الكامل في التاريخ - ج4

- ابن الأثير الجزري المزيد...
591 /
5

الجزء الرابع‏

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

60 ثم دخلت سنة ستين‏

في هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد اللََّه سورية و دخول جنادة رودس و هدمه مدينتها في قول بعضهم. *و فيها توفّي معاوية بن أبي سفيان، و كان قد أخذ على وفد أهل البصرة البيعة ليزيد (1) .

ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان‏

خطب معاوية قبل مرضه و قال: إنّي كزرع مستحصد و قد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم و مللتموني و تمنّيت فراقكم و تمنّيتم فراقي، و لن يأتيكم بعدي إلاّ من أنا خير منه، كما أنّ من قبلي كان خيراً منّي، و قد قيل:

من‏ أحبّ لقاء اللََّه أحبّ اللََّه لقاءه، اللََّهمّ إنّي قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي و بارك لي فيه! فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه، فلمّا مرض المرض الّذي مات

____________

(1) . ( irefehcS. ssiralC. doC ) . s

6

فيه دعا ابنه يزيد فقال: يا بنيّ قد كفيتك الشدّ و الترحال، و وطّأت لك الأمور، و ذلّلت لك الأعداء، و أخضعت لك رقاب العرب، و جمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنّهم أصلك، و أكرم من قدم عليك منهم، و تعاهد من غاب، و انظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، و انظر أهل الشام فليكونوا بطانتك و عيبتك، فإن رابك‏ (1) من عدوّك شي‏ء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنّهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيّرت أخلاقهم، و إنّي لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلاّ أربعة نفر من قريش: الحسين بن عليّ، و عبد اللََّه بن عمر، و عبد اللََّه بن الزّبير، و عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمّا ابن عمر فإنّه رجل قد وقذته العبادة، فإذا لم يبق أحد غيره‏ بايعك، و أمّا الحسين بن عليّ فهو رجل خفيف و لن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج و ظفرت به فاصفح عنه، فإنّ له رحما ماسّة و حقّا عظيما و قرابة من محمّد، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أمّا ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله، ليس له همّة إلاّ في النساء و اللّهو، و أمّا الّذي يجثم لك جثوم‏ (2) الأسد و يراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزّبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعه إربا إربا، و احقن دماء قومك ما استطعت.

هكذا في هذه الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، و ليس بصحيح، فإن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية. و قيل: إنّ يزيد كان غائبا في مرض أبيه و موته، و إنّ معاوية أحضر الضحّاك بن قيس و مسلم بن عقبة المرّي فأمرهما أن يؤدّيا عنه هذه الرسالة إلى يزيد ابنه، و هو الصحيح.

ثمّ مات بدمشق لهلال رجب، و قيل للنصف منه، و قيل لثمان بقين منه،

____________

(1) . رأيت ( iinosnilwaR. libon. doC ) . Rte. P. C

(2) . يجثوا لك جثوة. R

7

و كان ملكه تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و سبعة و عشرين‏ (1) يوما مذ اجتمع له الأمر و بايع له الحسن بن عليّ، و قيل كان ملكه تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر، و قيل و ثلاثة أشهر إلاّ أيّاما، و كان عمره خمسا و سبعين سنة، و قيل ثلاثا (2)

و سبعين سنة. و قيل توفّي و هو ابن ثمان و سبعين سنة، و قيل خمس و ثمانين.

و قيل: و لما اشتدّت علّته و أرجف به قال لأهله: احشوا عينيّ إثمدا و ادهنوا رأسي. ففعلوا و برّقوا وجهه بالدّهن ثمّ مهّد له فجلس و أذن للنّاس، فسلّموا قياما و لم يجلس أحد، فلمّا خرجوا عنه قالوا: هو أصحّ الناس. فقال معاوية عند خروجهم من عنده:

و تجلّدي للشّامتين أريهم # أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع‏

و إذا المنيّة أنشبت أظفارها # ألفيت كلّ تميمة لا تنفع‏

و كان به نفاثات‏ (3) [1]، فمات من يومه، فلمّا حضرته الوفاة قال: إنّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، كساني قميصا فحفظته‏ (4) ، و قلّم أظفاره يوما فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا متّ فألبسوني ذلك القميص و استحقوا تلك القلامة و ذرّوها في عينيّ و فمي فعسى اللََّه أن يرحمني ببركتها، ثمّ تمثّل بشعر الأشهب بن رميلة[2] النّهشلي:

إذا متّ مات الجود و انقطع النّدى # من النّاس إلاّ من قليل مصرّد

و ردّت أكفّ السّائلين و أمسكوا # من الدّين و الدّنيا بخلف مجدّد

[1] التفاتات.

[2] زميلة.

____________

(1) . عشر. P. C

(2) . ثمانياً. Rte. P. C

(3) . البقايات. P. C

(4) . فرفعته. S

8

فقالت إحدى بناته: كلاّ يا أمير المؤمنين بل يدفع اللََّه عنك. فقال متمثّلا بشعر الهذليّ: و إذا المنيّة، البيت. و قال لأهله: اتّقوا اللََّه فإنّه لا واقي لمن لا يتّقي اللََّه. ثمّ قضى و أوصى أن يردّ نصف ماله إلى بيت المال، كأنّه أراد أن يطيب له الباقي لأنّ عمر قاسم عمّاله، و أنشد لما حضرته الوفاة:

إن تناقش يكن نقاشك يا # ربّ عذابا لا طوق لي بالعذاب‏

أو تجاوز فأنت ربّ صفوح # عن مسي‏ء ذنوبه كالتّراب‏

و لما اشتدّ مرضه أخذت ابنته رملة رأسه في حجرها و جعلت تفلّيه، فقال: إنّك لتفلّينه حوّلا قلّبا، جمع المال من شبّ إلى دبّ فليته لا يدخل النار!ثمّ تمثّل:

لقد سعيت لكم من سعي‏[1] ذي نصب # و قد كفيتكم التّطواف و الرّحلا

(1)

و بلغه أن قوما يفرحون بموته، فأنشد:

فهل من خالد إن ما هلكنا # و هل بالموت يا للنّاس عار؟

و كان في مرضه ربّما اختلط في بعض الأوقات، فقال مرّة: كم بيننا و بين الغوطة؟فصاحت بنته: وا حزناه!فأفاق فقال: إن تنفري فقد رأيت منفّرا.

فلمّا مات خرج الضحّاك بن قيس حتّى صعد المنبر و أكفان معاوية على يديه، فحمد اللََّه و أثنى عليه ثمّ قال: إنّ معاوية كان عود العرب و حدّ العرب [1] سعيي.

____________

(1) . و الرجلا. doC . rB . suM - A ;و الوجلا. P. C

9

و جدّ العرب، قطع اللََّه به الفتنة و ملّكه على العباد و فتح به البلاد، إلاّ أنّه قد مات و هذه أكفانه و نحن مدرجوه فيها و مدخلوه قبره و مخلّون بينه و بين عمله ثمّ هو الهرج‏ (1) إلى يوم القيامة، فمن كان يريد[أن‏]يشهده فعند الأولى‏ (2) . و صلّى عليه الضحّاك.

و قيل: لما اشتدّ مرضه، أي مرض معاوية، كان ولده يزيد بحوّارين، فكتبوا إليه يحثّونه على المجي‏ء ليدركه، فقال يزيد شعرا:

جاء البريد بقرطاس يخبّ به # فأوجس‏ (3) القلب من قرطاسه فزعا

قلنا[1]: لك الويل ما ذا في كتابكم؟ # قال: الخليفة أمسى مثبتا وجعا

ثمّ انبعثنا إلى خوض مزمّمة # نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا

فمادت الأرض أو كادت تميد بنا # كأنّ أغبر[2] من أركانها انقطعا

من لم تزل نفسه توفي على شرف # توشك مقاليد تلك النّفس أن تقعا

لما انتهينا و باب الدّار منصفق # و صوت رملة ريع القلب فانصدعا

ثمّ ارعوى القلب شيئا بعد طيرته # و النفس تعلم أن قد أثبتت جزعا

أودى ابن هند و أودى المجد يتبعه # كانا جميعا فماتا قاطنين معا

أغرّ (4) أبلج يستسقى الغمام به # لو قارع النّاس عن أحسابهم‏ (5) قرعا

فأقبل يزيد و قد دفن فأتى قبره فصلّى عليه.

[1] قلفا.

[2] أعبر.

____________

(1) . باق. R

(2) . فها عندكم. R

(3) . فأورث. P. C

(4) . أغبر. P. C

(5) . أحيائهم. R

10

ذكر نسبه و كنيته و أزواجه و أولاده‏

أمّا نسبه فهو: معاوية بن أبي سفيان، و اسم أبي سفيان صخر بن حرب ابن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب، و كنيته أبو عبد الرحمن.

و أمّا نساؤه و ولده، فمنهنّ: ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبيّة أمّ يزيد ابنه، و قيل ولدت بنتا اسمها أمة ربّ المشارق فماتت صغيرة، و منهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فولدت له عبد الرحمن و عبد اللََّه ابني معاوية، و كان عبد اللََّه أحمق، اجتاز يوما بطحّان و بغله يطحن و في عنقه جلاجل فسأل عن الجلاجل فقال: جعلتها في عنقه لأعلم أن قد قام فلم تدر الرحا. فقال: أ رأيت إن قام و حرّك رأسه‏ كيف تعلم؟فقال الطحّان:

إنّ بغلي ليس له عقل مثل عقل الأمير. و أمّا عبد الرحمن فمات صغيرا (1) .

و منهنّ نائلة ابنة عمارة الكلابيّة (2) ، تزوّجها و قال لميسون: انظري إليها، فنظرت إليها و قالت: رأيتها جميلة، و لكني رأيت تحت سرّتها خالا، ليوضعنّ رأس زوجها في حجرها!فطلّقها معاوية و تزوّجها حبيب بن مسلمة الفهريّ، ثمّ خلف عليها بعده النعمان بن بشير، و قتل فوضع رأسه في حجرها.

و منهنّ كتوة (3) بنت قرظة أخت فاختة، و غزا قبرس و هي معه فماتت هناك.

____________

(1) . بصفين. P. C . dda

(2) . الكلبية. S

(3) . كشوة. R

11

ذكر بعض سيرته و أخباره و قضاته و كتّابه‏

لما بويع معاوية بالخلافة استعمل على شرطته قيس بن حمزة الهمدانيّ، ثمّ عزله و استعمل زمل بن عمرو العذريّ، و قيل السّكسكيّ. و كان كاتبه و صاحب أمره سرجون الروميّ، و على حرسه رجل من الموالي يقال له المختار، و قيل أبو المخارق مالك مولى حمير (1) ، و كان أوّل من اتخذ الحرس، و كان على حجّابه سعد مولاه، و على القضاء فضالة بن عبيد الأنصاريّ، فمات، فاستقضى أبا إدريس الخولانيّ. و كان على ديوان الخاتم عبد اللََّه بن محصن الحميري، و كان أوّل من اتخذ ديوان الخاتم، و كان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزّبير بمائة ألف درهم و كتب له بذلك إلى زياد، ففتح عمرو الكتاب و صيّر المائة مائتين، فلمّا رفع زياد حسابه أنكرها معاوية و طلبها من عمرو و حبسه، فقضاها عنه أخوه عبد اللََّه بن الزبير، فأحدث عند ذلك معاوية ديوان الخاتم و حزم الكتب، و لم تكن تحزم.

قال عمر بن الخطّاب: يذكرون كسرى و قيصر و دهاءهما و عندكم معاوية! قيل: و قدم عمرو بن العاص من مصر على معاوية و معه من أهل مصر، فقال لهم عمرو: لا تسلّموا على معاوية بالخلافة فإنّه أهيب لكم في قلبه و صغّروا ما استطعتم. فلمّا قدموا قال معاوية لحجّابه: كأنّي بابن النابغة و قد صغّر أمري عند القوم، فانظروا إذا دخل القوم فتعتعوهم‏ (2) أشدّ ما يحضركم. فكان أوّل من دخل عليه رجل منهم يقال له ابن الخيّاط فقال: السلام عليك يا رسول اللََّه!و تتابع القوم على ذلك، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم اللََّه!نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة فسلّمتم عليه بالنّبوّة!

____________

(1) . عمير. R

(2) . فعنفوهم. R

12

قيل: و دخل عبيد اللََّه بن أبي بكرة على معاوية و معه ولد له فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، و فطن عبيد اللََّه و أراد أن يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتّى فرغ من الأكل، ثمّ عاد عبيد اللََّه و ليس معه ابنه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التّلقامة؟قال: اشتكى. قال: قد علمت أنّ أكله سيورثه داء.

قال جويرية بن أسماء: قدم أبو موسى الأشعريّ على معاوية في برنس أسود فقال: السلام عليك يا أمين اللََّه!قال: و عليك السلام. فلمّا خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأولّيه، و اللََّه لا أولّيه! و قال عمرو بن العاص لمعاوية: أ لست أنصح الناس لك؟قال: بذلك نلت ما نلت.

قال جويرية بن أسماء أيضا: كان بسر بن أبي أرطاة عند معاوية فنال من عليّ و زيد بن عمر بن الخطّاب حاضر، و أمّه أمّ كلثوم بنت عليّ، فعلاه بالعصا و شجّه، فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ قريش و سيّد أهل الشام فضربته!و أقبل على بسر فقال: تشتم عليّا و هو جدّه و ابن الفاروق على رءوس الناس!أ ترى أن يصبر على ذلك؟فأرضاهما جميعا.

و قال معاوية: إنّي لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي، و جهل أكبر من حلمي، و عورة لا أواريها بستري، و إساءة أكثر من إحساني.

و قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنّك قد لهجت بالشعر، فإيّاك و التشبيب بالنساء فتعرّ الشريفة، و الهجاء فتعرّ كريما و تستثير لئيما، و المدح فإنّه طعمة الوقاح، و لكن أفخر بمفاخر قومك و قل من الأمثال ما تزيّن به نفسك و تؤدّب به غيرك.

قال عبد اللََّه بن صالح: قيل لمعاوية: أيّ الناس أحبّ إليك؟قال: أشدّهم لي تحبيبا إلى الناس.

13

و قال معاوية: العقل و الحلم و العلم أفضل ما أعطي العباد، فإذا ذكّر ذكر، و إذا أعطي شكر، و إذا ابتلي صبر، و إذا غضب كظم، و إذا قدر غفر، و إذا أساء استغفر، و إذا وعد أنجز.

قال عبد اللََّه بن عمير: أغلظ لمعاوية رجل فأكثر، فقيل له: أ تحلم عن هذا؟فقال: إنّي لا أحول بين الناس و بين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا و بين ملكنا.

و قال محمد بن عامر: لام معاوية عبد اللََّه بن جعفر على الغناء، فدخل عبد اللََّه على معاوية و معه بديح و معاوية واضع‏ (1) رجلا على رجل، فقال عبد اللََّه لبديح: إيها يا بديح!فتغنّى، فحرّك معاوية رجله، فقال عبد اللََّه: مه يا أمير المؤمنين!فقال معاوية: إنّ الكريم طروب.

قال ابن عبّاس: ما رأيت أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه‏[على‏]أرجاء واد رحب، و لم يكن كالضّيّق الحصحص الحصر، يعني ابن الزّبير، و كان مغضبا.

و قال صفوان بن عمرو: وقف عبد الملك بقبر معاوية فوقف عليه فترحّم، فقال رجل: قبر من هذا؟فقال: قبر رجل كان و اللََّه فيما علمته ينطق عن علم و يسكت عن حلم، إذا أعطى أغنى، و إذا حارب أفنى، ثمّ عجّل له الدّهر ما أخّره لغيره ممّن بعده، هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية.

و معاوية أوّل خليفة بايع لولده في الإسلام، و أوّل من وضع البريد، و أوّل من سمّى الغالية التي تطيب من الطيب غالية، و أوّل من عمل المقصورة في المساجد، و أوّل من خطب جالسا، في قول بعضهم.

____________

(1) وضع.

14

ذكر بيعة يزيد (1)

قيل: و في رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه، على ما سبق من الخلاف فيه، فلمّا تولّى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، و على مكّة عمرو بن سعيد بن العاص، و على البصرة عبيد اللََّه بن زياد، و على الكوفة النعمان بن بشير، و لم يكن ليزيد همّة إلاّ بيعة النّفر الذين أبوا على معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية، و كتابا آخر صغيرا فيه: أمّا بعد فخذ حسينا و عبد اللََّه بن عمر و ابن الزّبير بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا، و السلام. فلمّا أتاه نعي معاوية فظع به و كبر عليه و بعث إلى مروان ابن الحكم فدعاه. و كان مروان عاملا على المدينة من قبل الوليد، فلمّا قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارها، فلمّا رأى الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه و لم يزل مصارما له حتى جاء نعي معاوية، فلمّا عظم على الوليد هلاكه و ما أمر به من بيعة هؤلاء النفر، استدعى مروان فلمّا قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع و ترحّم عليه، و استشاره الوليد كيف يصنع. قال: أرى أن تدعوهم الساعة و تأمرهم‏ (2) بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم و كففت عنهم، و إن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنّهم إن علموا بموته وثب كلّ رجل منهم بناحية و أظهر الخلاف و دعا إلى نفسه، أمّا ابن عمر فلا يرى القتال و لا يحبّ أن يلي على الناس إلاّ أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا.

فأرسل الوليد عبد اللََّه بن عمرو بن عثمان، و هو غلام حدث، إلى الحسين و ابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد و هما جالسان، فأتاهما في ساعة

____________

(1) . tignujdaeuqmurelP عليه اللعنة. RinimonciuH

(2) . و تأخذهم. P. C

15

لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال: أجيبا الأمير. فقالا: انصرف، الآن نأتيه. و قال ابن الزّبير للحسين: *ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟فقال الحسين‏ (1) : أظنّ أنّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر. فقال: و أنا ما أظن غيره، فما تريد أن تصنع؟قال الحسين: أجمع فتياني الساعة ثمّ أمشي إليه و أجلسهم على الباب و أدخل عليه. قال: فإنّي أخافه عليك إذا دخلت. قال: لا آتيه إلاّ و أنا قادر على الامتناع.

فقام فجمع إليه أصحابه و أهل بيته ثمّ أقبل على باب الوليد و قال لأصحابه:

إنّي داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليّ بأجمعكم و إلاّ فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم. ثمّ دخل فسلّم، و مروان عنده، فقال الحسين:

الصلة خير من القطيعة، و الصلح خير من الفساد، و قد آن لكما أن تجتمعا، أصلح‏ (2) اللََّه ذات بينكما، و جلس، فأقرأه الوليد الكتاب و نعى له معاوية و دعاه إلى البيعة، فاسترجع الحسين و ترحّم على معاوية و قال: أمّا البيعة فإن مثلي لا يبايع سرّا و لا يجتزأ (3) بها منّي سرّا، فإذا خرجت إلى الناس و دعوتهم للبيعة و دعوتنا معهم كان الأمر واحدا. فقال له الوليد، و كان يحبّ العافية:

انصرف. فقال له مروان: لئن فارقك الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم و بينه، احبسه فإن بايع و إلاّ ضربت عنقه. فوثب عند ذلك الحسين و قال: ابن الزرقاء أ أنت تقتلني أم هو؟كذبت و اللََّه و لؤمت!

*ثمّ خرج حتى أتى منزله‏ (4) .

فقال مروان للوليد: عصيتني، لا و اللََّه لا يمكنك من نفسه بمثلها أبدا.

فقال الوليد: و نجّ عيرك‏ (5) يا مروان، و اللََّه ما أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه

____________

(1) . R. mO

(2) . اجمع. R

(3) . يجزيني. R

(4) . R

(5) . و يح غيرك. R ;و بح غيرك. S

16

الشمس و غربت عنه من مال الدنيا و ملكها و أنّي قتلت حسينا إن قال لا أبايع، و اللََّه إنّي لأظنّ أنّ امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند اللََّه يوم القيامة.

قال مروان: قد أصبت. يقول له هذا و هو غير حامد له على رأيه.

و أمّا ابن الزّبير فقال: الآن آتيكم. ثمّ أتى داره فكمن‏ (1) فيها، ثمّ بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه و احترز، فألحّ عليه الوليد و هو يقول:

أمهلوني. فبعث إليه الوليد مواليه، فشتموه و قالوا له: يا ابن الكاهليّة لتأتينّ الأمير أو ليقتلنّك!فقال لهم: و اللََّه لقد استربت لكثرة الإرسال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه. فبعث إليه أخاه جعفر بن الزّبير، فقال:

رحمك اللََّه، كفّ عن عبد اللََّه فإنّك قد أفزعته و ذعرته و هو يأتيك غدا إن شاء اللََّه تعالى، فمر رسلك فلينصرفوا عنه. فبعث إليهم فانصرفوا. و

خرج ابن الزّبير من ليلته فأخذ طريق الفرع هو و أخوه جعفر ليس معهما ثالث و سارا نحو مكّة، فسرّح الرجال في طلبه فلم يدركوه، فرجعوا و تشاغلوا به عن الحسين ليلتهم، ثمّ أرسل الرجال إلى الحسين فقال لهم: أصبحوا ثمّ ترون و نرى.

و كانوا يبقون عليه، فكفّوا عنه.

فسار من ليلته، و كان مخرج ابن الزّبير قبله بليلة، و أخذ معه بنيه و إخوته و بني أخيه و جلّ أهل بيته إلاّ

محمد بن الحنفيّة فإنّه قال له: يا أخي أنت أحبّ الناس إليّ و أعزّهم عليّ و لست أذاخر النصيحة لأحد من الخلق أحقّ بها منك، تنحّ ببيعتك عن يزيد و عن الأمصار ما استطعت و ابعث رسلك إلى الناس و ادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت اللََّه على ذلك، و إن أجمع الناس على غيرك لم ينقص اللََّه بذلك دينك و لا عقلك و لا تذهب به مروءتك و لا فضلك، إنّي أخاف أن تأتي مصرا و جماعة من الناس فيختلفوا عليك، فمنهم طائفة معك و أخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأوّل الأسنّة، فإذا خير هذه الأمّة كلّها نفسا و أبا و أمّا

____________

(1) . فتكمن. R

17

أضيعها دما و أذلّها أهلا. قال الحسين: فأين أذهب يا أخي؟قال: انزل مكّة فإن اطمأنّت بك الدّار فبسبيل ذلك، و إن نأت بك لحقت بالرمال و شعف‏ (1) الجبال و خرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، و يفرق لك الرأي‏[1]، فإنّك أصوب ما يكون رأيا و أحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا، و لا تكون الأمور[عليك‏]أبدا أشكل منها حين تستدبرها.

قال: يا أخي قد نصحت و أشفقت و أرجو أن يكون رأيك سديدا و موفقا إن شاء اللََّه. ثمّ دخل المسجد و هو يتمثّل‏[2] بقول يزيد بن مفرّغ:

لا ذعرت السّوام في شفق‏ (2) الصّبح # مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم أعطى من المهانة ضيما # و المنايا يرصدنني أن أحيدا

و

لما سار الحسين نحو مكّة قرأ: فَخَرَجَ مِنْهََا خََائِفاً يَتَرَقَّبُ

(3)

الآية.

فلمّا دخل مكّة قرأ: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ

(4) الآية.

ثمّ إنّ الوليد أرسل إلى ابن عمر ليبايع فقال: إذا بايع الناس بايعت، فتركوه و كانوا لا يتخوّفونه. و قيل: إنّ ابن عمر كان هو و ابن عبّاس بمكّة فعادا إلى المدينة، فلقيهما الحسين و ابن الزّبير فسألاهما: ما وراء كما؟فقالا: موت معاوية و بيعة يزيد. فقال ابن عمر: لا تفرّقا جماعة المسلمين. و قدم هو و ابن عبّاس المدينة. فلمّا بايع الناس بايعا. قال: و دخل ابن الزّبير مكّة و عليها عمرو بن سعيد، فلمّا دخلها قال: أنا عائذ بالبيت. و لم يكن يصلّي بصلاتهم و لا يفيض بإفاضتهم، و كان يقف هو و أصحابه ناحية. 3*4 [1] (في الطبري: و تعرف عند ذلك الرأي) .

[2] تمثّل.

ـ

____________

(1) . و شعب. R

(2) . فلق. P. C

(3) . 21. sv ,28 inaroC

(4) . 22. dibI . sv

18

ذكر عزل الوليد عن المدينة و ولاية عمرو بن سعيد

في هذه السنة عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله يزيد، و استعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها في رمضان، فدخل عليه أهل المدينة، و كان عظيم الكبر، و استعمل على شرطته عمرو بن الزبير لما كان بينه و بين أخيه عبد اللََّه من البغضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا لهواهم في أخيه*عبد اللََّه، منهم: أخوه المنذر بن الزبير، و ابنه محمد بن المنذر، و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، و عثمان بن عبد اللََّه بن حكيم بن حزام، و محمّد بن عمّار بن ياسر، و غيرهم، فضربهم‏ (1) الأربعين إلى الخمسين إلى الستّين.

فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزّبير فيمن يرسله إلى أخيه. فقال:

لا توجّه إليه رجلا أنكأ له مني. فجهّز معه الناس و فيهم أنيس بن عمرو الأسلميّ في سبعمائة، فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد (2) فقال له: لا تغز مكّة و اتّق اللََّه و لا تحلّ حرمة البيت و خلّوا ابن الزّبير فقد كبر و له ستّون سنة و هو لجوج‏ (3) . فقال عمرو بن الزّبير: و اللََّه لنغزونّه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم.

و

أتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له: لا تغز مكّة فإنّي سمعت رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، يقول: إنّما أذن لي بالقتال فيها ساعة من نهار ثمّ عادت كحرمتها بالأمس. فقال له عمرو: نحن أعلم بحرمتها منك أيّها الشيخ.

فسار أنيس في مقدّمته.

و قيل: إنّ يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه

____________

(1-2) . P. C. mO

(3) . يحوج. R

19

عبد اللََّه، ففعل، فأرسله و معه جيش نحو ألفي رجل، فنزل أنيس بذي طوى و نزل عمرو بالأبطح، فأرسل عمرو إلى أخيه: برّ يمين يزيد، و كان حلف أن لا يقبل بيعته إلاّ أن يؤتى به في جامعة، و يقال: حتى أجعل في عنقك جامعة من فضّة لا ترى و لا يضرب الناس بعضهم بعضا فإنّك في بلد حرام. فأرسل عبد اللََّه بن الزبير عبد اللََّه بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكّة ممّن‏[1] اجتمع إليه، فهزمه ابن صفوان بذي طوى و أجهز (1) على جريحهم و قتل أنيس ابن عمرو و سار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزّبير، فتفرّق عن عمرو أصحابه، فدخل دار ابن‏ (2) علقمة، فأتاه أخوه عبيدة فأجاره، ثمّ أتى عبد اللََّه فقال له: إنّي قد أجرت عمرا. فقال: أ تجير من حقوق الناس!هذا ما لا يصلح و ما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحلّ لحرمات اللََّه. ثمّ أقاد عمرا من كل من ضربه إلاّ المنذر و ابنه فإنّهما أبيا أن يستقيدا، و مات تحت السّياط.

ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيّين الحسين بن عليّ ليسير إليهم و قتل مسلم بن عقيل‏

لما خرج الحسين من المدينة إلى مكّة لقيه عبد اللََّه بن مطيع فقال له: جعلت فداك!أين تريد؟قال: أمّا الآن فمكّة، و أمّا بعد فإنّي أستخير اللََّه. قال:

خار اللََّه لك و جعلنا فداك!فإذا أتيت مكّة فإيّاك أن تقرب الكوفة فإنّها بلدة مشئومة بها قتل أبوك و خذل أخوك و اغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزّم الحرم فإنّك سيّد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا و يتداعى إليك الناس [1] فمن.

____________

(1) . أجاز. Ste. R

(2) . S

20

من كلّ جانب، لا تفارق الحرم، فداك عمّي و خالي!فو اللََّه لئن هلكت لنسترقّنّ بعدك.

فأقبل حتى نزل مكّة و أهلها مختلفون إليه و يأتونه و من بها من المعتمرين و أهل الآفاق، و ابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلّي عندها عامّة النهار و يطوف و يأتي الحسين فيمن يأتيه و لا يزال يشير عليه بالرأي، و هو أثقل خلق اللََّه على ابن الزبير، لأنّ أهل الحجاز لا يبايعونه‏ (1) ما دام الحسين باقيا (2) بالبلد.

و لما بلغ أهل الكوفة موت معاوية و امتناع الحسين و ابن عمر و ابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد، و اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد*الخزاعي، فذكروا مسير الحسين إلى مكّة و كتبوا إليه عن نفر، منهم: سليمان بن صرد الخزاعيّ‏ (3) ، و المسيّب بن نجبة، و رفاعة بن شدّاد، و حبيب بن مطهّر و غيرهم:

بسم اللََّه الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإنّنا نحمد إليك اللََّه الّذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فالحمد للََّه الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الّذي انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرها و غصبها فيئها و تأمّر عليها بغير رضى منها ثمّ قتل خيارها و استبقى شرارها، و إنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ اللََّه أن يجمعنا بك على الحقّ، و النعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة و لا عيد، و لو بلغنا إقبالك‏ (4) إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء اللََّه تعالى، و السلام عليك و رحمة اللََّه و بركاته. و سيّروا الكتاب مع عبد اللََّه بن سبع الهمدانيّ و عبد اللََّه بن وال، ثمّ كتبوا إليه كتابا آخر و سيّروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحوا من مائة (5) و خمسين صحيفة ثمّ أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثّونه على المسير إليهم، ثمّ‏ كتب إليه شبث بن ربعيّ و حجّار بن أبجر و يزيد بن

____________

(1) . يتابعونه. S

(2) . S. mO

(3) . P. C. mO

(4) . انتحالك. P. C

(5) . مائتين. P. C

21

الحارث و يزيد بن رويم و عروة بن قيس و عمرو بن الحجّاج الزبيديّ و محمد ابن عمير (1) التميميّ بذلك.

فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده: أمّا بعد فقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم و قد بعثت إليكم أخي و ابن عمّي و ثقتي من أهل بيتي مسلم ابن عقيل و أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و أمركم و رأيكم، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملإكم‏ (2) و ذوي الحجى‏ (3) منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم و شيكا إن شاء اللََّه، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب و القائم بالقسط و الدائن بدين الحقّ، و السلام.

و اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعد (4) ، و كانت تتشيّع، و كان منزلها لهم مألفا يتحدّثون فيه. فعزم يزيد ابن بنيط على الخروج إلى الحسين، و هو من عبد القيس، و كان له بنون عشرة، فقال: أيّكم يخرج معي؟فخرج معه ابنان له: عبد اللََّه و عبيد اللََّه، فساروا فقدموا عليه بمكّة ثمّ ساروا معه فقتلوا معه.

ثمّ دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيّره نحو الكوفة و أمره بتقوى اللََّه و كتمان أمره و اللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل إليه بذلك. فأقبل مسلم إلى المدينة فصلّى في مسجد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و ودّع أهله و استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به، فضلاّ الطريق و عطشوا، فمات الدليلان من العطش و قالا لمسلم: هذا الطريق إلى الماء. فكتب مسلم إلى الحسين: إنّي أقبلت إلى المدينة و استأجرت دليلين فضلاّ الطريق و اشتدّ عليهما العطش فماتا، و أقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلاّ بحشاشة أنفسنا، و ذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الحبيت، و قد تطيّرت، فإن رأيت أعفيتني

____________

(1) . عمرو. Rte. P. C

(2) . و رأيكم. R ;بلادكم. P. C

(3) . النهى. P. C

(4) . أسد. P. C

22

و بعثت غيري.

فكتب إليه الحسين: أمّا بعد فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ إلاّ الجبن، فامض لوجهك، و السلام.

فسار مسلم حتّى أتى الكوفة و نزل في دار المختار، و قيل غيرها، و أقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلّما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون و يعدونه من أنفسهم القتال و النّصرة، و اختلفت‏[إليه‏]الشيعة حتى علم بمكانه و بلغ ذلك النعمان بن بشير، و هو أمير الكوفة، فصعد المنبر فقال:

أمّا بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة و الفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال و تسفك الدماء و تغصب الأموال. و كان حليما ناسكا يحبّ العافية، ثمّ قال: إنّي لا أقاتل من لم يقاتلني، و لا أثب على من لا يثب عليّ، و لا أنبّه نائمكم، و لا أتحرّش بكم، و لا آخذ بالقرف و لا الظّنّة و لا التّهمة، و لكنّكم إن أبديتم صفحتكم، و نكثتم بيعتكم، و خالفتم إمامكم فو اللََّه الّذي لا إليه غيره لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، و[لو]لم يكن لي منكم‏ ناصر و لا معين، أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يرديه الباطل.

فقام إليه عبد اللََّه بن مسلم بن سعيد الحضرميّ حليف بني أميّة فقال: إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم، إنّ هذا الّذي أنت عليه رأي المستضعفين. فقال:

أكون من المستضعفين في طاعة اللََّه أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين‏ (1) في معصية اللََّه. و نزل. فكتب عبد اللََّه بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة و مبايعة الناس له، و يقول له: إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك و يعمل مثل عملك في عدوّك، فإن النّعمان رجل ضعيف أو هو يتضعّف. و كان هو أوّل من كتب إليه، ثمّ كتب إليه عمارة ابن الوليد بن عقبة و عمرو بن سعد بن أبي وقّاص بنحو ذلك.

فلمّا اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية فأقرأه الكتب

____________

(1) . الأعزة. R

23

و استشاره فيمن يوليه الكوفة، و كان يزيد عاتبا على عبيد اللََّه بن زياد، فقال له سرجون: أ رأيت لو نشر لك معاوية كنت تأخذ برأيه؟قال: نعم. قال:

فأخرج عهد عبيد اللََّه على الكوفة. فقال: هذا رأي معاوية، و مات و قد أمر بهذا الكتاب. فأخذ برأيه و جمع الكوفة و البصرة لعبيد اللََّه و كتب إليه بعهده و سيّره إليه مع مسلم بن عمرو الباهليّ والد قتيبة، فأمره بطلب مسلم بن عقيل و بقتله أو نفيه. فلمّا وصل كتابه إلى عبيد اللََّه أمر بالتجهّز ليبرز (1) من الغد.

و كان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخة واحدة إلى الأشراف، فكتب إلى مالك بن مسمع البكريّ، و الأحنف بن قيس، و المنذر بن الجارود، و مسعود بن عمرو، و قيس بن الهيثم، و عمر (2) بن عبد اللََّه بن معمر، يدعوهم إلى كتاب اللََّه و سنّة رسوله، و أنّ السنّة قد ماتت و البدعة[1] قد أحييت، فكلّهم كتموا كتابه إلاّ المنذر بن الجارود فإنّه خاف أن يكون دسيسا من ابن زياد، فأتاه بالرسول و الكتاب فضرب عنق الرسول و خطب الناس و قال:

أمّا بعد فو اللََّه ما بي تقرن الصّعبة (3) ، و ما يقعقع لي بالشّنان، و إنّي لنكل لمن عاداني و سلم‏ (4) لمن حاربني، و أنصف القارة من راماها (5) ، يا أهل البصرة إنّ أمير المؤمنين قد ولاّني الكوفة و أنا غاد إليها بالغداة و قد استخلفت‏[2] عليكم أخي عثمان بن زياد، فإيّاكم و الخلاف‏[3] و الإرجاف، فو اللََّه لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنّه و عريفه و وليّه، و لآخذنّ الأدنى بالأقصى، حتى تستقيموا [1] و البديعة.

[2] استخلف.

[3] الخلاف.

____________

(1) . ليسير. S

(2) . عمرو. P. Cte. R

(3) . تقرف الضغنة. R

(4) . و همام. R ;و سهم. P. C

(5) . 257. P,IIiinadieM. diV

24

و لا يكون فيكم مخالف و لا مشاقّ، و إنّي أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى فلم ينتزعني شبه خال و لا ابن عمّ.

ثمّ خرج من البصرة و معه مسلم بن عمرو الباهليّ‏ و شريك بن الأعور الحارثي و حشمه و أهل بيته، و كان شريك شيعيّا، و قيل: كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه، فكان أوّل من سقط شريك، و رجوا أن يقف عليهم و يسبقه الحسين إلى الكوفة، فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكّون أنّه الحسين فيقولون: مرحبا بك يا ابن رسول اللََّه! و هو لا يكلّمهم، و خرج إليه الناس من دورهم، فساءه ما رأى منهم، و سمع النّعمان فأغلق عليه الباب و هو لا يشكّ أنّه الحسين، و انتهى إليه عبيد اللََّه و معه الخلق يصيحون‏ (1) ، فقال له النعمان: أنشدك اللََّه ألاّ تنحّيت عنّي!فو اللََّه ما أنا بمسلم إليك أمانتي و ما لي في قتالك من حاجة!فدنا منه عبيد اللََّه و قال له:

افتح لا فتحت!فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس و قال لهم: إنّه ابن مرجانة.

ففتح له النعمان فدخل، و أغلقوا الباب و تفرّق الناس، و أصبح فجلس على المنبر، و قيل: بل خطبهم من يومه فقال: أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين ولاّني مصركم و ثغركم و فيئكم، و أمرني بإنصاف مظلومكم، و إعطاء محرومكم، و بالإحسان إلى سامعكم و مطيعكم، و بالشدّة على مريبكم و عاصيكم، و أنا متبع فيكم أمره، و منفّذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البرّ، و لمطيعكم كالأخ الشقيق‏ (2) ، و سيفي و سوطي على من ترك أمري و خالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه.

ثمّ نزل فأخذ العرفاء (3) و الناس أخذا شديدا و قال: اكتبوا إليّ الغرباء و من فيكم من طلبة أمير المؤمنين و من فيكم من الحروريّة و أهل الرّيب الذين رأيهم الخلاف و الشقاق، فمن كتبهم إليّ فبرئ، و من لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا

____________

(1) . يضجون. R

(2) . الشفيق. S

(3) . الغرماء. R

25

ما في عرافته‏ (1) أن لا يخالفنا فيهم مخالف و لا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمّة و حلال لنا دمه و ماله، و أيّما عريف وجد في عرافته‏ (2) من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره و ألقيت تلك العرافة من العطاء و سيّر إلى موضع بعمان الزارة. ثمّ نزل.

و سمع مسلم بمقالة عبيد اللََّه فخرج من دار المختار و أتى دار هانئ بن عروة المراديّ فدخل بابه و استدعى هانئا، فخرج إليه، فلمّا رآه كره مكانه فقال له مسلم: أتيتك لتجيرني و تضيفني‏ (3) . فقال له هانئ: لقد كلفتني شططا. و لو لا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني، غير أنّه يأخذني من ذلك دمام، ادخل. فآواه، فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ.

و دعا ابن زياد مولى له و أعطاه ثلاثة آلاف درهم و قال له: اطلب مسلم ابن عقيل و أصحابه و القهم و أعطهم هذا المال و أعلمهم أنّك منهم‏ و اعلم أخبارهم. ففعل ذلك و أتى مسلم بن عوسجة الأسديّ بالمسجد فسمع الناس يقولون: هذا يبايع‏ (4) للحسين، و هو يصلّي، فلمّا فرغ من صلاته قال له:

يا عبد اللََّه إنّي امرؤ من أهل الشام أنعم اللََّه عليّ بحبّ أهل هذا البيت، و هذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنّه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و قد سمعت نفرا يقولون إنّك تعلم أمر هذا البيت و إنّي أتيتك لتقبض المال و تدخلني على صاحبك أبايعه، و إن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إيّاه.

فقال: لقد سرّني لقاؤك إيّاي لتنال الّذي تحبّ و ينصر اللََّه بك أهل بيت نبيّه، و قد ساءني معرفة الناس هذا الأمر منّي قبل أن يتمّ مخافة هذا الطاغية و سطوته.

____________

(1) . عواقبه. R

(2) . عواقب. R

(3) . و تعييني. R

(4) . يشايع. R

26

فأخذ بيعته و المواثيق المعظّمة ليناصحنّ و ليكتمنّ، و اختلف إليه أيّاما ليدخله على مسلم بن عقيل.

و مرض هانئ بن عروة، فأتاه عبيد اللََّه يعوده، فقال له عمارة بن عبد (1)

السلوليّ: إنّما جماعتنا و كيدنا قتل هذا الطاغية و قد أمكنك اللََّه فأقتله. فقال هانئ: ما أحبّ أن يقتل في داري. و جاء ابن زياد فجلس‏ (2) عنده ثمّ خرج، فما مكث إلاّ جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، و كان قد نزل على هانئ و كان كريما على ابن زياد و على غيره من الأمراء، و كان شديد التشيّع، قد شهد صفّين مع‏ (3) عمّار، فأرسل إليه عبيد اللََّه: إنّي رائح إليك العشيّة. فقال لمسلم:

إنّ هذا الفاجر عائدي العشيّة فإذا جلس اخرج إليه فأقتله ثمّ اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك و بينه، فإن برأت من وجعي سرت إلى البصرة حتى أكفيك أمرها. فلمّا كان من العشيّ أتاه عبيد اللََّه، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، فقال له شريك: لا يفوتنّك إذا جلس. فقال هانئ بن عروة: لا أحبّ أن يقتل في داري. فجاء عبيد اللََّه فجلس و سأل شريكا عن مرضه، فأطال، فلمّا رأى شريك أنّ مسلما لا يخرج خشي أن يفوته فأخذ يقول:

ما تنظرون بسلمى لا تحيّوها # اسقونيها و إن كانت بها نفسي‏

فقال ذلك مرّتين أو ثلاثا، فقال عبيد اللََّه: ما شأنه؟أ ترونه يخلط؟فقال له هانئ: نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه، فانصرف.

و قيل: إنّ شريكا لما قال اسقونيها و خلط كلامه فطن به مهران‏ (4) فغمز عبيد اللََّه فوثب، فقال له شريك: أيّها الأمير إنّي أريد أن أوصّي إليك.

فقال: أعود إليك. فقال له مهران: إنّه أراد قتلك. فقال: و كيف مع إكرامي

____________

(1) . عبيد. R

(2) . فمكث. P. C

(3) . على و. dda. P. C

(4) . مروان: repmes. P. C

27

له و في بيت هانئ و يد أبي عنده؟فقال له مهران: هو ما قلت لك‏[1].

فلمّا قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل، فقال له شريك: ما منعك من قتله؟قال: خصلتان، أمّا إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في منزله، و أمّا الأخرى‏

فحديث حدّثه عليّ عن النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم: إن الإيمان قيّد الفتك، فلا يفتك مؤمن بمؤمن.

فقال له هانئ: لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا! و لبث شريك بعد ذلك ثلاثا ثمّ مات، فصلّى عليه عبيد اللََّه. فلمّا علم عبيد اللََّه أنّ شريكا كان حرّض مسلما على قتله قال: و اللََّه لا أصلّي على جنازة عراقيّ أبدا، و لو لا أنّ قبر زياد فيهم لنبشت شريكا.

ثمّ إنّ مولى ابن زياد الّذي دسّه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة بعد موت شريك، فأدخله على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته و قبض ماله و جعل يختلف إليهم و يعلم أسرارهم و ينقلها إلى ابن زياد. و كان هانئ قد انقطع عن عبيد اللََّه بعذر المرض، فدعا عبيد اللََّه محمّد بن الأشعث و أسماء بن خارجة، و قيل:

دعا معهما بعمرو بن الحجّاج الزبيديّ فسألهم عن هانئ و انقطاعه، فقالوا:

إنّه مريض. فقال: بلغني أنّه يجلس على باب داره و قد برأ، فالقوه فمروه أن لا يدع ما عليه في ذلك.

فأتوه فقالوا له: إنّ الأمير قد سأل عنك و قال: لو أعلم أنّه شاك لعدته، و قد بلغه أنّك تجلس على باب دارك، و قد استبطأك، و الجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لو (1) ركبت معنا. فلبس ثيابه و ركب معهم. فلمّا دنا من القصر أحسّت نفسه بالشرّ فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة: يا ابن أخي إنّي لهذا [1] قتلك.

____________

(1) . U. S ;الاما. P. C

28

الرجل لخائف، فما ترى؟فقال: ما أتخوّف عليك شيئا فلا تجعل على نفسك سبيلا، و لم يعلم أسماء ممّا كان شيئا. و أمّا محمد بن الأشعث فإنّه علم به، قال: فدخل القوم على ابن زياد و هانئ معهم، فلمّا رآه ابن زياد قال لشريح القاضي: أتتك بحائن رجلاه، فلمّا دنا منه قال عبيد اللََّه:

أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد

و كان ابن زياد مكرما له، فقال هانئ: و ما ذاك؟فقال: يا هانئ ما هذه الأمور الّتي تربّص‏ (1) في دارك لأمير المؤمنين و المسلمين!جئت بمسلم فأدخلته دارك و جمعت له السّلاح و الرجال و ظننت أنّ ذلك يخفى عليّ‏[1]!قال: ما فعلت.

قال: بلى. و طال بينهما النزاع، فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين‏ (2) ، فجاء حتى وقف بين يديه، فقال: أ تعرف هذا؟قال: نعم، و علم هانئ أنّه كان عينا عليهم، فسقط في يده ساعة ثمّ راجعته نفسه، قال: اسمع مني و صدّقني، فو اللََّه‏ لا أكذبك، و اللََّه ما دعوته و لا علمت بشي‏ء من أمره حتى رأيته جالسا على بابي يسألني النزول عليّ، فاستحييت من ردّه و لزمني من ذلك ذمام فأدخلته داري و ضفته، و قد كان من أمره الّذي بلغك، فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن به و رهينة تكون في يدك حتى أنطلق و أخرجه من داري و أعود إليك. فقال: لا و اللََّه. لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به. قال: لا آتيك بضيفي تقتله أبدا.

فلمّا كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهليّ، و ليس بالكوفة شاميّ و لا بصريّ غيره، فقال: خلّني و إيّاه حتى أكلّمه، لما رأى من لجاجه، و أخذ هانئا و خلا به ناحية من ابن زياد بحيث يراهما، فقال له: يا هانئ أنشدك اللََّه [1] لك.

____________

(1) . ترى تعد. R

(2) . اللعين. P. C

29

أن تقتل نفسك و تدخل البلاء على قومك!إنّ هذا الرجل ابن عمّ القوم و ليسوا بقاتليه و لا ضائريه، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة و لا منقصة إنّما تدفعه إلى السلطان!قال: بلى و اللََّه إنّ عليّ في ذلك خزيا و عارا، لا أدفع ضيفي و أنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان، و اللََّه لو كنت و أحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه.

فسمع ابن زياد ذلك فقال: أدنوه منّي. فأدنوه منه. فقال: و اللََّه لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك!قال: إذن و اللََّه تكثر البارقة حول دارك!و هو يرى أنّ عشيرته ستمنعه. فقال: أ بالبارقة تخوّفني؟ و قيل إنّ هانئا لما رأى ذلك الرجل الّذي كان عينا لعبيد اللََّه علم أنّه قد أخبره الخبر فقال: أيّها الأمير قد كان الّذي بلغك و لن أضيع يدك عندي‏ و أنت آمن و أهلك فسر حيث شئت. فأطرق عبيد اللََّه عند ذلك و مهران قائم على رأسه و في يده معكزة، فقال: و اذلاّه!هذا الحائك يؤمنّك في سلطانك!فقال:

خذه، فأخذ مهران ضفيرتي هانئ و أخذ عبيد اللََّه القضيب و لم يزل يضرب أنفه و جبينه و خدّه حتى كسر أنفه و سيّل الدماء على ثيابه و نثر لحم خدّيه و جبينه على لحيته حتى كسر القضيب، و ضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطيّ و جبذه فمنع منه، فقال له عبيد اللََّه: أ حروريّ أحللت بنفسك و حلّ لنا قتلك! ثمّ أمر به فألقي في بيت و أغلق عليه.

فقام إليه أسماء بن خارجة فقال: أرسله يا غادر (1) !أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلمّا أتيناك به هشمت وجهه و سيّلت دماءه و زعمت أنّك تقتله. فأمر به عبيد اللََّه*فلهز و تعتع‏ (2) ثمّ ترك فجلس. فأمّا ابن الأشعث فقال: رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أو علينا.

____________

(1) . ساير اليوم. ddate غدر. P. C

(2) . فارفعوه. R

30

و بلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاطوا بالقصر، و نادى: أنا عمرو بن الحجّاج، هذه فرسان مذحج و وجوهها، لم نخلع طاعة و لم نفارق جماعة. فقال عبيد اللََّه لشريح القاضي، و كان حاضرا:

ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثمّ اخرج إليهم فأعلمهم أنّه حيّ. ففعل شريح، فلمّا دخل عليه قال له هانئ‏: يا للمسلمين!أهلكت عشيرتي؟أين أهل الدين؟ أين أهل النصر (1) ؟أ يخلّونني‏[1] و عدوّهم و ابن عدوّهم!و سمع الضجّة فقال:

يا شريح إنّي لأظنّها أصوات مذحج و شيعتي من المسلمين، إنّه إن دخل عليّ عشرة نفر أنقذوني. فخرج شريح و معه عين أرسله ابن زياد، قال شريح: لو لا مكان العين لأبلغتهم قول هانئ. فلمّا خرج شريح إليهم قال: قد نظرت إلى صاحبكم و إنّه حيّ لم يقتل. فقال عمرو و أصحابه:

[فأمّا]إذ لم يقتل فالحمد للََّه!ثمّ انصرفوا.

و أتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه: يا منصور أمت!و كان شعارهم، و كان قد بايعه ثمانية عشر ألفا و حوله في الدور أربعة آلاف، فاجتمع إليه ناس كثير، فعقد مسلم لعبد اللََّه بن عزير الكنديّ على ربع كندة و قال:

سر أمامي، و عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج و أسد، و عقد لأبي ثمامة الصائدي‏ (2) على ربع تميم و همدان، و عقد لعبّاس بن جعدة الجد لي على ربع المدينة، و أقبل نحو القصر. فلمّا بلغ ابن زياد إقباله تحرّز في القصر و أغلق الباب، و أحاط مسلم بالقصر و امتلأ المسجد و السوق من الناس و ما زالوا يجتمعون حتى المساء، و ضاق بعبيد اللََّه أمره و ليس معه في القصر إلاّ ثلاثون رجلا من الشّرط و عشرون رجلا من الأشراف و أهل بيته و مواليه، و أقبل [1] أ يحزرونني.

____________

(1) . الصر. S

(2) . الصيدواني. R

31

أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الّذي يلي دار الروميّين و الناس يسبّون ابن زياد و أباه. فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي و أمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير و يخذّل الناس عن ابن عقيل و يخوّفهم، و أمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة و حضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، و قال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذّهليّ و شبث بن ربعيّ التميميّ و حجّار بن أبجر العجليّ و شمر بن ذي الجوشن الضبابيّ، و ترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم لقلّة من معه.

و خرج أولئك النفر يخذّلون‏ (1) الناس، و أمر عبيد اللََّه من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيمنّوا أهل الطاعة و يخوّفوا أهل المعصية، ففعلوا، فلمّا سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرّقون حتّى إنّ المرأة تأتي ابنها و أخاها و تقول: انصرف، الناس يكفونك، و يفعل الرجل مثل ذلك، فما زالوا يتفرّقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا.

فلمّا رأى ذلك خرج متوجّها نحو أبواب كندة، فلمّا خرج‏[إلى‏]الباب لم يبق معه أحد، فمضى في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب، فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة أمّ ولد كانت للأشعث و أعتقها فتزوّجها أسيد الحضرميّ فولدت له بلالا، و كان بلال قد خرج مع الناس و هي تنتظره، فسلّم عليها ابن عقيل و طلب الماء فسقته، فجلس، فقالت له: يا عبد اللََّه أ لم تشرب؟قال:

بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك، فسكت، فقالت له ثلاثا فلم يبرح، فقالت:

سبحان اللََّه!إنّي لا أحلّ لك الجلوس على بابي. فقال لها: ليس لي في هذا المصر منزل و لا عشيرة، فهل لك إلى أجر و معروف و لعلّي أكافئك به بعد اليوم؟قالت: و ما ذاك؟قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤلاء القوم و غرّوني.

قالت: ادخل. فأدخلته بيتا في دارها و عرضت عليه العشاء فلم يتعشّ. و جاء ـ

____________

(1) . يحدّثون. R

32

ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت، فقال لها: إنّ لك لشأنا في ذلك البيت.

و سألها فلم تخبره، فألحّ عليها فأخبرته و استكتمته و أخذت عليه الأيمان بذلك، فسكت.

و أمّا ابن زياد فلمّا لم يسمع الأصوات قال لأصحابه: انظروا هل ترون منهم أحدا؟فنظروا فلم يروا أحدا، فنزل إلى المسجد قبيل العتمة و أجلس أصحابه حول المنبر و أمر فنودي: [ألا]برئت الذمّة من رجل من الشّرط و العرفاء و المناكب و المقاتلة صلّى العتمة إلاّ في المسجد. فامتلأ المسجد، فصلّى بالناس ثمّ قام فحمد اللََّه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف و الشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره، و من أتانا به فله ديته.

و أمرهم بالطاعة و لزومها، و أمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثمّ يفتّش الدّور، و كان على الشّرط، و هو من بني تميم.

و دخل ابن زياد و عقد لعمرو بن حريث و جعله على الناس، فلمّا أصبح جلس للناس. و لما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل، فأتى عبد الرحمن أباه، و هو عند ابن زياد، فأسرّ إليه‏[1] بذلك، فأخبر به محمد ابن زياد، فقال له ابن زياد: قم فأتني به الساعة، و بعث معه عمرو بن عبيد اللََّه بن عبّاس السّلمي في سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل. فلمّا سمع الأصوات عرف أنّه قد أتي، فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثمّ عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا، و ضرب بكير بن حمران الأحمريّ فم مسلم فقطع شفته العليا و سقطت ثنيّتاه، و ضربه مسلم على رأسه و ثنّى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت و جعلوا يرمونه بالحجارة و يلهبون النار في القصب و يلقونها عليه. فلمّا رأى ذلك خرج عليهم [1] فأسرّه.

33

بسيفه فقاتلهم في السكّة، فقال له محمد بن الأشعث: لك الأمان فلا تقتل نفسك! فأقبل يقاتلهم و هو يقول:

أقسمت لا أقتل إلاّ حرّا # و إن رأيت الموت شيئا نكرا

أو يخلط البارد سخنا مرّا # ردّ شعاع الشّمس‏ (1) فاستقرّا

كلّ امرئ يوما يلاقي شرّا # أخاف أن أكذب أو أغرّا

فقال له محمد: إنّك لا تكذب و لا تخدع، القوم بنو عمّك و ليسوا بقاتليك و لا ضاربيك‏ (2) . و كان قد أنحن بالحجارة و عجز عن القتال، فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار، فآمنه ابن الأشعث و الناس غير عمرو بن عبيد اللََّه السّلميّ فإنّه قال: لا ناقة لي في هذا و لا جمل، و أتي ببغلة فحمل عليها و انتزعوا سيفه، فكأنّه أيس من نفسه، فدمعت عيناه ثمّ قال: هذا أوّل الغدر. قال محمد:

أرجو أن لا يكون عليك بأس. قال: و ما هو إلاّ الرجاء، أين أمانكم؟ثمّ بكى. فقال له عمرو بن عبيد اللََّه بن عبّاس السّلميّ: من يطلب مثل الّذي تطلب إذا نزل به مثل الّذي نزل بك لم يبك!فقال: ما أبكي لنفسي و لكنّي أبكي لأهلي المنقلبين‏ (3) إليكم، أبكي للحسين و آل الحسين. ثمّ قال لمحمد بن الأشعث: إنّي أراك ستعجز عن أماني فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالي و يقول له عني ليرجع بأهل بيته و لا يغرّه أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل؟فقال له ابن الأشعث:

و اللََّه لأفعلنّ!ثمّ كتب بما قال مسلم إلى الحسين، فلقيه الرسول بزبالة فأخبره، فقال: كلما قدر نازل عند اللََّه نحتسب أنفسنا و فساد أمّتنا.

و كان سبب مسيره من مكّة كتاب مسلم إليه يخبره أنّه بايعه ثمانية عشر ألفا و يستحثّه للقدوم. و أمّا مسلم فإنّ محمّدا قدم به القصر، و دخل محمد على

____________

(1) . النفس. S

(2) ضايريك. P. C

(3) . المنتقلين. R ;المقبلين. P. C

34

عبيد اللََّه فأخبره الخبر و أمانه له، فقال له عبيد اللََّه: ما أنت و الأمان!ما أرسلناك لتؤمنه إنّما أرسلناك لتأتينا به!فسكت محمد، و لما جلس مسلم على باب القصر رأى جرّة فيها ماء بارد، فقال: اسقوني من هذا الماء. فقال له مسلم بن عمرو الباهليّ: أ تراها ما أبردها!و اللََّه لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم!فقال له ابن عقيل: من أنت؟قال: أنا من عرف الحقّ إذ تركته، و نصح الأمّة و الإمام إذ غششته، و سمع و أطاع إذ عصيته، أنا مسلم بن عمرو. فقال له ابن عقيل: لأمّك الثكل ما أجفاك و أفظّك‏ (1) و أقسى قلبك و أغلظك!أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم و الخلود في نار جهنّم منّي! قال: فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصبّ له في قدح فأخذ ليشرب فامتلأ القدح دما، ففعل ذلك ثلاثا، فقال: لو كان من الرزق المقسوم شربته.

و أدخل على ابن زياد فلم يسلّم عليه بالإمارة، فقال له الحرسيّ: ألا تسلّم على الأمير؟فقال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، و إن كان لا يريد قتلي فليكثرنّ تسليمي عليه. فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلنّ!فقال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أوصّي إلى بعض قومي. قال: افعل. فقال لعمر بن سعد: إنّ بيني و بينك قرابة و لي إليك حاجة و هي سرّ، فلم يمكّنه من ذكرها، فقال له ابن زياد: لا تمتنع من حاجة ابن عمّك. فقام معه فقال: إنّ عليّ بالكوفة دينا استدنته‏[منذ قدمت الكوفة]سبعمائة درهم فاقضها عني و انظر جثّتي فاستوهبها فوارها و ابعث إلى الحسين من يردّه.

فقال عمر لابن زياد: إنّه قال كذا و كذا. فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين و لكن قد يؤتمن الخائن، أمّا مالك فهو لك تصنع به ما شئت، و أمّا الحسين فإن لم يردنا لم نرده، و إن أرادنا لم نكفّ عنه، و أمّا جثّته فإنّا لن نشفّعك فيها، و قيل إنّه قال: أمّا جثّته‏ فإنّا إذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها.

____________

(1) . و أقطعك. P. C

35

ثمّ قال لمسلم: يا ابن عقيل أتيت الناس و أمرهم جميع و كلمتهم واحدة لتشتّت بينهم و تفرّق كلمتهم!فقال: كلاّ و لكن أهل هذا المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم و سفك دماءهم و عمل فيهم أعمال كسرى و قيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل و ندعو إلى حكم الكتاب و السّنّة. فقال: و ما أنت و ذاك يا فاسق؟ أ لم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة؟قال: أنا أشرب الخمر!و اللََّه إنّ اللََّه يعلم أنّك تعلم أنّك غير صادق و أنّي لست كما ذكرت، و إنّ أحقّ الناس بشرب الخمر منّي من يلغ في دماء المسلمين فيقتل النفس التي حرّم اللََّه قتلها على الغضب و العداوة و هو يلهو و يلعب كأنّه لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: قتلني اللََّه إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام!قال: أما إنّك أحقّ من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أمّا إنّك لا تدع سوء القتلة و قبح المثلة و خبث السيرة و لؤم الغلبة و لا أحد من الناس أحقّ بها منك. فشتمه ابن زياد و شتم الحسين و عليّا و عقيلا، فلم يكلّمه مسلم، ثمّ أمر به‏ فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته و يتبعوا رأسه جسده، فقال مسلم لابن الأشعث: و اللََّه لو لا أمانك ما استسلمت، قم بسيفك دوني، قد أخفرت ذمّتك. فأصعد مسلم فوق القصر و هو يستغفر و يسبّح، و أشرف به على موضع الحدائين‏[1] فضربت عنقه، و كان الّذي قتله بكير بن حمران الّذي ضربه مسلم، ثمّ أتبع رأسه جسده.

فلمّا نزل بكير قاله له ابن زياد: ما كان يقول و أنتم تصعدون به؟قال:

كان يسبّح و يستغفر، *فلمّا أدنيته لأقتله‏[2] قلت له: ادن مني، الحمد للََّه الّذي *أمكن منك‏ (1) و أقادني منك!فضربته ضربة لم تغن شيئا، فقال: أما ترى في [1] (في الطبري: على موضع الجزّارين اليوم) .

[2]*فلمّا فتلته.

____________

(1) . Ste. P. C. mO

36

خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيّها العبد؟فقال ابن زياد: و فخرا عند الموت! قال: ثمّ ضربته الثانية فقتلته.

و قام محمد بن الأشعث فكلّم ابن زياد في هانئ و قال له: قد عرفت منزلتا في المصر و بيته، و قد علم قومه أنّي أنا و صاحبي سقناه إليك، فأنشدك اللََّه لما وهبته لي فإنّي أكره عداوة قومه. فوعده أن يفعل. فلمّا كان من مسلم ما كان بدا له فأمر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه، قتله مولى تركيّ لابن زياد، قال: *فبصر به‏ (1) عبد الرحمن بن الحصين المراديّ بعد ذلك بخازر (2) مع ابن زياد فقتله. فقال عبد اللََّه بن الزّبير الأسديّ في قتل هانئ و مسلم، و قيل قاله الفرزدق، (الزّبير بفتح الزاي و كسر الباء الموحّدة) :

فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري # إلى هانئ في السوق و ابن عقيل‏

إلى بطل قد هشّم السّيف وجهه # و آخر يهوي من طمار قتيل‏

و هي أبيات. و بعث ابن زياد برأسيهما إلى يزيد، فكتب إليه يزيد يشكره و يقول له: و قد بلغني أن الحسين قد توجّه نحو العراق، فضع المراصد و المسالح و احترس و احبس على التهمة و خذ على الظّنّة، غير أن لا تقتل إلاّ من قاتلك.

و قيل: و كان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال مضين من ذي الحجّة سنة ستّين، و قيل: لتسع مضين منه، قيل: و كان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد و عبد اللََّه بن الحارث بن نوفل، فطلبهما ابن زياد و حبسهما، و كان فيمن قاتل مسلما محمّد بن الأشعث و شبث بن ربعيّ التميميّ و القعقاع بن شور، و جعل شبث يقول: انتظروا بهم الليل يتفرّقوا، فقال له القعقاع:

إنّك قد سددت عليهم وجه مهربهم فافرج لهم يتفرّقوا.

____________

(1) . فضربه. S

(2) . يحارب. R

37

ذكر مسير الحسين إلى الكوفة

قيل: لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه أتاه عمر (1)

ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و هو بمكّة فقال له: إنّي أتيتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنّك مستنصحي قلتها و أدّيت ما عليّ من الحقّ فيها، و إن ظننت أنّك لا مستنصحي كففت عمّا أريد.

فقال له: قل فو اللََّه ما أستغشّك و ما أظنّك بشي‏ء من الهوى. قال له: قد بلغني أنّك تريد العراق، و إنّي مشفق عليك، إنّك تأتي بلدا فيه عمّاله و أمراؤه و معهم بيوت الأموال، و إنّما الناس عبيد الدنيا و الدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره و من أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه. فقال له الحسين: جزاك اللََّه خيرا يا ابن عمّ، فقد علمت أنّك مشيت بنصح و تكلّمت بعقل، و مهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مشير، و أنصح ناصح.

قال: و أتاه عبد اللََّه بن عبّاس فقال له: قد أرجف الناس أنّك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟فقال له: قد أجمعت السير في أحد يوميّ هذين إن شاء اللََّه تعالى. فقال له ابن عبّاس: فإنّي أعيذك باللََّه من ذلك، خبّرني، رحمك اللََّه، أ تسير إلى قوم قتلوا أميرهم و ضبطوا بلادهم و نفوا عدوّهم؟فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، و إن كانوا إنّما دعوك إليهم و أميرهم عليهم قاهر لهم و عمّاله تجبي بلادهم فإنّما دعوك إلى الحرب، و لا آمن عليك أن يغرّوك و يكذّبوك و يخالفوك و يخذلوك و يستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك. فقال الحسين: فإنّي أستخير اللََّه و انظر ما يكون.

____________

(1) . عمرو. Rte. P. C

38

فخرج ابن عبّاس و أتاه ابن الزّبير فحدّثه ساعة ثمّ قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم و كفّنا عنهم و نحن أبناء المهاجرين و ولاة هذا الأمر دونهم، خبّرني ما تريد أن تصنع؟فقال الحسين: لقد حدّثت نفسي بإتيان الكوفة، و لقد كتبت إليّ شيعتي بها و أشراف الناس و أستخير اللََّه. فقال له ابن الزّبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها. ثمّ خشي أن يتّهمه فقال له: أما إنّك لو أقمت بالحجاز ثمّ أردت هذا الأمر هاهنا لما خالفنا عليك و ساعدناك و بايعناك و نصحنا لك. فقال له الحسين: إنّ أبي حدّثني أنّ لها كبشا به تستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش. قال: فأقم إن شئت و تولّيني أنا الأمر فتطاع و لا تعصى. قال: و لا أريد هذا أيضا. ثمّ إنّهما أخفيا كلامهما[دوننا]، فالتفت الحسين إلى من هناك و قال: أ تدرون ما يقول؟قالوا: لا ندري، جعلنا اللََّه فداك!قال: إنّه يقول: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس، ثمّ قال له الحسين: و اللََّه لئن أقتل خارجا منها بشبر أحبّ إليّ من أن أقتل فيها، و لأن أقتل خارجا منها بشبرين أحبّ إليّ من أن أقتل خارجا منها بشبر، و ايم اللََّه لو كنت في جحر[1] هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم!و اللََّه ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت. فقام ابن الزّبير فخرج من عنده.

فقال الحسين: إنّ هذا ليس شي‏ء من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز، و قد علم أن الناس لا يعدلونه بي فودّ أنّي خرجت حتى يخلو له.

قال: فلمّا كان من العشيّ أو من الغد أتاه ابن عبّاس فقال: يا ابن عمّ، إنّي أتصبّر و لا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك و الاستئصال، إنّ أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم، أقم في هذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم [1] حجر.

39

و عدوّهم ثمّ أقدم عليهم، فإن أبيت إلاّ أن تخرج فسر إلى اليمن فإنّ بها حصونا و شعابا، و هي أرض عريضة طويلة، و لأبيك بها شيعة، و أنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس و ترسل و تبثّ دعاءك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الّذي تحبّ في عافية.

فقال له الحسين: يا ابن عمّ إنّي و اللََّه لأعلم أنّك ناصح مشفق، و قد أزمعت و أجمعت المسير. فقال له ابن عبّاس: فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك و صبيتك فإنّي لخائف أن تقتل كما قتل عثمان و نساؤه و ولده ينظرون إليه.

ثمّ قال له ابن عبّاس: لقد أقررت عين ابن الزّبير بخروجك من الحجاز و هو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، و اللََّه الّذي لا إله إلاّ هو لو أعلم أنّك إذا أخذت بشعرك و ناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك.

ثمّ خرج ابن عبّاس من عنده فمرّ بابن الزّبير فقال: قرّت عينك يا ابن الزّبير!ثمّ أنشد قائلا:

يا لك من قبرة بمعمر # خلا لك الجوّ فبيضي و اصفري‏

و نقّري ما شئت أن تنقّري‏

هذا الحسين يخرج إلى العراق و يخلّيك و الحجاز.

قيل: و كان الحسين يقول: و اللََّه لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط اللََّه عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فرم المرأة.

قال: و الفرم خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت.

ثمّ خرج الحسين يوم التّروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، و هو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى، يمنعونه، فأبى عليهم و مضى، و تضاربوا بالسياط، و امتنع الحسين و أصحابه و ساروا فمرّوا بالتّنعيم،

40

فرأى بها عيرا قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان‏ (1) من اليمن إلى يزيد ابن معاوية، و كان عامله على اليمن، و على العير الورس و الحلل، فأخذها الحسين و

قال لأصحاب الإبل: من أحبّ منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه و أحسنّا صحبته، و من أحبّ أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء، فمن فارق منهم أعطاه حقّه، و من سار معه أعطاه كراءه و كساه.

ثمّ سار،

فلمّا انتهى إلى الصّفاح لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: أعطاك اللََّه سؤلك و أملك فيما تحبّ. فقال له الحسين: بيّن لي خبر الناس خلفك.

قال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، و سيوفهم مع بني أميّة، و القضاء ينزل من السماء، و اللََّه يفعل ما يشاء. فقال الحسين: صدقت، للََّه الأمر يفعل ما يشاء و كلّ يوم ربّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد اللََّه على نعمائه و هو المستعان على أداء الشكر، و إن حال القضاء دون الرّجاء فلم يعتد من كان الحقّ نيّته، و التقوى سريرته.

قال: و أدرك الحسين كتاب عبد اللََّه بن جعفر مع ابنيه عون‏ (2) و محمّد، و فيه: أمّا بعد فإنّي أسألك باللََّه لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإنّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك و استئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض‏ (3) ، فإنّك علم المهتدين و رجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإنّي في إثر كتابي، و السلام.

و قيل: و قام عبد اللََّه بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له: اكتب للحسين كتابا تجعل له الأمان فيه و تمنّيه فيه البرّ و الصلة و اسأله الرجوع. و كان عمرو عامل يزيد على مكّة،

ففعل عمرو ذلك و أرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد و مع عبد اللََّه بن جعفر، فلحقاه و قرءا عليه الكتاب و جهدا أن يرجع، فلم يفعل،

____________

(1) . ريان. Rte. P. C

(2) . عبيد اللََّه. R

(3) . الدين. P. C

41

و كان ممّا اعتذر به إليهما أن قال: إنّي رأيت رؤيا رأيت فيها رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أمرت فيها بأمر أنا ماض له، عليّ كان أو لي. فقالا:

ما تلك الرؤيا؟قال: ما حدّثت بها أحدا و ما أنا محدّث بها أحدا حتى ألقى ربّي.

و لما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكّة بعث الحصين بن نمير (1) التميميّ صاحب شرطته فنزل القادسيّة و نظم الخيل ما بين القادسيّة إلى خفّان، و ما بين القادسيّة إلى القطقطانة و إلى جبل لعلع. فلمّا بلغ الحسين الحاجر كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر (2) الصيداوي يعرّفهم قدومه و يأمرهم بالجد في أمرهم، فلمّا انتهى قيس إلى القادسيّة أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد، فقال له ابن زياد: اصعد القصر فسبّ الكذّاب ابن الكذّاب الحسين ابن عليّ. فصعد قيس فحمد اللََّه و أثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خلق اللََّه، ابن فاطمة بنت رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أنا رسوله إليكم و قد فارقته بالحاجر (3) فأجيبوه، ثمّ لعن ابن زياد و أباه و استغفر لعليّ.

فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطّع فمات.

ثمّ أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه‏ (4) العرب، فإذا عليه عبد اللََّه بن مطيع، فلمّا رآه قام إليه فقال: بأبي أنت و أمّي يا ابن رسول اللََّه! ما أقدمك؟فاحتمله فأنزله، فأخبره الحسين، فقال له عبد اللََّه: أذكّرك اللََّه يا ابن رسول اللََّه و حرمة الإسلام‏ أن تنتهك، أنشدك اللََّه في حرمة قريش، أنشدك اللََّه في حرمة العرب، فو اللََّه لئن طلبت ما في أيدي بني أميّة ليقتلنّك، و لئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا، و اللََّه إنّها لحرمة الإسلام‏[تنتهك‏] و حرمة قريش و حرمة العرب، فلا تفعل و لا تأت الكوفة و لا تعرّض نفسك لبني أميّة!فأبى إلاّ أن يمضي.

____________

(1) . تميم. S ;النمير. P. C

(2) . الأسدي ثم. dda. P. C

(3) . الحاجز. S

(4) . فيه سقاة. R

42

و كان زهير بن القين البجليّ قد حجّ، و كان عثمانيّا، فلمّا عاد جمعهما الطريق، و كان يساير الحسين من مكّة إلاّ أنّه لا ينزل معه، فاستدعاه يوما الحسين فشقّ عليه ذلك ثمّ أجابه على كره، فلمّا عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثمّ قالا لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني و إلاّ فإنّه آخر العهد، و سأحدّثكم حديثا، غزونا بلنجر (1) ففتح علينا و أصبنا غنائم ففرحنا و كان معنا سلمان الفارسيّ فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد (2) فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فأستودعكم اللََّه!ثمّ طلّق زوجته و قال لها: الحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يصيبك في سببي إلاّ خير.

و لزم الحسين حتى قتل معه.

و

أتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبيّة فقال له بعض أصحابه: ننشدك إلاّ رجعت من مكانك فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر و لا شيعة بل نتخوّف عليك أن يكونوا عليك!فوثب‏[1] بنو عقيل و قالوا: و اللََّه لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم!فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء. فقال له بعض أصحابه: إنّك و اللََّه ما أنت‏ (3) مثل مسلم بن عقيل، و لو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع.

ثمّ ارتحلوا فانتهوا إلى زبالة، و كان لا يمرّ بماء إلاّ اتبعه من عليه حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد اللََّه ابن يقطر (4) ، و كان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق و هو لا يعلم بقتله، فأخذته خيل الحصين، فسيّره من القادسيّة إلى ابن زياد، فقال له: اصعد فوق القصر و العن الكذّاب ابن الكذّاب ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي. فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين و لعن ابن زياد و أباه، فألقاه من القصر فتكسّرت [1] فوثبوا.

____________

(1) . شجر. R

(2) . الجنة. P. C

(3) . أتيت. R

(4) . القطر. R ;يقطين. P. C

43

عظامه و بقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخميّ فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: إنّما أردت أن أريحه.

قال بعضهم: لم يكن الّذي ذبحه عبد الملك بن عمير و لكنّه رجل يشبه عبد الملك.

فلمّا أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة و مسلم بن عقيل‏ أعلم الناس ذلك و قال: قد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام.

فتفرّقوا يمينا و شمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكّة، و إنّما فعل ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب ظنّوا أنّه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا علام يقدمون.

ثمّ سار حتى نزل بطن العقبة، فلقيه رجل من العرب فقال له: أنشدك اللََّه لما انصرفت فو اللََّه ما تقدم إلاّ على الأسنّة[1] و حدّ السيوف، إنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال و وطّئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأيا، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل. فقال:

إنّه لا يخفى عليّ ما ذكرت و لكنّ اللََّه، عزّ و جلّ، لا يغلب على أمره.

ثمّ ارتحل منها.

ذكر عدّة حوادث‏

و في هذه السنة حجّ بالناس عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، و كان العامل على مكّة و المدينة. *و فيها مات جرهد الأسلميّ له صحبة (1) . و في أيّام معاوية [1] الألسنة. ـ

____________

(1) . P. C. mO

44

مات حارثة بن النعمان الأنصاري، و هو بدريّ. و في أيّامه أيضا مات دحية ابن خليفة الكلبيّ الّذي كان يشبهه جبرائيل إذا أنزل بالوحي. و في أوّل خلافته مات رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاريّ، و كان بدريّا، و شهد مع عليّ الجمل و صفّين. و في أيّامه مات عمرو بن أميّة الضمريّ‏ (1) بالمدينة.

و في أيّامه مات عثمان بن حنيف الأنصاريّ، *و عثمان بن أبي العاص الثقفي.

و في أيّامه مات‏ (2) عتبان بن مالك الأنصاريّ، *شهد بدرا. و في أيّام معاوية مات سهل بن الحنظليّة، و هو ابن الربيع الأنصاريّ‏ (3) ، بدمشق. و في أيّامه بعد سنة سبع و خمسين مات السائب بن أبي وداعة (4) السهميّ. و مات في أيّامه سراقة بن عمرو الأنصاريّ، و هو بدريّ. و في أيّامه مات زياد بن لبيد الأنصاريّ في أوّلها، و هو بدريّ. و في أيّامه مات معقل بن يسار المزنيّ، و إليه ينسب نهر معقل بالبصرة، *و قيل: مات في أيّام يزيد.

(معقل بالعين المهملة و القاف. و يسار بالياء المثناة و السين المهملة) .

و في أيّامه‏ (5) مات ناجية بن جندب بن عمير صاحب بدن النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم. و فيها مات نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاريّ، و هو الّذي كان فيه مزاح و دعابة، و شهد بدرا، و قيل: بل الّذي مات ابنه.

و في آخر أيّامه مات عبد اللََّه بن مالك بن بحينة (6) ، له صحبة. و فيها مات عبد اللََّه بن مغفّل بن عبد غنم المزنيّ بالبصرة.

(و مغفّل بضمّ الميم، و فتح الغين المعجمة، و فتح الفاء المشدّدة) .

و في أيّامه مات هند بن جارية بن هند الأسلميّ. و في سنة ستّين توفّي حكيم بن حزام و له مائة و عشرون سنة، ستّون في الجاهليّة و ستّون في الإسلام. و فيها مات أبو أسيد الساعديّ، و اسمه مالك بن ربيعة، و هو بدريّ،

____________

(1) . الضميري. R

(2-5) . P. C. mO

(3) . R. mO

(4) . دراعة. P. C

(6) . بحيرة. R;. P. C. mO

45

*و قيل: مات سنة خمس و ستّين‏ (1) ، و هو آخر من مات من البدريّين، و قيل:

مات سنة ثلاثين، و لا يصحّ. و في أوّل أيّام معاوية مات أبو بردة هانئ بن نيار البلوي حليف الأنصار، و هو عقبيّ بدري، و شهد مع عليّ حروبه كلّها. و في أيّامه مات أبو ثعلبة الخشنيّ، له صحبة، و قيل: مات سنة خمس و سبعين. و في أيّامه مات أبو جهم بن حذيفة العدويّ القرشي في آخرها، و قيل: شهد بنيان الكعبة أيّام ابن الزّبير، و كان قد شهد قريشا حين بنتها.

و في أوّل أيّامه مات*أبو حثمة الأنصاريّ والد سهل‏ (2) . *و في آخر أيّامه مات‏ (3)

أبو قيس الجهنيّ، شهد الفتح. *و في سنة ستّين توفّي‏ (4) صفوان بن المعطّل السّلميّ بسميساط، و قيل: إنّه قتل شهيدا*قبل هذا (5) . و فيها توفّيت الكلابيّة التي استعاذت من النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، حين تزوّجها ففارقها، و كانت قد أصابها جنون، و توفّي بلال بن الحارث المزنيّ أبو عبد الرحمن.

و في آخر أيّامه مات وائل بن حجر الحضرميّ، و أبو إدريس الخولانيّ.

(هند بن جارية بالجيم، و الياء المثناة من تحتها. و حارثة بن النعمان بالحاء المهملة، و الثاء المثلثة. أبو أسيد بضم الهمزة و فتح السين) .

____________

(1) . P. C. mO

(2) . R. mO

(3-4) . S

(5) . P. C. mO

46

61 ثم دخلت سنة إحدى و ستين‏

ذكر مقتل الحسين، رضي اللََّه عنه‏

و سار الحسين بن شراف، فلمّا انتصف النهار كبّر رجل من أصحابه، فقال له: ممّ كبّرت؟قال: رأيت النّخل. فقال رجلان من بني أسد: ما بهذه الأرض نخلة قطّ!فقال الحسين: فما هو؟فقالا: لا نراه إلا هوادي الخيل. فقال: و أنا أيضا أراه ذلك. و قال لهما: أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا و نستقبل القوم من وجه واحد؟فقالا: بلى، هذا ذو حسم‏[1] إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد. فمال إليه، فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل و عدلوا إليهم، فسبقهم الحسين إلى الجبل‏ فنزل، و

جاء القوم و هم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميميّ ثمّ اليربوعيّ، فوقفوا مقابل الحسين و أصحابه في حرّ[2] الظهيرة، فقال الحسين لأصحابه و فتيانه: اسقوا القوم و رشّفوا الخيل ترشيفا.

ففعلوا، و كان مجي‏ء القوم من القادسيّة، أرسلهم الحصين بن نمير التميميّ في هذه الألف يستقبل الحسين، فلم يزل مواقفا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين مؤذّنه بالأذان، فأذّن، و خرج الحسين إليهم فحمد اللََّه و أثنى عليه ثمّ‏

قال: [1] ذو حشم.

[2] نحر.

47

أيّها الناس إنّها معذرة إلى اللََّه و إليكم، إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم و رسلكم أن أقدم إلينا فليس لنا إمام لعلّ اللََّه أن يجعلنا بك على الهدى، فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم أقدم مصركم، و إن لم تفعلوا أو كنتم لمقدمي‏[1] كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الّذي أقبلت منه.

فسكتوا و قالوا للمؤذّن: أقم، فأقام، و قال الحسين للحرّ: أ تريد أن تصلّي أنت بأصحابك؟فقال: بل صلّ أنت و نصلّي بصلاتك. فصلّى بهم الحسين، ثمّ دخل و اجتمع إليه أصحابه و انصرف الحرّ إلى مكانه، ثمّ صلّى بهم الحسين العصر، ثمّ استقبلهم بوجهه فحمد اللََّه و أثنى عليه ثمّ قال:

أمّا بعد أيّها الناس فإنّكم إن تتّقوا اللََّه و تعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى للََّه، و نحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم و السائرين فيكم بالجور و العدوان. فإن أنتم كرهتمونا و جهلتم حقّنا و كان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم و رسلكم انصرفت عنكم.

فقال الحرّ: إنّا و اللََّه ما ندري ما هذه الكتب و الرسل التي تذكر.

فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين أيديهم. فقال الحرّ: فإنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، و قد أمرنا أنّا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد اللََّه بن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك!ثمّ أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحرّ من ذلك.

فقال له الحسين: ثكلتك أمّك!ما تريد؟قال له: أما[2] و اللََّه لو غيرك من العرب يقولها[لي‏]ما تركت ذكر أمّه بالثكل كائنا من كان، و لكني و اللََّه ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما يقدر عليه. فقال له الحسين: ما تريد؟قال الحرّ: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد. قال الحسين: إذن و اللََّه لا [1] بمقدمي.

[2] أم.

48

أتبعك. قال الحرّ: إذن و اللََّه لا أدعك.

فترادّا الكلام، فقال له الحرّ:

إنّي لم أؤمر بقتالك و إنّما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، [فإذا أبيت‏]فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة و لا تردّك إلى المدينة حتى أكبت إلى ابن زياد و تكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعلّ اللََّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشي‏ء من أمرك. فتياسر عن طريق العذيب و القادسيّة و الحرّ يسايره.

ثمّ‏

إنّ الحسين خطبهم فحمد اللََّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلاّ لحرم اللََّه ناكثا لعهد اللََّه مخالفا لسنّة رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، يعمل في عباد اللََّه بالإثم و العدوان‏ فلم يغيّر ما عليه بفعل و لا قول كان حقّا على اللََّه أن يدخله مدخله. ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن و أظهروا الفساد و عطلوا الحدود و استأثروا بالفي‏ء و أحلّوا حرام اللََّه و حرّموا حلاله، و أنا أحقّ من غيّر، و قد أتتني كتبكم و رسلكم ببيعتكم، و أنّكم لا تسلموني و لا تخذلوني، فإن تممتم‏ (1) على بيعتكم تصيبوا رشدكم، و أنا الحسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، نفسي مع أنفسكم، و أهلي مع أهلكم، فلكم فيّ أسوة، و إن لم تفعلوا و نقضتم عهدي و خلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير، لقد فعلتموها بأبي و أخي و ابن عمّي مسلم بن عقيل، و المغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، و نصيبكم ضيّعتم، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ [1] و سيغني اللََّه عنكم، و السلام.

فقال له الحرّ: إنّي أذكرك اللََّه في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ.

[1] (سورة الفتح 48، الآية 10) .

____________

(1) . أقمتم. R

49

فقال له الحسين: أ بالموت تخوّفني؟و هل يعدو بكم‏[1] الخطب أن تقتلوني؟و ما أدري ما أقول لك!و لكني أقول كما قال أخو الأوسيّ‏ لابن عمّه و هو يريد نصرة رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال له: أين تذهب؟فإنّك مقتول! فقال:

سأمضي و ما بالموت عار على الفتى # إذا ما نوى خيرا (1) و جاهد مسلما

و واسى رجالا صالحين بنفسه # و خالف مثبورا (2) و فارق مجرما (3)

فإن عشت لم أندم و إن متّ لم ألم # كفى بك ذلاّ أن تعيش و ترغما

فلمّا سمع ذلك الحرّ تنحّى عنه، فكان يسير ناحية عنه حتى انتهى إلى عذيب الهجانات، كان به هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها، فإذا هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون‏ (4) فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل و معهم دليلهم الطّرمّاح بن عديّ و انتهوا إلى الحسين،

فأقبل إليهم الحرّ و قال: إنّ هؤلاء النفر من أهل الكوفة و أنا حابسهم أو رادّهم. فقال الحسين: لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي، إنّما هؤلاء أنصاري و هم بمنزلة من جاء معي، فإن تممت‏ (5) على ما كان بيني و بينك و إلاّ ناجزتك. فكفّ الحرّ عنهم، فقال لهم الحسين: أخبروني خبر الناس خلفكم. فقال له مجمّع بن عبيد اللََّه العائذيّ‏ (6) ، و هو أحدهم: أمّا أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، و ملئت غرائرهم، فهم ألب واحد عليك، و أمّا سائر الناس بعدهم فإنّ قلوبهم تهوي إليك و سيوفهم غدا مشهورة عليك.

[1] يعدونكم.

____________

(1) . ثوى حرا. R

(2) . مستورا. R

(3) . مجربا. P. C

(4) . يحثون. R

(5) . أقمت. R

(6) . العامري. R

50

و سألهم عن رسوله قيس بن مسهر، فأخبروه بقتله و ما كان منه، فترقرقت عيناه بالدموع و لم يملك دمعته، ثمّ قرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (1) ، اللََّهمّ اجعل لنا و لهم الجنّة و اجمع بيننا و بينهم في مستقرّ رحمتك رغائب مذخور ثوابك.

و قال له الطّرمّاح بن عديّ: و اللََّه ما أرى معك كثير أحد، و لو لم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، و لقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة و فيه من الناس ما لم تر عيناي جمعا في صعيد واحد أكثر منه قطّ ليسيروا إليك، فأنشدك اللََّه إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرا فافعل، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك اللََّه به حتى ترى رأيك و يستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ، فهو و اللََّه جبل امتنعنا به من ملوك غسّان و حيمر و النعمان بن المنذر و من الأحمر و الأبيض‏[1]، و اللََّه ما إن دخل علينا ذلّ قطّ، فأسير معك حتى أنزلك‏[القريّة]، ثمّ‏

تبعث إلى الرجال ممّن بأجأ و سلمى من طيِّئ، فو اللََّه لا يأتي عليك عشرة أيّام حتى يأتيك طيِّئ رجالا و ركبانا، ثمّ أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يضربون بين يديك بأسيافهم، فو اللََّه لا يوصل إليك أبدا و فيهم عين تطرف. فقال له:

جزاك اللََّه و قومك خيرا!إنّه قد كان بيننا و بين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف و لا ندري علام*تتصرّف بنا و بهم‏ (2) الأمور. فودّعه و سار إلى أهله و وعده أن يوصل الميرة إلى أهله و يعود إلى نصره، ففعل، ثمّ عاد إلى الحسين، فلمّا بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله.

ثمّ سار الحسين حتى بلغ قصر بني مقاتل فرأى فسطاطا مضروبا فقال:

[1] (في الطبري: الأسود و الأحمر) .

____________

(1) . 23. sv ,33 inaroC

(2) . تنصرف بيننا و بينهم. P. C

51

لمن هذا؟فقيل: لعبيد اللََّه بن الحرّ الجعفيّ. فقال: ادعوه لي. فلمّا أتاه الرسول يدعوه قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و اللََّه ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهية أن يدخلها الحسين و أنا بها، و اللََّه ما أريد أن أراه و لا يراني. فعاد الرسول إلى الحسين فأخبره، فلبس الحسين نعليه ثمّ جاء فسلّم عليه و دعاه إلى نصره،

فأعاد عليه ابن الحرّ تلك المقالة، قال‏: فإن لا تنصرني فاتّق اللََّه أن تكون ممّن يقاتلنا، فو اللََّه لا يسمع و أعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك. فقال له: أمّا هذا فلا يكون أبدا إن شاء اللََّه تعالى.

ثمّ قام الحسين فخرج إلى رحله ثمّ سار ليلا ساعة فخفق برأسه خفقة ثمّ انتبه و هو

يقول: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و الحمد للََّه ربّ العالمين. فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسين فقال: يا أبت جعلت فداك!ممّ حمدت و استرجعت؟ قال: يا بنيّ إنّي خفقت‏[برأسي‏]خفقة فعنّ لي فارس على فرس، فقال:

القوم يسيرون و المنايا تسير إليهم، فعلمت أنّ أنفسنا نعيت إلينا (1) . فقال: يا أبت لا أراك اللََّه سوءا. أ لسنا على الحقّ؟قال: بلى و الّذي يرجع إليه العباد. قال:

إذن لا نبالي أن نموت محقّين. فقال له: جزاك اللََّه من ولد خيرا ما جزى ولدا عن والده.

فلمّا أصبح نزل فصلّى ثمّ عجّل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم، فأتى الحرّ فردّه و أصحابه، فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّا شديدا امتنعوا عليه و ارتفعوا، فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى، المكان الّذي نزل به الحسين، فلمّا نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة، فوقفوا ينتظرونه، فسلّم على الحرّ و لم يسلّم على الحسين و أصحابه، و دفع إلى الحرّ كتابا من ابن زياد، فإذا فيه: أمّا بعد فجعجع بالحسين‏[1] حين يبلغك كتابي و يقدم عليك [1] (جعجع بالحسين: أي ألزمه الجعجاع و هو المكان الضّيّق الخشن) .

____________

(1) . دعيت لنا. R

52

رسولي فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن و على غير ماء، و قد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، و السلام.

فلمّا قرأ الكتاب قال لهم الحرّ: هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الّذي يأتيني فيه كتابه، و قد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه و أمره. و أخذهم الحرّ بالنزول على غير ماء و لا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في نينوى أو الغاضريّة أو شفيّة (1) . فقال: لا أستطيع، هذا الرجل قد بعث عينا عليّ.

فقال زهير بن القين للحسين: إنّه لا يكون و اللََّه بعد ما ترون إلاّ ما هو أشدّ منه يا ابن رسول اللََّه، و إنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به!فقال الحسين:

ما كنت لأبدأهم بالقتال. فقال له زهير: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنّها حصينة و هي على شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجي‏ء بعدهم. فقال الحسين: ما هي؟قال: العقر. قال: اللََّهمّ إنّي أعوذ بك من العقر!

ثمّ نزل، و ذلك يوم الخميس الثاني من محرّم سنة إحدى و ستّين.

فلمّا كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف، و كان سبب مسيره إليه أنّ عبيد اللََّه بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف إلى دستبى، و كانت الديلم قد خرجوا إليها و غلبوا عليها، و كتب له عهده على الريّ، فعسكر بالناس في حمّام أعين، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان دعا ابن زياد عمر بن سعد و قال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا ممّا بيننا و بينه سرت إلى عملك. فاستعفاه. فقال: نعم، على أن تردّ عهدنا. فلمّا قال له ذلك قال: أمهلني اليوم حتى انظر. فاستشار نصحاءه فكلّهم نهاه، و أتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة، و هو ابن أخته، فقال: أنشدك اللََّه يا خالي

____________

(1) . أو سعة. R

53

أن تسير إلى الحسين فتأثم و تقطع رحمك، فو اللََّه لأن تخرج من دنياك و مالك و سلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى اللََّه بدم الحسين!فقال: أفعل.

و بات ليلته مفكّرا في أمره، فسمع و هو يقول:

أ أترك ملك الرّيّ و الرّيّ رغبة (1) # أم ارجع مذموما بقتل حسين‏

و في قتله النار التي ليس دونها # حجاب و ملك الرّيّ قرّة عين‏

ثمّ أتى ابن زياد فقال له: إنّك قد ولّيتني هذا العمل و سمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل و ابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست‏ (2) أغنى‏[1] في الحرب منه، و سمّى أناسا. فقال له ابن زياد: لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا و إلاّ فابعث إلينا بعهدنا. قال: فإنّي سائر. فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين، فلمّا نزل به بعث إليه رسولا يسأله ما الّذي جاء به،

فقال الحسين: كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم، فأمّا إذ كرهوني فإنّي أنصرف عنهم.

فكتب عمر إلى ابن زياد يعرّفه ذلك، فلمّا قرأ ابن زياد الكتاب قال:

الآن إذ (3) علقت مخالبنا به # يرجو النّجاة وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ (4)

ثمّ كتب إلى عمر يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأينا رأينا، و أن يمنعه و من معه الماء. فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة و حالوا بين الحسين و بين الماء، و ذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيّام، و

نادى عبد اللََّه بن أبي الحصين‏ (5) الأزديّ، و عداده في بجيلة: يا حسين أما تنظر إلى الماء؟لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا! [1] أعني.

____________

(1) . منبتي. R

(2) . شئت. P. C

(3) . حين. S

(4) . tnusatpircsaunitnoceiresabrevibU ,. S. mO

(5) . حصين. R ;حصن. P. C ;الحضر. S

54

فقال الحسين: اللََّهمّ اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا.

قال: فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء (1) القلّة ثمّ يقي‏ء[1] ثمّ يعود فيشرب*حتى يبغر ثمّ يقي‏ء[2] ثمّ يشرب فما يروى، فما زال كذلك حتى مات.

فلمّا اشتدّ العطش على الحسين و أصحابه أمر أخاه العبّاس بن عليّ فسار في عشرين راجلا يحملون القرب و ثلاثين فارسا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه و ملئوا القرب و عادوا، ثمّ بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري أن القني الليلة بين عسكري و عسكرك. فخرج إليه عمر، فاجتمعا و تحادثا طويلا ثمّ انصرف كلّ واحد منهما إلى عسكره، و

تحدّث الناس أنّ الحسين قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية و ندع العسكرين فقال عمر: أخشى أن تهدم داري. قال: أبنيها لك خيرا منها. قال: تؤخذ ضياعي. قال: أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز.

فكره ذلك عمر.

و تحدّث الناس بذلك و لم يسمعوه، و قيل: بل قال له: اختاروا مني واحدة من ثلاث: إمّا أن أرجع إلى المكان الّذي أقبلت منه، و إمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني و بينه رأيه، و إمّا أن تسيروا بي إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم و عليّ ما عليهم.

و قد

روي عن عقبة بن سمعان أنّه قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة و من مكّة إلى العراق و لم أفارقه حتى قتل، و سمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله، فو اللََّه ما أعطاهم ما يتذاكر (2) الناس‏ (3) أنّه يضع يده في يد يزيد، و لا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، و لكنّه قال: دعوني أرجع إلى [1] بقي.

[2]*حتى يتّغر ثمّ بقي. (و بغر يبغر: شرب و لم يرو) .

____________

(1) . S. mO

(2) . به. dda. R

(3) . من. dda. R