الشيخ الطبرسي إمام المفسرين في القرن السادس

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
104 /
5

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم تعتزّ الأمم-جميع الأمم-بالعظماء من علمائها و مفكريها و قادتها، الذين كرّسوا حياتهم للنهوض بالأمّة في ميادين العلم و العمل و الكفاح و الجهاد، تلبية لدواعي الوفاء لهم، و تثمينا لجهودهم، و تعريفا بمقامهم و مكانتهم، و استلهاما لعطائهم الثرّ.

و تحقيقا لهذه الأغراض، آثرنا القيام بتأليف سلسلة (في رحاب نوابغ العلماء) ، نلقي فيها الأضواء على جوانب مهمة من سيرة علمائنا الأفذاذ، و نعرض لأهمّ آرائهم و أفكارهم و نتاجاتهم المتميزة.

و نحن إذ ننشر هذه السلسلة، لا نستهدف من ورائها دعوة الشباب إلى أن يكون عظاميا، يفخر فقط بما أنجزه الماضون من علمائنا الأبرار، و ينأى بنفسه عن بناء حاضر مشرق زاخر بالحيوية و النشاط، و إنّما هي دعوة إلى التواصل مع التراث الحي، الذي يبعث الجيل الحاضر على الفخر و الاعتزاز لشعوره بأنّ ثقافة أمّته و حضارتها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ثمّ هو-الجيل الحاضر-يحاول‏

6

الإفادة منه، و تطويره بما ينسجم و متطلبات العصر، و تطلعات الشباب المتوثّب للتقدم و النهوض لخدمة إسلامه العزيز و أمّته العظيمة.

و هنا نحن نقدّم إلى القرّاء الأعزّاء نماذج من حياة لفيف من علمائنا و قادتنا، لتكون نبراسا يستهدون به في مسيرتهم نحو الخير و الكمال. و اللّه المسدّد.

المؤلف‏

7

الشيخ الطبرسي مؤلّف التفاسير الثلاثة

لا تجد كتابا سماويا أوجد ضجّة و تحولا في الحياة البشرية مثلما أوجده القرآن الكريم في حياة الأمم، فقد شيّد الحضارة الإسلامية و أرسى كيانها و أعطى لها دستورا جامعا في مجال الحياة العامّة، و لأجل هذه المكانة السامية لهذا الكتاب، شارك المسلمون عبر القرون في تسهيل فهم القرآن بتأليف تفاسير بصور مختلفة مذكورة في المعاجم.

و ممّن صنف في هذا المجال هو الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، من أعلام الإمامية في القرن السادس الهجري، فقد زوّد المكتبة الإسلامية بتآليفه الثلاثة القيّمة في تفسير القرآن الكريم المعروفة بـ:

1. «مجمع البيان لعلوم القرآن» .

2. «الكاف الشاف» اقتصر فيه على الطرائف الأدبية، و الظرائف البلاغية الواردة في الكشاف.

8

3. «جوامع الجامع» ، جمع فيه طرائف الكتابين و ظرائفهما.

فمجمع البيان أكبر تفاسيره و ما يليه أصغرها و الثالث أوسطهما، و لا أظن أن يكون لهذا المفسر العظيم كتاب آخر في التفسير، و إن كان ربما ينسب إليه غير هذه الثلاثة.

و قد ألّف غير واحد من المحقّقين مقالات و رسائل في ترجمة مفسرنا الكبير غير انّا نشير في هذا المقال إلى نكات خلت منها أكثر المقالات التي ألّفت لبيان سيرته.

ولادته‏

ذكر المترجمون انّه توفّي عام 548 و لم يشيروا إلى ولادته غالبا، و لكن يمكن استكشاف تاريخ ولادته ممّا ذكره هو في آخر الجزء الأوّل من كتابه «مجمع البيان» فانّه أرّخ فراغه عند تفسير قوله سبحانه:

فَمَنْ خََافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . (1) بقوله: و فرغ من تأليفه يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سنة 530 هـ. (2)

هذا من جانب، و من جانب آخر انّه ذكر في مقدمة كتابه انّه شرع بهذا التفسير و قد ذرّف سنّه على الستين و اشتعل الرأس شيبا. (3)

____________

(1) . البقرة: 182.

(2) . مجمع البيان: 1/270.

(3) . مجمع البيان: 1/10.

9

و تستعمل تلك الجملة فيما إذا تجاوز السن عن الستين، كما أنّه إذا بلغ نفس الستين يقال: ذرّف سني الستين.

فعلى هذا فهو عند الشروع بهذا الكتاب تجاوز سنّه عن الستين بسنة واحدة أو سنتين، فلنفرض انّه كان ابن 62.

فلو استغرق تأليف الجزء الأوّل حوالي سنة فقد بلغ سنه عند الفراغ عنه 63 سنة و لا غرو في ذلك، لأنّه ألّف الأجزاء العشرة الباقية في سبع سنوات، و بما انّ تأليف الكتاب في بدء الأمر يواجه صعوبات جمة، فلا عجب أن يستغرق تأليف الجزء الأوّل منه سنة كاملة.

و على ضوء هذا فقد كان مؤلّفنا في سنة 530 من أبناء الثالثة و الستين فلو نقّصنا 63 سنة من 530 هـ نخرج بأنّ ولادته كانت نحو 467 هـ. 530-63-467.

مجمع البيان كتاب خالد

ربّ كتاب يبذل المؤلف جهده الحثيث لتأليفه و نشره بحلّة قشيبة و لكن لا يحظى برغبة القرّاء لاقتنائه، فيبقى في زوايا المكتبات و لا ترى أثرا منه إلاّ في المعاجم و فهارس المكتبات، و ربّ كتاب يأخذ بمجامع القلوب و ينال إعجاب المحقّقين و تتوالى عليه الرغبات طيلة قرون دون أن يبلى، مثلا كتاب «الشرائع في الفقه» للمحقّق الحلّي (602-676 هـ) ، و «لسان العرب في اللغة» لابن منظور الإفريقي (المتوفّى 707 هـ) ،

10

و «ألفية ابن مالك في النحو» لمحمد بن عبد اللّه بن مالك الطائي (600- 672 هـ) من هذا الطراز.

فهذه الكتب الخالدة و نظائرها قد كتب على جبينها الخلود مادامت الحضارة، و كتاب «مجمع البيان» في عداد هذه الكتب فهو من الكتب التفسيرية الخالدة لمزاياه الخاصة، و لأجل ذلك نرى أنّه مضى على تأليفه حوالي تسعة قرون و هو بعد غضّ طريّ يرجع إليه اللغوي في لغة القرآن، و المقرئ في قراءته، و المؤرّخ في قصصه و أسباب نزوله، و الفقيه في تفسير آيات الأحكام، و المتكلّم في معارفه و بحوثه الكلامية.

و من لطيف ما واجهت انّي في سالف الزمان حللت ضيفا على كلية الإلهيات في استنبول، و دعيت لإلقاء محاضرة حول أحكام السفر، فإذا بأستاذ التفسير رحّب بي و دعاني إلى غرفته الخاصة المكتظة بالكتب و أراني كتاب «مجمع البيان» و قال بأنّه يرجع إليه في تفسيره.

هذا هو الشيخ عبد المجيد سليم الشيخ الأسبق لجامع الأزهر و وكيل جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية يصف الكتاب بالنحو التالي و يقول:

«إنّ كتاب «مجمع البيان لعلوم القرآن» الذي ألّفه الشيخ العلاّمة ثقة الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي من علماء القرن السادس الهجري، هو

11

كتاب جليل الشأن، غزير العلم، كثير الفوائد، حسن الترتيب، لا أحسبني مبالغا إذا قلت إنّه في مقدّمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه و بحوثه.

و لقد قرأت في هذا الكتاب كثيرا، و رجعت إليه في مواطن عدة، فوجدته حلاّل معضلات، كشّاف مبهمات، و وجدت صاحبه عميق التفكر، عظيم التدبّر، متمكّنا من علمه، قويا في أسلوبه و تعبيره، شديد الحرص على أن يجلي للناس كثيرا من المسائل التي يفيدهم علمها» . (1)

و هذا هو اعتراف من أحد كبار المشايخ المعاصرين الذي كان من رواد التقريب بين المذاهب، و ينظر إلى مذهب الشيعة نظرته إلى سائر المذاهب، فلا غرو في أن يعجبه «مجمع البيان» و يثني عليه بما ذكر.

إنّ الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف و الشؤون الدينية في مصر-الذي اغتيل عام 1397 هـ مؤلّف كتاب «التفسير و المفسرون» - تناول التفاسير المعروفة لدى السنّة و الشيعة بالبحث و التمحيص من القرن الثالث إلى العصر الحاضر، و أبان النقاط الإيجابية و السلبية لكلّ تفسير تناوله.

فمع أنّه بخس حقوق أئمّة أهل البيت عليهم السّلام حتّى عدّ عليّا عليه السّلام

____________

(1) . مقدمة مجمع البيان، المطبوع بمصر.

12

المفسّر الثالث في الإسلام و عدّ تلميذه ابن عباس المفسّر الأوّل و سعيد بن جبير المفسّر الثاني، و كما بخس حقوق مفسّري الشيعة، و على الرغم من ذلك فقد خضع لتفسير «مجمع البيان» و أشاد به و قال ما هذا نصّه:

«و الحقّ انّ تفسير الطبرسي بصرف النظر عمّا فيه من نزعات تشيعية، و آراء اعتزالية، كتاب عظيم في بابه، يدلّ على تبحّر صاحبه في فنون مختلفة من العلم و المعرفة، و الكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه في تناسق تام، و ترتيب جميل، و هو مجيد في كلّ ناحية من النواحي التي يتكلّم عنها، فإذا تكلّم عن القراءات و وجوهها أجاد، و إذا تكلّم عن المعاني اللغوية للمفرد أجاد، و إذا تكلّم عن أسباب النزول و شرح القصص استوفى الأقوال و أفاض، و إذا تكلّم عن الأحكام تعرض لمذاهب الفقهاء و جهر بمذهبه و نصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، و إذا ربط بين الآيات آخى بين الجمل، و أوضح لنا عن حسن السبك و جمال النظم، و إذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال و أراح البال، و هو ينقل أقوال من تقدّمه من المفسّرين معزوة لأصحابها، و يرجح و يوجه ما يختار منها-إلى أن قال: -

13

و الحقّ أن يقال: انّه ليس غاليا في تشيّعه و لا متطرفا في عقيدته» . (1)

براعته في الترتيب و التنظيم‏

إنّ من أهمّ ميزات هذا الكتاب هو الترتيب الفائق المشاهد فيه، حيث جمع علوم القرآن في كتابه لكن بتنسيق و تهذيب لم يسبق له أحد، و لم يلحقه أحد، فذكر اختلاف القراءات في الآيات و حججها، كما ذكر إعرابها و معاني لغاتها و أسباب نزولها كلا في فصل خاص، و لم يخلط بين المباحث، فعلى القارئ الذي يريد الوقوف على موضوع خاص لا يكدّ نفسه في العثور على ما يريد، و هذه الميزة كانت موضع إعجاب الشيخ شلتوت، فقال في هذا الموضوع:

لقد قلت: إنّ هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، و ذلك لأنّه مع سعة بحوثه و عمقها و تنوّعها، له خاصية في الترتيب و التبويب، و التنسيق و التهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، و لا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده، فعهدنا بكتب التفسير الأولى أنّها تجمع الروايات و الآراء في المسائل المختلفة، و تسوقها عند الكلام على الآيات سوقا متشابكا، ربما اختلط فيه فنّ بفن، فما يزال القارئ يكدّ نفسه في استخلاص ما يريد من هنا و هناك حتّى يجتمع إليه ما تفرّق،

____________

(1) . التفسير و المفسرون: 2/104.

14

و ربما وجد العناية ببعض النواحي واضحة إلى حد الإملال، و التقصير في بعض آخر واضحا إلى درجة الإخلال، أمّا الذين جاءوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد أطنبوا، و حقّقوا و هذبوا، و فصلوا و بوّبوا، انّ قليلا منهم أولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجوّ القرآني الذي يشعر معه القارئ بأنّه يجول في مجالات متّصلة بكتاب اللّه اتّصالا وثيقا و تتطلبها خدمته حقا لا لأدنى ملابسة و أقل مناسبة. (1)

الطبرسي و أداؤه لحقّ معاصره‏

إنّ السنّة الجارية بين المعاصرين-إلاّ من عصمهم اللّه-عدم الاهتمام بآثار معاصريهم في مجال العلم و الفن، بل ربما ينظرون إليه بعين التحقير، و مع ذلك فانّ هناك رجالا أحرارا خرقوا حجاب التعاصر و يرى للمعاصر حقّا مثلما لغيره، و يقول في ذلك:

قل لمن لا يرى المعاصر شيئا # و يرى للأوائل التقديما

انّ ذاك القديم كان حديثا # و سيبقى هذا الحديث قديما (2)

فمن هذه الطائفة السامية شيخنا أبو علي الطبرسي فانّه

____________

(1) . مجمع البيان: تقديم الإمام شلتوت: 20.

(2) . كشف الظنون: 1/30.

15

بعد ما فرغ من كتابه الموسوم بـ «مجمع البيان لعلوم القرآن» عثر على كتاب الكشاف لحقائق التنزيل للزمخشري (471-528 هـ) فرأى فيه ظرائف و طرائف أحب أن يجمعها في كتاب خاص، فيقول في هذا الصدد:

إنّي لمّا فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم بـ «مجمع البيان لعلوم القرآن» ، ثمّ عثرت من بعد، بالكتاب الكشّاف لحقائق التنزيل لجار اللّه العلامة، و استصلحت من بدائع معانيه و روائع ألفاظه و مبانيه، ما لا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف، و رأيت أن أسمه و أسمّيه بالكاف الشاف، فخرج الكتابان إلى الوجود، و قد ملكا أزمّة القلوب، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب، و جادت جدواهما، و تراءت ناراهما، و بعد في استجماع جواهر الألفاظ و زواهر المعاني صداهما، فسارا في الأمصار مسير الأمثال، و سريا في الأقطار مسرى الخيال.

ثمّ اقترح عليّ ولدي أبو نصر الحسن-أحسن اللّه نصره و أرشد أمري و أمره-أن أحرّر من الكتابين كتابا ثالثا، يكون مجمع بينهما و محجر عينهما، يأخذ بأطرافهما و يتّصف بأوصافهما، فيتحقّق ما قيل: إنّ الثالث خير. (1)

____________

(1) . جوامع الجامع: 1/2، المقدّمة.

16

اختبار صحّة ما ادّعاه المؤلّف‏

ادّعى الإمام الطبرسي أنّه ألّف «مجمع البيان» و لم يكن قد اطّلع على تفسير الكشاف للزمخشري، و هذا خبر هو يخبر به، و هو بما انّه عالم صدوق نصدّق خبره، و مع ذلك فلنا أن ندعم هذا الخبر عن طريق الرجوع إلى المواضع المشتركة بين الكشاف و مجمع البيان كي يتبين الأمر في ضوء الواقع، فانّ الزمخشري معتزلي، و الطبرسي إمامي، و كلاهما من العدلية يشتركان في أصول كثيرة كلامية، و هذا هو الذي اختبره شلتوت عند تقديمه لمجمع البيان، فقال:

رجعت إلى أوّل موضع يظن انّهما يتلاقيان فيه، و هو تفسير قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ * `خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ .

فأمّا الإمام الطبرسي في كتابه «مجمع البيان» فقد تحدث من ناحية المعنى في موضعين:

أحدهما: معنى‏ «لاََ يُؤْمِنُونَ » و ما يتّصل به من بيان عدم التعارض بين العلم الإلهي و التكليف، لأنّ العلم يتناول الشي‏ء على ما هو به، و لا يجعله على ما هو به.

17

الثاني: معنى‏ خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ و بيان الآراء المختلفة فيه، و قد ذكر أربعة آراء، و أيّد الرابع منها و قوّاه بشواهده.

و هذا هو نصّ كلامه في الوجه الرابع لنضعه موضع المقارنة مع كلام الزمخشري حتّى يتبيّن الفرق بينهما:

«و رابعها: أنّ اللّه وصف من ذمّه بهذا الكلام بأنّ قلبه ضاق عن النظر و الاستدلال فلم ينشرح له، فهو خلاف من ذكر في قوله: أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ فَهُوَ عَلى‏ََ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ، و مثل قوله: أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا و قوله: وَ قََالُوا قُلُوبُنََا غُلْفٌ، و قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ و يقوى ذلك أنّ المطبوع على قلبه، وصف بقلّة الفهم لما يسمع من أجل الطبع، فقال: بَلْ طَبَعَ اَللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً و قال:

وَ طُبِعَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ و يبيّن ذلك قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللََّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصََارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ فعدل الختم على القلوب، بأخذه السمع و البصر، فدلّ هذا على أنّ الختم على القلب هو أن يصير على وصف لا ينتفع به فيما يحتاج فيه إليه، كما لا ينتفع بالسمع و البصر مع أخذهما، و إنّما يكون ضيقه بألا يتسع لما يحتاج إليه فيه من النظر و الاستدلال الفاصل بين الحقّ و الباطل، و هذا كما يوصف الجبان بأنّه لا قلب له، إذا بولغ في وصفه بالجبن، لأنّ الشجاعة محلّها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي هو محلّ الشجاعة لو كانت، فأن لا

18

تكون الشجاعة أولى، قال طرفة:

فالهبيت لا فؤاد له # و الثبيت قلبه قيمه‏

و كما وصف الجبان بأنّه لا فؤاد له، و أنّه يراعة، و أنّه مجوف؛ كذلك وصف من بعد عن قبول الإسلام بعد الدعاء إليه، و إقامة الحجة عليه، بأنّه مختوم على قلبه، و مطبوع عليه، و ضيّق صدره، و قلبه في كنان و في غلاف، و هذا من كلام الشيخ أبي علي الفارسي، و إنّما قال ختم اللّه، و طبع اللّه، لأنّ ذلك كان لعصيانهم اللّه تعالى، فجاز ذلك اللفظ، كما يقال: أهلكته فلانة إذا أعجب بها، و هي لا تفعل به شيئا، لأنّه هلك في اتباعها» .

هذا هو نصّ كلامه، و منه يتبيّن:

1. أنّه ممّن يؤيد الرأي القائل بأنّ الختم ليس حقيقيا، و إنّما هو على معنى من المجاز.

2. و أنّه يستعين في بيان ذلك بالآيات المشابهة لهذا الموضع في القرآن الكريم، و بالشعر، و بقول أبي علي الفارسي، و بما هو مألوف في العربية من مثل هذا التعبير بإسناد الفعل إلى من لم يفعله، و لكن وقع بسبب منه، فالختم أسند إلى اللّه لأنّه بمعناه الذي فسر به كان بسبب عصيانهم للّه، كما يقال أهلكته فلانة و هي لم تهلكه و إنّما هلك باتباعها.

و أمّا الإمام الزمخشري في كتابه «الكشاف» فقد عرض لهذا

19

الموضوع في تفصيل أكبر، و ضرب له كذلك أمثلة من الشعر و الكلام العربي، و أورد فيه بعض الأسئلة وردّ عليها، و مع كون الفكرة التي يؤيّدها الإمام الزمخشري هي نفس الفكرة التي رأينا الإمام الطبرسي يؤيّدها. فانّ عبارة الزمخشري أوسع و أشمل، و أمثلته من الشعر أوضح في بيان المقصود، و تخريجه العربي لهذا التعبير مبني على دراسة فنية بلاغية مقررة المبادئ بين العلماء، فلو كان الطبرسي قد اطّلع على كتاب «الكشاف» لكان قد أيّد ما ذهب إليه بما ذكر الزمخشري نقلا عنه أو تلخيصا له، و لكنّنا لا نجد بين العبارات في الكتابين تلاقيا إلاّ على الفكرة، أمّا الأمثلة و العرض و اسلوب البحث فمختلفة.

و الآن نورد نصّ الإمام الزمخشري، كما أوردنا نصّ الإمام الطبرسي، و ندع للقراء أن يتأمّلوا النصّين، على ضوء ما قلناه، فسيتضح لهم أنّ الطبرسي قطعا لم ير «الكشاف» و هو يؤلّف «مجمع البيان» .

قال الزمخشري:

«فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب و الأسماع و تغشية الأبصار؟

قلت: لا ختم و لا تغشية ثمّ على الحقيقة، و إنّما هو من باب المجاز، و يحتمل أن يكون من كلا نوعيه، و هما الاستعارة و التمثيل.

أمّا الاستعارة فأن تجعل قلوبهم-لأنّ الحقّ لا ينفذ فيها، و لا

20

يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه، و استكبارهم عن قبوله و اعتقاده-و أسماعهم-لأنّها تمجّه، و تنبو عن الإصغاء إليه، و تعاف استماعه-كأنّها مستوثق منها بالختم، و أبصارهم-لأنّها لا تجتلى آيات اللّه المعروضة، و دلائله المنصوبة، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين- كأنّما غطي عليها، و حجبت، و حيل بينها و بين الإدراك.

و أمّا التمثيل فأن تمثّل-حيث لم ينتفعوا بها في الأغراض التي كلّفوها و خلقوا من أجلها-بأشياء ضرب حجاب بينها و بين الاستنفاع بها بالختم و التغطية، و قد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان و العي ختما عليه فقال:

ختم الإله على لسان عذافر # ختما فليس على الكلام بقادر

و إذا أراد النطق خلت لسانه # لحما يحركه لصقر ناقر!

فإن قلت: لم أسند الختم إلى اللّه تعالى، و إسناده إليه يدلّ على المنع من قبول الحقّ و التوصّل إليه بطرقه، و هو قبيح، و اللّه يتعالى عن فعل القبح علوا كبيرا، لعلمه بقبحه، و علمه بغناه عنه، و قد نصّ على تنزيه ذاته بقوله: وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ، وَ مََا ظَلَمْنََاهُمْ وَ لََكِنْ كََانُوا هُمُ اَلظََّالِمِينَ ، إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ . و نظائر ذلك ممّا نطق به التنزيل؟

قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها، و أمّا إسناد

21

الختم إلى اللّه عزّ و جلّ؛ فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها و ثبات قدمها كالشي‏ء الخلقي غير العرضي، ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا، و مفطور عليه، يريدون أنّه بليغ في الثبات عليه، و كيف يتخيّل ما خيّل إليك و قد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، و سماجة حالهم، و نيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم، و يجوز أن تضرب الجملة كما هي-و هي‏ خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ -مثلا، كقولهم: سال به الوادي إذا هلك؛ و طارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، و ليس للوادي، و لا للعنقاء عمل في هلاكه، و لا في طول غيبته، و إنّما هو تمثيل: مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، و في طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق، بحال قلوب ختم اللّه عليها، نحو قلوب الأغتام‏ (1) التي هي في خلوها من الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدر ختم اللّه عليها حتّى لا تعي شيئا و لا تفقه، و ليس له عزّ و جلّ فعل في تجافيها عن الحقّ، و نبوها عن قبوله، و هو متعال عن ذلك، و يجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللّه، فيكون الختم مسندا إلى اسم اللّه على سبيل المجاز، و هو لغيره حقيقة، تفسير هذا أنّ للفعل ملابسات شتى:

____________

(1) . جمع أغتم، و أصل الغتمة اللون المائل إلى السواد، كأنّه وصف به من ليس له قلب صاف، قال المؤلف في كتابه «أساس البلاغة» : فلان أغتم، من قوم غتم و أغتام، و فيه غتمة، و هي العجمة في المنطق من الغتم، و هو الأخذ بالنفس.

22

يلابس الفاعل، المفعول به، و المصدر، و الزمان، و المكان، و المسبب له، فإسناده إلى الفاعل حقيقة، و قد يسند إلى هذه الأشياء عن طريق المجاز المسمّى استعارة، و ذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته، فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به:

عيشة راضية، و ماء دافق، و في عكسه: سيل مفعم، و في المصدر: شعر شاعر، و ذيل ذائل، و في الزمان: نهاره صائم، و ليله قائم، و في المكان: طريق سائر، و نهر جار؛ و أهل مكة يقولون: صلّى المقام، و في المسبب: بنى الأمير المدينة، و ناقة ضبوث و حلوب‏ (1) » الخ.

هذا هو نصّ كلام الزمخشري في الكشاف، و بينه و بين كلام الطبرسي فرق بعيد، و مثل هذا هو الذي جعل مؤلف «مجمع البيان» لا يقنع بما وصل إليه، حتّى يصله بما جد له من العلم، فيخرج ما أخرج من كتاب جديد، جمع فيه بين الطريف و التليد!

نفسيات المؤلّف‏

إنّ ما قام به المفسّر الكبير الشيخ الطبرسي يعرب عن أمور:

أوّلا: أنّه أدّى حقّ معاصره الزمخشري و لم يبخس حقّه، و صرح بأنّ في كتاب «الكشاف» طرائف و ظرائف خلى عنها كتاب «مجمع البيان» .

____________

(1) . ضبث بالشي‏ء و عليه: قبض قبضا شديدا، و هو مثله في الوزن أيضا، فالناقة الضبوث ضد الناقة الحلوب.

23

ثانيا: أنّه خرق بذلك حجاب التعاصر الذي لم يزل سائدا عبر قرون بين الكتّاب و المحقّقين، حيث إنّ براعة المؤلّف لا تقدّر في حياته إلاّ نادرا فبعد ما قضى نحبه تتجلّى عبقريّته على ألسن الخطباء و الكتاب.

ثمّ إنّ الإمام شلتوت يصف ذلك الخلق العلمي و الخصلة المحمودة من المؤلف و يقول:

إنّني أقف هنا موقف الإكبار و الإجلال لهذا الخلق العلمي، بل لهذه العظمة في الإخلاص للعلم و المعرفة، فهذا الصنيع يدلّ على أنّ الرجل كان قد بلغ به حب الدراسات القرآنية حدا كبيرا، فهو يتابعها في استقصاء، ثمّ يجهد نفسه في تسجيلها و ترتيبها على هذا النحو الفريد الذي ظهر في «مجمع البيان» ، ثمّ لا يكتفي بما بذل في ذلك من جهد كفيل بتخليد ذكره، حتّى يضيف إلى آثاره العلمية ما جدّ له بعد ان انتهى من تأليف كتابه، و لعلّه حينئذ كان قد بلغ السبعين أو جاوزها. (1)

و نضيف و نقول: إنّ تلك الخصلة الإنسانية قد لمسناها من بعض مشايخنا المحقّقين نظير السيد الإمام حسين البروجردي (1292- 1380) فانّه ألّف موسوعة كبيرة، جمع فيها أسانيد كلّ راو إلى الإمام فقط و رتبها في فهارس كاملة، و بذلك فتح بابا جديدا في التعرف على قيمة الراوي من حيث عدد مشايخه و تلاميذه و مقدار روايته. و قد بذل

____________

(1) . مجمع البيان: 29، المقدمة.

24

جهدا شاقا في هذا السبيل التهمت منه بضع سنين.

و لمّا غادر موطنه «بروجرد» و ألقى عصا الإقامة في مدينة قم عام 1364، عرض أثره هذا على مشايخ الحوزة و علمائهم، و لمّا وقف على أنّه ليس أوّل من تفطن بذلك و التفت إليه، بل سبقه بعض محقّقي علم الرجال كالشيخ محمد الأردبيلي المتوفّى في أوائل القرن الثاني عشر، في كتابه «جامع الرواة» فانّه يختار في ترجمة الرواة جملة من الأسانيد من الكتب الأربعة و غيرها و يستدلّ بها على شيوخ الراوي و تلاميذه و طبقتهم من دون استقصاء، رغب السيّد الاطّلاع على هذا الكتاب المخطوط، و لمّا رجع إليه و وقف على قيمة الكتاب قام بطبعه قبل أن يقوم بنشر كتابه حتّى قدّم له مقدمة ثمينة أشاد فيها بما لهذا الكتاب من المكانة حيث قال:

الامتياز القيم الذي أوجب تقديرنا له، إنّما لكتابه «جامع الرواة» باعتبار ما فيه من جمع رواة الكتب الأربعة و ذكر من رووا منه، و من روى عنهم و تعيين مقدار رواياتهم و رفعه بذلك بعض النقص من كتب الرجال، و انّي حين ما كنت ببروجرد و كنت أراجع-في أثناء أبحاثي لمعرفة أسانيد الروايات-ما صنّفه علماؤنا من الفهارس و الرجال و المشتركات تفطّنت لما تفطّن له هذا الشيخ الجليل و لغيره من النقص في تلك الكتب و لكنّي سلكت في رفعها مسلكا آخر غير ما سلكه. (1)

____________

(1) . جامع الرواة: المقدمة ص ز.

25

تقديره لكتاب «التبيان»

إنّ الإمام الطبرسي من المؤلّفين المخلصين الذين لا يبغون من وراء التأليف و التصنيف إلا وجه اللّه سبحانه، و سدّ الفراغ الهائل في المكتبة الإسلامية دون أن يعير أهمية للشهرة، فهذا هو الملموس في حياة الإمام الطبرسي فإنّه يشيد في مقدّمة «مجمع البيان» بكتاب «التبيان» و يصفه على النحو التالي: إنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق و يلوح عليه رواء الصدق. قد تضمن من المعاني، الأسرار البديعة، و احتضن من الألفاظ، اللغة الوسيعة. و لم يقنع بتدوينها دون تبيينها. و لا بتنميقها دون تحقيقها. و هو القدوة استضي‏ء بأنواره، و أطأ مواقع آثاره. (1)

فنحن نثمن هذا الخلق العلمي الرفيع الذي ينبغي أن يتحلّى به كلّ محقق مخلص فيعترف بفضل من تقدم عليه و اغترف من علومه و صدر عن كتبه.

من التبيان إلى الميزان‏

عاش الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385-460) في القرن الرابع و الخامس، و قد أسدى خدمة عظيمة إلى التراث الإسلامي

____________

(1) . مجمع البيان: ج 1، المقدمة.

26

من خلال تأليفه كتاب «التبيان في تفسير القرآن» ، و قد تبعه الآخرون ممّن جاء بعده في هذا المنهج فألّفوا كتبا و موسوعات تفسيرية بين مطبوعة و مخطوطة، مع أنّهم-قدّس اللّه أسرارهم-قاموا بواجبهم، لكنّا نرى أنّ الفاصلة العلمية بين «التبيان» في القرن الخامس و «الميزان» في القرن الخامس عشر ليست هائلة، و كان المترقّب أن يتطور علم التفسير عبر القرون العشرة في الأوساط الشيعية أكثر من ذلك، و لو انتزعنا من تفسير «الميزان» للعلاّمة الطباطبائي (1321-1402) المباحث الفلسفية و الاجتماعية منها لم يبق ثمة فاصلة تذكر بينهما، و نرى عكس ذلك في الحقل الفقهي فأين كتاب النهاية و المبسوط للشيخ الطوسي من كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي (1191-1266) ، فإنّ الفاصل بينهما هائل جدا، يعكس حجم التطور الذي وصل إليه الفقه، و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على أنّ الظروف لم تكن تسمح لعلماء الشيعة بإدخال التطور في حقل التفسير نظير التطوير في الفقه و إن كان ما قاموا به من التفاسير القيمة غنى و كفاية، و قد ألمعنا إلى تاريخ التفسير عند الشيعة و الآثار التي خلّفوها في ذلك المجال في كتابنا مفاهيم القرآن. (1)

____________

(1) . راجع الجزء العاشر من مفاهيم القرآن، تحت عنوان الشيعة و التفسير تدوينا و تطورا، ص 300-448.

27

فقاهة الإمام الطبرسي‏

إنّ الإمام الطبرسي كان إمام المفسّرين في عصره و بعده، و لكنّه كان إلى جانب ذلك فقيها بارعا في حقل الفقه، حيث نرى أنّه يستدل في مواطن كثيرة من تفسيره على آرائه الفقهية بظواهر الآيات و السنّة الشريفة، فمع أنّه يشير في ذلك الباب إلى آراء الآخرين و لكن يؤيد نظره السامي بوجوه تثبت ما رام إليه.

و الذي يدلّ على اضطلاعه في الفقه انّه لخّص كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي و أسماه «المؤتلف من المختلف» ، و هو يصف عمله في ذلك الكتاب بقوله: إنّي لمّا تصفّحت كتاب مسائل الخلاف للشيخ الأوحد السعيد، و الفذ في دهره، الفريد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي وجدته قد عول في أكثر مسائله على الاستدلال بإجماع الفرقة المحقة، إذ هو المرجوع إليه المعتمد عليه، المذكور وجه الاستدلال به في كتب أصول الفقه.

ثمّ إن كان في المسألة خلاف بين الطائفة أومأ إليه، و ما لم يكن فيه إجماع أشار إلى طريق آخر في الاستدلال عليه من ظاهر قرآن، أو سنّة مقطوع بها، أو دليل خطاب‏[أو استصحاب حال-على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا-أو دلالة أصل أو فحوى من خطاب‏].

و ذكر في بعض مواضع أخبارا من كتب العامّة يلزمهم الانقياد لها

28

و العمل بها، فرأيت تكرار ذكر إجماع الفرقة ممّا لا طائل فيه سوى إطالة الكتاب، فأثبت رؤوس المسائل و الخلاف فيها على أوجز الوجوه، فكلّ مسألة عوّل فيها على إجماع الفرقة لم أذكر استدلاله إلاّ إذا اقترن بذلك الإجماع، شي‏ء سواه ممّا أريد ذكره فأذكره، و إيّاه، و إن لم يكن في المسألة إجماع للفرقة أشرت إلى ما ذكره من الأدلّة أو بعضها و أسقطت من بعض مودعات أدلّته ما لم أجد فيه كثير فائدة أو يكون معادا ليس في إعادته مزيد عائدة. (1)

ثمّ إنّ الشيخ الطوسي أسمى كتابه باسم «الخلاف» و لكن الإمام الطبرسي لخصّ ذلك الكتاب على النحو الذي مرّ و أسماه بـ «المؤتلف من المختلف» و هذه التسمية تعرب عن سعة صدره و ابتعاده عن العصبية المذهبية، و انّ المسلمين أرباب دين واحد و كتاب واحد و أصول واحدة، و إنّما اختلفوا فيما روي عن الرسول لا في نفس الرسول، فيمكن أن ينتهي الخصام إلى الائتلاف، و ذلك من خلال تأسيس مؤتمرات فقهية أو مجالس تشريعية يطرح فيها المختلفات و تدارس براهينها و ما يؤيده البرهان هو المتبع سواء أوافق مذهب إمام أو لا.

____________

(1) . المؤتلف من المختلف: 1/3-4.

29

آثاره العلمية

إنّ لشيخنا المترجم وراء هذه التفاسير آثارا ثمينة لها قيمتها العلمية نشير إلى بعضها و إن عبثت بها يد التاريخ فلم يبق منها عين و لا أثر.

1. تاج المواليد.

2. غنية العابد.

3. النور المبين.

4. العمدة في أصول الدين.

5. الفرائض و النوافل.

6. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل.

7. عدّة السفر و عمدة الحضر.

8. كنوز النجاح.

9. الكاف الشاف عن كتاب الكشاف.

إلى غير ذلك من الآثار و المؤلفات التي نسبت إليه في المعاجم.

جامعية مجمع البيان‏

إنّ تفسير «مجمع البيان» كتاب جامع لعلوم القرآن، إذ هو ينقل أكثر الآراء أو جميعها في تفسير الآيات بصدر رحب ثمّ يؤيد ما اختاره،

30

و هذا يدلّ على أنّه كان محيطا بآراء المفسرين من القدامى و الجدد فجمعها و نقلها و بذلك أغنى الباحث عن كثير من التفاسير، و مع ذلك كلّه ففيه مزايا أخرى ظاهرة نشير إلى بعضها:

1. في غضون ذلك الكتاب مباحث كلامية طرحها المؤلف حسب اقتضاء الآيات، فلو قام المحقّق الكلامي العارف بأسلوب هذه المباحث، بجمعها و ترصيفها و تنظيمها لخرج بكتاب كلامي باهر في مختلف الأبواب. و سيوافيك نماذج من آرائه الكلامية في آخر الرسالة.

كما يمكن إجراء ذلك العمل في كتاب «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي (543-608 هـ) ففيه مباحث كلامية هامة لمختلف الفرق، فلو انتزعت تلك المباحث بشكل علمي لأصبح كتابا كلاميا جامعا بين الأقوال.

و في تفسير الرازي مزية أخرى، و هو انّه كثيرا ما أيّد مذهب أئمّة أهل البيت في الفروع و الأصول، و أقام براهين قيّمة على مختارهم و إن عدل عنها بوجوه واهية-أو سياسية-، فانتزاع هذه المباحث من هذا التفسير يوقفنا على موقف الرازي من اتّباع الحق و دعمه.

2. انّ أبا علي الجبائي ألّف كتابا باسم «حجة القراءات» و الشيخ الطبرسي قد نقل من ذلك الكتاب عند البحث عن وجوه القراءات، و لعلّ ذلك الكتاب بجملته موجود في غضون «مجمع البيان» ، فلو

31

انتزعت حجج القراءات من المجمع و أشرف عليه محقّق بارع لانتهى إلى إحياء ذلك الكتاب المفقود.

3. انّ أوّل من دوّن سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو العالم الشيعي الكبير محمد بن إسحاق (المتوفّى عام 151 هـ) و استخرج تفاصيل الوقائع الإسلامية من كتب الماضين، و من ثنايا رواياتهم و منقولاتهم و اشتهر بسيرة ابن إسحاق، و هي التي لخّصها ابن هشام (المتوفّى 218 هـ) و عرفت بالسيرة النبوية.

و قد فقدت سيرة ابن إسحاق، و مع الفحص الأكيد الذي بذله المحقّقون حول العثور على ذلك الكنز لم يقفوا على نسخة كاملة، غير أنّ الإمام الطبرسي قد نشر كلّ ما في هذا الكتاب ممّا يمت إلى المغازي على صفحات كتابه، فللباحث أن يستخرج ما يمت إلى المغازي من سيرة ابن إسحاق من ذلك الكتاب، و بذلك يعاد الكتاب إلى الساحة و يعلم المقدار المحذوف منه في سيرة ابن هشام.

تضلّعه في التاريخ و القصص‏

إنّ من سبر كتاب «مجمع البيان» يقف على أنّ المؤلّف يذكر قصص الأنبياء و مغازي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على وجه يناسب كتابه، و هو يعرب عن إلمامه بالتاريخ، و يشهد على ذلك كتابه القيم «إعلام الورى بأعلام الهدى» عرض فيه مؤلّفه فضائل و حياة أهل بيت العصمة و الطهارة

32

بشكل بديع، رتّب كتابه على أربعة أركان، تتفرع عنها أبواب و فصول متعدّدة، تناول فيها التفصيل من خلال استعراض حياة المعصوم عليه السّلام مجمل ما يختصّ بالتاريخ المتصل به و المعاصر له.

خصّص الركن الأوّل من كتابه لسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأحداث الكبرى التي زاملت عصر الرسالة الأولى، و بترتيب و تنسيق دقيقين، تتبّع من خلال ذلك، معظم الجوانب المتّصلة بحياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و القضايا التي ترتبط ارتباطا عفويا بالعقيدة الإسلامية المباركة، و منها تأكيدات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و توجيهاته للأمّة بوجوب التمسك بأهل بيته المعصومين عليهم السّلام باعتبارهم قرناء القرآن، و الأمناء على الرسالة من بعده.

و أمّا الركن الثاني من الكتاب فقد خصّصه لوصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خليفته من بعده علي بن أبي طالب عليه السّلام بيّن فيه مجمل جوانب حياته المباركة، و دوره المنير في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعده، و المحن و الفتن التي لازمته حتّى استشهاده.

و خصص المؤلف رحمه اللّه الركن الثالث من الكتاب لباقي الأئمّة المعصومين عليهم السّلام حتّى الإمام الحسن العسكري عليه السّلام من خلال أبواب و فصول متعدّدة.

و كان نصيب الإمام المهدي الركن الرابع و الأخير من الكتاب

33

حيث تناول معظم الأخبار و الروايات المتّصلة به، مستوفيا من خلال ذلك، الظروف و الأحداث التي عاصرها أبّان حضوره الظاهري، منتقلا منها إلى ما رافق غيبته الصغرى و الكبرى، و ما يتصل بها، و الأحداث و الوقائع التي ستصاحب ظهوره المنتظر. (1)

بين إعلام الورى و ربيع الشيعة

من غريب الأمر انّ كتابا واحدا سمّي باسمين و نسب إلى شخصين، و ما هذا إلاّ كتاب «إعلام الورى» الذي هو من مؤلفات الطبرسي، فقد نسب إلى السيد ابن طاووس و سمّي باسم «ربيع الشيعة» ، فالكتابان يختلفان اسما و يتحدان من البداية إلى النهاية.

و لذلك نرى أنّ العلاّمة المجلسي توقّف عن النقل عن كتاب ربيع الشيعة، قال: و تركنا منها-من كتب ابن طاووس-كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب «إعلام الورى» في جميع الأبواب و الترتيب، و هذا ما يقضى منه العجب!! (2)

و قال الكاظمي في تكملته: و قد وقفت على «إعلام الورى» للطبرسي و ربيع الشيعة لابن طاووس و تتبّعتهما من أوّلهما إلى آخرهما

____________

(1) . إعلام الورى: 1/21، المقدمة.

(2) . بحار الأنوار: 11/30.

34

فوجدتهما واحدا من غير زيادة و نقصان، و لا تقديم و لا تأخير أبدا إلاّ الخطبة. (1)

إنّ انتساب الكتاب إلى الطبرسي أمر قطعي لا سترة عليه، فلا بدّ من تبيين وجه انتسابه إلى السيد ابن طاووس.

و قد تخلّص شيخنا المجيز من هذه المشكلة بأنّ للنساخ دورا في المقام فقال ما هذا نصّه:

أقول: الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أنّ «ربيع الشيعة» ليس له و المراجع له لا يشكّ في اتّحاده مع «إعلام الورى» للطبرسي، و قد احتمل بعض المشايخ كون منشأ هذه الشبهة أنّ السيد ابن طاووس حين شرع في أن يقرأ على السامعين كتاب إعلام الورى هذا حمد اللّه، و أثنى عليه و صلّى على النبيّ و آله صلوات اللّه عليهم على ما هو ديدنه، ثمّ مدح الكتاب و أثنى عليه بقوله: «إنّ هذا الكتاب ربيع الشيعة» و السامع كتب على ما هو ديدنه هكذا «يقول الإمام-و ذكر ألقابه و اسمه إلى قوله: انّ هذا الكتاب ربيع الشيعة» ثمّ كتب كلّما سمعه عنه من الكتاب إلى آخره، فظنّ من رأى النسخة بعد ذلك أنّ «ربيع الشيعة» اسمه و أنّ مؤلّفه هو السيد ابن طاووس. (2)

____________

(1) . تكملة الرجال: 1/11.

(2) . الذريعة: 2/241 برقم 957.

35

و حكى شيخنا في خاتمة المستدرك احتمالا آخر عن بعض مشايخه، و هو أنّ السيد وجد «إعلام الورى» ناقصا من أوّله، فاستحسنه و كتبه بخطه من غير اطّلاع له على اسمه أو اسم مؤلّفه، فكتب عليه مدحا له أنّ هذا الكتاب ربيع الشيعة، و لما وجد بعده بخطه فظنّ أنّه تأليفه و أنّه سماه بربيع الشيعة، كما وقع نظير ذلك في «نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه و النظائر» حيث استحسنه يحيى بن سعيد و استنسخه بخطه و أسقط منه الخطبة الطويلة لخلوها عن الفائدة، فلمّا وجد بعده بخطه في كتبه ظنّ أنّه تأليفه و نسب إليه.

مشايخه و تلامذته‏

تتلمذ الإمام الطبرسي على لفيف من العلماء، و قد استقصى ذكرهم السيد الأمين في «أعيان الشيعة» ، منهم:

1. أبو علي بن شيخ الطائفة الطوسي.

2. أبو الوفاء عبد الجبار بن علي المقري الرازي عن الشيخ الطوسي.

3. الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي، جدّ منتجب الدين صاحب الفهرس.

4. الإمام موفق الدين بن الفتح الواعظ البكرآبادي عن أبي علي‏

36

الطوسي.

5. أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني.

6. أبو الفتح عبد اللّه بن عبد الكريم بن هوازن القشيري.

7. أبو الحسن عبيد اللّه محمد بن الحسين البيهقي.

8. الشيخ جعفر الدوريستي.

و أمّا تلامذته فقد روى عنه جملة من العلماء الأعلام منهم:

1. ولده رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل صاحب كتاب مكارم الأخلاق.

2. منتجب الدين صاحب الفهرست.

3. أبو جعفر محمد بن علي بن شهرآشوب صاحب المناقب.

4. القطب الراوندي.

5. السيد فضل اللّه الراوندي.

6. عبد اللّه بن جعفر الدوريستي.

7. شاذان بن جبرئيل القمي.

8. مهدي بن نزار القائيني.

9. شرفشاه بن محمد بن زيادة الافطسي.

37

و غيرهم ممّن عرفوا بكونهم من تلامذته أو ممن عدوه من شيوخهم. (1)

كلمات العلماء في حقّه‏

هذه هي السيرة الذاتية للإمام الطبرسي، و مع الإحاطة بها، فنحن في غنى عن نقل كلمات الأعاظم في حقّه، فانّك لمست منزلة الشيخ و مكانته عن كثب، و بالتالي نحن في غنى عن مدح و إطراء الآخرين له، و مع ذلك فلأجل أن لا يرمينا القارئ بالغفلة عن هذا الجانب، نأتي ببعض كلمات الأعلام.

قال الشيخ منتجب الدين تلميذه و الراوي عنه في فهرسته: ثقة، فاضل، ديّن، عين. (2)

و قال الحرّ العاملي في «أمل الآمل» : الشيخ الإمام أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، ثقة، فاضل، ديّن، عين، له تصانيف و ذكر جملة منها. (3)

و قال السيد التفريشي: فاضل، ديّن، عين، من أجلاّء هذه

____________

(1) . أعيان الشيعة، بالقطع الكبير: 8/399.

(2) . فهرست منتجب الدين برقم 336.

(3) . أمل الآمل: 2/216، برقم 650.

38

الطائفة، له تصانيف حسنة. (1)

و قال صاحب المقابس: الشيخ الأجل الأوحد، و الأكمل الأسعد، قدوة المفسرين و عمدة الفضلاء المتبحرين: أمين الدين أبي علي. (2)

و قال الخوانساري في روضاته: الشيخ الشهيد السعيد، الحبر الفقيه الفريد، الفاضل العالم المفسرّ، المحدّث الجليل، الثقة الكامل، النبيل الفاضل. (3)

و قال السيد الأمين في أعيانه: إنّ فضل الرجل و جلالته و تبحره في العلوم و وثاقته أمر غني عن البيان. (4)

و قال الزركلي في أعلامه: و انّه مفسّر، محقّق، لغوي، من أجلاّء الإمامية. (5)

و قال عمر رضا كحالة: بأنّه مفسر مشارك في بعض العلوم، ثمّ أشار إلى جملة من آثاره. (6)

____________

(1) . نقد الرجال: 226.

(2) . مقابس الأنوار: 10.

(3) . روضات الجنات: 5/357 برقم 544.

(4) . أعيان الشيعة: 8/398.

(5) . الاعلام: 5/48.

(6) . معجم المؤلفين: 8/66.

39

إلى غير ذلك من الكلمات و الإطراءات التي جاءت في المعاجم و في مقدمة الطبعة اللبنانيّة و المصرية لمجمع البيان.

حديث الجري و التطبيق في «مجمع البيان»

إنّ القرآن الكريم معجزة خالدة يشق طريقه للأجيال بمفاهيمه و معانيه السامية، فهو حجّة إلهية في كلّ عصر و جيل في عامّة الحوادث المختلفة صورا و المتحدة مادة، و مع ذلك نرى أنّ لفيفا من الأحاديث تذكر نزول قسم كبير من الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، و بذلك يتجلّى في نظر بعض السّذّج انّ القرآن لدى الشيعة الإمامية كتاب طائفي، حتّى أنّ الكاتب الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية» يقترح على علماء الشيعة أن ينقّحوا تفاسيرهم لكتاب اللّه من تلك الروايات و يقول: أوّلها تفسير علي بن إبراهيم القمي الذي جعل من القرآن كتابا حزبيا كأنّه نزل للشيعة وحدهم. (1)

و لكنّ الكاتب كبعض أسلافه خلطوا بين تطبيق الآية على أوضح مصاديقها و بين نزولها في حقّ واحد من أئمّة أهل البيت، فانّ أكثر ما ورد في ذلك من قبيل التطبيق لا أنّها نزلت في حقّ شخص خاص، و إن

____________

(1) . نظرية الإمامة: 505.

40

كانت هناك آيات نزلت في حقّ الإمام علي عليه السّلام بالخصوص، و مع ذلك فأكثر ما يتراءى فيها الفكر الطائفي من باب الجري و التطبيق، و هذا هو الذي عالج به شيخنا الإمام المفسر ذلك الجانب في مجال التفسير، نذكر منها نموذجا:

يقول في تفسير قوله: اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ .

و قيل في الصراط المستقيم وجوه:

أحدها: انّه كتاب اللّه، و هو المروي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عن علي عليه السّلام و ابن مسعود.

و ثانيها: انّه الإسلام، و هو المروي عن جابر و ابن عباس.

و ثالثها: انّه دين اللّه الذي لا يقبل من العباد غيره، عن محمد بن الحنفية.

و الرابع: انّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمة القائمون مقامه، و هو المرويّ في أخبارنا.

و الأولى حمل الآية على العموم حتّى يدخل جميع ذلك فيه، لأنّ الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر اللّه به من التوحيد و العدل، و ولاية من أوجب اللّه طاعته. (1)

و قد سلك هذا المنهج بعد الإمام الطبرسي، المفسر الكبير العلاّمة

____________

(1) . مجمع البيان: 1/48، ط مصر.

41

الطباطبائي في تفسير «الميزان» فانّه حمل أكثر هذه الروايات على الجري و التطبيق، كيف و هذا الإمام الصادق عليه السّلام يقول: «إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، و لكنّه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى» . (1)

و هذا النوع من التطبيق يسمّى التأويل في مقابل التنزيل، و لأجل أن نرى نموذجا من هذا النوع من التأويل نذكر ما يلي:

نص القرآن الكريم بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشخصه منذر كما نصّ بأنّ لكلّ قوم هاد، و قال: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هََادٍ (2) ، و قد قام النبي بتعيين مصداق الهادي في حديثه، و قال: «أنا المنذر و علي الهادي إلى أمري» و لكن المصداق لا ينحصر بعلي، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة، و لذلك نرى أنّ الإمام الباقر عليه السّلام يقول: «رسول اللّه المنذر، و علي الهادي، و كلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه» . (3)

____________

(1) . نور الثقلين: 2/483، برقم 22.

(2) . الرعد: 7.

(3) . نور الثقلين: 2/482 و 485.

42

وفاته‏

عاش المترجم بالمشهد الرضوي في خراسان مدة طويلة ثمّ انتقل إلى مدينة سبزوار من مدن خراسان سنة 523 هـ، و بها ألّف كتابه هذا مجمع البيان و بها توفّي سنة 548 هـ، ثمّ نقل جثمانه إلى المشهد الرضوي حيث دفن، و قبره معروف يزار.

يقول السيد حسين البروجردي مؤلف «نخبة المقال في معرفة علم الرجال» :

و فضل بن الحسن بن فضل # أبو علي الطبرسي العدل

شيخ بن شهرآشوب عنه ينشر # مفسر عام الوفاة «محشر»

فقوله «محشر» إشارة إلى عام وفاته فانّه بالحساب الأبجدي يكون 548 هـ.

بيت الطبرسي شجرة طيّبة

إنّ بيت الطبرسي بيت عامر بالعلم و التقى و إلاّ فلا غرو أن نقول إنّه من مصاديق قوله سبحانه: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهََا ثََابِتٌ وَ فَرْعُهََا فِي اَلسَّمََاءِ*`تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا وَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْأَمْثََالَ لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . (1)

____________

(1) . إبراهيم: 24-25.

43

فمفسرنا الكبير شجرة طيبة تؤتي أكلها كلّ حين، و هكذا فروعها و أغصانها فقد ترك ذرية طيّبة تعد نجوما في سماء العلم نذكر منها ولده و حفيده، أعني بهما:

1. ولده البار الشيخ رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل مؤلف كتاب «مكارم الأخلاق» الذي طبع في إيران و مصر مرارا.

يعرّفه شيخنا المجيز الطهراني بقوله: «مكارم الأخلاق» للشيخ أبي نصر رضي الدين الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي و قد أخذ فيه عن الآداب الدينية لوالده المفسر و أورد فيه بعض ما في الآداب، رتّبه على 12 بابا على أسلوب المحدّثين من الشيعة، أوّله: «الحمد للّه الواحد الأحد الصمد» و لولده علي تتميمه الموسوم بـ «مشكاة الأنوار» . (1)

2. حفيده الشيخ أبو الفضل علي بن الشيخ رضي الدين أبي نصر الحسن بن أبي علي المفسر الطبرسي الملقب بـ «أمين الإسلام الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي» صاحب «مشكاة الأنوار» و هو ممّا ينقل عنه في البحار قال: و هو كتاب ظريف. (2)

قال الأفندي التبريزي: و كان قدّس سرّه و ولده رضي الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب «مكارم الأخلاق» ، و سبطه‏ (3) ، علي بن الحسن صاحب «مشكاة الأنوار» و سائر سلسلته و أقرباؤه من أكابر العلماء،

____________

(1) . الذريعة: 22/146.

(2) . الذريعة: 21/54.

(3) . الصحيح «حفيده» لأنّه ابن ابنه، لا ابن بنته.

44

و عندي انّ الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج أيضا من أقربائه. (1)

ما نسب في حقّ الطبرسي من أوهام‏

ثمّ إنّه نسب إلى الطبرسي أمور لم تثبت صحّتها، و المصدر له هو كتاب رياض العلماء للأفندي التبريزي نشير إليها:

1. انّه مات شهيدا

قال الأفندي التبريزي: قد رأيت نسخة من «مجمع البيان» بخط الشيخ قطب الدين الكيدري، و قد قرأها نفسه على الخواجه نصير الدين الطوسي، ثمّ إنّ على ظهرها بخطه أيضا هكذا: تأليف الشيخ الإمام الأجل السعيد الشهيد و هو صار شهيدا. (2)

و هذا ممّا لم نقف عليه في كتاب قبل تأليف الرياض، و قد توفّي الأفندي حوالي عام 1034 هـ و توفّي صاحب مجمع البيان عام 548 هـ، و بينهما قرابة خمسة قرون، فلو كان المترجم له توفّي شهيدا لبان و جاء ذكره في كتب التراجم.

نعم ذكره العلاّمة الأميني في كتاب «شهداء الفضيلة» من تلك الزمرة، و قال: صرّح بشهادته في الروضات و الرياض. (3)

____________

(1) . رياض العلماء: 4/341.

(2) . رياض العلماء: 4/344.

(3) . شهداء الفضيلة: 46.

45

2. انّه قام من القبر حيّا

و من الأوهام التي حيكت حول حياة المؤلّف ما ذكره الأفندي أيضا و تبعه المحدّث القمي في كتابه «الفوائد الرضوية» ، حيث قال الأوّل: و من عجيب الأمر بل من غريب كراماته-قدس اللّه روحه القدوسي-ما اشتهر بين الخاص و العام أنّه رحمه اللّه قد أصابته السكتة، فظنّوا به الوفاة، فغسّلوه و كفنوه و دفنوه ثمّ رجعوا، فأفاق في القبر و قد صار عاجزا عن الخروج أو الاستعانة بأحد لخروجه، فنذر في تلك الحالة بأنّ اللّه إن خلّصه من هذه البلية ألّف كتابا في تفسير القرآن، فاتّفق انّ بعض النبّاشين قد قصد نبش قبره لأجل أخذ كفنه، فلمّا نبش قبره و شرع في نزع كفنه أخذ قدّس سرّه بيد النبّاش، فتحيّر النبّاش و خاف خوفا عظيما، ثمّ تكلّم قدّس سرّه معه، فزاد اضطراب النبّاش و خوفه، فقال له: لا تخف أنا حيّ و قد أصابني السكتة فظنّوا بي الموت و لذلك دفنوني، ثمّ قام من قبره و اطمأن قلب النبّاش، و لم يكن قدّس سرّه قادرا على المشي لغاية ضعفه التمس من النبّاش أن يحمله على ظهره و يبلغه إلى بيته، فحمله و جاء به إلى بيته، ثمّ أعطاه الخلعة و أولاه مالا جزيلا، و أناب النباش على يده ببركته عن فعله ذلك القبيح و حسن حال النبّاش، ثمّ إنّه قدّس سرّه بعد ذلك قد وفى بنذره و شرع في تأليف كتاب «مجمع البيان» إلى أن وفّقه اللّه‏

46

تعالى لإتمامه. (1)

و في هامش نسخة المؤلف التعليق التالي، و قد ينسب هذا إلى المولى فتح اللّه الكاشاني صاحب التفسير الكبير الفارسي و قبره بهمدان، و هذه الحكاية سمعت من أهالي همدان في حقّه.

أقول: إنّي لا أنكر صحّة الواقعة فإنّها أمر ممكن، و قد ينقل عن المرتاضين أمور أكثر عجبا من ذلك، و لكن المفسر الكبير لم يكن من المرتاضين أوّلا، و لو صحّت الواقعة كان عليه أن يذكرها في ديباجة كتابه ثانيا، إذ ليست الواقعة أمرا حقيرا حتى يمر عليها دون أن يذكرها بل كان على الآخرين أيضا نقلها.

و أوّل من شكّك في صحّتها هو المحدّث النوري (المتوفّى 1320 هـ) فقال في مستدركه:

و مع هذا الاشتهار لم أجدها في مؤلّف أحد قبله، و ربّما نسب إلى العالم الجليل المولى فتح اللّه الكاشاني صاحب تفسير منهج الصادقين. (2)

و قد نقل شيخنا المدرس الخياباني (1294-1373 هـ) مؤلّف «ريحانة الأدب» في كتابه هذا نظير هذه الواقعة في حقّ محمد هادي بن

____________

(1) . رياض العلماء: 4/357-358. و لاحظ الفوائد الرضوية: 351، و لكنّه نقل عبارة شيخه في «مستدرك الوسائل» و هو يعرب عن تردده في صحّة المطلب.

(2) . مستدرك الوسائل: 487، الطبعة الحجرية.

غ

47

ملا صالح المازندراني. (1)

و لو كان الذهبي مؤلف «التفسير و المفسّرون» واقفا على أنّ بعض مشايخ الشيعة تلقّوا الواقعة أمرا موهوما لم يذكرها بطعن حيث قال:

و من العجيب أنّهم يذكرون قصة في غاية الطرافة و الغرابة في سبب تأليفه لتفسيره «مجمع البيان» الذي نحن بصدده فيقولون: و من عجيب أمر هذا الطبرسي، بل من غريب كراماته و ما اشتهر بين الخاص و العام انّه قد أصابته السكتة... الخ. (2)

3. انّه رأى موسى عليه السّلام في منامه‏

ذكر الأفندي في ترجمته انّه من جملة مقاماته بعض مناماته الطريفة، و قد حكاه نفسه في كتابه «مجمع البيان في تفسير سورة طه أو سورة... الخ في تفسير قوله تعالى: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ (3) الآية، من رؤيته موسى كليم اللّه تعالى و مباحثته صلوات اللّه عليه بحضرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حال المنام، و شرح ذلك انّه قال: «رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المنام و كان معه موسى كليم اللّه، فسأل موسى رسول اللّه عن معنى قوله: «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل» .

____________

(1) . ريحانة الأدب: 4/37-38.

(2) . التفسير و المفسرون: 2/100.

(3) . طه: 17.

48

و قال: كيف قلت: إنّ علماء أمّتك مثل أنبياء بني إسرائيل مع علوهم و كثرة علومهم، و أيّ العلماء أردت من قولك؟فدخلت في تلك الحالة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأشار إلى جانبي و قال: هذا واحد منهم. فلمّا سمع موسى عليه السّلام ذلك من رسول اللّه توجّه إليّ و سألني.

فقال موسى: أنا سألتك عن فلان و أجبت بفلان و أطلت في الكلام، فقلت في جواب موسى عليه السّلام: إنّ اللّه تعالى قد سألك عن عصاك بقوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ فلأي سبب أطلت في جوابه تعالى و قلت: هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا وَ أَهُشُّ بِهََا عَلى‏ََ غَنَمِي وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ و كان أن يكفيك أن تقول في جوابه عزّ من قائل‏ «هِيَ عَصََايَ» .

فقال موسى عليه السّلام في جوابه: نعم ما قلت، ثمّ تلطّف بي و قال:

صدق رسول اللّه في قوله: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» . (1)

هذا و ليس ما بأيدينا من نسخ المجمع، أثر من هذا المقال. (2)

____________

(1) . رياض العلماء: 4/358-359.

(2) . فقد راجعنا إلى هذه الطبعات التالية:

1. الطبعة الحجرية المطبوعة بإيران عام 1282 هـ.

2. طبعة صيدا، المطبوعة فيها عام 1354 هـ.

3. الطبعة الإسلامية بطهران، عام 1380 هـ.

4. طبعة مصر، عام 1394 هـ.

5. طبعة دار المعرفة بيروت 1406 هـ.

و لم أتوفق لمراجعة النسخ الخطية في المكتبات.

49

بعض الآراء الكلامية للشيخ الطبرسي‏

يعدّ الشيخ الطبرسي في الرعيل الأوّل من مفسّري القرآن العظيم و في الوقت نفسه، هو إمام مقدام في حقل الكلام و العقائد و المعارف فتفسيره هذا بحر عظيم يغترف منه كلّ من حاول تفسير الذكر الحكيم و المعارف التي جاء بها القرآن العظيم بثنايا آياته في مختلف سوره، فها نحن نذكر في هذا الفصل شيئا من آرائه و نظرياته، ليكون كنموذج لما لم نذكر. و ربما يقال: انّ الموضوعات الكلامية في مجمع البيان يناهز 335 موضوعا، و قد بحث عنها المؤلّف، إسهابا تارة، و إيجازا أخرى.

و قد أشير إلى كثير من هذه الموضوعات في المجموعة التي نشرناها في الجزء الأوّل من مجلة علم الكلام، و قد قام بتدوين هذه المجموعة لفيف من طلاب مؤسسة الإمام الصادق عليه السّلام في قسم علم الكلام، شكر اللّه مساعيهم.

50

1 الجهاد العلمي جهاد أكبر

يعتقد شيخنا الطبرسي بأنّ الجهاد العلمي جهاد أكبر، لأنّه جهاد في طريق مقارعة المبطلين و دفع شبه الأعداء، يقول في تفسير قوله سبحانه: وَ جََاهِدْهُمْ بِهِ جِهََاداً كَبِيراً . (1)

و في هذا دلالة على أنّ من أجلّ الجهاد و أعظمه منزلة عند اللّه سبحانه جهاد المتكلّمين في حلّ شبه المبطلين و أعداء الدين، و يمكن أن يتأوّل عليه قوله: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. (2)

____________

(1) . الفرقان: 52.

(2) . مجمع البيان: 7/273، دار المعرفة، بيروت.

51

2 رفض التقليد في أصول الدين‏

الإسلام عقيدة و شريعة، فالمطلوب في الأوّل الاعتقاد الجازم، كما أنّ المطلوب في الثاني هو العمل بالأحكام، و لمّا كانت الأصول أساسا للشريعة دعا القرآن الكريم إلى تحصيل العلم و رفض التقليد فيها، و لذلك كثيرا ما نرى أنّه يندّد بالمشركين في تقليدهم للآباء في عبادة الأصنام، و قد استفاد شيخنا الطبرسي لزوم تحصيل العلم في الأصول و المعارف من آيات كثيرة ربما لا نتمكن من إيراد جميعها و ما قاله حولها، بل نقتصر على ما يلي:

يقول في تفسير قوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ بِلِقََاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (1) :

أي لكي توقنوا بالبعث و النشور و تعلموا أنّ القادر على هذه الأشياء قادر على البعث بعد الموت، و في هذا دلالة على وجوب النظر المؤدّي إلى معرفة اللّه تعالى و على بطلان التقليد، و لو لا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات

____________

(1) . الرعد: 2.

52

معنى. (1)

و قال عند تفسير قوله: لَوْ لاََ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطََانٍ بَيِّنٍ (2) أي هلا يأتون على عبادتهم غير اللّه بحجّة ظاهرة، و في هذا ذم و زجر للتقليد و إشارة إلى أنّه لا يجوز أن يقبل دين إلاّ بحجّة واضحة. (3)

و قال عند تفسير قوله: قُلْ هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ . (4)

و في هذا دلالة على فساد التقليد، لأنّه طالبهم بالحجة على صحة قولهم، و البرهان هو الدليل المؤدّي إلى العلم. (5)

____________

(1) . مجمع البيان: 6/421.

(2) . الكهف: 15.

(3) . مجمع البيان: 6/700.

(4) . الأنبياء: 24.

(5) . مجمع البيان: 7/71.

53

3 ضرورة معرفة اللّه‏

تعدّ معرفة اللّه سبحانه من أمّهات المسائل الكلامية، التي حازت مساحة شاسعة من الأبحاث الكلامية، و استقطبت اهتمام كبار العلماء و المفكّرين لا سيّما شيخنا الطبرسي حيث قال عند تفسير قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قََالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قََالَ إِبْرََاهِيمُ فَإِنَّ اَللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهََا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ . (1)

و في هذه الآية دلالة على أنّ المعارف غير ضرورية، إذ لو كانت كذلك لمّا صحت المحاجّة في إثبات الصانع، و فيها دلالة على فساد التقليد و حسن الحجاج. (2)

____________

(1) . البقرة: 258.

(2) . مجمع البيان: 2/636.

54

و قال أيضا عند قوله: وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا إِلى‏ََ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ إِلَى اَلرَّسُولِ قََالُوا حَسْبُنََا مََا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا أَ وَ لَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لاََ يَهْتَدُونَ . (1)

و في هذه الآية دلالة أيضا على وجوب المعرفة و أنّها ليست بضرورية على ما قاله أصحاب المعارف، فانّه سبحانه بيّن الحجاج عليهم فيها ليعرفوا صحّة ما دعاهم الرسول إليه، و لو كانوا يعرفون الحقّ ضرورة لم يكونوا مقلّدين لآبائهم، و نفى سبحانه عنهم الاهتداء و العلم معا، لأنّ بينهما فرقا، فانّ الاهتداء لا يكون إلاّ عن حجّة و بيان، و العلم قد يكون ابتداء عن ضرورة. (2)

____________

(1) . المائدة: 103.

(2) . مجمع البيان: 3/391.