتى من طرق غير أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم الأبرار.

و لبيان زيف تضعيفاتهم لهذا الخبر نقول:

إن الذين روي عنهم حديث قلع علي «عليه السلام» باب خيبر، و أن أربعين أو سبعين رجلا قد عجزوا عن حمله، أو عن قلبه، هم من غير الشيعة، فإن كان ثمة اختلاق لهذا الخبر، فلا تصح نسبته إلى الشيعة..

ثالثا: إن كون الطريق ضعيفا لا يعني: أن مضمونه لا أصل له. فإن الكذّاب و الوضّاع لا يكون جميع ما يرويه مختلقا و موضوعا.. بل يكون أكثر ما يرويه صحيحا، و لكنه يدخل فيه بعض الموضوعات أو التحريفات، التي تخدم أغراضه..

و لو كان جميع ما يرويه مختلقا لوجد نفسه في موضع الإفلاس، و لم يجد من يأخذ منه، و عنه.. فما معنى حكمهم الجازم على حديث قلع الباب بالاختلاق و الوضع، أو نحو ذلك؟!

رابعا: لقد حكموا على بعض طرق الحديث: بأن فيه انقطاعا.

و قالوا عن خبر آخر: إن رجاله ثقات، باستثناء شخص واحد هو ليث بن أبي سليم، مع أنه و إن ضعّف الكثيرون منهم ليثا هذا، و لكن آخرين منهم قد أثنوا عليه، و وصفوه بالصلاح و العبادة، و بغير ذلك، و لم يصفه أحد بالكذب، و لا بالوضع على الإطلاق..

بل قالوا عنه: إنه ضعيف في الحديث، أو مضطرب الحديث، أو ليّن الحديث، أو نحو ذلك..

و ذكروا هم أنفسهم أن سبب ذلك: هو أنه اختلط في آخر عمره. فهذا

18

هو السبب إذن في طعنهم عليه و تضعيفه.

بل إنهم قد وثقوه، و وصفوه بأنه صدوق، و صاحب سنة، و صالح، و عابد و نحو ذلك..

فذلك يدل على: أنه في نفسه ليس من رعاع الناس، و إليك طائفة من كلماتهم فيه، نأخذها من كتاب تهذيب التهذيب متنا و هامشا.

قال الذهبي: أحد العلماء، كوفي.

و قال ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق، اختلط أخيرا، و لم يتميز حديثه، فترك.

و قال العجلي: جائز الحديث.

و قال عبد الوارث: من أوعية العلم.

و قال ابن معين: منكر الحديث، صاحب سنة.

و قال عثمان ابن أبي شيبة: صدوق ضعيف الحديث.

و قال ابن شاهين: في الثقات.

و قال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيّئ الحفظ، كثير الغلط.

و قال البزار: كان أحد العبّاد، إلا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، و إنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، و إلا فلا نعلم أحدا ترك حديثه..

و قال ابن سعيد: كان رجلا صالحا عابدا.. و كان ضعيفا في الحديث..

ثم ذكر: أنه كان يسأل عطاء، و طاووسا، و مجاهدا، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد.

و قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، و يرفع المراسيل الخ..

19

و قال الدار قطني: صاحب سنة، يكتب حديثه، إنما أنكر عليه الجمع بين عطاء، و طاووس، و مجاهد حسب..

و سئل عنه يحيى، فقال: لا بأس به.

و قال ابن عدي: له أحاديث صالحة، و قد روى عنه شعبة و الثوري، و مع الضعف الذي فيه يكتب حديثه.

و قال محمد: ليث صدوق، يهم.

و قال فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك.

و سأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: ليث عن طاووس أحب إلي من سلمة بن و هرام عن طاووس.

قلت: أليس تكلموا في ليث؟

قال: ليث أشهر من سلمة. و لا نعلم روى عن سلمة إلا ابن عيينة، و ربيعة.

فهذه العبارات و أمثالها قد أفادت: أن اختلاطه في آخر عمره هو السبب في تكلمهم في حديثه، أما هو نفسه فقد و صفوه بأجل الأوصاف كما رأينا..

فإذا حصل الاطمئنان: بأن ما رواه إنما رواه قبل الاختلاط، خصوصا إذا تأيدت صحته من طرق أخرى، كما في رواية عبد اللّه بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، و كذلك غيرها من الطرق التي ذكرها البيهقي في دلائل النبوة، و ما أورده في الإمتاع، فإن الرواية تصبح صحيحة، و لا يكون رواتها من الرعاع، و ليس فيها انقطاع و لا جهالة، و لا غير ذلك.

رابعا: قد ذكر العلماء: أن تعدد طرق الحديث يعد من الشواهد التي‏

20

توصله إلى درجة الحسن‏ (1) .

و قال الزرقاني: «.. و من القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلا» (2) .

خامسا: ما معنى وصف رواة هذا الحديث بأنهم من رعاع الناس.. و فيهم جعفر بن محمد، عن آبائه «عليهم السلام» ، و فيهم أبو رافع، و عبد اللّه بن حسن، و سواهم ممن يعتمد عليهم نفس هؤلاء الجارحين، و يصفونهم بالأوصاف الحميدة، و يثنون عليهم الثناء الجميل، و يعظمونهم؟!

سادسا: إن رواة هذه القضايا، و الذين دوّنوها في مجاميعهم الحديثية و التاريخية-و هم من غير الشيعة-إنما رووها و دونوها باختيارهم، و بمبادرة منهم.

و قد ذكروا لها أسانيد فيها رجال يحترمونهم، و يعتمدون عليهم، و يأخذون عنهم معالم دينهم، فهل من المعقول أن يكذب هؤلاء على علمائهم، و أن ينسبوا لهم الموضوعات، و المختلقات؟!

فكيف إذا كان هؤلاء الرواة ممن لا يحبون إظهار فضائل علي «عليه السلام» ؟!حتى إذا رووا فضيلة له «عليه السلام» ، فإنما يضطرهم إلى روايتها ظهور شهرتها، و ذيوع صيتها، و عدم تمكنهم من تجاهلها، لأن إهمالهم لها يضعف الثقة بعلمهم، و بإحاطتهم، و بصحة معارفهم..

و لأجل ذلك: يحاولون الإبهام و الإيهام فيها قدر الإمكان، و يسعون إلى

____________

(1) راجع: نسيم الرياض ج 3 ص 10 و 11.

(2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 6 ص 490.

21

إعطاء الأوسمة، و منح الفضائل و الكرامات للفريق المناوئ لعلي «عليه السلام» .

و هذا أمر لا يكاد يخفى على من له أدنى معرفة بالحديث و التاريخ..

و أخيرا نقول:

و ما أوفق قول الشاعر الآتي بمقامنا هذا:

و مكارم شهد العدو بفضلها # و الفضل ما شهدت به الأعداء

ما قلعته بقوة جسمانية:
ثم إنهم قد رووا أيضا: أن عليا «عليه السلام» قال: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، و لكن بقوة إلهية (1) .

و في نص آخر: أن عمر سأل عليا «عليه السلام» قال: يا أبا الحسن، لقد اقتلعت منيعا، و أنت ثلاثة أيام خميصا، فهل قلعتها بقوة بشرية؟!

فقال «عليه السلام» : ما قلعتها بقوة بشرية، و لكن قلعتها بقوة إلهية، و نفس بلقاء ربها مطمئنة رضية (2) .

و جاء في رسالته «عليه السلام» لسهل بن حنيف قوله: «و اللّه، ما قلعت باب خيبر، و رميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية، و لا حركة غذائية، لكنني أيدت بقوة ملكوتية، و نفس بنور ربها مضيئة، و أنا من أحمد كالضوء من الضوء الخ.. » (3) .

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 عن شرح المواقف.

(2) البحار ج 21 ص 40 عن مشارق أنوار اليقين.

(3) أمالي الصدوق ص 307 و البحار ج 21 ص 26.

22

و نقول:

1-بالرغم من أن عليا «عليه السلام» قد حقق أعظم إنجاز بفتح خيبر و بقلع باب حصنها، و جعله ترسا و حمله بيده جسرا.. فإنه لا ينسب ذلك إلى نفسه، و لا يدّعي: أنه قد فعل ذلك بقوته الشخصية، و بقدرته الذاتية، بل هو قد نسب ذلك إلى قدرة الخالق جل و علا.. و بذلك يكون قد لقن نفسه، و علّم الناس بصورة عملية درسا في هضم النفس و في التواضع للّه عز و جل، و الإستكانة و الخضوع له.

2-إنه بذلك يكون قد أبعد الناس عن الغلو فيه، من حيث إنه قد أفقدهم أي مبرر لذلك، و قد كان «عليه السلام» مهتما بالحفاظ على صفاء الفكر و نقاء العقيدة لدى كل الآخرين و قد عرّفهم أيضا: أن الأمور لا تؤخذ على ظاهرها، بل لا بد من التأمل و التدبر و التفكر فيها، و وضع الأمور في مواضعها الصحيحة.

3-إنه «عليه السلام» قد أوضح: أن الاطمينان إلى لقاء اللّه سبحانه، و الرضا به هو العنصر المؤثر على صعيد التضحية و الجهاد، أما إذا بقي الإنسان متعلقا بالدنيا و مخلدا إلى الأرض، فإنه لن يتمكن من تحقيق شي‏ء، بل هو سوف يبقى يعيش الضعف، و الهروب، و الفشل الذريع، و الخيبة القاتلة، و الخزي في الدنيا، و الخسران في الآخرة.

و للشعراء كلمتهم:
و بعد، فإننا إذا رجعنا إلى عالم الشعر، فسنجد أنه قد خلد هذه الواقعة بكل تفاصيلها. فآلم ذلك قلوب مناوئي علي «عليه السلام» ، و أقضّ‏

23

مضاجعهم.

و نكتفي هنا: بذكر مقطوعة واحدة تذكر فرار الذين فروا من خيبر، و هي مقطوعة من القصيدة البائية لابن أبي الحديد المعتزلي.

ثم نعقب ذلك: بنماذج من الشعر الذي ذكر فيه قلع علي «عليه السلام» باب خيبر، و سوف لا نكثر من ذلك، و لا نتجاوز فيما نختاره موضع الشاهد.

فأما المقطوعة التي أنشدها المعتزلي في بائيته المشهورة، فهي التالية:

و ما أنس لا أنس اللذين تقدما # و فرهما و الفرّ قد علما حوب

و للراية العظمى و قد ذهبا بها # ملابس ذل فوقها و جلابيب

يشلهما من آل موسى شمردل # طويل نجاد السيف أجيد يعبوب

يمج منونا سيفه و سنانه # و يلهب نارا غمده و الأنابيب

أحضر هما أم حضر أخرج خاضب # و ذان هما؟أم ناعم الخد مخضوب

عذرتكما إن الحمام لمبغض # و إن بقاء النفس للنفس محبوب

ليكره طعم الموت و الموت طالب # فكيف يلذّ الموت و الموت مطلوب‏ (1)

و أما القدر اليسير، الذي اخترناه من الكثير مما قيل في قلع علي «عليه السلام» لباب خيبر، فهو ما يلي:

قال ابن حماد العبدي، (و هو من أعلام القرن الرابع) في جملة قصيدة له:

____________

(1) الغدير ج 7 ص 201.

24

و زج بباب الحصن عن أهل خيبر # و سقّى الأعادي حتفها و حماها (1)

و قال أيضا:

و أبوهم لباب خيبر أضحى # قالعا ليس عاجزا بل جسورا

حامل الراية التي ردها بالأ # مس من لم يزل جبانا فرورا (2)

و قال أبو القاسم الزاهي (المتوفى سنة 352 هـ) :

من أعطي الراية يوم خيبر # من بعد ما بها أخو الدعوى نكص

و راح فيها مبصرا مستبصرا # و كان أرمدا بعينه الرمص

فاقتلع الباب و نال فتحه # و دكّ طود مرحب لما قعص‏ (3)

و قال أبو فراس الحمداني (المتوفى سنة 357 هـ) :

من كان صاحب فتح خيبر من رمى # بالكف منه بابه و دحاه‏ (4)

و قال بعض الشعراء، في فرارهم، و في فتح اللّه تعالى خيبر على يدي علي «عليه السلام» :

إذا كنتم ممن يروم لحاقه # فهلا برزتم نحو عمرو و مرحب

و كيف فررتم يوم أحد و خيبر # و يوم حنين مهربا بعد مهرب

ألم تشهدوا يوم الإخاء و بيعة الـ # ـغدير و كل حضر غير غيب‏

____________

(1) الغدير ج 4 ص 152.

(2) الغدير ج 4 ص 166.

(3) الغدير ج 3 ص 388.

(4) الغدير ج 4 ص 404.

25

فكيف غدا صنو النفيلي ويحه # أميرا على صنو النبي المرجب!

و كيف علا من لا يطا ثوب أحمد # على من علا من أحمد فوق منكب

إمام هدى ردت له الشمس جهرة # فصلى أداء عصره بعد مغرب‏ (1)

و قال القاضي الجليس (المتوفي سنة 561 هـ. ) في جملة قصيدة يمدح بها عليا «عليه السلام» :

و من هزّ باب الحصن في يوم خيبر # فزلزل أرض المشركين و زعزعا (2)

و قال ابن مكي النيلي (المتوفي سنة 565 هـ) : من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين «عليه السلام» :

فهزها فاهتز من حولهم # حصنا بنوه حجرا جلمدا

ثم دحا الباب على نبذة # تمسح خمسين ذراعا عددا

و عبر الجيش على راحته # حيدرة الطاهر لما وردا (3)

و قال علاء الدين الحلي (و هو من أعلام القرن الثامن) ، في قصيدة له:

و دنا من الحصن الحصين و بابه # مستغلق حذر المنية موصد

فدحاه مقتلعا له فغدا له # حسان ثابت في المحافل ينشد

إن امرءا حمل الرتاج بخيبر # يوم الغدير بقدرة لمؤيد

حمل الرتاج رتاج باب قموصها # و المسلمون و أهل خيبر تشهد

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 7 و 8.

(2) الغدير ج 4 ص 385.

(3) الغدير ج 4 ص 395.

26

فرمى به و لقد تكلف رده # سبعون شخصا كلهم متشدد

ردوه بعد تكلف و مشقة # و مقال بعضهم لبعض أرددوا (1)

و قال أيضا في قصيدة أخرى:

أم يوم خيبر إذ براية أحمد # ولى لعمرك خائفا متوجلا

و مضى بها الثاني، فآب يجرها # حذر المنية هاربا و مهرولا

هلا سألتهما و قد نكصا بها # متخاذلين إلى النبي و أقبلا

من كان أوردها الحتوف سوى أبي # حسن و قام بها المقام المهولا

و أباد مرحبهم و مد يمينه # قلع الرتاج و حصن خيبر زلزلا (2)

و يقول زين الدين الحميدي:

جعل الباب معجز القول ثقلا # ترسه يوم خيبر بنجاء (3)

هذا و قد ذكر الصاحب بن عباد في كتابه «الإبانة» قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» في خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، كرار غير فرار.

و أنه «عليه السلام» قاتل مرحب، و قالع باب خيبر (4) و ذلك في سياق

____________

(1) راجع: البحار ج 21 ص 17 و ج 41 ص 281 و راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 129 و راجع أيضا: الغدير ج 6 ص 359 و الثاقب في المناقب ص 258 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 126 و مدينة المعاجز ج 1 ص 172.

(2) الغدير ج 6 ص 388.

(3) الغدير ج 11 ص 241 عن ديوان الحميدي المطبوع سنة 1313 هـ.

(4) الغدير ج 4 ص 63.

27

رده على أقوال العثمانية، و طوائف الناصبية، فراجع.

القموص ليس آخر ما فتح:
هذا، و قد صرحت بعض الروايات: بأن حصن القموص ليس هو آخر الحصون التي فتحها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» ، بل هناك قلعة أخرى فتحت بعده، يقول النص:

«و لما فتح علي حصن خيبر الأعلى بقيت لهم قلعة فيها جميع أموالهم، و مأكولهم. و لم يكن عليها حرب بوجه من الوجوه.

فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محاصرا لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم، فقال: يا محمد، تؤمنني على نفسي، و أهلي، و مالي، و ولدي، حتى أدلك على فتح القلعة؟

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنت آمن، فما دلالتك؟

قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع؛ فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة، فيخرج و يبقون بلا ماء، و يسلمون إليك القلعة طوعا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أو يحدث اللّه غير هذا و قد أمناك؟!

فلما كان من الغد ركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بغلته، و قال للمسلمين: اتبعوني.

و سار نحو القلعة، فأقبلت السهام و الحجارة نحوه، و هي تمر عن يمنته و يسرته، فلا تصيبه و لا أحدا من المسلمين شي‏ء منها حتى وصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى باب القلعة.

فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار مع الأرض، و قال‏

28

للناس: ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة» (1) .

و نقول:

تستوقفنا هنا أمور عديدة، نكتفي منها بما يلي:
1-إن هذه الرواية إذا صحت، فإنها تكون حجة على اليهود، تفرض عليهم التخلي عن اللجاج و العناد، و توجب عليهم قبول الحق.. و تكون أيضا آية للمسلمين تقوي من ثباتهم، و تربط على قلوبهم. و تعرفهم بأن اللّه سبحانه يرعى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحفظه، و يسهل له العسير، و أن انتصاره ليس متوقفا على أحد منهم، و لا منوطا بهم.

فإذا فروا، فإن فرارهم يحرمهم من الخيرات و البركات، و يوجب لهم المذلة في الدنيا، و الخسران في الآخرة..

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعمل بمشورة اليهودي، و استعاض عنها بإظهار هذا الأمر الخارق للعادة، من أجل أن يسهل على الناس تحصيل القناعة بهذا الدين، و الدخول في زمرة أهل الإيمان، و التخلي عن الإستكبار و الجحود..

3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» رغم عدم عمله بمشورة ذلك اليهودي، لكنه لم ينقض الأمان الذي أعطاه إياه، بل هو قد صرح بأنه ملتزم به، و حافظ له..

4-إننا نحتمل جدا أن تكون هذه القضية هي الرواية الصحيحة التي أوردناها فيما سبق، و ذكرت أن بعض اليهود دل النبي «صلى اللّه عليه و آله» على

____________

(1) البحار ج 21 ص 30 و 31 عن الخرايج و الجرايح.

غ

29

دبول (أي جدول، أو نفق) لليهود تحت الأرض، و أنهم سوف يخرجون منه..

و ربما تكون أيضا هي الأصل للرواية الأخرى التي تزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سمم لهم المياه التي يشربون منها.

و للرواية الثالثة التي تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رمى حصن النزار بكف من تراب فساخ، و لم يبق له أي أثر. و ذلك بعد قتال و حصار..

و قد ذكرنا هذه الروايات في تضاعيف كلامنا، في المواضع المناسبة، و ناقشناها هناك بما لاح لنا. و اللّه هو الموفق و الهادي إلى سواء السبيل..

علي عليه السّلام يفتح خيبر وحده:
إن النصوص المتقدمة تؤكد على: أن عليا «عليه السلام» هو الذي فتح خيبر دون سواه. فقد ذكرت: أنه لما خرج أهل الحصن، بقيادة الحارث أخي مرحب، هاجموا أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» «فانكشف المسلمون، و ثبت علي» (1) .

و يقول علي «عليه السلام» مخاطبا يهوديا سأله عن علامات الأوصياء:

إنّا وردنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مدينة أصحابك خيبر، على رجال من اليهود و فرسانها، من قريش و غيرها، فتلقونا بأمثال الجبال، من الخيل، و الرجال، و السلاح، و هم في أمنع دار، و أكثر عدد، كل ينادي، و يدعو، و يبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه.

حتى إذا احمرت الحدق و دعيت إلى النزال، و أهمت كل امرئ نفسه،

____________

(1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و المغازي للواقدي ج 2 ص 653 و 654 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 125.

30

و التفت بعض أصحابي إلى بعض، و كل يقول: يا أبا الحسن انهض.

فأنهضني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، و لا يثبت لي فارس إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم، مسددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، و أسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي، و لم يكن لي فيها معاون إلا اللّه وحده‏ (1) .

و هذا صريح في: أن الذين كانوا مع علي «عليه السلام» قد هربوا عنه، و بقي «عليه السلام» وحده، و بالتالي يكون «عليه السلام» قد أخذ المدينة وحده.

ثم إن في هذا النص الذي ذكرناه إشارات عديدة، منها:

1-أنه «عليه السلام» ذكر: أن اليهود لم يكونوا وحدهم في خيبر، بل كان معهم فرسان من قريش، و من غيرها. و قد بقوا يحاربون معهم إلى النهاية..

2-أن أعداد مقاتلي خيبر كانت كبيرة جدا، حتى إنه «عليه السلام» يصفهم بأمثال الجبال من الرجال، و الخيل، و السلاح، و بأنهم قد قاتلوا المسلمين بأكثر عدد، و أمنع دار..

3-أن رغبة اليهود و من معهم في الحرب كانت جامحة و قوية بصورة غير عادية..

4-أنه يظهر من كلامه «عليه السلام» : أن عدد القتلى من المسلمين لم

____________

(1) البحار ج 21 ص 27 عن الخصال ج 2 ص 16.

31

يكن قليلا، حيث قال: فلم يبرز من أصحابي أحد إلا قتلوه.

5-أن المسلمين قد تضايقوا إلى حدّ أن كلا منهم قد أهمته نفسه.

6-أنهم كانوا يرون: أن أحدا سواه «عليه السلام» لا يستطيع كشف هذه الغمة عنهم، فكانوا يحثونه على مباشرة الحرب رغم ما هو فيه من رمد في العين، و صداع في الرأس.

7-أنه «عليه السلام» قد طحن ذلك العدو طحنا، حتى أدخلهم إلى جوف حصنهم.

8-أنه «عليه السلام» قد اقتلع باب حصنهم، و دخل وحده، و لم يشاركه المسلمون في ذلك، فإن كانوا قد شاركوه فإنما كان ذلك بعد سكون رياح الحرب..

9-و الأهم من ذلك: تأكيده «عليه السلام» على أنه هو الذي فتح خيبر، و أن أحدا غير اللّه تعالى لم يعنه على ذلك.

فلا يصح قولهم: «و قام الناس مع علي حتى أخذ المدينة» .

لأن الناس بعد أن قاموا قد انهزموا أمام اليهود من أهل الحصن.

و لكن حين هاجمهم علي «عليه السلام» ، و أخذ بابا كان عند الحصن، ثم قتل «عليه السلام» مرحبا و سائر الفرسان، انهزم اليهود إلى داخل حصنهم، و اقتلع «عليه السلام» بابه، و هاجمه، فثاب إليه المسلمون، و حمل «عليه السلام» باب الحصن بيده، و صار المسلمون يصعدون عليه، و يمرون إلى الحصن، فلما حصل له ما أراد ألقاه خلف ظهره ثمانين شبرا..

فلم يساعده المسلمون في الفتح، كما تحاول بعض الروايات أن تدّعيه، بل الحقيقة، كل الحقيقة هي: أن عليا «عليه السلام» قد فتح الحصن وحده،

32

و من دون مساعدة أحد.

و لأجل ذلك: نسب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفتح إلى علي «عليه السلام» كما تقدم.

كما أن نفس روايات الفتح فيها تصريحات عديدة بأنه «عليه السلام» هو الذي أخذ المدينة، و لا تشير طائفة منها إلى مشاركة أحد له في ذلك، فراجع النصوص في مصادرها تجد صحة ذلك.

بل فيها: أنه «عليه السلام» قد فتح الحصن قبل أن يلحق آخر الناس بأولهم، كما صرحت به بعض الروايات‏ (1) .

و في نص آخر: روي عن عبد اللّه بن عمر، قال: «فلا و اللّه ما تتامت الخيل حتى فتحها اللّه عليه» (2) .

و تقدم أنهم قالوا في الحديث الوارد في تفسير قوله تعالى: .. وَ أَثََابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (3) : «أجمعوا على أنه فتح خيبر، و كان ذلك بيد علي بن أبي طالب بإجماع منهم» .

و هذا، و سواه يجعلنا نعتقد: أن ذلك من الواضحات، فلا حاجة إلى تكثير النصوص و المصادر.

____________

(1) الإصابة ج 2 ص 502 و البحار ج 21 ص 22 عن إعلام الورى، و مسند أحمد ج 5 ص 358 و الخصائص للنسائي ص 5 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 437.

(2) مجمع الزوائد ج 9 ص 123.

(3) الآية 18 من سورة الفتح.

33

تواتر حديث جهاد علي عليه السّلام في خيبر:
لقد روى حديث جهاد علي «عليه السلام» في خيبر جم غفير، و جماعة كثيرة، منهم:

1-علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

2-الحسن المجتبى «عليه السلام» .

3-سهل بن سعد.

4-حسان بن ثابت.

5-بريدة الأسلمي.

6-سويد بن غفلة.

7-أبو ليلى الأنصاري.

8-عبد الرحمن بن أبي ليلى.

9-ابن عباس.

10-عمر بن الخطاب.

11-أنس بن مالك.

12-أبو هريرة.

13-سلمة بن الأكوع.

14-سعد بن مالك.

15-عمران بن حصين.

16-الضحاك الأنصاري.

17-أبو سعيد الخدري.

18-أبو رافع.

34

19-ابن عمر.

20-جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

21-عامر بن سعد.

22-سعد بن أبي وقاص.

23-حذيفة.

رضي اللّه و رسوله عن علي عليه السّلام:
و يبقى هنا أن نشير إلى قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» حين رجع: رضي اللّه عنك، و رضيت أنا منك.. حيث لا بد لنا من عطفه على قوله حينما بعثه: «فاستبشر بالرضوان و الجنة» . و ذلك بعد أن أخبر «صلى اللّه عليه و آله» بأن جبرئيل «عليه السلام» معه، و أن معه سيفا لو ضرب الجبال لقطعها.

إذن، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يبشره أولا: بالرضوان و بالجنة. و بعد رجوعه يخبره بأنه قد حصل على ما كان قد بشره به، و ذلك ليسمع الناس أولا و أخيرا: أن ما يقوله لهم هو الحق بعينه، و ليس مجرد دعاء يخضع في استجابة اللّه تعالى له للمتغيرات و الطوارئ.

و يلاحظ أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بشره بالرضوان، لا بمجرد الرضا، فهو رضوان تام و شامل لمختلف الحالات، و منبسط على جميع الجهات، و الخصوصيات، و هو أيضا رضوان ليس له حد، بل هو مستغرق لجميع مراتب الرضا.

و لذلك فإنه حين أخبره برضا اللّه تعالى، و رضا رسوله «صلى اللّه عليه‏

35

و آله» عنه، فإنما أخبره بالرضا التام، الذي يعني جميع المراتب، و في مختلف الجهات، و جميع الحالات.

و من الواضح: أن هذا الرضا قد استحقه «عليه السلام» من خلال جهد بذله، و عمل أنجزه، و جهاد قبله اللّه تعالى منه..

و قد اعتبر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ذلك بشارة له..

أما الآخرون الذين هربوا: فلم يكن رضوان اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» هو المطلوب لهم، أو المهم عندهم، بل كانت أنفسهم هي الأهم بالنسبة إليهم. و لعلهم لا يعدون الحصول على رضا اللّه و رسوله بشارة ذات قيمة لهم..

و يلاحظ: اختلاف التعبير بين كلمتي عنك و منك، فالرضا الإلهي عدّي بعن، و رضا الرسول عدّي بمن.

كما أن بشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» لم تكن بالنجاة من الأعداء، و لا بغير ذلك مما يطلب في هذه الحياة الدنيا، و إنما بشّره بالرضوان و بالجنة..

تشريف و تكريم في الأرض و في السماء:
و لإظهار تشريفه و تكريمه «عليه السلام» تولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه إلباسه درعه، و تقليده سيفه ذا الفقار.. و هو السيف الذي أكرمه اللّه تعالى بالنداء بالثناء عليه من السماء في بدر، و في أحد، ثم في خيبر كذلك..

ثم أعلن «صلى اللّه عليه و آله» : بأن اللّه عز و جل يجعل معه أكرم‏

36

ملائكته، و هو جبرئيل، و معه سيف لو ضرب الجبال لقطعها.. و ذلك تعبيرا منه «صلى اللّه عليه و آله» عن اليقين بالنصر، و إظهارا لكرامة علي «عليه السلام» على اللّه سبحانه و تعالى..

علي عليه السّلام سيد العرب هي الأصعب عليهم:
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد شرّف عليا «عليه السلام» بوسام آخر لا نشك في أنه كان هو الأصعب على حاسديه و مناوئيه، الذين لم يكن يهمهم أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» في علي «عليه السلام» ما شاء مما يرتبط بالآخرة، أو في عالم السماء و الملائكة، و كل ما هو غيب..

بل المهم عندهم: هو ما يؤثر على مشاريعهم الدنيوية، التي يرون أنه هو المانع الأكبر من وصولهم إليها..

و هذا الوسام هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن: أن عليا «عليه السلام» هو «سيد العرب» ، و هذا يصادم بصورة مباشرة و خطيرة ما كانوا يفكرون فيه؛ لأن سيادته على العرب تعني سيادته عليهم أيضا، لأنهم من العرب..

و إذا سمع الناس هذا التصريح النبوي، فإنهم سوف لا يرضون بغير علي «عليه السلام» لهم قائدا، و رائدا، و سيدا، و هذا سوف يضيف إلى هموم هؤلاء الطامحين هما جديدا، قد يكون هو الأصعب عليهم في صراعهم مع علي «عليه السلام» ..

و الأمرّ و الأدهى بالنسبة إليهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سد عليهم منافذ التأويل، و أفقدهم القدرة على الإلتفاف، حين بيّن: أن عليهم أن‏

37

يفهموا السيادة بمعناها الدقيق، و ليست مجرد نعت اقتضته مصلحة إرضاء علي «عليه السلام» ، و دغدغة عواطفه، ليكون شعارا فضفاضا ينعش النفس بالأحلام، و يلذّها بالتصورات.

و ليس المقصود و صفه «عليه السلام» بالسيادة في أجواء الحرب و القتال، أو السيادة في الفروسية، أو نحو ذلك..

بل المقصود هو: إثبات سيادته التامة، و الشاملة، تماما كما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» سيد ولد آدم «عليه السلام» .

إستقبال النبي «صلى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام بعد الفتح:
و لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» فتح خيبر سر بذلك غاية السرور، فاستقبل عليا «عليه السلام» ، و اعتنقه، و قبّل بين عينيه، و قال: بلغني نبؤك المشكور، و صنعك، رضي اللّه عنك، و رضيت أنا منك‏ (1) . أو: بلغني نبؤك المشكور، و صنيعك المذكور، قد رضي اللّه عنك، فرضيت أنا عنك.

فبكى علي «عليه السلام» ، فقال له: ما يبكيك يا علي؟!

فقال: فرحا بأن اللّه و رسوله عليّ راضيان‏ (2) .

و عن علي «عليه السلام» ، قال: قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتحت خيبر: لو لا أن تقول طائفة من أمتي مقالة النصارى في عيسى بن مريم «عليه السلام» لقلت فيك اليوم مقالا، لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك، و فضل طهورك يستشفون به، و لكن حسبك أن

____________

(1) معارج النبوة (الركن الرابع) ص 219.

(2) البحار ج 21 ص 22.

38

تكون مني، و أنا منك الخ.. (1) .

حسبك أنك مني و أنا منك:
فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يصرح هنا: بأنه قد خشي من غلو بعض الناس في علي «عليه السلام» ، و أن يقولوا فيه كما قالت النصارى في عيسى «عليه السلام» ..

فكان ذلك هو المانع له عن أن يقول فيه مقالا، لا يمر بأحد إلا أخذ من تراب رجليه، و فضل طهوره للاستشفاء به، و لكن حسبك أنك مني، و أنا منك..

و تفيدنا هذه القضية أمورا عديدة، نذكر منها ما يلي:

1-إن هذا يدل على: أن الناس ما كانوا في المستوى المطلوب، فيما يرتبط بوعيهم لقضايا العقيدة، و حدودها، فكانت البيانات النبوية تراعي حالهم، فلا تصرح لهم إلا بالمقدار الذي لا يوجب أية سلبية من هذه الناحية..

و ذلك لأن سلامة العقيدة هي الأهم و الأولى بالمراعاة، فلا يصح حشد المعلومات و المعارف، و تكديسها، إذا كان ذلك سيضر بالإعتقاد، بل تبقى المستويات الدنيا، و القناعة بالقليل منها مع السلامة أولى من الكثرة بدونها..

2-إن هذا يشير إلى: أن ما صدر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق

____________

(1) ينابيع المودة (ط بمبي) ص 52.

39

علي «عليه السلام» لم يكن هو كل ما يعرفه النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» عن علي «عليه السلام» . على قاعدة: يا علي ما عرفك إلا اللّه و أنا.

3-إن لقتل مرحب، و فتح الحصون، و قلع باب خيبر بتلك الطريقة الإعجازية، دلالاته القوية على وجود سمات و ميزات باطنية عالية القيمة لدى أمير المؤمنين «عليه السلام» . و أن الأمر لا يقتصر على موضوع الشجاعة و القدرة الجسدية، و لا ربط له بدرجة الانقياد لأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما أنه لم يكن من منطلق علاقة المحبة النسبية، و علاقة الإلف و التربية و الخصوصية..

و إنما هناك ما هو أعظم و أولى من ذلك كله.. ألا و هو تلك المعاني التي لو اطلع عليها الناس العاديون، لوجدوا فيها ما يدعوهم إلى الغلو فيه، و إعطائه صفات الإله، تماما كما كان الحال بالنسبة إلى قول النصارى في عيسى «عليه السلام» . و هي تلك المعاني التي تثير الحوافز لديهم لأخذ التراب من تحت قدميه، و أخذ فضل وضوئه للاستشفاء به..

4-إن هذا يشير إلى أن الاندفاع للاستشفاء بآثار الأولياء، فضلا عن الأنبياء «عليهم السلام» ، و بكل من و ما ينتسب إلى اللّه سبحانه، و ينتهي إليه لهو أمر مركوز في وجدان الناس، و كامن في عمق فطرتهم، و ضميرهم..

فإذا وجدت مكوناته و توفرت المؤثرات و الحوافز له، فإنه لا بد أن يجد طريقه للظهور على حركات الناس، و تصرفاتهم، بصورة تبرك في فضل الوضوء، و استشفاء بالتراب، أو بأي شي‏ء ينسب إلى مصدر القداسة، و محل البركة..

5-و لعلك تسأل، عن أنه إذا كان التبرك و الاستشفاء بتراب قدمه، و بفضل وضوئه «عليه السلام» محذورا، فهذا يدل على صحة ما تدّعيه

40

بعض الفرق من حرمة التبرك بالأشخاص، و اعتبار ذلك من الشرك.

و قد يؤيد مقالتهم هذه: التوطئة لهذا الكلام بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : لو لا أن يقول الناس فيك ما قالته النصارى في عيسى.

و نقول في الجواب:

لقد كان الناس-بلا شك-يتبركون بفضل وضوء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يستشفون به، كما دلت عليه النصوص المتواترة التي تعد بالمئات.. و كان هناك من يتبرك بعلي «عليه السلام» أيضا، حتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه..

و لكنه تبرّك من شأنه أن يكون سببا في المزيد من القرب من اللّه تعالى، و الاستعداد لتلقي البركات و الألطاف الإلهية.

و ليس فيه أية شائبة للشرك، أو الغلو، بل هو محض الصفاء و الطهر، و الخلوص.

و لا يقصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بكلامه هنا هذا المعنى-عدم التبرك-بل هو يريد أن يقول: إن الذين يتبركون بفضل وضوئه، و بآثاره- و هم الآن ثلة من المؤمنين، أو من غيرهم من سائر المسلمين-ربما لو قال كلمته تلك فيه «عليه السلام» تتطور الأمور لديهم إلى حد أن يجدوا في أنفسهم دواعي قوية تدفعهم إلى الغلو إلى حد أن يقولوا فيه ما قالته النصارى في عيسى بن مريم «عليهما السلام» .

و يؤكد ذلك: أن الناس الذين كانوا يتبركون بالرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يكونوا كلهم يتبركون بعلي «عليه السلام» .. فلو أنه «صلى اللّه عليه و آله» أطلق قوله ذاك في علي «عليه السلام» لتبرك به الناس كلهم، حتى‏

41

الذين كانوا لا يتبركون به «صلى اللّه عليه و آله» أيضا..

6-و يؤيد ما ذكرناه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اقتصر أخيرا على قوله: و لكن حسبك أنك مني، و أنا منك.

حيث إنه لا يريد بكلامه هذا: أنه منه في النسب، أو في المعرفة و العلم، أو أنه قد أسهم في صنع إيمان علي «عليه السلام» و إسلامه، كما أسهم علي «عليه السلام» في إبقاء الإسلام، الذي هو رسالته «صلى اللّه عليه و آله» ..

بل المقصود:

1-ما هو أعمق من ذلك، و أبعد. و هو المعنى الذي ينسجم مع أخذ التراب من تحت قدميه «عليه السلام» ، و أخذ فضل طهوره للاستشفاء به.

2-أن الحقيقة المحمدية و العلوية شي‏ء واحد، و نور واحد، انقسم إلى نصفين، فاختص أحدهما بمقام النبوة.. و اختص الآخر بمقام الولاية، فهما من بعضهما البعض على الحقيقة..

و قد بينت الأحاديث الشريفة تفاصيل هامة عن هذا الموضوع، فيمكن أن يرجع إليها من أراد الوقوف على ذلك..

اللمسات الأخيرة:
قال العليمي المقدسي: كان فتح خيبر في صفر على يد علي «عليه السلام» (1) .

و عن آية: لَقَدْ رَضِيَ اَللََّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبََايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ.. (2) قال جابر: «أولى الناس بهذه الآية علي بن أبي طالب «عليه السلام» لأنه

____________

(1) الأنس الجليل (ط الوهبية) ص 179.

(2) الآية 18 من سورة الفتح.

42

تعالى قال: وَ أَثََابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (1) أجمعوا على أنه فتح خيبر. و كان ذلك بيد علي بإجماع منهم» (2) .

و في هذه المناسبة يقول حسان بن ثابت:

و كان علي أرمد العين يبتغي # دواء فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول اللّه منه بتفلة # فبورك مرقيا و بورك راقيا

و قال سأعطي راية القوم فارسا # مكينا شجاعا في الحروب مجاريا

يحب إلهي و الإله يحبه # به يفتح اللّه الحصون الأوابيا

فخص لها دون البرية كلها # عليا و سماه الولي المؤاخيا (3)

و البيت الأوسط حسب رواية المفيد كما يلي:

و قال سأعطي الراية اليوم صارما # كميا محبا للرسول مواليا (4)

و جاء في خطبة الإمام الحسن «عليه السلام» بعد شهادة أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قوله: منها قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله، و يقاتل جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، ثم لا ترد رايته حتى يفتح اللّه عليه‏ (5) .

____________

(1) الآية 18 من سورة الفتح.

(2) كفاية الطالب (ط الغري) ص 120 عن الخوارزمي.

(3) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 19 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 128 و البحار ج 21 ص 16.

(4) الإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 128.

(5) راجع: ينابيع المودة (ط أسلامبول) ص 208.

43

الباب السابع غنائم و سبايا

الفصل الأول: كنز آل أبي الحقيق الفصل الثاني: غنائم و سبايا خيبر الفصل الثالث: أبو هريرة.. و الغنائم الفصل الرابع: لمسات أخيرة..

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الفصل الأول:

كنز آل أبي الحقيق‏

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

كنز آل أبي الحقيق:
و أخذ المسلمون في جملة غنائم غزوة خيبر حلي آل أبي الحقيق، التي كانوا يعتزون بها.

قال محمد بن عمر: كان الحلي في أول الأمر في مسك حمل، فلما كثر، جعلوه في مسك ثور، ثم في مسك جمل، و كان ذلك الحلي يكون عند الأكابر من آل أبي الحقيق، و كانوا يعيرونه العرب‏ (1) .

و قال الصالحي الشامي: روى ابن سعد و البيهقي، عن ابن عمر، و ابن سعد-بسند رجاله ثقات-عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى-و هو صدوق سيئ الحفظ-عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما ظهر على أهل خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم و أهليهم، و للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الصفراء و البيضاء، و الحلقة، و السلاح، و يخرجهم، و شرطوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم‏ (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 131 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و راجع: السير الكبير للشيباني ج 1 ص 279.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 131 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 229 و راجع: -

48

قال ابن عباس: فأتي بكنانة، و الربيع، و كان كنانة زوج صفية، و الربيع أخوه أو ابن عمه، فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أين آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة» ؟ (1) .

و في الحلبية عن الإقناع: سأل كنانة بن أبي الحقيق.

و قال ابن عمر: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعم حيي: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير» ؟

فقال: و قال ابن عباس: قالا: «هربنا، فلم نزل تضعنا أرض و ترفعنا أخرى، فذهب في نفقتنا كل شي‏ء» (2) .

و قال ابن عمر: أذهبته النفقات و الحروب.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «العهد قريب، و المال أكثر من ذلك» (3) .

____________

ق-شرح مسلم ج 9 ص 221 عن فتح الباري ج 7 ص 367 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 110.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 98 و البحار ج 18 ص 137.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 35 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 137 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 607 و نصب الراية ج 4 ص 253 و موارد الظمآن ص 412 و تاريخ المدينة ج 2 ص 466 و فتوح البلدان ج 1 ص 26 و البداية و النهاية ج 4 ص 226 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 377.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112.

49

و قال ابن عباس: فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنكما إن تكتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماءكما و ذراريكما» ؟!

فقالا: نعم‏ (1) .

و قال عروة و محمد بن عمر، فيما رواه البيهقي عنهما: فأخبر اللّه عز و جل رسوله «صلى اللّه عليه و آله» بموضع الكنز، فقال لكنانة: «إنك لمغتر بأمر السماء» (2) .

قال ابن عباس: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا من الأنصار فقال: «اذهب إلى قراح كذا و كذا، ثم ائت النخل، فانظر نخلة عن يمينك، أو عن يسارك، مرفوعة، فأتني بما فيها» .

فجاءه بالآنية و الأموال، فقومت بعشرة آلاف دينار، فضرب أعناقهما، و سبى أهليهما، بالنكث الذي نكثاه‏ (3) .

و قد وجدوا فيه أساور، و دمالج، و خلاخل، و أقرطة، و خواتيم الذهب، و عقود الجواهر، و الزّمرّد، و عقود أظفار مجزع بالذهب‏ (4) .

و قال ابن إسحاق: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكنانة بن الربيع، و كان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعلم

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و البحار ج 18 ص 137 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112.

(4) السيرة الحلبية ج 3 ص 42.

50

مكانه، فأتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برجل من يهود، قال ابن عقبة:

اسمه ثعلبة، و كان في عقله شي‏ء، فقال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك، أقتلك» ؟

قال: نعم.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخربة فحفرت، و أخرج منها بعض كنزهم.

ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الزبير بن العوام، فقال: «عذبه حتى تستأصل ما عنده» .

فكان الزبير يقدح بزنده في صدره، حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة (1) .

و في نص آخر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سأل عن المسك، سعية بن عمرو، أو سعية بن سلام بن أبي الحقيق (و هو عم حيي بن أخطب) .

فدفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سعية بن عمرو للزبير، فمسّه

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و 43 و البحار ج 21 ص 34 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 302 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 244 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 800 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 374.

51

بعذاب، فقال: رأيت حييا يطوف في خربة ههنا.

فذهبوا إلى الخربة، ففتشوها، فوجدوا ذلك الجلد (1) .

أيّ ذلك الصحيح؟!
و في حديث الكنز أسئلة عديدة:

فهل الذي دفن الكنز في الخربة هو كنانة بن أبي الحقيق، حين رأى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فتح حصن النطاة، و تيقن أنه سوف ينتصر عليهم؟

أو أن الذي دفنه هو حيي بن أخطب‏ (2) ؟

و هل الذي أعلمه بالكنز هو الوحي؟أم الرجل اليهودي الذي اسمه ثعلبة؟أم أنه سعية بن عمرو؟!

ربما يقال: إن كلا منهما أخبره بقسم منه، فأخبره أحدهما بما في الخربة، و أخبره الآخر بالباقي الذي عند النخلة.

و هل استخرج الكنز كله، أو بعضه؟

و هل سأل سعية، أم سأل كنانة؟

و هل عذب الزبير كنانة، أم عذب سعية؟

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و نصب الراية ج 4 ص 253 و عن عيون الأثر ج 2 ص 143 و فتوح البلدان ج 1 ص 26 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 608 و موارد الظمآن ص 412 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 377 و السنن الكبرى ج 9 ص 137.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 42.

52

و هل أخبره قبل أن يعذبه بسبب اختلال عقله؟أم أخبره بعد أن مسه بعذاب؟.

و هل؟!و هل؟!

التعذيب لماذا؟!
و يزعمون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر الزبير بتعذيب كنانة، أو سعية.

قال الحلبي: «أخذ منه جواز العقوبة لمن يتهم ليقر بالحق، فهو السياسة الشرعية» (1) .

و نقول:

لو قبلنا: أن ابن أبي الحقيق قد عذّب فعلا، فلا ضير في هذا التعذيب الذي لم يكن من أجل قتل محمود بن مسلمة، بل لأنه عالم بأمر كان قد أعطى عهدا بعدم كتمانه، و أنه إن كتم شيئا فقد برئت منه ذمة اللّه تعالى، و ذمة رسوله «صلى اللّه عليه و آله» .

بل هو قد صرح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه إن وجد الكنز، فله أن يقتله، و أنه راض بهذا القتل. و قد وجد الكنز فعلا.

و كان لهذا الكنز دور قوي في قوة اليهود الروحية و المعنوية، و له أثر كبير في تماسكهم و إصرارهم على باطلهم.

و يكفي أن نذكر: أنه لما جرى إجلاء بني النضير، كان سلام بن أبي

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 43.

53

الحقيق رافعا ذلك الحلي، ليراه الناس، و هو يقول بأعلى صوته: «هذا أعددناه لرفع الأرض و خفضها» (1) .

فإن كان ابن أبي الحقيق قد قبل بمبدأ أن يقتل، إن تبيّن أنه كاذب، و قد تبيّن ذلك بالفعل، بعد أن استخرج قسم من الكنز، فلماذا لا يجبر على الإقرار بباقيه، ما دام أنه هو نفسه قد أعطى عهده بذلك؟!

العهد قريب، و المال أكثر من ذلك:
و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل منهم قولهم: إن حليهم أذهبتها النفقات، بالاستناد إلى عدم التناسب بين الحاجات و النفقات التي تلزم في مثل تلك المدة، و بين حجم المال الذي يدّعى أنه قد أنفق.

و هذا يدل: على أن هذا المقدار من عدم التناسب كاف في عدم قبول العذر، و إبقاء التهمة على قوتها، ثم التصرف على أساسها..

أخذ العهد عليهم من جديد:
و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان قد أخذ منهم في بادئ الأمر عهدا بأن لا يكتموه شيئا، و ببراءة الذمة ممن فعل ذلك..

و لكنه بعد ظهور هذا الإنكار منهم، عاد فجدد أخذ العهد عليهم، حيث صرحوا بالرضا بالقتل لو ظهر هذا الكنز الذي ينكرون وجوده، و يقدمون المبررات لإنكارهم.

و لعل تجديد أخذ العهد، و الإقرار بالرضا بذلك منهم، من أجل أن لا

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 42.

54

يشعروا: بأنهم قد ظلموا بهذا الاستقصاء الذي يواجهونه، متوهمين أنهم إنما أعطوا العهد على أن يعاملوهم وفق الأحوال العادية. و أما هذا الاستقصاء فهو أمر طارئ، و لو أنهم علموا به، فربما يعيدون النظر في عهدهم ذاك..

فأراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يزيل حتى هذا الوهم، فقال لهما على سبيل التقرير، و أخذ الرضا: إنكما إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه، استحللت به دماءكما، و ذراريكما؟!

قالا: نعم..

و ليلاحظ كلمة: «به» ، التي أسندت هذا الاستحلال، إلى نفس هذا الكتمان الجديد. لتكون هذه الخيانة سببا مستقلا للعقوبة التي رضوا بأن يعرضوا أنفسهم لها، من حيث إنها دليل على حقيقتهم، و على نهجهم الخياني كله، هذا النهج الذي لم يؤثر فيه كل ما جرى و يجري لهم، مما جنوه على أنفسهم، و إنما على نفسها جنت براقش..

إنك لمغتر بأمر السماء:
و يزيد الأمر وضوحا: أن هؤلاء الناس، رغم أنهم يجدون هذا النبي مكتوبا عندهم في التوراة، و هم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، و يرون المعجزات و الكرامات له رأي العين، و قد اقتلع وصيه علي «عليه السلام» باب حصنهم، و جعله ترسا، و معبرا للمقاتلين، و هو ممسك به، و حامل له.. و لكنهم لا يعتبرون، و لا يؤمنون، و كأنهم يكافحون اللّه تعالى في الأرض، حيث لم يقدروا على مكافحته في السماء.

و المفروض: أن يمنعهم علمهم بصدق هذا النبي من الكذب عليه،