الفتوح - ج8

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
443 /
215

المجلد الثامن‏

كتاب الفتوح للعلاّمة أبي محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (المتوفى نحو سنة 314 هـ/926 هـ) الجزء الثامن‏

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

خلافة يزيد بن عبد الملك‏[ (1) ]

ذكر فتنة يزيد بن المهلب و خروجه على يزيد ابن عبد الملك‏

قال: فلما أفضت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك لم يكن له همة إلا طلب يزيد بن المهلب، فكتب إلى عدي بن أرطاة الفزاري‏[ (2) ]و هو عامله على العراقين يأمره أن يأخذ كل من قدر عليه بالبصرة من بني عمه و شيعته فيستوثق منهم و يحبسهم. فلما ورد الكتاب على عدي بن أرطاة بعث المفضل و حبيب و مروان و حماد و جميع إخوة يزيد بن المهلب فحبسهم و حبس مواليهم و شيعتهم. قال: و أقبل يزيد بن المهلب من بلاد الشام و هو لا يعلم أن الكتاب قد سبق إلى البصرة و قد حبس إخوته و مواليه و شيعتهم، فلما نزل بموضع يقال له القطقطانة[ (3) ]اتصل به الخبر بموت عمر بن عبد العزيز و ولاية يزيد بن عبد الملك و حبس إخوته بالبصرة، فاغتم لذلك غما شديدا، و لم يكن معه في وقته ذلك إلا أقل من مائة رجل ممن اتبعه من أهل الشام و من مواليه و بني عمه. قال: و بلغ ذلك عبد الحميد بن عبد الرحمن عامل الكوفة فدعا برجل يقال له هشام بن‏[مساحق بن‏][ (4) ]عبد اللّه بن مخرمة الكناني و ضم إليه ثلاثمائة رجل من أهل الكوفة، و أمره بالمسير إلى يزيد بن المهلب، [ (1) ]زيادة عن هامش الأصل.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن و إلى عدي بن أرطاة يأمرهما بالتحرز من يزيد و يعرفهما هربه.

[ (3) ]بالأصل القطقطانية، و ما أثبت عن الطبري و ابن الأثير.

[ (4) ]زيادة عن الطبري.

218

و قال: انظر إن قدرت أن تأتيني به أسيرا فافعل!فقال له هشام بن‏[مساحق بن‏] عبد اللّه: أيها الأمير: لك علي أن آتيك به في حبل!قال: ثم خرج هشام بن [مساحق بن‏]عبد اللّه فيمن معه من أصحابه حتى نزل العذيب‏[ (1) ]، و رحل يزيد بن المهلب من القطقطانة[ (2) ]نحو البصرة، فلم يقدر عليه هشام بن‏[مساحق بن‏] عبد اللّه، فأنشأ بعضهم يقول في ذلك:

و سار ابن المهلب في نفير # و أحجم عنه شيخ بني كنانه‏[ (3) ]

و عرّس و البنانة كان حزما # و لم يعرف قصور القطقطانة[ (4) ]

قال: و رجع هشام‏[بن مساحق‏]بن عبد اللّه خائبا إلى الكوفة لم يصنع شيئا.

و مضى يزيد بن المهلب نحو البصرة و عدي بن أرطاة عامل البصرة قد جمع إليه جند أهل البصرة في الآلة و السلاح، و قد تقارب يزيد من البصرة فنزل على مرحلة منها[ (5) ]، ثم بعث إلى عدي بن أرطاة: أيها الأمير!إنك حبست إخوتي و مالي و أهل بيتي بلا ذنب كان منهم إليك و ذلك أني أنا المطلوب فأخرجهم من حبسك، و أنا أصالحك على أني لا أدخل البصرة و لا أقربها و أخليك و إياها حتى آخذ لنفسي الأمان من أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، فأبى عليه عدي بن أرطاة أن يقبل ذلك منه. قال: و جعل سادات أهل البصرة يخرجون إلى يزيد بن المهلب، و كلما أتاه واحد منهم أحسن إليه و مناه حتى صار في قريب من ثلاثة آلاف، قال: و قعد عامة أهل البصرة في منازلهم ممن كان يهوى يزيد بن المهلب، حتى بقي عدي بن أرطاة في أصحابه الذين قدموا معه من الشام و نفر يسير من قيس غيلان و بني تميم، و عزم عدي بن أرطاة على محاربة يزيد بن المهلب.

ذكر محاربة عدي بن أرطاة يزيد بن المهلب بالبصرة

قال: ثم جمع عدي بن أرطاة أصحابه فقال لهم: اعلموا أنه ليس يتهيأ لي أن [ (1) ]العذيب تصغير عذب، ماء بين القادسية و المغيثة.

[ (2) ]عن الطبري، و بالأصل «القطقطانية» .

[ (3) ]البيت في الطبري 6/579.

و سار ابن المهلب لم يعرج # و عرس ذو القطيفة من كنانه‏

[ (4) ]البيت في الطبري:

و ياسر و التيسر كان حزما # و لم يقرب قصور القطقطانة

[ (5) ]في الطبري 6/580 «أن يزيد بن المهلب دخل البصرة، و قد تنحى قواد عدي عن طريقه حتى دخل منزله. و إلى داره اختلف الناس، فأخذ يبعث إلى عدي... » .

219

أفتح لكم بيت المال في وقتي هذا و لا أن أعطيكم منه شيئا إلا بإذن أمير المؤمنين‏[ (1) ]، و لكني قد أمرت لكم بنفقة من مالي فخذوها و توزعوها بينكم، فإذا أنا فرغت من يزيد بن المهلب كتبت إلى أمير المؤمنين بذلك ثم إني أضع لكم الأرزاق فأعطي كل رجل منكم على قدر ما أرى منه فيما قد عزمت عليه إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه. قال:

ثم أمر للناس بشي‏ء يسير لا قدر له فاقتسموه بينهم، فأصاب كل رجل منهم در همان لا أقل و لا أكثر، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول:

أظن رجال الدرهمين يقودهم‏[ (2) ] # إلى الموت آجال لهم و مصارع

و أكيسهم‏[ (3) ]من قر في قعر بيته # و أيقن أن الموت لا بد واقع‏[ (4) ]

قال: و أقبل يزيد بن المهلب فيمن معه من الناس حتى نزل قريبا من المربد، و سار إليه عدي بن أرطاة في أهل الشام و من جاءه من أهل البصرة، فلما دنا القوم بعضهم من بعض دعا يزيد بن المهلب بأخيه محمد بن المهلب و ابن عم له يقال له المهلب بن العلاء بن أبي صفرة فضم إليهما ألف رجل و أمرهما بالتقدم، فالتقى القوم للقتال و حمل بعضهم على بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، و حمل محمد بن المهلب على رجل من أصحاب عدي بن أرطاة يقال له المسور بن عباد الحنظلي‏[ (5) ]، فضربه بسيفه ضربة على أنف البيضة فقطع أنف البيضة و أسرع السيف في أنفه. ثم حمل أيضا على هريم بن أبي طحمة[ (6) ]ليجتذبه عن فرسه إلى الأرض فلم يقدر على ذلك، قال: و ضحك هريم بن أبي طحمة[ (6) ]و قال: هيهات يا ابن أخ!إن عمك أثقل مما تحسب. قال: ثم تقدم غلام لحبيب بن المهلب يقال له دارس و كان فارسا بطلا، فجعل يرتجز و يقول:

أنا غلام الأزد اسمي دارس # ليث غضوض هرت خنابس

إن تميما ساء ما يمارس # إذا التقينا فارس و فارس‏

[ (1) ]هذا في الوقت الذي كان يزيد بن المهلب يعطي من أتاه قطع الذهب و الفضة، فمال الناس إليه، (الطبري-ابن الأثير) .

[ (2) ]في الطبري و ديوانه 1/421 تسوقهم.

[ (3) ]الديوان: و أحزمهم.

[ (4) ]الديوان: و أيقن أن العزم لا بد واقع.

[ (5) ]الطبري 6/581 الحبطي.

[ (6) ]الطبري: طلحة.

220

ثم حمل دارس على جميع أهل البصرة ففرق الناس يمنة و يسرة، و قتل منهم جماعة و جرح منهم بشر كثير، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول في ذلك:

تفرقت الخيلان‏[ (1) ]إذ صاح دارس # و لم يصبروا تحت‏[ (2) ]السيوف الصوارم

جزى اللّه قيسا عن يزيد[ (3) ]ملامة # و خص بها الأدنين أهل الملاوم‏[ (4) ]

فقل لعدي حال ما كنت تبتغي # إليك و لا تحفل بجند الدراهم

أتاك فتى لم تخدم القوم أمه # طويل السرى ألفيته غير نائم‏

قال: و أقبل يزيد بن المهلب في نفر من بني عمه و مواليه حتى حمل على عدي ابن أرطاة و أصحابه حملة فكشفوهم حتى بلغ بهم إلى دار الإمارة، ثم إنه كسر السجن فأخرج من كان فيه من إخوته و بني عمه و مواليهم و شيعتهم فضمهم إليه، و مر عدي بن أرطاة منهزما[ (5) ]حتى دخل دار الإمارة و انهزم الناس و دخلوا منازلهم. و أقبل يزيد بن المهلب حتى نزل في دار أم محمر بنت عبد اللّه بن عثمان الثقفي‏[ (6) ]و أرسل إلى عدي بن أرطاة فأتى به أسيرا هو و جماعته من بني عمه، فلما وقف بين يدي يزيد جعل يتبسم، فقال له يزيد: مما تضحك و تتبسم؟و اللّه لقد كان ينبغي لك أن يمنعك من الضحك خلتان: إحداهما الفرار[ (7) ]من الكريهة حتى أعطيت بيدك كما تعطي الأمة الوكعاء، و الثانية أني أتيت بك و أنت تتلّ‏[كما يتلّ‏][ (8) ]العبد الآبق إلى أربابه، و ليس معك مني عقد و لا عهد فما يؤمنك مني إن أضرب عنقك؟قال فقال له عدي بن أرطاة: أبا خالد!إنك قد قدرت و مننت فتلك شيمتك، و إن عاقبت فبما كسبت يداي مع أني أعلم أن بقائي متصل ببقائك و إن أهلكتني أنت مطلوب منه أخرى، فإنك قد رأيت جنود اللّه بالشام، و علمت بلاء اللّه عند أهله في كل موطن من مواطن أهل الغدر و النكث، فتدارك أمرك و زلتك بالتوبة و استقالة العثرة من قبل أن [ (1) ]في الديوان 2/224 تصدعت الجعراء.

[ (2) ]الديوان: عند.

[ (3) ]الديوان: عديّ.

[ (4) ]هذا البيت و الذي بعده ليسا في الطبري، و بدلهما في الديوان:

هم قتلوا مولاهم و أميرهم # و لم يصبروا للموت عند الملاحم‏

[ (5) ]الأصل «منهزم» خطأ.

[ (6) ]في الطبري: «دار سلم بن زياد بن أبي سفيان» و في ابن الأثير: «دارا لسليمان بن زياد بن أبيه» .

[ (7) ]في الطبري 6/582 الفرار من القتلة الكريمة.

[ (8) ]زيادة عن الطبري، يتلّ أي يقاد.

221

يرمي بك البحر بأمواجه، فإن طلبت الإقالة لم تقل‏[ (1) ]، قال فقال له يزيد بن المهلب: أما قولك إن بقائي متصل ببقائك، فلا أبقاني اللّه حياة طائر إن كان لا ينفعني إلا بقاؤك، و أما قولك بأني مطلوب بدمك، فو اللّه أن لو كان في يدي عشرة آلاف رجل من أهل الشام ليس فيهم رجل إلا و هو أجل منك و أعظم قدرا ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد لكان إمساكي عنهم بعد ذلك أشد عليهم و أهول عندهم في صدورهم من قتلي أولئك العشرة آلاف، و أما قولك أن تدارك أمرك و زلتك و استقل عثرتك، فو اللّه ما استشرتك في أمري، و لا[ (2) ]أنت عندي بوادّ و لا ناصح. ثم قال يزيد بن المهلب: انطلقوا به للسجن، فو اللّه لو هممت بقتله لكان ذلك عندي أهون من دم قراد، و لكني أحبسه كما حبس بني المهلب و ضيق عليهم و كانوا يسألونه الترفه و الترفق فلم يفعل ذلك، فحبس عدي بن أرطاة و بايع الناس يزيد بن المهلب على كتاب اللّه و سنة رسوله محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ذكر فتنة يزيد بالبصرة

قال: فبايع الناس‏[ (3) ]يزيد و سلموا إليه بيت المال و فيه يومئذ عشرة آلاف ألف درهم، فأخذها يزيد و فرقها في الناس، ثم إنه بعث إلى عماله إلى الأهواز و فارس و كرمان و مكران و السند و الهند و سائر البلاد فاحتوى عليها، ثم نادى في الناس فجمعهم إلى المسجد الجامع، فلما تكاملوا صعد المنبر فحمد اللّه و أثني عليه ثم قال: أيها الناس!أنا رجل منكم أعني بما تعنون به، و أحامي على ما تحامون عليه، و لست أقول بأني خليفة و لكني أدعوكم إلى كتاب اللّه و سنة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى جهاد أهل الشام محرقي البيت الحرام، فإن جهادهم أفضل من جهاد الترك و الديلم، ألا!فاسمعوا و أطيعوا رحمكم اللّه.

قال: فالتفت النضر بن أنس بن مالك إلى الناس فقال: يا هؤلاء!إنكم [ (1) ]زيد في الطبري: و إن أردت الصلح و قد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين، و ما لم يشخص القوم إليك فلم يمنعوك شيئا طلبت فيه الأمان على نفسك و أهلك و مالك.

[ (2) ]عن الطبري، و بالأصل: «إلا» .

[ (3) ]و جاءت بيعة الناس يزيدا بعد هروب رؤوس أهل البصرة إلى الكوفة يبلغون عبد الحميد عن هزيمة عدي بن أرطأة، و بعد ما بلغ أمر يزيد يزيد بن عبد الملك بعث مسلمة بن عبد الملك لقتاله فانهزم، ثم بعث العباس بن الوليد فانهزم أيضا فلما رأى الناس ذلك بايعوا يزيد بن المهلب (انظر تفاصيل وردت في الطبري 6/584-585) .

222

تسمعون الرجل يدعوكم إلى كتاب اللّه و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأجيبوا الرجل و لا تخذلوه!قال: فسمعه الحسن البصري و هو يقول ذلك، فالتفت إلى قوم كانوا إلى جانبه فقال: و هذا النضر بن أنس بن مالك و هو أيضا ممن يعين على الفتنة!قال:

ثم قام الحسن فخرج من المسجد، فإذا هو بالناس قد اصطفوا ليزيد بن المهلب سماطين ينتظرون أن يخرج من المسجد و هم يقولون: إنه ليدعونا إلى سنة العمر بن، قال: فتبسم ثم قال: إن هذا الذي يدعوكم إلى كتاب اللّه و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى سنة العمرين هو الذي كان يقتل الناس بالأمس في هوى بني أمية، فالآن لما غضب عليهم‏[غضبة][ (1) ]و خالفهم نصب لكم قصبا و علق‏[ (2) ]عليها خرقا، ثم قال: إني أدعوكم إلى سنة العمرين، إن من سنة العمرين أن يؤخذ فيوضع في رجله قيد ثقيل ثم يرد إلى محبسه الذي كان فيه، و لا يلقي الفتنة بين الناس. قال:

فصاح به الناس من كل جانب: يا أبا سعيد!كأنك متعصب لفساق أهل الشام، [فقال: أنا راض عن أهل الشام، قبحهم اللّه و برحهم‏][ (3) ]أو ليس هم الذين أحلوا حرم اللّه و حرم رسوله محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، يقتلون أهل المدينة ثلاثة أيام و ينهبونهم، لا يتناهون عن انتهاك حرمة و لا عن إبداء عورة؟أو ليس هم الذين رموا بيت اللّه الحرام بالحجارة و النيران و العذرة؟و ما لهم قبحهم اللّه و لا رحمهم و جعل دائرة السوء عليهم و على من يتعصب لهم. قال‏[ (4) ]: فسكت الحسن و لم يقل شيئا و صار إلى منزله‏[ (4) ].

و خرج يزيد بن المهلب من المسجد و بين يديه الأعلام و المطارد، و قد أحدق به الناس يمنة و يسرة و من بين يديه و من خلفه، و القطامي الشاعر بين يديه و هو يرتجز و يقول أبياتا مطلعها:

لعل عيني أن ترى يزيدا # يقود جيشا جحفلا رشيدا[ (5) ]

إلى آخرها.

قال: و دخل يزيد إلى منزله و قد استوسق له الأمر، و أقبل إليه ابن عمه حتى [ (1) ]زيادة عن الطبري.

[ (2) ]الطبري: ثم وضع عليها خرقا.

[ (3) ]زيادة عن الطبري، فسياق الكلام اقتضاها، فالكلام في العبارة التالية من كلامه، كما في الطبري.

[ (4) ]كذا بالأصل، على اعتبار أن الكلام السابق هو قول عامة الناس، و ما في الطبري كما لا حظنا سابقا أنه من كلامه، فحذف العبارة هنا يصبح ضروريا.

[ (5) ]في الطبري 6/585 «شديدا» و البيت من عدة أبيات وردت فيه.

223

وقف بين يديه ثم أنشأ و هو يقول‏[ (1) ]:

أظن بني مروان قد باد ملكهم # و إن كنت لا تشعر بذلك فاشعر

و عش ملكا أو كن كريما فإن تمت # و سيفك مشهور بكفك تعذر

قال: و بلغ يزيد بن عبد الملك أن يزيد بن المهلب قد تغلب على العراق و الجبال و سائر البلاد، و قد ظفر بعدي بن أرطاة و أصحابه فحبسهم، و احتوى على بيت مال البصرة فأخذه و قسمه في أصحابه، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، و جعل يرى في ذلك رأيه. و بلغ ذلك ثابت بن كعب الأزدي و هو يومئذ بخراسان، فكتب إلى يزيد بن المهلب بكتاب يحرضه فيه على بني أمية و يأمره بحربهم، و أثبت في أسفل كتابه هذه الأبيات:

أيزيد كن في الحرب إن هيجتها # كأبيك لا رعشا و لا رعديدا

أثر المجرب في الحروب و لم تزل # نارا تسعر للعداة جديدا

ما كان في أبويك قادح هجنة # فيكون زندك في الزنود صلودا

يا ليت أسرتك الذين تغيبوا # كانوا لأمرك بالعراق شهودا

فترى مواطنهم إذا اختلف القنا # و المشرفية يوقدون وقودا

نارا تجلى‏[ (2) ]المصطلين بحرها # أسدا قساور في اللقاء أسودا

صورا إذا كثر الصياح ترى لهم # في كل معركة هنالك صيدا

هلا سألت بهم فتخبر عنهم # من كان أعلى ناصرا و عديدا

و أحق بالصبر الجميل و قد رأوا # قول العداة تبرعا و وعيدا

إن امرءا حدثت ربيعة دونه # و الرأس من يمن فمات عميدا

لضعيف ما ضمت جوانح صدره # إن لم يصبح بالجنود جنودا

من كل أشوس قاصد يوم الوغى # رأس المتوج إن أراد صدودا

قال: فلما وردت هذه الأبيات على يزيد بن المهلب و نظر فيها كأنه هش لها ودعته نفسه إلى قتال بني أمية و عزم على ذلك.

قال: و دعا يزيد بن عبد الملك بأخيه مسلمة بن عبد الملك و ابن أخيه [ (1) ]البيتان في الطبري 6/596، و ابن الأثير 3/282 الثاني فقط، و نسبا إلى يزيد بن الحكم بن أبي العاص. باختلاف بعض الألفاظ.

[ (2) ]بالأصل «؟حلى» بغير نقط، و ما أثبتناه يناسب المعنى.

224

العباس بن الوليد بن عبد الملك، فضم إليهما جميع من بالشام من المقاتلة و أمرهما بالمسير إلى يزيد بن المهلب‏[ (1) ]. قال: فسار العباس بن الوليد في عشرين ألفا من جنود أهل الشام حتى نزل الحيرة حذاء أهل الكوفة، و أقبل مسلمة بن عبد الملك في ثلاثين ألفا حتى نزل الأنبار. و بلغ ذلك يزيد بن المهلب، فجمع أصحابه فخطبهم و قال: يا أهل العراق!إن أهل الشام قد نهضت إليكم في خمسين ألفا فهاتوا آراءكم رحمكم اللّه!قال: فقام إليه أخوه حبيب بن المهلب، فقال: الرأي عندي أن تخرج من البصرة في جميع أصحابك حتى تصير إلى فارس فتنزلها، ثم تأخذ بالشعاب و العقاب، ثم تدنو من بلاد خراسان فتطاول القوم، فيكون القلاع و الحصون في يدك و أهل الجبال معك، فإن سار القوم إليك قاتلتهم و استعنت اللّه عليهم. قال فقال يزيد: يا أخي!ليس هذا برأي، أ تريد أن تجعلني طائرا على رأس جبل، و اللّه ما الرأي عندي إلا مصادمة القوم، لي كانت أم عليّ.

قال: ثم دعا يزيد بن المهلب بأخيه مروان بن المهلب فاستخلفه على البصرة، ثم نادى في أصحابه و خرج حتى نزل بنهر معقل‏[ (2) ]و معه الأموال و الآلة و السلاح، قال: فضرب عسكره هنالك. قال: و جعل مروان بن المهلب يحث الناس على الخروج إلى أخيه يزيد بن المهلب و يأمرهم أن يلحقوا بعسكره، قال:

و كان الناس يخرجون و الحسن البصري يثبط الناس عن الخروج و يقول‏[ (3) ]: أيها الناس!الزموا منازلكم و كفوا أيديكم، و اتقوا اللّه ربكم، لا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة و طمع فيها يسير ليست لأهلها بباقية. و ليس اللّه عنهم فيما كسبوا براض، و اعلموا بأنه لم تكن فتنة قط إلا و أكثر أهلها الخطباء و الشعراء و السفهاء و أهل التيه و الخيلاء، و ليس يسلم منهم إلا الجهول الحقير و المعروف التقي، فمن كان منكم تقيا فليلزم منزله، و ليحبس نفسه عما يتنافس فيه الناس من هذه الدنيا الدنية- و السلام.

قال: فبلغ مروان أن الحسن البصري يقول ما يقول و يثبط الناس عن الخروج إلى حرب بني أمية، فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!قد بلغني عن هذا الشيخ الضال المرائي بأنه يثبط الناس عنا و يأمرهم [ (1) ]أشرنا إلى هذا الأمر، و ما آل إليه من استيثاق يزيد بن المهلب أهل البصرة و مبايعتهم له

[ (2) ]نهر معروف بالبصرة فمه عند فم نهر الأجانة.

[ (3) ]انظر مقالته في الطبري 6/594 و ابن الأثير 3/281. و انظر البداية و النهاية 9/220.

225

بخذلاننا. و و اللّه!لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل أنفه يرعف دما من الغيظ عليه و ينكر علينا و على أهل مصرنا أن نطلب بحقنا!أما و اللّه!ليكفن عنا و عن ذكرنا و عن الجمع إليه سقاط[ (1) ]أهل الأبلّة و علوج فرات البصرة[و]إلا ناله منا ما يكره‏[ (2) ]. قال: فغضب عامة الناس للحسن البصري و هموا بالوثوب على مروان بن المهلب، فقال لهم الحسن البصري: مهلا!فإني نهيتكم أن تقتلوا أنفسكم مع غيري، و لست أحب أيضا أن يقتل بعضكم بعضا لأجلي، فالزموا منازلكم، فإني أكره أن يكرمني ربي بهوان مروان بن المهلب‏[ (3) ].

قال: و سار يزيد بمن معه من الناس حتى نزلوا بواسط العراق، فأقام بها حتى تكامل عسكره، ثم دعا بابنه معاوية فاستخلفه على واسط، و جعل عنده الأموال و الخزائن و الأسارى الذين أخذهم بالبصرة يوم الوقعة، ثم إنه سار حتى صار إلى فم النيل إلى موضع يقال له العقر[ (4) ]من أرض بابل فنزل هنالك، و عزم على حرب القوم. قال: و بلغ مسلمة بن عبد الملك نزول يزيد بن المهلب بالعقر فأمر بالسنن فجمعت له، ثم أمر فعقد له جسر على الفرات و أمر بالناس فعبروا. قال: و بلغ ذلك العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأقبل من الحيرة حتى نزل مع مسلمة.

قال: و دنت العساكر من يزيد بن المهلب في خمسين ألفا، و يزيد يومئذ في نيف عن عشرين ألفا، فقام في أصحابه خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إني قد سمعت الناس في عسكري هذا و قولهم بأنه قد جاء مسلمة بن عبد الملك، و قد جاء العباس بن الوليد، و جاء أهل الشام فخبروني من مسلمة، فو اللّه ما مسلمة عندي إلا جرادة صفراء قسطنطين بن قسطنطين‏[ (5) ]!و من العباس بن الوليد! فو اللّه ما العباس عندي إلا نسطوس بن نسطوس‏[ (6) ]!و من أهل الشام!فو اللّه ما هم إلا سبعة أسياف خمسة منها لي و اثنان عليّ!و إنما أتاكم مسلمة و العباس في برابرة [ (1) ]السقاط جمع ساقط، و هو اللئيم في حسبه و نسبه.

[ (2) ]الطبري: أو لأنحين عليه مبردا خشنا.

[ (3) ]زيد في الطبري: فبلغ ذلك مروان بن المهلب، فاشتد عليهم و أخافهم و طلبهم حتى تفرقوا. و لم يدع الحسن كلامه ذلك، و كفّ عنه مروان بن المهلب.

[ (4) ]العقر: عدة مواضع، منها عقر بابل قرب كربلاء من الكوفة قتل عنده يزيد بن المهلب سنة 102 و كان قد خلع طاعة بني مروان و دعا إلى نفسه (معجم البلدان) .

[ (5) ]كذا بالأصل.

[ (6) ]كذا بالأصل.

226

و أقباط و جرامقة و أنباط و جراجمة و أخلاط مغاربة و سقالبة، زراعون و فلاحون أوباش و أخناش، فلا يهولنكم أمرهم، فو اللّه ما لقوا مثل جدكم!و إني لأرجو أنهم ما جاءوا إلا لهلاكهم و حلول النعمة بهم، و ليس يردعهم عن غيهم إلا الطعن في نحورهم و الضرب بالمشرفية على قممهم، فأعيروني سواعدكم ساعة تصطفقون بها هامهم و خراطيمهم، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم اللّه بينكم و بين القوم الظالمين.

قال: فأقام القوم على ذلك ثلاثة أيام‏[ (1) ]ليس بينهم حرب و مسلمة بن عبد الملك يبعث إلى يزيد بن المهلب و يسأله أن يحقن الدماء و يرجع عما هو عليه على أن يوليه و يولي إخوته أي بلد شاء و أحبوا، و يزيد يأبى ذلك.

قال: ثم أقبل يزيد على أصحابه فقال: إني قد عزمت أن أنتخب من عسكري هذا ثمانية آلاف‏[ (2) ]رجل فأضمهم إلى محمد بن المهلب و آمره أن يكبس عسكر مسلمة ليلا فيضع فيهم السيف، فإن كان ما أحب فذاك و إلا ناجزتهم غدا إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، فإني أرجو أن ينصرني اللّه عليهم. قال فقال له رجل من أصحابه يقال له السميدع: أيها الأمير!إن القوم يذكرون أنهم يدعوننا[ (3) ]إلى كتاب اللّه و سنة نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و على آله) ، فكيف تغدر بهم و بناسهم‏[ (4) ]. قال: فتبسم يزيد ثم قال: ويحك يا سميدع!و تصدق هذا أن بني أمية يعملون بالكتاب و السنة! و قد فعلوا بالحرمين ما فعلوا، و هدموا البيت، و قتلوا ابن حواري رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبد اللّه بن الزبير و صلبوه منكسا، اقبلوا مني و ابدأوهم قبل أن يبدءوكم و بادروا القوم، فليسوا عندي بشي‏ء، و لا يهولنكم مسلمة بن عبد الملك و العباس بن الوليد، فو اللّه لوددت أنهما و جميع بني أمية و أنا و إخوتي في حظيرة واحدة!فلا يبقى منا إلا من غلب بسيفه، و اللّه أن لو كانوا في الأرض جميعا و أنا وحدي ليس معي أحد من الناس لما برحت هذه العرصة أبدا!لي كان أم عليّ. قال: فأبى عليه أصحابه أن يبيتوا القوم، فأمسك عنهم‏[ (5) ].

إذا كان من الغد دنا القوم بعضهم من بعض و ذلك في يوم الجمعة[ (6) ]، قال:

[ (1) ]في الطبري: ثمانية أيام.

[ (2) ]في الطبري: اثني عشر ألف رجل.

[ (3) ]الطبري: إنا قد دعوناهم.

[ (4) ]الطبري: فليس لنا أن نمكر و لا نغدر، و لا نريدهم بسوء حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا.

[ (5) ]الطبري: قالوا: لا نرى أن نفعل ذلك، حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا.

[ (6) ]و ذلك لأربع عشرة خلت من صفر، و بعد اجتماعه و مسلمة بثمانية أيام. ـ

227

و عبّى مسلمة أصحابه ميمنة و ميسرة و قلبا و جناحين، و عبى يزيد أصحابه كذلك‏[ (1) ]، و جالت الخيلان و خرج رجل من أهل الشام يدعو المبارزة، فما لبث أن خرج إليه حبيب‏[ (2) ]بن المهلب و التقيا بصربتين، ضربه حبيب ضربة اتقاها الشامي‏[ (3) ] بحجفته فقدت الضربة الحجفة و وصل إلى يد الشامي، و على كف الشامي يومئذ كف من حديد فقطع السيف الكف فرمى بها إلى الأرض، فولى الشامي إلى أصحابه و هو لما به، فصاح به حبيب بن المهلب: عليك بالمنجل و الحصاد، فإن المنجل أعود عليك من مبارزة الأقران. قال: ثم حمل الفريقان بعضهم على بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، و جعل يزيد بن المهلب يقاتل أهل الشام قتالا لم يسمع بمثله حتى قتل منهم جماعة، ثم جعل يدنو من صفوف أهل الشام حتى نظر إلى مسلمة واقفا في القلب، فنادى يزيد بن المهلب: يا مسلمة!هل لك أن تبرز إليّ و تعفي الفريقين من القتال؟قال: فالتفت مسلمة إلى أصحابه فقال: ما تقولون؟فقال له رجل من بني كلب يقال له عياش الفحل‏[ (4) ]: أصلح اللّه الأمير!إنه يزيد بن المهلب فارس العراق قاطبة، فقال له مسلمة: صدقت يا عياش!إنه لكذلك و لكنه قد دعاني إلى المبارزة و هذا عار عليّ إن لم أبرز إليه، فقال له عياش الفحل: صدقت أصلح اللّه الأمير!هو و اللّه العار أو الموت، فاختر أيهما شئت، قال: فسكت مسلمة و لم يبرز إليه. قال: و إذا برجل قد أقبل إلى يزيد بن المهلب فقال: أيها الأمير!ما يقيمك و قد قتل حبيب بن المهلب؟فقال يزيد: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، لا خير في العيش من بعد حبيب، و اللّه لقد كنت أحب الحياة من قبل و لقد أبغضتها في وقتي هذا!قال:

ثم تقدم يزيد بن المهلب على برذون له أشهب و سيفه في يده كأنه صاعقة، فجعل يقاتل قتال رجل قد أيس من الحياة، فما يدنو من كتيبة من كتائب أهل الشام إلا كشفها حتى قتل منهم بشرا كثيرا.

قال: و إذا برجل من أصحابه قد أقبل إليه فقال: أيها الأمير!أعظم أجرك في أخيك ابن المهلب!قال: فبقي يزيد واقفا لا يحلى و لا يمر، فقال رجل من بني عمه: [ (5) ]أيها الأمير!أشير عليك أن تنهزم إلى واسط فتنزلها و تخندق على نفسك [ (1) ]انظر في تعبية الجيشين الطبري 6/595.

[ (2) ]في الطبري 6/595 محمد بن المهلب.

[ (3) ]قيل هو حيان النبطي، كما في الطبري.

[ (4) ]في الطبري: القحل بن عياش.

[ (5) ]هو أبو رؤبة المرجى‏ء كما في الطبري 6/596 و ابن الأثير 3/280.

228

خندقا و يأتيك مدد أهل البصرة و البحرين و أهل عمان في السفن فتقاتل عدوك إذا أتاك. قال فقال له يزيد: قبح اللّه هذا الرأي!إلي يقال هذا!و اللّه إن الموت لأيسر عليّ من ذلك، و إني لم أزل أبغض الهزيمة مذ كنت. قال فقال له الرجل: أيها الأمير!إني إنما قلت هذا القول لما أتخوف عليك، ألا ترى إلى ما حولك كأنهم جبال حديد؟قال فقال يزيد: ما كنت بالذي أبالي أجبال حديد كان أم جبال نيران‏[ (1) ]!فاذهب عنا إن كنت لا تحب أن تقاتل معنا، قال: ثم جعل يزيد يتمثل بقول الأعشى و هو يقول:

أ بالموت يرميني سفاها و إنما # رأيت منايا الناس يسعى دليلها[ (2) ]

فما ميتة إن متّها غير عاجز # بعار إذا ما غالت النفس غولها

قال: ثم حمل يزيد بن المهلب على أهل الشام و حمل الناس معه فاقتتلوا قتالا شديدا، و ارتفع الرهج و سطعت الغبرة و اضطرب القوم اضطرابا شديدا. ثم انجلت الغبرة عن الفريقين و قد قتل منهم نيف على ثلاثة آلاف، و إذا بيزيد بن المهلب في وسط القتلى من الفريقين‏[ (3) ]و قد وقعت به نيف على ثلاثين ضربة، فأنشأ بعض أهل الشام يقول:

ألا ترى بطشة اللّه التي بطشت # بابن المهلب إن اللّه ذو نقم

فما الجياد من البقاء منصلتا # شهرا يغلغل في الأرسان و اللجم

حتى أتت أرض هاروت لعاشره # فيها بنو دحمة الحمراء كاللجم

لما رأوا أن مكر اللّه حاق بهم # و أنهم مثل ضلاّل من البهم

فأصبحوا لا نرى إلا مساكنهم # كأنهم من ثمود الحجر أو إرم‏

قال: و إذا أربعة من ولد المهلب قد قتلوا في معركة واحدة منهم حبيب بن المهلب و حماد بن المهلب و مدرك و يزيد، فأنشأ بعض آل المهلب في ذلك يقول:

سقى اللّه أجسادا ببابل كسروا # سيوفهم و الأثرى المعضدا

حبيبا و حمادا و ذا البأس و الندى # يزيد و أسقى مدركا و محمدا

[ (1) ]الطبري: أم جبال نار.

[ (2) ]البيت في الطبري:

أ بالموت خشتني عباد و إنما # رأيت منايا الناس يشقى ذليلها

[ (3) ]قتله القحل بن عياش كما في الطبري 6/597.

229

بنى الحرب عند الحرب بأسا و نجدة # و في المحل قناصون جودا و سؤددا

قال: و انهزم المفضل بن المهلب بمن معه من الجنود مع بني إخوته و سائر أصحابه حتى صاروا إلى واسط، فأخرجوا الأسارى الذين كانوا قد أتوا بهم من البصرة و هم ثلاثة و ثمانون رجلا، فضربوا أعناقهم على دم، ثم حملوا الأموال و الخزائن و قعدوا في السفن و انحدروا إلى البصرة. قال: و أسر ذلك اليوم من أصحاب يزيد بن المهلب نيف على أربعمائة[ (1) ]رجل، فأتي بهم إلى مسلمة بن عبد الملك حتى وقفوا بين يديه.

قال: فعزل مسلمة منهم ثلاثين رجلا من رؤسائهم ليحملهم إلى يزيد بن عبد الملك، و ضرب أعناق الباقين. قال فقال هؤلاء الثلاثون: أيها الأمير!إنما نحن الذين انهزمنا بالناس حتى ظفرتم بيزيد و أصحابه فكان جزاؤنا منكم الأسر و القتل!قال: فلم يلتفت مسلمة إلى ذلك‏[ (2) ]، فأنشأ حاجب بن ذبيان المازني يقول: [ (3) ]

لعمري لقد خاضت قريش دماءنا # بأسيافنا حتى انتهى بهم الوحل

و ما حمل الأقوام من أمر ديننا # حرام و لا حل إذا التمس الذحل‏[ (4) ]

حقنتم دماء المصلتين عليكم # و جر على فرسان شيعتك القتل

و قربهم العريان فرسان قومه # فيا عجبا أين الملامة و العدل‏[ (5) ]

قال: ثم أتي مسلمة برأس يزيد بن المهلب و رؤوس إخوته حبيب و حماد و مدرك و محمد حتى وضعت بين يديه، فقال مسلمة: أ ترى هؤلاء القوم قد خرجوا علينا كانوا يظنون أن الخلافة فيهم، لئن كانوا ظنوا ذلك فلقد ظنوا إفكا و زورا، فأنشأ جرير بن الخطفي يقول‏[ (6) ]:

آل المهلب جذ اللّه دابرهم # أضحوا رفاتا فلا أصل و لا طرف‏

[ (1) ]نحو ثلاثمائة رجل كما في الطبري 6/598.

[ (2) ]انظر بشأنهم ما ورد في الطبري 6/599.

[ (3) ]الأبيات في الطبري 6/599 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (4) ]الذحل: الحقد.

[ (5) ]هو العريان بن الهيثم، كان على شرط محمد بن عمرو بن الوليد.

[ (6) ]الأبيات في ديوانه 2/16 باختلاف بعض الألفاظ.

230

إن الخلافة لم تخلق ليملكها # عبد لأزدية في خلقها عنف

و الأزد قد جعلوا الأزدي قائدهم # فقتلتهم جنود اللّه فانتتفوا

إن المرون‏[ (1) ]رجوا ما لم يكن لهم # في سالف الدهر معروفا و لا عرفوا

قال ثم أمر مسلمة بيزيد بن المهلب فصلب على دقل سفينة منكسا و صلب معه خنزير إلى جنبه فكانا جميعا معلقين بقلس من قلوس السفينة. فأنشأ رجل من أهل الشام يقول:

لقد عجبت من الأزدي جاء به # يقوده للمنايا حين مغرور

حتى رآه عباد اللّه في دقل # منكس الرأس مقرونا بخنزير

و القلس أهون بأس أن يجر به # في الماء مطلية الألواح بالقير

يأبى لآل أبي العاصي إن غضبوا # من كل سيف حديد الحد مأثور

قال: ثم أقبل مسلمة بن عبد الملك حتى نزل بالحيرة و أمر بمن معه من الأسارى حتى حملوا إلى الشام، فلما دخلوا على يزيد بن عبد الملك و نظر إليهم قال: إنهم أنصار يزيد بن المهلب فلقد خاب من اغتر بنصرة أمثاله، ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، و كانوا ثمانين رجلا فما أبقى منهم على واحد. ثم أقبل على رجل من آل المهلب كان في ناحية يزيد بن عبد الملك فقال له: يا أخا الأزد ما تقول في بني عمك هؤلاء؟فقال: يا أمير المؤمنين!قوم زرعتهم الطاعة و حصدتهم الفتنة.

قال: ثم أمر يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب فطيف به في مدائن الشام لينظر إليه، ثم أتي به بعد ذلك فنصب على باب توماء[ (2) ]بدمشق، و نصب رؤوس إخوته عن يمينه و شماله، فأنشأ سالم بن وابصة[ (3) ]الأسدي يقول:

ألم تر أن اللّه أنزل نصره # علينا و أعطانا به أعظم الأجر

غداة بغى أهل العراق فشايعوا # لواء يزيد بن المهلب ذي الغدر

فجئنا به لا يسمع الصوت في الثرى # و لا يشتكي شكوى أنين و لا فقر

ـعرف أهل الشام بالشام رأسه # به بدت الأحداث من حادث الدهر

قال: ثم كتب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه مسلمة يأمره أن يطلب آل المهلب [ (1) ]كذا بالأصل، و البيت لم يرد في الديوان.

[ (2) ]توماء، اسم قرية بغوطة دمشق، و إليها ينسب باب توماء من أبواب دمشق (معجم البلدان) .

[ (3) ]عن المؤتلف و المختلف للآمدي، و بالأصل «وابطة» .

231

حيث كانوا فيقتلهم و لا يبقي على أحد منهم. قال: فلما ورد كتاب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه مسلمة بذلك جاء النذير إلى آل المهلب فخبرهم بذلك و هم يومئذ مقيمون بالبصرة، غير أنهم قد أعدوا المراكب فركبوا فيها و معهم أموالهم و نساؤهم و أولادهم، و قد حملوا معهم دوابهم و أسلحتهم، ثم ساروا في البحر إلى كرمان فخرجوا من مراكبهم هنالك و حملوا ما معهم على الدواب، و ساروا يريدون إلى قندابيل‏[ (1) ]من بلاد الهند ليتحصنوا بها.

قال: و اتصل الخبر بمسلمة بن عبد الملك أن القوم قد مضوا نحو بلاد الهند فوجه في طلبهم بقائدين: أحدهما يقال له مدرك بن ضب الكلبي، و الآخر هلال بن أحوز التميمي، في عشرة آلاف رجل من أهل الشام. قال: فسارت الخيل سيرا حثيثا حتى وافت أرض فارس، ثم خرجوا عنها لا يعرجون على شي‏ء حتى صاروا إلى كرمان، و من كرمان إلى أرض الهند إلى قندابيل‏[ (2) ]، و بقندابيل‏[ (2) ]يومئذ رجل من الأزد يقال له وادع‏[ (3) ]بن حميد، قد كان ولاه يزيد بن المهلب قبل ذلك. فلما نظر إلى آل المهلب قد لجأوا إلى ما قبله أمر بأبواب المدينة فأغلقت و منعهم من الدخول إليها. قال: و توافت عساكر أهل الشام في عشرة آلاف، فلما نظر إليهم المفضل بن المهلب أقبل إلى إخوته و بني عمه فقال: اعلموا أنه الموت، فإن كان لا بد فموتوا كراما، قال: ثم دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، فأول من قتل منهم ممن كان مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم بن الأشتر و محمد بن إسحاق‏[ (4) ]بن الأشعث بن قيس الكندي و جماعة من سادات أهل العراق.

قال: و جعل آل المهلب خاصة يقاتلون قتالا شديدا قتال قوم قد يئسوا من الحياة، حتى قتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة ثم قتلوا بأجمعهم، فما أفلت منهم إلا من هرب و دخل إلى غياض بلاد الهند، ثم صار بعد ذلك إلى خاقان ملك الترك فآمنهم و أحسن إليهم، فأنشأ موسى بن سحيم التميمي يقول أبياتا مطلعها:

لقد غضبت للدين قيس و شمرت # تميم و لم تفلل تميم و فلّت‏

إلى آخرها.

[ (1) ]عن الطبري، و بالأصل «قندابل» و انظر معجم البلدان.

[ (2) ]بالأصل: «قندابل» .

[ (3) ]في الطبري 6/602 وداع.

[ (4) ]الطبري: محمد بن إسحاق بن محمد بن الأشعث.

232

قال: و بعث هلال بن أحوز بن المازني برؤوس القوم و نسائهم و أولادهم إلى مسلمة بن عبد الملك و هو مقيم بالحيرة. فلما وضعت الرؤوس بين يديه جعل ينظر إليها و يقول: هذا رأس المفضل بن المهلب كأنه جالس بين يدي يحدثني، هذا رأس عبد الملك بن المهلب، هذا رأس مروان بن المهلب، هذا رأس فلان، هذا رأس فلان، ثم حلف مسلمة أنه يبيع نساءهم و أولادهم بيع العبيد و الإماء، فقام إليه.

الجراح بن عبد اللّه الحكمي فقال: أصلح اللّه الأمير!فإني قد اشتريتهم منك بمائة ألف درهم تبرئة ليمينك!فقال مسلمة أخزاه اللّه: قد بعتك إياهم، قال: ثم استحى مسلمة أن يبيع قوما أحرارا فقال للجراح: أقلني في بيعتي، قال: قد أقلتك أيها الأمير!فأعتقهم مسلمة و خلّى سبيلهم و ألحقهم بقومهم بالبصرة[ (1) ].

ثم دعا بعبد الرحمن بن سليم الكلابي‏[ (2) ]فولاه العراقين و رحل إلى الشام -يزيد بن عبد الملك و قد فرغ من أمر العراق، فأنشأ رجل من أهل الشام يمدح مسلمة بن عبد الملك و يقول:

إن الذي مد علينا نعمه # و قد أحاطت بالعراق الدمدمة

دعوة مشؤم دعا بالمشأمه # فاتبع الظالم قوم ظلمه

فاللّه يحني منهم بمسلمه # من بعد ما و بعد ما و بعد مه

كانت بنات الموت عند الغلصمة # كادت الحرة أن تدعى أمه‏

ثم رجعنا إلى فتوح خراسان و أرمينية و أذربيجان من فتوح الترك و الخزر

قال: فلما فرغ يزيد بن عبد الملك من أمر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة و صفت له البلاد دعا بسعيد بن عمرو الحرشي‏[ (3) ]فولاه بلاد خراسان ما كان من دون النهر إلى سمرقند و ما والاها إلى أرض فرغانة و أمره بالعدل، و دعا برجل من أهل حمص يقال له ثبيت‏[ (4) ]النهراني فولاه بلاد أرمينية و أذربيجان، و ضم إليه جيشا و إلى [ (1) ]في الطبري 6/603 إلا تسعة فتية أحداث منهم بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك، فقدم بهم عليه، فضرب أعناقهم.

[ (2) ]الطبري 6/605 الكلبي.

[ (3) ]الأصل و ابن الأثير، و في فتوح البلدان: الجرشي، و في البداية و النهاية: الجريشي.

[ (4) ]عن ابن الأثير، و بالأصل «تييت» .

233

هذا جيشا. قال: فأما سعيد بن عمرو فإنه سار حتى دخل بلاد خراسان فجعل يصالح البلاد و يتقدم حتى عبر نهر بلخ، ثم صار إلى بخارا فنزلها، ثم ارتحل منها إلى سمرقند فنزلها، و بلغه أن ملك فرغانة قد عاث في البلاد و أفسد، فصار إليه سعيد بن عمرو حتى دخل أرض فرغانة، ثم نزل على حصن من حصونهم حصين و فيه يومئذ جلنج ملك فرغانة[ (1) ]. قال: فأقام سعيد بن عمرو الحرشي على ذلك الحصن محاصرا لجلنج، فأرسل إليه جلنج و صالحه على السمع و الطاعة و على أن يؤدي إليه مائة ألف درهم، خمسين غلاما و خمسين جارية، و أن يخرج إلى سعيد بن عمرو فيضع يده في يده، فرضي سعيد بن عمرو بذلك. فلما كان الليل نام عامة المسلمين و لم يشعروا إلا و جلنج ملك فرغانة قد كبس العسكر في خمسة آلاف رجل من الكفار، فقتل من المسلمين جماعة قبل أن يركبوا، ثم ركب الناس خيولهم و استقبلوا بها الكفار بالسيوف و الرماح و السهام. قال: فاجتمع الكفار على حرب المسلمين فاقتتلوا قتالا شديدا، و أمكن اللّه المسلمين منهم في وقتهم ذلك إلى أن أصبحوا قريبا من ثلاثة آلاف و قتل صاحبهم جلنج الملك. قال: و غنم المسلمون غنيمة حسنة، فقسمها سعيد بن عمرو في المسلمين بعد أن أخرج منها الخمس و بعث به إلى يزيد بن عبد الملك، فأنشأ نعيم بن دارم الفريعي يقول في ذلك:

لعمري لقد أردت سيوف سعيدنا # جلنجا فلم نبد بذلك مفخرا

قتلنا جلنجا و استبحنا حريمه # بسمر ترى منها المدجج أزورا

ضربناه أم الرأس و النقع ساطع # فخر صريعا للجبين مغفرا

و كنا إذا رام العدو طلابنا # أبينا و يأبى أن نضام و نقبر

قال: ثم إن يزيد بن عبد الملك عزل سعيد بن عمرو الحرشي و ولى مكانه عبد الرحمن بن سليم الكلابي، ثم عزل عبد الرحمن بن سليم عن خراسان و ولاه العراق ورد سعيد بن عمرو إلى خراسان، ثم عزل أيضا عبد الرحمن بن سليم عن العراق و ولى مكانه ابن عمه عبد الملك بن بشر بن مروان من قبله. قال و ولى عبد الملك بن بشر العراقين جميعا كما وليها أبو بشر بن مروان من قبله و كان عبد الملك بن بشر هذا جوادا سخيا لا يبقي على شي‏ء، و هو الذي يقول فيه الشاعر:

[ (1) ]في الطبري: بلاذا، و بيلاذا أبو جور الملك.

234

جئت بشرا زائرا فوجدته و اللّه سمحا # و قصدته متعمدا ليلا فما أصبحت صبحا

حتى رأيت نواعما يدلجن بالبدرات دلجا # فلبست ثوبا للغنى و طويت للإفلاس كشحا

قال: ثم أرسل يزيد بن عبد الملك أيضا إلى سعيد بن عمرو الحرشي فعزله عن خراسان و ولى مكانه مسلم بن سعيد بن أسلم‏[ (1) ]بن زرعة الكلابي. قال: فسار مسلم بن سعيد هذا حتى نزل مدينة مرو فأقام بها متمسكا بما في يديه لا يغزو أحدا.

قال: و سار ثبيت‏[ (2) ]النهراني في خلق كثير من أهل الشام و أهل الجزيرة حتى دخل بلاد أرمينية. قال: و سمعت به الخزر فاجتمعوا عليه في نيف على ثلاثين ألفا في موضع يقال له مرج الحجارة. قال: فدنا منهم المسلمون. فاقتتلوا هنالك، فقتل من المسلمين بشر كثير، و احتوت الخزر على عسكر المسلمين فغنموا جميع ما فيه، و أقبل المسلمون مغلولين حتى صاروا إلى الشام إلى يزيد بن عبد الملك و أميرهم النهراني معهم، فاغتم يزيد بن عبد الملك لذلك غما شديدا، ثم دعا النهراني فوبخه على صنيعه و هزيمته من بين أيدي الخزر، فقال النهراني: و اللّه يا أمير المؤمنين ما جبنت و لا نكبت عن لقاء أعداء اللّه و قد لصقت الخيل بالخيل و الرجل بالرجل، و لقد طاعنت حتى انقصف رمحي و ضاربت حتى انكسر سيفي، غير أن اللّه عز و جل يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.

ذكر دخول الجراح بن عبد اللّه الحكمي بلاد أرمينية و ما كان منه في الخزر

قال: ثم دعا يزيد بن عبد الملك بالجراح بن عبد اللّه الحكمي فعقد له عقدا و ضم إليه جيشا كثيرا و أمره بالمسير إلى بلاد أرمينية. قال: فسار الجراح بن عبد اللّه في جيش عرمرم حتى دخل إلى بلاد أرمينية، و تسامعت به الخزر فهربوا من بين يديه حتى صاروا إلى مدينة الباب و الأبواب. قال: و سار الجراح بالمسلمين إلى أن صار إلى برذعة فنزل بها أياما حتى استراح أصحابه و أراحوا دوابهم، ثم رحل من هنالك حتى عبر نهر الكرّ[ (3) ]و سار يريد الباب و الأبواب، فلم يزل كذلك حتى صار إلى نهر [ (1) ]عن الطبري 7/18 و بالأصل «مسلم» .

[ (2) ]بالأصل: «تييت» و ما أثبت عن ابن الأثير.

[ (3) ]نهر الكرّ بين أرمينيا و أرّان، بينه و بين برذعة فرسخان.

235

يقال له روباس‏[ (1) ]على فرسخين من مدينة الباب، فنزل هنالك حتى أرسل إلى ملوك الجبال، فأقبلوا إليه من كل ناحية.

فلما عزم على المسير إلى الخزر رحلت الخزر عن مدينة الباب حتى لحقوا بلادهم، و أقبل إلى الجراح بن عبد اللّه رجل من أهل تلك الناحية من أصحابه، فقال: أيها الأمير!أخبرك أن أربيس بن بسباس ملك بلاد الكر قد بعث إلى ملك الخزر يخبره بمسيرك إلى ما قبله فاعمل على حسب ذلك!قال: فأمر الجراح بن عبد اللّه مناديه فنادى في العسكر: ألا!إن الأمير مقيم ههنا ثلاثة أيام‏[ (2) ]فاستكثروا من الزاد و العلق و الحطب و ما تحتاجون إليه!قال: فنادى المنادي بذلك في العسكر، و أرسل أربيس بن بسباس إلى ملك الخزر: اعلم أيها الملك!أن الرجل مقيم ثلاثا فلا تبرحن من موضعك. قال: فعزم ملك الخزر. فلما كان الليل و هدأت العيون أمر الجراح بن عبد اللّه أصحابه بالرحيل نحو الباب و الأبواب. قال: فرحل المسلمون في جوف الليل و لهم ثلاث مشاعل قد رفعت في عسكرهم: مشعلة عظيمة في أول العسكر، و أخرى مثلها في وسط العسكر، و أخرى في آخره. ثم ساروا حتى انتهوا إلى مدينة الباب و الأبواب، فإذا ليس فيها أحد من الخزر، قال: فدخلها المسلمون و خرجوا من الباب الآخر. قال: فنزل الجراح بعسكره عند عين باب الجهاد على نصف فرسخ من مدينة الباب، فلما أصبح دعا برجل من أصحابه فضم إليه ثلاثة آلاف فارس، و قال له: سر حتى توافي أرض حداق‏[ (3) ]فلا تدعن لأهلها شيئا إلا أغرت عليه، و اقتل من قاتلك و انظر لا تطلع الشمس إلا و أنت في عسكري معي على نهر الران. قال: و سار الجراح فيمن بقي معه و هم عشرون ألفا حتى نزل على نهر الران على ستة فراسخ من مدينة الباب. فلما أصبح قائداه‏[ (4) ]اللذان وجه بهما و معهما نيف على عشرة آلاف فارس من الماشية و ثلاثة آلاف رأس من السبي.

قال: و بلغ نارستيك ابن خاقان ملك الخزر بأن الجراح بن عبد اللّه نزل بنهر الران في خمسة و عشرين ألفا من العرب و أنه قد أغار و قتل و غنم غنائم كثيرة فنادى في أصحابه [ (1) ]كذا و لم نعثر عليه، و لعله «الرس» يصب في بحر الخزر بعد اجتماعه مع نهر الكرّ (انظر معجم البلدان-الكرّ) .

[ (2) ]في ابن الأثير: عدة أيام.

[ (3) ]كذا، و لعله خيزار انظر معجم البلدان، و فيه أن خيزار من نواحي أرمينيا لها ذكر في الفتوح. و ورد في فتوح البلدان: «خيزان» .

[ (4) ]كذا بالأصل، و الظاهر أن سقطا ما وقع هنا بالأصل.

236

ثم سار في أربعين ألفا حتى صبح نهر الران قال: و دنا القوم بعضهم من بعض و الجراح بن عبد اللّه يومئذ على بغلة له دهماء فقال: أيها الناس!إنه ليس لكم من فئة تلجأون إليها بعد اللّه غيري، و قد علمتم من قتل منكم فإلى الجنة و من ظفر فالغنيمة و الذكر الحسن. قال: ثم تناوش القوم فاختلطوا لساعة و ارتفع الرهج و القتام فصارت الريح على الخزر فولوا منهزمين، و اتبعهم مسلمون يقتلونهم حتى بلغوا إلى موضع‏[ (1) ]يعرف بالحصين و قد قتل منهم خلق كثير، قال: فغنم الجراح و أصحابه من غنائم الخزر شيئا كثيرا. و أقبل حتى نزل على الحصين يومه ذلك، قال: و نزل أهل الحصين في الأمان و صالحوه على مال فقبل ذلك منهم، ثم حولهم إلى أرض يقال لها حيزان‏[ (2) ]فأنزلهم هنالك، ثم إنه سار من الحصين حتى صار إلى مدينة من مدن الخزر يقال لها برعوفا[ (3) ]فأقام عليها ستة أيام يحاربهم، ثم إنهم سألوا الصلح بعد ذلك فأجابهم الجراح إلى ما أرادوا و حولهم إلى رستاق يقال له رستاق قبله فأنزلهم بقرية يقال لها الغانية[ (4) ].

ثم سار الجراح من برعوفا حتى صار إلى البلنجر[ (5) ]قد جمعوا نيفا على ثلاثمائة عجلة، فشدوا بعضها على بعض و جعلوها حول حصنهم كما دار الحصن ليمنعوا بتلك العجل حصنهم. قال: فوثب رجل من أصحاب الجراح إلى سيفه فاستله عن غمده ثم نادى بأعلى صوته: من يهب نفسه للّه؟فأجابه المسلمون إلى ما سأل، فقال: اتبعوني!فاتبعه قريب من مائة رجل‏[ (6) ]بالسيوف و تقدموا نحو تلك العجلة و سهام الكفار تأخذهم من فوق السور و هم يتقدمون، حتى إذا دنوا من العجل تقدم رجل منهم فضرب حبل عجلة منها، فقطع الحبال و انحدرت العجل تتبع بعضها بعضا منحدرة حتى صارت إلى عسكر المسلمين. قال: و اشتد الحرب بين المسلمين و بين أهل بلنجر ساعة من النهار، ثم إنهم انهزموا و أخذ المسلمون الحصن عنوة بجميع ما فيه‏[ (7) ].

[ (1) ]في ابن الأثير 3/300 حصن يعرف بالحصين.

[ (2) ]كذا و في فتوح البلدان «خيزان» و انظر معجم البلدان.

[ (3) ]كذا، و في ابن الأثير 3/300 «برغوا» و في تاريخ خليفة ص 329 «بزغوا» و لم نجدها.

[ (4) ]كذا بالأصل، و لم نجدها.

[ (5) ]البلنجر: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب.

[ (6) ]في ابن الأثير: ثلاثين رجلا.

[ (7) ]و كان ذلك يوم الأحد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة 104 هـ (كما في تاريخ خليفة) . و أصاب الفارس ثلاثمائة دينار، و كانوا بضعة و ثلاثين ألفا (كما في ابن الأثير) . ـ

237

قال: و هرب صاحب البلنجر في نحو من خمسين رجلا من الخزر حتى صار إلى قريب من سمندر[ (1) ]، و صارت البلنجر بما فيها من الأموال و النساء و الذرية في أيدي المسلمين، فأنشأ رجل منهم يقول شعرا. قال: و أخذ الجراح امرأة صاحب البلنجر و أولاده و خدمه، فنادى عليهم فبلغوا ثلاثين ألف درهم، فاشتراهم الجراح بماله ثم جعلهم في عزلة. قال: و خاض الناس في ذلك فقال قائل منهم: ما اشتراها إلا لجمالها، و قال قائل: و ما اشتراها إلا لمالها، و قال بعضهم: ما اشتراها إلا لشرفها في الخزر، قال: و بلغ الجراح ذلك فنادى في الناس فجمعهم ثم قال:

إنه قد بلغني ما تكلمتم به في أمر هذه المرأة و إني لم أشترها لمالها و لا لجمالها و لا لشرفها، و لكني أحببت أن أردها إلى زوجها و أرده إلى مدينته هذه ليكون لنا مصلحة و مجازى لمن أرسله إلى أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك. قال: فقال الناس:

جزاك اللّه خيرا أيها الأمير!فنعم ما رأيت!قال: ثم بعث الجراح إلى صاحب البلنجر و أعطاه الأمان و أعلمه أنه رادّ عليه أهله و ماله و ولده و خدمه، و أنه مقرره في أرضه. قال: فأقبل صاحب البلنجر إلى الجراح بالأمان، فرد عليه أهله و ماله و ولده و خدمه و أقره في بلده‏[ (2) ].

ثم سار الجراح من أرض البلنجر في جماعة المسلمين حتى نزل على أرض الوبندر[ (3) ]و هم يومئذ أربعون ألف بيت. فلما نظروا إلى عسكر المسلمين قد نزل عليهم جزعوا بذلك و عظم لديهم، ثم إنهم سألوا الصلح، فأجابهم الجراح إلى ذلك و أخذ منهم أموالا كثيرة و عزم على المسير منها إلى سمندر، قال: و إذا كتاب ورد عليه من صاحب البلنجر مكتوب فيه: أيها الأمير!إني قد أحببت أن أحسن إليك كما أحسنت إليّ و أكافيك على فعلك الجميل بردّك عليّ أهلي و مالي و ولدي و خدمي، أخبرك أيها الأمير أنه قد اجتمع عليك من الخزر جمع عظيم لا طاقة لك بهم و قد انتقضت عليك ملوك الجبال، فإذا ورد عليك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل راجعا من موضعك الذي أنت فيه، فإني خائف عليك و على من معك من أصحابك. قال: فلما ورد كتاب صاحب البلنجر على الجراح بن عبد اللّه نادى في أصحابه بالرحيل، فرحل و رحل الناس معه راجعين إلى نحو من جبل الكيل، ثم [ (1) ]سمندر: مدينة خلف باب الأبواب بثمانية أيام بأرض الخزر.

[ (2) ]زيد في ابن الأثير: و جعله عينا لهم يخبرهم بما يفعله الكفار.

[ (3) ]كذا، و في ابن الأثير 3/301 «حصن الوبندر» . و لم نعثر عليه.

238

صاروا من رستاق إلى رستاق حتى انحط الجراح و أصحابه على رستاق يقال له شكّى‏[ (1) ]. قال: و أدركهم الشتاء فأقام الجراح و أصحابه هنالك، ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح اللّه على يده من الكفار و يسأله المدد. قال: فلما ورد كتاب الجراح على يزيد بن عبد الملك عزم أن يمده بخيل و رجال يقوى بهم على الخزر.

قال: و أرسل أيضا أهل العراق إلى يزيد بن عبد الملك يشكو عاملهم، فعزله و ولى مكانه عمر بن يزيد بن هبيرة[ (2) ]الفزاري، قال: فقدم عمر بن يزيد عاملا على العراقين جميعا: البصرة و الكوفة، و دان له الناس بالسمع و الطاعة، و الجراح بن عبد اللّه مقيم بأرض شكّى يتوقع المدد بأن يأتيه من الشام، حتى إذا انقضى عنه الشتاء إذا الخبر قد ورد عليه بأن يزيد بن عبد الملك قد مات، و كان ملك يزيد بن عبد الملك أربع سنين و شهرا واحدا[ (3) ]، و توفي ليلة الجمعة لأربع ليال بقين من شعبان سنة خمس‏[ (4) ]و مائة و هو يومئذ ابن أربعين سنة[ (5) ]-و اللّه أعلم-.

خلافة هشام بن عبد الملك‏

و الأمر [ (1) ]في ابن الأثير: «رستاق ملى» و في معجم البلدان: شكى بفتح أوله و تشديد ثانيه... ولاية بأرمينية.

[ (2) ]في الطبري، عمر بن هبيرة.

[ (3) ]انظر في مدة ولايته الأخبار الطوال ص 334 تاريخ اليعقوبي 2/314 الطبري 8/179.

[ (4) ]عن الطبري 8/179 و انظر تاريخ اليعقوبي 2/314 و الإمامة و السياسة 2/142.

[ (5) ]في مقدار عمره خلاف انظر مروج الذهب 3/239 الأخبار الطوال ص 334 الطبري 8/179.

قيل في موته أنه بقي بعد حبابة جاريته خمسة عشر يوما و مات و دفن إلى جانبها. و كان يزيد بن عبد الملك قد استسلم إلى غرائزه و شهواته و رغباته. و قد اتسمت ولايته بعناوين أبرزها:

-تشاغله عن مصالح الأمة و انغماسه باللهو و الغناء و الشراب و العبث و ترك الدولة بكل مؤسساتها إلى الولاة و الجواري بحيث أن حبابة جاريته كانت تعزل و تولي دون الرجوع إليه.

-عمد إلى كل الإجراءات و التنظيمات التي وضعها عمر بن عبد العزيز و التي لا توافق هواه فردها.

و مثال ذلك أنه كتب إلى عمال عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم و أصحابكم، و قد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج و الضريبة، فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، و أعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا و السلام.

-بعث روح العصبية بين اليمنية و المضرية، مما جعلها تنخر في عظام الخلافة الأموية إلى أن قضت عليها. فانحاز إلى الجناح المضري (أحد جناحي النظام الأموي) و هدد مصالح الجناح اليمني.

-لسوء سياسته عاد الخوارج إلى التحرك.

-تعيين ولاة في الولايات اعتمدوا في سياستهم الإساءة إلى الموالي مما أدى إلى انتقاض الأمن، و خروج الأطراف على الدولة، و الكثير ارتدوا عن الإسلام.

-إهماله الجهاد و ترك الغزو و مناضلة الأعداء.

239

إلى أخيه هشام بن عبد الملك، فأقر الجراح بن عبد اللّه على بلاد أرمينية و وعده أن يمده بجيش لمحاربة الخزر، ثم إنه عزل عمر بن يزيد بن هبيرة عن العراق و ولى مكانه خالد بن عبد اللّه القسري و أمره أن يوجه بأخيه أسد بن عبد اللّه عاملا على خراسان و أن يأخذ عمر بن يزيد بن هبيرة فيعذبه حتى يستخرج ما عنده من المال الذي أخذه من العراق. قال: فقدم خالد بن عبد اللّه القسري عاملا على العراق جميعا و نزل البصرة، ثم أخذ عمر بن يزيد بن هبيرة فجعل يعذبه بأنواع العذاب و يستأديه الأموال حتى شق ذلك على أهل البصرة مشقة شديدة، لأن عمر بن يزيد قد كان محبا لأهل البصرة، فشق عليهم ما قد نزل به من ذلك العذاب فقال الفرزدق بن غالب في ذلك:

ألا قطع‏[ (1) ]الرحمن ظهر مطية # أتتنا تخطى‏[ (2) ]من دمشق بخالد

و كيف يؤم الناس من كانت أمه # تدين بأن اللّه ليس بواحد[ (3) ]

قال: و كان عمر بن يزيد إذا اشتد به ألم العذاب يصيح و يقول: يا هشام!يا هشام!المستغاث من عذاب خالد!فأنشأ نصر بن سيار الكناني يقول في ذلك:

أرى مضر المصرين قد ذل نصرها # و لكن عسى أن لا يذل سنامها

فمن مبلغ بالشام قيسا و خندفا # أحاديث قد هاجت علينا سقامها

دم ابن يزيد صار حلاّ لخالد # و فينا بقيات الهدى و إمامها

أ نقتل فيكم إن قتلنا عدوكم # على دينكم و الحرب باد قتامها

أثار بقتل ابن المهلب خالد # أ لهفي لنفس ليس يهدى أنينها

قال: و جعل عمر بن يزيد بن هبيرة يحتال و يتلطف و بذل ما يقدر عليه لمن معه في السجن حتى نقبوا له في السجن نقبا و جعلوا النقب على مثال السرب، فدخل عمر بن يزيد بن هبيرة من ذلك النقب و مر تحت الأرض حتى خرج من ذلك السرب فأفلت من السجن، فقال بعضهم في ذلك:

و لما رأيت الأرض قد سد ظهرها # و لم نر إلا تحتها لك مخرجا

[ (1) ]في وفيات الأعيان 2/228 ألا قبح.

[ (2) ]في ابن الأثير 3/404 تهادى، و في الأغاني 21/313 تمطى.

[ (3) ]و كانت أم خالد نصرانية رومية. و بعده في ابن الأثير:

بنى بيعة فيها النصارى لأمه # و يهدم من كفر منار المساجد

240

دعوت الذي ناداه يونس بعد ما # هوى في ثلاث مظلمات ففرجا

فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة # و ما سار سار مثلها حين أدلجا

و ما احتال محتال كحيلته التي # لها نفسه تحت الضريحة أولجا

و ظلماء تحت الأرض قد خفت هولها # و ليل كليل الطيلساني أدعجا

قال: و علم خالد بن عبد اللََّه القسري بهرب عمر بن يزيد، فوجه في طلبه برجل يقال له مالك بن المنذر بن الجارود العبدي، فخرج مالك بن المنذر في نفر من غلمانه حتى لحق عمر بن يزيد في بعض الطريق و هو يريد الشام فقتله، ثم رجع إلى خالد بن عبد اللََّه فخبره ذلك. قال: و بلغ ذلك هشام بن عبد الملك فأرسل إلى مالك بن المنذر بن الجارود فأشخصه من العراق، فلما دخل عليه و سلم قال له هشام: لا سلّم اللّه عليك و لا حياك و لا مرحبا بك و لا أهلا يا عدو اللّه!أقتلت عمر بن يزيد بن هبيرة!فو اللََّه لقد كان خيرا منك أبا و أما و حسبا و نسبا و ريشا و عقبا! فقال مالك: و لم ذلك يا أمير المؤمنين؟أو لست ابن المنذر بن الجارود؟قال:

فغضب هشام من ذلك ثم أمر فوجئت عنقه و هشم أنفه و أدمي فوه، ثم أمر به إلى السجن فلم يزل يعذب بألوان العذاب حتى مات.

قال: ثم كتب هشام بن عبد الملك إلى الجراح و هو يومئذ مقيم بأرض شكى يأمره بمحاربة الخزر و يعده في كتابه أن يمده بجيش أهل الشام، قال: فطمع الجراح في ذلك ثم صار من أرض شكى حتى صار إلى حصن برذعة، ثم صار من هنالك إلى مدينة يقال لها البيلقان، ثم إلى مدينة ورثان‏[ (1) ]، و باجروان‏[ (2) ]ثم إلى أردبيل فنزل بها، و بها يومئذ خلق كثير من المسلمين يزيدون على ثلاثين ألفا.

قال: فنزلها الجراح ثم جعل يبث منها السرايا إلى موقان و جيلان و طالقان‏[ (3) ]فتغير و تأسر و تقتل و ترجع السرايا إلى أردبيل، و بعث خاقان ملك الخزر إلى جميع أصناف الكفر ممن كان على دينه و ملته فاستمدهم إلى حرب المسلمين فأجابوه إلى ذلك، فضمهم بأجمعهم إلى ابنه نارستيك بن خاقان و أمره بالمسير إلى أذربيجان لمحاربة الجراح بن عبد اللََّه و أصحابه. قال: فسار نارستيك بن خاقان في ثلاثمائة ألف من [ (1) ]عن ابن الأثير، و بالأصل: «وريان» . و ورثان بلد هو آخر حدود أذربيجان بينه و بين وادي الرس فرسخان و بين ورثان و بيلقان سبعة فراسخ.

[ (2) ]باجروان: مدينة من نواحي باب الأبواب.

[ (3) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «طالشان» .

241

الخزر و أصناف الكفار حتى نزل مجمع النهرين: نهر الكر و نهر الرس. ثم سار من هنالك إلى ورثان فأخذها و قتل عامة أهلها، ثم خرج منها يريد الجراح بن عبد اللََّه و أصحاب الجراح يومئذ متفرقون في بلاد أذربيجان.

قال: فجعلت الخزر تقتل كل من قدر عليه من المسلمين و يغيرون و يحرقون و ينهبون، و بلغ ذلك الجراح بن عبد اللََّه فكتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك و يسأله المدد، قال فتباطأ هشام عن نصرة الجراح و أقبلت الخزر حتى نزلوا قريبا من أرض أردبيل‏[ (1) ].

ذكر محاربة الجراح بن عبد اللََّه مع الخزر و مقتله رحمة اللََّه عليه‏

قال: و خرج الجراح بن عبد اللََّه حتى صار إلى مرج جبل يقال له السبلان‏[ (2) ] فضرب عسكره هنالك، ثم رحل حتى صار إلى نهر على قارعة الطريق فعقد له جسرا-قال: و ذلك الجسر إلى يومنا هذا لا يعرف إلا بجسر الجراح. قال: و كان مع الجراح يومئذ دهقان أذربيجان و اسمه مردان شاه و كان مجوسيا، فأقبل على الجراح فقال: أيها الأمير!إنك في قلة من الجيوش، و العدو في جيش كثير و جند كبير، و ليس ينبغي للقليل من الجيش أن يصحر للجيش الكثير في الأرض المستوية، و لكن هذا جبل سبلان‏[ (3) ]قريب منك، فمل إليه و انزل في سفحه و اجعله وراء ظهرك و قاتل العدو من وجه واحد إلى أن يأتيك المدد من عند أمير المؤمنين. قال فقال له الجراح: يا مردان شاه!أظنك جبانا، فقال، لا ما جبنت قط، و لكن قد أشرت عليك بالصواب، فقال الجراح: ما كان نساؤكم باللاتي يتحدثن عني بأني جبنت عن قتال أعداء اللََّه. قال: ثم سار الجراح من موضعه ذلك حتى نزل بقرية يقال لها شهرازاد، فحط الأثقال هنالك على تلك القرية. قال: و في أصل ذلك التل عين ماء جارية، فلما استقر به الموضع إذا الخزر قد أقبلت في السيل و الليل، و عبأ الجراح أصحابه و دنا القوم بعضهم من بعض. فقال مردان شاه الدهقان للجراح بن عبد اللََّه:

أيها الأمير!ألستم تزعمون في دينكم أن الرجل إذا كان مخالفا لكم ثم إنه شهد [ (1) ]أردبيل من أشهر مدن أذربيجان.

[ (2) ]في ابن الأثير: «مرج أردبيل» و السبلان «جبل عظيم مشرف على مدينة أردبيل» . و في فتوح البلدان: واقعهم على أربعة فراسخ من ناحية أردبيل.

[ (3) ]بالأصل: سيلان.

242

بشهادة الحق و ضرب بسيفه في المشركين حتى يقتل فإنه في الجنة شهيد؟فقال له الجراح: بلى يا مردان شاه!إنا نقول ذلك و لا نشك فيه!قال: فخرج الدهقان بسكين كان معه فقطع كشحا كان في وسطه، ثم نزع ثيابه و شهد بشهادة الحق، ثم أخذ سيفه و تقدم نحو الخزر فلم يزل يقاتل حتى قتل. قال: و اشتد القتال بين المسلمين و الخزر و كلبت الخزر على القتال و جعل المسلمون يروغون عن الحرب‏[ (1) ]. فقال: هو ما ترى أصلح اللََّه الأمير!فقال: ناد بهم «هلموا إلى الجنة لا إلى النار!هلموا إلى الهدى لا إلى الحبار!هلموا إلى الرحمن لا إلى الشيطان! هلموا إلى الجنان لا إلى النيران!» فجعل الغلام ينادي كذلك و القوم يروغون من شدة الحرب، قال: فعندها حمل الجراح و هو يرتجز و يقول:

لم يبق إلا حسبي و ديني # و صارم ذو صنعة مسنون

للّه در الصبر من قرين # قرين صدق غير ما خؤون‏

قال: ثم حمل على جميع الخزر، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم مقتلة عظيمة و قتل‏[ (2) ].

قال: و وضعت الخزر السيف في أصحاب الجراح فقتلوهم بأجمعهم إلا سبعمائة رجل أو دون ذلك، فإنهم انهزموا حتى صاروا إلى جبل سبلان‏[ (3) ]و اشتغل الخزر عنهم بما صار إليهم من الغنائم، و أمر نارستيك بن خاقان بطلب الجراح فطلبوه في القتلى حتى وقفوا عليه، فأمر به نارستيك فاحتز رأسه، ثم احتوى على أمواله و أهله و ولده و جواريه و خدمه و جميع ما كان له.

قال: و خرج رجل من عسكره يسمى صقليا، فلم يزل يسير إلى هشام بن عبد الملك، فدفع إليه خاتم الجراح و خبره بخبره و خبر أصحابه و كيف قتلوا، قال:

فبكى هشام بن عبد الملك بكاء شديدا حتى علا نحيبه و بلّ لحيته بدموعه، و بكى المسلمون في كل بلد حزنا منهم على الجراح و أصحابه، فأنشأ بعض أهل الشام يقول في ذلك أبياتا مطلعها:

نفسي الفداء لجراح و قد نحبت # نفس الجبان و ضاق الورد و الصدر

[ (1) ]الظاهر أن في الأصل سقطا.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 208 اقتتلوا ثلاثة أيام. فاستشهد و من معه.

[ (3) ]بالأصل: سيلان.

243

إلى آخرها.

قال: و سارت الخزر إلى أردبيل فنزلوا عليها و صابرهم أهل أردبيل أياما كثيرة و ليالي، فلما طال عليهم الحصار و لم يأتهم غياث أسلموا المدينة. قال: فدخل الخزر مدينة أردبيل عنوة بالسيف، فقتلوا المقاتلة و سلبوا النساء و الذرية و غنموا ما كان فيها، ثم إنهم تفرقوا في رساتيقها فينزلونها و يقتلون و ينهبون و يحرقون و يفجرون.

قال: و جعل هشام بن عبد الملك يستشير وزراء خاصته فيما قد نزل به من أمر الجراح بن عبد اللََّه و أصحابه و امتنع من النوم و ضاقت الأرض عليه برحبها، ثم أقبل على مولى له يقال له سالم فقال: ويحك يا سالم!ما الذي عندك من الرأي؟فقال سالم: و اللََّه يا أمير المؤمنين!إن دعاءك إياي للمشورة أعظم عندي مما فعلت الخزر بالمسلمين، أنا عندك في موضع مشورة فتستشيرني؟عليك بأصحابك و صنائعك و فوادك و وجوه العرب فاستشرهم في ذلك الأمر ثم افعل بعد ذلك ما تريد و بما يعزم اللََّه لك عليه. قال: فجعل هشام يدخل إلى منزله و يخرج و لا يستقر به موضع استعظاما لما قد انتهى إليه من أمر الجراح و أصحابه، قال: فكلمه خادم يقوم على رأسه فقال: يا أمير المؤمنين جعلني اللََّه فداك!هؤلاء الأشراف الذين قد ألزمتهم بابك و أجريت عليهم أرزاقك لأي شي‏ء يرادون إلا لمثل هذا اليوم!فقال هشام:

و اللََّه لقد صدقت في ذلك!عليّ بهم، قال: فأدخل عليه كل من كان ببابه فاستشارهم هشام في أمره، فتكلم جماعة و قالوا: يا أمير المؤمنين!ليس لهذا الأمر إلا سعيد بن عمرو الحرشي فإنه رجل مجرب و قد علمت ما كان منه بخراسان في جهاد الترك و السغد، و هو رجل مقدام بطل همام، غير أنه ضعيف البصر و نحن نرجو أن يقوم بأمر الخزر. قال فقال هشام: هو لها ما لها!سواه.

ذكر أمر سعيد بن عمرو الحرشي و خروجه إلى الخزر

قال: و كان سعيد بن عمرو هذا ينزل مدينة من مدائن الشام يقال لها منبج، فأمر هشام كاتبه فكتب: أما بعد يا سعيد!فقد كان من أمر الجراح بن عبد اللََّه و أصحابه ما لا يخفى عليك، فانظر إن ألفاك كتابي هذا و أنت قاعد فقم، و إن ألفاك قائما فلا تقعد، فإن الأمر يجل عن الوصف-و السلام-.

244

قال: فلما ورد كتاب هشام على سعيد بن عمرو و قرأه وثب قائما، و استوى على بغل له و أمر بني عمه بالركوب فركبوا، و سار حتى قدم على هشام بن عبد الملك و هشام يومئذ على موضع يقال له الرصافة فاستأذن، فأذن له فدخل و سلم فرد عليه هشام السلام ثم أمر بالجلوس فجلس، فقال له هشام: يا سعيد!قتل أخوك الجراح بن عبد اللََّه و قتل إخوانك من المسلمين بأرض أردبيل، فما ذا عندك من الغناء؟[ (1) ]فقال سعيد: يا أمير المؤمنين!ما كنت قط أقوى مني هذا اليوم، فقال هشام: الحمد للََّه على كل حال على ذلك، و كيف بصرك من ضعفه؟فقال: يا أمير المؤمنين!هذا يوم يبصر فيه الأعمى و لا مخبأ لعطر بعد عروس‏[ (2) ]، قال فقال هشام: أحسنت!و هذا كان ظني بك. قال: ثم أمر هشام فطلب من خزانته رمح من رماح أهل بدر، فما أصيب إلا رمح واحد فأتي به إلى هشام، فعقد للحرشي إلى ذلك الرمح عقدا بيده و دفعه إليه، فقال الحرشي: يا أمير المؤمنين!إني قد رأيت في منامي رؤيا عجيبة، فقال هشام: و ما الذي رأيت يا سعيد؟قال: رأيت كأني أتيت بنخل كثيرة فجعلت أحطمها برمحي حتى أتيت على غايتها، ثم إني أدخلت إلى قبر الجراح بن عبد اللََّه و أخرجت من فيه، ثم انتبهت فزعا مرعوبا، فصرت بنفسي إلى محمد بن سيرين و قصصت عليه ما رأيت، فقال: أما النخل فإنها عساكر الخزر و أنت قاتلها إن شاء اللََّه، و أما دخولك قبر الجراح فأنت الثائر بدمه. قال فقال هشام: و اللََّه إني لأرجو أن يقصم اللََّه بك الكفار!و ما ذلك على اللََّه بعزيز. قال:

فتناول الحرشي اللواء ثم صاح بغلام له: يا فرج!خذ هذا اللواء إليك، فقال هشام: يا سعيد!هذا اسمه أو أردت بذلك الفأل؟فقال: بل هو اسمه يا أمير المؤمنين، قال: فأمر هشام بن عبد الملك له بخمسين درعا و خمسين سيفا و خمسين رمحا و خمسين مغفرا و خمسين قوسا و خمسين كنانة، و حمله على عشرة أفراس عربية، ثم انتخب له وجوه أهل الشام و أشراف العرب فضمهم إليه و قال: سر يا سعيد حتى تنزل الرقة، فلا تبرحها إلى أن يلحقك الناس.

قال: فسار الحرشي في قومه و بني عمه و سادات أهل الشام حتى نزل الرقة، و جعل هشام يندب إليه الناس حتى صاروا في ثلاثين ألفا. قال: و وجه إليه هشام [ (1) ]في الطبري 7/70 و ابن الأثير 3/330 قال الجراح: تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم تبعث إليّ كل يوم أربعين رجلا، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافوني.

[ (2) ]مثل يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس (الميداني-مجمع الأمثال) .

245

بمائة ألف درهم و أمره بالتقدم إلى العدو. قال: فرحل الحرشي بجيشه ذلك، و كان لا يمر بمدينة من الجزيرة إلا استنهض أهلها إلى حرب الخزر فيجيبه من كل مدينة قوم ممن يريد الجهاد، فلم يزل كذلك حتى صار إلى مدينة يقال لها أرزن‏[ (1) ]فإذا هو بقوم من أصحاب الجراح قد استقبلوه مفلولين يريدون الشام، فلما نظروا إلى الحرشي بكوا بكاء شديدا ثم نعوا إليه الجراح، فبكى الحرشي حتى علا نحيبه، ثم فرق عليهم مالا قواهم به و أمرهم بالرجوع معه إلى الجهاد، و جعل لا يلقاه واحد إلا أعطاه عشرة دنانير، ثم إنه دخل إلى الدرب الذي يعرف إلى يومنا هذا بدرب بني زرارة فقطعه حتى خرج إلى مدينة خلاط[ (2) ]و في قلعتها يومئذ جماعة من الكفار، فأقام عليها أياما حتى فتحها، و قتل مقاتلتها، و قسم على أصحابه غنائمها. ثم تقدم من خلاط[ (3) ]فجعل يفتح قلعة بعد قلعة و حصنا بعد حصن حتى صار إلى برذعة فنزلها و تباشر به أهل برذعة من المسلمين الذين بها. قال: و نارستيك بن خاقان يومئذ في بلاد أذربيجان يقتل و يسبي‏[ (4) ]. قال: و اجتمع الناس إلى الحرشي من كل أوب عازمين على الجهاد، فقام في الناس خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المسلمين!فليعد موسركم على معسركم، فليس هذا يوم ادخار الأموال، ألا!و من كان عنده فضل دابة فليحمل عليها رجلا من المسلمين، و استعينوا باللّه و توكلوا عليه، و استنصروا اللََّه ينصركم و يثبت أقدامكم. قال: فناداه الناس من كل ناحية: سمعنا و أطعنا أيها الأمير!فسر بنا إلى عدونا يرحمك اللََّه عز و جل.

ذكر الرجل الرستاقي‏

قال: و سار الحرشي من برذعة حتى نزل البيلقان، فلما استقر بها أقبل إليه رجل من رستاقها فقال: أصلح اللََّه الأمير!إني رجل ملهوف فاسمع مني ما أقوله، فقال الحرشي: قل ما بدا لك، فقال: إن نارستيك بن خاقان لما قتل الجراح بن عبد اللََّه و فعل بأهل أردبيل ما فعل بعث إلى هذا الرستاق بطرخان من طراخنته، ففرق أصحابه في هذه القرى فأخذ ابنتين لي، فجردهما من ثيابهما و أمرهما أن تسقياه الخمر عريانين، و هو الآن نازل في قرية من هذه الرستاق آمنا مطمئنا لا يعلم بشي‏ء [ (1) ]أرزن: مدينة مشهورة قرب خلاط، و لها قلعة حصينة و كانت من أعمر نواحي أرمينيا.

[ (2) ]بالأصل: «أخلاط» و ما أثبت عن ابن الأثير 3/330 و خلاط هي قصبة أرمينيا الوسطى.

[ (3) ]بالأصل: «أخلاط» .

[ (4) ]و كان ابن خاقان يومئذ يحاصر مدينة ورثان كما في ابن الأثير. و فتوح البلدان ص 208.

246

من خبر قدومك إليه، فيصبح سكران و يمسي سكران، فوجه إليه أيها الأمير معي برجل من أصحابك فعسى اللََّه تبارك و تعالى أن يمكن منه و أستنقذ منه ابنتيّ و أنت في ذلك مأجور!فاغتم الحرشي لذلك غما شديدا، ثم دعا برجل من بني عمه يقال له عبد الملك‏[ (1) ]بن مسلم العقيلي فضم إليه جماعة من فرسان أصحابه و وجه بهم الرستاقي إلى القرية التي فيها الطرخان، ثم أقبل بعبد الملك بن مسلم حتى أوقفه على البيت الذي للطرخان، قال: فصعد العقيلي و تطلع من كوة[ (2) ]البيت فإذا هو بالطرخان سكران لا يعقل و الجاريتان عند رأسه، قال: فرمى بنفسه من كوة[ (2) ]البيت فسقط على الكانون، ثم وثب على الطرخان، فلم يزل يضربه بسيفه حتى قتله، ثم احتز رأسه و خرج إلى أصحابه و الجاريتان معه فسلمهما إلى أبيهما، ثم وضع السيف فقتل كل خزري كان في تلك القرية و غنم ما غنم، ثم رجع إلى الحرشي فخبره بذلك. قال: فكان ذلك أول فتح كان للحرشي.

قال: و اتصل الخبر بالحرشي بأن نارستيك بن خاقان ملك الخزر محاصر لأهل مدينة ورثان في جمع عظيم، فدعا برجل من أهل البيلقان يقال له بردك‏[ (3) ]-و كان بردك هذا من أبناء فارس، و كان مع ذلك شجاعا بطلا، و كان فصيحا بالخزرية، و كان يعرف بصاحب البرذون الأبلق. قال: فدعاه الحرشي فقال: يا بردك!أنت رجل مسلم و أريد منك أن تهب نفسك للََّه و للمسلمين و تصير إلى ورثان فتعلمهم أني قادم إليهم لكيلا يسلموا مدينتهم إلى الخزر!قال فقال له الرجل: أفعل ذلك أيها الأمير إن شاء اللََّه!قال: فخرج الرجل في جوف الليل يريد إلى مدينة ورثان، فلما أصبح وقع عليه قوم من الخزر فأخذوه ثم سألوه عن حاله، فخبرهم أنه رسول الحرشي إلى أهل ورثان يعلمهم أن الحرشي قادم، قال فقال له الخزر: أين الحرشي؟قال: بالبيلقان، قالوا: فإن أحببت الآن أن نخلي سبيلك و أن تنجو بنفسك فتقدم إلى مدينة ورثان و خبرهم بأنه ليس بقادم عليهم أحد من العرب حتى يسلموا المدينة إلينا!قال فقال لهم: أفعل ذلك غير أنكم قد أخذتم برذوني هذا الأبلق و أنا لا أعرف إلا به، فردوه عليّ و قربوني من المدينة، قال: فردوا عليه برذونه، فاستوى عليه ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل ورثان!هل تعرفونني؟فقالوا:

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 208 ورد ذكره في رجال الحرشي.

[ (2) ]بالأصل «كورة» و ما أثبت يناسب سياق المعنى.

[ (3) ]في ابن الأثير 3/330 فأرسل بعض أصحابه. ـ

247

نعم أنت بردك‏[ (1) ]البيلقاني صاحب البرذون الأبلق، فقال: صدقتم أنا هو، و لكن أبشروا فقد جاءكم سعيد بن عمرو الحرشي في عسكر لجب و هو بالبيلقان، فشدوا أيديكم بمدينتكم و لا تسلموها إلى الخزر، فإن الحرشي يصبحكم غدا[ (2) ]إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه!و أما أنا فإني مقتول-و عليكم السلام-. قال: فلما سمع أهل ورثان ذلك رفعوا أصواتهم بالتكبير، و علمت الخزر أن بردك قد نصحهم و بشرهم بقدوم الحرشي عليهم، فشدوا عليه بالسيوف فقتلوه.

قال: و بلغ ذلك الحرشي فأمر بحطب كثير، فجمع له، ثم أمر فألهبت فيه النيران لكي يرتفع دخانه فيعلم أهل ورثان أني قادم عليهم، قال: و نظرت الخزر إلى ذلك الدخان فارتحلوا عن باب ورثان حتى صاروا إلى صحراء البلاشجان‏[ (3) ]و من البلاشجان إلى حصن باجروان. قال: و أقبل الحرشي إلى باب ورثان فنزل على بابها يومه ذلك، فخرجوا إليه بالأطعمة و العلوفة، و انضم إليه منهم زهاء على ألفي فارس، فارتحل الحرشي من ورثان في طلب الخزر من بين يديه إلى ناحية أردبيل و إلى ناحية الميمذ[ (4) ]، و أقبل الحرشي حتى نزل باجروان.

فلما استقر به الموضع إذا بفارس قد أقبل على فرس كالقرطاس الأبيض من شدة بياضه و على الفارس أيضا ثياب بيض حتى وقف على الحرشي، و الحرشي قاعد على باب حصن باجروان فسلم عليه، فرد عليه الحرشي السلام ثم قال: من أنت عافاك اللّه؟فقال له الفارس: أنا عبد من عبيد اللّه، و لكن هل لك أيها الأمير في الجهاد و الغنيمة من حاجة؟قال الحرشي: و كيف لي بذلك؟فقال: هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف‏[ (5) ]أهل بيت من المسلمين أسارى و سبايا و قد نزلوا على أربعة فراسخ من موضعك هذا بأرض يقال لها رستك‏[ (6) ]فإن أردتهم فهذا وقتهم، قال: ثم تركه صاحب الفرس و مضى. و نادى الحرشي في أصحابه: أيها الناس!اركبوا إلى الجهاد و الغنيمة رحمكم اللّه!و انظروا أن لا يصحبني منكم إلا صاحب بيضة محكمة [ (1) ]بالأصل «يزدك» و قد مرّ أنه «بردك» و في ابن الأثير: قالوا: نعم أنت فلان.

[ (2) ]ابن الأثير: في هذين اليومين يصل إليكم.

[ (3) ]كذا بالأصل، و لم نجده.

[ (4) ]بالأصل «الميمند» و ما أثبت عن فتوح البلدان، و فيها ميمذ من عمل أذربيجان.

[ (5) ]في ابن الأثير: في عشرة آلاف و معهم خمسة آلاف من أهل بيت المسلمين.

[ (6) ]كذا، و لم نعثر عليه.

248

و درع سابغ و سيف قاطع، ثم دعا الحرشي بدرعه و أفرغه عليه و تقلد بسيفه، ثم قدم إليه فرسه فسما و ركب و تقدم على باب باجروان، فجعل ينظر إلى قائد بعد قائد حتى خرج إليه أربعة من القواد في أربعة آلاف رجل على ما أراد من الهيئة و السلاح، فقال: حسبكم، الآن أغلقوا الباب، فغلق باب باجروان.

ثم دعا الحرشي-ليأتيهم بالخبر-برجل يقال له إبراهيم بن عاصم العقيلي فأرسله إلى الخزر، قال: و كان إبراهيم هذا فصيحا بالخزرية، فأقبل يسير في جوف الليل نحو عسكر الخزر و الحرشي من ورائهم في أربعة آلاف. قال: و سبقه إبراهيم بن عاصم هذا فدخل عسكر الخزر و كان يلبس كلباسهم و يتشبه بهم، فجعل يجول في عسكرهم راجلا و الخزر آمنون مطمئنون. قال: و إذا طرخان من طراخنتهم عنده سرية للجراح بن عبد اللّه فهو يراودها عن نفسها و هي تبكي و تقول: يا رب!ما لنا أحد سواك و قد ترى ما نحن فيه، فوعدك الحق. قال: فلما سمع إبراهيم بن عاصم مقالة الجارية همّ أن يهجم على الطرخان فيقتله، ثم إنه خشي أن يقتل و لا يبلغ حاجته، فرجع إلى الحرشي فخبره بذلك. قال: فبكى الحرشي و من معه من المسلمين بكاء شديدا، ثم أمسكوا عن بكائهم و جعلوا يسيرون حتى أشرفوا على عسكر الخزر في آخر الليل و القوم نيام، فلما نظر إليهم الحرشي على تلك الحالة فرق عليهم أصحابه من أربعة أوجه و أمرهم أن لا يقدموا إليهم حتى لا يسمعوا التكبير. قال: و برق عمود الصبح فكبر الحرشي و كبر معه المسلمون، و سمع الأسارى التكبير فأيقنوا بالفرج، و وضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى أبيدوا بأجمعهم في معركة واحدة و هم عشرة آلاف، فما أفلت منهم إلا رجل واحد و إنه سار إلى نارستيك بن خاقان فخبره بذلك، فأنشأ رجل من المسلمين يقول أبياتا مطلعها:

تشبث لمتي همي بما لا # يهم به الضعيف من الرجال‏

إلى آخرها.

قال: و جمع الحرشي غنائم الخزر، و استنقذ المسلمون و المسلمات و الذراري الذين كانوا في أيدي الخزر و دوابهم، و سار حتى صار إلى باجروان.

قال: فما دخلها حينا حتى أقبل إليه صاحب الفرس الأشهب‏[ (1) ]فقال: السلام [ (1) ]في ابن الأثير 3/331 صاحب الفرس الأبيض.

249

عليك أيها الأمير و رحمة اللّه و بركاته!فقال له الحرشي: أيها[الرجل‏]أين أنت؟ فإني قد أمرت لك بجائزة فخذها فإنك رجل ناصح دال على الخير و الأجر و الثواب، فقال له: أيها الأمير!تكون هذه الجائزة عندك فإنها[ (1) ]أحرز لها، و لكن هل لك أيها الأمير في الغنيمة الباردة؟فقال الحرشي: و كيف لنا بذلك؟فقال: هذا جيش الخزر قد أقبل و معهم أموال المسلمين و حرم الجراح بن عبد اللّه و أولاده، و هم يريدون إلى بلادهم غير أنهم نزلوا على نهر الميمذ[ (2) ]من ههنا على فراسخ يسيرة للخيل، فإن أردتهم أيها الأمير فهذا وقتهم. قال: ثم مضى الرجل و نادى الحرشي في أصحابه، و سار بهم نحو نهر الميمذ، فلما أشرف على النهر إذا هو بجيش الخزر في عشرين ألفا أو يزيدون و معهم الأسارى من المسلمين و المسلمات، قال: فكبر الحرشي و كبر المسلمون معه، ثم حملوا على جميع الخزر و وضعوا فيهم السيف، فما أفلت منهم إلا الشريد، و احتوى الحرشي على الغنائم، و استنقذ الأسارى، و إذا فيهم جواري الجراح و أولاده و حرمه و جميع أمواله، فجعل الحرشي يضم أولاد الجراح إلى صدره و يبكي و يقول: يا بني أخي!ليتني كنت مع أبيكم فنحيى جميعا أو نموت جميعا!قال: ثم سار الحرشي بالمسلمين و المسلمات و الغنائم يريد إلى باجروان، فأنشأ رجل من بني عبس يقول أبياتا مطلعها:

أنا العبسي أذكر مجد قومي # يحوزون النهاب و يحكمونا

إلى آخرها.

قال: و دخل الحرشي إلى باجروان بغنائم الخزر.

قال: و بلغ ذلك نارستيك بن خاقان ملك الخزر فهمّ أن يقتل نفسه من شدة الغم، ثم أقبل على طراخنته و وجوه أصحابه فقال: ويلكم يا معشر الخزر!أنتم تعلمون أني قفلت الجراح و هو ملك من البلاد، ثم استبحت عسكره و أسرت من أسرت، و سبيت من سبيت، ثم جاءكم رجل على بغل في قلة و ذلة ففعل بي و بكم ما فعل و أخذ غنيمتي فقتل أصحابي، أ فليس الموت خيرا لي من ذلك؟قال:

فضجت الخزر من كل ناحية و قالوا: أيها الأمير!لا عليك فإنها نأتيك به أسيرا فاصنع به ما أحببت. قال: فعندها جعل نارستيك بن خاقان يجمع أطرافه و يضم إليه أصحابه من جميع بلاد أذربيجان، حتى اجتمع له خلق كثير، و بلغ ذلك سعيد بن [ (1) ]كذا بالأصل، و المناسب: فإنك.

[ (2) ]في ابن الأثير: بمكان كذا.

250

عمرو الحرشي فأرسل إلى ورثان و البيلقان و برذعة و قبلة[ (1) ]و إلى جميع بلاد أرمينية، فحشر إليه الناس من المزرفة[ (2) ]و المطوّعة[ (3) ]و سائر الناس، فسار بهم في جمع عظيم. قال: و إذا بصاحب الفرس الأشهب قد أقبل فقال: السلام عليك أيها الأمير و رحمة اللّه و بركاته!فقال له سعيد بن عمرو: يا هذا أنت رجل مبارك علينا، و ذلك أنك عرضتنا للغنيمة و الشهادة غير مرة، و قد اجتمعت لك عندنا جوائز و قد أمرنا لك بها، فلم لا تأخذها يرحمك اللّه؟فقال: تكون هذه الجوائز عند الأمير إلى وقت حاجتي إليها، و لكن هل للأمير في نارستيك بن خاقان و جيشه و في الجهاد و الغنيمة قال الحرشي: ما أحوجنا إلى ذلك!قال: فإنه قد سار إلى ما قبلك في جمع عظيم و معه أربعون ألف عجلة عليها المسلمون و المسلمات و الذراري و الأمتعة، فإن أردتهم فهذا وقتهم. قال: ثم مضى الرجل، و نادى الحرشي في أصحابه، فركبوا بأجمعهم، ثم سار بهم سيرا عنيفا حتى وافى بهم أرض برزند[ (4) ]و بها يومئذ نارستيك بن خاقان في جملة عساكر الخزر، فلما نظر إلى عساكر العرب واقفة عبى أحصابه تعبية الحرب، و عبى الحرشي أصحابه كذلك في وقت العصر، و تقدم على برذون له أدهم و سيفه على عاتقه، و تقدم المسلمون معه نحو الخزر. قال:

و صدقتهم الخزر القتال فدفعوا المسلمين دفعة اضطروهم إلى سفح الجبل. فلما نظر الحرشي إلى ذلك حسر البيضة عن رأسه ثم وعظ الناس و ذكرهم و حرضهم على القتال، و قال: ويحكم!يا أهل الإسلام إليّ!تنهزمون من بين يدي هؤلاء الأغنام الذين لا يعرفون اللّه و لا يعبدونه، أما تسمعون أطيط العجل عليها المسلمون و المسلمات أسارى ينادون: وا محمداه!وا أبا القاسماه!قال: فثاب إليه المسلمون من كل ناحية، ثم إنهم صدقوا القتال فقاتلوا قتالا شديدا، و صدق اللّه وعده و أعز جنده و نصر أولياءه و أذل أعداءه، و انهزمت الخزر من بين يدي المسلمين هزيمة قبيحة و معهم ملكهم نارستيك بن خاقان، و احتوى الحرشي و أصحابه على سوادهم و أموالهم و قليلهم و كثيرهم، و حاز العجل و من عليها من المسلمين و الذراري و الأمتعة، و أنشأ رجل من المسلمين في ذلك يقول أبياتا مطلعها:

لنا هضبة تعلو الهضاب بعيدة # من الذل يخشى درها من يحاربه‏

[ (1) ]قبلة: مدينة قرب الدربند و هو باب الأبواب من أعمال أرمينية.

[ (2) ]المزرفة: قرية كبيرة فوق بغداد على دجلة.

[ (3) ]المطوعة: موضع من نواحي البصرة.

[ (4) ]برزند: بلد من نواحي تفليس من أعمال جرزان من أرمينيا الأولى.

251

إلى آخرها.

و انهزمت الخزر على وجوهها، و المسلمون في طلبهم حتى بلغوا بهم إلى شاطئ لهم‏[ (1) ]، ثم رجعوا عنهم و ساقوا الأسارى و الغنائم إلى باجروان.

قال: و إذا بصاحب الفرس الأشهب قد أقبل إلى الحرشي فقال: السلام عليك أيها الأمير و رحمة اللّه و بركاته!قم أيها الأمير و ناد في أصحابك فليركبوا. فهذا نارستيك بن خاقان عدو اللّه قد التأم عليه عامة من شذّ عنه من أصحابه، و قد أقبل إليك في جمهور الطراخنة و فرسان الخزر، و قد نزل على نهر موقان‏[ (2) ]في جمع عظيم و جيش كثير، فلا يهولنك أمرهم أيها الأمير!فإن اللّه ناصرك و خاذلهم و جاعل دائرة السوء عليهم، فإني خائف أن يصبحك غدا في جمعه ذلك و ليس الأمر بصغير، و قد أعذر من أنذر. قال: ثم تركه و مضى، و نادى الحرشي في أصحابه من المسلمين أن لا يبقى أحد من المسلمين صغير و لا كبير إلا ركب و استعد للموت.

قال: فركب المسلمون بأجمعهم، و يقولون: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، باللّه استعنا و عليه توكلنا و هو حسبنا و نعم الوكيل!قال: ثم دعا الحرشي بقوم من ثقات أصحابه و أمرهم بحفظ مدينة باجروان و من بها من المسلمين و المسلمات و الغنائم، ثم سار في ثلاثة و خمسين ألفا من أهل الشام و الجزيرة و من التأم إليه من جميع البلاد حتى وافى نهر موقان‏[ (3) ]، و إذا نارستيك بن خاقان هنالك في تسعين و مائة ألف. فلما نظر إلى غبار خيل المسلمين وثب فعبى أصحابه، و دنا منهم الحرشي على غير تعبية حتى وافقهم هنالك، ثم دعا بعصابة فعصب بها حاجبه و قال: أيها الناس!هل فيكم من يعرف نارستيك بن خاقان؟فقالوا: نعم، هو صاحب التاج الواقف تحت البيداء الأعظم الذي عليه الرأس. فقال الحرشي: و ما ذلك الرأس؟قالوا: رأس الجراح بن عبد اللََّه، قال: فدمعت عينا الحرشي ثم قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ !لا خير في الحياة بعد هذا اليوم. ثم صاح بالناس فحمل و حملوا معه، فلم يكذب الحرشي أن وصل إلى نارستيك بن خاقان فضربه على تاجه ضربة صرعه عن فرسه إلى الأرض. قال: و اجتمعت إليه الخزر فخلصوه من المعركة، و اشتد القتال بين الفريقين فقتل من المسلمين و من الخزر خلق كثير، و غرق في نهر موقان ما لا يحصون كثرة، و انهزم الباقون نحو البحر، ثم أخذوا على [ (1) ]في ابن الأثير 3/331 بلغوا بهم إلى نهر الرس.

[ (2) ]في ابن الأثير: على نهر البيلقان

[ (3) ]ابن الأثير: نهر البيلقان.

252

الساحل حتى صاروا إلى مجمع النهرين من الكر و الرس، فأنشأ رجل من قيس غيلان يقول أبياتا مطلعها:

و قيس أوطأت خاقان ذلاّ # وقائع منهم فيها اعتداء

إلى آخرها.

قال: و جاء الليل فهجم على المسلمين و الحرشي قاعد ما ينام و سلاحه عليه، فكلما جاء رجل في جوف الليل يقول الحرشي: من أنت؟فيقول: أنا فلان أصلح اللََّه الأمير!فلم يزل الحرشي كذلك يفتقد فرسان أصحابه حتى حلوا بأجمعهم إلا رجلا واحدا و هو الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي. قال: فاغتم الحرشي له غما شديدا و لم يدر ما حاله، حتى إذا كان في الثلث الأخير من الليل إذا رجل قد أقبل، فقال الحرشي: من هذا؟قال: أنا فلان أصلح اللََّه الأمير!قال الحرشي:

ويحك!هل رأيت الهذيل بن زفر؟فقال: نعم أيها الأمير رأيته على فرس له أبلق و هو يحاول رجلا من الخزر على شاطئ النهر، فلا أدري إلى ما ذا صار أمره، قال الحرشي: ويحك!فهلا وقفت عليه و أعنته بنفسك!سوءة لك من رجل!و إن كنت عربيا فلا أكثر اللََّه في العرب مثلك!أ ترى رجلا مسلما يحاوز رجلا كافرا فلا تعينه بنفسك!قال: فلما أصبح إذا بالهذيل بن زفر قد أقبل و رأس الخزري معلق من سرجه، فقال له الحرشي: ويحك يا هذيل!لقد غررت بنفسك في مثل هذا الكلب!فقال الهذيل: أصلح اللََّه الأمير لقد لقيت منه عشاء و لا مارست في هؤلاء الخزر رجلا هو أشد منه.

قال: ثم جمع الحرشي غنائم الخزر و سار حتى صار إلى باجروان، فأخرج من تلك الغنائم كلها الخمس، و قسم باقي ذلك في المسلمين، فبلغ منهم كل رجل من المسلمين ألف و ثمانمائة دينار سوى الأثاث و الدواب. قال: ثم وجه الحرشي بالخمس من تلك الغنائم إلى هشام بن عبد الملك و كتب إليه يخبره بما فتح اللََّه عز و جل على يديه من الخزر، فسر هشام‏[ (1) ]بذلك سرورا شديدا، ثم كتب إلى الحرشي يجزيه و يجزي المسلمين خيرا و يبشرهم بثواب اللََّه الجزيل الذي وعد عباده المجاهدين في سبيل اللََّه.

قال: و هربت الخزر على وجوهها نحو بلادهم و المسلمون في طلبهم حتى [ (1) ]الأصل: هشام. خطأ.

253

بلغوا بهم أرض الشروان‏[ (1) ]، ثم مضت الخزر من هنالك و لم يتبعهم المسلمون، و أقام الحرشي بأرض الشروان‏[ (2) ]ينتظر أمر هشام و ما يأمر به.

ذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك و عزل سعيد ابن عمرو الحرشي عن البلاد

قال: و إذا كتاب قد ورد على الحرشي بأن مسلمة بن عبد الملك قد ولاه أمير المؤمنين، و كتب إلى الحرشي: أما بعد فإذا ورد عليك مسلمة بن عبد الملك فسلم عليه و سلم إليه العمل و أقدم على أمير المؤمنين ليكافئك على فعلك الجميل. قال: فلما قرأ الحرشي الكتاب قال: سمعا و طاعة لأمير المؤمنين و للأمير مسلمة. ثم أقام في موضعه ذلك لا يحارب أحدا.

قال: و أقبل مسلمة بن عبد الملك من الشام أميرا على أرمينية و أذربيجان حتى صار إلى مدينة برذعة فنزلها، ثم أرسل إلى الحرشي فأشخصه إليه من أرض الشروان، فلما جاءه و دخل عليه قال له مسلمة: يا سعيد!ألم يأتك كتابي أمرتك فيه أن لا تتعرض لحرب الخزر حتى أقدم عليك!فلم هوّنت بنفسك و خاطرت بمن معك من المسلمين؟فقال الحرشي: أصلح اللََّه الأمير!إنه لم يرد عليّ كتابك إلا بعد ما هزم اللََّه الخزر و أمكن منهم، و لو ورد عليّ كتابك قبل ذلك لما تعديت أمرك، فقال مسلمة: كذبت، و لكن أحببت أن يقال: فعل الحرشي و قتل الحرشي، و صرم الحرشي، فقال الحرشي: إني لم أرد ذلك و لكني أردت ما عند اللََّه و كان الرأي ما صنعت، و الأمير أصلحه اللََّه يعلم أن هذا كما أقول-و السلام.

قال: فغضب مسلمة من ذلك، ثم أمر بالحرشي فوجئ في عنقه و شتمه، و أمر بلوائه فضرب على رأسه، و سحب برجله إلى السجن‏[ (3) ].

قال: فجلس الحرشي في سجن برذعة و اتصل الخبر بهشام بن عبد الملك، فغضب على أخيه مسلمة غضبا شديدا ثم كتب إليه: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من خطئك في سعيد بن عمرو الحرشي و شتمك له و استخفافك بحقه و ضربك [ (1) ]مدينة من نواحي باب الأبواب الذي تسميه الفرس الدربند، و بينها و بين باب الأبواب مائة فرسخ.

[ (2) ]في ابن الأثير: أقام بباجروان.

[ (3) ]انظر فتوح البلدان ص 208-209.

254

بلوائه على رأسه و سحبك له برجله إلى السجن، و قد علمت أنك قد حسدته، نعم اللََّه على أمير المؤمنين به، فلو كنت قد تداركت زلتك فيه بالإكرام و الاعتذار إليه إذا لأعفاك أمير المؤمنين من موجدته عليك و قبل توبتك فيه، و لكنك تماديت في لجاجك فبقيت عليك موجدة أمير المؤمنين و لست تدري ما يكون حالك غدا عند رب العالمين، فإن ذلك لمن أعظم الأمور قالة عند أهل الإسلام فيك، فأما مآلك عند اللََّه من الإثم فإن الأمل في عفو اللََّه عظيم-و السلام-.

قال: فورد الكتاب على مسلمة و قد عبر نهر الكر و تقارب من بلاد الشروان، فلما قرأ الكتاب كأنه ندم على ما فعل بالحرشي. قال: و إذا كتاب هشام قد أقبل إلى الحرشي على البريد يعتذر إليه بما فعل به مسلمة، و تنصل إليه و يعده الرضاء له و لأهل بيته و عشيرته. قال: فجاءت رسل مسلمة أيضا على البريد إلى البرذعة، فأخرج الحرشي من السجن، و انطلقوا به إلى الحمام فنظفوه و ألبسوه خلعا قد بعث هشام إليه، ثم جاءه بقارورة و قد ملئت غالية، فغلوه بها و حملوه على البريد إلى هشام. قال: فلما أدخل عليه قربه هشام و أدناه و خلع عليه و أحسن جائزته، ثم أقطعه و أقطع أهل بيته و عشيرته قطائع، فهي اليوم لا تعرف إلا بهم من ذلك اليوم و الزمان الماضي.

ذكر مسير مسلمة بن عبد الملك إلى جهاد الكفار و محاربته لهم‏

قال: و سار مسلمة بالمسلمين حتى نزل على قلعة حيزان‏[ (1) ]من أرض الشروان فدعا أهلها إلى الطاعة فأبوا عليه، فحاربهم أياما فلم يقدر عليهم فأمسك عن قتالهم، و لم يزل محاصرا لهم حتى فني طعامهم، و جاعوا جوعا شديدا، فبعثوا إليه و سألوه الأمان على أنه لا يقتل منهم أحدا، فحلف لهم مسلمة أنه لا يقتل منهم رجلا واحدا و لا كلبا واحدا، فرضوا بذلك و لم يحسنوا أن يستوثقوا لأنفسهم، ثم نزلوا من قلعتهم و كانوا ألف رجل من المقاتلة، فقتل منهم تسعمائة و تسعة و تسعين مقاتلا و خلى عن رجل واحد، و قتل كل كلب كان في القلعة ما خلا كلبا واحدا، ثم أمر بهدم حصنهم فهدم حتى وضع بالأرض، ثم أمر بنسائهم و أولادهم فأسكنوا أرض [ (1) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «حيران» و في فتوح البلدان ص 209: «خيزان» .

255

حيزان‏[ (1) ].

ثم سار مسلمة من هناك يريد مدينة الباب و الأبواب، و كان لا يدخل بلدا إلا سالمه أهلها و خرج إليه ملكها بخيله و رجله. قال: فاجتمع إليه ملوك الجبال‏[ (2) ] بأجمعهم و أدوا إليه الخراج و ساروا معه، حتى صار إلى مدينة الباب و في قلعتها يومئذ ألف رجل من طراخنة الخزر و كان رتبهم ملك الخزر هنالك فلم يعرض لهم مسلمة إلا بسبيل الخير لكنه تركهم و جاز من مدينة الباب حتى صار إلى الحصنين الذين هنالك فلم ير فيهما أحدا، ثم سار إلى البلنجر فلم ير فيه أحد.

و بلغ خاقان ملك الخزر بأن مسلمة بن عبد الملك قد دخل إلى بلاده، فجعل يجمع الجموع من أرض الخزر حتى صار في جمع عظيم. قال: و سار مسلمة في جيشه ذلك حتى صار إلى الوبندر ثم إلى سمندر فلم ير هنالك أحدا، فجاز يريد إلى خاقان ملك الخزر. قال: و إذا الأمم قد سارت إلى مسلمة مع جميع أصناف الكفار فيما لا يطيقهم مسلمة و لا جيشه و لا يحصي عددهم إلا الذي خلقهم. قال: فلما علم بذلك مسلمة أمر أصحابه أن يوقدوا النيران، ففعلوا ذلك. فلما كان الليل تركوا خيامهم مضروبة في موضعها و ارتحلوا بعد عشاء الآخرة، و جعل مسلمة يطوي المراحل طيا فجعل كل مرحلتين مرحلة، غير أنه قدم الضعفاء بين يديه و الأقوياء أهل الجلد و الشجاعة على الساقة، فلم يزل كذلك حتى صار إلى مدينة الباب‏[ (3) ].

ثم أقبل حتى نزل ما بين الرمل إلى باب واق‏[ (4) ]و ما يليه، ثم إنه خندق على نفسه خندقا فحصن نفسه و عسكره بالخندق و الحسك. قال: و أقبلت الخزر في جمع لم ير مثله. فلما نظر مسلمة إلى ذلك جمع أصحابه من ملوك الجبال الذين كانوا معه فقال لهم: ما الرأي في هذا العدو؟فقالوا: أيها الأمير!أمدنا بقناديل النشاب و قدمنا أمام عسكرك و ذرنا و إياهم، فإن قتلنا فإلى اللََّه و الجنة، و إن فتحنا فتحا فذلك الذي نريد. فقال مسلمة: أما إنكم قد نصحتم في المشورة فجزيتم عن الإسلام خيرا. قال: ثم وثب مسلمة فعبى أصحابه ميمنة و ميسرة و قلبا و جناحا، و قدم ملوك [ (1) ]في فتوح البلدان ص 209 و صالح مسلمة أهل خيزان و أمر بحصنها فهدم. و اتخذ لنفسه به ضياعا و هي اليوم تعرف بحوز خيزان.

[ (2) ]انظر فتوح البلدان ص 209.

[ (3) ]انظر ابن الأثير 3/339.

[ (4) ]كذا و لم نعثر عليه.

256

الجبال بين يديه و أمرهم بقناديل النشاب، ثم أمر بلوائه فنصب بين يديه. قال: و نظر خاقان ملك الخزر إلى ذلك اللواء، فأقبل على طراخنته و أهل الشدة من أهل طاعته فقال لهم: اعلموا أن هذا اللواء ما نشر مذ عقد إلا في هذا اليوم فتقدموا نحوه، فإن قدرتم على أن تأخذوه و تكسروه فقد ظفرتم، فاخرجوا الآن و انظروا لا ينصرفن أحد منكم إلاّ و قد أثر فيه أثرا محمودا!قال: فخرج طرخان من طراخنة الخزر في كردوس عظيم نحو المسلمين، و ضرب مروان بن محمد بن مروان بطن فرسه فخرج من بين أصحابه و عليه قباء حرير أصفر و قد شد بريطة صفراء و قد خالف بين طرفيها على كتفيه، فقال: أيها المسلمون!فداكم أبي و أمي!إني أسألكم صبر ساعة، و ضربا بالرؤوس على القرابيس، و قلة الكلام فإن كثرته فشل، و لا يضربن أحد منكم بسيفه إلا الوجه و اليد. قال: فأجابه المسلمون بأحسن الجواب. ثم تقدم مروان بن محمد بن مروان و تقدم الناس نحو كراديس الخزر، قال: و ثارت عجاجة و غبرة شديدة فلم يبصره أحد منهم. قال: و تقدم سليمان بن هشام إلى عمه مسلمة فقال:

أيها الأمير!قتل و اللََّه مروان!فقال مسلمة: كلا ما قتل فاسكت!فسكت سليمان بن هشام و انكشفت العجاجة فنظر مسلمة إلى المسلمين من أصحاب مروان بن محمد فإذا بمروان بن محمد قد لصق بكراديس الخزر و قد قتل منهم جماعة و أصحابه و إنه ليمسح سيفه على معرفة[ (1) ]فرسه من دماء الخزر.

قال: و غضب خاقان ملك الخزر ثم أقبل على طراخنته و قال: أنا واقف من ورائكم أنظر إلى أفعالكم، فلا تستحيون أن يفضحكم رجل واحد!قال: ثم عبى كردوسا آخر أحسن من الآخر و أكثر رجالا و عدة. فقال: [ (2) ]أنا أفدي هذه الوجوه! اعلموا أنه قد أتتكم مفاتيح الجنة و لكم ما وعدكم اللََّه من جزيل ثوابه أنه من قتل منكم قد فاز بالثواب العظيم و الجنة التي لا عدد لها و ربكم لا يخلف الميعاد. قال: ثم حمل مروان بن محمد و أصحابه على كراديس الخزر فقتل منهم أكثر مما قتل في المرة الأولى و جرح منهم بشرا كثيرا، قال: و جعل خاقان كلما أخرج إلى المسلمين كردوسا من الخزر انفرد له مروان بن محمد و أصحابه فيأتي عليه حتى قتل من الخزر مقتلة عظيمة، ثم رجع إلى عسكر المسلمين فوقف فيه كما كان. و دعا مسلمة بالطعام فجعل يأكل هو و بنو عمه و وجوه الناس و خاقان واقف على فرسه مغتاظا ينظر [ (1) ]بالأصل «معرفة» و ما أثبت يناسب السياق، و معرفة الفرس يريد موضع العرف منه.

[ (2) ]القائل هو مروان بن محمد.

257

إليه لا يدري ما يقول، ثم أقبل على طراخنته فقال: لأقتلن نفسي اليوم شر قتلة! ويلكم يا معشر الخزر!أنتم عشرة أضعافهم لاه عنكم يأكل و يشرب لا يبالي بكم و لا يحفل. قال فقال له الخزر: أيها الملك!لا تغضب فإنه إذا كان غدا أرضيناك و أتيناك بصاحبهم أسيرا فتصنع به ما أحببت.

قال: فلما أصبح خاقان عبى أصحابه كما كان يعبيهم بالأمس ثم إنه انتخب الخزر خاصته فجعلهم بين يديه و في القلب و أوصاهم و تقدم إليهم أن لا يقصروا في القتال. و علم مسلمة بذلك فقال: ويلي على العلج الأقلف بعد الخزر فيجعلهم بين يديه و اللََّه لأعدن لهم خزر الغرب. قال: ثم عبى مسلمة الناس فجعل على ميمنته مروان بن محمد، و على ميسرته سليمان بن هشام، و على القلب العباس بن الوليد، و على الجناح الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي. قال: و دنا القوم بعضهم من بعض فالتحموا، و اشتبك الحرب بين الفريقين، و كان الرجل من المسلمين يحمل على الخزري فيطعنه برمحه ثم يجر الرمح فينثني عليه فيضربه بسيفه حتى يقتله.

قال: فلم يزل القوم كذلك حتى تعالى النهار، قال: و إذا برجل قد أقبل إلى مسلمة بالأمان راغبا في دين الإسلام، فقال: هل لك في خاقان ملك الخزر؟فقال مسلمة: و أين هو؟فقال: في العجلة التي قبالتك التي عليها الديباج. قال: فأرسل مسلمة إلى مروان بن محمد فدعاه إليه ثم قال: أبا عبد اللََّه!ألا ترى العجلة التي عليها الديباج؟قال مروان: بلى قد رأيتها، فقال مسلمة: فإنها عجلة خاقان و هو قاعد فيها. قال مروان: فأنا له، قال مسلمة: و أنا معك أبا عبد اللََّه!فو اللََّه لئن نحن قدرنا عليه في هذا اليوم فلقد ذهبنا بذكرها آخر الأبد!قال: فتقدم سليمان بن هشام إلى عمه فقال: أيها الأمير!اسمع كلامي و لا تعجل، قال مسلمة: هات ما عندك، فقال سليمان: خاقان لم يقعد في العجلة إلا و قد عبى أصحابه و أبطال الخزر عن يمينه و شماله و من ورائه، و لست آمن إن خرجت أنت و مروان أن يأمر الطراخنة فيحدق بكما، فلا يتهيأ لكما الرجوع إلى عسكر كما إلا بعد ذهاب الأنفس، و لكن الرأي عندي أن تنتخب رجلا من أبطال عسكرك يكون قد عرفته بالبأس و الشدة، فتضم إليه نفرا من أبطال عسكرك، ثم تأمره بالإقدام إلى خاقان. قال: فعلم مسلمة أن سليمان قد أتى بالرأي، فدعا برجل من أصحابه يقال له ثبيت‏[ (1) ]النهراني و كان [ (1) ]بالأصل «تييت» و قد مرّ ذكره. و قد صحح في كل مواضع الخير. ـ

258

أحد الأبطال، فقال له مسلمة: يا ثبيت!إني قد اخترتك من بين فرسان أصحابي لهذا الأمر الذي قد ندبتك له، فإن وجدتك على ما ظننت بك في البأس و الإقدام و بلغت من الأمر ما أريد بلغت في عطائك، و أجزتك بعشرة آلاف درهم، و عرضتك لنوال أمير المؤمنين، و نوهت باسمك، و إن أنت كععت‏[ (1) ]و قصرت فلله عليّ عهد لأصلبنك على شجرة أقدر عليها. قال فقال له ثبيت: أصلح اللّه الأمير!مرني بما أحببت. قال مسلمة: اضمم إليك ألف رجل ممن تعرفهم و تثق بهم في البأس و الشجاعة، ثم احمل بهم على عسكر خاقان، فلا ترجع أو تهزمه أو تأخذه أسيرا إن قدرت على ذلك. قال فقال ثبيت: أصلح اللّه الأمير!أما أخذه فلا أدري أقدر عليه أم لا!و لكن للأمير أيده اللّه علي أن لا أرجع أو أهزمه و أهزم أصحابه إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

قال: ثم انتخب ثبيت النهراني ألف رجل من فرسان أهل الشام، ثم إنه عهد إليهم عهدا و أوصاهم وصية و قال: انظروا لا تقاتلون لمسلمة و لا لأمير المؤمنين هشام، و لكن قاتلوا عن دين اللّه و جاهدوا في سبيل اللّه. فقال له أصحابه: كفيت يرحمك اللّه!فاحمل حتى نحمل معك فترى ما تحب إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم!قال: فتقدم ثبيت النهراني في هؤلاء الألف نحو خاقان، و خاقان يومئذ في عجلة له يقال لها الجدادة[ (2) ]و قد فرشت له بأنواع الفرش، و قد عليت بقبة من ديباج، و على رأس القبة رمانة من ذهب. قال: فلم يكذب ثبيت النهراني أن صار إلى العجلة فضرب القبة بسيفه ضربة خرقت الضربة الديباج و وصل السيف إلى خاقان فلم يصبه شي‏ء، ففزع خاقان من ذلك و وثب من العجلة مسرعا إلى برذون له قد شد بجنب العجلة فاستوى عليه و مر منهزما فلم يقدر عليه، و حمل المسلمون على الخزر حملة، فولوا الأدبار منهزمين و قد تفرقت عساكرهم حتى صاروا هاربين إلى بلادهم، فأنشأ ثبيت النهراني يقول أبياتا مطلعها:

كم كم و كم لي من يوم له رهج # وسط العجاجة بالهندية البتر

إلى آخرها:

قال: و جمع مسلمة غنائم الخزر فقسمها في المسلمين بعد أن أخرج منها [ (1) ]بالأصل «كعت» .

[ (2) ]كذا بالأصل.

259

الخمس ثم نادى في أصحابه و أقبل نحو مدينة الباب، و في قلعتها يومئذ ألف بيت من الخزر، فأقام عليها محاصرا لهم أياما كثيرة فلم يكن له فيهم حيلة[ (1) ]، فهم أن ينصرف عنهم و إذا برجل قد أقبل إليه من بعض تلك الأبواب فقال: أصلح اللّه الأمير!إن دفعت إليك هذه القلعة بمؤنة يسيرة هل ترد مالي و أهلي و ولدي؟قال مسلمة: نعم، لك ذلك، قال: فادفع إليّ الساعة مائة رأس من البقر و الغنم حتى أدفع إليك هذه القلعة، قال: فأمر له مسلمة بما أراد، فأقبل إلى العين التي استخرجها لهم أنو شروان بن قباذ في أول الدهر و أجراها إلى القلعة، فقال: احفروا هذا الموضع، حتى إذا بلغوا إلى الماء قال: قدموا الآن هذه البقر و الغنم فانحروها في هذه العين!فجعلوا ينحرون و الدم يجري مع الماء إلى صهاريجهم، حتى إذا علم ذلك الرجل أن الدماء كلها قد صارت إلى الصهاريج أمر بقطع الماء فقطع عنهم، و أجرى آبارها إلى الوادي، و أصبح القوم و قد امتلأت صهاريجهم دما. فلم يلبثوا إلا ليلة حتى أنتنت الصهاريج، ثم إنها انتعشت بعد ذلك بالدود[ (2) ]، فعطشوا عطشا شديدا، و أقبل ذلك الرجل إلى مسلمة فقال: أيها الأمير!قد هلك القوم عطشا فتنح عن باب القلعة و عن طريقهم حتى يهربوا و تصير القلعة في يدك، قال:

فأمر مسلمة أصحابه فتنحوا عن باب القلعة. فلما كان الليل فتح القوم الباب و خرجوا هاربين على وجوههم، و صارت القلعة في أيدي المسلمين. و جاء مسلمة حتى دخل القلعة فنظر إليها و إلى حصانتها، ثم أمر أن تكنس تلك الصهاريج من ذلك الفرث و الدم فكنست. ثم أجرى فيها الماء كما كان. ثم أمر مسلمة بمدينة الباب فقسمت أربعة أرباع: فجعل ربعا لأهل دمشق، و ربعا لأهل حمص، و ربعا لأهل فلسطين، و ربعا لسائر أهل الشام و الجزيرة، فهي اليوم لا تعرف إلا بهم.

قال: ثم دعا مسلمة برجل من أصحابه يقال له‏ [?] [ (3) ]بن سويد الثعلبي فولاه مدينة الباب و الأبواب، و أمره أن يجعل أبرجة المدينة إهراء للحنطة و الشعير و السلاح، و أن يقيم شرف المدينة و يغلق عليها أبوابا من الحديد، ثم جعل مسلمة رتبة مدينة الباب مائة دينار و عشرة دنانير في كل سنة غير القمح و الزيت و الرزق شهرا بشهر[ (4) ]. قال: ثم دعا مسلمة بابن عمه مروان بن محمد فاستخلفه على جماعة [ (1) ]بهامش الأصل: أخذ قلعة الخزر بحيلة يسيرة.

[ (2) ]انظر فتوح البلدان ص 209.

[ (3) ]كذا بالأصل.

[ (4) ]انظر فتوح البلدان ص 209.

260

المسلمين بمدينة الباب، و انصرف حتى رجع إلى هشام بالشام فخبره بما فتح اللّه على يديه و أنه قد استخلف مروان بن محمد على جماعة من المسلمين.

قال: و علمت الخزر أن مسلمة بن عبد الملك قد انصرف عنهم إلى بلاد الشام، فرجعوا إلى بلادهم التي أخذت منهم فأخذوها و سكنوها. و بلغ ذلك مروان ابن محمد فجمع الناس و عرضهم فكانوا يزيدون على أربعين ألفا، فسار بهم حتى صار إلى البلنجر، ثم رحل عن البلنجر في بلاد الخزر، ثم جعل يقتل و يسبي حتى قتل من الخزر خلقا كثيرا، و سبى الذراري و النساء و استاق المواشي حتى صار إلى مدينة الباب سالما غانما، و ذلك في وقت الشتاء و البرد الشديد، فسميت هذه الغزوة غزوة الطين لكثرة الأمطار و الوحول، و في هذه الغزاة أمر بحذف أذناب الخيل فحذفت بأجمعها لكثرة اللبق و الندى.

قال: و شتا مروان بن محمد تلك الشتوة بمدينة الباب، فلما كان في وجه الربيع بعث إليه هشام بن عبد الملك فعزله عن البلاد و أشخصه إليه، و دعا سعيد بن عمرو الحرشي فعقد له عقدا و ولاه البلاد[ (1) ]. قال: فتقدم سعيد بن عمرو الحرشي في أيام الربيع أميرا على جميع الأرمينية و أذربيجان و الران و جرزان‏[ (2) ]، فصار إلى مدينة الباب فنزلها، ثم جعل يغزو الخزر الليل مع النهار فلا يجف له لبد إلى أن ضعف بصره و كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره أن الماء الأسود قد نزل في عينيه و قد رق بصره، فليس يبصر سهلا و لا جبلا. قال: فأرسل هشام بثقته من الشام لينظر هل هو على ما قال أم لا!قال: فتقدم الثقة فنظر إلى سعيد بن عمرو فإذا هو كما قال. قال: فكتب إلى هشام يخبره بذلك، فأرسل هشام إلى الحرشي فعزله عن البلاد[ (3) ]، و دعا بمروان بن محمد بن مروان فعقد له على أرمينية و أذربيجان، و أمره بمحاربة الخزر.

قال: و أقبل مروان من الشام في عشرين و مائة ألف حتى صار إلى أرمينية، ثم [ (1) ]لم يرد ذكره في الطبري و ابن الأثير. و عبارة الطبري 7/90 و فيها (سنة 114) قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان و بنى الباب فأحكم ما هنالك. و في هذه السنة ولى هشام مروان بن محمد أرمينيا و أذربيجان. أما في فتوح البلدان: ولى هشام بعد مسلمة سعيد الحرشي فأقام بالثغر سنتين ثم ولى الثغر مروان بن محمد.

[ (2) ]في معجم البلدان: جرزان و أران مما يلي أبواب أرمينية.

[ (3) ]و ذلك بعد سنتين من ولايته كما في فتوح البلدان ص 209.

261

نزل بموضع يقال له كساك‏[ (1) ]على أربعين فرسخا من مدينة برذعة و عشرين فرسخا من تفليس، ثم جعل يقاتل ملوك أرمينية و بطارقتها حتى أذعنوا له بالسمع و الطاعة. ثم إنه تقدم فجعل يفتح قلعة بعد قلعة حتى فتح قلاع أرمينية كلها، ثم كتب إلى جميع الأجناد الذين بالباب و الأبواب أن يدخلوا بلاد الخزر و أن يوافوه بمدينة سمندر.

قال: ثم نادى مروان في أصحابه و سار حتى دخل باب اللان‏[ (2) ]فجعل يقتل و يسبي و يحرق حتى صار إلى سمندر و هي مدينة من مدائن الخزر. قال: و وافته عساكر المسلمين من مدينة الباب مع رجل يقال له أسيد بن زافر السلمي، فسار مروان هنالك في خمسين و مائة ألف، فعندها عبى أصحابه هنالك تعبية حسنة و لم يترك معه قائدا و لا تابعا و لا خادما إلا ألبسه بيضة، و حمله رمحا و في رأسه سنان كأنه شعلة نار. قال: و كان العسكر من شدة البريق لا يمر به طائر فيجاوزه حتى يسقط متحيرا من شدة بريقه و شعاعه. قال: ثم سار حتى انتهى إلى المدينة البيضاء التي يكون فيها خاقان ملك الخزر. قال: و هرب خاقان من بين يدي مروان حتى لحق بالجبال، و نجح مروان في بلاد الخزر بالمسلمين حتى جازهم فكان من ورائه، ثم إنه أغار على الصقالبة و ما يليه من أصناف الكفار، و سبى منهم عشرين ألف أهل بيت.

ثم أقبل حتى نزل على نهر الصقالبة[ (3) ]و دعا برجل من شجعان أهل الشام يقال له الكوثر بن الأسود العنبري و كان على شرطته فقال له: و يحك يا كوثر!إنه قد جاءني عين فخبرني أن خاقان ملك الخزر قد وجه إلينا بطرخان من طراخنته يقال له هزار طرخان في أربعين ألفا من أبناء الطراخنة و لكن جز هذا النهر إلى ما قبلهم و اكمن لهم في مثل عدتهم، فإذا أصبحت فإني موافيك إن شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. قال فقال الكوثر: أصلح اللّه الأمير!إنا قد أمسينا و هذا وقت يختلط فيه الظلام، فليمهلني الأمير إلى غد. قال: فغضب مروان ثم قال: و اللّه لئن لم تعبر الساعة هذا النهر لأضربن عنقك و لأقتلن أهل بيتك بأجمعهم، فاختر الآن من أمرك ما أحببت!قال الكوثر: فإني أعبر أصلح اللّه الأمير!قال: ثم انتخب الكوثر [ (1) ]كذا بالأصل، و لم نعثر عليه. و في فتوح البلدان: كسال.

[ (2) ]بالأصل: «الآن» و ما أثبت عن معجم البلدان و فتوح البلدان. و اللان بلاد واسعة في طرف أرمينية قرب باب الأبواب يجاورون للخزر.

[ (3) ]الأصل: السقالبة.

262

من ساعته ذلك أربعين ألف رجل من فرسان العسكر، ثم عقدت له الأطواق فعبر الكوثر و عبر معه من الناس زهاء ألف رجل. قال: فسار بهم الكوثر يومه ذلك حتى إذا تعالى النهار إذا هو برجل استقبله في عشرين فارسا من فرسان الخزر معهم الكلاب و البزاة و هم يتصيدون. قال: فشد عليه الكوثر فقتله و قتل أصحابه الذين كانوا معه، فلم يفلت منهم أحد. قال: و أخذ المسلمون أسلحتهم و دوابهم و مضى الكوثر و أصحابه حتى نزلوا إلى جنب غيضة أشبة، فلما استقر بهم الموضع إذا بدخان قد ارتفع من جوف الغيضة، فقال الكوثر: ما هذا الدخان؟فقال بعضهم: يجب أن يكون ههنا عسكر من عساكر الخزر، قال: ثم نادى الكوثر في أصحابه فركب و ركبوا معه و سار نحو الدخان، فلم يشعر الخزر إلا و الكوثر على رؤوسهم في أربعين ألفا، فوضعوا فيهم السيف، فقتل منهم عشرة آلاف، و أسر منهم سبعة آلاف، و أفلت الباقون على وجوههم في الغياض و الأودية و الجبال، ثم أقبل الكوثر إلى هؤلاء الأسارى الذين في يده فقال لهم: خبروني ما فعل قائدكم هزار طرخان؟فقالوا: إنه خرج يتصيد في نفر من أصحابه فلا ندري ما فعل!قال: فعلم الكوثر أن الذي استقبلهم هزار طرخان، فأخذوا في وقت الغلس بأجمعهم، ثم سار الكوثر راجعا فلم تطلع الشمس من اليوم الثاني إلا و رأس هزار طرخان و رؤوس أصحابه في عسكر مروان على أطراف الرماح.

قال: و بلغ ذلك خاقان ملك الخزر فجزع لذلك جزعا شديدا و أعطى بيده.

ثم أرسل إلى مروان بن محمد: أيها الأمير!إنك قد سبيت الخزر و الصقالبة و قد قتلت و بلغت غايتك، فما الذي تريد؟فقال مروان للرسول: أريد منه أن يسلم أو أقتله و آخذ ملكه فأجعل لغيره، فاستأجله الرسول ثلاثة أيام حتى يرجع إلى خاقان و ينصرف إليه بالخبر. قال: فأجابه مروان بن محمد إلى ذلك. فانصرف الرسول إلى خاقان فأخبره بذلك، فأرسل خاقان إلى مروان: أيها الأمير!إني قد قبلت الإسلام و أجبت و أحببت، و لكن وجه إليّ برجل من أصحابك يشرحه لي. قال:

فوجه إليه مروان برجلين أحدهما نوح بن السائب الأسدي، و الآخر عبد الرحمن بن فلان الخولاني قال: فخرجا جميعا إلى خاقان و عرضا عليه الإسلام، فقال خاقان للترجمان: قل لهما عني: أريد منكما أن تحلا لي الخمر و الميتة، فقال الخولاني الأسدي: تحل له ذلك حتى يسلم، فإذا أسلم و أسلم القوم أخبرناهم أن ذلك حرام عليهم، فقال الأسدي: ما كنت بالذي أحل ما حرم اللّه و لا أحرم ما أحلّ اللّه، لأن الدين لا يصلحه إلا النصيحة و الصدق، ثم أقبل الأسدي على الترجمان فقال له:

263

قل لصاحبك هذا إنه ليس في دين الإسلام أن أحل الحرام و لا أن أحرم الحلال، فإن أسلمت حرمت عليك الميتة و الدم و لحم الخنزير[و]كل شي‏ء لا يذكر عليه اسم اللّه إذا ما ذبح. فلما قال ذلك الترجمان ذلك لخاقان قال خاقان لترجمانه: قل لهما عني: أنتم المسلمون حقا!قال: ثم أسلم خاقان ملك الخزر و أسلم معه خلق كثير من أهل بيته و أهل بلده‏[ (1) ]. قال: فأقره مروان على ملكه ثم آخاه أخوة الإسلام و ودعه و قبل هداياه، و سار راجعا يريد مدينة الباب و الأبواب و معه يومئذ سبي الكفار أربعون ألفا أو يزيدون، فأنزلهم مروان بموضع يقال له نهر السمور[ (2) ]إلى السهل من أرض الكر[ (3) ]، ثم إنه كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك، و وجه إليه الخمس من جميع ما أفاء اللّه عليه.

قال: و جاء الشتاء و أقام مروان تلك الشتوة بموضع يقال له كساك‏[ (4) ]، فلما انسلخ عنه الشتاء و جاء الربيع عزم على الدخول إلى أرض السرير[ (5) ]، و كتب إلى عامله أسيد بن زافر السلمي أن يوافيه إلى أرض السرير فيمن معه من الجند و المقاتلة. قال: و رحل مروان من كساك حتى عبر نهر الكر و صار إلى بلد يقال له شكّى و من شكّى إلى أرض السرير، فصار إلى قلعة يقال لها قلعة البلال و هي قلعة منيعة و حصينة، فأقام عليها شهرا كاملا لا يصل إلى شي‏ء منها، فلما كان بعد شهر دعا الحدادين فأمرهم أن يصنعوا له أعمدة من حديد على مثل السكك، ففعلوا ذلك، ثم أمرهم أن يتخذوا ألواحا من خشب، فلما فرغ له من ذلك أمر بالأعمدة فحملت على البغال، ثم أقبل إلى مؤخر القلعة و معه يومئذ ثمانية آلاف رجل من نخبة عسكره عليهم الدروع و المغافر، فجعلوا يدخلون تلك الأعمدة ما بين حجارة السور واحدا حذاء الآخر، ثم وضع على عمودين لوح من خشب من تلك الألواح، و صعد [ (1) ]ورد ذكر إسلام عظيم الخزر في فتوح البلدان، و لم يرد ذلك في الطبري و لا في ابن الأثير. قال ابن الأثير أن مستشاري ملك الخزر و أصحابه أشاروا عليه: أن تتأخر إلى أقصى بلادك و تدع مروان بن محمد و ما يريد، فقبل رأيهم و سار حيث أمروه.

[ (2) ]كذا بالأصل، و لم نعثر عليه، و في فتوح البلدان: فأنزلهم ما بين السمور و الشابران في سهل أرض اللكزّ.

[ (3) ]في فتوح البلدان: اللكز.

[ (4) ]في فتوح البلدان: كسال.

[ (5) ]السرير: مملكة واسعة بين اللان و باب الأبواب و ليس لها إلا مسلكين، مسلك إلى بلاد الخزر و مسلك إلى أرمينية.

264

عليها الرجال و أهل القلعة غافلون لا يعلمون أنهم يؤتون من وراء القلعة، و اقتحم مروان و أصحابه القلعة، فأخذ مقاتلتهم بأجمعهم أخذا باليد، ثم قعد مروان على صخرة على باب القلعة، فجعل يدعو برجل رجل من أهل القلعة فيضرب أعناقهم حتى أتى على آخرهم، ثم إنه فرق نساءهم و أولادهم و أموالهم على أصحابه، و أمر بسور القلعة فهدم حتى وضع بالأرض.

قال: ثم رحل إلى حصن آخر يقال له حصن عميق‏[ (1) ]، فنزل عليه و حاربه أهل عميق حربا شديدا فظفر بهم مروان، فقتل رجالهم، و سبى نساءهم و أولادهم، و هدم حصنهم.

قال: و اتصل الخبر بصاحب السرير فهرب من بين يدي مروان حتى صار إلى قلعة لا ترام يقال لها خيزج‏[ (2) ]، و أقبل مروان حتى نزل عليها، فأقام أياما فلم يقدر عليها بوجه من الوجوه و لا بحيلة من الحيل. قال: و حلف مروان بيمين ليست لها كفارة أنه لا يبرح من هذه القلعة أو يدخلها أو يموت قبل ذلك. ثم أمر الناس بالبنيان فبنوا حذاء القلعة، فلم يزل مروان مقيما على باب هذه القلعة حولا كاملا، فلما أعيته الحيلة فيها وثب فاغتسل بالماء غسلا نقيا و ذلك جسده دلكا شديدا حتى ذهب رائحة الطيب، ثم دعا بثياب طباخه فلبسها، و لف على رأسه عمامة وسخة، و لبس خفين عظيمين، ثم إنه قعد و كتب كتابا من نفسه من مروان بن محمد إلى صاحب السرير: أما بعد فإني قد حلفت أني لا أنصرف أو تسالمني و أسالمك آخر الدهر، فإن رأيت أيها الملك أن تأذن لي حتى أدخلها و أنظر إليها فعلت ذلك منعما إن شاء اللّه تعالى. قال: ثم إنه شدد وسطه و أخذ الكتاب في يده و صعد وحده حتى وقف على باب القلعة، ثم استأذن و قال: قولوا للملك: رسول مروان بالباب!قال: فخبروا الملك بذلك فأذن له، فدخل حتى وقف بين يدي الملك و دفع إليه الكتاب، فأخذه و دفع إلى ترجمانه، فجعل يقرأ عليه بلسانه حتى أتى على آخره، ثم قال: خذوا هذا الرجل و أديروه في القلعة حتى ينظر هل لأحد إليها من سبيل!قال: فأخذ القوم بيدي مروان و جعلوا يديرونه في القلعة، و مروان ينظر إلى عمارة القلعة و تحصينها، حتى نظر إلى موضع يتهيأ أن تؤخذ القلعة منه، فنظر إليه و تأمله و عرفه. ثم أقبل على [ (1) ]كذا بالأصل، و في معجم البلدان: غوميك، قال: و هو حصن فيه بنت الملك. و مثله في ابن الأثير، و في تاريخ خليفة: غومسك.

[ (2) ]عن ابن الأثير، و بالأصل «حبرح» و في تاريخ خليفة: «خثرج» و في معجم البلدان: خيرج.