موسوعة التاريخ الاسلامي - ج8

- الشيخ محمد هادي اليوسفي المزيد...
743 /
7

-

8

الجزء الثامن‏

وَلاية العهدللرضا عليه السلام‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

حمل الإمام إلى خراسان :

قالوا : كان أبو الفضل بن سهل قد أسلم على يد محمّد المهدي العباسي ، وله ابنان الفضل والحسن ، وكان هارون الرشيد قد أوكل حضانة ابنه عبد اللََّه المأمون إلى وزيره يحيى البرمكي ، فاختار البرمكي الفضل بن سهل وضمّه إلى المأمون لخدمته‏ (1) .

فلمّا جهّز الأمين قائده علي بن ماهان بأربعين إلى خمسين ألفاً لخلع المأمون جهّز الفضلُ طاهرَ بن الحسين بأربعة آلاف ! لقتاله فقتله وفرّق جمعه ! ثمّ أرسله إلى بغداد لخلع الأمين ، وأردفه بهرثمة بن أعين ، فقاتلا قوات الأمين حتّى قُتل . ثمّ أرسل الفضل أخاه الحسن بن سهل لولاية العراق فجهّز هرثمة بن أعيَن لقتال أبي السرايا فقاتله حتّى تغلّب عليه وأسقط حكمه . ثمّ أرسل الحسن بن سهل عيسى بن يزيد الجلودي لإزالة الدويلات الطالبية العلوية

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 165 عن أخبار خراسان للحسين بن أحمد السلامي .

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

في الحرمين مكة والمدينة وسائر المدن فأزالها وجاء ببقاياهم إلى الحسن بن سهل في بغداد فأرسلهم إلى المأمون في مرو خراسان ، فكان المأمون يرى كل ذلك من فعل الفضل .

فنقل الصدوق هنا عن السلامي في « أخبار خراسان » : أنّ الفضل قال يوماً لرجل ممّن يعاشره : أين يقع فعلي من فعال أبي مسلم الخراساني فيما أتاه ؟ فقال الرجل : إنّ أبا مسلم حوّلها من قبيلة إلى قبيلة ، وأنت حوّلتها من أخ إلى أخ ! وبين الحالتين ما تعلمه ! فقال الفضل : فإنّي ساُحوّلها من قبيلة إلى قبيلة (1) !

ثمّ أشار على المأمون أن يتقرّب إلى اللََّه عزّ وجل وإلى رسوله بصلة رحمه بالعهد إلى علي بن موسى عليه السلام ليمحو ما كان من أمر الرشيد فيهم‏ (2) فقبل المأمون بذلك .

فأخذ يكاتب الرضا عليه السلام يستقدمه إليه إلى خراسان ، والرضا عليه السلام يعتلّ عليه فما زال المأمون يكاتبه ويسأله ذلك حتّى علم الرضا أ نّه لا يكفّ عنه‏ (3) فوافق مكرهاً .

فوجّه المأمون بخادمه ياسر ووجّه الفضلُ معه ابنَ عمهّ رجاءَ بن أبي الضحاك الخراساني ، ليُشخصا إليه الرضا عليه السلام وذلك في سنة مئتين‏ (4) . ومعهم أبوالصلت عبد السلام بن صالح الهروي‏ (5) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 165 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 142 .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 149 .

(4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 160 وهنا عطف عليه عمّه محمّد بن جعفر ، مما لم يذكر في أي مصدر آخر ، بل كان ذلك قبل هذا .

(5) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 134 .

11

من المدينة إلى مرو مكرهاً :

مرّ الخبر عن الطبري أنّ محمّد بن جعفر الطالبي العلوي استسلم لأمان المأمون في العشرين من ذي الحجة عام ( 200 هـ ) ، ويظهر من خبر الإربليّ عن الحميري أنّ الرضا عليه السلام كان قد حجّ تلك السنة مستصحباً معه ابنه الجواد عليه السلام ، وطاف طواف الوداع ثمّ صلّى عند المقام ، وطاف موفّق خادم الرضا عليه السلام بالجواد على عنقه ثمّ صار إلى حِجر إسماعيل فجلس فيه وأبى أن يقوم ، فجاء موفق إلى أبي الحسن وقال له : جعلت فداك ، إنّ أبا جعفر قد جلس في الحِجر ويأبى أن يقوم ، فجاءه أبوه الإمام وقال له : قُم يا حبيبي ! قال : ما أُريد أن أبرح من مكاني هذا ! قال : بلى يا حبيبي قُم ! فقال : كيف أقوم وقد ودّعتَ البيت وداعاً لا ترجع إليه‏ (1) !

ثمّ لمّا وصل الوفد المأموني إلى المدينة لحمل الرضا عليه السلام إلى خراسان ، دخل المسجد النبوي ليودّع رسول اللََّه صلى الله عليه و آله فودّعه مراراً ، كل ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب . وكان مخوّل السجستاني من شيعته حاضراً قال :

فتقدمت إليه وسلّمت عليه فردّ عليَّ السلام وقال لي : زُرني فإنّني أخرج من جوار جدي فأموت في غربة واُدفن إلى جنب هارون‏ (2) .

ثمّ جمع عياله وفرّق فيهم اثني عشر ديناراً وقال لهم : أما إني لا أرجع إلى عيالي أبداً ، وأذن لهم أن يبكوا عليه حتّى يسمعهم‏ (3) تأكيداً على كراهيته وإكراهه .

____________

(1) كشف الغمة 3 : 514 عن دلائل الحميري .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 217 ، الحديث 26 .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 217 ، الحديث 28 .

12

ثمّ حُمل على طريق البصرة إلى الأهواز إلى فارس إلى مرو (1) مع رجاء بن أبي الضحاك الخراساني ابن عم الفضل بن سهل ، وتأكّد إكراهه للإمام لشيعته حتّى أنّ أحدهم خرج معه يستأذنه أن يقتل حامله ابن أبي ضحاك ! فقال له الإمام : أتريد أن تقتل نفساً مؤمنة بنفس كافرة (2) ! يعني أنّ حامله كافر فإذا قتله يُقتل به وهو مؤمن .

ونقل الحلبي عن كتاب « الوسيلة » للموصلي عمر الملّا روى عن ابن علوان قال : رأيت في منامي كأنّ قائلاً يقول : قد جاء رسول اللََّه إلى البصرة ! فقلت له :

وأين نزل ؟ فقيل : في حائط بني فلان ( وفي خبر : في النباج منزل الحاج ) قال :

فجئت الحائط فوجدت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله جالساً ومعه أصحابه وبين يديه أطباق فيها رطب بَرني‏ (3) فقبض بيده كفّاً من الرطب وأعطاني ، فعددتها فإذا هي ثماني عشرة رطبة . ثمّ انتبهت . فتوضّأت وصلّيت ، وجئت إلى الحائط فعرفت المكان الذي رأيت فيه رسول اللََّه .

وبعد ذلك سمعت الناس يقولون : قد جاء علي بن موسى ! فقلت : أين نزل ؟ فقيل : في حائط بني فلان ، فذهبت فوجدته في الموضع الذي رأيت فيه النبيّ ، وبين يديه أطباق فيها رطب وناولني ثماني عشرة رطبة ! فقلت له : يابن رسول اللََّه زدني ! فقال : لو زادك جدّي لزدتك !

وبعد أيام بعث إليّ يطلب مني رداءً كذا طوله وعرضه ، فقلت ليس عندي هذا . فقال : بلى هو في السفط الفلاني بعثت به امرأتك معك ! فذكرت ووجدته كما قال‏ (4) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 141 و 149 ، 165 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 205 .

(3) في القاموس : البَرني تمر معروف معرّب أصله : بَرنيك ، أي : الحمل الجيّد !

(4) مناقب آل أبي طالب : 371 .

13

ولما وصل إلى الأهواز ، كان أبو هاشم الجعفري في قرية ايذج ( ايذه ) قال : فلمّا سمعت به سرت إليه وانتسبت له ، وكان في القيظ مريضاً فقال لي :

ابغني طبيباً فأتيت بطبيب ، فقال له الرضا عليه السلام : ابغ لي قصب السكّر ! فقال الطبيب :

ما هذا بزمانه ! فقال له الرضا عليه السلام وأشار إليّ : هذا معك فامضيا إلى شاد روان الماء واعبراه فيرفع لكم جوخانه ( محل الشعير البيدر ) فاقصداه فستجدان فيه رجلاً أسود فقولا له : أين منبت قصب السكر . ثمّ قال لي : يا أبا هاشم ! دونك القوم .

قال أبو هاشم : فقمت مع الطبيب وإذا الجوخانة والرجل الأسود ، فسألناه فأومأ إلى ورائه فإذا فيه قصب السكر فأخذنا منه حاجتنا ورجعنا إلى الجوخانة فلم نر فيه صاحبه ، فرجعنا إلى الرضا . فحمد اللََّه فقال لي الطبيب : هل عند هذا شي‏ء من أقاليد النبوة ! قلت : نعم وقد شهدت بعضها ، وليس بنبيّ . فقال : فهو وصي نبيّ ؟ قلت : أ مّا هذا فنعم .

وبلغ هذا إلى رجاء ابن أبي الضحاك فقال لأصحابه : لئن أقام هذا بعد هذا لتُمدنّ إليه الرقاب ! فارتحل به من الأهواز على فارس‏ (1) .

أبو الصلت والمأمون والرضا عليه السلام :

فُتحت هراة عام ( 33 هـ ) (2) ومن نسل سبيها أبو الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة الهروي مولى عبد الرحمن بن سمرة القرشي العبشمي . ولد في المدينة وسمع الحديث من أبي‏معاوية الضرير وجعفر بن سليمان وحماد بن زيد وشريك بن عبد اللََّه العامري وعبّاد بن العوّام وعبد الرزاق بن همّام‏

____________

(1) الخرائج والجرائح 2 : 661 ، الحديث 4 .

(2) تاريخ خليفة : 97 ، وتاريخ الطبري 4 : 316 .

14

وعبد اللََّه بن إدريس وعبد الوارث بن سعيد ومالك بن أنس الأصبحي ، ورحل للحديث إلى اليمن والبصرة والكوفة ، وبغداد وحدّث بها فروى عنه منها جماعة (1) .

وأكثر سماعه بالمدينة من سفيان بن عُيينة إلى ثلاثين سنة ! كما حُكي عنه .

ومن حديثه عن أبي معاوية الضرير عن سليمان بن مهران الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و آله قال : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » (2) .

وله أحاديث في المثالب نحو ما جاء في أبي موسى الأشعري وما روى في معاوية (3) .

ونقل الخطيب عن البرغاني عن الدار قطني البغدادي عن أبي الصلت قال :

كلب للعلوية خير من جميع بني أُمية ! فقيل له : فيهم عثمان ! قال : نعم فيهم عثمان‏ (4) ! وكذا نقله الذهبي‏ (5) ونقل عن « تاريخ مرو » لأحمد بن سيّار : أن أبا الصلت قدم مرو غازياً ، فلمّا رآه المأمون وسمع كلامه جعله من خاصته‏ (6) ثمّ بعثه في وفده إلى المدينة ليَقدِموا بالرضا عليه السلام إليه في مرو خراسان .

فلمّا وصلوا إلى نيشابور قصد الرضا عليه السلام ناحية منها كانت تُعرف باسم « لاش آباد » في محلة الفرويني ارتضى النزول في دار رجل يدعى حمدان ، ولأ نّه ارتضاه الرضا عليه السلام من بين الناس سمي « پسنديده » ، وهي كلمة فارسية معناها : مرضي‏ (7) .

____________

(1) تاريخ بغداد 11 : 46 .

(2) تاريخ بغداد 11 : 48 ، وتاريخ دمشق لابن عساكر 2 : 475 ، الحديث 994 .

(3) تاريخ بغداد 11 : 48 .

(4) تاريخ بغداد 11 : 51 .

(5) ثقات الرواة 2 : 256 .

(6) قاموس الرجال 6 : 165 برقم 4096 .

(7) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 132 الباب 36 ، الحديث 1 .

15

وكأ نّه عليه السلام ارتضاه لقربه من حمّام هناك دخلها فعُرفت بعدها بحمام الرضا ، وكانت هناك عين ماء تُعرف بعين كهلان وقد قلّ ماؤها فأقام الرضا عليه السلام عليها مَن أخرج ماءها حتّى كثر وتوفّر ، واتخذ من هذه العين حوضاً خارج الدرب يُنزل إليه بالدرج ، ودخله الرضا عليه السلام واغتسل فيه وصلّى على ظهره ، فأخذ الناس يتناوبون على ذلك الحوض يغتسلون فيه ويصلون على ظهره ويدعون اللََّه لحوائجهم‏ (1) .

وكانت نيشابور يومئذٍ حاضرة علمية يحضرها كثير من روّاد علم الحديث ، ومقدّمهم إسحاق بن إبراهيم المعروف براهويه لولادته في طريق مرو ! الحنظلي التميمي المروزي النيشابوري ، رحل في طلب علم الحديث وورد بغداد مراراً وعاد إلى خراسان فاستوطن نيشابور فانتشر علمه بها وروى عنه أحمد بن حنبل ومسلم بن الحجاج النيشابوري ومحمّد بن إسماعيل البخاري صاحبا الجامعين الصحيحين‏ (2) .

وعلم علماء الحديث بحلول الرضا عليه السلام في مدينتهم ، ثمّ علموا بأنّ الركب المأموني يتهيّؤون للخروج منها إلى المأمون ، فاجتمعوا إليه وفيهم إسحاق بن راهويه وإذا بالرضا عليه السلام قد اُركب في العمارية على الراحلة فقالوا له : يابن رسول اللََّه ! أترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث نستفيده منك ؟! فأطلع رأسه وقال :

سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول :

سمعت أبي محمّد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول :

سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول : سمعت اللََّه عزّ وجل يقول : « لا إله إلّااللََّه حصني ، فمن دخل حصني أمِن من عذابي » .

____________

(1) المصدر السابق 2 : 136 ، الباب 37 .

(2) تاريخ بغداد 6 : 345 وانظر قاموس الرجال 1 : 749 برقم 705 .

ـ

16

قال إسحاق بن راهويه : ثمّ مرّت الراحلة ، فنادانا : « بشروطها ، وأنا من شروطها ... » .

رواه الصدوق فقال : أي إن من شروطها : الإقرار للرضا عليه السلام بأ نّه إمام من قِبل اللََّه عزّ وجل على العباد مفترض الطاعة عليهم‏ (1) وكان يحجزه هذا القول عمّا حرّم اللََّه عزّوجل‏ (2) .

أما أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي فسمّى مع إسحاق بن راهويه :

أحمد بن الحرث ومحمّد بن رافع ويحيى بن يحيى ثمّ قال : وعدة من أهل العلم قد تعلقوا بلجام بغلته ( كذا ) في المَربعة ( مفترق الطرق ) وقالوا له : عليك بحق آبائك الطاهرين حدّثنا بحديث سمعته من أبيك ! ثمّ قال : فأخرج رأسه من العمارية ! وعليه مِطرف خزّ ذو وجهين .. وفيه : سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول : سمعت جبرئيل يقول :

قال اللََّه جل جلاله : « إنّي أنا اللََّه لا إله إلّا أنا ، فاعبدوني ، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلّااللََّه بالإخلاص دخل حصني ، ومن دخل حصني أمِن مِن عذابي » (3) فهو جمع بين البغلة والعمارية ، وهي إنّما تُشد على الراحلة البعير لا البغلة !

وفي خبر آخر عبّر عن العمارية بالهودج ومع ذلك قال : وهو راكب بغلة شهباء ! ثمّ قال : وقد خرج علماء نيشابور لاستقباله لما دخلها ، فلمّا سار إلى المَربعة تعلقوا بلجام بغلته وقالوا .. بزيادة : قالوا : يابن رسول اللََّه ، وما إخلاص الشهادة للََّه؟ قال : طاعة اللََّه ورسوله وولاية أهل بيته‏ (4) ! فجعله في استقبالهم له ،

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 135 ، الباب 37 ، ذيل الحديث 4 .

(2) المصدر 2 : 137 ، الباب 39 ، ذيل الحديث 2 .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 134 ، الحديث 1 .

(4) أمالي الطوسي : 588 ، الحديث 9 ، المجلس 10 .

17

وهو وَهم ناتج عن تصحيف قوله : حين رحل من نيشابور ، إلى : حين دخل في نيشابور ! وهما قريبان في الخط القديم بلا إعجام . ولعله من كتاب الليث بن محمّد العنبري الذي نقله عنه الطوسي .

كما يُستبعد جداً دعوى عُبيد الضبّي النيشابوري : أ نّه لما قدم الرضا عليه السلام إلى نيشابور قام في حوائجه مادام بها ، فلمّا خرج إلى مرو شيّعه إلى مرحلة بعد سَرخْس ، فأخرج الإمام رأسه إليه وقال له : يا أبا عبد اللََّه انصرف راشداً فقد قمت بالواجب ! وليس للتشييع غاية ! فأقسم عُبيد عليه بحق المصطفى والمرتضى والزهراء أن يحدّثه بحديث فحدّثه بالحديث السابق‏ (1) ! إذ لو كان معه عليه السلام حين خروجه من نيشابور فقد سمعه ، اللهم إلّاأن يقال باحتمال غيابه عنه حينئذٍ مما يُستبعد جداً ، ويُحمل على الفخر بالتحديث الخاص !

وليس في الخبر بين اللََّه ورسوله سوى جبرئيل ، وزيد في خبر : عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم قال : يقول اللََّه عزّ وجل : « ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمِن مِن عذابي » ممّا لم يُعهد مثله في الأحاديث . رواه الصدوق عن علي بن بلال عن الرضا عليه السلام (2) وعلي بن بلال من أصحاب الجواد عليه السلام ولا يروي عن الرضا عليه السلام إلّابواسطة (3) فالخبر مرسل .

ثمّ قرية الحمراء وسناباد وطوس :

روى الصدوق بسنده عن أبي الصلت الهروي : أنّ الرضا عليه السلام خرج من نيشابور إلى مرو ، فلمّا بلغوا قرية الحمراء ( ؟ ) كان قد نفد ماؤهم وزالت الشمس ،

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 137 ، الباب 39 ، الحديث 2 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 136 ، الباب 38 ، الحديث 1 .

(3) انظر قاموس الرجال 7 : 378 برقم 5055 .

18

فقيل له : يابن رسول اللََّه ، قد زالت الشمس أفلا نصلّي ؟ فنزل وطلب الماء فقيل له : ما معنا ماء . فبحث بيده الأرض فنبع من الماء ما توضّأ به هو ومن معه وصلّوا ، وبقي أثره ، وركبوا حتّى وصلوا إلى قرية سناباد .

وكان فيها جبل استند الرضا عليه السلام إليه ودعا له فقال : اللهم انفع به وبارك في ما يُنحت منه وفيما يُجعل فيه ! ثمّ أمر أن تنُحت له منه قدور وقال : لا يُطبخ ما آكله إلّافيها . وظهرت بركة دعائه فيه واهتدى الناس إليه .

وكان في سناباد دار حُميد بن قحطبة الطائي القائد العباسي ، وفي قبة فيه دُفن هارون الرشيد ، فدخل الرضا عليه السلام إلى تلك القبة وأهوى إلى جانب قبر هارون وخطّ بيده الأرض وقال لمن حضره : « هذه تربتي وفيها اُدفن ! وسيجعل اللََّه هذا المكان مختلف « شيعتي » وأهل محبّتي ، واللََّه ما يزورني منهم زائر ، ولا يسلّم عليَّ منهم مسلّم ، إلّاأوجب اللََّه له غفرانه ورحمته بشفاعتنا « أهل البيت » ... » ثمّ استقبل القبلة فصلّى ركعات ودعا بدعوات ، فلمّا فرغ سجد سجدة سبّح فيها خمسمئة تسبيحة (1) .

ثمّ ركبوا إلى مرو .

ولما أشرف على حيطان طوس أبصر جنازة ، قال موسى بن يسار : كنت مع أبي الحسن عليه السلام رأيت سيّدي لما بصر بها ثنى رجله عن فرسه ( كذا ) ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها وأقبل عليَّ وقال لي : « يا موسى ، من شيّع جنازة وليّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه لا ذنب عليه » !

فلما وُضعت جنازة الرجل على شفير قبره وضع سيّدي يده على صدر الميت ثمّ قال له : يا فلان بن فلان ! أبشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة !

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 136 - 137 .

19

( فلما انصرفنا ) قلت له : جعلت فداك ! هل تعرف الرجل ؟ فواللََّه إنها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا ! قال : « يا موسى بن يسار ! أما علمت أنا معاشر الأئمة تُعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً ، فما كان في أعمالهم من التقصير سألنا اللََّه تعالى الصفح لصاحبه ، وما كان من العلو سألنا اللََّه الشكر لصاحبه » (1)

عباداته من المدينة إلى مرو :

أسند الصدوق عن رجاء بن أبي الضحاك الخراساني ابن عم الفضل بن سهل قال : لما بعثني المأمون لإشخاص الرضا عليه السلام أمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتّى أقدم به عليه ، فكنت معه من المدينة إلى مرو .. فلمّا وردت به على المأمون سألني عن حاله في طريقه ، فأخبرته بما شاهدته منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته .

قال : كانت قراءته في مفروضاته في الأُولى الحمد وإنا أنزلناه ، وفي الثانية الحمد وقل هو اللََّه أحد ، إلّافي صلاة الفجر والظهر والعصر يوم الجمعة فإنه كان يقرأ فيها بالحمد وسورة الجمعة والمنافقين وفي صلاة العشاء في ليلة الجمعة يقرأ في الأُولى الحمد والجمعة وفي الثانية الحمد وسبّح اسم ربك الأعلى . وفي صلاة الفجر يوم الاثنين والخميس في الأُولى الحمد وهل أتى على الإنسان ، وفي الثانية الحمد وهل أتاك حديث الغاشية .

وكان يجهر بالقراءة في المغرب والعشاء وصلاة الليل والشفع والوتر والفجر ، ويُخفت في الظهر والعصر . وكان قنوته في جميع صلواته : « ربّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأجل الأكرم » وكان في الطريق يصلي‏

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 4 : 370 .

20

فرائضه ركعتين ركعتين إلّاالمغرب فإنه كان يصليها ثلاثاً ، ولا يدع نافلتها ؛ ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي نافلة الفجر في سفر ولا حضر ، نعم كان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئاً ، وكان يقول بعد كل صلاة يقصرها :

« سبحان اللََّه والحمد للََّه‏ولا إله إلّااللََّه واللََّه أكبر » ثلاثين مرة ويقول : « هذا تمام الصلاة » وكان يسبّح في الأُخراوين يقول : « سبحان اللََّه والحمد للََّه‏ولا إله إلّااللََّه واللََّه أكبر » ثلاث مرات . وما رأيته صلّى الضحى في سفر ولا حضر ، وكان لا يصوم في السفر شيئاً . وكان إذا أقام في بلدة عشرة أيام أقام صائماً لا يفطر ، فإذا جنّ الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار .

وكان يُكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن ، فإذا مرّ بآية فيها ذكر جنة أو نار بكى وسأل اللََّه الجنة وتعوّذ به من النار ! وكان يجهر ببسم اللََّه الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار . وكان إذا قرأ قل هو اللََّه أحد قال سرّاً : اللََّه أحد ، فإذا فرغ منها قال ثلاثاً : كذلك اللََّه ربنا ، وكان إذا قرأ سورة الجحد قال سرّاً : يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ ، فإذا فرغ منها قال ثلاثاً : ربي اللََّه وديني الإسلام . وكان إذا قرأ « وَ اَلتِّينِ وَ اَلزَّيْتُونِ » قال عند الفراغ منها : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، وكان إذا قرأ لا اُقسم بيوم القيامة قال عند الفراغ منها : سبحانك اللهم بلى ، وكان إذا فرغ من الفاتحة قال : الحمد للََّه‏رب العالمين ، وإذا قرأ سبّح اسم ربك الأعلى قال سرّاً :

سبحان ربي الأعلى ، وإذا قرأ يا أيها الذين آمنوا قال سراً : لبيك اللهم لبيك .

لا ينزل بلداً إلّاقصده الناس يستفتونه في معالم دينهم ، فيجيبهم ويحدثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي عن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله .

وكان إذا أصبح صلّى الغداة ( الفجر ) فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللََّه ويحمده ويكبّره ويهلّله ويصلّي على النبي صلى الله عليه و آله حتّى تطلع الشمس ، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتّى يتعالى النهار ، ثمّ يقبل على الناس يحدثهم ويعظهم إلى قرب الزوال .

21

ثمّ يجدّد وضوءه ويعود إلى مصلاه ، فإذا زالت الشمس قام فصلّى ستّ ركعات يقرأ في الركعة الأُولى الحمد وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية الحمد وقل هو اللََّه أحد . ويقرأ في الأربع ( البواقي ) في كل ركعة الحمد وقل هو اللََّه أحد ، ويقنت في الثانية بعد القراءة وقبل الركوع ، ثمّ يؤذّن فيصلي ركعتين ( تمام ثمان ركعات نوافل الظهر في الإقامة ) ثمّ يقيم فيصلي الظهر ، فإذا سلّم سبّح اللََّه وحمده وكبّره وهلّله ما شاء اللََّه ، ثمّ سجد سجدة الشكر يقول فيها مئة مرة : شكراً للََّه.

فإذا رفع رأسه قام فصلّى ست ركعات ( من نوافل العصر ) يقرأ في كل ركعة الحمد وقل هو اللََّه ويسلّم في كل ركعتين ، ثمّ يؤذّن ثمّ يصلي ركعتين ( تمام ثمان ركعات ) فإذا سلّم أقام وصلّى العصر ، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللََّه ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء اللََّه ، ثمّ يسجد سجدة يقول فيها مئة مرة : حمداً للََّه.

فإذا غابت الشمس توضأ وصلّى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة وقنت في الثانية بعد القراءة وقبل الركوع ، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح اللََّه ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء اللََّه ، ثمّ يسجد سجدة الشكر ، ثمّ يرفع رأسه ويقوم ويصلّي أربع ركعات ( نوافل المغرب ) بتسليمتين ويقنت في الثانية بعد القراءة وقبل الركوع ، ثمّ يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء اللََّه ثمّ يُفطر ( إذا كان صائماً في الإقامة ) .

ثمّ يلبث حتّى يمضي من الليل قريب من الثلث فيقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات ( في الإقامة ) ويقنت في الثانية بعد القراءة وقبل الركوع ، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يذكر اللََّه ويسبّحه ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء اللََّه ، وبعد التعقيب يسجد سجدة الشكر ، ثمّ يأوي إلى فراشه .

فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه فيستاك ثمّ يتوضأ ثمّ يقوم لصلاة الليل ، فيصلّي ثمان ركعات يسلّم في كل ركعتين بالحمد وقل هو اللََّه أحد ثلاثين مرة ! ثمّ يقوم فيصلي الركعتين الباقيتين يقرأ في الأُولى الحمد وسورة

22

المُلك وفي الثانية الحمد وهل أتى على الإنسان ، ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو اللََّه ثلاث مرات ويقنت في الثانية بعد القراءة وقبل الركوع ، فإذا سلم قام فصلّى ركعة الوتر يقرأ فيها الحمد مرّة وقل هو اللََّه أحد ثلاث مرات وقل أعوذ برب الفلق مرة وقل أعوذ برب الناس مرة ويقنت فيها بعد القراءة وقبل الركوع يقول فيه : « اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد ، اللهم اهدنا في من هديت ، وعافنا في من عافيت ، وتولنا في من توليت ، وبارك لنا في ما أعطيت ، وقنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنّه لا يذلّ من واليت ولا يعزّ من عاديت تباركت ربنا وتعاليت » ثمّ يقول سبعين مرّة : أستغفر اللََّه وأسأله التوبة . فإذا سلم جلس في التعقيب ما شاء اللََّه .

فإذا قرب الفجر قام فصلّى ركعتي ( نافلة ) الفجر يقرأ في الأُولى الحمد وقل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية الحمد وقل هو اللََّه أحد ، فإذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ( الفجر ) فإذا سلم جلس في التعقيب حتّى تطلع الشمس ، ثمّ يسجد سجدتي الشكر حتّى يتعالى النهار .

فلمّا أخبرت المأمون بما شاهدته منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته قال لي : يابن أبي الضحاك ! هذا خير أهل الأرض وأعبدهم وأعلمهم ، فلا تخبر أحداً بما شاهدته منه لا يظهر فضله إلّاعلى لساني ؛ وباللََّه أستعين على ما أقوى من الرفع منه والإشادة به‏ (1) !

بداية محاولة المأمون :

يظهر من خبر رواه الصدوق : أنّ من العلويين الحاضرين مع الرضا عليه السلام بمرو محمّد بن يحيى بن عمر الأطرف بن علي عليه السلام ، قال : لما أراد المأمون‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 180 - 183 ، الحديث 5 بتصرف يسير .

ـ

23

أن يستعمل الرضا عليه السلام جمع بني هاشم ( العباسيين ) فقال لهم : إني أُريد أن استعمل أبا الحسن علي بن موسى لهذا الأمر بعدي !

فقالوا : أتولّي رجلاً ليس له بصر بتدبير الخلافة ! فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به عليه ! فبعث إليه فأتاه .

فقال له بنو هاشم ( العباسيون ) : يا أبا الحسن ، اصعد المنبر وانصب لنا علماً نعبد اللََّه عليه .

فصعد المنبر وقعد عليه مطرقاً لا يتكلم مليّاً ! ثمّ انتفض انتفاضة واستوى قائماً ، وحمد اللََّه وأثنى عليه وصلّى على نبيّه وأهل بيته ثمّ قال : أول عبادة اللََّه معرفته ... (1) .

وهكذا ينبتر الخبر بلا ذكر لردّ فعل هؤلاء العباسيين بعد سماعهم لكلام الإمام عليه السلام .

وكان أبو علي الريّان بن الصلت الأشعري القمي‏ (2) قد استعمله وزير المأمون : الفضل بن سهل بعثه إلى بعض كور خراسان‏ (3) فروى الصدوق عنه : أن الرضا عليه السلام قبل أن يُحمل إلى المأمون كان من أخصّ الناس عنده هشام بن إبراهيم الراشدي الهمداني ، وكان عالماً أديباً لبيباً ، فكانت أُمور الرضا تجري على يده ومن عنده ، وتصير الأموال من النواحي كلّها إليه ! فلمّا حُمل أبو الحسن إلى المأمون ، تقرّب هشام الراشدي إلى الفضل ذي الرياستين ، فقرّبه الفضل وأدناه ،

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 149 ، 153 ، وذكرها في التوحيد : 34 ، 41 .

(2) رجال النجاشي : 165 برقم 437 وابناه محمّد وعلي من رواة الهادي عليه السلام ، جامع الرواة 1 : 85 .

(3) اختيار معرفة الرجال : 547 ، الحديث 1036 .

24

وجعله يحمل أخبار الرضا إليه وإلى المأمون فلا يُخفى عليهما من أخباره شيئاً ، فحظي بذلك عند المأمون حتّى ولّاه حِجابة الرضا ! فكان لا يصل إلى الرضا إلّا من أحبّ ، وكان من يقصده من مواليه لا يصل إليه ! وكان لا يتكلم الرضا في داره بشي‏ء إلّاأورده هشام على المأمون وذي الرياستين ؛ وحتّى جعله المأمون مؤدِّباً لابنه العباس ، ولذلك سُمي : هشام العباسي .

قال : وكان منزل أبي الحسن الرضا بجنب منزل المأمون ، وكان المأمون يأتي الرضا يوماً والرضا يأتي المأمون يوماً (1) .

وروى الصدوق بسنده عن إبراهيم بن هاشم القمي قال : كان الريّان بن الصلت القمي من رجال الحسن بن سهل ( أخ الفضل ) قال : لما انقضى أمر المخلوع واستوى أمر المأمون .. حمل الرضا عليه السلام إليه على طريق البصرة والأهواز وفارس حتّى وافى مرو .

فلمّا وافى مرو عرض عليه المأمون أن يتقلد الإمرة والخلافة ! فأبى الرضا عليه السلام ذلك ، وجرت في هذا مخاطبات كثيرة ، بقوا في ذلك نحواً من شهرين ( ظ رجب وشعبان ) كل ذلك يأبى أبو الحسن الرضا عليه السلام أن يقبل ما يعرض عليه .

فلمّا كثر الكلام والخطاب في هذا قال المأمون : فولاية العهد . فقال له :

على شروط أسألك إياها ! فقال المأمون : سل ما شئت .

فكتب الرضا عليه السلام : « إني أدخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى ، ولا أقضي ولا أُفتي ولا أُغيّر شيئاً مما هو قائم ، وتعفيني عن ذلك كلّه .. » فقبلها على كل هذه الشروط وأجابه المأمون إلى ذلك‏ (2) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 153 و 154 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 149 - 150 .

25

إعلان ولاية عهد الرضا عليه السلام :

جاء في خبر الصدوق عن الريّان بن الصلت : أن المأمون دعا الشاكرية ( الجنود ) وقوّادهم والقضاة والولاة وولد العباس إلى البيعة بولاية عهده إلى الرضا عليه السلام ، فاضطربوا عليه ، فأخرج أموالاً كثيرة وأعطى القواد وأرضاهم ، إلّا ثلاثة نفر من قواده أبوا ذلك : أحدهم : عيسى الجلودي ، وعلي بن أبي عمران ، وأبو يونس ( ؟ ) فإنهم أبوا أن يدخلوا في بيعة الرضا ، فحبسهم‏ (1) .

تلكم ما رواه الصدوق عن إبراهيم بن هاشم عن الريّان بن الصلت مختصراً ، وروى قبله تفصيله عن أبي الصلت الهروي والذي اختاره المأمون فجعله من خاصته ، وخصّه أن يكون مع الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو ، قال : إنّ المأمون قال للرضا :

يابن رسول اللََّه ؛ قد عرفتُ علمك وفضلك ، وزهدك وورعك وعبادتك ، وأراك أحق بالخلافة مني !

فقال الرضا عليه السلام : « بالعبودية للََّه‏عزّ وجل أفتخر ، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا ، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند اللََّه عزّ وجل » ثمّ سكت عن أحقّيته بالخلافة ، وإقرار المأمون بها على نفسه ! فعاد المأمون إليها وقال :

فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأُبايعك !

فقال له الرضا : إن كانت هذه الخلافة لك ، واللََّه جعلها لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك اللََّه وتجعله لغيرك ! وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك !

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 491 ، 492 .

26

فقال له المأمون : يابن رسول اللََّه ؛ لابدّ لك من قبول هذا الأمر !

فقال : لست أفعل ذلك طائعاً أبداً ! ( وانفضّ المجلس على هذا ) .

قال أبو الصلت : فما زال المأمون يجهد به أياماً ( وقد مرّ أنها كانت شهرين ) حتّى يئس من قبوله .

فقال له : فإن لم تقبل الخلافة ولم تحبّ مبايعتي لك ، فكن وليّ عهدي لتكون لك الخلافة بعدي .

فقال الرضا عليه السلام : واللََّه لقد حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله : أ نّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسمّ مظلوماً ! واُدفن في أرض غربة إلى جنب ( أبيك ) هارون الرشيد ! فتبكي عليَّ ملائكة السماء والأرض !

فبكى المأمون وقال : يابن رسول اللََّه ، ومَن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي ؟

فقال الرضا عليه السلام : أما إني لو أشاء أن أقول مَن الذي يقتلني لقلت !

فقال المأمون : يابن رسول اللََّه ؛ إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ؛ ليقول الناس إنك زاهد في الدنيا !

فقال الرضا عليه السلام : واللََّه ما كذبت منذ خلقني ربّي عزّ وجل ، وما زهدت في الدنيا للدنيا ، وإني لأَعلم ما تريد !

فقال المأمون : وما اُريد ؟ قال : الأمان على الصدق ؟ قال : لك الأمان ! قال : تريد بذلك أن يقول الناس : إنّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه ! ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة !

فغضب المأمون ثمّ قال : إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه ! وقد أمنت سطوتي ! فباللََّه أُقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلّا أجبرتك على ذلك ، فإن فعلت وإلّا ضربت عنقك !

27

فقال الرضا عليه السلام : قد نهاني اللََّه عزّ وجل أن اُلقي بيدي إلى التهلكة ! فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك ، وأنا أقبل ذلك على أن لا اُولّي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سنّة ، وإنّما أكون مشيراً في الأمر من بعيد ! فرضي المأمون منه بذلك‏ (1) .

وكان ذو الرياستين الفضل بن سهل حاضراً وعمّ الرضا محمّد بن جعفر العلوي غير حاضر ، فخرج الفضل يوماً إليه وإلى أصحابه ، وهو يقول : وا عجباً ! لقد رأيت عجباً ! سلوني ما رأيت ! فقالوا : ما رأيت أصلحك اللََّه ؟ قال : رأيت أمير المؤمنين يقول لعلي بن موسى : إني قد رأيت أن أفسخ ما في رقبتي وأجعله في رقبتك وأُقلدك أُمور المسلمين ! ورأيت علي بن موسى يقول له : اللََّه اللََّه ! لا طاقة لي ولا قوة بذلك‏ (2) !

المجلس العام لتولية الإمام عليه السلام :

قال خليفة : فيها ( 201 هـ ) خلع المأمون أخاه القاسم بن هارون وبايع لعليّ بن موسى بالخلافة من بعده‏ (3) وعقّب اليعقوبي بذكر الشهر واليوم قال : كان ذلك لسبع خلون من شهر رمضان‏ (4) ولعلّه لتسع .

وفصّل الإصفهاني قال : جلس المأمون في يوم الخميس ( غرة رمضان ) وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس (الخواص) برأي المأمون في علي بن موسى،

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 139 - 140 ، وفي علل الشرائع 1 : 277 ، والأمالي : 125 ، الحديث 115 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 141 ، الباب 40 ، الحديث 6 .

(3) تاريخ خليفة : 312 .

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 448 .

28

وأ نّه ولّاه العهد ، وسمّاه « الرضا » وأمر بلُبس الخضرة ، والعود لبيعته في الخميس الآخر ، على أن يأخذوا رزق سنة !

فلمّا كان ذلك اليوم حضر القضاة والقواد في الخضرة بدل السواد ، وأمر المأمون فوُضع للرضا عليه السلام وسادتان عظيمتان إلى مجلسه ، وأحضر الرضا ( في الخضار ) وعليه عمامة ( خضراء ) وسيف ووضعت البدر ( كل بدرة عشرة آلاف درهم جوائز ) (1) .

ثمّ صعد المأمون المنبر ( فحمد اللََّه وأثنى عليه وصلّى على محمّد وآله ) ثمّ قال : أيها الناس ، قد جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . ثمّ قال : واللََّه لو قرئت هذه الأسماء على الصمّ البكم لبرئوا بإذن اللََّه عزّ وجل‏ (2) .

وكان للمأمون يومئذ اثنتان وثلاثون سنة وابنه البكر العباس بن عبد اللََّه دون المراهقة ، فولّى عهده يومئذ للرضا عليه السلام دون ابنه العباس هذا ، بل أمره أول الناس أن يبايع ، فقام إليه ليبايع فرفع الرضا عليه السلام يده وأوقفها ظهرها إليه وبطنها إلى الناس ! فقال المأمون له : ابسط يدك للبيعة ! فقال : إنّ رسول اللََّه صلى الله عليه و آله هكذا كان يبايع ! فبايعه العباس بن المأمون كذلك .

ثمّ كان يدعو سائر الناس أبو عبّاد ، فنادى عمّ الرضا محمّد بن جعفر بن محمّد العلوي ، فقام حتّى قرب من المأمون ( وبايع ) ثمّ مضى فأخذ جائزته ورجع إلى مجلسه ، ثمّ جعل أبو عباد يدعو بعلوي وعباسي فيبايعان ثمّ يقبضان جوائزهما ، حتّى نفدت الأموال .

____________

(1) مقاتل الطالبيين : 376 بطريقين ، وعنه في الإرشاد 2 : 261 بلا إسناد .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 147 ، الباب 40 الحديث 18 ، والأمالي : 758 ، الحديث 15 ، م 94 .

29

ثمّ قال المأمون للرضا : قُم فاخطب الناس ، فقام وحمد اللََّه وأثنى عليه وصلّى على محمّد وآله ثمّ قال ( أيها الناس ) : « إنّ لنا حقاً برسول اللََّه صلى الله عليه و آله ، ولكم علينا حقّ به ، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم » .

وقام الخطباء والشعراء يذكرون ما كان من المأمون في الرضا ويذكرون فضله‏ (1) .

وكان ممن كتب في تاريخ الوزراء والكُتّاب : محمّد بن يحيى الصولي الجليس‏ (2) الشطرنجي ( م 336 هـ ) (3) فروى عنه الصدوق قال : إنّ الخطيب العباس ( ؟ ) قام فتكلم فأحسن ثمّ ختم بقوله :

لابد للناس من شمس ومن قمر # فأنت شمس وهذا ذلك القمر

ثمّ أومأ الرضا عليه السلام إليهم فأنصتوا ، فقام وقال : الحمد للََّه‏الفعال لما يشاء لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه «يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ » (4) وصلّى اللََّه على محمّد في الأولين والآخرين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين .

أقول - وأنا علي بن موسى بن جعفر - إنّ أمير المؤمنين ( عضّده اللََّه بالسداد ، ووفّقه للرشاد ) عرف من حقنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاماً قطعت ! وآمن نفوساً فزعت ! بل أحياها وقد تلفت ! وأغناها إذ افتقرت! مبتغياً رضا ربّ العالمين، لا يريد جزاءً إلّامن عنده «وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ » (5) و «لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ » (6) * .

____________

(1) مقاتل الطالبيين : 376 ، وعنه في الإرشاد 2 : 261 - 262 بلا إسناد .

(2) التنبيه والإشراف : 305 .

(3) هدية الأحباب : 210 .

(4) غافر : 19 .

(5) آل عمران : 144 .

(6) التوبة : 120 ، ويوسف : 90 .

30

وإنه جعل إليَّ عهده ، والإمرة الكبرى إن بقيتُ بعده ! فمن حلّ عقدة أمر اللََّه تعالى بشدها ، وفصم عروة أحبّ اللََّه إيثاقها ؛ فقد أباح حريمه وأحل محرَّمه ، إذ كان بذلك زارياً على الإمام منتهكاً حرمة الإسلام ! بذلك جرى السالف منهم فصبر على الفلتات ولم يعترض بعدها على الغرامات ، خوفاً على شتات الدين واضطراب حبل المسلمين ، ولقرب أمر الجاهلية ورصد المنافقين ، فرصة تُنتهز وبادرة تُبتدر ! و «وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ ؟؟؟ بِي وَ لاََ بِكُمْ » (1) ، «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ » (2) .

فالخطبة إلى كونها إخطاراً بما يقع أقرب من كونها استبشاراً بما وقع ، واكتفى فيها الإمام من الثناء على الخليفة بأقل دعوة طفيفة ، دفعاً لحاضر الضرر أو مستحضر الشر .

بل نقل المفيد عن المدائني عن رجاله عن بعض من كان يختص بالرضا عليه السلام ممّن حضره اليوم قال : كنت في ذلك اليوم بين يديه مستبشراً بما جرى ، ورآني فأومأ إليَّ أن ادنُ مني فدنوت منه فقال لي حيث لا يسمعه غيري : لا تُشغل قلبك بهذا الأمر ولا تستبشر به ؛ فإنه شي‏ء لا يتم‏ (3) .

وكان المأمون قد استوزر أو استكتب ابن عم الصولي : عمرو بن مسعدة فأمره المأمون أن يستكتب من الرضا عليه السلام كتاباً في تقريظ المأمون ، قال : فأعلمته ذلك . فأطرق ملياً ثمّ قال : « يا عمرو ، إنّ من أخذه برسول اللََّه صلى الله عليه و آله لحقيق أن يعطى به » (4) فلم يكتب له !

____________

(1) الأحقاف : 9 .

(2) الأنعام : 57 ، والخبران في العيون : 146 ، الباب 40 ، الحديث 19 و 17 .

(3) الإرشاد 2 : 263 .

(4) نثر الدر للآبي 1 : 361 ، ونحوه في العيون : 144 ، الباب 40 ، الحديث 11 .

ـ

31

كتاب العهد للرضا عليه السلام :

بسم اللََّه الرحمن الرحيم ، هذا كتاب كتبه عبد اللََّه بن هارون الرشيد أمير المؤمنين ، لعلي بن موسى بن جعفر وليّ عهده :

أما بعد ، فإنّ اللََّه عزّ وجل اصطفى الإسلام ديناً واصطفى له من عباده رسلاً ، دالّين عليه وهادين إليه ، يبشّر أولهم بآخرهم ويصدّق تاليهم ماضيهم .

حتّى انتهت نبوة اللََّه إلى محمّد صلى الله عليه و آله على فترة من الرسل ، ودروس من العلم ، وانقطاع من الوحي ، واقتراب من الساعة ، فختم اللََّه به النبيين وجعله شاهداً لهم ومُهيمناً عليهم ، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي «لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » (1) بما أحلّ وحرّم ، ووعد وأوعد ، وحذّر وأنذر ، ونهى عنه وأمر ، لتكون له الحجة البالغة على خلقه «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اَللََّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ » (2) .

فبلّغ عن اللََّه رسالته ، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، ثمّ بالجهاد والغلظة ، حتّى قبضه اللََّه إليه واختار له ما عنده .

فلمّا انقضت النبوة وختم اللََّه بمحمد صلى الله عليه و آله الوحي والرسالة ، جعل قوام الدين ونظام أمر المسلمين بالخلافة ، وإتمامها وعزّها والقيام بحق اللََّه تعالى فيها ، بالطاعة التي بها يُقام فرائض اللََّه وحدوده ، وشرائع الإسلام وسننه ، ويجاهَد بها عدوّه !

فعلى خلفاء اللََّه طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق اللََّه وعدله ، وأمن السبيل ،

____________

(1) فصلت : 42 .

(2) الأنفال : 42 .

32

وحقن الدماء ، وصلاح ذات البين وجمع الأُلفة ! وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم ، واختلاف ملتهم وقهر دينهم واستعلاء عدوّهم وتفرّق الكلمة وخسران الدنيا والآخرة !

فحق على من استخلفه اللََّه في أرضه وائتمنه على خلقه : أن يُجهد للََّه‏نفسه ، ويؤثر ما فيه رضا اللََّه وطاعته ، ويعتدّ لما اللََّه مواقفه عليه ومسائله عنه ! وأن يحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمّله اللََّه وقلّده ، فإنّ اللََّه عزّ وجل يقول لنبيّه داود عليه السلام :

« يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ بِمََا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسََابِ » (1) وقال اللََّه عزّ وجل : «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * `عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ » (2) وبلغنا : أن عمر بن الخطاب قال : لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني اللََّه عنها !

وأيم اللََّه ؛ إنّ المسؤول عن خاصّة نفسه ، الموقوف على عمله فيما بين اللََّه وبينه ، ليُعرض على أمر كبير وخطر عظيم ! فكيف بالمسؤول عن رعاية الأُمة ؟! وباللََّه الثقة وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة ، والفوز من اللََّه بالرضوان والرحمة .

وإنّ أَنظر الأُمة لنفسه وأنصحهم للََّه‏في دينه وعباده من خلائقه في أرضه :

مَن عمل بطاعة اللََّه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه و آله في مدة أيامه وبعدها ، وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده ، وينصبه علماً لهم ومفزعاً لجمع اُلفتهم ولمّ شعثهم وحقن دمائهم ، والأمن بإذن اللََّه من فُرقتهم‏

____________

(1) ص : 26 .

(2) الحجر : 92 - 93 .

33

وفساد ذات بينهم واختلافهم ، ودفع نزغ الشيطان وكيده عنهم‏ (1) فإنّ اللََّه عزّ وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله‏ (2) وعزّه وصلاح أهله . و ( قد ) ألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة (3) وشملت فيه العافية ، ونقض اللََّه بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة والسعي في الفرقة والتربّص للفتنة .

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها ! وثقل محملها وشدة مؤونتها ! وما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة اللََّه ، ومراقبته فيما حمّله منها ، فأنصب بدنه وأسهر عينه وأطال فكره ، فيما فيه عزّ الدين وقمع المشركين ، وصلاح الأُمة ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسنة ، ومنعه ذلك من الخفض والدّعة - ومهنأ العيش ! علماً بما اللََّه سائله عنه ، ومحبّة أن يلقى اللََّه مناصحاً له في دينه وعباده ، ومختاراً لولاية عهده ورعاية الأُمة من بعده - أفضل من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه ، وأرجاهم للقيام في أمر اللََّه وحقّه . مناجياً اللََّه بالاستخارة في ذلك ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته ، في آناء ليله ونهاره ، مُعملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد عبد اللََّه بن العباس وعلي بن أبي طالب فكره ونظره ، مقتصراً فيمن علم حاله ومذهبه منهم على علمه ، وبالغاً في المسألة عمّن خفى عليه أمره ، جهده وطاقته ، حتّى استقصى أُمورهم معرفة وابتلى أخبارهم مشاهدة ، واستبرأ أحوالهم معاينة ، وكشف ما عندهم مُساءلة .

____________

(1) كذا يصف المأمون الخلافة والعهد بها لما بعده ، وقد أوهم قبل هذا كأن اللََّه ورسوله أهملا أمرها بعد النبيّ ! ومع هذا يُتهم المأمون بالتشيع ، وهذا هو محور التشيع .

(2) هل يشير بذلك إلى آية إكمال الدين وإتمام النعمة ؟!

(3) وهل يشير بهذا إلى آية إتمام النعمة ؟!

34

فكانت خيرته - بعد استخارته للََّه‏وإجهاده نفسه في قضاء حقه في بلاده وعباده من البيتين جميعاً - علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ؛ لما رأى من فضله البارع وعلمه النافع ، وورعه الظاهر وزهده الخالص وتخلّيه من الدنيا وتسلّمه من الناس ! وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه متّفقة ، والكلمة فيه جامعة ، ولِما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً وناشئاً ، وحدثاً ومكتهلاً ، فعقد له بالعهد والخلافة من بعده ، واثقاً بخيرة اللََّه في ذلك ، إذ علم اللََّه أ نّه فعله إيثاراً له وللدين ، ونظراً للإسلام والمسلمين ، و « طلباً للسلامة وثبات الحجة » والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين .

فدعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصّته ، وقوّاده وخدمه ، فبايعوا مسرعين مسرورين ، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللََّه على الهوى في ولده وغيرهم ، ممن هو أشبك منه رحماً وأقرب قرابة .

وسمّاه « الرضا » إذ كان رضاً عند أمير المؤمنين !

فيا معاشر أهل بيت أمير المؤمنين ، ومَن بالمدينة المحروسة من قوّاده وجنده وعامة المسلمين ، بايِعوا لأمير المؤمنين وللرضا علي بن موسى من بعده ، على اسم اللََّه وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده ، بيعة مبسوطة لها أيديكم ، منشرحة لها صدوركم ، عالمين بما أراد بها أمير المؤمنين ! وآثر طاعة اللََّه والنظر لنفسه ولكم فيها ، شاكرين للََّه‏على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقه في رعايتكم ، وحرصه على رشدكم وصلاحكم ، راجين عائدة ذلك في : « جمع أُلفتكم وحقن دمائكم ، ولمّ شعثكم ، وسدّ ثغوركم ، وقوة دينكم ، ووقم عدوّكم ، واستقامة أُموركم » وسارعوا إلى طاعة اللََّه وطاعة أمير المؤمنين ، فإنه الأمن إن سارعتم إليه وحمدتم اللََّه عليه وعرفتم الحظّ فيه ، إن شاء اللََّه .

35

وكتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومئتين.

فلمّا قدّمه للرضا عليه السلام وقرأه قَلبه فكتب على ظهره :

بسم اللََّه الرحمن الرحيم ، الحمد للََّه‏الفعّال لما يشاء لا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه : «يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ » (1) وصلّى اللََّه على نبيه محمّد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين .

أقول - وأنا علي بن موسى بن جعفر - إنّ أمير المؤمنين ( عضّده اللََّه بالسداد ووفّقه للرشاد ) عرف من حقنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاماً قُطعت ، وأمن نفوساً فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغياً رضا ربّ العالمين ، لا يريد جزاءً من غيره و «سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ » (2) و «لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ » (3) * .

وإنّه جعل إليّ عهده ، والإمرة الكبرى إن بقيت بعده ، فمن حلّ عقدة أمر اللََّه بشدها وفصم عروة أحبّ اللََّه إيثاقها فقد أباح حريمه وأحلّ محرّمه ! إذ كان بذلك زارياً على الإمام ، منتهكاً حرمة الإسلام . بذلك جرى السالف منهم فصبر على الفلتات ، ولم يعترض بعدها على الغرامات « خوفاً على شتات الدين واضطراب حبل المسلمين » ولقرب أمر الجاهلية ورصد فرصة تُنتهز وبائقة تُبتدر !

وقد جعلت للََّه‏على نفسي - أن استرعاني أمر المسلمين وقلّدني خلافته - العمل فيهم عامة وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة ، بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه و آله ، وأن لا أسفك دماً حراماً ، ولا اُبيح فرجاً ولا مالاً ، إلّاما سفكته حدوده وأباحته فرائضه ، وأن أتخيّر الكُفاة جهدي وطاقتي ، وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكداً يسألني اللََّه عنه ، فإنه عزّ وجل يقول : «وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ

____________

(1) غافر : 19 .

(2) آل عمران : 144 .

(3) يوسف : 90 ، والتوبة : 120 .

36

كََانَ مَسْؤُلاً » (1) فإن أحدثت أو غيّرت أو بدّلت كنت مستحقاً للغِيَر متعرّضاً للنكال ؛ وأعوذ باللََّه من سخطه ، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته والحؤول بيني وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين .

و « الجامعة » و « الجفر » (2) يدلّان على ضدّ ذلك ! و «وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » (3) ، «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ » (4) لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين ( ! ) وآثرت رضاه ! واللََّه يعصمني وإياه ! وأشهدت اللََّه على نفسي بذلك ، وكفى باللََّه شهيداً .

وكتبت بخطي بحضرة أمير المؤمنين أطال اللََّه بقاءه ، والفضل بن سهل ( وأبيه ) سهل بن الفضل ، ويحيى بن أكثم ، وعبد اللََّه بن طاهر ، وثمامة بن أشرس ، وبشر بن المعتمر ، وحمّاد بن النعمان ، في شهر رمضان سنة إحدى ومئتين .

وعلى الجانب الأيسر كتب الفضل بن سهل : رسم أمير المؤمنين أطال اللََّه بقاءه : قراءة هذه الصحيفة التي هي صحيفة الميثاق بحرم سيدنا رسول اللََّه صلى الله عليه و آله بين الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد ، بمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم ، وسائر الأولياء والأجناد ... أوجب به أمير المؤمنين الحجة على جميع المسلمين ، ولتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين ( ؟! ) «مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ََ مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ » (5) وكتب الفضل بن سهل بأمر أمير المؤمنين بالتاريخ المذكور (6) .

____________

(1) الإسراء : 34 .

(2) الصحيفة الجامعة لعلي عليه السلام ؟ والجفر الأبيض أو الأحمر الذي كان لديهم عليهم السلام !

(3) الأحقاف : 9 .

(4) الأنعام : 57 .

(5) آل عمران : 179 .

(6) كشف الغمة 3 : 466 - 474 وبهامشه مصادر أُخرى .

37

نقله الإربلي وقال : حرفاً فحرفاً ، وهو بخط المأمون ، وفي ظهره بخط الإمام عليه السلام ، وصل به من مشهده الشريف ( ! ) أحد قوّامه في سنة ستمئة وسبعين .

ونقله قبله ابن الجوزي ( م 597 هـ ) عن الكاتب هبة اللََّه بن الفضل قال : رأيته بخطّ المأمون ، ابتاعه خالي يحيى بن صاعد بمئتي دينار ! ليحمله إلى سيف الدولة صدقة بن منصور الحمداني ، وعليه خطوط الوزير المغربي وعبد اللََّه الصولي‏ (1) .

واختصره سبطه وقال : ذكره عامة المؤرخين في تواريخهم‏ (2) هذا ولم نجد فيما بأيدينا من ذكره بنصه غير جده ابن الجوزي ، فهو أقدم مصدر وعنه أخذ من أخذ ، فهو قبل الإربلي بأكثر من سبعين عاماً ، ولم يعلم الإربلي به .

وزاد السبط قال : قرئ هذا العهد في جميع الآفاق ، وعند الكعبة ، وبين قبر رسول اللََّه ومنبره‏ (3) ودعا له عامل المدينة عبد الجبار بن سعيد على منبر رسول اللََّه ، دعا له بعد المأمون فقال : « اللهم وأصلح وليّ عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام » ثمّ استشهد بشعر النابغة الذُبياني قال :

ستة آباء همُ ما همُ # أفضل من يشرب صوب الغمام‏ (4)

من نتائج البيعة في مكة :

في اليعقوبي : كان المأمون قد أرسل الحسن بن سهل أخا وزيره الفضل إلى العراق ، فصار إلى المدائن ، ووجّه حمدويه بن علي بن ماهان إلى مكة .

____________

(1) المنتظم 10 : 99 عام ( 201 هـ ) .

(2) تذكرة الخواص 2 : 474 .

(3) تذكرة الخواص : 478 .

(4) مقاتل الطالبيين : 376 عن ابن عقدة الزيدي ! وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 145 ، الباب 40 ، الحديث 14 عن كتاب الأوراق للصولي .

38

وكان إبراهيم بن موسى بن جعفر العلوي قد ذهب إلى اليمن وتغلّب عليها ، فاستخلف حمدويه على مكة يزيدَ بن محمّد المخزومي وتوجه إلى إبراهيم في اليمن ، فحاربه إبراهيم بمن معه من اليمن في وقعات منكرة تأخذ من الفريقين ، ثمّ خرج إبراهيم بن موسى من اليمن يريد مكة .

وبلغ ذلك إلى يزيد بن محمّد المخزومي فخندق على نفسه في مكة ، وأرسل إلى سدنة الكعبة فأخذ منهم الذهب الذي كان بعث به المأمون من خراسان وضربه دنانير ودراهم ، واقترض قرضاً من الأعراب لينفقه .

وصار إبراهيم إلى مكة فواقفه يزيد في أصحابه ، وبعث إبراهيم بن موسى بعض أصحابه فدخل من الجبل ، فانهزم يزيد ولحقه بعضهم فقتله ، ودخل إبراهيم مكة فتغلّب عليها .. وأقام بها واستقامت له الأُمور وأخذ يدعو للمأمون !

ووجّه المأمون ببيعة الرضا عليه السلام إلى مكة مع عيسى بن يزيد الجلودي ومعه خلعة الخضرة لإبراهيم ، فخرج إبراهيم فتلقاه وبايع لأخيه الرضا ، ولبس الأخضر وأخذ بيعة الناس له بمكة .

وكان حمدويه بن علي بن ماهان لمّا خرج إبراهيم من اليمن إلى مكة ، استمال جماعة من أهل اليمن وخلع المأمون ! فكتب المأمون إلى إبراهيم بن موسى بولايته على اليمن ، وأمر الجلودي بالخروج معه لمعونته في محاربة حمدويه .

وكان زيد بن موسى بن جعفر قد استمال معه جماعة من قيسية البصرة وتغلّب عليها ، ونهب دوراً وأموالاً كثيرة للناس ، فانصرف الجلودي إليه إلى البصرة وحاربه حتّى تغلّب عليه وأخذه وحمله إلى المأمون فأطلقه ( للرضا عليه السلام ) .

وخرج إبراهيم إلى اليمن ، فاستقبله جماعة مع ابن حمدويه فحاربه إبراهيم فقتل من أصحابه خلقاً حتّى انهزم ابن حمدويه ، وصار إبراهيم إلى صنعاء ،

39

فخرج حمدويه إليه فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من أصحاب إبراهيم خلق عظيم وانهزم إبراهيم إلى مكة (1) .

زيد بن موسى والرضا عليه السلام :

عقد الصدوق باباً لأخبار زيد بن موسى ، حدّث فيه عن علي بن أحمد النسابة قال : أُتي بزيد بن موسى إلى الحسن بن سهل بالعراق فحبسه ، ثمّ أحضره لقتله ، وجرّد السيّاف سيفه ، فقام الحجاج بن خيثمة إلى الحسن وقال له : أيها الأمير ؛ إن رأيت أن لا تعجل ، وتدعوني إليك فإن عندي نصيحة . فأشار إلى السيّاف فأمسك .

فلمّا دنا الحجاج من الحسن قال له : أيها الأمير ، هل أتاك بما تريد أن تفعله بزيد أمر من أمير المؤمنين ؟! قال : لا ، قال : فعلامَ تقتل ابن عمّ أمير المؤمنين من غير إذنه وأمره واستطلاع رأيه فيه ؟! إنّ الرشيد لما أمر خادمه مسرور الكبير بقتل جعفر بن يحيى البرمكي قال له : وإذا سألك جعفر عن ذنبه الذي تقتله به فقل له :

إنّما أقتلك بابن عمي أبي عبد اللََّه بن الحسن الأفطس الذي قتلته من غير أمري ! أيها الأمير ؛ أفتأمن أن تحدث حادثة بينك وبين أمير المؤمنين وقد قتلت هذا الرجل فيحتجّ عليك بمثل ما احتجّ به الرشيد على جعفر بن يحيى ؟!

فقال الحسن للحجّاج : جزاك اللََّه خيراً ! ثمّ أمر بردّ زيد إلى محبسه ، فلم يزل فيه حتّى حُمل إلى المأمون‏ (2) .

ونقل عن كتاب الصولي قال : لما جي‏ء بزيد بن موسى أخي الرضا إلى المأمون ، وقد خرج بالبصرة وأحرق دور العباسيين حتّى سمي زيد النار !

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 448 و 449 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 233 ، الباب 58 ، الحديث 3 .

40

قال له المأمون : يا زيد ، خرجت بالبصرة وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا من بني أُمية وآل زياد وعدي وباهلة وثقيف ! وقصدت دور بني عمك !

وكان زيد مزّاحاً فقال له : يا أمير المؤمنين ؛ أخطأتُ من كل جهة ! وإن عدتُ بدأتُ بهم !

فضحك المأمون . ثمّ بعث به إلى أخيه الرضا وقال له : وهبت جرمه لك ! فلمّا جاءوا به إليه عنّفه ثمّ حلف أن لا يكلّمه ما عاش أبداً (1) !

ونقل الصدوق عن كتاب « الأوراق في الوزراء والكتاب » لمحمد بن يحيى الصولي بسنده قال : قال المأمون للرضا عليه السلام في أخيه زيد بن موسى : لئن خرج أخوك وفعل ما فعل لقد خرج من قبله زيد بن علي فقُتل ! ولولا مكانك مني لقتلته ! فليس ما أتاه بصغير !

فقال له الرضا عليه السلام : يا أمير المؤمنين ، لا تقِس أخي زيداً إلى زيد بن علي ! فإنه كان من علماء آل محمد ، غضب للََّه‏عزّ وجل فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله !

ولقد حدّثني أبي أنه سمع أباه يقول : رحم اللََّه عمّي زيداً ، إنه دعا إلى الرضى من آل محمد ، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه ! ولقد استشارني في خروجه فقلت له : يا عم ، إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنَك ! فلما ولّى قال : ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه !

فقال المأمون : يا أبا الحسن ؛ أليس قد جاء في من ادّعى الإمامة بغير حقها ما جاء !

فقال الرضا عليه السلام : إنّ زيد بن علي لم يك يدّعي ما ليس له بحق ، وإنه كان أتقى للََّه‏من ذلك ، إنه قال أدعوكم إلى الرضى من آل محمد عليهم السلام . وإنما جاء ما جاء

____________

(1) المصدر 2 : 233 ، الحديث 2 .

41

في من ادّعى أنّ اللََّه تعالى « نصّ » عليه ثمّ هو يدعو إلى غير دين اللََّه ويُضل عن سبيله بغير علم . وكان زيد - واللََّه - ممن خوطب بهذه الآية : «وَ جََاهِدُوا فِي اَللََّهِ حَقَّ جِهََادِهِ هُوَ اِجْتَبََاكُمْ » (1) .

وأسند عن إبراهيم بن هاشم القمي عن ياسر خادم المأمون قال : قال المأمون : اذهبوا به إلى أبي الحسن . فلمّا أُدخل إليه قال له أبو الحسن :

يا زيد ! أغرّك قول نَقلَة أهل الكوفة : « إنّ فاطمة عليها السلام أحصنت فرجها ، فحرّم اللََّه ذريتها على النار » إن ذلك للحسن والحسين خاصة ، إن كنت ترى أ نّك تعصي اللََّه عزّ وجل وتدخل الجنة ، وموسى بن جعفر عليه السلام أطاع اللََّه ودخل الجنة ، فأنت إذن أكرم على اللََّه عزّ وجل من موسى بن جعفر عليه السلام ! واللََّه ما ينال أحد ما عند اللََّه عزّ وجل إلّابطاعته ، وزعمت أنك تناله بمعصيته ؟! فبئس ما زعمت !

فقال له زيد : أنا أخوك وابن أبيك !

فقال له أبو الحسن : أنت أخي ما أطعت اللََّه ! إنّ نوحاً عليه السلام قال : «رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ اَلْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ اَلْحََاكِمِينَ » فقال اللََّه عزّ وجل : «يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ » (2) فأخرجه اللََّه عزّ وجل من أن يكون من أهله بمعصيته‏ (3) !

يا زيد اتّق اللََّه ، فإنه بلغْنا ما بلغْنا بالتقوى ! فمن لم يتّقِ اللََّه ولم يراقبه فليس منّا ولسنا منه ! يا زيد ، إياك أن تهين من به تصول من « شيعتنا » فيذهب نورك ؛

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 248 ، 249 . والآية في الحج : 78 ولعلّ المأمون التقط لقب « الرضا » للرضا عليه السلام من هنا !

(2) هود : 45 و 46 .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 234 ، الباب 58 ، الحديث 4 .

42

يا زيد ، إن « شيعتنا » إنّما أبغضهم الناس وعادوهم واستحلوا دماءهم وأموالهم لمحبتهم لنا واعتقادهم لولايتنا ، فإن أنت أسأت إليهم ظلمت نفسك وأبطلت حقك.

وكان الحسن بن الجهم حاضراً قال : فالتفت الرضا إليّ وقال لي : يابن الجهم ! من خالف دين اللََّه فابرأ منه كائناً من كان ومن أي قبيلة كان ! ولا توال من عادى اللََّه كائناً من كان ومن أي قبيلة كان !

قال ابن الجهم : فقلت له : يابن رسول اللََّه ، ومَن يعادي اللََّه ؟ قال :

من يعصيه‏ (1) .

فشوّ الفساد في بغداد :

قال الطبري : في هذه السنة ( 201 هـ ) جعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمّد ولّي عهد المسلمين والخليفة من بعده ، وسمّاه الرضا من آل محمّد ، وأمر جنده بطرح السواد ولُبس ثياب الخضرة . وكتب بذلك إلى الآفاق ، وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان .

وورد به كتاب إلى الحسن بن سهل ومنه إلى قائده عيسى بن محمّد بن أبي خالد يُعلمه أنّ أمير المؤمنين المأمون قد جعل علي بن موسى بن جعفر بن محمّد وليّ عهده من بعده ، وأ نّه سمّاه الرضا من آل محمّد ، وأمره بطرح لُبس الثياب السود ولُبس ثياب الخُضرة ، ويأمره أن يأمر من قِبله من أصحابه والجند والقواد وبني هاشم ( العباسيين ) بالبيعة له ، وأن يأخذهم بلُبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم بل كل أهل بغداد .

فدعا عيسى بن محمّد أهل بغداد إلى ذلك على أن يعجّل لهم رزق شهر

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 235 ، الباب 58 ، الحديث 6 .

43

والباقي إذا أدركت الغلّات . فاختلفوا ، وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع بعضهم إلى بعض وتكلموا فيه ، وكان المختلف والمتقلّد والمتكلم في ذلك ابنا المهدي العباسي إبراهيم ومنصور وقالوا : إنّما هذا دسيسة الفضل بن سهل ، فلا نلبس الخضرة ولا نبايع فلا نُخرج هذا الأمر من ولد العباس ؛ فنخلع المأمون ونولّي بعضنا (1) !

وقبل هذا منذ أواخر شعبان كان فسّاق الحربية ببغداد أظهروا الفسق ، فكانوا يجتمعون فيذهبون إلى القرى فيكاثرون أهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك ، ومنها أنهم خرجوا إلى قرية قُطرَبُل فانتهبوها علانية وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك إلى بغداد فباعوها علانية ؛ وجاء أهلها فاستعدَوا السلطان عليهم فلم يُمكِنه إعداؤهم عليهم لأنهم كانوا بطانته وهو يعتزّ بهم فلا يقدر على ذلك منهم ! ولا يقدر أن يمنعهم من فسق يرتكبونه ، فكانوا يجبون المارّة في الطرق وفي السفن وعلى ظهر الدواب ويقطعون الطرق علانية ولا أحد يعدو عليهم ، فكان الناس منهم في بلاء عظيم ! حتّى أنهم كانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع منهم ! وكانوا يسألون الرجل أن يصلهم أو يُقرضهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم !

هذا وقد أحصى القائد العباسي عيسى بن محمّد مَن في عسكره فكانوا مئة وخمسة وعشرين ألفاً من فارس وراجل ! .

وكان بعضهم يَخفرون البساتين ، والخفارة أ نّه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول له : بستانك في خفارتي أدفع عنه السوء كل شهر كذا درهماً ، فيضطر أن يعطيه شاء أو أبى ! .

____________

(1) تاريخ الطبري 7 : 554 ، 555 .

44

فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدَري وَش (في أوائل شهر رمضان) فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته إلى أن يعينوه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأجابوه إلى ذلك . فشدّ على من يليه من الفسّاق والشُطّار فمنعهم ممّا كانوا يصنعون ، فقاتلوه فقاتلهم وأخذ بعضهم فضربهم وحبسهم وهزم سائرهم .

فقام بعده رجل من عسكر خراسان يقال له : أبو حاتِم سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان ، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب اللََّه وسنة نبيّه ، ثمّ بدأ بجيرانه وأهل محلته فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه ! ثمّ دعا الناس جميعاً إلى ذلك الشريف والوضيع بني هاشم ( العباسيين ) ومَن دونهم ، وجعل له ديواناً يثبت فيه اسم من أتاه منهم يبايعه على ذلك وقتال من خالفه وخالف ما دعا إليه كائناً من كان ، فأتاه خلق كثير فبايعوه ، فطاف بغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها ، فمنع كل من يخفر ويجبى المارّة والمختلفة . قام في ذلك يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومئتين ، في مسجد بناه طاهر بن الحسين في العسكرية الحربية (1) .

إلّاأنّ القوّاد وبني هاشم ( العباسيين ) لما جدّوا فيما كانوا فيه وأرادوا منصور بن المهدي العباسي للخلافة أبى ، فلم يزالوا به حتّى صيّروه خليفة للمأمون بالعراق ( بدل الحسن بن سهل ) وقالوا : لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي الحسن بن سهل نطرده حتّى يعود إلى خراسان‏ (2) !

واختلف اليعقوبي فقال : وثب القائد محمّد بن أبي خالد والحربية بزهير بن المسيّب الضبّي ( عامل الحسن بن سهل ) فأسروه ، وأتوا : محمّد بن صالح بن‏

____________

(1) تاريخ الطبري 7 : 551 و 552 .

(2) تاريخ الطبري 7 : 549 .

45

المنصور الدوانيقي فقالوا له : قد أخذ المأمون البيعة لعلي بن موسى الرضا ، فخشينا أن تذهب هذه الدولة بما حدث فيها من تدبير المجوس ! ونحن أنصار دولتكم ، فهلمّ نبايعك فإنا نخاف أن يخرج هذا الأمر عنكم !

وكان محمّد بن صالح بن المنصور الدوانيقي أول هاشمي ( عباسي ) بايع للمأمون ببغداد ، فقال لهم : قد بايعت للمأمون .. فلست لكم بصاحب !

وصار الحسن بن سهل إلى واسط ، فاتبعه محمّد بن أبي خالد والحربية والأبناء ، فالتقوا في قرية أبي قريش قبل واسط فكانت بينهم وقعة منكرة ، وأصاب سهم محمّد بن أبي خالد فأثخنه ، فحمل إلى جبُّل وتوفى بعد أيام فاُدخل إلى بغداد ميتاً ، وقام أخوه عيسى بن أبي خالد بالعسكر . فلمّا مات محمّد بن أبي خالد وثب الأبناء على زهير بن المسيّب الضبّي في الحبس فقتلوه ثمّ شدوا في رجله حبلاً وجرّوه في طرق بغداد ومثّلوا به‏ (1) !

الوشّاء يختبر علم الرضا عليه السلام :

وكأنّ كتاب المأمون إلى الآفاق بأنه « لم يجد أفضل ولا أورع ولا أعلم » من الرضا عليه السلام ، جعل بعض الواقفين عن القطع بموت الكاظم وإمامة الرضا عليه السلام يفكّرون في إمامته ، منهم الحسن بن علي بن زياد الوشاء الخزّاز الكوفي البغدادي البجلي نموذجاً ، حيث قال : جمعت في كتاب مسائل كثيرة فيما روي عن آبائه عليهم السلام وغير ذلك لأختبره ، وحملت الكتاب معي إلى مرو (2) وقالت لي ابنتي : يا أبة ، خذ هذه الحُلّة فبِعها وخذ لي بثمنها فيروزجاً !

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 450 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 229 ، الباب 55 .

ـ

46

فلمّا نزلت مرو فإذا غلمان الرضا عليه السلام جاؤوا وقالوا : نريد حُلّة نكفّن بها بعض غلماننا . فقلت لهم : ما عندي . فمضوا ثمّ عادوا وقالوا : مولانا يقرأ عليك السلام ويقول لك : معك حلة في السفط (1) الفلاني ، دفعْتها إليك ابنتك وقالت لك : اشتر لي بثمنها فيروزجاً ! وهذا ثمنها (2) .

قال : وحملت الكتاب معي في كُمّي وصرت إلى منزل الرضا ، اُريد منه خلوة أُناوله الكتاب وأسأله ، وكان بالباب جماعة جلوس يتحدثون ، وأنا اُفكر في الاحتيال للدخول عليه ، وإذا أنا بغلام قد خرج من الدار وبيده كتاب ونادى :

أيكم الحسن بن علي الوشاء ابن بنت إلياس البغدادي ؟ فقمت إليه وقلت له : أنا الحسن بن علي ، فقال : اُمرت بدفع هذا الكتاب إليك فهاك خذه ! فأخذته وتنحّيت ناحية وقرأته ، فإذا فيه - واللََّه - جواب مسائلي مسألة فمسألة . فعند ذلك تركت الوقف وقطعت بإمامته‏ (3) .

وكأنّ الطوسي جمع الخبرين واختصرهما قال : خرجت إلى خراسان في تجارة لي ، فلمّا وردته ( كذا ) بعث إليّ أبو الحسن الرضا عليه السلام يطلب مني حِبرة ، وكانت بين ثيابي وقد خفي عليَّ أمرها ، فقلت : ما معي منها شي‏ء ! فردّ الرسول وذكر علامتها وأنها في سفط كذا ، فطلبتها فكان كما قال ، فبعثت بها إليه . ثمّ كتبت مسائل أسأله عنها ، فلمّا وردتُ بابه خرج إليّ جواب تلك المسائل التي أردت أن أسأله عنها من غير أن أظهرها عليه‏ (4) .

____________

(1) سفط معرّب سبد بالفارسية .

(2) مناقب آل أبي طالب 4 : 370 ، وفي عيون أخبار الرضا 2 : 299 الباب 55 ، الحديث 2 : أبضع معي رجل ثوباً وكنت قد نسيته .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 229 ، الباب 55 .

(4) الغيبة للطوسي : 72 ، الحديث 77 .

47

وكأ نّه بعد ذلك أخذ يحضر محضر الرضا عليه السلام قال : كنت في مجلسه بخراسان وهو مقبل على قوم يحدّثهم ، وفي المجلس أخوه زيد بن موسى وقد أقبل زيد على جماعة يفخر عليهم ويقول : نحن ونحن ! وسمع أبو الحسن مقالة زيد فالتفت إليه وقال له :

يا زيد ! أغّرك قول ناقلي الكوفة : أن فاطمة عليها السلام أحصنت فرجها فحرّم اللََّه ذرّيتها على النار ! فواللََّه ما ذاك إلّاللحسن والحسين وولد بطنها خاصة ! فأما أن يكون موسى بن جعفر عليه السلام يطيع اللََّه ويصوم نهاره ويقوم ليله ، وأنت تعصيه ثمّ تجيئان يوم القيامة سواء ! إذن لأنت أعزّ على اللََّه منه !

إنّ علي بن الحسين عليهما السلام كان يقول : « لمحسننا كِفلان من الأجر ، ولمسيئنا ضعفان من العذاب » ثمّ التفت إليّ وقال لي :

« يا حسن ، كيف تقرؤون هذه الآية «قََالَ يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ » (1) قال حسن : فقلت : من الناس من يقرأ : ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) ومنهم من يقرأ : ( إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرِ صَالِحٍ ) فمن قرأ : ( إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرِ صَالِحٍ ) فقد نفاه عن أبيه !

فقال عليه السلام : كلّا ، لقد كان ابنه ، ولكن لما عصى اللََّه نفاه عن أبيه ، وكذا من كان منا لم يطع اللََّه عزّ وجل فليس منا ! وأنت إذا أطعت اللََّه عزّ وجل فأنت منا أهل البيت » (2) !

وكان مع الوشّاء حيث ينزل في مرو رجل من الواقفة يسمى إبراهيم فقال له : إني قد كنت مثلك ( واقفياً ) ثمّ نوّر اللََّه قلبي ! فسل اللََّه أن يريك في منامك ! ما تستدل به لهذا الأمر . وكان يوم الثلاثاء فاقترح عليه أن يصوم الأربعاء والخميس‏

____________

(1) هود : 46 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 232 ، الباب 58 ، الحديث 1 .

48

والجمعة ثمّ يغتسل ويصلي ركعتين ثمّ يسأل اللََّه حاجته . قال : فأتاني يوم السبت وقال لي : أتاني البارحة في النوم أبو الحسن عليه السلام وقال لي : يا إبراهيم ، واللََّه لترجعنّ إلى الحق ! فأشهد أ نّه الإمام المفترض الطاعة (1) !

وقد مرّ الخبر بعد موسى بن جعفر عليه السلام عن وقف علي بن أبي حمزة سالم البطائني مولى الأنصار بالكوفة وقائد أبي بصير أ نّه كان قد اجتمع عنده من أموال الكاظم عليه السلام أكثر من ثلاثين ألفاً ، فقال بالوقف أي توقّف عن القول بوفاة الكاظم وإمامة الرضا عليهما السلام ، وعاش عشرين عاماً ومات اليوم أي في سنة ( 201 هـ ) ودخل الوشاء على الرضا عليه السلام فقال له : يا حسن ! مات علي بن أبي حمزة البطائني في هذا اليوم واُدخل في قبره الساعة ودخل عليه ملكا القبر فسألاه : مَن ربك ؟ فقال :

اللََّه ، ثمّ قالا : مَن نبيّك ؟ فقال : محمّد ، فقالا : مَن وليّك ؟ فقال : علي بن أبي طالب .

قالا : ثمّ مَن : قال : الحسن ، قالا : ثمّ مَن ؟ قال : الحسين ، قالا : ثمّ مَن ؟ قال :

علي بن الحسين . قالا : ثمّ مَن ؟ قال : محمّد بن علي . قالا : ثمّ مَن ؟ قال : جعفر بن محمّد . قالا : ثمّ مَن ؟ قال : موسى بن جعفر . قالا : ثمّ مَن ؟ فتلجلج ( تردّد ) فقالا :

ثمّ مَن ؟ فسكت ! فقالا له : أفموسى بن جعفر أمرك بهذا ؟ ثمّ ضرباه بمقمعة من نار فألهبا عليه قبره إلى يوم القيامة .

قال الوشاء : فخرجت من عند سيدي ( الرضا ) فأرّخت ذلك اليوم ، فما مضت الأيام حتّى وردت كتب الكوفيين بموت البطائني في ذلك اليوم‏ (2) .

كما رحل إليه من بغداد يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين ودخل عليه وقال : دخلت على الرضا عليه السلام فقال لي : مات علي بن أبي حمزة ؟ قال : قلت : نعم ، قال : قد دخل النار ! قال : ففزعت من ذلك فقال : أما إنّه سُئل عن الإمام‏

____________

(1) الخرائج والجرائح 1 : 366 ، الحديث 23 .

(2) مناقب آل أبي طالب 4 : 366 .

49

بعد موسى أبي فقال : لا أعرف بعده إماماً ! فضُرب ضربة اشتعل قبره ناراً (1) .

ولعلّ هنا كان خيران خادم الرضا عليه السلام حاضراً فقال : كنت في خراسان واقفاً بين يدي أبي الحسن عليه السلام ، فقال له قائل : يا سيدي ، إن كان كون فإلى مَن ؟ فقال : إلى أبي جعفر ابني . فكأنه استصغر سنّه فقال أبوالحسن: إنّ اللََّه تبارك وتعالى بعث عيسى ابن مريم رسولاً نبياً صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر (2) !

صلاة الرضا عليه السلام للاستسقاء :

روى الحلبي قال : لما بويع الرضا عليه السلام قلّ المطر ! فقالوا : هذا من نكَده ( قلّة خيره ) ! فسأله المأمون أن يستسقى ، فقال : رأيت في منامي رسول اللََّه صلى الله عليه و آله قال لي : يا بُني انتظر يوم الاثنين فابرز إلى الصحراء واستسق فإنّ اللََّه يسقيهم .

فلمّا كان يوم الاثنين برز وصعد المنبر وحمد اللََّه وأثنى عليه ثمّ قال : « اللهم يا ربّ ، أنت عظّمت حقنا « أهل البيت ، فتوسَّلوا بنا كما أمرت » وأمّلوا فضلك ورحمتك ، وتوقعوا إحسانك ونعمتك ، فاسقهم سقياً نافعاً عاماً ، غير ضائر ولا رايث ( متأخر ) وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارّهم » فأرعدت السماء وأبرقت ، وهاجت الرياح ، فتحرك الناس ، فأخبرهم أنّ هذا السحاب العارض لبلدة كذا إلى عشرة مرات ، ثمّ قال : هذا لكم وأمرهم بالانصراف وقال : لا تمطرُ عليكم حتّى تبلغوا منازلكم ونزل من المنبر ، وكان كما قال‏ (3) .

____________

(1) اختيار معرفة الرجال : 444 ، الحديث 833 .

(2) أُصول الكافي 1 : 322 ، الحديث 13 . وانظر ترجمة خيران في قاموس الرجال 4 : 222 برقم 2701 .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 167 ، الباب 41 ، الحديث 1 عن التفسير المنسوب للعسكري عليه السلام .

50

وصلاته عليه السلام لعيد الفطر عام ( 201 هـ ) :

اختصر طريق الخبر الكليني عن علي بن إبراهيم ( عن أبيه ) عن ياسر الخادم والريان بن الصلت ( الأشعري القمي ) جميعاً (1) وفصّله الصدوق بوصف الريّان بن الصلت بأ نّه كان من رجال الحسن بن سهل ( ؟ ) وتوقيت تلقّى الخبر عن ياسر الخادم أ نّه حدّثه بعد وفاة الرضا عليه السلام لما رجع المأمون من خراسان بأخباره كلها ، وزاد طريقاً آخر عن القمي عن أبيه عن محمّد بن عرفة وصالح بن سعيد الكاتب .

قالوا : فلمّا حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا عليه السلام يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب ، وليعرف الناس فضله وتَقرّ قلوبهم بهذه الدولة المباركة . فبعث إليه الرضا قال : قد علمتَ ما كان بيني وبينك من الشروط لدخولي في هذا الأمر ! فردّ المأمون : إنّما اُريد بهذا أن يرسخ هذا الأمر في قلوب الجند والشاكرية والعامة وتطمئن قلوبهم ويَقرّوا بما فضّلك اللََّه به ! فلمّا ألحّ عليه قال له : يا أمير المؤمنين ! إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ ، وإن لم تُعفني خرجت كما كان يخرج رسول اللََّه وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام . فقال المأمون : اُخرج كما تحب .

وأمر المأمون قوّاده والناس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن الرضا عليه السلام .

فاجتمع القوّاد على باب الرضا عليه السلام وقعد الناس من الرجال والنساء والصبيان في الطرقات والسطوح .

فلمّا طلعت الشمس ( يوم العيد ) قام الرضا عليه السلام فاغتسل ، ثمّ تعمّم بعِمامة بيضاء ( لا خضراء ) وألقى طرفيها على صدره وكتفه وشمّر ( ثوبه عن رجليه ) وأخذ بيده عُكازة ( عصا ) وقال لمواليه : افعلوا مثل ما فعلت . ففعلوا . ثمّ خرج حافياً ماشياً ونحن بين يديه .

____________

(1) أُصول الكافي 1 : 488 ، الحديث 7 .

51

وكان القوّاد والناس على الباب قد تزينوا وتهيّؤوا بأحسن هيئة بأسلحتهم ، فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمّرنا ، وطلع الرضا عليه السلام ، وقف عند الباب وقفة ورفع رأسه إلى السماء ونادى : « اللََّه أكبر ، اللََّه أكبر ، اللََّه أكبر على ما هدانا ، اللََّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد للََّه‏على ما أبلانا » رفع بذلك صوته ، ورفعنا معه أصواتنا بذلك ، فتساقط القواد عن دوابّهم ورموا بخفافهم وتجاوبوا معنا حتّى خُيّل إلينا أن الحيطان والهواء تجاوبه ، وتزعزعت مرو من الصياح وصارت ضجة واحدة ، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج !

فكان أبو الحسن عليه السلام كل عشر خطوات يقف وقفة ويكبّر أربعاً !

فقال الفضل بن سهل للمأمون : يا أمير المؤمنين ، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس‏ (1) وخفنا كلّنا على دمائنا !

فبعث إليه المأمون : قد كلّفناك شططاً ، ولسنا نريد أن يلحقك أذى ! فارجع ، وليصلّ بالناس من كان يصلي بهم على رسمه ! وكان قد بلغ الرضا عليه السلام إلى مسجد « خركاه تراشان » ( ؟ ) فدخل إليه وصلّى فيه ، وكان مواليه قد حملوا خُفّه فلبسه ، وأحضروا له فرسه فركبه وانصرف . فاختلف أمر الناس ولم ينتظم في صلاتهم‏ (2) .

فهو عليه السلام لم يحضر صلاة العيد مأموماً ، نعم كان يحضرها مأموماً يوم الجمعة في المسجد الجامع في مرو ، فإذا رجع وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه ودعا :

« اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة » (3) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 149 - 151 ، الحديث 21 .

(2) مناقب آل أبي طالب 4 : 141 بالإسناد نفسه .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 15 ، الباب 30 .

52

لم يكن الرضا عليه السلام راضياً بالعهد :

أسند الصدوق عن الريان بن الصلت الأشعري القمي : أ نّه سمع بعض الناس يقولون في الرضا عليه السلام : أ نّه مع إظهاره الزهد في الدنيا قبِل بولاية العهد ! أي قد تحقق ما قاله عليه السلام عن نية المأمون . فدخل عليه الأشعري القمي وحكى له ما يقول الناس ، فقال عليه السلام :

« قد علم اللََّه كراهتي لذلك ، فلمّا خُيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل ؛ ويحهم ؛ أما علموا أنّ يوسف عليه السلام كان نبياً رسولاً ، فلمّا دفعْته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له : «اِجْعَلْنِي عَلى‏ََ خَزََائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » (1) وأنا دفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك ! على أني ما دخلت في هذا لأمر إلّادخول خارج منه ! فإلى اللََّه المشتكى وهو المستعان » (2) .

ودخل عليه رجل وقال له : أصلحك اللََّه ، كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون ؟!

فقال له : يا هذا ، أيهما أفضل : النبيّ أو الوصي ؟ فقال : لا ، بل النبيّ .

قال : فأيهما أفضل : مسلم أو مشرك ؟ قال : لا ، بل مسلم . قال : فإنّ عزيز مصر كان مشركاً ، وكان يوسف نبياً ، وإنّ المأمون مسلم وأنا وصي ! ويوسف سأل العزيز أن يولّيه حين قال : «اِجْعَلْنِي عَلى‏ََ خَزََائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » وأنا اُجبرت على ذلك‏ (3) .

____________

(1) يوسف : 55 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 139 الباب 40 ، الحديث 2 ، وعلل الشرائع 1 : 279 ، الباب 173 ، الحديث 3 ، وفي الأمالي : 130 ، الحديث 118 ، المجلس 17 ، الحديث 3 .

(3) المصادر السابقة ، وتفسير العياشي 2 : 180 .

ـ

53

فذلك استناد قرآني ، وأحياناً كان عليه السلام يكتفي في ذلك بتشبيه نفسه بجده علي عليه السلام :

أسند الصدوق عن محمّد بن معرفة قال : قلت للرضا عليه السلام : يابن رسول اللََّه ، ما حملك على الدخول في ولاية العهد ؟! فقال : ما حمل جدي أمير المؤمنين عليه السلام على الدخول في الشورى‏ (1) .

أما أبو الصلت الهروي فكان هو يقول : واللََّه ما دخل الرضا عليه السلام في هذا الأمر طائعاً ، ولقد حُمل مكرهاً إلى مرو (2) .

هذا وقد مرّ الخبر عن اعتراف الفضل بن سهل بإباء الإمام عليه السلام من ذلك‏ (3) .

بل أسند الطوسي عن محمّد بن عبد اللََّه الأفطس الحسيني قال : دخلت على المأمون فقال لي : لقد جهدت الجَهد كلّه وأطمعت ( الرضا ) بالخلافة ! فما أطمعني في نفسه‏ (4) .

وأسند الصدوق عن غياث بن أُسيد عن جمع من أهل المدينة : أنّ المأمون ألحّ عليه مرّة بعد أُخرى حتّى تهدّده بالقتل وأشرف من ذلك على الهلاك ، فقال عليه السلام : « اللهم إنك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة ، وقد أشرفت من قِبل عبد اللََّه المأمون على القتل إن لم أقبل ولاية عهده ، فقد اُكرهت واضطررت كما اضطرّ يوسف ودانيال عليهما السلام إذ قبل كل واحد منهما الولاية من طاغية زمانه ! اللهم‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 141 ، الباب 40 ، الحديث 4 ، وعلل الشرائع 1 : 279 ، الباب 173 ، الحديث 2 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 141 ، الباب 40 ، الحديث 5 .

(3) المصدر السابق ، الحديث 6 .

(4) كتاب الغيبة للطوسي : 73 - 74 ، الحديث 80 .

54

لا عهد إلّاعهدك ، ولا ولاية لي إلّامن قِبلك ، فوّفقني لإقامة دينك وإحياء سنة نبيك ، فإنك أنت المولى وأنت النصير ونعم المولى ونعم النصير » (1) .

وعليه فإباؤه بدعائه هذا كان قد فشا في جماعة من أهل المدينة ! ومن التصريح باسم المأمون وتشبيهه بالطواغيت يُعلم أنّ ذلك لم يكن بمحضر المأمون .

تحليلات المأمون لتوليته العهد :

مرّت الأخبار عن إصرار المأمون على إشخاص الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو عن طريق البصرة والأهواز وفارس ، وليس الكوفة وقم ، ممّا يكشف عن معرفته بمعرفة أهلهما بالرضا عليه السلام . وأسند الصدوق عن الريان بن الصلت الأشعري القمي أنّ المأمون قال له : لقد هممت أن أجعل أهل قم شعاري ودثاري ! ثمّ أمره أن يقعد بين قوّاده ويحدّثهم بفضل علي عليه السلام (2) فهو يعرفه بأنه من أهل قم بما هم عليه من التشيع لأهل البيت عليهم السلام ، هذا من ناحية .

وأُخرى : ما جاء في الخبر نفسه : أنّ من كان لا يحب عهد المأمون إلى الرضا عليه السلام من القوّاد أكثروا : أنّ هذا من تدبير الفضل بن سهل ذي الرياستين ، وأكثر بتبعهم عامة الناس في ذلك، حتّى بلغ ذلك إلى المأمون‏ (3) فأراد أن يدفع ذلك عن نفسه ويُلقي إلى هؤلاء القميين وأشياعهم مدّعياً إخلاصه في الأمر !

قال ابن الصلت : فبعث إليّ في جوف الليل ! فصرت إليه ، فقال لي : يا ريّان ، بلغني أنّ الناس يقولون : إنّ بيعة الرضا كانت من تدبير الفضل بن سهل ؟!

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 18 ، 19 ، الباب 3 ، الحديث 1 ، وفي ط : 100 - 101 ، الباب 3 ، الحديث 11 .

(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 152 ، الحديث 22 .

(3) المصدر : 151 .

55

فقلت : يا أمير المؤمنين ! يقولون ذلك . قال : ويحك يا ريّان ! أيجسر أحد أن يجي‏ء إلى خليفة قد استقامت له الرعية والقوّاد ، واستوت له الخلافة فيقول له :

ادفع الخلافة من يدك إلى غيرك ؟! أيجوز هذا في العقل ؟! قلت له : لا واللََّه يا أمير المؤمنين ما يجسر على هذا أحد ! فقال : واللََّه ما كان كما يقولون ، ولكن سأُخبرك بسبب ذلك :

إنّه لما كتب إليّ أخي محمّد ( الأمين ) يأمرني بالقدوم عليه فأبيت عليه ؛ عقد لعلي بن عيسى بن ماهان وأمره أن يقيّدني ويجعل الجامعة في عنقي ! وورد الخبر بذلك عليَّ ، وكنت قد بعثت هرثمة بن أعين إلى صاحب السرير في حوالي سيستان ، فهزمه صاحب السرير وغلب على ناحيته من كور سيستان وكرمان ، فلمّا ورد ذلك عليَّ ما كان لي مال أتقوّى به فلم يكن لي قوة بذلك ، ورأيت من رجالي وقوّادي الجبن والفشل ! حتّى أردت أن الحق بملك كابل ! ثمّ قلت في نفسي : إنّ ملك كابل رجل كافر ، وإن محمّداً ( الأمين ) يبذل له الأموال فيدفعني إليه !

فلم أجد وجهاً أفضل من أن أتوب إلى اللََّه عزّ وجل من ذنوبي واستجير باللََّه واستعين به على هذه الأُمور ! فصببت عليَّ الماء ( واغتسلت ) ولبست ثوبين أبيضين ، وصليت أربع ركعات قرأت فيها ما حضرني من القرآن ، ودعوت اللََّه واستجرت به وعاهدته عهداً وثيقاً بنية صادقة : أ نّه إن أفضى اللََّه بهذا الأمر إليّ وكفاني هذه الأُمور الغليظة ، أن أضع هذا الأمر في موضعه الذي وضعه اللََّه فيه !

ثمّ بعثت ( طاهر بن الحسين الخزاعي ) إلى علي بن ماهان فكان من أمره ما كان ، وبعثت إلى صاحب السرير فبذلت له شيئاً حتّى رجع ، وبعثت هرثمة إلى رافع ( بن أعين ) فظفر به وقتله ، فلم يزل أمري يقوى‏ََ حتّى كان من أمر أخي محمّد ( الأمين ) ما كان ، وأفضى اللََّه ! إليّ بهذا الأمر واستوى لي .

56

فلمّا وفى اللََّه عزّ وجل لي بما عاهدته عليه أحببت أن أفي للََّه‏تعالى بما عاهدته ! فلم أر أحداً أحق بهذا الأمر من أبي الحسن الرضا فوضعتها إليه فلم يقبلها إلّاعلى ما قد علمت . فهذا كان سببها (1) .

هذا ما كان منه إلى الريان القمي الأشعري بالسرّي من التعليل والتحليل ، أما علناً فقد أسند عنه الصولي أ نّه قال : إنّما فعلت ما فعلت لأنّ أبا بكر لما ولي لم يولّ أحداً من بني هاشم شيئاً ! ثمّ عمر ، ثمّ عثمان كذلك ، ثمّ ولي علي عليه السلام فولّى عبد اللََّه بن عباس البصرة ، وعبيد اللََّه اليمن ، ومعبداً مكة ، وقُثم البحرين ، فما ترك أحداً منهم حتّى ولّاه شيئاً ، فكانت هذه في أعناقنا حتّى كافأته في ولده بما فعلت‏ (2) فهذا التعليل العام للعامة ، والتحليل السابق للمتشيّعين خاصة !

وقد صدّق الصدوق به فقال : والصحيح عندي أنّ المأمون إنّما ولّاه العهد وبايع ، للنذر الذي تقدم ذكره‏ (3) !

وزوّجه بجاريتين قبل ابنته :

حدّث الصولي عن جدّته أُم أبيه عذار أنها كانت من مولّدات الكوفة فاشتُريت مع عدّة جوار منها معها للمأمون ، وحُملن إليه ، قالت : فلمّا كنّا في داره كنّا في جنة من الطيب والأكل والشرب وكثرة الدنانير !

ثمّ وهبني المأمون للرضا عليه السلام فلمّا صرت إلى داره فقدت كل ما كنت فيه من النعيم ، بل كانت علينا قيّمة تأخذنا بصلاة الليل فكان ذلك أشد شي‏ء علينا !

____________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 151 ، 152 ، الحديث 22 .

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 366 .

(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 166 ، ذيل الحديث 28 .