المعجم الأصولي‏ - ج2

- الشيخ محمد صنقور البحراني‏ المزيد...
640 /
5

حرف الحاء

6

عناوين حرف الحاء

279- الحال‏

280- الحجر التكليفي و الحجر الوضعي‏

281- الحجّة

282- الحجيّة الاصوليّة

283- الحجيّة الذاتيّة

284- حجيّة القطع‏

285- الحجيّة المجعولة

286- الحرمة

287- الحرمة الذاتيّة و الحرمة العرضيّة

288- الحرمة الظاهريّة و الحرمة الواقعيّة

289- الحسن و القبح‏

290- الحسن و القبح الذاتيان‏

291- الحسن و القبح العقلائيّان‏

292- الحسن و القبح العقليّان‏

293- أصالة الحظر

294- حقّ الطاعة

295- مسلك حقّ الطاعة

296- أصالة الحقيقة

297- الحقيقة الشرعيّة

298- الحقيقة المتشرعيّة

299- الحكم الإنشائي‏

300- الحكم الأولي‏

301- الحكم التكليفي‏

302- الحكم الثانوي‏

303- الحكم الشرعي‏

304- الحكم الظاهري‏

305- الحكم العدمي‏

306- الحكم المقابل للفتوى‏

307- الحكم الواقعي‏

308- الحكم الوضعي‏

309- الحكومة

310- الحكومة الانسداديّة

311- الحكومة الواقعيّة و الحكومة الظاهريّة

312- الحكومة بملاك الرفع‏

313- الحكومة بملاك النظر

314- أصالة الحل‏

315- الحمل الأولي و الحمل الشائع‏

316- الحمل البسيط و الحمل المركّب‏

7

حرف الحاء

279- الحال‏

ذكر صاحب الكفاية في مقام بيان تحرير محلّ النزاع في بحث المشتق «انّه اختلفوا في انّ المشتقّ حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدإ في الحال أو فيما يعمّه أو ما انقضى عنه على أقوال». و الذي يهمّنا هو بيان المراد من الحال المأخوذ في عنوان تحرير المسألة، فنقول: انّ هنا احتمالين للمراد من الحال:

الاحتمال الاول: هو حال النطق، أي انّه يعتبر في صدق المشتقّ تلبّس الذات بالمبدإ حال الإطلاق و النطق بالإسناد، فحينما نسند عنوان العالم الى زيد لا بدّ و ان يكون زيد متلبسا بالعالميّة حين اطلاق الإسناد و حين حمل العالميّة عليه بقطع النظر عن الحيثيّة المأخوذة في الإسناد و انّ اسناد العالميّة له في الزمان الفعلي أو الزمان الماضي أو الاستقبالي أو انّه لم تؤخذ حيثيّة زمانية حين الإسناد كأن كان الإسناد مطلقا من هذه الجهة.

فحينما يقال زيد عالم فعلا أو غدا أو أمس أو يقال زيد عالم، ففي تمام هذه الأمثلة يعتبر في صدق عنوان العالم على زيد- و ان المشتقّ «العالم» حقيقة في زيد- يعتبر في الصدق أن يكون زيد عالما حين النطق بهذه الأمثلة، أي حين النطق باسناد العالميّة لزيد، فعليه لو لم يكن زيد عالما حين قولنا «زيد عالم أمس» يكون اطلاق‏

8

العالميّة على زيد مجازيا و ان كان عالما حقيقة أمس.

الاحتمال الثاني: انّ المراد من الحال هو فعليّة التلبّس بالمبدإ حين الجري و الإسناد لا حال النطق به، فلو كان الجري و الإسناد بلحاظ الزمان الماضي فلا بدّ أن تكون الذات متلبّسة بالمبدإ في الزمان الماضي، و حينما يكون الإسناد و الجري بلحاظ الزمان الاستقبالي فلا بدّ و ان يكون تلبّس الذات بالمبدإ في الزمان الاستقبالي، و عليه لو كان الحال معتبرا في صدق المشتق فهذا معناه انّ المشتقّ يكون حقيقة عند ما تكون الذات متلبّسة بالمبدإ في الزمان الماضي و كان الإسناد بلحاظ الزمان الماضي حتى و لو لم تكن الذات متلبّسة بالمبدإ حين النطق بالإسناد و الجري.

فعند ما يقال «زيد عالم أمس» فإنّ المشتقّ و هو «عالم» حقيقة في زيد اذا كان متلبّسا بالعالميّة أمس- أي حال الجري و الإسناد- و ان كان زيد قد انقضى عنه التبس بالعالميّة حال النطق بالإسناد و هو اليوم مثلا. و هكذا لو كان الجري و الإسناد بلحاظ الزمان الاستقبالي فإنّ الصدق و عدمه يدوران مدار فعليّة تلبّسه بالمبدإ حين الجري و الإسناد و عدم تلبّسه بها، فحينما يكون متلبسا بالمبدإ في الزمان الاستقبالي فإنّ المشتقّ حقيقة فيه و ان كان حال النطق غير متلبّس بالمبدإ.

و المتحصّل انّ المراد من الحال في الاحتمال الثاني هو فعليّة التلبّس حال الجري و الإسناد لا حال النطق بالجري و الاسناد.

و المتعيّن من الاحتمالين- كما ذهب لذلك صاحب الكفاية (رحمه اللّه) و غيره من الأعلام- هو الاحتمال الثاني، و ذلك لأنّه لا خلاف في انّ اسناد المشتقّ الى الذات يكون حقيقيا لو كان تلبّس الذات بالمبدإ فعليا بلحاظ حال الإسناد و الجري، فلو قال المتكلّم «زيد عالم أمس أو غدا» و كان زيد متلبّسا بالعالميّة في ظرف الإسناد و هو أمس في المثال الاول و غدا في المثال الثاني فإنّه لا ريب في صدق المشتقّ‏

9

حقيقة على الذات حتى لو لم تكن الذات متلبّسة بالمبدإ حين النطق بالإسناد، نعم لو استظهرنا- و لو بواسطة الاطلاق- انّ اتّصاف الذات بالمبدإ انّما هو حين النطق بالجري و الإسناد و كان التلبّس بالمبدإ في الزمان الماضي أو المستقبل كما لو دلّت القرينة على ذلك فإنّ صدق المشتقّ على الذات يكون مجازيا.

فلو قال المتكلّم «زيد ضارب غدا» و علمنا انّ مراد المتكلّم هو فعليّة اتّصاف الذات بالضاربية رغم انّه انّما سيتلبّس بها غدا فإنّ اطلاق الضاربيّة على زيد يكون مجازيا بلا إشكال، إلّا انّ ذلك ناشئ عن انّ التلبّس بالمبدإ استقبالي و الإسناد حالي، و هو خارج عن محلّ الكلام، إذ انّ الدعوى هو ان الإسناد و التلبّس إذا كانا متّحدين زمانا فإنّ المشتقّ يكون حقيقة في الذات بقطع النظر عن حال النطق، فقد يكون التلبّس و الإسناد متّحدين مع حال النطق، و قد يكون التلبّس و الإسناد متأخّرين أو متقدّمين على حال النطق، فالمدار في صدق المشتقّ على الذات و عدم صدقه هو اتّحاد التلبّس و الإسناد و عدم اتّحادهما، فمتى ما اتّحدا كان المشتقّ حقيقة في الذات، و متى ما اختلفا كان اسناد المشتقّ للذات مجازيا.

*** 280- الحجر التكليفي و الحجر الوضعي‏

الحجر التكليفي تعبير آخر عن الحرمة التكليفيّة، و هو عادة ما يطلق على الحرمة التي يكون متعلّقها واحدا من المعاملات.

مثلا: الحرمة التكليفيّة الثابتة لبيع الخمر أو الاستئجار على صنعه، هذه الحرمة يعبّر عنها بالحجر التكليفي أي أنّ المكلّف ممنوع عن فعل ذلك فيكون موزورا و عاصيا لو ارتكب ما ينافي الحجر التكليفي.

و أمّا الحجر الوضعي فهو بمعنى الحكم بعدم ترتّب الأثر المنتظر من المعاملة، فكلّ معاملة وقعت متعلّقا

10

للحجر الوضعي فهي غير نافذة و لا يترتّب على إيقاعها الأثر المنتظر منها.

فحينما يكون البيع مثلا متعلّقا للحجر الوضعي فذلك معناه الحكم بفساد البيع و عدم اقتضائه للنقل و الانتقال.

و هذا المقدار ليس موردا للخلاف بين الأعلام و إنّما وقع الخلاف من جهة أنّ الحجر التكليفي هل يستلزم الحجر الوضعي أو لا؟ أي أنّ المنع تكليفا عن المعاملة هل يقتضي فساد المعاملة أو لا يقتضي ذلك؟ أو أنّ في المسألة تفصيل بين ما إذا كان متعلّق الحجر التكليفي هو المعاملة بلحاظ السبب و المعاملة بلحاظ المسبّب ففي الأوّل لا يكون الحجر التكليفي مقتضيا للحجر الوضعي، و في الثاني يكون الحجر التكليفي مقتضيا للحجر الوضعي خلاف بين الأعلام أجملنا بيانه تحت عنوان (النهي في المعاملات).

*** 281- الحجّة

الحجّة في اللغة بمعنى الغلبة و بمعنى الدليل و البرهان، و الظاهر انّ اطلاق الحجّة على البرهان و الدليل من باب اطلاق السبب و إرادة مسبّبه، إذ انّ البرهان يكون سببا للغلبة على الخصم، فالحجّة هي الغلبة، و الدليل و البرهان هما السبب لوقوع الغلبة و الظفر، فيكون اطلاق الحجّة في اللغة على ما يحتجّ به على الخصم و على ما يوجب الظفر عند الخصومة اطلاقا مجازيا بنحو المجاز المرسل، و ذلك بعلاقة السببيّة، بمعنى انّ ما يحتجّ به يكون سببا للغلبة و التي هي المعنى الحقيقي للفظ الحجّة في اللغة.

إلّا انّه في مقابل هذه الدعوى قد يقال انّ المعنى الحقيقي للفظ الحجّة هو نفس الدليل و البرهان و مطلق ما يحتجّ به عند الخصومة، و ذلك لأنّ الحجّة مشتقّة من الحجّ و الذي هو القصد، و حينئذ تكون الحجّة أقرب للوسيلة منها الى الغاية، فالغاية هي الغلبة و الوسيلة هي البرهان و الدليل، و حينئذ يكون اطلاق لفظ الحجّة على البرهان و الدليل اطلاقا حقيقيّا،

11

و يكون اطلاق الحجّة على الغلبة مجازيا بعلاقة المسببيّة، إذ انّ الغلبة تكون مسبّبة عن الحجّة و التي هي البرهان و الدليل.

هذا بحسب المدلول اللغوي للفظ الحجّة، و أمّا بحسب اصطلاح المناطقة فهي كلّ معلوم تصديقي يصلح لإثبات مجهول تصديقي.

و بقيد الصلاحية لإثبات المجهول التصديقي تخرج المعلومات التصديقيّة التي لا صلاحيّة لها للدلالة على المجهول التصديقي إمّا لأنّها أجنبيّة عن مقام الاحتجاج و امّا انّها لم ترتّب بكيفيّة تصلح معه للاحتجاج و لإثبات المطلوب و الذي هو المجهول التصديقي.

و من هنا لا تكون القضيّة التصديقيّة حجّة ما لم تؤطر في شكل من أشكال القياس مثلا، فتكون الكبرى في ذلك القياس، إذ مع عدم ترتيبها بهذه الكيفيّة لا تكون منتجة للمطلوب، فلا تكون صالحة لأن يطلق عليها عنوان الحجّة.

و هناك تعريف آخر للحجّة ذكره بعض المناطقة، و هو انّ الحجّة عبارة عن تأليف قضايا ينتج عنها المطلوب.

و بناء عليه تكون الحجّة المنطقيّة هي مجموع القضايا المؤلّفة بشكل خاص و ينتج عن مجموعها المطلوب، فيكون القياس بصغراه و كبراه و كذلك الاستقراء بتمام مقدّماته و هكذا التمثيل و غيرهم مصاديق الحجّة المنطقيّة.

و هناك تعريف ثالث للحجّة المنطقيّة، و حاصله: انّ الحجّة هو الحدّ الاوسط الذي يكون طريقا للكشف عن ثبوت الحدّ الأكبر للحدّ الأصغر في القياس المنطقي، بقطع النظر عن كون الحدّ الأوسط علّة لوجود الأكبر أو معلولا له أو كان بينهما تلازم ناشئ عن كونهما معلولين لعلّة ثالثة.

و المراد من الحدّ الاوسط هو الحدّ المشترك و المتكرّر في مقدمتي القياس «الصغرى- و الكبرى» و يعبّر عنه بالواسطة في الإثبات باعتبار طريقيّته لإثبات الحدّ الأكبر للأصغر، أي لإثبات الحكم في نتيجة القياس‏

12

و الذي هو الأكبر لموضوعه و هو الأصغر.

و لغرض توضيح المطلب نشكّل قياسا نتعرّف بواسطته على الحدّ الاوسط و الذي هو الحجّة بحسب هذا التعريف.

العالم متغيّر

و كلّ متغيّر حادث‏

.. العالم حادث‏

فالحد الأوسط في هذا القياس هو عنوان «متغيّر» فهو الحدّ المشترك و المتكرّر في المقدّمتين «الصغرى و الكبرى» و بواسطته ثبت لنا انّ «العالم حادث» فهو واسطة في الكشف عن ثبوت الحدّ الأكبر- و الذي هو محمول النتيجة- للحدّ الأصغر و هو موضوع النتيجة، فلو لا اشتراك العالم و كلّ حادث في التغير لما أمكن اثبات الحدوث للعالم.

و بما ذكرناه يتّضح المراد من قول المناطقة انّ الحجّة هي الوسطية في الإثبات، فمرادهم من ذلك هو الحدّ الأوسط الذي يتوسّل به للتعرّف على ثبوت الحدّ الأكبر للحدّ الأصغر.

*** 282- الحجيّة الاصوليّة

المراد من الحجيّة الاصوليّة هو الأدلة الاجتهاديّة المعتبرة شرعا و التي تكون طريقا لإثبات متعلقاتها و لا يكون بينها و بين متعلقاتها أيّ رابطة واقعيّة، بمعنى انّ دور الأدلة الاجتهاديّة المعتبرة شرعا يتمحّض في الكشف دون أن يكون بينها و بين متعلقاتها علاقة التلازم أو العليّة مثلا، فدليليّة البيّنة على خمرية هذا السائل لا تعبّر عن علاقة واقعيّة بين البيّنة و بين خمريّة هذا السائل بل انّ خمرية هذا السائل لو كانت ثابتة واقعا فهي ناشئة عن أسبابها التكوينيّة، و ليس للبيّنة سوى دور الكشف عن ثبوت الخمريّة لهذا السائل، و هكذا الكلام في كاشفيّة الأمارة المعتبرة عن الحكم الشرعي، فإنّها لا تعبّر عن علاقة واقعيّة بين الأمارة و بين ثبوت الحكم لموضوعه بل انّ ثبوت الحكم لموضوعه ناشئ عن ملاك في متعلّقه اقتضى جعل الحكم و اعتباره شرعا.

13

و بهذا تمتاز الحجيّة الاصوليّة عن الحجّة في باب الأقيسة، فهما و ان كانا يشتركان من جهة وسطيتهما في الإثبات إلّا انّ وسطية الحجّة في باب الأقيسة- و الذي هو الحدّ الأوسط- منوطة بثبوت علاقة واقعيّة بن الحدّ الأوسط و الحدّ الأكبر، فإمّا أن يكون الحدّ الأوسط علة للحدّ الأكبر، و عندها يكون الحدّ الأوسط برهانا لميّا و واسطة في الثبوت بالإضافة الى كونه واسطة في الإثبات، و أمّا ان يكون معلولا للحدّ الأكبر أو أن يكون كلاهما معلولين لعلّة ثالثة، و عندها يكون الحدّ الأوسط برهانا إنيّا و متمحضا في كونه واسطة في الإثبات، و قد أشرنا لذلك في بحث «الحجيّة» في التعريف الثالث للحجيّة المنطقيّة.

ثمّ انّ الحجّة عند الاصوليين قد تطلق و يراد منها المنجّزيّة و المعذّرية، و المنجّزية هي المسئوليّة و ثبوت العهدة، و المعذرية هي انتفاء المسئوليّة و صحّة الاعتذار عن منافاة الواقع.

و قد أفاد المحقّق النائيني (رحمه اللّه) انّ المنجّزيّة و المعذريّة من اللوازم العقليّة لوصول الواقع، فهي غير قابلة للجعل، نعم حينما تجعل الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات للدليل يكون محرزا للواقع، و عندها يتنجّز الواقع عقلا.

*** 283- الحجيّة الذاتيّة

و يقصدون من الحجيّة الذاتيّة الحجيّة الثابتة للدليل دون جعل شرعي، بمعنى انّ ذات الدليل بنفسه يقتضي ثبوت الحجيّة له، و ذلك في مقابل الدليل الذي تكون دليليته و كاشفيّته منوطة بالجعل الشرعي، و ليس ثمّة دليل ادعي ثبوت الحجيّة الذاتيّة له سوى الدليل القطعي.

و تحرير المراد من حجيّة القطع هو السبيل للتعرّف على انّ الحجيّة الثابتة له هل هي ذاتيّة أو غير ذاتيّة، فنقول:

انّ حجيّة القطع تارة يراد منها الحجيّة المنطقيّة و اخرى يراد منها

14

المنجّزيّة و المعذرية، و نقصد بالحجيّة المنطقية الوسطية في الإثبات، أي الطريقيّة و الكاشفيّة، و اذا كان المراد من حجيّة القطع هي الحجيّة المنطقيّة فالحجيّة الثابتة له ذاتيّة بلا ريب، و ذلك لأن المراد من القطع هو الانكشاف التام و الإراءة التامّة، فالقطع هو عين الكشف و الإراءة و الطريقيّة، و ليس شيئا ثبت له الكشف و الطريقيّة.

و إذا كان كذلك فالطريقيّة- و التي هي الحجّة المنطقيّة- ذاتيّة للقطع، و ثبوت الذاتي لذاته لا يفتقر للجعل لا بنحو الجعل التأليفي بل و لا بنحو الجعل البسيط، و ذلك لأنّ الجعل التأليفي يلازم المباينة بين المجعول و المجعول له، و هو خلف الفرض، إذ قلنا انّ الطريقيّة هي عين القطع و ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري، فكما انّ ثبوت الإنسانيّة للإنسان ضروري و قضيّة بشرط المحمول فكذلك ثبوت الطريقيّة للقطع.

و أمّا عدم تعقّل الجعل البسيط للطريقيّة و الحجيّة المنطقيّة فلأنّه تحصيل للحاصل بعد وجود القطع، نعم يكون الجعل البسيط للطريقيّة و الحجيّة متعقلا إذا كان بنحو إيجاد القطع، فإيجاد القطع هو عينه ايجاد الطريقيّة، و ذلك في مقابل رفع الطريقيّة و اعدامها بواسطة اعدام القطع.

و أمّا لو أنكرنا انّ القطع هو عين الانشكاف و الإراءة التامّة و قلنا بأنّ القطع من الحالات النفسانيّة القائمة بالنفس فإنّ لا بدّ من التسليم بأنّ الطريقيّة ذاتيّة للقطع إلّا انّ الذاتيّة هنا بمعنى الذاتيّة في باب البرهان لا الذاتيّة في باب الإيساغوجي- كما هو مقتضى المبنى الاول- فالمقصود من الذاتيّة في المقام هو انّ الطريقيّة لازم ذاتي للقطع بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص و الذي يكون معه تصوّر الموضوع كافيا في تصوّر الحكم.

و حينئذ لا تكون الطريقيّة مفتقرة للجعل أيضا، فمحض وجود القطع كافيا لحمل الطريقيّة عليه، و لذلك‏

15

يكون جعل الحجيّة و الطريقيّة للقطع تحصيلا للحاصل.

و بهذا اتّضح ثبوت دعوى ذاتيّة الحجيّة للقطع بناء على انّ المراد من الحجيّة هي الحجيّة المنطقيّة و التي هي الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات، سواء قلنا بأن الطريقيّة هي عين القطع أو انّها لازم ذاتي له.

أمّا لو كان المراد من حجيّة القطع هو المنجّزيّة و المعذريّة فهل انّ الحجيّة حينئذ ذاتيّة للقطع أو لا؟

وقع الخلاف بين الأعلام في ذلك و ذكرت لذلك ثلاثة اتّجاهات، و سوف نستعرضها تحت عنوان «حجيّة القطع» ان شاء اللّه تعالى.

*** 284- حجيّة القطع‏

ذكرنا في بحث «الحجيّة الذاتيّة» انّ الحجيّة الثابتة للقطع إذا كانت بمعنى الحجيّة المنطقيّة فإنّ ثبوتها للقطع يكون ذاتيا، و أمّا إذا كانت الحجيّة بمعنى المنجزيّة و المعذريّة فقد وقع البحث في نحو ثبوتها للقطع، و قد ذكرت في ذلك ثلاثة اتّجاهات.

الاتّجاه الأوّل: انّ المنجّزيّة و المعذريّة للقطع نشأ عن التباني العقلائي بملاك انّ عدم ترتيب هذين الأثرين على القطع يفضي الى اختلال النظام. و من هنا كان عدم ترتيب الأثرين على القطع قبيحا و انّ ترتيبهما حسن، و الحسن و القبح بناء على مبنى أصحاب هذا الاتّجاه من المتبنّيات العقلائيّة المعبّر عنها في المنطق بالقضايا المشهورة أو التأديبات الصلاحيّة. و حينئذ تكون الحجيّة الثابتة للقطع حجيّة جعليّة و ليست ذاتيّة.

و أمّا اعتبار حجيّة القطع بهذا المعنى من موارد الحسن و القبح العقلائيين فهو ناشئ- كما أفاد السيد الخوئي (رحمه اللّه)- عن انّ عدم جعل الحجيّة- بهذا المعنى- للقطع يفضي الى اختلال النظام، إذ لو لم يكن القطع منجّزا لما كان القاتل مثلا عن عمد مسئولا عن فعله، إذ له أن يقول بأني و ان كنت‏

16

قاطعا إلّا انّي لست مسئولا عن ترتيب الأثر على القطع، كما انّه لو لم يكن القطع معذّرا لكان لكلّ سلطان مثلا أن يعاقب رعيّته على فعل يعتقدون صوابيّته، و هذا من الظلم القبيح، و عندها لا يقوم للناس نظام لعدم وجود ضابط يعتمدونه.

و بهذا يتّضح انّ منجزيّة و معذريّة القطع ناشئة عن التباني العقلائي، و باعتبار انّ الشارع قد أمضى البناء على حجيّة القطع، فإنّه حينئذ يكون حجّة شرعا.

الاتّجاه الثاني: انّ الحجيّة الثابتة للقطع انّما هي بحكم العقل و إلزامه، فهو القاضي بلزوم ترتيب الأثر على القطع أي هو القاضي بمنجزيّته و معذريّته.

و هذه النظريّة و ان كانت ظاهرة من بعض العبائر إلّا انّ السيد الصدر (رحمه اللّه) يشكك في إرادة أصحاب هذه العبائر لما هو ظاهر منها، و ذلك لوضوح فساد ما هو مستظهر منها، إذ انّ العقل ليس من شأنه الحكم و الإلزام و تنحصر وظيفته في الإدراك فحسب، كما هو محرّر في محلّه.

و بناء على هذا الاتّجاه لو صحّت النسبة تكون الحجيّة الثابتة للقطع ذاتيّة، و المقصود من الذاتيّة هو الذاتيّة في باب البرهان، و الذي يكون فيه وجود الموضوع و تقرّره كافيا في ثبوت الحكم له.

الاتّجاه الثالث: انّ الحجيّة الثابتة للقطع من اللوازم الذاتيّة له، و ذلك بمقتضى ما يدركه العقل من التلازم بين القطع و بين المنجزيّة و المعذريّة.

و هذا الاتّجاه يختلف عن الثاني من جهة انّ المدّعى في الإتجاه الثاني هو حاكميّة العقل بحجيّة القطع و أمّا هذا الاتّجاه فهو يبنى على انّه ليس للعقل سوى دور الإدراك للتلازم الذاتي بين القطع و الحجيّة، فالعقل بناء على هذه النظريّة يدرك انّ العمل بمؤدّى القطع حسن و انّ المؤاخذة على ترك العمل بمقتضى القطع حسن، كما انّه يدرك قبح التخلّف عمّا يقتضيه القطع و قبح المؤاخذة على العمل بمؤدى القطع حتى‏

17

مع اتفاق منافاة القطع للواقع. و هذا الاتّجاه هو مذهب مشهور الاصوليّين كصاحب الكفاية و السيّد الخوئي رحمهما اللّه.

و حتى يتجلّى المراد من هذا الاتّجاه لا بدّ من بيان معنى اللازم الذاتي، فنقول: انّ المراد من اللازم الذاتي- و سيأتي ايضاحه تحت عنوانه- هو المحمول الخارج عن الذات اللازم لها، و ذلك مثل الزوجيّة بالنسبة للأربعة، فإنّ الزوجيّة ليست هي عين الأربعة كما انّها ليست جزء مقوما لها إلّا انّها لازمة للاربعة بحيث يستحيل تخلّفها عن الأربعة. فالزوجيّة محمول خارج عن ذات الأربعة لازمة لها، و هذه الملازمة ناشئة عن مقام الذات للأربعة، فهي بمقتضى ذاتها تستلزم حمل الزوجيّة عليها، و ليس للعقل سوى دور الإدراك للملازمة.

و هكذا الكلام في القطع فإنّ الحجيّة نابعة عن مقام ذاته و ان كانت مباينة لذات القطع، فهي محمول خارج عن ذات القطع لازمة له، و دور العقل متمحض في إدراك هذا التلازم، فليس هو واسطة في الثبوت كما هو مقتضى الإتجاه الثاني بل هو واسطة في الإثبات.

هذا هو حاصل الاتّجاه الثالث في نحو ثبوت الحجيّة للقطع، و للسيّد الصدر (رحمه اللّه) اتّجاه رابع تبنى فيه انّ الحجيّة- بمعنى المنجزيّة و المعذريّة- ليست لازما ذاتيا للقطع، و حاصل ما أفاده (رحمه اللّه).

انّ إدراك العقل لحسن العمل بمؤدى القطع و حسن المؤاخذة على ترك العمل بمؤداه، و كذلك إدراكه لقبح المؤاخذة على العمل بمتعلّق القطع لو اتّفق منافاته للواقع هذا الإدراك العقلي ليس إدراكا للملازمة بين القطع بما هو قطع و بين الحجيّة، إذ لا ريب في انّ القطع الغير المتّصل بأوامر المولى ليس منجزا و لا معذرا، بمعنى انّه لا يقبح- بحسب الإدراك العقلي- عدم الجريان على وفق ما يقتضيه هذا النحو من القطع، فلا يعدّ التخلّف عن الاوامر القطعيّة الصادرة عن غير المولى ظلما، كما انّ العقل لا يدرك‏

18

حسن الجري على وفق الاوامر القطعيّة الصادرة عن غير المولى، و ما ذلك إلّا لأنّ الظلم معناه سلب ذي الحقّ حقّه و انّ العدل اعطاء ذي الحقّ حقّه، و هذا ما يستبطن لزوم ثبوت الحقّ لذي الاوامر في مرحلة سابقة عن إدراك حسن الجري على وفق أوامره القطعيّة و قبح التخلّف عن أوامره.

و بتعبير آخر: انّ العدل و الظلم لا يصدقان إلّا في حالة يكون هناك حقّ متقرّر يراعى فيكون ذلك عدلا أو لا يراعى فيكون ذلك ظلما، و هذا ما يعبّر عن انّ الحجيّة ليست لازما ذاتيا للقطع بما هو قطع بل هو لازم للأوامر القطعيّة الصادرة عمّن له حقّ الجريان على وفق أوامره.

و من هنا لا بدّ و ان يتّجه البحث الى ما هو الدليل على ثبوت حقّ الطاعة لذي الأوامر القطعيّة فإن كان الدليل مقتضيا لثبوت ذلك الحقّ كانت أوامره القطعيّة حجّة أي منجّزة و معذرة.

و بتعبير آخر: انّ التنجيز و التعذير ثابتان لاوامر من له حقّ الطاعة و يكون القطع وسيلة لإثبات صدور الاوامر ممّن له حقّ الطاعة، فالقطع يكون وسطا في الإثبات و حجّة منطقيّة يتوسّل بها للتعرّف على صدور أوامر من له حقّ الطاعة.

و بهذا يتشكّل قياس نتيجته الحجيّة الاصوليّة- و التي هي المنجّزيّة و المعذريّة- و كبرى هذا القياس هو الاوامر الصادرة ممّن له حقّ الطاعة و صغراه القطع بصدور هذه الاوامر.

و عندئذ يمكن اسناد الحجيّة للقطع باعتبار وقوعه صغرى في القياس المنتج للحجيّة أي المنجزيّة و المعذريّة.

و المتحصّل انّ الحجيّة- بهذا المعنى- ليست لازما ذاتيا للقطع بل انّها لازم ذاتي لأوامر من له حقّ الطاعة.

*** 285- الحجيّة المجعولة

هي الحجيّة الثابتة للدليل بواسطة الجعل و الاعتبار بحيث لولاه لما كان الدليل مؤهلا للدليليّة و الكاشفيّة و الوسطية في الإثبات.

19

و هذا النحو من الأدلّة المفتقرة الى الجعل و الاعتبار هي الأدلّة الظنيّة و التي تكون درجة كشفها عن الواقع ناقصة. إذ من الواضح عدم صلاحيّة الدليل الظني لأن يقع وسطا في الإثبات أو يكون وسيلة للاحتجاج به على المدعى، و ذلك لعدم إحرازه للواقع.

نعم بواسطة الاعتبار يكون صالحا للدليليّة إلّا انّ ذلك لا يعني صيرورته كاشفا تاما عن الواقع بالاعتبار، و ذلك لأنّ الشي‏ء لا ينقلب عمّا هو عليه بمجرّد الجعل و الاعتبار.

ثمّ انّ الأهلية التي يضفيها الجعل و الاعتبار على الدليل الظني انّما تنشأ بسبب انّ الاعتبار تبان نفساني يتواطأ عليه العقلاء مثلا، فيكون ذلك التباني ملزما لهم، و لذلك يكون الدليل الظني الملزم لهم هو خصوص الدليل الذي وقع التباني على حجيّته دون الدليل الظني الذي لم يقع التباني منهم على حجيّته. و هذا بخلاف الدليل القطعي، إذ انّ حجيّته و وسطيّته في الإثبات ذاتيّة، فتكون صلاحيّته للاحتجاج به غير مفتقرة للتباني النفساني من العقلاء.

و المتحصّل ممّا ذكرناه انّ الحجيّة الثابتة لبعض الأدلّة الظنيّة تابعة للجعل و الاعتبار ممّن له حقّ الاعتبار، و الكلام بعد ذلك يقع فيمن له حقّ الاعتبار.

و الذي يهمّنا من هذا البحث هو تشخيص من له حقّ اعتبار الحجيّة للأدلّة الظنيّة المتصدّية للكشف عن الحكم الشرعي. فنقول:

انّ الذي عليه جمهور الاصوليّين هو انّ هذا الحقّ مختصّ بالشارع المقدّس، فكلّ دليل ظني لم يجعل الشارع له الحجيّة فإنّه لا يصح ترتيب الأثر على مؤداه فلا يكون منجّزا لمتعلّقه كما لا يكون معذرا لو اتّفق منافاة مؤداه للواقع، و ذلك لأن مفروض الكلام انّ الذي يراد التعرّف عليه بواسطة الدليل الظني هو الحكم الشرعي فيكون حقّ اختيار الطريق المؤدي لذلك بيد الشارع، فلا يصحّ‏

20

الاحتجاج على الشارع بما لا يرى له صلاحيّة لذلك كما لا يصحّ الاحتجاج على واحد من العقلاء بشي‏ء لا يرى العقلاء صلاحيّته للاحتجاج به، و ذلك لما ذكرناه من انّ الحجيّة المجعولة تنشأ عن التباني النفساني، و حينئذ تكون الحجيّة ثابتة على من قبل بذلك التباني أو من كان مسئولا عن قبوله، فالحجيّة الثابتة بواسطة التباني العقلائي تكون ملزمة لكلّ واحد من العقلاء باعتبار وقوعه طرفا في ذلك التباني إمّا لقبوله به أو لكونه مسئولا عن قبوله. و أمّا ما كان خارجا عن التباني العقلائي فإنّه لا يصح الاحتجاج به على العقلاء، و ذلك لأنه حينئذ يكون إلزاما بما لم يلتزموا به.

و هذا الكلام ينسحب الى الأدلّة الظنيّة المتصدّية للكشف عن الأحكام الشرعيّة، فإنّه لا يصحّ التعبّد بها و الاحتجاج على الشارع بمؤداها ما لم يجعل الشارع لها الحجيّة، إذ كيف يصحّ إلزامه بدليل لم يلتزم بحجيّته و دليليّته.

و أمّا ثبوت حقّ الاحتجاج للشارع بالأدلّة الظنيّة التي جعل لها الحجيّة فباعتبار حقّ المولويّة للمشرّع جلّ و علا على عباده، فكلّ واحد من العباد مسئولا عن ترتيب الأثر على الدليل الظني الذي اعتبر الشارع له الحجيّة، ففي الوقت الذي لا يصحّ للعباد إلزام الشارع بالطرق الظنيّة التي لم يعتبر الشارع لها الحجيّة و ان كانوا قد تبانوا على حجيّتها، و ذلك لعدم وقوعه طرفا في ذلك التباني في الوقت نفسه يكونون ملزمين بالتعبّد بالأدلّة الظنيّة التي جعل الشارع لها الحجيّة، و ذلك بمقتضى حقّ المولويّة للمشرع و التي هي من مدركات العقل العملي.

و بما ذكرناه يتّضح انّ الطرق الظنيّة المعتبرة بنظر العقلاء لا تكون صالحة للدليليّة على الحكم الشرعي ما لم تكن ممضاة من قبل الشارع، كما اتّضح انّه لو اتّفق وجود دليل ظني غير معتبر بنظر العقلاء إلّا انّه معتبر بنظر الشارع فإنّه يلزم التعبّد بمؤداه في موارد الكشف عن الحكم الشرعي.

21

286- الحرمة

الحرمة حكم تكليفي معناه الإلزام- ممّن له حقّ الطاعة- بترك فعل معيّن، فالحرمة وصف للإلزام الذي يكون متعلّقه ترك الفعل.

و منشأ التعبير عن هذا الحكم بالحرمة هو أنّ إلزام المولى لعبده بترك فعل معناه اعتبار العبد محروما من هذا الفعل، إذ لو لا الحرمة لكان في سعة من جهة فعله أو تركه.

و أمّا الحرام فهو وصف للفعل المجعول عليه الحرمة، فهو متعلّق الحرمة، و ذلك مثل الزنا و شرب الخمر و القرض الربوي، فهذه كلّها أفعال وقعت متعلّقا للحرمة و لذلك لا توصف بالحرمة، و إنّما توصف بالحرام أو بالمحرّمات، و الذي يصحّ وصفه بالحرمة هو الاعتبار الشرعي بالإلزام.

*** 287- الحرمة الذاتيّة و الحرمة العرضيّة

المراد من الحرمة الذاتيّة هو الحكم التكليفي الناشئ عن مفسدة في ذات متعلّقه.

فحرمة الزنا ذاتيّة لأنّها نشأت عن مفسدة في نفس فعل الزنا، فحينما يكون متعلّق الحرمة مبغوضا ذاتا و واجدا لمفسدة في نفسه فالحرمة الواقعة عليه يعبّر عنها بالحرمة الذاتيّة.

و أمّا الحرمة العرضيّة فهي الحكم التكليفي الناشئ عن مفسدة فيما يقترن بمتعلّقه و إلّا فالمتعلّق في حدّ ذاته غير واجد للمفسدة بل قد يكون واجدا للمصلحة لو خلّي و نفسه.

و مثاله السفر للمعصية أو الصلاة في الأرض المغضوبة، فإنّ السفر لو خلّي و نفسه ليس مبغوضا و ليس واجدا للمفسدة و لكن بسبب اقترانه بالمعصية أصبح مبغوضا لترشّح مفسدة المعصية منها إليه و هكذا الحال بالنسبة للصلاة في الأرض المغصوبة.

***

22

288- الحرمة الظاهريّة و الحرمة الواقعيّة

نقل الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) عن الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) انّه نسب للأخباريين رحمهم اللّه مذاهب أربعة في الشبهة الحكميّة عند فقدان النصّ، الأوّل: التوقّف، و الثاني: الاحتياط، و الثالث: الحرمة الظاهريّة، و الرابع:

الحرمة الواقعيّة.

و ما يهمنا في المقام هو بيان الفرق بين الحرمة الظاهريّة و الحرمة الواقعيّة، فنقول: انّ الشيخ الانصاري (رحمه اللّه) احتمل للفرق بينهما احتمالات ثلاثة بعد احتمال انّ المذاهب الأربعة تؤول الى معنى واحد و انّ الاختلاف انّما هو في التعبير بلحاظ الاختلاف في الأدلّة المعتمدة عندهم، فمن قال بالتوقف تحفظ على التعبير الوارد في بعض الروايات المعبّر عنها بروايات التوقّف، و هكذا الكلام فيمن قال بالاحتياط فإنّه تحفظ على التعبير الوارد في روايات الاحتياط، و أمّا من قال بالحرمة الظاهريّة فإنّه اعتمد على روايات التثليث و التي تقتضي ترك اقتحام الشبهات، و هذا ما يقتضي كون الحرمة ثابتة في ظرف الشك في الواقع، و هو تعبير آخر عن الحكم الظاهري و الذي موضوعه الشك في الحكم الواقعي، و أمّا من قال بالحرمة الواقعيّة فمراده انّ المشتبه بنفسه موضوع للحرمة، فالحكم بالحرمة موضوع ابتداء على ما هو مشتبه، و هذا هو مبرّر التعبير بالحرمة الواقعيّة.

و أمّا الاحتمالات الثلاثة للفرق بين الحرمة الظاهريّة و الحرمة الواقعيّة فهي كما يلي:

الاحتمال الاول: انّ مقصود القائل بالحرمة الظاهرية هو انّ هذه الحرمة لم تثبت إلّا لموضوع لا يعلم ما هو حكمه الواقعي، و هذا يقتضي كون الحرمة الثابتة له حرمة ظاهريّة، إذ كلّ حكم يثبت في ظرف الجهل بما هو الحكم الواقعي للموضوع فهو حكم ظاهري.

23

و أمّا مقصود القائل بالحرمة الواقعيّة فهو انّ المشتبه بنفسه موضوع للحرمة لا انّ الحرمة ثابتة له باعتباره مجهول الحكم، فعنوان المشتبه كسائر العناوين التي يعرضها الحكم ابتداء دون أن يؤخذ في عروض الحكم لها الشك في الحكم الواقعي، و متى ما كان كذلك فإنّ الحكم عندئذ يكون من الأحكام الواقعيّة.

الاحتمال الثاني: انّ القائل بالحرمة الظاهريّة يحتمل انّ الحكم الواقعي للمشتبه هو الإباحة فتكون أدلّة الاجتناب عن الشبهات قاضية بتحريم المشتبه ظاهرا.

و أمّا القائل بالحرمة الواقعيّة فيبني على أصالة الحظر في الأشياء المستفادة من حكم العقل بقبح التصرّف في مال الغير دون إذنه، فهي مستند القائل بالحرمة الواقعيّة لا انّ مستنده روايات الاحتياط.

و من الواضح انّ حكم العقل بأصالة الحظر في الاشياء حكم واقعي موضوعه التصرّف بالشي‏ء الذي لم يأذن ذو الحقّ في التصرّف به، و هذا هو أحد المباني في أصالة الحظر في الأشياء.

الاحتمال الثالث: انّ مقصود القائل بالحرمة الظاهريّة هو انّ حكم المشتبهات ظاهرا هو الحرمة مطلقا أي سواء كان المشتبه محرما واقعا أو كان حكمه الواقعي هو الإباحة، و من هنا يكون المرتكب للشبهات مستحقا للعقاب بنحو مطلق.

و أمّا القائل بالحرمة الواقعيّة فمقصوده عدم ثبوت الحرمة ظاهر للمشتبهات إلّا انّه لو اتّفق ان كان المشتبه حراما واقعا فإنّ المكلّف يكون مستحقا للعقاب على تركه، و أمّا مع عدم اتّفاق الحرمة الواقعيّة للمشتبه فإنّ المكلّف لا يكون مؤاخذا على تركه، فأدلّة الاحتياط لا تقتضي أكثر من لزوم امتثال ما هو محرّم واقعا.

و لعلّ منشأ هذا القول هو انّ أدلّة الاحتياط لا تقتضي أكثر من الإرشاد، و لذلك لا يترتّب عليه أكثر ممّا يترتّب على الواقع، فموافقة أو

24

مخالفة الاحتياط ليس لهما موضوعيّة بل العبرة هو التحفّظ على الواقع، فمتى ما اتّفق موافقة الواقع فإنّ الاحتياط لا يترتّب على مخالفته شي‏ء، و متى ما اتّفق مخالفة الواقع فإنّ المكلّف لا يكون مستحقّا للعقوبة على مخالفة الاحتياط بل انّه يعاقب على مخالفة الواقع، فحال الأمر بالاحتياط كحال أوامر الطبيب، فكما انّ أوامر الطبيب لا يترتّب على الالتزام بها أو عدم الالتزام أكثر ممّا يترتب على الواقع فكذلك الاحتياط.

ثمّ علّق الشيخ الانصاري (رحمه اللّه) بأن هذا المبنى في فهم أدلّة الاحتياط تام لو لا انّ هذا القائل يذهب الى لزوم الاحتياط و الحال انّ الصحيح عدم دلالة أدلّة الاحتياط على أكثر من أولويّة الالتزام به.

*** 289- الحسن و القبح‏

ذكرت للحسن و القبح أربعة معان، ثلاثة منها تؤول روحا الى بيان ما هو منشأ اتّصاف الأفعال بالحسن و القبح.

المعنى الاول: انّ الحسن هو ما يلائم النفس و يوجب انبساطها و القبيح هو ما يوجب انقباض النفس و استيحاشها. و بناء على هذا المعنى لا تختصّ صفتا الحسن و القبح بالأفعال الاختياريّة، و ذلك لأنّ ما يوجب انقباض النفس و انبساطها قد يكون فعلا اختياريا كالإحسان و الإساءة، و قد لا يكون كذلك كالمنظر الجميل و المنظر القبيح.

المعنى الثاني: انّ المراد من الحسن هو ما أوجب الكمال و المراد من القبيح هو ما أوجب النقص، فكلّ فعل يساهم في كمال النفس مثلا فهو من الافعال المتّصفة بالحسن كما انّ كلّ فعل يساهم في سقوط النفس و تسافلها فهو من الأفعال المتّصفة بالقبح، هذا لو كان المراد من الكمال هو الكمال في مصطلح علماء الأخلاق.

أمّا لو كان المراد من الكمال هو الغاية التي تنتهي عندها كلّ قوّة من‏

25

القوى بحيث تبلغ معها حدّ التماميّة فإن الحسن بناء على هذا المعنى يكون صفة لكلّ ما أوجب اشتداد قوّة من القوى و سار بها نحو غايتها، كما انّ القبح يكون بمعنى ما يوجب تسافل قوّة من القوى و المسير بها على عكس ما تقتضيه غايتها.

و باعتبار انّ القوى متفاوتة فيما بينها و قد يكون كمال بعضها على حساب كمال الاخرى يلزم ان يتّصف الفعل الواحد- بناء على هذا المعنى- بالكمال و النقص في آن واحد و لكن باعتبارين.

مثلا: التروّي و التأمل و التأني أفعال تسير بالقوّة العاقلة نحو غايتها و كمالها إلّا انّها توجب ضمور القوّة الغضبيّة و السبعيّة و تسير بها على عكس ما يقتضيه كمالها، فهذه الأفعال حسنة بلحاظ القوّة العاقلة و قبيحة بلحاظ القوة الغضبيّة.

و كيف كان فالحسن و القبح بناء على المعنى الثاني بصورتيه لا يختصّ بالأفعال الاختياريّة كما هو واضح.

المعنى الثالث: انّ الحسن بمعنى المصلحة و القبح بمعنى المفسدة أو انّ الحسن ما كان موجبا للمصلحة و القبيح ما كان موجبا للمفسدة.

و هذا المعنى يحتمل مجموعة من الاحتمالات:

منها: انّ المصلحة بمعنى الكمال الشخصي لكلّ قوّة من القوى و المفسدة هي النقص الشخصي أيضا.

و منها: انّ المصلحة تعني الكمال النوعي و هو النظام الاجتماعي الأتم، و عليه يكون كلّ فعل يسير بالمجتمع نحو النظام الأتمّ فهو حسن لأنّه موجب للمصلحة النوعيّة، و المفسدة تعني اختلال النظام الاجتماعي و تبدّده، فكلّ فعل ينحدر بالمجتمع نحو السقوط فهو قبيح، بل كلّ فعل يمنع عن الصعود بالنظام الاجتماعي الى الكمال فهو قبيح.

و منها: انّ المصلحة بمعنى ما يوجب الكمال الشخصي المتّصل بالنفس على ان لا يتنافى ذلك مع الكمال النوعي و ان تنافى مع الكمال لسائر القوى،

26

و بتعبير آخر: المصلحة هي الكمال الشخصي الملائم للكمال النوعي و المفسدة ما كان عكس ذلك.

و لخروج هذا البحث عن محلّ الكلام نكتفي بهذا المقدار.

المعنى الرابع: انّ الحسن هو كلّ فعل يدرك العقل انبغاء فعله، و القبيح هو ما يدرك العقل انبغاء تركه، بمعنى انّ العقل يدرك استحقاق فاعل ما ينبغي فعله المدح و استحقاق فاعل ما ينبغي تركه الذم.

و واضح انّ الحسن و القبح بهذا المعنى يختص بالأفعال الاختياريّة، كما انّ الحسن و القبح بهذا المعنى من مدركات العقل العملي و هو الذي وقع محلا للنزاع، فالمعروف بين الاصوليين هو انّ الحسن و القبح من مدركات العقل العملي و انّهما من صفات بعض الأفعال الذاتيّة، و ذهب لذلك جمع من المعتزلة أيضا.

و في مقابل هذه الدعوى ذهب جمع من الأشاعرة الى انّ صفتي الحسن و القبح ليستا من صفات الأفعال الذاتيّة، فليس ثمّة فعل يقتضي بذاته الحسن أو القبح بل انّهما من الصفات التي تعرض الأفعال بواسطة الشارع، فكلّ فعل حكم الشارع بحسنه فهو حسن لتحسين الشارع له لا لأنّه يقتضي الحسن بنفسه، و كلّ فعل حكم الشارع بقبحه فهو قبيح لتقبيح الشارع له لا لأنّه يقتضي القبح بذاته.

و أمّا الأخباريّون فقد ذهبوا الى قصور العقل عن درك واقع الأفعال من حيث اتّصافها بالحسن و القبح، فهم و ان كانوا لا يمنعون عن انّ الأفعال قد تكون متّصفة ذاتا بالحسن و القبح في نفس الأمر و الواقع إلّا انّ إدراك ذلك بواسطة العقل غير ممكن لقصوره عن الإحاطة بواقع الأشياء. فالوسيلة التي يمكن بواسطتها التعرّف على واقع الأفعال من حيث اتّصافها بالحسن أو القبح هي الشارع، فكلّ ما أخبر الشارع عن حسنه فهو حسن واقعا و كلّ ما أخبر الشارع عن قبحه فهو قبيح واقعا، و بهذا يمتاز مبنى الإخباريين عن مبنى الأشاعرة.

27

و هناك مبنى رابع ذهب اليه مشهور فلاسفة المسلمين، و هو انّ الحسن و القبح ليسا من مدركات العقل العملي، و هذا معناه انّهما ليسا من الصفات الذاتيّة للأفعال و انّما هما من القضايا المشهورة المعبّر عنها بالآراء المحمودة، فالحسن هو ما تبانى العقلاء على حسنه، كما انّ القبيح هو ما تبانى العقلاء على قبحه. و هذا يرتبط بنكات عقلائيّة تختلف باختلاف الأنظمة الاجتماعيّة و الظروف الموضوعيّة.

و بهذا المعنى يكون الحسن و القبح من الصفات الاعتباريّة للأفعال و التي ليس لها واقع وراء اعتبار العقلاء، و هذا المعنى لا يختلف عن مبنى الأشاعرة إلّا من حيث المعتبر، فالمعتبر بنظر مشهور فلاسفة المسلمين هم العقلاء، و أمّا بنظر الأشاعرة فالمعتبر هو الشارع المقدّس.

*** 290- الحسن و القبح الذاتيان‏

المراد من ذاتيّة الحسن و القبح انّهما من الصفات الواقعيّة لمتعلّقاتهما، بمعنى انّ الحسن و القبح ينشئان عن مقام الذات لبعض الأفعال.

و المقصود من الذاتيّة في المقام هو الذاتي في باب البرهان لا الذاتي في باب الكليّات الخمس، بمعنى انّ الحسن- مثلا- ليس هو عين الفعل المتّصف به، كما انّه ليس جزؤه المقوم بل بمعنى انّ وجود ذات الفعل كاف في اتّصافه بالحسن، و هذا هو الذاتي في باب البرهان.

و هذه الدعوى هي مبنى مشهور الاصوليين إذا أضفنا اليها انّ ذاتيّة الحسن و القبح للأفعال مدركه بواسطة العقل العملي. و لكي تتجلّى هذه الدعوى أكثر نقول انّهم قسموا الأفعال الى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: أن يكون الفعل علّة تامّة في عروض صفة الحسن و القبح عليه، بمعنى أن لا يكون هناك عنوان آخر غير ذات الفعل يساهم في ثبوت صفة الحسن و القبح للفعل، كما انّه ليس ثمّة مانع يمنع عن اتّصاف الفعل‏

28

بالحسن و القبح، فلذات الفعل تمام التأثير في ان يتّصف بالحسن أو القبح.

و هذا النحو من الأفعال هو الذي يكون الحسن أو القبح له ذاتي.

و تلاحظون انّ الذاتي في المقام هو الذاتي في باب البرهان، و ذلك لأنّ الحسن مثلا ليس مقوّما ذاتيا للفعل و إنّما هو لازم ذاتي له لا يتخلّف عنه بحال من الأحوال، إذ انّ افتراض كون التلازم بنحو العلّيّة يقتضي ذلك، فالفعل إذن علّة لعروض صفة الحسن عليه، فالحسن محمول خارج عن ذات الفعل لازم له و هذا التلازم نشأ عن مقام ذات الفعل.

و مثال هذا النحو من الأفعال هو العدل و الظلم، فالعدل علّة تامّة لعروض صفة الحسن عليه، كما انّ الظلم علّة تامّة لعروض عنوان القبح عليه.

القسم الثاني: ان يكون الفعل مقتضيا بذاته لعروض صفة الحسن أو القبح عليه، و هذا معناه انّ الفعل غير مستقلّ بذاته في التأثير بل انّ تأثير اقتضائه لأثره منوط بانتفاء الموانع، فمتى ما توفر الفعل على هاتين الحيثيّتين لزم عن ذلك عروض صفة الحسن أو القبح عليه.

الحيثيّة الاولى: ناشئة عن مقام ذاته و هي الاقتضاء للحسن و القبح.

الحيثيّة الثانية: هي انتفاء الموانع الموجبة للحيلولة عن تأثير المقتضي الذاتي لأثره.

و مثال هذا القسم من الافعال الصدق و الكذب، فالصدق لو خلّي و ذاته لكان موجبا لعروض صفة الحسن عليه إلّا انّه قد يطرأ عليه عنوان يمنع عن اتّصافه بالحسن و لو لا عروض ذلك العنوان لكان متّصفا بالحسن، فالحسن اذن ليس لازما ذاتيا للصدق و إلّا لما تخلّف عنه، إذ انّ اللازم الذاتي لا يتخلّف عن ملزومه بحال من الأحوال، و هكذا الكلام في الكذب.

القسم الثالث: أن لا يكون الفعل علّة تامّة في الاتّصاف بالحسن و القبح كما انّه ليس مقتضيا لهما إلّا انّه قد

29

يتّصف بأحدهما بواسطة خارجيّة في الثبوت، بمعنى انّ الفعل لو خلّي و ذاته لا يكون علّة لأن يتّصف بالحسن أو القبح كما لا يكون مقتضيا لذلك إلّا انّه قد تطرأ على هذا الفعل بعض العناوين فتؤثر في اتّصافه بالحسن أو القبح إمّا بنحو التأثير الاقتضائي أو بنحو التأثير العلّي.

و مثال هذا القسم من الأفعال شرب الماء، فهو بذاته لا يؤثر في أن يتّصف بالحسن أو القبح إلّا انّه قد يطرأ عليه عنوان يقتضي اتّصافه بالقبح، كما لو كان الشرب معصية لمن له حقّ الطاعة، فطرو عنوان المعصية على شرب الماء صار واسطة في ثبوت صفة القبح له.

و باتّضاح الأقسام الثلاثة يتّضح انّ ذاتيّة الحسن و القبح انّما هو للقسم الأوّل من الأفعال، و به يتّضح انّ دعوى مشهور الاصوليّين انّما هي ثبوت الحسن و القبح الذاتيّين بنحو الموجبة الجزئيّة في مقابل السلب الكلّي المدعى من قبل الأشاعرة و مشهور فلاسفة المسلمين القائلين بأنّ الحسن و القبح من القضايا المشهورة المعبّر عنها بالآراء المحمودة و التأديبات الصلاحيّة.

*** 291- الحسن و القبح العقلائيّان‏

قلنا انّ مشهور فلاسفة المسلمين أنكروا انّ صفتي الحسن و القبح من الصفات الذاتيّة و الواقعيّة للأفعال، و قالوا انّ منشأ اتّصاف بعض الأفعال بالحسن و القبح انّما هو التباني العقلائي و بهذا تكون صفتا الحسن و القبح من الصفات الاعتباريّة و التي ليس وراء اعتبار العقلاء لها واقع.

و بهذا يكون مبنى مشهور الفلاسفة مشابه الى حدّ كبير لمبنى الاشاعرة، إذ انّ الأشاعرة أيضا يبنون على انّ الحسن و القبح من الصفات الاعتباريّة التي ليس لها واقع وراء اعتبار المعتبر، غايته انّ المعتبر- بصيغة الفاعل- بنظر الأشاعرة هو الشارع و أمّا بنظر مشهور الفلاسفة فالمعتبر هم العقلاء.

30

و لغرض اتّضاح مبنى الحسن و القبح العقلائيّين لا بدّ من بيان المراد من القضايا المشهورة. فنقول:

انّ المراد من المشهورات هو ما تطابقت عليه آراء الناس جميعا إمّا بما هم عقلاء أو بما هم انفعاليّون أو بما هم واقعون تحت تأثير العادات و التقاليد المتوارثة أو لاقتضاء الخلقيّات لذلك أو بسبب التلقين أو غير ذلك، و تطلق القضايا المشهورة أيضا على القضايا التي تطابقت عليها آراء صنف من الأصناف أو مجتمع من المجتمعات.

و قد صنّفت القضايا المشهورة الى قسمين:

القسم الاول: المشهورات بالمعنى الاعم: و يقصدون منها القضايا التي وقع التطابق عليها بقطع النظر عن منشأ ذلك التطابق و التباني، فقد يكون منشأ التباني هو انّها قضايا يقينيّة بديهيّة من نحو الاوّليات أو الوجدانيات أو المتواترات و هكذا، كما قد يكون منشأ التباني و التطابق هو انّها من الآراء المحمودة من نحو الخلقيّات أو التأديبات الصلاحيّة و التي لا تعدو عن كونها متبنيات عقلائيّة ليس لها وراء اعتبار العقلاء واقع.

القسم الثاني: المشهورات بالمعنى الأخصّ، و يعبّر عنها بالمشهورات الصرفة- كما ذكر ذلك المحقّق المظفّر (رحمه اللّه)، و المقصود منها القضايا التي وقع التطابق و التباني عليها من قبل العقلاء دون أن يكون لها وراء تباني العقلاء واقع، بمعنى انّها ليست من القضايا المدركة بواسطة العقل و انّما هي متبنّيات عقلائيّة أو عرفيّة تقتضيها في بعض الأحيان المصلحة النوعيّة و التي ترتبط بحفظ النظام الاجتماعي، و يعبّر عن مثل هذه القضايا بالتأديبات الصلاحيّة و بالآراء المحمودة، كما قد تقتضيها الانفعالات النفسانيّة كالحياء و الغيرة، أو تقتضيها العادات المتوارثة كطبيعة لباس الرجال، و يعبّرون عن الاولى بالانفعاليّات و عن الثانية بالعادات.

و الجامع المشترك بين تمام‏

31

المشهورات بالمعنى الأخصّ على اختلاف مناشئها انّها ليست قضايا برهانيّة ناشئة عن مدركات العقل و ليس لها واقع وراء التباني و التطابق، فلو اتّفق ان انتفت تلك المناشئ لما كان للعقل إدراك تلك القضايا.

و مع اتّضاح المراد من القضايا المشهورة نقول: انّ مشهور فلاسفة المسلمين ادعوا انّ اتّصاف بعض الأفعال بالحسن و القبح- كاتّصاف العدل بالحسن و الظلم بالقبح- انّما هو من القضايا المشهورة بالمعنى الأخص، و عليه لا يكون وراء اشتهارها واقع و لا تكون من مدركات العقل العملي، إلّا انّهم قالوا انّ الحسن و القبح من القضايا الناشئة عن التأديبات الصلاحيّة و الآراء المحمودة و التي تقتضيها المصلحة النوعيّة المرتبطة بحفظ النظام الاجتماعي.

و بتعبير آخر: انّ الحسن و القبح من القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء لا بما هم انفعاليّون مثلا و لا بما هم واقعون تحت تأثير العادات أو غير ذلك، بل لأنّهم وجدوا انّ مجموعة من الأفعال تساهم في التحفّظ على النظام أو تصعد به الى مستوى الكمال الاجتماعي، و انّ هنا مجموعة من الأفعال تنحدر بالمجتمع نحو السقوط و تؤدي الى اختلال نظامه، فلأنّهم وجدوا ذلك بنوا على حسن الاولى و قبح الاخرى، و يبقى اتّصاف هذه الأفعال بالحسن و القبح مطردا ما دامت لها هذه النتائج، أمّا لو اتّفق انتفاء هذه النتائج عنها أو اتّفق تبدّلها الى الضد فإنّ اتّصافها بالحسن و القبح لا يبقى على حاله بل يكون اتّصاف الأفعال بهما تابع لما يترتّب على هذه الأفعال من نتائج.

و هكذا لو قدّر عدم وجود مجتمع فإنّه لا تباني حينئذ من العقلاء، أو بتعبير آخر: انّ العقل لا يدرك اتّصاف الأفعال بالحسن و القبح لو لم يكن هناك وجود اجتماعي و انّ ادراك العاقل للحسن و القبح في ظرف الوجود الاجتماعي انّما هو باعتبار

32

انسلاكه في اطار النظام الاجتماعي.

فالبناء على حسن العدل و قبح الظلم ليس كالتصديق باستحالة اجتماع النقيضين أو أنّ المعلول لا يتخلّف عن علّته التامّة، فإنّ التصديق و البناء على هاتين القضيّتين ناشئ عن إدراك العقل و لا صلة للتصديق بهما بالتباني و التطابق العقلائي، كما لا يرتبط التصديق بهما بما يترتّب عليهما من نتائج، كما انّ الحكم فيهما لا يتغيّر بتغيّر الظروف، و ما ذلك إلّا لأنّ وراء إدراكهما واقعا متقرّرا في نفس الأمر.

هذا هو حاصل مبنى مشهور الفلاسفة في الحسن و القبح، و قد وقع الخلط في كلمات الشيخ المظفر (رحمه اللّه) من حيث انّه ادعى انّ الحسن و القبح من مدركات العقل العملي و فسّر ذلك بالقضايا المشهورة و الآراء المحمودة، و أصرّ على انّ الحسن و القبح من القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء و انّه ليس وراء تطابقهم واقع، و هذا ما يعني انّها من المشهورات بالمعنى الأخص و لا صلة لها بمدركات العقل العملي، إذ لا ريب انّ لمدركات العقل العملي واقعا متقررا في نفس الأمر، و لا يرتبط بالبناء العقلائي الناشئ عن التأديبات الصلاحيّة أو غيرها.

فالصحيح انّ هنا مبنيين مختلفين اختلافا جوهريا، المبنى الاول هو مبنى مشهور الاصوليّين القائل بأنّ الحسن و القبح من الصفات الواقعيّة الذاتيّة المدركة بواسطة العقل العملي، و التي لا تخضع لاعتبار العقلاء كما انّها ليست ناشئة عن اعتبار الشارع المقدّس.

و المبنى الآخر هو انّ الحسن و القبح من القضايا المشهورة و الآراء المحمودة المتبناة من قبل العقلاء و ليس لها وراء تباني العقلاء واقع، و هذا هو مبنى مشهور الفلاسفة و بعض الاصوليّين كالمحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه). و من هنا يعبّر عن الحسن و القبح بحسب هذا المبنى بالحسن و القبح العقلائيّين، و وصفهما بالعقليّين تسامح محض.

***

33

292- الحسن و القبح العقليّان‏

و المراد من الحسن و القبح العقليّين هو انّ العقل يدرك انّ من الأفعال ما ينبغي فعلها و انّ من الأفعال ما ينبغي تركها، و انّ من يفعل ما ينبغي فعله فهو مستحقّ عقلا للمدح، و من يفعل ما ينبغي تركه فهو مستحقّ للذم.

و بهذا يكون الحسن و القبح من مدركات العقل العملي بل قيل انّ التحسين و التقبيح هما عين العقل العملي، و تستبطن هذه الدعوى- كما قلنا- انّ اتّصاف بعض الأفعال بالحسن و القبح ذاتي، أي ناشئ عن مقام الذات، و هذا هو مبنى مشهور الاصوليّين.

و قد عرّف الشهيد الصدر (رحمه اللّه) الحسن و القبح- بحسب مبنى الاصوليّين- بالضرورة الخلقيّة الثابتة في لوح الواقع بقطع النظر عن اعتبار أي معتبر، و أفاد أنّها مباينة للضرورة التكوينيّة من حيث الماهيّة و من حيث المرتبة، فالضرورة التكوينيّة تعني الوجوب المقابل للإمكان و الامتناع.

و أمّا الضرورة الخلقيّة فهي بمعنى اتّصاف الفعل بانبغاء فعله أو بانبغاء تركه، و بتعبير آخر: انّ الضرورة الخلقيّة تعني انّ الفعل متّصف ذاتا بأولويّة فعله أو تركه أو قل بأن الأخرى به ان يفعل أو بأن لا يفعل.

و من هنا تكون الضرورة الخلقيّة في طول السلطنة و التي هي بمعنى الاختيار بحسب مبنى السيّد الصدر (رحمه اللّه).

و بهذا يتّضح معنى انّ الضرورة الخلقيّة مختلفة عن الضرورة التكوينيّة رتبة، إذ انّ الضرورة التكوينيّة و التي هي بمعنى الوجوب و اللابدّيّة تقع في عرض السلطنة و أمّا الضرورة الخلقيّة فهي في طول السلطنة باعتبار انّ الحسن و القبح صفات الأفعال الناشئة عن الاختيار «السلطنة».

و ببيان آخر: انّ الموروث عن الفلسفة هو انّه إذا نسب شي‏ء لآخر، فإمّا أن يكون ذلك الشي‏ء ضروري الثبوت للشي‏ء الآخر: أو ضروري‏

34

الانتفاء أو لا هو ضروري الثبوت و لا هو ضروري الانتفاء، فالأوّل يعبّر عنه بالوجوب، و الثاني يعبّر عنه بالامتناع، و الثالث يعبّر عنه بالإمكان، و هذه القسمة عقليّة حاصرة.

ثمّ انّ نسبة الفعل الى فاعله لا تكون إلّا بنحو الوجوب و الضرورة التكوينيّة، بمعنى انّ الفعل ما لم يجب لا يوجد، فلا بدّ أن تكون النسبة بين الفعل «المعلول» و فاعله «العلّة» هي الضرورة و إلّا استحال وجود الفعل، و لا يختلف الحال في ذلك بين الأفعال الاختياريّة و بين الأفعال غير الاختياريّة، فهي على حدّ سواء من جهة هذه القاعدة و هي «انّ الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد»، و لهذا وقعوا في مشكلة عويصة جدا، و هي كيفيّة تفسير معنى الاختيار في الافعال الاختياريّة.

و أمّا السيّد الصدر (رحمه اللّه) فهو في راحة من هذه المشكلة، و ذلك لأنّه ادّعى انّ النسبة بين الفاعل و فعله قد تكون الوجوب و قد تكون الامتناع و هذه النسبة هي المعبّر عنها بالضرورة التكوينيّة، و قد تكون النسبة بين الفاعل و فعله هي نسبة السلطنة، و الاولى هي نسبة الفاعل الى الأفعال غير الاختياريّة، و هي موضوع قاعدة «انّ الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد»، و الثانية هي نسبة الفاعل المختار الى الأفعال الاختياريّة و هي غير مشمولة لقاعدة «انّ الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد».

و عليه يكون تمام القاعدة هو «انّ الشي‏ء لا يوجد إلّا بالوجوب أو السلطنة»، و الوجوب معناه لا بدّية الفعل، و أمّا السلطنة فهي بمعنى «انّ له أن يفعل و له أن لا يفعل»، و التباين بين الوجوب و بين السلطنة واضح بعد بيان المراد منهما.

و عليه يتّضح الفرق بين الضرورة التكوينيّة و الضرورة الخلقيّة، فالأولى هي نسبة الفعل غير الاختياري الى الفاعل، و أمّا الثانية فهي نسبة واقعيّة بين السلطنة و بين الفعل، إذ انّ‏

35

الضرورة الخلقيّة تعني- كما قلنا- اتّصاف الفعل الاختياري بأوليّة فعله أو تركه في مقابل الفعل الاختياري الغير المتّصف بأولويّة فعله أو تركه، و ان كان كلاهما واقعان تحت السلطنة اذا صحّ التعبير.

و من هنا كانت الضرورة الخلقيّة مباينة للضرورة التكوينيّة ماهية و مختلفة معها رتبة، إذ انّ الواقع في رتبة الضرورة التكوينيّة هو السلطنة، و أمّا الضرورة الخلقيّة فهي متأخّرة رتبة عن السلطنة.

و المتحصّل ممّا ذكرناه انّ الحسن و القبح من الصفات الواقعيّة لبعض الأفعال الاختياريّة، فالفعل الاختياري المتّصف واقعا بأولويّة فعله حسن، و الفعل الاختياري المتّصف بأولويّة تركه واقعا قبيح، و أولويّة الفعل أو الترك- و الذي هو الضرورة الخلقيّة أو الحسن و القبح- لا يتعقّل إلّا مع افتراض السلطنة و التي هي بمعنى انّ للفاعل ان يفعل و له ان لا يفعل، إذ لو قلنا انّ النسبة بين الفعل و الفاعل هي الوجوب و الضرورة التكوينيّة دائما لما كان هناك معنى معقول لأولويّة الفعل، فإمّا أن يكون الفعل بالنسبة لفاعله ضروري الوجود أو ضروري العدم.

هذا حاصل ما أفاده السيّد الصدر (رحمه اللّه) في مقام بيان الحسن و القبح العقليّين، ثمّ أفاد انّ المشهور عرّفوا الحسن و القبح بأن الحسن هو الذي يصحّ المدح على فعله و القبيح هو ما صحّ الذم على فعله.

و أورد على هذا التعريف بأنّ من المقطوع به عدم صحّة ذم فاعل القبيح عند جهله بقبحه و توهّمه حسنه، و عدم صحّة مدح فاعل الحسن عند جهله بحسنه و توهمه قبحه، فإذا قلنا انّ الحسن معناه صحّة المدح و انّ القبح معناه صحّة الذم لزم من ذلك أن يكون الحسن و القبح منوطين بعلم الفاعل، إذ انّ صحّة المدح و الذم منوطان بذلك.

***

36

293- أصالة الحظر

قد أوضحنا المراد منها تحت عنوان «أصالة الإباحة».

*** 294- حقّ الطاعة

لا ريب في ثبوت حقّ الطاعة للمولى جلّ و علا و انّ ذلك هو مقتضى ما يدركه العقل العملي القطعي، فالبحث في حقّ الطاعة انّما هو عن حدود هذا الحقّ، فنقول انّ الأقوال في ذلك ثلاثة.

الأوّل: انّ حقّ الطاعة يتحدّد بالتكاليف المقطوعة، بمعنى انّ كلّ قطع يكشف عن التكليف المولوي فهو ينقح موضوع حقّ الطاعة دون اعتبار نوع خاص من القطع، فالقطع سواء نشأ عن مقدمات عقلائيّة أو غير عقلائيّة و سواء كان منشؤه الكتاب و السنّة أو كان منشؤه المدركات العقليّة فإنّه منجّز للتكليف. و هذا القول تبناه أكثر الاصوليين.

الثاني: انّه ليس كلّ قطع بالتكليف ينقّح موضوع حقّ الطاعة و انّما الذي ينقّح موضوع حقّ الطاعة للمولى جلّ و علا هو بعض القطوعات دون بعض، و هذا مثل التفصيل الذي ذهب إليه بعض الأعلام بين القطع الذي ينشأ عن مبرّرات عقلائيّة و القطع الذي ينشأ عن مبرّرات غير عقلائيّة «قطع القطاع» فالأوّل يثبت به حقّ الطاعة دون الثاني. و كالتفصيل الذي ذهب اليه بعض الاخباريّين من انّ القطع الناشئ عن غير الكتاب و السنّة لا يثبت به التكليف، فليس للمولى حقّ الطاعة فيما ينكشف بواسطة المدركات العقليّة.

الثالث: انّ مطلق الانكشاف منقّح لموضوع حقّ الطاعة سواء كانت مرتبته هي القطع و الذي هو أعلى مراتب الانكشاف أو كانت مرتبته الظن أو الاحتمال، و هذا هو مبنى السيّد الصدر (رحمه اللّه).

و تلاحظون انّ هذه الأقوال الثلاثة تتفاوت من حيث ما هي حدود حقّ‏

37

الطاعة فالقول الثاني يضيف من دائرة حقّ الطاعة بحيث لا يكون للمولى جلّ و علا حقّ الطاعة إلّا في بعض موارد القطع و أمّا القول الاول فهو يثبت حقّ الطاعة بنحو أوسع من القول الثاني، إذ انّ حقّ الطاعة معه ثابتة في تمام موارد القطع بالتكليف المولوي، و أمّا القول الثالث فقد توسّع في حدود حقّ الطاعة بحيث بنى على انّ مطلق الانكشاف ينقّح موضوع حقّ الطاعة سواء كان بمرتبة القطع أو بمرتبة الظنّ أو الاحتمال و ان حقّ الطاعة للمولى جلّ و علا لا يصحّ تنظيره بحقّ الطاعة للموالي العرفيين و الذي يختصّ بموارد القطع، و ذلك لأنّ هذا الحقّ انّما نشأ عن الاعتبار العقلائي، و لذلك فهو يتحدّد بحدود ما هو معتبر عقلائيا، و حيث انّ الاعتبار العقلائي- المتّصل بعلاقة الموالي العرفيين بالعبيد- قام على اساس ثبوت الحقّ في اطار الاوامر المقطوعة فإنّ هذا الحقّ الاعتباري يتحدد بحدود ما هو المعتبر عندهم.

و أمّا حق الطاعة للمولى جلّ و علا فهي من اللوازم الذاتيّة لمولويّة المولى و حينئذ فهي لا تخضع للاعتبار العقلائي، بل لا بدّ من ملاحظة حدود هذا الحقّ على أساس ما هو الثابت واقعا بمقتضى المدركات العقليّة.

و عند ما يتّجه البحث عن ما هو مقتضى المدركات العقليّة نجد انّ عقولنا تدرك انّ حقّ الطاعة للمولى جلّ و علا لا تتحدد بالتكاليف المقطوعة بل انّها تتّسع لتشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو بمستوى الظن بل و الاحتمال، و هذا المدرك العقلي البديهي لا يفتقر إلى أكثر من تصور الموضوع و الحكم و عندئذ يحصل الجزم بالنسبة، فهي من القضايا الضروريّة التي قياستها معها.

ثم انّ هنا أمرا لا بدّ من التنبيه عليه و هو انّ مبنى مشهور الاصوليّين هو انّ حقّ الطاعة للمولى ثابت حتى في موارد احتمال التكليف إذا لم يكن مؤمنا عنه، غايته انّ ثمّة مؤمنا عقليا عن التكاليف المحتملة و هو ما يدركه‏

38

العقل من قبح العقاب بلا بيان المقتضي للبراءة عن التكاليف غير المعلومة، و تظهر الثمرة في موارد عدم امكان جريان البراءة العقليّة و الشرعيّة حيث لا مؤمن حينئذ عن التكليف المحتمل، كما في الشبهات الحكميّة قبل الفحص، و قد أوضحنا ذلك في بحث «الاحتياط العقلي».

*** 295- مسلك حقّ الطاعة

و يراد منه الإشارة الى القاعدة العقليّة المقتضية للاحتياط العقلي في موارد الشك في التكليف، و ذلك في مقابل قاعدة قبح العقاب بلا بيان المقتضية للبراءة العقليّة.

و حاصل المراد من مسلك حقّ- و الذي تبناه السيد الصدر (رحمه اللّه) في مقابل مشهور الاصوليّين- هو انّ العقل يدرك منجّزية التكليف المنكشف بأيّ مرتبة من مراتب الانكشاف، أي سواء كان بمرتبة القطع أو الظن أو حتى الاحتمال.

و من هنا كانت القاعدة الاوليّة عند الشك في التكليف هو الاحتياط العقلي إلّا أن يرد عن الشارع ما ينفي مسئوليّة المكلّف عن التكليف المشكوك- كما هو كذلك- و حينئذ يكون المرجع في نفي المسئوليّة عن التكاليف المشكوكة هو خصوص البراءة الشرعيّة و إلّا فمقتضى الأصل العقلي الأولي بقطع النظر عن أدلّة البراءة الشرعيّة هو الاحتياط.

و منشأ تبنّي السيّد الصدر (رحمه اللّه) لهذا المبنى هو ما ادّعاه من اتّساع حدود حقّ الطاعة و شموله لموارد التكاليف المظنونة و التكاليف المحتملة.

و في مقابل هذه الدعوى ذهب مشهور الاصوليّين الى انّ القاعدة الاوليّة عند الشك في التكليف هو البراءة العقليّة، و ذلك بمقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و حينئذ لا يختصّ المرجع في موارد الشك في التكليف بالبراءة الشرعيّة بل يمكن الرجوع في مثل هذه الموارد الى البراءة العقليّة.

39

و لمزيد من التوضيح راجع عنوان «الاحتياط العقلي» «و قاعدة قبح العقاب بلا بيان» «حقّ الطاعة».

*** 296- أصالة الحقيقة

و هي من الاصول اللفظيّة التي يتمسّك بها العقلاء عند الشك فيما هو المراد، إذ انّ تمام الاصول اللفظيّة يلجأ العقلاء عند الشك في المراد، إمّا من جهة أصل المراد أو من جهة حدوده.

و أصالة الحقيقة تكون مرجعا لتحديد أصل المراد، و موردها الشك في مراد المتكلّم من حيث انّه أراد المعنى الحقيقي من اللفظ المستعمل أو أراد المعنى المجازي، و هذا ما يستبطن كون المعنى الحقيقي للفظ مشخصا لدى المتلقي للفظ، غايته انّ مراد المتكلّم هو المجهول لدى المتلقي للفظ، إذ لعلّ المتكلّم أراد المعنى الحقيقي و لعلّه أراد المعنى المجازي، و ذلك لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز. و من هنا يأتي دور أصالة الحقيقة لتحديد المراد، بمعنى انّ العقلاء يتمسّكون في هذا الفرض بأصالة الحقيقة لإثبات انّ مراد المتكلّم من اللفظ المستعمل هو المعنى الحقيقي.

و المتحصّل ممّا ذكرناه انّ موضوع أصالة الحقيقة هو الشك في مراد المتكلّم مع عدم قيام قرينة على المجاز، إذ لا معنى للتمسّك بأصالة الحقيقة مع قيام القرينة على المجاز، و ذلك لأنّ افتراض قيام القرينة معناه انتفاء الشك في المراد، و هذا ما ينفي موضوع أصالة الحقيقة، كما انّ احتفاف اللفظ المستعمل بما يصلح للقرينيّة مانع عن التمسّك بأصالة الحقيقة، و ذلك لأنّ أصالة الحقيقة انّما تنقّح الظهور في إرادة المتكلّم للمعنى الحقيقي و مع وجود ما يصلح للقرينيّة على خلاف ذلك لا يتنقّح الظهور في إرادة المتكلّم للمعنى الحقيقي لاحتمال اعتماد المتكلّم على قرينيّة الموجود لبيان مراده، نعم لا مجال لاستظهار إرادته للمجاز بعد ان لم تكن القرينة ظاهرة في القرينيّة، و بذلك يكون مراد المتكلّم من اللفظ مجملا.

40

و العمدة انّ العقلاء انّما يتمسّكون بأصالة الحقيقة عند ما لا تكون ثمّة قرينة أو ما يصلح للقرينيّة على المجاز، و منشأ ذلك هو عدم انعقاد الظهور عندئذ في إرادة المعنى الحقيقي.

ثمّ انّ هنا أمرا لا بدّ من التنبيه عليه و هو انّه نسب الى السيد المرتضى علم الهدى (رحمه اللّه) دعوى انّ مورد التمسّك بأصالة الحقيقة هو الشك في المعنى الموضوع له اللفظ، بمعنى انّ أصالة الحقيقة تكون مرجعا لتحديد المعنى الحقيقي للّفظ، فحينما نجد مثلا انّ أهل اللغة يستعملون لفظا في معنى معيّن و لا ندري انّ هذا الاستعمال استعمال للفظ فيما وضع له او انّه استعمال له في غير ما وضع له فإنّه يمكن التمسّك بأصالة الحقيقة لإثبات انّ المعنى المستعمل في اللفظ حقيقي.

و الصحيح عدم تماميّة هذه الدعوى لما ذكرناه من انّ الاصول اللفظيّة انّما تكون مرجعا لتحديد المراد لا أنّها مرجع لتحديد نحو الاستعمال و كيفيّته، إذ انّ ذلك من شأن علائم الحقيقة و المجاز و أصالة الحقيقة ليس منها إلّا ان نفترض تعبّد الشارع لنا بالبناء على الحقيقة في موارد الشك فيما هو الموضوع له اللفظ، و هو خلف الفرض، إذ المفترض في المقام انّما هو البحث عمّا هو الأصل اللفظي العقلائي، و واضح انّه ليس ثمة تبان من العقلاء على اعتبار الاستعمال علامة الحقيقة و انّه كلّما استعمل لفظ في معنى و شككنا في انّ هذا الاستعمال حقيقي أو مجازي فإنّه لا بدّ من البناء على انّه استعمال حقيقي، نعم المتبانى عليه عند العقلاء هو استظهار إرادة المعنى الحقيقي عند الشك فيما هو مراد المتكلّم و هل انّه أراد المعنى المجازي أو المعنى الحقيقي، و هذا معناه الفراغ عما هو المعنى الحقيقي للفظ أي معرفة المتلقي لما هو الموضوع له اللفظ.

*** 297- الحقيقة الشرعيّة

المعنى الحقيقي للفظ هو المعنى الموضوع له اللفظ، و ذلك في مقابل‏

41

المعنى المجازي و الذي لو يوضع اللفظ لإفادته و إنّما يستعمل اللفظ فيه باعتبار تناسبه مع المعنى الحقيقي الذي وضع اللفظ من قبل الواضع لغرض افادته و الدلالة عليه.

و اضافة المعنى الحقيقي لجهة من الجهات ناشئ عن انّ هذه الجهة هي التي تصدّت لوضع اللفظ بإزاء المعنى، فحينما يتصدى أهل اللغة لوضع لفظ بإزاء معنى معيّن يكون ذلك المعنى بالإضافة لذلك اللفظ حقيقة لغويّة، و هذا هو منشأ اضافة الحقيقة الى الشارع، حيث انّ مدعي ثبوت الحقيقة الشرعيّة يزعم انّ الشارع قد تصدى لوضع بعض الألفاظ لمعان خاصة، و حينئذ تكون لتلك المعاني بالإضافة لتلك الألفاظ حقائق شرعيّة.

فمثلا: حينما يضع الشارع لفظ الصلاة للحركات المخصوصة فإنّ هذه الحركات المخصوصة بالإضافة للفظ الصلاة حقيقة شرعيّة.

و المتحصّل انّ المراد من ثبوت الحقيقة الشرعيّة هو دعوى انّ الشارع قد تصدى لوضع بعض الألفاظ بإزاء معان مخصوصة، و بهذا تكون هذه المعاني بالنسبة لهذه الألفاظ حقائق شرعيّة تتفاوت سعة و ضيقا و تباينا مع الحقائق اللغوية.

و من هنا تظهر الثمرة من هذا البحث، و هي انّ المستظهر من هذه الألفاظ حينما يكون المستعمل لها هو الشارع المستظهر هو المعاني الخاصّة التي وضع الشارع هذه الألفاظ لغرض إفادتها، و هذا بخلاف ما لو كنّا نبني على عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فإنّ المستظهر حينئذ من الألفاظ المستعملة من قبل الشارع هو المعاني اللغويّة إلّا أن تشتمل هذه الألفاظ على قرائن توجب انصرافها الى معان تتناسب مع تلك القرائن.

إلّا انّ المحقّق النائيني (رحمه اللّه) أورد على ثبوت هذه الثمرة بما حاصله: انّ هذه الثمرة و ان كانت مسلّمة كبرويا إلّا انّ ملاحظة الواقع الخارجي يعطي عدم جدوى هذه الثمرة- بمعنى عدم وجود

42

صغرى لهذه الكبرى- و ذلك لإحراز المراد من الالفاظ المستعملة إمّا بواسطة القرائن الخاصة، و امّا بواسطة انّ استعمال عرف المتشرعة لهذه الألفاظ ظاهر في المعاني الشرعيّة، و من هنا لا تكون ثمّة فائدة من هذا البحث.

و بيان ذلك: انّ معظم الألفاظ التي هي محلّ النزاع و التي صدرت عن النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد وصلت الينا بواسطة الأئمة (عليهم السلام)، و لا ريب في تعيّن المعاني الشرعية- من الألفاظ التي هي محلّ النزاع- في زمن الأئمة (عليهم السلام)، إذ انّه مع عدم التسليم بثبوت الحقيقة الشرعيّة فلا ريب في ثبوت الحقيقة المتشرعيّة في زمن الأئمّة (عليهم السلام)، و ذلك لكثرة تداول استعمال هذه الألفاظ في المعاني الشرعيّة دون المعاني اللغويّة.

و كيف كان فقد استدلّ صاحب الكفاية (رحمه اللّه) على ثبوت الحقيقة الشرعيّة بتبادر المعاني الشرعيّة من الفاظها، و هو علامة الحقيقة، إذ انّنا نجد انّ المنسبق عند اطلاق الشارع لهذه الألفاظ هو المعاني الشرعيّة، و هذا ما يعبّر عن انّ استعمالها في المعاني الشرعيّة استعمال فيما وضعت له.

و يمكن تأييد هذه الدعوى بملاحظة اتّفاق عدم وجود علاقة و تناسب بين المعنى الشرعي و المعنى اللغوي، فلو كان هناك تناسب لأمكن أن يقال انّ المبرّر لانسباق و تبادر المعاني الشرعيّة من ألفاظها هو التناسب بين المعاني اللغويّة و المعاني الشرعيّة.

هذا و لم يستبعد السيد الخوئي (رحمه اللّه) ثبوت الحقيقة الشرعيّة بل ادّعى الاطمئنان بثبوتها و انّ ذلك تمّ بواسطة الوضع التعيّني و الذي ينشأ عن كثرة الاستعمال.

*** 298- الحقيقة المتشرعيّة

و المقصود من الحقيقة المتشرعيّة هو انّ الألفاظ الخاصة المستعملة في المعاني المخترعة من قبل الشارع ألفاظ مستعملة في عصر الأئمة (عليهم السلام) في المعاني‏

43

الشرعيّة بنحو الاستعمال الحقيقي.

فالفرق بين الحقيقة الشرعيّة و الحقيقيّة المتشرعيّة هو ان دعوى ثبوت الحقيقة الشرعيّة تعني انّ هذه الألفاظ وضعت بإزاء المعاني الشرعيّة في عصر النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمّا الحقيقة المتشرعيّة فهي عبارة عن ثبوت هذه الأوضاع في عصر الأئمّة (عليهم السلام).

و الظاهر انّه لم يقع اشكال في ثبوت الحقيقية المتشرعيّة، فالمستشكل في ثبوت الحقائق الشرعيّة لا يستشكل في ثبوت الحقائق المتشرعيّة، و ذلك لأنّ كثرة تداول هذه الألفاظ و استعمالها في المعاني الشرعيّة في عصر المتشرعة صيّر منها حقائق في تلك المعاني.

*** 299- الحكم الإنشائي‏

يطلق الحكم الإنشائي على معنيين:

المعنى الأوّل: هو الحكم الصادر بداعي الامتحان أو التخويف أو التعجيز، أو قل هو الحكم الصادر لغير داعي البعث و الزجر.

و الحكم الإنشائي بهذا المعنى ليس حكما شرعيا حقيقة، إذ انّ الحكم الشرعي هو ما يترتّب عليه الأثر الشرعي لو اتّفق بلوغه مرتبة الفعليّة.

المعنى الثاني: هو الحكم المجعول على موضوعه المقدّر الوجود، و هو المعبّر عنه بالحكم بمرتبة الجعل، و ذلك في مقابل الحكم بمرتبة المجعول المعبّر عنه بالحكم الفعلي.

و الحكم الإنشائي بهذا المعنى يكون بداعي ابراز الاعتبار الشرعي الموجب لترتّب أو ترتيب الأثر المناسب لنحو المعتبر، إذ قد يكون المعتبر الشرعي حكما تكليفيّا و قد يكون حكما وضعيا، و اقتضاؤه لترتّب الأثر ليس تاما بل انّ ترتّب الأثر منوط بالإضافة الى أصل الجعل ببلوغ الحكم مرتبة الفعليّة، و ذلك بتحقّق الموضوع المقدّر الوجود خارجا.

44

و الحكم الإنشائي بهذا المعنى هو الذي ينشأ عن ملاك في متعلقه، فحينما يقال: انّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها يكون المقصود من الأحكام هو الأحكام الإنشائيّة، و قد أوضحنا كلّ ذلك تحت عنواني «الجعل الشرعي» و «شرائط الجعل و المجعول».

*** 300- الحكم الأولي‏

المراد من الحكم الأولي هو ما يثبت لموضوعه ابتداء و بقطع النظر عمّا يطرأ على الموضوع من عوارض تقتضي تبدّل الحكم الأولي بنحو يتناسب مع العنوان الطارئ على الموضوع، فأكل الميتة- و بقطع النظر عن الاضطرار الى أكلها- حرام، كما انّ الطهارة المائيّة- و بقطع النظر عن الحرج و الضرر- شرط في صحّة الصلاة، كما انّ الزواج- و بقطع النظر عن خوف الوقوع في المعصية- مستحبّ، و هكذا.

و لعلّ منشأ التعبير عن هذا النحو من الأحكام الواقعيّة بالحكم الاولي هو انّه يثبت لموضوعه أوّلا و بالذات، و يكون ثبوت حكم آخر لذات الموضوع منوطا بعروض عنوان اضافي عليه. و بهذا يقع التمييز بين تبدل الحكم الاولي الى حكم ثانوي و بين تفاوت الاحكام بتفاوت موضوعاتها.

فإنّ الاول معناه ثبوت الحكم لموضوعه ابتداء و بقطع النظر عمّا يطرؤه من عناوين و مع طرو العنوان يتبدل الحكم الاولي الى حكم يتناسب مع العنوان الطارئ، و هذا ما يعني انّ العلاقة بين الحكمين طوليّة.

و أمّا الثاني فليس كذلك، إذ ليس بينهما طوليّة و انّما هي أحكام تتفاوت بتفاوت القيود و الحيثيّات المقرّرة من قبل الشارع، فهي أحكام واقعيّة أوليّة ثابتة لموضوعاتها ابتداء و في عرض واحد، و تباينها ناشئ عن تباين الحيثيّات و القيود الملحوظة حين جعل الحكم لموضوعه المقدّر الوجود.

فالعصير العنبي غير المغلي حلال‏

45

و المغلي منه اذا لم يذهب ثلثاه حرام، و الميت المسلم يجب تجهيزه و الصلاة عليه، و أمّا الميت الكافر فلا يجب تجهيزه و الصلاة عليه، و هكذا.

*** 301- الحكم التكليفي‏

و هو الاعتبار الشرعي المتّصل بفعل المكلّف ابتداء، كاعتبار الوجوب و الحرمة على عهدة المكلّف، فالوجوب يحرّك المكلّف ابتداء نحو متعلّقه، كما انّ الحرمة تمنع المكلّف- و تحرمه من ارتكاب الفعل الواقع متعلقا لها- ابتداء.

و المتحصّل انّ كلّ اعتبار شرعي له توجيه مباشر للمكلّف فهو حكم تكليفي سواء كان ذلك الحكم إلزاميا كالوجوب و الحرمة أو لم يكن إلزاميا كالاستحباب و الكراهة و الإباحة، إذ انّها جميعا تشترك في انّها تتّصل بفعل المكلّف بخلاف الحكم الوضعي كما سيتّضح ذلك إن شاء اللّه تعالى.

نعم اطلاق عنوان التكليف على مثل «الإباحة» مجرّد اصطلاح، لأنّ عنوان التكليف يستبطن معنى الكلفة و المشقّة، و ليس في الإباحة ما يقتضي ذلك، إذ انّ المكلف في موردها مخير بين الفعل و الترك، بل قد يدعى ذلك في الاستحباب و الكراهة أيضا إلّا انّه قد ذكرنا تحت عنوان «التكليف» وجه المناسبة في اطلاق عنوان التكليف على المستحبّ و المكروه.

و الأمر سهل بعد ان كان ذلك مجرّد اصطلاح، و لا مشاحة في الاصطلاح.

هذا و قد ذكر للحكم التكليفي تعريفات اخرى أقربها لما ذكرناه هو ما ذكره بعض الأعلام من انّ الحكم التكليفي عبارة عن «الاعتبار الصادر من المولى من حيث الاقتضاء أو التخيير».

و المقصود من الاقتضاء هو الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة، إذ هي التي تقتضي الانبعاث أو الانزجار عن الفعل.

و المقصود من التخيير هو الاباحة بالمعنى الأخصّ.

46

على انّه يمكن أن يراد من التخيير ما يشمل الاستحباب و الكراهة، لأنّ المكلّف في سعة من جهة فعل أو ترك متعلّقهما.

*** 302- الحكم الثانوي‏

و هو الحكم الواقعي الذي يثبت لموضوعه بسبب طروء بعض العوارض المقتضية لحمل هذا النحو من الحكم عليه و لو لا طروء هذه العوارض لكان الموضوع مقتضيا لحكم آخر هو المعبّر عنه بالحكم الاولي.

فأكل لحم الميتة بقطع النظر عن الطوارئ و العوارض يقتضي بنفسه ثبوت الحرمة له إلّا انّه و بسبب طروء حالة الاضطرار لأكلها يتبدل الحكم الثابت لأكل الميتة الى حكم آخر يتناسب مع الحالة الطارئة، هذا الحكم الذي ثبت للموضوع بسبب ما طرأ عليه من عنوان هو الذي يعبّر عنه بالحكم الثانوي.

و حتى يتميّز الحكم الثانوي عن الحكم الذي يثبت لموضوعه بشرط اكتنافه ببعض القيود نقول: انّ طبع القيود المعتبر تواجدها في ترتب الحكم الاولي على موضوعه تكون من سنخ الحيثيّات التقييديّة، بمعنى انّ الحكم من أوّل الأمر ثابت لموضوعه المركّب منه و من قيوده، و هذا بخلاف ما يعتبر في ترتّب الحكم الثانوي على موضوعه فإنّ طبع القيود معه تكون من سنخ الحيثيّات التعليليّة، بمعنى انّ الموضوع بنفسه يقتضي حكما خاصا إلّا انّ العوارض تكون بمثابة المانع عن ان يؤثر مقتضي الحكم- و هو الموضوع- أثره، كما انّها تكون بمثابة العلّة لعروض حكم آخر للموضوع لا يقتضيه نفس الموضوع.

ثمّ انّ في المقام أمرا لا بدّ من التنبيه عليه و هو انّ الحكم الثانوي لا يلزم أن يكون بنحو الرخصة و الإباحة فقد يكون كذلك و قد لا يكون، و ذلك تابع لما يقتضيه العنوان الطارئ، فقد يقتضي الإباحة و قد يقتضي الوجوب‏

47

كما قد يقتضي الحرمة، فالحكم الثانوي لا يساوق الحكم الاضطراري.

و بهذا التقسيم للحكم الواقعي تتجلّى المرونة في الشريعة الإسلاميّة و ان عوامل الزمان و المكان و الطوارئ غير المنتظرة لم تخلّ عن معالجة الشريعة لها إلّا انّ ذلك لا يبرّر تحكّم الأهواء و الرؤى الضيّقة بل لا بدّ من الجري على وفق الاطر و الضوابط المقرّرة من قبل الشريعة و المستفادة من منابعها المعتبرة و التي هي القرآن الكريم و السنّة الشريفة و هدي أهل البيت (عليهم السلام)، و أيّ فهم للإسلام لا يتّصل بهذه المنابع لا يصحّ اعتماده و التعويل عليه في مقام التعرّف على الحكم الشرعي.

على انّ الوصول للنتائج الشرعيّة من منابعها لا يتيسّر لكلّ أحد إلّا أن يتوفّر على آليّة الدخول لمصادر التشريع بنحو تام، و هذا ما يقتضي التمحض لهذه المهمّة كما هو شأن كلّ فن من فنون العلم، و تشتد الحاجة لذلك في علم الشريعة، و ذلك لتشعّب مباحثة و دقّتها و افتقاره لعنصر لا يكون معتبرا في سائر العلوم و هو الإخلاص للّه جلّ و علا و مراقبته و التجافي عن الدنيا و الرغبة في رضوان اللّه تعالى و الخشية الدائمة من سخطه بل و من معاتبته.

*** 303- الحكم الشرعي‏

هو الاعتبار الشرعي المجعول من قبل المولى جلّ و على و هو يتناسب دائما مع ما يقتضيه الملاك في نفس الأمر و الواقع.

فهو إذن نحو من الافعال الاختياريّة، غايته انّه لا ينشأ جزافا بل ينشأ عن ملاكات و مبادئ تقتضي هذا النحو من الاعتبار.

و بهذا يتّضح انّ الحكم الشرعي ليس هو الإنشاء و الخطاب كما انّه ليس من قبيل الإرادة و الكراهة و لا هو من قبيل المصلحة و المفسدة، إذ انّ الاول ليس أكثر من ابراز الاعتبار

48

النفساني، و واضح انّ الاعتبار قد يكون متقرّرا في نفس الأمر دون أن يكون مبرزا، فالإنشاء ليس هو الحكم كما انّه ليس جزءه المقوم.

و أمّا الثاني فهو يمثّل مبادئ الحكم و عليه يكون الحكم متأخرا عنها و لو رتبة، و دعوى انّ التعرّف على الملاك- لو اتّفق- يقتضي ثبوت العهدة على المكلّف ممّا يعبّر عن انّ الحكم ليس أكثر من الملاك التام، غايته انّ معرفة الملاكات يتمّ غالبا بواسطة الشارع المقدّس.

هذه الدعوى لو تمّت فإنّها لا تعبّر عن انّ الملاك التامّ هو عينه الحكم الشرعي و انّما تعبّر عن انّ الملاك التام يكشف بطريق الإن عن وجود الاعتبار الشرعي و كيف كان فالحكم الشرعي ينقسم الى قسمين، الأوّل يعبّر عنه بالحكم التكليفي، و الآخر يعبّر عنه بالحكم الوضعي، و سيأتي ايضاح المراد منهما تحت عنوانيهما إن شاء اللّه تعالى.

*** 304- الحكم الظاهري‏

و قد ذكر له اصطلاحان:

الأوّل: هو الحكم الذي اخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي، و بهذا يتمحّض الحكم الظاهري في الاصول العمليّة، إذ هي التي اعتبر في جريانها الشك في الحكم الواقعي، فموضوع البراءة الشرعيّة مثلا هو الشك في التكليف المتوجّه للمكلّف واقعا تجاه هذه الواقعة أو تلك، و هكذا سائر الاصول العمليّة فإنّها جميعا قد أخذ في موضوعاتها الشك في الحكم الواقعي.

الثاني: هو الحكم المجعول في ظرف الجهل بالحكم الواقعي بقطع النظر عن أخذ الجهل و الشك في الحكم الواقعي موضوعا في الحكم أو عدم أخذه في موضوعه.

و بهذا تكون تمام الأحكام المستفادة بواسطة الأدلّة الاجتهاديّة و المستفادة بواسطة الأدلّة الفقاهتيّة أحكاما ظاهريّة، و ذلك لأنّ الاحكام‏

49

المدلول عليها بالأدلّة الاجتهاديّة، و ان لم يؤخذ في موضوعها الشكّ في الحكم الواقعي إلّا انّها مجعولة في ظرف الشك في الحكم الواقعي، بمعنى انّ مدلول الدليل الاجتهادي لا يصحّ اللجوء اليه و التعبّد به إلّا في ظرف الجهل بالحكم الواقعي، أمّا في ظرف العلم بالحكم الواقعي فإنّ الحكم المفاد بواسطة الدليل الاجتهادي ليس بحجّة.

و المتحصّل انّ الحكم الظاهري- بناء على هذا المعنى- هو كلّ حكم اخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي أو كان مورده الشك و الجهل بالحكم الواقعي.

*** 305- الحكم العدمي‏

قد يطلق الحكم العدمي و يراد منه الحكم الذي يكون متعلّقه أمرا عدميّا، و ذلك في مقابل الحكم الوجودي و الذي يكون متعلّقه أمرا وجوديّا.

و مثال الأوّل الحكم بعدم الضمان و الحكم بعدم اعتصام الماء القليل.

و مثال الثاني الحكم بحرمة شرب الخمر و الحكم باعتصام الماء الكثير و الحكم بوجوب الصلاة.

و لا إشكال في صحّة الجعل في القسم الثاني كما لا إشكال في صحّته في القسم الأوّل لأنّ مفاد الحكم العدمي بهذا المعنى هو اعتبار سلب الأثر المنتظر عن وجود الشي‏ء، فمعنى الحكم بعدم الضمان لما أتلفه المكلّف عن غير قصد مثلا هو اعتبار الاتلاف غير موجب للأثر المنتظر (الضمان) و هو أمر ممكن، فكما أنّ لمن له حقّ الاعتبار أن يعتبر شيئا موجبا لأثر معيّن فإنّ له أن يعتبر شيئا غير موجب لأثر معيّن، إذ أنّه إذا صحّ له اعتبار شي‏ء أثرا لشي‏ء صحّ له أن يعتبر عدم ترتّب الأثر المعيّن عن وجود شي‏ء.

و قد يطلق الحكم العدمي و يراد منه عدم الحكم بمفاد ليس التامّة، و ذلك في مقابل إيجاد الحكم بمفاد كان التامّة، فالفرق بين الحكم العدمي بالمعنى الأوّل و الحكم العدمي بهذا

50

المعنى أنّه في المعنى الأوّل مفاده الحكم بالعدم و أمّا في المعنى الثاني فمفاده عدم الحكم أي عدم جعل الحكم.

و يمكن أن نمثّل له بعدم جعل القصاص على المخطئ، و بعدم جعل الزكاة على الفقير، و بعدم جعل الخمس في الميراث، و هكذا.

هذا و قد وقع الخلاف بين الأعلام في الأحكام العدميّة من جهة أنّها أحكام مجعولة أو لا، فقد ذهب المحقّق النائيني (رحمه اللّه) إلى أنّها ليست من الأحكام المجعولة، و ذلك لأنّ عدم الحكم ليس حكما مجعولا.

إلّا أنّ السيّد الخوئي (رحمه اللّه) يرى بأنّ الأحكام العدميّة بالمعنى الثاني يمكن أن تطالها يد الجعل و ذلك لأنّ عدم الجعل في موضع قابل للجعل يساوق جعل العدم أي يساوق الحكم بجعل العدم، فالأحكام العدميّة بالمعنى الثاني مآلها للأحكام العدميّة بالمعنى الأوّل.

فحينما لا يجعل المولى القصاص على المخطئ- رغم قابليّة ذلك للجعل- فإنّ ذلك معناه جعل عدم القصاص و هكذا حينما لا يجعل الخمس في الميراث فإنّ معنى ذلك هو جعل عدم الخمس في الميراث.

*** 306- الحكم المقابل للفتوى‏

المراد من الفتوى هي بيان الفقيه للحكم الكلّي بنحو القضيّة الحقيقيّة، بحيث يكون الفقيه معها متصدّيا لتعيين الحكم المجعول من قبل الشريعة على موضوعه و متعلّقه دون أن يكون له نظر الى موارد تطبيقه، فيكون تحديد موارد التطبيق من شئون المقلّد لا من شئون المفتي.

و عليه لو اختلف في مورد و انّه من موارد تطبيق الفتوى أولا فإنّ المتعيّن هو نظر المقلّد لا نظر المفتي.

و أمّا الحكم المقابل للفتوى فهو بمعنى تصدّي الفقيه لإنشاء حكم جزئي في واقعة شخصيّة، على أن تكون تلك الواقعة من سنخ أحد امور ثلاثة:

51

الاول: أن تكون من قبيل الخصومات و المنازعات الشخصيّة.

الثاني: أن لا تكون موردا للخصومات الشخصيّة إلّا انّها عادة ما تكون موردا لاشتباه الناس و حيرتهم، و ذلك لصعوبة تشخيص تلك الواقعة من حيث الثبوت و عدمه و ان كان الحكم الكلّي المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة مشخصا و واضحا.

و مثال هذا النحو من الوقائع الشخصيّة هو ثبوت الهلال أو انّ الخطر المحدق بالمسلمين من سنخ الاخطار المهدّدة لبيضة الإسلام.

الثالث: أن تكون من الوقائع التي جعل الشارع صلاحيّة البتّ فيها بيد الحاكم الشرعي، كتحديد نوع التعزير و كمّيّته في بعض الموارد.

ففي هذا النحو من الوقائع اذا تصدّى الفقيه لتشخيص الموضوع و جعل الحكم- المناسب بنظره- عليه يكون هذا الحكم جزئيا أي مختصا بالواقعة التي تمّ تشخيصها من قبله، فيكون أشبه بالحكم في القضايا الخارجيّة لا يمكن التعدّي منها الى ما يماثلها.

و يعبّر عن الحكم الجزئي إذا كان موضوعه من قبيل الخصومات و المنازعات الشخصيّة بالقضاء و فصل الخصومة. كما يعبّر عن الحكم إذا كان موضوعه من قبيل الوقائع التي جعل الشارع صلاحيّة البتّ فيها بيد الحاكم الشرعي يعبّر عنه بالحكم الابتدائي.

و أمّا إذا كان الموضوع من قبيل القسم الثاني من الوقائع فإنّ الفقيه في موردها لا يكون له عادة سوى دور البتّ في ثبوت الموضوع أو انتفائه، و معه يترتّب الحكم الكلّي الثابت، فالحكم بثبوت الهلال ليس حكما شرعيّا جزئيا أو كليّا و إنّما هو حكم بثبوت موضوع خارجي يترتّب على ثبوته مجموعة من الأحكام الكليّة.

و هذا بخلاف الحكم في القسم الأوّل و الثالث، فإنّ القاضي في القسم الاول يحكم بأن حق الميراث شرعا لزيد دون عمرو و انّ هذه الزوجة و التي هي ذات ولد ترث من العقار،

52

و هكذا في القسم الثالث فإن الحاكم الشرعي يحكم بأنّ هذا العاصي يستحقّ هذا النوع من التعزير.

ثمّ انّه لا ريب في نفوذ حكم القاضي على المتخاصمين حتى و ان كان حكمه يتنافى مع فتوى من حكم عليه، كما انّ المشهور هو نفوذ حكم الحاكم في القسم الثاني حتى على غير مقلديه، إذا لم يعلم خطأ مدركه الذي اعتمد عليه، و أمّا القسم الثالث فهو منوط بتحرير سعة الولاية المجعولة من قبل الشارع للفقيه.

*** 307- الحكم الواقعي‏

و قد ذكر للحكم الواقعي معنيان:

المعنى الأوّل: هو انّه عبارة عن الحكم الشرعي المجعول على موضوعه ابتداء، بمعنى عدم افتراض الشك في حكم آخر للموضوع، كما انّ الشك لم يؤخذ جزء لموضوع الحكم.

فبالقيد الأوّل تخرج الأحكام المستفادة بواسطة الأمارات، إذ انّ الحكم المستفاد منها قد افترض في مورده الشك في الحكم الواقعي، و بالقيد الثاني تخرج الاصول العمليّة، لأنّه قد اخذ في موضوعها الشك في الحكم الواقعي.

و بهذا يتّضح انّ الحكم الواقعي هو عبارة عن الحكم الثابت لموضوعه في نفس الأمر و الواقع دون أن يكون للشك في حكم آخر للموضوع أي نحو من أنحاء الدخل في ثبوت الحكم لموضوعه بل انّ الموضوع بنفسه لما كان واجدا للملاك التام المتناسب مع الحكم اقتضى ذلك ان يعتبر الشارع الحكم على الموضوع.

فالمولى مثلا حينما يلحظ فعلا من أفعال المكلّفين مشتملا على مصلحة تامّة فإنّه يجعل له الوجوب باعتبار انّ ذلك الفعل مشتمل على تلك المصلحة التامّة، و ليس هناك واسطة لثبوت الحكم لموضوعه غير أهلية ذلك الموضوع لأن يجعل عليه الوجوب.

المعنى الثاني: هو عبارة عن الحكم الشرعي الذي لم يؤخذ في‏

53

موضوعه الشك في الحكم الواقعي، فكلّ حكم ثبت لموضوعه دون أن يكون الشك في الحكم الواقعي جزء لذلك الموضوع فهو حكم واقعي، سواء افترض في مورده الشك كما في الاحكام المستفادة بواسطة الأمارات أو لم يفترض كما في الاحكام المستفادة بواسطة الأدلّة القطعيّة.

و بهذا تخرج الاصول العمليّة، لأنّها جميعا قد اخذ في موضوعها الشك في الحكم الواقعي، فالبراءة مثلا موضوعها الجهل بالحكم الواقعي.

و قد ذكر بيان آخر للمعنى الثاني و هو انّه كلّما كان الحكم ثابتا بواسطة الدليل القطعي أو الدليل الاجتهادي فهو حكم واقعي إلّا انّ ما ذكرناه أدقّ من هذا البيان.

*** 308- الحكم الوضعي‏

قلنا انّ الحكم الشرعي اعتبار مولوي يتناسب مع ما يقتضيه الملاك في نفس الأمر و الواقع، و انّه ينقسم الى حكم تكليفي و حكم وضعي، أمّا الحكم التكليفي فهو ما يتّصل بأفعال المكلّفين مباشرة و ابتداء على وجه الاقتضاء أو التخيير.

و منه يتّضح المراد من الحكم الوضعي، فكلّ حكم لا يتّصل بأفعال المكلّفين ابتداء فهو حكم وضعي، إذن فالحكم الوضعي لا يختلف عن الحكم التكليفي من جهة انّه اعتبار شرعي يتناسب مع ما يقتضيه الملاك في نفس الأمر و الواقع و انّما يختلف عنه من جهة عدم اتّصاله بأفعال المكلّفين ابتداء على وجه الاقتضاء أو التخيير.

فكلّ اعتبار شرعي ليس من سنخ الأحكام التكليفيّة فهو حكم وضعي، و ذلك من قبيل الصّحة و الفساد و الجزئيّة و الشرطيّة و الزوجيّة و الملكيّة و الطهارة.

و هذا المقدار لا إشكال فيه و إنّما الإشكال من جهة انّ الحكم الوضعي مجعول بنحو الاستقلال كما هو الحال في جعل الوجوب و الحرمة أو انّه منتزع من الحكم التكليفي أو انّ‏

54

الصحيح هو التفصيل، أي انّ بعض الأحكام الوضعيّة مجعول استقلالا و بعضها منتزع عن الأحكام التكليفيّة. و هناك مبنى آخر تبنّاه صاحب الكفاية (رحمه اللّه).

و نكتفي في المقام بتصوير المباني الأربعة:

المبنى الاوّل: و لعلّه المبنى المشهور كما يظهر من عبائر الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه)، و حاصله: انّ المشرع لاحظ حكما لا يتّصل بفعل المكلّف بنحو الاقتضاء أو التخيير و قدّر لهذا الحكم موضوعا ثمّ جعل ذلك الحكم و بنحو الاستقلال على موضوعه المقدّر، فلم يكن ذلك الحكم منتزعا عن حكم تكليفي.

فلو كانت جميع الأحكام الوضعيّة مجعولة بهذا النحو من الجعل لكان ذلك مصحّحا لدعوى انّ الأحكام الوضعيّة كالأحكام التكليفيّة من جهة انّ جعلها تم بواسطة الشارع ابتداء و استقلالا، بمعنى انّ الشارع لاحظ الحكم الوضعي و ما يترتّب عليه من آثار ثمّ جعله ابتداء على موضوعه المقدّر الوجود كما هو الشأن في جعل الأحكام التكليفيّة على موضوعاتها المقدّرة الوجود.

فالزوجيّة مثلا من المعتبرات الشرعيّة الوضعيّة التي تمّ جعلها بواسطة الشارع استقلالا، بمعنى انّ الشارع جعل الزوجيّة عند اتّفاق تحقّق موضوعها خارجا، فهي و ان كانت مستلزمة شرعا لمجموعة من الآثار و الأحكام التكليفيّة إلّا انّ الملحوظ أولا و بالذات هو الزوجيّة، و الاعتبار انّما انصبّ عليها ابتداء، و ترتب الآثار و الأحكام التكليفيّة عليها انّما هو من باب ترتب الأحكام على موضوعاتها، فالزوجيّة بعد جعلها و اعتبارها تصبح موضوعا لمجموعة من الآثار و الأحكام، فالزوجيّة إذن ليست بمعنى وجوب التمكين على الزوجة و وجوب النفقة على الزوج بل انّ الزوجيّة تعني جعل العلقة الخاصة من قبل الشارع استقلالا عند ما يتّفق تحقّق موضوعها