عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - ج4

- محمد محمد أمين المزيد...
659 /
5

المجلد الرابع‏

تنويه‏

يود المحقق أن يوجه الشكر إلى أعضاء لجنة التاريخ بمركز تحقيق التراث الذين قاموا بمراجعة تجارب المطبعة، و إعداد كشافات الكتاب و هم:

1-السيدة/نجوى مصطفى كامل.

2-السيد/على صالح حافظ.

3-السيد/عوض عبد الحليم حسن.

4-السيدة/لبيبة إبراهيم مصطفى.

6

-

7

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة و التسعين بعد الستمائة

____________

*

استهلت و الخليفة: الحاكم بأمر اللّه‏ (1) العباسى.

و سلطان البلاد المصرية و الشامية و ما يتبعها من الممالك: الملك الناصر محمد (2) بن قلاوون، و نائبه بمصر: سيف الدين سلار (3) ، و نائب الشام: جمال الدين أقوش‏ (4) الأفرم، و نائب حلب: سيف الدين بلبان‏ (5) الطباخى.

و استهلت هذه السنة و السلطان مسافر إلى جهة الشام كما ذكرنا (6) ، فإنه خرج بعساكره من القاهرة فى الرابع و العشرين من ذى الحجة من السنة الماضية، و لما

____________

(*) يوافق أولها يوم الإثنين 28 سبتمبر 1299 م.

(1) هو: أحمد بن محمد بن الحسن بن أبى بكر، الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبو العباس، و المتوفى سنة 701 هـ/1301 م-المنهل الصافى جـ 2 ص 29 رقم 253، و انظر ما سبق بالجزء الأول من هذا الكتاب ص 346 و ما بعدها، و انظر ما يلى فى وفيات سنة 701 هـ.

(2) توفى فى ذى الحجة سنة 741 هـ/1340 م-المنهل الصافى.

(3) هو: سلار بن عبد اللّه المنصورى، قتل فى جمادى الأولى سنة 710 هـ/1310 م-المنهل الصافى جـ 6 رقم 1073.

(4) هو: أقوش بن عبد اللّه المنصورى قلاوون الأفرم، الدوادار، نائب دمشق، مات بهمذان سنة 720 هـ/1320 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 9 رقم 511.

(5) هو: بلبان بن عبد اللّه الطباخى المنصورى قلاوون، توفى سنة 700 هـ/1300 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 422 رقم 699، و انظر ما يلى فى وفيات سنة 700 هـ.

(6) انظر ما سبق بالجزء الثالث من هذا الكتاب ص 461.

8

وصل إلى غزة أقام عليها مقدار شهرين لأجل التجهيز و التهيؤ (1) للتتار (2) ، و قد ذكرنا ما جرى من أمور الأويراتية و العسكر مع السلطان على غزة، و كانت قضيتهم على منزلة تل العجول كما ذكرنا (3) ، ثم رحل السلطان و نزل على عسقلان، ثم رحل من عسقلان متوجها إلى الشام، و دخل دمشق يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول من هذه السنة، و نزل بالقلعة.

و كان يوم دخوله مطر شديد و وحل كثير، ثم شرع فى الإنفاق على العساكر و الخروج إلى لقاء التتار.

و فى يوم السبت ثانى يوم دخول السلطان دمشق، ورد[193]جمال كثيرة و قفول و خلق كثير، أولا فأولا، جافلين من أخبار التتار. و ورد مملوك نائب حلب و نائب طرابلس و صاحب حماة و أخبروا (4) بقدوم العدوّ. و أنه وصل إلى شاطئ الفرات، و أخبروا أنهم فى عسكر عظيم، و لما تحققوا ذلك اتفق رأيهم على النفقة فى العسكر، و دارت النقباء و عرّفوا سائر الأمراء و الأجناد. و أصبحوا جالسين فى الميدان، و شرعوا فى تفريق النفقات، و سيروا لكل أمير مقدّم ألف نفقة مضافية و كان كل واحد منهم يطلب مضافية و يفرق عليهم ما أرسلوه إليه من النفقة، و كان لكل جندى منهم ثلاثين‏[أو] (5) أربعين دينارا مصرية (6) . و كان واحد منهم

____________

(1) «و التهياء» فى الأصل.

(2) عن سبب خروج التتار، انظر ما سبق بالجزء الثالث من هذا الكتاب ص 461.

(3) انظر ما سبق بالجزء الثالث من هذا الكتاب ص 462 و ما بعدها.

(4) هكذا بالأصل «و قدم البريد من حلب و غيرها» فى السلوك جـ 1 ص 885.

(5) [و]فى الأصل، و الإضافة تتفق مع السياق.

(6) «لكل فارس ما بين ثلاثين دينارا و أربعين دينارا» فى السلوك جـ 1 ص 885.

9

يأخذ النفقة من يده و يقلبها و يقول: إش‏ (1) أشترى اليوم بهذا؟، فو اللّه لأخليها حتى يأخذها التتار. فإن الأشياء من سائر الأصناف تحسنت و غلت جدّا خصوصا الدواب و آلات الحرب، و كان الجندى منهم يقول: إش بقى إما ثلاثة أيام أو أربعة أيام؟، فنحن أحق بالذى نشترى به، و منهم من كان يقول: لعن اللّه من ينظر إلى فرجة العدو، فوقع فى نفوس الناس الخذلان و الانكسار سلفا و تعجيلا (2) .

ذكر خروج السلطان الناصر من دمشق بعساكره إلى لقاء قازان‏ (3) :

ثم خرج السلطان بجيش من دمشق‏ (4) يوم الأحد السابع عشر من ربيع الأول من هذه السنة، و لم يتخلف أحد من الجيوش، و خرج خلق كثير من المطوعة. و لما وصلوا إلى حمص ضربوا الدهليز (5) بها، و شرعوا يرسلون إلى العرب و يخبروهم بمجى‏ء العدوّ (6) . و شرعت الناس يتلقطون نصرة العدو على المسلمين، و اشتهر ذلك بينهم،

____________

(1) هكذا بالأصل. و المقصود: ما أو ما ذا؟.

(2) «لكثرة ما أجرى اللّه على الألسنة بكسرة العسكر، و لتمكن بعض الجند فى الأمراء البرجية» -السلوك جـ 1 ص 885.

(3) هو: قازان، و قيل غازان، و قيل محمود، ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو، توفى سنة 703 هـ/1303 م-المنهل الصافى، و انظر ما يلى فى وفيات سنة 703 هـ.

(4) «بعساكر مصر» فى السلوك جـ 1 ص 886.

و «خرج الركاب الشريف من دمشق» -فى كنز الدرر جـ 9 ص 15.

(5) الدهليز: الخيمة التى ترافق السلطان فى الحرب، و هى خيمة قائمة بذاتها ليس بجوانبها خيم صغيرة كالتى تقام عادة لتجهيز حاجات السلطان وقت السلم- yzzoD .

(6) «و بعث العربان لكشف الأخبار» فى السلوك جـ 1 ص 886.

10

فوقع الجفل‏ (1) و الخوف فيهم حتى أن المقدم الذى كان مضافيه خمسين نفسا أو أربعين يفتقدهم فيجدهم إذا كثروا قدر عشرين أو خمسة و عشرين، فصار رجال الحلقة (2) يقول بعضهم لبعض: يا فلان من أش تنفع هذا وقت الغيبة خلّ البرجيّة الذين يأكلون مصر يقاتلون العدو.

ثم تواترت الأخبار بأن التتار و صلوا إلى وادى الخزندار عند سلمية، فسارت العساكر إليهم ليهجموا عليهم، و قطعوا ثلاث مراحل فى مرحلة واحدة، فلما أشرفوا على مجمع المروج‏ (3) ركب التتار و طلّبوا، و كان قازان فيهم و صحبته الأمراء المتوجهون إليه‏ (4) و هم: سيف الدين قبجق‏ (5) ، و سيف الدين بكتمر (6) السلاح دار، و فارس الدين ألبكى‏ (7) الظاهرى، و سيف الدين عزاز الصالحى.

____________

(1) جفل: نفر و شرد، انجفل القوم: هربوا مسرعين-لسان العرب.

(2) رجال الحلقة-أجناد الحلقة: تمثل هذه الفئة عماد الجيش المملوكى و قلبه، و تتكون من العناصر المحترفة من مماليك السلاطين السابقين و أولادهم، و هم أقرب الفئات إلى الجيش النظامى فى العصر الحديث على اعتبار أنهم جيش الدولة الذى لا يتغير بتغير السلطان-انظر المواعظ و الاعتبار جـ 2 ص 215 و ما بعدها.

(3) فى وادى الخازندار، و هو فيما بين حمص و حماة-السلوك جـ 1 ص 886 هامش (3) .

(4) انظر ما سبق بالجزء الثالث من هذا الكتاب ص 388-389.

(5) هو: قبجق بن عبد اللّه المنصورى، الأمير سيف الدين، توفى سنة 710 هـ/1310 م- المنهل الصافى.

(6) هو: بكتمر بن عبد اللّه السلاح دار، الأمير سيف الدين، توفى سنة 703 هـ/1303 م -انظر ما يلى فى وفيات سنة 703 هـ.

(7) هو: ألبكى بن عبد اللّه الظاهرى، الأمير فارس الدين، توفى سنة 702 هـ/1302 م- انظر ما يلى فى وفيات سنة 702 هـ.

11

و لما أشرفوا على طلائع العدوّ نادت الحجاب و النقباء بين العسكر بأن يرموا رماحهم و يعتمدوا على الضّرب بالسيوف‏ (1) ، و كان هذا من سوء التدبير و علامة الخذلان، فرمى جميع العسكر ما بأيديهم من الرماح إلى الأرض فحصل للخيل ضرر كثير منها لمصادمة حوافرها على أسنة الرماح و هى مطروحة على الأرض، و كان كل سنان منها يساوى مائة درهم إلى خمسين درهما، فنظروا إلى التتار و قد ملأوا الأرض.

ثم شرعت الأمراء و الحجاب فى ترتيب الجيش، و رتبوا فى رأس الميمنة الأمير شرف الدين عيسى‏ (2) بن مهنى و أخاه فضلا، و معهما آل مرا و آل علىّ و آل كلب و جميع العربان، و نائب حلب و نائب حماة بعساكرهما (3) ، و فى الميسرة بدر الدين بكتاش‏ (4) [194]الفخرى، و الأمير جمال الدين قتّال السبع‏ (5) ، و الأمير علم الدين

____________

(1) «و اعتمدوا على ضرب السيف و الديوس» -فى السلوك جـ 1 ص 886.

(2) هكذا فى الأصل، و كذلك فى السلوك جـ 1 ص 886.

و من المعروف أن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا توفى سنة 683 هـ/1284 م، و تولى مكانه ولده الأكبر حسام الدين مهنا-انظر ما سبق بالجزء الثانى من هذا الكتاب ص 336.

و توفى مهنا بن عيسى بن مهنا، أمير آل فضل سنة 735 هـ/1334 م-المنهل الصافى.

(3) «و يليهم الأمير بلبان الطباخى نائب حلب بعساكر حلب و حماة» -فى السلوك جـ 1 ص 886.

(4) هو: بكتاش بن عبد اللّه الفخرى، أمير سلاح، توفى سنة 706 هـ/1306 م- المنهل الصافى جـ 3 ص 385 رقم 675، و انظر ما يلى فى وفيات سنة 706 هـ.

(5) هو: أقوش (أقش) بن عبد اللّه المنصورى قلاوون، الأمير جمال الدين، المعروف بقتال السبغ، توفى سنة 710 هـ/1310 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 26 رقم 517.

12

الدوادارى‏ (1) ، و طغريل‏ (2) الإيغانى، و الحاج كرت‏ (3) نائب طرابلس، و طلب الأمير حسام الدين‏[لاجين‏] (4) الأستادار و فيه الأمراء الطبلخانات من بقية الظاهرية و مضافوها، و فى القلب جمهور العسكر و فيهم سيف الدين سلار، و ركن الدين بيبرس‏ (5) ، و سيف الدين برلغى‏ (6) و مضافوه، و سيف الدين قطلوبك‏ (7) الحاجب و مضافوه، و الأمير عز الدين أيبك‏ (8) الخزندار و مضافوه، و جعلوا الجناحين المماليك

____________

(1) هو: سنجر بن عبد اللّه البرقلى التركى الصالحى، الأمير علم الدين أبو موسى الدرادارى، المتوفى فى رجب سنة 699 هـ/1299 م-المنهل الصافى جـ 6 رقم 1109، و انظر ما يلى فى وفيات السنة.

(2) «طغريل الإتقانى» فى الدرر، و هو تحريف، و فيه توفى سنة 707 هـ-الدرر جـ 2 ص 323 رقم 2029.

و طغريل هذا من مماليك الأمير إيغان بن عبد اللّه الركنى بيبرس، المعروف بسم الموت-انظر المنهل الصافى جـ 3 ص 187 رقم 612.

(3) هو: كرت بن عبد اللّه المنصورى، الذى استشهد فى هذه الوقعة-المنهل الصافى.

(4) []إضافة من السلوك جـ 1 ص 886 للتوضيح. و هو: لاجين الرومى، الأمير حسام الدين، توفى سنة 702 هـ، انظر ما يلى.

(5) هو: بيبرس بن عبد اللّه المنصورى قلاوون الجاشنگير، الذى تسلطن سنة 708 هـ/1308 م و لقب بالملك المظفر، و قتل سنة 709 هـ/1309 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 467 رقم 718.

(6) هو: برلغى بن عبد اللّه الأشرفى، الأمير سيف الدين، قتل سنة 710 هـ/1310 م- المنهل الصافى جـ 3 ص 357 رقم 663.

(7) هو: قطلوبك بن عبد اللّه المنصورى، حاجب الحجاب، كان يعرف بالكبير، قتل سنة 716 هـ/1316 م-المنهل الصافى، الدرر جـ 3 ص 337 رقم 3264.

(8) هو: أيبك الطويل الخازندار المنصورى، الأمير عز الدين، المتوفى 706 هـ/1306 م -انظر ما يلى.

13

السلطانية، و رتبوا أن يكون الأمير حسام الدين‏[لاجين‏] (1) الأستادار صحبة السلطان يحفظه، و جعلوه فى موضع بعيد عن الملاقاة خشية عليه، و رسموا للأمير علم الدين أن يكون سنجق‏ (2) السلطان منعزلا عنه كى لا يعرف أنه تحت الأعلام فيقصد، و رتبوا جماعة من الزراقين‏ (3) نحوا من خمسمائة مملوك فى مقدمة الجيش.

و فى ذلك الوقت حصل للأمير بيبرس إسهال مفرط و حرارة عظيمة حتى ما بقى يمكنه الركوب على الفرس و لا الثبات على ظهره، فأركبوه المحفة، و أبعدوه عن الملاقاة.

و أخذ الأمير سلار الحجاب و معهم الفقهاء، و داروا على العسكر جميعهم، و هم يتلون الآيات المناسبة للجهاد، و يحرضون للجهاد و توطين النفس على الملاقاة حتى غشى الناس البكاء و التوجع.

و أما قازان فإنه طلب مقدمى التوامين‏ (4) و أمرهم أن أحدا منهم إذا رأى جيش المسلمين لا يحمل عليه و لا يتحرك من مكانه إلى حين يرى غريمه يدخل عليه، و أراد بذلك تضعيف خيل المسلمين، و كسر همة الفرسان، و أن يمكّن رماته من رمى

____________

(1) []إضافة من السلوك جـ 1 ص 886 للتوضيح.

(2) سنجق-سناجق: لفظ تركى يطلق فى الأصل على الرمح، و المقصود به الرايات و الأعلام السلطانية-انظر صبح الأعشى جـ 4 ص 8، جـ 5 ص 456، 458.

(3) زارق-زراقون: هو الذى يحمل المزراق، و هو عود من خشب مجوف فى قصبته ماء مهلك، و يكون قصد الزارق وجه الخصم أو الدابة. الجيش المصرى جـ 2 ص 49.

(4) التومان-التوامين: فرقة من الجند يبلغ عددها عشرة آلاف مقاتل-صبح الأعشى جـ 4 ص 424.

14

السهام، لأن ذلك أثبت لهم و أسكن، و كذلك كان، فإنه لما وقعت الصدمة، و تحركت العساكر، و أوقد الزراقون نفطهم، و اعتقد المسلمون-على ما عهدوه من اللقاء فى المصاف-أنه ساعة يحمل الجيش يحمل أيضا جيش العدو، فتقع الصدمة من الطائفتين، و يعطى اللّه النصر لمن يشاء.

و لما حملت العساكر و خرجت الخيول بقوة بأسها، وحدة شوطها، حتى قربوا من وجه العدو، لم يتحرك منهم أحد، و لا انزعج جيشهم، فلما شاهدوا ذلك منهم قلّ عزمهم، و انطفأ النفط الذى كان مع الزراقين فى مقدم الجيش، لأنهم كانوا أوقدوه من بعد على أنهم يتقدمون لهم، فبينما تقدم عسكر المسلمين إليهم مع بعد المسافة و ثبات العدو و عدم حركتهم فرغ البارود، و بردت الهمة، بعيد ذلك حملت التتار حملة صادقة حتى اختلطوا بالمسلمين‏ (1) ، و أصابت سهامهم خيلا كثيرا منهم، و رموا فرسانها.

و أول ما أرجفوا طائفة العرب بأن أوهنوهم و أوهنوا خيولهم بالسهام، فكانوا سبب كسر الميمنة و فسادها، فإن الميمنة ولّت على أعقابها، فجاءت الهزيمة على الجيش الحلبى، فاستقلوا بأنفسهم، و أدركهم الموت، فرجع العسكر الحلبى

____________

(1) «فلما كان نهار الأربعاء تاسع و عشرين ربيع الأول التقى الجيشان» -فى كنز الدرر جـ 9 ص 16. فى نهاية الأرب جـ 27 ص 411 «يوم الأربعاء ثامن و عشرين شهر ربيع الأول» .

و فى التوفيقات الإلهامية أن أول شهر ربيع الأول يوم خميس» ، و على ذلك يكون الأربعاء الذى تمت فيه المعركة يوم 28 ربيع الأول، و يؤكد ذلك ما ورد فى التحفة الملوكية: «و ذلك فى يوم الأربعاء الثامن و العشرين من شهر ربيع الأول من سنة تسع و تسعين و ستمائة» -التحفة الملوكية ص 157.

15

على العسكر الحموى، و لم يقف، و تمت الهزيمة على ميمنة المسلمين من ميسرة العدو.

و أما ميسرة الإسلام فإنها صدمت ميمنة[195]العدو فقلقلتها و فرقت شملها.

و لما عاين قازان انهزام ميمنته اعتزل فى نحو ثلاثين فارسا و أخذ عن جيشه جانبا، ثم ركبت أخرياتهم الذين لم يركبوا فى الصدمة الأولى و ردّوهم و قوّوهم، فانكسر المسلمون، (إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ) (1) .

و كان السلطان الناصر قد انعزل فى جمع قليل من المماليك، و معه من الأمراء حسام الدين الأستادار لا غير، فكان يبكى و ينظر إلى السماء و يقول: يا ربّ لا تجعلنى كعب الشؤم على المسلمين‏ (2) ، و يدعو اللّه تعالى و يتضرع إليه و يريد أن يلقى نفسه بين القوم و حسام الدين الأستادار يردّه و يمنعه.

و قال صاحب النزهة: و كان الذى مع السلطان فى ذلك الوقت اثنى عشر مملوكا من الشباب، و كنت أنا الثالث عشر.

و قال بيبرس فى تاريخه: لما انهزمت المسلمون و ولّوا تفرقت عساكرهم المجتمعون، و نهب العدو الخيول و العدد و الخزائن و الأسلحة، و تبعوهم إلى حمص و نزلوا عليها، ففتحها لهم متوليها بالأمان و هو محمد بن الصارم، و أخذوا الدهاليز السلطانية و البيوتات و الوطاقات‏ (3) و رحلوا إلى دمشق.

____________

(1) جزء من آية رقم 156 من سورة البقرة رقم 2.

(2) «يا رب، لا تجعلنى كعبا نحسا على المسلمين» -فى السلوك جـ 1 ص 887.

(3) «و بها الخزائن السلطانية و أثقال العسكر» -فى السلوك جـ 1 ص 889.

و طاق-و طاقات: لفظ تركى بمعنى الخيمة-محيط المحيط.

غ

16

و أما السلطان الناصر فإنه ساق بمن معه نحو بعلبك، و لو تربص فى ذلك الوقت لكان أوقع نفسه بيده إلى التهلكة، فكان سببا لفساد المملكة (1) .

و لقد فعل الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى يوم بدر مثل ذلك، و قال معتذرا هنالك هذه الأبيات:

اللّه يعلم ما تركت قتالهم # حتى علوا فرسى بأشقر مزبد

و علمت أنى إن أقاتل واحدا # أقتل و لا يضرر عدوى مشهدى

فصدفت عنهم و الأحبة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مفسد (2)

ذكر من استشهد فيها من المسلمين:

كانت الوقعة يوم الأربعاء الثامن و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، و استشهد فيها جماعة فازوا بالثواب الجزيل منهم: الأمير سيف الدين كرت‏ (3) نائب السلطنة بالفتوحات، و كان من الأمراء الأعيان الفرسان الشجعان، و كان كثير الصدقة و الخير و المعروف، و له أوقاف على وجوه البر و الصدقات، و كان مشهورا بالنخوة و المروءة، و كان عمل حاجبا، و أمير آخور، و نائب طرابلس و الفتوحات.

____________

(1) لا يوجد هذا النص فى مخطوط زبدة الفكرة الذى بين أيدينا، و إن كان يوجد معناه مختصرا-زبدة الفكرة (مخطوط) جـ 9 ورقة 206 ب.

(2) زبدة الفكرة (مخطوط) جـ 9 ورقة 207 أ.

(3) «سيف الدين كرد» فى زبدة الفكرة، و هو: كرت بن عبد اللّه المنصورى، و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، السلوك جـ 1 ص 888.

17

و منهم: الأمير ناصر الدين محمد (1) بن الأمير عز الدين الحلّى، و الأمير بدر الدين بيليك‏ (2) المنصورى المعروف بالطيار، و كان من أمراء دمشق.

و منهم: الأمير سيف الدين نوكيه‏ (3) التترى، مات من أثر جراحات أصابته، فحمل فى محفة إلى أن توفى و دفن بأرض عسقلان أو قريبا منها، و كان هذا وصل مع الوافدين فى الأيام الظاهرية و أفام قليلا حتى مسكه الملك الظاهر و حبسه بثغر الإسكندرية، و أقام إلى أن تسلطن الملك المنصور قلاوون، ثم جعل له الأفراح و أعطى له تقدمة ألف.

و منهم: الأمير جمال الدين‏ (4) بلبان التقوى‏ (5) ، و كان من أمراء طرابلس. و الأمير ركن الدين بيبرس العلمى، و كان نائبا بالمرقب‏ (6) . و الأمير صارم الدين أزبك الطغريلى، و كان نائبا ببلاطنس. و الأمير سيف الدين أقوش كرجى الحاجب.

و قال ابن كثير: و استشهد نحو ألف نفس من الحلقة و المماليك، و هؤلاء [196]الأمراء منهم من كان استشهاده فى المعركة، و منهم من أصابته جراحة فيها فمات بعدها، و فقد فى المعركة قاضى القضاة الحنفية حسام الدين الرازى‏ (7) ،

____________

(1) هو: محمد بن أيدمر الحلبى، الأمير ناصر الدين-السلوك جـ 1 ص 888.

(2) انظر السلوك جـ 1 ص 888.

(3) «نو كاى التترى» -فى السلوك جـ ص 888.

(4) «سيف الدين» فى زبدة الفكرة (مخطوط) جـ 9 ورقة 207 أ.

(5) انظر السلوك جـ 1 ص 888.

(6) «بيبرس الغتمى نائب قلعة المرقب» -فى السلوك جـ 1 ص 888.

(7) هو: الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان، الرازى الحنفى، قاضى القضاة حسام الدين، ثم الرومى الحنفى-انظر ما يلى فى وفيات سنة 699 هـ.

18

و أسر التتار عامة العوام و الأتباع و الغلمان و الرعاع‏ (1) .

و قال صاحب النزهة: و استشهد أيضا علاء الدين على بن الشيخ الصالح إبراهيم الجعبرى.

و قال: و أما الأمير بدر الدين بيليك الطيار فإنه قتل فى طريق بيسان، فإنه لما انهزم العسكر-و كان من أمراء دمشق-أخذ حريمه عند وصوله إلى دمشق و خرج بهم، و ما زال إلى أن وصل حرة بيسان و نزل بأهله للراحة، و إذا بجماعة من المغل الذين كانوا صحبة مولاى قد أدركوه، و كان معه تقدير أحد عشر مملوكا، فلما رآهم و قد قصدوه ركب، و أخذ رمحه بيده، و شدّ لحريمه خيلا فأركبهم عليها، و سيّر معهم ستة أنفس، و قال: انجوا بأنفسكم و ها أنا واقف إلى أن تبعدوا. فقالوا: يا خوند إرجع معنا لعلنا أن نفوتهم. قال:

لا و اللّه ما أنهزم قدامهم و لكن أموت و لا أمكنهم يصلون إلى حريمى و عينى تنظر، فلما رآهم المغل عطفت طائفة منهم إليهم، فلما رآهم مال إلى نحوهم، و لما رأوه مقبلا إليهم ظنوا أنه يسألهم فى أمرهم إلى أن صار معهم، فطعن واحدا فأرماه، و طعن آخر أيضا فأخرج حدقته، و قتل آخر، و قد بهتوا لفعله، ثم تكاثروا عليه إلى أن أرموا فرسه، فوقع على الأرض، و جرح منهم آخر و هو راجل، ثم قتل رحمه اللّه شهيدا دون حريمه و ماله، و كان هذا من جملة المماليك المنصورية، و كان صاحب مروءة و مكارم، و صاحب شجاعة و فروسية.

____________

(1) هذا النص مختصر فى المطبوع من البداية و النهاية الذى بين أيدينا-انظر: البداية و النهاية جـ 14 ص 6-7.

19

و من الذين ماتوا من جراحة جرح فى الوقعة المذكورة: سيف الدين الدوادارى‏ (1) الصالحى النجمى، و كان قد جرح فى رجله بسهم و عند هزيمة العسكر رجع إلى أن وصل مع نائب حصن الأكراد إليها، فأقام بها يعلل جرحه إلى أن توفى.

و كان كبير القدر، فإنه عمل دوادارية (2) الملك الصالح‏ (3) ، و بقى بعده ينتقل من حال إلى حال إلى أن كان له مائة فارس بمصر و خمسون بدمشق، و ما زال معظما فى سائر الدول، و كان له سماع عال فى الحديث، و له علم و فقه و ديانة، و هو الذى أنشأ القاضى بدر الدين‏ (4) بن جماعة و أنشأ فقهاء كثيرين، و مع هذا كان صاحب شجاعة و فروسية، و له غارات كثيرة حتى نقل عن بعض مماليكه أنه صنع له طوبة من غبار الغزوات التى حضرها و غزا فيها، و أوصى أن تكون هذه الطوبة تحت رأسه إذا دفن، و كان إذا ركب يكون شعره على قربوس سرجه الورانى و جميعه أبيض، و كانت له صدقات و برّ و أوقاف على عتقائه، و له بالقدس الشريف رباط رتب فيها شيخا و فقراء و وقفا جاريا، و لما ورد

____________

(1) هو: سنجر الدوادارى الغركى البرنلى. انظر ما بلى فى وفيات السنة.

(2) دوادارية: صاحب هذه الوظيفة هو الدوادار: و هو الذى يحمل دواة السلطان أو الأمير، و يتولى أمرها، و ما يلحق ذلك من المهمات، مثل تبليغ الرسائل، و تقديم القصص 550 الخ- صبح الأعشى جـ 4 صـ 19، جـ 5 ص 462.

(3) هو: أيوب بن محمد بن محمد بن أيوب، الملك الصالح بن الملك الكامل بن الملك العادل نجم الدين أيوب، توفى سنة 647 هـ/1249 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 227 رقم 634.

(4) هو: محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة، قاضى القضاة بدر الدين الكنانى الحموى الشافعى، المتوفى سنة 733 هـ/1333 م-المنهل الصافى.

20

خبره إلى دمشق صلّوا عليه صلاة الغائب فى جامع بنى أمية و سائر جوامع دمشق، و كذلك صلوا عليه صلاة الغائب بمصر.

و ذكر فى النزهة أيضا: أن سيف الدين كرت نائب طرابلس قال للأمراء فى ذلك اليوم: ها أنا أحمل لعل اللّه يرزقنى الشهادة فى هذا اليوم، ثم التفت إلى الأمير جمال الدين قتال السبع و قال: يا أمير وصيتى‏[197]لك على أهل بيتى، فإنى و اللّه ممن يستشهد فى هذا اليوم، فإنى رأيت رؤيا تدل على الشهادة: رأيت فى هذه الليلة طائر أخضر يرفرف على رأسى و يقول لى: أتل‏ (رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا) (1) الآية. فتلوتها إلى آخرها، ثم حملنى على جناحه الأيمن إلى أن وضعنى فى روضة خضراء، ثم انتبهت، فهذا يدل على الشهادة، ثم لما صدموا العدو كان هو أول من رمى فرسه بسهام كثيرة، فأصاب سهم منها نحره، فوقع إلى الأرض و السيف بيده مسلول يذبّ به عن نفسه إلى أن ضرب بسهم فسقط إلى الأرض، و قتل من مماليكه عليه نحو ستة عشر مملوكا، و جرح نحو اثنى عشر، و قتل من عسكر طرابلس فى تلك الوقعة ما ينيف على أحد عشر نفسا، و قتل من كل أمير جماعة من المماليك و جرح آخرون.

و جرح الأمير بدر الدين أمير سلاح بضربة سيف فى يده، و جرح الأمير جمال الدين قتال السبع فى فخذه، و لما نظر أمير سلاح إلى الهزيمة و رأى جرحه بكى بكاء شديدا و قال لمماليكه: هاتوا لى حصانى الدويك، و كان قد اشتراه

____________

(1) آية رقم 8 من سورة آل عمران رقم 3.

21

بثلاثمائة دينار، و حياصة (1) ذهب قيمتها مائتا دينار، و خلعة أطلس، و كلوتاة (2) زركش، ثم بعد أيام رأى بائع الفرس المذكور-و هو راكب عليه-فقال له: طاب خاطرك بالثمن الذى دفعته إليك. فقال: و اللّه ياخوند كان أملى فيه أكثر من ذلك الثمن. فلما سمعه يقول ذلك قال له: امش معى إلى البيت، فمشى معه حتى أتى داره، فخلع عليه خلعة بكلوتاة و حياصة ذهب و أعطاه ثلاثمائة دينار، و كانت هذه القضية فى دولة كتبغا (3) ، فبلغ ذلك بتخاص و الأزرق و غيرهما فصار كل واحد منهم يسأله و يطلب منه هذا الفرس إنعاما عليه، فيبعث إلى كل منهم حصانا مشتراه خمسة آلاف درهم و صحبته خمسة آلاف درهم و يقول له: إنى قد حبست هذا الفرس فى سبيل اللّه يركبه الغزاة و المجاهدون فى سبيل اللّه، ثم إن مماليكه أحضروا الفرس المذكور فى ذلك اليوم لما طلبه، و كان جنيبا مع أحد الأوشاقية (4) فقال له مماليكه: يا خوند هذا فرس قوى شديد و أنت اليوم تضعف عن ردّ عنانه لما فيه من القوة، و كان من شدته رتب له أوشاقيا

____________

(1) الحياصة: الحزام أو المنطقة، و منها ما يكون من ذهب مرصع بالفصوص، و منها ما ليس كذلك-صبح الأعشى جـ 2 ص 134.

(2) كلوتة-كلوتات: غطاء للرأس-انظر صبح الأعشى جـ 4 ص 6، 29، المواعظ و الاعتبار جـ 2 ص 98.

(3) هو: كتبغا بن عبد اللّه المنصورى، السلطان الملك العادل زين الدين التركى، سلطان الديار المصرية، ثم نائب صرخد، ثم حماة، توفى سنة 702 هـ/1302 م-انظر مايلى فى وفيات سنة 702 هـ.

و كانت دولة كتبغا فى الفترة من 9 محرم 694 هـ و حتى خلع فى 22 محرم سنة 696 هـ-انظر عقد الجمان جـ 3 ص 267-347.

(4) الأوشاقية (الأوجاقية) : واحدها أوشاقى (أوجاقى) ، و هو الذى يتولى ركوب الخيل للتسيير و الرياضة-صبح الأعشى جـ 5 ص 454.

22

وحده برصم ركوبه و خدمته، و لم يسمع منهم فركبه، فلما قعد على ظهره ألوى عنانه‏ (1) نحو العدو و قال للأمراء: من أراد الشهادة فليتبعنى، فرجعت الأمراء إليه و سألوه أن يرجع فأبى و قال: و اللّه كنت منتظرا لهذا اليوم، و قال له الأمير علم الدين الدوادارى‏ (2) -و كان قد خرج فى مواضع كثيرة-: يا أمير أنت اليوم قوام العسكر و أتابكه، و ما فينا أحد إلا و قد جرح جراحات و معظم مماليكنا قد قتلوا، و ما يحل أن تلقى نفسك فى التهلكة، فلم يلتفت إليه، بل قال: يا أمير ما بقى فينا شى‏ء، فهل تنتظر خلاف هذا اليوم؟فتقدم نحو العدو، و اتفق رأى مماليكه على منعه و ساق بعضهم إليه و أخذ برأس فرسه إلى نحو حمص و بعضهم [198]ضرب كفل فرسه بالمقرعة، فخرج من تحته مثل البرق الخاطف، و أرادوا بذلك إبعاده عن الفرس حتى يأخذوا بعنانه و يتوجهوا إلى طريق النجاة، فلما أحس الفرس بالضرب فرّ مثل الريح العاصف حتى لم يروا منه إلا غباره، و لم يزل يجرى على ميدان واحد إلى أن وصل إلى نهر حمص، فقوى عليه العطش من كثرة الجرى و شدة العدو إلى أن أرمى نفسه فى النهر، و شرع يعبّ من الماء، و أمير سلاح ماسك بيديه الشنن رافعه على أن يرفع رأسه من الماء فلا يرفع، فشرب حتى انتفخ فؤاده، ثم طلع من النهر و وقع طائحا و قد انفقع من شرب الماء، فلحقه مماليكه و أركبوه جنهبا آخر، فكان هذا يعد من حسناته حيث اشترى فرسا بمائتى ألف درهم لركوب ساعة واحدة.

____________

(1) العنان-الأعنة، من أجزاء اللجام: و هو الجزء الذى يقبض عليه الفارس-الخيل و رياضتها ص 81.

(2) «الديوادارى» فى الأصل، و التصحيح مما سبق.

23

و قال صاحب النزهة: و من قوة خذلان العسكر الإسلامى عاينت الأمير حسام الدين لاجين المعروف بزيرياح و معه أعناق الحسامى من المقدمين و معهما نحو ثلاثة آلاف فارس منهزمين، و قد أفرد فى أعقابهم رجل واحد من المغل و لا يلتفت إليه أحد منهم. و رأيت فتى شابا من العرب راكبا على حجرة شقراء و ليس عليه شى‏ء يمنع السهام و قد أخذته الحميّة و هو يقول: يا مسلمين أش خلفكم ماثمة إلا رجل واحد، فلا يجيبه أحد، فلوى رأس فرسه عنهم و رجع إلى ذلك الرجل و هو يقول: اللّه أكبر، فلما رآه ذلك الرجل مصمّما عليه ولّى فرسه و رجع عنهم، و ما كان ذلك الرجل ينتظر فى ذلك الوقت غير صناديق مفتوحة، و كلوتات زركش، و حوائص ذهب ملقاة، و أسلحة، و سناجب، و أكياس ذهب، و دراهم، و خزائن الأمراء بما فيها.

ذكر ما جرى للعسكر بعد ذلك:

أما السلطان الناصر فإنه رجع فى طائفة من الجيش على ناحية بعلبك، و سار إلى مصر، و سافر جماعة من أهل دمشق من أعيانها و غيرهم إلى مصر كالقاضى إمام الدين الشافعى‏ (1) ، و قاضى المالكية جمال الدين الزواوى‏ (2) ، و تاج الدين بن الشيرازى و علم الدين الصوافى و الى البرّ، و جمال الدين بن النحاس و الى البلد، و المحتسب، و غيرهم و بقيت‏ (3) دمشق شاغرة ليس فيها حاكم و لارادع سوى نائب

____________

(1) هو: عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، قاضى القضاة إمام الدين القزوينى الشافعى، المتوفى سنة 699 هـ/1299 م-انظر ما يلى فى وفيات سنة 699 هـ.

(2) هو: محمد بن سليمان بن يوسف الزواوى، قاضى المالكية بدمشق، المتوفى سنة 717 هـ/ 1317 م-شذرات الذهب جـ 6 ص 45.

(3) «و بقى» فى الأصل.

24

القلعة علم الدين أرجواش‏ (1) ، و هو مشغول عن البلد بالقلعة، و أما العسكر تفرقوا فى كل ناحية و وصل بعضهم إلى القلاع القريبة من مكان الوقعة، و نجى بنفسه من كان فيه نهضة، و توجه أقوام إلى جبال بعلبك و غيرها جياعا عراة مشاة، و تخطفت الجبلية بعض من سلك تلك الطرق و قتلوا منهم و نهبوا و سلبوا، فكان هؤلاء عدوّا ثانيا، و كل من كان يهرب يرمى خوذته من رأسه و يقطع قرقله بالسكين إذا لم يلحق لحلها و يقطع البر كستوان‏ (2) المثمنة، و كل ذلك قصدا للتخفيف‏ (3) .

قال صاحب النزهة: و رأيت جماعة من مماليك السلطان تخرج من وسطه كيس الفضة و يناوله لرفيقه، فإن لم يأخذه سريعا و إلاّ يرميه من يده إلى الأرض و يسوق. قال: و رأى‏[199]الأمراء البرجية مع حسن أشكالهم و تزين لباسهم قد صاروا قطعة واحدة هاربين منهزمين، و قازان فى أعقابهم و قد بسط جيشه من الجانبين و انفرد هو بنفسه فى صدر جيشه و رجل قدامه و بين يديه على فرسه طبل أكبر من طبل الجمالق يضربه ساعة بعد ساعة ضربة واحدة، و كلما سمعها الجيش زادت هزيمتهم و هربت فرقة منهم إلى ناحية البرية و سلكوا فيها و هلكوا بأجمعهم، و فرقة سلكت ناحية البحر المالح فهلكوا، و لم يسلم منهم إلاّ الفرقة التى سلكت الطرق التى يسلك فيها، و لكن الذين سلكوا الجبال

____________

(1) هو: أرجواش بن عبد اللّه المنصورى، توفى سنة 701 هـ/1301 م-انظر مايلى فى وفيات 701 هـ.

(2) البركستوان-البركستوانات: غاشية الحصان المزركشة-صبح الأعشى جـ 4 ص 58، 62.

(3) «و ألقوا عن أنفسهم السلاح طلبا للنجاة» -السلوك جـ 1 ص 888.

25

قاسوا من أهلها ما قاسوا مثله من التتار، و قتل من المسلمين خلق لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى.

و قال صاحب النزهة: و كان وصولنا إلى قلعة حمص و الشمس فى الغروب، فوجدنا أهلها فوق الأسوار يبتهلون إلى اللّه عز و جل بالدعاء و كانوا ينادون:

يا مسلمون الرجعة الرجعة لا تسلمونا إلى العدو، يا مسلمون المروءة المروءة (1) ، و لم يلتفت إليهم أحد، فتباكوا و بكت الناس و بكى السلطان الناصر، ثم قال للأمير حسام الدين: يا أبى أنت ما قلت إن المسلمين يقفون و يقاتلون نوبة ثانية فى حمص و مالى لا أنظر أحدا يقف و يقاتل. فقال: يا خوند ما يقاتلون إلا فى دمشق و قصدهم أن يستجروا العدو حتى يتعبوهم و يدخلوهم فى مواضع ليس لهم خبرة بها، و كل ذلك يريد به التعلل للسلطان لئلا يزداد خوفه.

قال الراوى: و ما وصلنا إلى حمص إلا و أكثر الخيل قد وقفت و لم تتحرك خصوصا خيول الأمراء و المماليك الموقرة، و لما دخل الليل انقطع التتار من خلف عسكر المسلمين. قال: ثم وصلنا إلى بعلبك صبيحة الجمعة و نحن كلنا محتاجون إلى قوت أنفسنا و لخيولنا، فوجدناها قد أغلقت، و صعدت أهلها على الأسوار و كانوا يتناولون الفضة بالحبال، فمنهم من يعطى ما يطلبه صاحب الفضة و منهم من يأخذ الفضة و يغيب من فوق السور و لا يراه أحد.

قال: ثم أصبحنا يوم السبت و دخلنا إلى دمشق و تلقتنا أهلها بالويل و الثبور، و ما أقمنا فيها غير ساعة واحدة و وقع الصياح بأن طوالع العدو قد لاحت، فخرجت الناس لا يلتفتون إلى شى‏ء، و أكثرهم خرجوا بلا زاد، و أما أهل دمشق فمنهم

____________

(1) «و صاحوا بالعسكر: «اللّه اللّه فى المسلمين» -السلوك جـ 1 ص 888.

غ

26

من طلع القلعة و منهم من توجه نحو القدس و الخليل عليه السلام‏ (1) ، و منهم من طلب قلعة صفد و قلعة كرك، و منهم من أقام و توكل على اللّه، و صارت الناس كأنهم يساقون إلى المحشر يوم القيامة، فلا يلتفت الأخ إلى أخيه و لا الأب إلى ابنه و لا المملوك إلى سيده.

قال الراوى: و أما الفرقة التى كان سفرهم على الساحل فإنهم قاسوا شدة عظيمة من أهل جبل كسروان، فكانوا ينزلون إليهم و يمسكون عليهم المضايق، و يأخذون الجندى قبضا بالكف، و يأخذون ما معه، و يرسلونه عريانا إذا أحسنوا إليه، و ربما يقتلونه أو يرسلون عليه حجرا من فوق فيهلك هو و فرسه، و كانوا قد استوقفوا[200]جماعة كثيرة عن المسير، و قصدوا أن يأخذوا منهم ما يريدونه حتى يفتحوا لهم الطرق، فاتفق فى ذلك الوقت حضور طائفة من العسكر الذين هم صحبة الأمير بدر الدين أمير سلاح، و صحبته الأمير بلبان الطباخى نائب حلب و جماعة من الأمراء، فلما رأوا ذلك حملوا عليهم و أزاحوهم عن الطريق، فرجعوا، و اجتمعوا جماعة كثيرة و وقفوا لمنع الأمراء أيضا، فلما رآهم الأمير بدر الدين مصمّمين على القتال رسم الذين معه أن يترجلوا و أن لا يتهاونوا فى أمرهم كيلا يدركهم التتار فيكونون بين العدوّين، فترجلوا و زحفوا عليهم و قتلوا منهم جماعة، فقام القتال بينهم من ضحوة النهار إلى الظهر، و جرحت من جماعة أمير سلاح خلق، فآخر الأمر كسروهم و فتحوا الطرق و ذهبوا، و بعض الأمراء وراءهم ساقة لهم إلى أن وصلوا إلى غزّة، و أقام أمير سلاح فيها ينتظر المنقطعين من العسكر، و التحق به جماعة كبيرة من الناس و الجند

____________

(1) هكذا فى الأصل، و المقصود مدينة الخليل عليه السلام.

27

و الأمراء، و هو يداوى المجروح، و يركّب الراجل، و يكسو العارى، و من جملة ما وجده فى غزّة القاضى «فتح» (1) الدين بن القيسرانى، فأركبه و كساه و صحبه إلى القاهرة.

و أما قازان، فإنه لما رأى أن جيش المسلمين قد انهزموا فرح فرحا عظيما، و قصد أن يلحق المسلمين، فمنعه الأمير قفجق و قال له: لا تعجل فربما يكون لهم كمين و يكون انهزامهم هذا مكيدة منهم، فقبل كلامه و توقف عن اللحوق بهم، و إلا لو مشى وراء المسلمين لكان أخذ الجميع.

و لما أصبح يوم الخميس و رأى أن أخبار السلطان و العسكر قد انقطعت اطمأنّ، و سيّر إلى حمص و أخذ ما وجد فيها من الأموال و الودائع و الذخائر، و قبض على من وجد فيها من الجند من الجرحى و المنقطعين، و فيهم جماعة من الكتاب و الموقعين و ممن وقف فرسه، ثم اقتضى رأيه أن يجرّد أميرا يسمى بورى و معه جماعة يكشفون الخبر، ثم توقف من ذلك خوفا أن يكون فى الطريق جماعة من عسكر السلطان يشوشون عليه، ثم أرسل شخصا على هيئة جاسوس ليكشف خبر السلطان هل هو أقام بدمشق أم راح إلى مصر؟، فخرج الرجل و غاب يوما و ليلة، ثم جاء و أخبر أن دمشق خالية ليس فيها لا سلطان و لا عسكر.

و لما سمع بذلك أمر بالمسير إلى الشام، و لكنه انتظر المنهزمين من عسكره، ثم رجع هو إلى مكان الوقعة و هو وادى الخزندار، بينه و بين تربة خالد بن الوليد رضى اللّه عنه مسافة نصف يوم أو دونه، فوجد هناك بعض الجند جرحى ممن

____________

(1) «» بياض فى الأصل، و الإضافة مما يلى، فهو: عبد اللّه بن محمد بن أحمد ابن خالد القيسرانى، فتح الدين أبو محمد، المتوفى سنة 703 هـ/1303 م-انظر ما يلى فى وفيات 703 هـ.

28

وقع فى الوقعة، و وجد من أصناف الأسلحة و الأقمشة المفتخرة و الحوائص الذهب و الكلوتات الزركش و الأكياس من الذهب و الفضة ما لا يوصف، و كذلك من السروج الزركشى و البركستوانات و القرقلات و الخوذ ما عجزوا عن حمله، و أما الدواب من الخيول المسومة فكان شيئا كثيرا واقفة من مكان المصاف إلى قرب حمص، و رأى قازان من هذه الأشياء ما أذهله عن عقله، فإن الدولة كانت جديدة و أمراؤها كانوا يفتخرون بأنواع‏[201]الزينة، و كل منهم كان يريد أن يزيد على صاحبه بالعدد المفتخرة و الأشياء الحسنة.

و كان من جملة من أسره من حمص برهان الدين المنجم، فلما أحضروه بين يدى قازان عرفه قفجق و بكتمر و قالا لقازان: هذا منجم عارف، فلما رآه قازان أحضر إليه ابن الخواجا نصير الدين الطوسى حكيم الزمان، و كان هو عند قازان حكيما و منجما، كما كان أبوه نصير الدين عند هلاون و أمثاله، و لما قدم هلاون الشام كان الخواجا نصير الدين معه كما ذكرنا.

فقال له قازان: سل هذا المنجم كيف ما عرّف أستاذه الناصر بأمر هذه الواقعة؟فسأله و قال له: يا حكيم كيف حكمت على صاحب مصر و عسكره أن يلاقى عدوه فى مثل يوم الأربعاء و هو آخر الأربعاوات فى السنة (1) و هو يوم نحس مستمر؟فقال له: قد عرّفته ذلك، و عرّفت أكابر عسكره، و لم يسمعوا منى و نهرونى، و لم يلتفتوا إلى كلامى، و كان قد وقع ذلك، فإن السلطان عند نزوله حمص طلب الأمير سيف الدين سلار و الأمير ركن الدين بيبرس و شمس الدين الفارقانى و طلبوا برهان الدين هذا، ثم شرع سلار يسأل من الفارقانى عن أحوالهم و كيف يكون أمرهم عند الملاقاة و أى الأيام يصلح لذلك، و كان

____________

(1) هكذا فى الأصل، و الأرجح أن يكون «فى الشهر» -انظر ما سبق ص 12 عن تاريخ الموقعة، و نظر باقى الفقرة.

29

الفارقانى له اليد فى أحكام الفلك أكثر من برهان الدين المذكور. فقال له الفارقانى: يا خوند إن قدرت أن تؤخر الملاقاة مع العدو إلى مستهل الشهر تكون النصرة إن شاء اللّه لكم، و ما عندى فى هذا اليوم طائل، و كان يوم الأحد. قال:

و لا يوم الإثنين و لا يوم الثلاثاء و خصوصا أن يكون يوم الأربعاء فإنه يوم لا يحمد فيه لقاء العدو. فقال له سلار: إذا-و افانا عدو نقول له، اصبروا حتى نبصر يوما جيدا نلقاكم فيه. ما هذا الفشار؟و نهضوا من عنده مثل المطرودين.

ذكر ما جرى فى دمشق بعد انهزام الجيش:

بتاريخ ليلة الأحد الثانى من ربيع الآخر (1) كسر المحبوسون بباب الصغير باب السجن، و خرجوا منه قريبا من مائتى راجل. فنهبوا ما قدروا عليه، و جاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب الجوانى و أخذوا من الباشورة ما شاءوا، و كسروا أقفال الباب البرانى و خرجوا منه على حمية، فتفرقوا حيث شاءوا، لا يقدر أحد على ردّهم و لا صدهم، و عاثت الحرافشة فى ظاهر البلد، فكسروا أبواب البساتين، و قلعوا من الأبواب و الشبابيك و غير ذلك ما قدروا عليه، و باعوه بأرخص الثمن، هذا و سلطان التتار قد قصد ورود دمشق بعد الوقعة.

و اجتمع أعيان البلد و الشيخ تقى الدين بن تيمية (2) فى مشهد على‏ (3) ، و اتفقوا

____________

(1) «ربيع الأول» فى البداية و النهاية جـ 14 ص 7، و هو تحريف، فالموقعة كانت فى 28 ربيع الأول-انظر ما سبق ص 12-14.

(2) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس، المتوفى سنة 728 هـ/1327 م-المنهل الصافى جـ 1 ص 358 رقم 195.

(3) «بمشهد على من الجامع الأموى» -فى السلوك جـ 1 ص 889.

30

على المسير إليه لتلقيه و أخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الإثنين الثالث من ربيع الآخر، فاجتمعوا به عند النبك‏ (1) ، و كلمه الشيخ ابن تيمية كلاما قويا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، و دخل المتسلمون للبلد من جهة قازان، فنزلوا بالباذرائية (2) ، و غلقت أبواب المدينة سوى باب توما، و خطب الخطبة[202]يوم الجمعة سابع الشهر المذكور بالجامع و لم يذكر سلطانا فى خطبته‏ (3) ، و بعد الصلاة قدم الأمير إسماعيل‏[التترى‏] (4) و معه جماعة من الرسل فنزلوا ببستان الظاهر عند الطريق، و حضر الفرمان بالأمان فطيف به فى البلد، و قرى‏ء يوم السبت ثامن الشهر. بمقصورة الخطابة، و نثر شى‏ء من الذهب و الفضة (5) .

و فى نزهة الأنام: الذين خرجوا من دمشق لطلب الأمان من قازان هم:

خطيب دمشق القاضى بدر الدين بن جماعة، و الشيخ زين الدين الفارقى‏ (6) ، و الشيخ تقى الدين بن تيمية، و القاضى نجم الدين بن صصرى‏ (7) ، و الصاحب

____________

(1) النبك: قرية بين حمص و دمشق-معجم البلدان.

(2) المدرسة الباذرائية بدمشق: داخل باب الفراديس بدمشق، أنشأها الشيخ عبد اللّه بن محمد ابن الحسن الياذرائى، نجم الدين البغدادى، المتوفى سنة 655 هـ/1257 م-الدارس جـ 1 ص 205.

(3) «و لم يعين فى الخطبة اسم سلطان» -فى كنز الدرر جـ 9 ص 19.

(4) []إضافة للتوضيح-السلوك جـ 1 ص 890.

(5) البداية و النهاية جـ 14 ص 7.

(6) هو: عبد اللّه بن مروان بن عبد اللّه، الشيخ زين الدين الفارقى الشافعى، خطيب الجامع الأموى، المتوفى سنة 703 هـ/1303 م-انظر ما يلى فى وفيات سنة 703 هـ.

(7) هو: أحمد بن محمد بن سالم، قاضى القضاة نجم الدين أبو العباس بن صصرى، المتوفى سنة 722 هـ/1323 م-المنهل الصافى جـ 2 ص 97 رقم 264.

31

فخر الدين بن الشيرجى‏ (1) ، و القاضى عز الدين بن الزكى‏ (2) ، و الشيخ وجيه الدين ابن المنجى، و الصدر الرئيس عز الدين بن القلانسى و ابن عمه شرف الدين، و أمين الدين شقير الحرانى، و الشريف زين الدين بن عدنان، و الشيخ نجم الدين ابن أبى الطيب، و ناصر الدين بن عبد السلام، و شرف الدين بن الشيرجى، و الصاحب شهاب الدين الحنفى، و القاضى شمس الدين الحريرى، و الشيخ محمد بن قوام البالسى و القاضى جلال الدين أخو قاضى القضاة إمام الدين القزوينى، و القاضى جلال الدين ابن قاضى القضاة حسام الدين، و جماعة كثيرة من الفقهاء و القراء (3) ، و توجهوا نحو جيش التتار.

و بقيت‏ (4) المدينة بلا نائب و لا حاكم، و أكل الناس بعضهم بعضا، و من قدر على أمر فعله، و وصلت أربعة من التتار، و معهم الشريف القمى و نزلوا بالباذرائية، و أصبح الصباح و لم يفتح من أبواب دمشق باب، فكسرت أقفال باب توما، و كان الذى تولى كسرها نواب الولاة: الشجاع همام الدين و ابن ضاعن و ابن الذهبى النقيب، و وصل إلى ظاهر دمشق جماعة من التتار و معهم أمير إسمه إسماعيل، فنزلوا ببستان الظاهر بطريق القابون، و أما الجماعة الذين خرجوا من دمشق فإنهم التقوا بالعساكر التترية بالنبك، و اجتمعوا بالملك، و وقف

____________

(1) هو: سليمان بن محمد بن عبد الوهاب، الصاحب فخر الدين أبو الفضل بن الشيرجى، المتوفى سنة 699 هـ/1299 م-المنهل الصافى.

(2) هو: عبد العزيز بن يحيى بن محمد بن على بن الزكى، قاضى القضاة، المتوفى سنة 699 هـ/ 1299 م.

(3) انظر كنز الدرر جـ 9 ص 19، النجوم الزاهرة جـ 8 ص 123.

(4) «و بقى» فى الأصل.

32

الترجمان، و تكلم منهم، و كان المتكلم فخر الدين بن الشيرجى، و أحضروا ما كان معهم من المأكول، فلم يظهر له وقع و لا حضر قدام الملك. و قال الملك قازان:

إن الذى تطلبونه من الأمان قد أرسلناه إليكم قبل حضوركم، فرجعوا إلى دمشق، و حضر الأمير إسماعيل إلى مقصورة الخطابة و حضر الخطيب ابن جماعة و فخر الدين ابن الشيرجى و ابن القلانسى و ابن منجى و جماعة لقراءة الفرمان، و اجتمع الناس، و قرئ الفرمان على السدّة. فحمد الناس اللّه تعالى، و حصل للناس سكون و طمأنينة، و قرب التتار من دمشق و أحدقوا بالغوطة، و كثر العبث و الفساد و النهب بالحواضر البرانية مثل العقيبة و الشاغور و قصر حجاج و حكر الساق، و وصل الأمير قفجق و بكتمر السلحدار مع جماعة و نزلوا بالميدان الأخضر.

و ورد مرسوم من الأمير إسماعيل بأن العلماء و القضاة و الأكابر يتحدثون مع أرجواش نائب القلعة و يحسنون له تسليم القلعة[203]و إلا يدخل الجيش البلد، و لا تبقى بعد هذا الفلعة و لا البلد، فاجتمع جماعة منهم بدار الحديث و أرسلوا رسولا إلى أرجواش فلم يجبهم، فقاموا فى دار الحديث بأجمعهم إلى باب القلعة و أرسلوا إليه رسولا ثانيا فبلغه سلامهم. فقال: و من هم الذين أرسلوك؟ فسماهم له بأنسابهم، فقال: هم المنافقون الخائنون للمسلمين، و ليس عندى جواب، و مع هذا فهذه بطاقة وصلت إلى من السلطان صاحب مصر مضمونها أنهم قد اجتمعوا على غزة و كسروا الطائفة الذين تبعتهم من التتار، و هو يوصينى بالقلعة، و كان من جملة الجماعة الواقفين بباب القلعة: بدر الدين‏ (1) بن فضل اللّه.

____________

(1) هو: محمد بن فضل اللّه العمرى، الدمشقى، القاضى بدر الدين، كاتب السر بدمشق، توفى سنة 706 هـ/1306 م-انظر ما يلى فى وفيات 706 هـ.

33

فقال أرجواش: وصل ابن فضل اللّه و يقف على البطاقة فإنها بخط أخيه‏ (1) ، فامتنع ابن فضل اللّه من الدخول و اشتد خوفه و هرب من بين الجماعة، و تفرقت الجماعة على هذه الصورة.

و فى اليوم الثانى: حضر الأمير قفجق و جلس بالمدرسة العزيزية (2) و أمر بالمراجعة بأرجواش فى أمر القلعة، فراجعوه فلم يجبهم، و كتبوا فى هذا اليوم فرمانات كثيرة من شيخ الشيوخ‏[نظام‏] (3) الدين للتتار، و لم يحصل بأكثرها نفع، و خاف الناس، و أصلحوا أبواب الدروب، و كثر دخول التتار البلد، و نزل شيخ الشيوخ نظام الدين بالمدرسة العادلية (4) و ادعى أنه يصلح أمور الناس، و طلب الأموال، و وقع النهب فى جبل الصالحية (5) ، و دخلوا الناصرية (6) ، و المارستان

____________

(1) هو: يحيى بن فضل اللّه العمرى: القاضى الرئيس، كاتب السر بالشام ثم بمصر، توفى سنة 738 هـ/1337 م-المنهل الصافى.

(2) المدرسة العزيزية بدمشق: شرقى التربة الصلاحية: لصيق الجامع الأموى، أنشأها الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، المتوفى سنة 595 هـ/1198 م- الدارس جـ 1 ص 382.

(3) []إضافة مما يلى، و هى ساقطة من الأصل.

و هو: نظام الدين محمود بن على الشيبانى، شيخ الشيوخ-السلوك جـ 1 ص 891.

(4) هى: المدرسة العادلية الكبرى بدمشق، داخل دمشق، شمالى الجامع بغرب، و تجاه باب الظاهرية، يفصل بينهما طريق، أول من أنشأها نور الدين محمود، و توفى و لم تتم فبنى بعضها الملك العادل أخو صلاح الدين، ثم توفى و لم تتم أيضا، فتممها الملك المعظم عيسى- الدارس جـ 2 ص 359.

(5) الصالحية: قرية كبيرة فى لحف جبل قاسيون. تطل على دمشق-معجم البلدان.

(6) هى: المدرسة الناصرية الجوانية بدمشق، داخل باب الفراديس، شمالى الجامع الأموى، من إنشاء الملك الناصر يوسف بن صلاح الدين يوسف بن أيوب المتوفى سنة 659 هـ/1260 م- الدارس جـ 1 ص 459.

34

القيمرى‏ (1) ، و كسروا الأبواب و الشبابيك، و صعدوا إلى مغارة الدم، و إلى مغارة الجوع، و لم يعص عليهم موضع، و دخلوا إلى جامع الحنابلة، و أخذوا بسطه و كسروا القناديل و المنبر، و دخلوا فى مدرسة الشيخ ضياء (2) فنهبوها، و أخذوا من الصالحية من المطعومات و القمح و الشعير و الدفائن و الذخائر شيئا كثيرا حتى كان الواحد يأتى إلى الخبيئة كأنه هو الذى خبأها من سرعة هدايته إلى مكانها.

و بلغ الناس بالبلد ما جرى بالصالحية، فشق عليهم، و توجه الشيخ تقى الدين ابن تيمية و جماعة إلى شيخ الشيوخ الذى نزل بالعادلية و شكوا إليه الحال، فخرج معهم إلى الصالحية، فسمع التتار بخروجه فهربوا، و دخل أكثر الناس عرايا عليهم الجوالق و البلاسات، و اشتد الأمر و سار التتار إلى قرية المزة (3) ؛ و كان أكثر أهلها لم ينتقلوا عنها فنهبوها، و سبوا أهلها، و فعلوا بها كما فعلوا بالصالحية؛ ثم ساروا إلى داريا فاحتمى أهلها بالجامع، فلم يزالوا حتى دخلوه و فعلوا كما تقدم؛ و قتل من التتار جماعة من أهل داريا جماعة.

ثم خرج الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى مخيم السلطان الذى يسمونه الأردو؛ و كان بتّل راهط، فدخل عليه و لم يمكّن من الإعلام كما ينبغى، بل أذن له فى

____________

(1) البيمارستان القيمرى بدمشق: بسفح قاسيون، أنشأه يوسف بن موسك القيمرى الكردى، الأمير سيف الدين أبو الحسن، المتوفى سنة 654 هـ/1256 م-الدارس جـ 2 ص 271- 272.

(2) هى: المدرسة الضيائية المحمدية بدمشق، بسفح قاسيون شرقى الجامع المظفرى، أنشأها الشيخ الضياء أبو عبد اللّه محمد بن عبد الواحد المقدسى الحنبلى، المتوفى سنة 643 هـ/1245 م- الدارس جـ 3 ص 91.

(3) المزة، قرية كبيرة وسط بساتين دمشق-معجم البلدان.

35

الدعاء و الإسراع، و قيل: إنه كان مشغول الدماغ و لم يعلم بما جرى، و لو علم كان قتل جماعة من المغل، فيحصل بذلك فتنة و تفريق كلمة، فاجتمع تقى الدين بالوزير ابن سعد الدولة و رشيد الدولة[204]و تحدث معهما، فذكر أن جماعة من مقدمى المغول الأكابر لم يصل إليهم شى‏ء من مال دمشق و لا بد من إرضائهم، فدخل الشيخ تقى الدين البلد، و قد ضاق الأمر بالناس، و هم فى شدة عظيمة، و اشتاع بينهم أن قازان يريد الدخول إلى البلد، و قد جعل ما فيه للمغول خاصة، فضاقت صدور الناس، و قيل لهم: من لم يخرج من البلد ندقه فى عنقه، و من أراد الخروج فليخرج إلى الصالحية، و كان هذا الكلام من جهة شيخ الشيوخ، ثم حمل حوائجه و خرج من العادلية، فقالت الناس: لو لم يكن الخبر صحيحا لما خرج مسرعا، فلما كان آخر النهار رجع بعض حوائجه و حضر إليه أعيان البلد و قالوا: إن رسم السلطان أن يضع على البلد شيئا معلوما سعينا فى استخراجه، و يكون مثل الشراء عن السلطان و يمنّ السلطان بالعتق على المسلمين، و كان قد قتل فى هذه الليلة رجلان من متولى أمر المناجيق من جهة أهل القلعة، و كان السلطان غضب من ذلك غضبا شديدا.

و قال الشيخ وجيه الدين بن منجى: أنا أبذل جميع ما أملكه من العين.

و قال الرئيس عز الدين بن القلانسى: قد أخذ منا شى‏ء كثير، و لم يبق إلا أن يموت بعضنا على بعض، كل هذا و شيخ الشيوخ ساكت مصمم لا يفرج كربة عن مسلم، و لكن اشتدّ الطلب من الناس فقرّر على سوق الخوّاصين مائة ألف و ثلاثون ألف من الدراهم، و على سوق الرمّاحين مائة ألف درهم، و على سوق علىّ ستون ألف‏ (1) درهم، و على أكابر البلد ثلاثمائة ألف دينار، و جبيت من حساب

____________

(1) «مائة ألف» -فى السلوك جـ 1 ص 893.

غ

36

أربعمائة (1) ألف، و رسّم عليهم طائفة من المغل، مع كل إنسان طائفة منهم، و ضيقوا عليهم، و عصروا ابن شقير، و وعدوا ابن منجى و ابن القلانصى بوعيد، و المغل محيطون بهم يضربونهم، فصار جميع أهل دمشق فى الذل و الهوان، و كثر النهب فى البلد، و القتل عمّال فى ضواحى دمشق و ضياعها. يقال: إنه قتل ما يقارب مائة ألف إنسان من الجند و الفلاحين و العامّة، و كثر الطلب، و عجز المطلوب، و عسر الأمر على الناس، و كان متولى الطلب الصفىّ السنجارى و علاء الدين أستادار قفجق و أولاد الشيخ على الحريرى الحنّ و البنّ، و كان هؤلاء من أكبر المصائب على الناس، فنظم فيهم الشيخ كمال الدين بن الزملكانى‏ (2) :

لهفى على جلّق يا سوء (3) ما لقيت # من كل علج له فى كفره فنّ

بالطمّ و الرمّ جاءوا و لا عديد لهم # فالجنّ بعضهم و الحنّ و البنّ‏

و قال علاء الدين الوداعى:

دهتنا أمور لا يطاق احتمالها # فسلّمنا منها الإله له المنّ

اتتنا تتار كالرمال تخالهم # هم الجنّ حتى معهم الحنّ و البنّ‏

____________

(1) و ورد «و على سوق على مائة ألف درهم، و على سوق النحاسين ستون ألف درهم، و على قيسارية الشرب مائة ألف درهم، و على سوق الذهبيين ألف و خمسمائة دينار. و قرر على أعيان البلد تكملة ثلاثمائة ألف دينار، جبيت من حساب أربعمائة ألف» -السلوك جـ 1 ص 893- 894.

(2) هو: محمد بن على بن عبد الواحد، كمال الدين الزملكانى، الدمشقى، توفى سنة 727 هـ/ 1326 م-المنهل الصافى.

(3) «يا شر» -فى النجوم الزاهرة جـ 8 ص 126.

37

و قال الشيخ كمال الدين ابن قاضى شهبة (1) :

[205]

رمتنا صروف الدهر منها بسبعة # فما أحد منّا من السبع سالم

غلاء، و غازان، و غزو، و غارة، # و غدر، و إغبان، و غمّ ملازم‏

ثم استهلّ شهر جمادى الأولى: ففى أول ليلة منه بات المغل منتشرين بباب البريد إلى القلعة بسبب حفظ مناجيقهم التى بالجامع، و كانت لهم مدة يحاصرون القلعة، و كسروا دكاكين باب البريد و أخذوا ما فيها، و انتقل الناس من تلك الناحية، و تركوا حوائجهم و أقواتهم، عجزوا عن حملها، و غلقت أبواب الجوامع و ترك منها باب صغير، و انقطع الناس عن الجامع.

و فى الجمعة الأولى من الشهر: نهب دير الحنابلة مرة ثانية، و سبيت من كان فيه من النساء و الأولاد، و من جملة ما أخذوا: مائة و عشرون بنتا، و أسروا القاضى تقى الدين الحنبلى‏ (2) و عملوا فى رقبته حبلا يجرونه به، ثم تركوه.

و أما البلد فأحرقت منه دار الحديث الأشرفية (3) و ما جاورها، و دار الحديث

____________

(1) هو: عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب، كمال الدين، ابن قاضى شهبة، المتوفى سنة 726 هـ/1326 م-المنهل الصافى.

(2) هو: سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن قدامة المقدسى الحنبلى، قاضى القضاة تقى الدين، المتوفى سنة 715 هـ/1315 م-شذرات الذهب جـ 6 ص 35-36.

(3) دار الحديث الأشرفية بدمشق: جوار باب القلعة الشرقى، أنشأها المسلك الأشرف موسى ابن أبى بكر بن أيوب المتوفى سنة 635 هـ/1237 م-الدارس جـ 1 ص 19-20.

38

النورية (1) ، و العادلية الصغيرة (2) و ما جاورها، و أحرقت القيمارية (3) و ما جاورها إلى دار السعادة إلى المارستان النورى، و من الجهة الأخرى إلى المدرسة الدماغية (4) إلى باب الفرج، و أحاطت التتار بالقلعة من جميع الجهات‏ (5) ، و بقيت الأماكن موحشة لا يجسر أحد أن يمرّ بها، و لم تبق حارة و لا محلة إلا و قد دخلها التتار و نهبوها، و اختفى الناس، و كان الرجل إذا حصلت له حاجة يخرج فى أثواب رثّة و هو خائف وجل، ثم عاد مسرعا، و لم يكن يصلى فى الجامع خلف الإمام إلا رجل أو رجلان، و التتار منتشرون فيه لأجل حفظ المناجيق، و شربوا فى الجامع الخمور، و انتهكوا حرمته، و فجروا فيه بالنساء، و نجسوه بالبول، و امتنع الناس من حضور الجمعة خوفا على أنفسهم، و الأمر فى المصادرة و الجباية حثيثا لم يعف عنه أحد لا غنى و لا فقير.

و حصّل لشيخ الشيوخ من البراطيل فوق الثلاثين ألف دينار، و كان لا يزال الدبوس على كتفه، و يفخم كلامه، و لم يكن فيه شى‏ء من أخلاق المشايخ،

____________

(1) دار الحديث النورية بدمشق: أنشأها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى، المتوفى سنة 569 هـ/1173 م، و هو أول من بنى دارا للحديث-الدارس جـ 1 ص 99.

(2) المدرسة العادلية الصغرى بدمشق: داخل باب الفرج شرقى باب القلعة الشرقى، أنشأتها زهرة خاتون بنت الملك العادل أبو بكر بن أيوب-الدارس جـ 1 ص 368.

(3) المدرسة القيمرية بدمشق: بسوق الحريميين بدمشق، أنشأها الأمير ناصر الدين الحسين ابن على القيمرى، المتوفى سنة 665 هـ/1266 م-الدارس جـ 1 ص 441.

(4) المدرسة الدماغية بدمشق: داخل باب الفرج، و هى قبلى و شرقى الطريق الآخذ إلى باب القلعة الشرقى، و هذا الطريق بينها و بين الخندق، أنشأتها زوجة شجاع الدين بن الدماغ العادلى سنة 638 هـ/1240 م-الدارس جـ 1 ص 236.

(5) «و أخذ أرجواش فى هدم ما حول القلعة من العمائر و البيوت، و صيروها دكا لئلا يستتر العدو فى المنازلة بجدرانها، فأحرق ذلك كله» -السلوك جـ 1 ص 893، و انظر ما يلى.

39

و كان كثير الطمغ و كان يستهزئ بقلعة دمشق و يقول: إش هذه؟لو أردنا أخذها أخذناها من أول يوم جئنا، و إنما الملك يريد الرفق.

كل هذا و الناس فى المصادرة، و كان المستخرج من الدراهم برسم خزانة الملك ثلاثة آلاف ألف و ستمائة ألف سوى الدواب و القماش و السلاح و القمح و الشعير، و ذلك غير الذى أخذه المغول من النهب و البرطيل، و حصل لخواجا أصيل الدبن بن النصير الطوسى نحو من مائتى ألف لأنه كان منجم الملك و ناظر الأوقاف التى فى ممالك التتار، و طلب من أوقاف دمشق أجرة النظر عن سنة كاملة، و استخرج الصفى السنجارىّ لنفسه مائة ألف درهم، و كل هذا غير الذى استخرجه قفجق لنفسه و لأمراء المغول، و سوى الرواتب المرتبة للملك فى كل يوم و لخواصه، و نهب لأهل دمشق ما يقارب ذلك، و أحرق من الأملاك و الأوقاف و المدارس ما لا يقدر أحد على ضبط قيمته.

ذكر نسخة فرمان التى كتبها قازان:

[206]لما تولى قازان بظاهر المرج و الغوطة خرج إليه أهل دمشق بمفاتيح أبوابها و نفائس هداياها، فأقبل عليهم و قبل ما أحضروه و أمنهم فكتب فرمان لأهل دمشق و نواحيها و أرسلها بأنهم آمنون و أن مغل لا يتعرضون للرعية و لا لأموالهم، و هم يقيمون جمع ما يختاره الملك، فإن البلاد بلاده و الرعية رعيته، و كتب ذلك على يد الشريف، و صورة ذلك‏ (1) :

____________

(1) كانت بداية الفرمان: «بقوة اللّه تعالى و إقبال دولة السلطان محمود غازان» -كنز الدرر جـ 9 ص 25. و «بقوة اللّه تعالى، و ميامين الملة المحمدية، فرمان غازان» -فى زبدة الفكرة (مخطوط) جـ 9 ورقة 208 أ.

40

ليعلم أمراء التوامين و الألوف، و عموم عسكرنا المنصور من المغل و الكرج و الأرمن أن اللّه نور قلوبنا بالإسلام، و هدانا إلى ملة نبيه عليه السلام‏ (أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ فَهُوَ عَلى‏ََ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (1) . و أتم اللّه علينا نعمته، و أنزل علينا سكينته، و قهرنا العدو الطاغية، و الجيوش الباغية، و صدّرنا أن لا يتعرض أحد من العساكر على اختلاف أجناسها لدمشق و أعمالها، و سائر البلاد الشامية، و أن يكفوا أظفار التعدى عن الأنفس و الأموال و الحريم و العيال، و التعرض لأهل الأديان، و كل راع مسئول عن رعيته‏ (إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ يَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ) (2) .

ثم أرسل قازان إلى دمشق قطلوشاه، و معه يحيى بن جلال الدين، و رشيد الدين المسلمانى، وزيره، و نجيب الدولة اليهودى، مشيره، و الأمراء المصريّون و هم: الأمير سيف الدين قفجق، و الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار، و أكابر دمشق صحبتهم، و كان ذلك يوم الجمعة، و لم يدركوا الخطبة بدمشق، و كان وصولهم دمشق بعد العصر، و دخلوا الجامع، و حضرت أهل دمشق، و قرئ الفرمان على المنبر، و اطمأنت نفوس الناس بعض شى‏ء، ثم أقاموا بها أياما لجباية الأموال كما ذكرنا صورة الجباية.

و أطاع أهل دمشق جميعهم قازان ما خلا الأمير علم الدين سنجر المنصورى المعروف بأرجواش نائب القلعة، و كان من مماليك السلطان الملك المنصور

____________

(1) آية رقم 22 من سورة الزمر رقم 39.

(2) آية رقم 90 من سورة النحل رقم 16. و انظر نص الفرمان فى: زبدة الفكرة (مخطوط) جـ 9 ورقة 258 أ-212 أ، كنز الدرر جـ 9 ص 25-23.

41

القدماء، فإنه أظهر حزما و اجتهادا و يقظة و استعدادا و لم يسلم القلعة، بل صمم على امتناعه و أخذوه بأنواع من الترهيب و الترغيب، فلم يرهب السطا و لا رغب فى العطا، و نصبت عليها المجانيق، فما هاله أمرها و لا فتح لها بابا حتى رحل قازان عن البلاد و لم ينل منها ما أراد، و لما اشتد الحصار و أحاطت بالقلعة جموع التتار خاف أن يستولوا عليها من الأماكن و المساكن التى عليها، فهدم جميع ما حولها من العمائر و البيوت و صيرها دكا، و هدم دار السعادة و كان هدمها من السعادة لئلا يتستر العدو فى المنازلة بجدرانها و يتسلطوا بنصب المجانيق خلف بنيانها، فتناوبوا على حصارها أياما متواترة، و ليالى متكاثرة، و لم ينالوا منها مراما و لا رأوا من نائبها تسليما و لا سلاما، فصبروا إلى أن أدركهم لطف اللّه، فسلموا و صابروا و ما سلموا.

و علم‏ (1) قازان أن أموال دمشق جميعها بالقلعة، و فيها خزانة السلطان الناصر، و أموال الأمراء و غيرهم، و أنه لا يتم له ملك و لا يملك قلعة من قلاع الشام حتى يملك قلعة دمشق، فإن أمر القلاع معدوق بأمرها، فطلب قفجق و بكتمر و غيرهما و استشارهم فى أمرها، فعرفوه أنها قلعة حصينة، و أن نائبها رجل شديد البأس و ما يمكن أخذها إلا بعد قتال شديد و تلاقى العسكر.

و حضر فى ذلك الوقت نجيب الدين وزير قازان من غزنة، فأشار عليه أن يعمل المنجنيق و يتوصل به إلى هدم القلعة (2) ، فرسم له عند ذلك بالإنعام الكثير، فشرع فى عمل ذلك، و ساعده جماعة من أهل دمشق على قطع الأخشاب

____________

(1) بداية ما كتب على هامش الورقتين 206، 207.

(2) «و جاء رجل منجنيقى فالتزم لغازان بأخذ القلعة، و قرر أن ينصب المجانيق عليها فى جامع دمشق» -نهاية الأرب جـ 27 ص 412.

42

و عمل المنجنيق فى وسط الجامع الأموى، فبلغ ذلك أرجواش نائب القلعة، فصبر إلى أن هجم الليل، و أرسل جماعة من القلعة و معهم النفط، فأطلقوا النار أولا فى دار السعادة، ثم فى سائر الأماكن القريبة من القلعة (1) ، فصارت تلك الأماكن شعلة نار، و كان فيها جماعة من التتار، فهربوا منهزمين، فبقيت النار تعمل يومين و ثلاث ليال.

و لما بلغ ذلك قازان غضب غضبا شديدا و أمر لسائر المغل بالركوب، و ركب هو مع الأمراء إلى أن وصل إلى القلعة، و نظر إليها، و استهون أمرها، و أمر بردم الخندق. فقالوا له: لا يمكن ردمه فى شهر لأن المياه مسلطة عليه و صعّبوا أمره، و كان قصدهم إخماد النار، و أشار قفجق أن يخاطب نائب القلعة بحضور قازان و يعد-له-بكل خير، و سمع قازان جوابه، فخرج قفجق و بكتمر و بعض أمراء المغل، فوقفوا قريبا من الخندق، و كان أرجواش قد نصب له كرسى عال‏ (2) بحيث يراهم و يرونه، فلما رأوه سلموا عليه، و سلم عليهم، ثم شرع قفجق يعرّفه عن قازان بالمواعيد و العطايا، و إنه إن لم يفعل فإن الملك يفعل كذا و كذا.

فلما سمع أرجواش كلامه أجابه فأغلظ فى جوابه، فقال له: يا منافق، من يتقرب إلى القلعة؟و اللّه لو تقرب إليها أستاذى الملك المنصور ما كان له عندى غير سهم فى صدره، و لكن قل لقازان يتقدم حتى ينظر ما يجرى عليه، و أخذ فى سبّهم و لعنهم، و بلغ المغل ذلك لقازان، فغضب غضبا شديدا، و أمر

____________

(1) «لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها» -البداية و النهاية جـ 14 ص 9.

(2) «عالى» فى الأصل.

43

عند ذلك «...... » (1) و أحدقوا بجوانبها، و ما شعروا إلا و قد شقتهم سهام من أكف الرماة من سهام قسىّ و جرخ و نفط و مدافع و مكاحل، و كان فى القلعة من الرماة أكثر من ألف رام، فنزلت السهام عليهم مثل المطر، و اختلطت الرجالة بالخيالة، فقتلت طائفة و جرحت آخرون‏ (2) .

و رأى قازان يوما عظيما لم ير مثل ذلك، فتقدم قفجق و الأمراء منه و قالوا له: يا خوند أمهل حتى يفرغ عمل المنجنيق تبلغ به ما تريد، و تلطفوا معه فى الكلام إلى أن رجّعوه، فعند ذلك جهز أمراء من المغل يستعجلون بعمل المنجنيق.

و بقى أرجواش يكشف أمر المنجنيق إلى أن يعرف أنه على الفروغ، فطلب أربعة أنفس من الرجال المعدودين فقال لهم: أنزلوا و اقتلوا صانع المنجنيق و ارموا النفط فيه، فنزلوا و قد بايعوا أنفسهم من اللّه تعالى، فوجدوا المغل نائمين و عامل المنجنيق سهران فى العمل، فوثب بعضهم عليه و ضربه بسكين فى بطنه أخرج أمعاءه، و ضرب كل واحد منهم آخر من رفقته فقتلوا ثلاثة، و رموا فى الأخشاب النفط فعلق من ساعته، و وقع الضرب فى الجامع، و قتل من المغل اثنان، و ركبت المغل و هم متحيرون لم يعرفوا من أين جاءتهم الداهية، و رأوا النار تعمل فى الجامع، و كانت ليلة عظيمة، و دقت الكوسات فى القلعة.

و بلغ ذلك قازان، فصعب عليه جدّا، فطلب الأمير إسماعيل و أمره أن يأخذ معه جماعة من المغل و يتولى عقوبة أهل دمشق و يستخرج منهم الأموال، فركبوا،

____________

(1) «...... » موضع ثلاث كلمات غير مقروءة.

____________

(2) هكذا بالأصل.

44

و رأى أهل دمشق منهم شدة عظيمة، فجاء (1) قفجق إلى قازان و تلطف به و قال له:

يا خوند الأموال لا تستخرج على هذه الحالة، و لكن بالتلطف على الناس.

فأجاب إليه، و عين لذلك جماعة-و قد ذكرناهم-حتى جبوا الأموال التى ذكرناها.

قال صاحب النزهة: و استمر الأمر على أهل دمشق من النهب و أخذ الأموال خمسة و أربعين يوما، فإن قازان نزل الغوطة فى العشر الأول من ربيع الآخر و رحل منها فى منتصف جمادى الأولى‏ (2) ، و اللّه أعلم‏ (3) .

ذكر إرسال قازان جماعة من جيشه ذوى الطغيان إلى الأغوار و بيسان:

و لما وصل قازان إلى دمشق أرسل من عسكره عشرين ألفا مجردين صحبة مولاى‏[207]و أبشغا و جبجك و هلاجو، فنزلوا بالأغوار و بيسان و شنوا الغارات على تلك البلاد. و نهبوا ما وجدوا من المواشى و الأقوات و الأزواد، و قتلوا من وقع فى أيديهم، و انتهت غاراتهم إلى القدس الشريف و الخليل عليه السلام، و وصلوا إلى غزة و قتلوا بجامعها خمسة نفر (4) من المسلمين كانوا به منقطعين، ثم رجعوا إلى الشام و قد عاثوا و نهبوا و سبوا و أسروا جماعات كثيرة، و حصروا قرى كثيرة

____________

(1) «جاء» فى الأصل.

(2) «و رحل غازان فى يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى» السلوك جـ 1 ص 895، «تاسع عشر جمادى الأولى» -فى البداية و النهاية جـ 14 ص 9.

(3) نهاية ما وجد على هامش الورقتين 206، 207.

(4) «و قتلوا بجامعها خمسة عشر رجلا» -السلوك جـ 1 ص 896.

45

و قتلوا من أهلها خلقا كثيرا، و لما وصلوا إلى دمشق-و كان قازان قد رحل بعسكره-جبى له قبجق من أهل دمشق جباية أخرى لأجل مولاى، و خرج تقى الدين بن تيمية إلى مخيم مولاى، فاجتمع به فى مكان، فرأى من معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيرا منهم. و أقام عنده ثلاثة أيام، ثم عاد.

و فى عشية يوم السبت الرابع من رجب‏ (1) : رحل مولاى و أصحابه، و أشمروا عن البلد، و ساروا من على عقبة دمّر، فعاثوا فى تلك النواحى فسادا، و لم يأت سابع الشهر و فى حواشى البلد منهم أحد، و للّه الحمد (2) .

ذكر رحيل قازان من الشام:

لما ملّ قازان من الإقامة على الشام همّ بالرحيل، و كانت إقامته قدر شهرين، ثم رحل متوجها إلى بلاده فى الخامس عشر (3) من جمادى الأولى من هذه السنة، و كان قد ولّى الأمير سيف الدين قفجق النيابة بالبلاد الشامية، و الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار البلاد الحلبية و الحموية، و الأمير سيف الدين إلبكى البلاد الساحلية، ظنا أنه قد صارت الممالك الإسلامية فى قبضته و انحازت إلى حوزته، فلم يتم له ما أراد، و لا بلّغه اللّه شيئا من هذا المراد، و أقام بعد رحيله نائبه قطلوشاه مع جمع كثيف من الجيش، فلما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر المذكور قرى‏ء بالجامع تقليد الأمير قفجق بنيابة السلطنة بالشام،

____________

(1) «و رحلوا عن دمشق يريدون بلادهم فى ثانى رجب» -السلوك جـ 1 ص 896.

(2) البداية و النهاية جـ 14 ص 10-11.

(3) «ثانى عشر» -السلوك جـ 1 ص 895، كنز الدرر جـ 9 ص 31 «السابع عشر من جمادى الآخرة» -التحفة الملوكية ص 159.

غ

46

و تولية الأمير يحيى بن جلال الدين الختنى‏ (1) الوزارة.

و فى يوم الإثنين الثانى و العشرين من الشهر: رحل قطلوشاه و العساكر، ففرح الناس بذلك و اطمأنت قلوبهم، و خرج الناس إلى جبل الصالحية و إلى الحواضر و المزارع و أظهر الناس ما تخلف من أمتعتهم، و جلسوا فى الأسواق و باعوا و اشتروا، و اشتد الغلاء، فبلغ سعر القمح الغرارة منه بثلاثمائة درهم، و من الشعير إلى مائتى درهم، و الرطل الخبز بدرهمين، و الرطل من اللحم بإثنى عشر، و الرطل من الجبن بإثنى عشر، و من الزيت بستة. و البيض كل أربعة بدرهم.

و أما الأمير قفجق فإنه لما عاد من وداع قازان ركب‏ (2) الموكب فى دمشق و العصابة على رأسه، و نادى فيها برجوع الناس، و آمنهم على أنفسهم.

و كان قد حضر إليه بعض أهل الفساد و ضمنوا منه الخمر و بيعه و عين عليه كل يوم ألف درهم و جعل دار ابن جرادة خارج باب توما خمّارة و حانة.

و أخذ أموالا أخر من أوقاف المدارس و غيرها، ثم شرع يركب بالعصابة و الشاويشية بين يديه، و جهّز نحوا من ألف فارس نحو خربة اللصوص، و مشى مشى الملوك فى الولايات و تأمير الأمراء و المراسيم العالية النافذة و الآراء، و صار كما قال الشاعر:

____________

(1) الختنى: نسبة إلى بلدة محتن بالقرب من كاشغر بالتركستان-معجم البلدان.

(2) هكذا بالأصل هو «ورد» و أقام الأمير قطلوشاه مقدم عساكر التتار بعد غازان بدمشق...

حتى سافر ببقية التتار فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين جمادى الأولى، و خرج الأمر قيجق نائب الشام لتوديعه، ثم عاد يوم الخميس خامس عشرينه» -النجوم الزاهرة جـ 8 ص 177.

47

يا لك من قنبرة بمعمرى # خلالك الجوّ فبيضى و اصفرى

و نقرىّ ما شئت أن تنقرى‏ (1)

[208]ثم نهض الشيخ تقى الدين بن تيمية و اجتمع بالأمير قفجق و قال له: إن الذى فعلته من ضمان الخمور شنعة كبيرة، و ثلمة عظيمة فى حق الإسلام، و استأذنه فى إبطاله، فأذن له، و خرج بنفسه و أراق ظروف الخمر جميعها.

و لما كان يوم الجمعة (2) رسم للخطيب بإعادة الخطبة فى سائر الجوامع باسم السلطان الملك الناصر، و كان بالجامع الأموى ذلك النهار بكاء عظيم و تضرع إلى اللّه تعالى و تذاكر بما كانت الناس فيه من الشدة و النهب و السبى، و كانت مدة انقطاع الخطبة عن ملك الإسلام نحو مائة يوم، ثم أعادها اللّه تعالى.

و كان تقدير الذى حمل إلى خزانة قازان ثلاثة آلاف ألف دينار (3) سوى ما أخذ من البراطيل للأمراء و الوزراء و أكابر المغل، و هذا هو الذى حصره ابن المنجى، و أما الذى نهب من دمشق و الأماكن التى ذكرناها فإنه لا يمكن حصره، و كذا الذى كسبه الأمراء و الجند يوم الهزيمة، و ذكر أن الذى صحبهم من الأسرى أحد عشر ألف نفس من الرجال و النساء و الأطفال، و كان معظمهم من جبل

____________

(1) البداية و النهاية جـ 14 ص 10.

(2) «يوم الجمعة سابع عشر رجب» -فى البداية و النهاية جـ 14 ص 11.

(3) «قال ابن المنجا: إن الذى حمل إلى خزانة قازان خاصة نفسه ثلاثة آلاف ألف و ستمائة ألف» -النجوم الزاهرة جـ 8 ص 127.

48

الصالحية و لم يصحب معهم‏ (1) إلى البلاد إلا القليل منهم، فإن منهم من هرب بالليالى، و منهم من مات، و منهم من اختفى، و أخذوا من البلد فوق عشرة آلاف فرس، و كان معظم فسادهم فى جبل الصالحية، و كان غالب ذلك من طائفة الأرمن، فإن صاحب سيس كان فى قلبه حزازات من فعل المسلمين فى بلاده التى أخذت منهم‏ (2) ، و ضياعه التى أخربت، و رجاله الذين قتلوا، و الغارات التى كانت تتواتر على بلاده من جهة المسلمين، و لما اتفق من نصرة قازان ما اتفق حضر صاحب سيس قدام قازان و سأله أن يمكنه من الدخول من الباب الشرقى و الخروج من باب الجابية، و يضع السيف بين البابين و يشتفى من المسلمين و يقيم بألف ألف دينار، فوقف قفجق فى طريقه و تحدث مع قازان و قال له:

قد ملكت هذه البلاد و هى فى يدك و المال الذى تحمله هذا تأخذه من أهل الشام من غير سفك دم، و ما زال به حتى طرد صاحب سيس عن مراده.

ذكر صور الفرمانات التى كتبها قازان:

و هى أربعة:

الأول: كتبه إلى الأمراء و العساكر و الجيوش و الأكابر،

و هذه نسخته‏ (3) :

ميامين الملة المحمدية (4) ، فرمان غازان، ليعلم‏ (5) الأمراء و الأكابر و أشراف السادات العظام، و المشايخ الكرام، و سائر مشاهير الأعراب، من الخواص

____________

(1) هكذا بالأصل.

(2) هكذا بالأصل بصيغة الجمع.

(3) انظر زبدة الفكرة (مخطوط) جـ 9 ورقة 208 أ-212 أ.

(4) «بقوة اللّه تعالى» و ميامين الملة المحمدية» -فى زبدة الفكرة.

(5) «أعلم» -فى زبدة الفكرة.

49

و العوام، إنه فى كل زمان يقتضى الدوران. يرسل اللّه تعالى نبينا لهداية العالم، و دلالة الإنسان إلى طريق الصواب. و حفظ الأساطير فى مال الدين، فلما انتهت النوبة إلى خاتم النبيين محمد المصطفى الذى أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، أرسله إلى جميع الخلائق ليهدى كافة الأنام من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، و يرشدهم من علائق الجثمانيات إلى زوايا الروحانيات، و يزيّنهم بكمال الدين و تهذيب الأخلاق، و أنزل عليه القرآن العظيم، [209]و علمه الأحكام الشرعية الشريفة المطهرة لينقذ بها التابعين من نار جهنم، فالواجب على كل أحد متابعة هذا النبى و مطاوعة شريعته، و الذى يخالفه يكون مأواه‏ (1) جهنم و بئس المصير، و من أول بعثته و مفتتح رسالته إلى زماننا هذا كلما وقع فى أمور الدين الخلل و ظهر الوهن فى شريعة المسلمين، و أقدم الإنسان على العصيان و أصر على الطغيان، أظهر لهم‏ (2) من أولى الأمر شخصا يقوى الأمور الدينية و يزكى الخلائق طرا، و ينهاهم عن الأمور المستنكرة، و يردّهم إلى الطرائق المستقيمة المستحسنة، و قبل زماننا (3) هذا قد ظهر المشركون و عبدة الأوثان، و الجماعة الذين كانوا يلايمونهم من المسلمين الذين يقولون آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم، ظلموا و تعدّوا، و كانوا يعلّمونهم الحيف و الجور على الرعية و غصب أموالهم و أكل الربا (4) ، و ترك الصلاة و الزكاة و الصيام و الصدقات و أعمال البر.

____________

(1) «مأواهم» -فى الأصل، و التصحيح من زبدة الفكرة، و يتفق مع السياق.

(2) «سبب له» -فى زبدة الفكرة.

(3) «زمان» -فى الأصل، و التصحيح من زبدة الفكرة.

(4) «الربوا» فى الأصل.

50

و قدر اللّه من المعجز النبوى المصطفوى المحمدى على صاحبه الصلاة (1) و السلام أننا من أولاد جنكز خان الأعظم الذى تحت حكمهم معظم الأقاليم العظيمة دخلنا فى هذا الدين القويم و الصراط المستقيم بغير تكليف، بل جلا نور هداية الحق و دين النبى المصطفى على قلوبنا، و كرّمنا اللّه بالإسلام، و فضلنا بالعدل و الإحسان، و رسخ فى قلوبنا محبة الدين الحنيفى، و وفقنا اللّه تعالى بالجهاد فى قتل المشركين و عبدة الأوثان و المخالفين، و هدم بيوت الأصنام و دفع شر الظالمين، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، كما أمر اللّه فى محكم كتابه: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ (2) الآية. فأمرنا فى الممالك كلها ببناء المساجد و نصب المنابر و إقامة الصلوات و إيتاء الزكاة (3) ، و نهينا عن أخذ الربا (4) ، و منعنا من سائر أنواع الظلم و الخطأ، فإن الظلم مرتعه وخيم، و قررنا فى بلاد الإسلام الأموال المقننة لمصالح عساكر الإسلام عند المجاهدة فى سبيل اللّه عز و جل، حسبما اقتضاه الشرع المطهر بلا إحداث قاعدة و لا حيف و لا عدوان و لا تطاول على أحد من المسلمين، و اجتهادنا فى استخدام هذه المعانى زائد عن الحد، اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا وَ مََا كُنََّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاََ أَنْ هَدََانَا اَللََّهُ (5) .

و حيث آباؤنا و أجدادنا سمّونا غازان، كان ذلك بتقدير اللّه عز و جل فى الأزل فى الإلهام الإلهى الملهم بالتلقيب لهذا الاسم الذى هو مشتق من الغزو،

____________

(1) «الصلوة» فى الأصل.

(2) جزء من الآية رقم 90 من سورة النحل رقم 16.

(3) «الزكوة» فى الأصل.

(4) «الربوا» فى الأصل.

(5) الآية رقم 43 من سورة الأعراف رقم 7.

51

أوجبنا على أنفسنا الغزو و الجهاد، و قمع المشركين و الخوارج و المتمردين و الظالمين، و سمعنا أن أهل مصر و الشام الذين أمسى منهم مسلمون مالهم عهد و لا ميثاق و لا أمانة و لا ديانة، و يأخذون أموال المسلمين، و يقصدون دماءهم‏ (1) ، توجهنا قاصدين دمارهم لدفع الحركات الرديّة البادية منهم، و إثباتهم على دين الإسلام ليكونوا هم و ذرياتهم مفلحين من أهل الجنة، و يحصل لنا ثواب الاجتهاد، و يردّهم السؤال فى معنى خللهم و زللهم فى دين الإسلام. و الجواب أنهم لما تحققوا أننا أولاد سلاطين ربع أقاليم الأرض، و إنا مسلمون و معاونون دين الإسلام يجب على كل أحد[210]مطاوعتنا، اقتداء بكلام اللّه عز و جل: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ، (2) فحيث عصى من عندنا سولتمش، [و انخرط فى الخوارج و المرتدين‏] (3) ، و أقدم على إيذاء المسلمين ببعض بلاد الروم، و تخريب بيوتهم، و نهب أموالهم، هرب من عسكرنا المنصور، و توجه إلى تلك البلاد، كانت الشريعة النبوية و الشفقة الإسلامية تقتضى أن تمسكوه و تبعثوه مغلّلا بالحديد، مسلسلا إلى عتبتنا العالية، فتغافلتم و تهاونتم عن هذا، بل زودتموه بالعساكر و الأنعام و النجدة إلى فوج من التركمان، و وعدتموه مواعيد عرقوب حتى يقع القتال بين المسلمين من عسكرنا المغول‏[و ساكنى بلاد الروم، و عسى ما بلغهم أن جميع عسكرنا من

____________

(1) يشير بذلك إلى إغارة العسكر الحلبى على ماردين سنة 696 هـ، انظر ما سبق بالجزء الثالث من هذا الكتاب ص 365 و ما بعدها.

(2) الآية رقم 59 من سورة النساء رقم 4.

(3) []إضافة من زبدة الفكرة.

52

المغول‏ (1) ]و الأيغورية و القفجاق و الخطائية، و كل من كان بعد هذا من اختلاف الملل دخلوا كافة وطرا بصدق النية فى الإسلام، و أدركهم بتوفيق اللّه حسن الاتفاق، و ارتضعوا أفاويق الوفاق، و نحن كأسنان المشط فى الاستواء و النفس الواحدة فى التئام الأهواء، و ما كان فينا من لم يؤمن بربّه الأعلى و نبيه المصطفى، و عاش‏ (2) على دين المغول ثمانين عاما، فإنه فى هذه السنة آمن باللّه و الملة الحنيفية و دخل فى زمرة المهتدين و الحمد للّه رب العالمين.

و إذا كنتم متهاونين فى قضية سولتمش و سائر الطاغين‏ (3) ، فاللّه تعالى الذى هدانا للصراط المستقيم ردّه مقيدا (4) مكبلا على يد أقل مملوك من مماليكنا، فجاءوا به إلى عتبتنا العالية لما أنعم اللّه علينا بالدين القويم، و وفقنا لتشييد قواعد سنن رسوله الكريم، و أرشدنا فى عنفوان الصّبا و ريعان الحداثة للانخراط فى سلك أمة محمد عليه أفضل الصلاة و السلام، و على آله و صحبه الكرام، عسى لم يعجبكم تقوية دين اللّه عز و جل التى نحن مصرّون عليها. و لو وصل لأجل هذا لقلوبكم البهجة و السرور لشكرتم الرحيم الغفور، و بعثتم من يهنئنا بدخولنا فى دين الحق من إخوانكم و أقاربكم، فما فعلتم من هذا شيئا (5) ؟ألا إن من اعتصم باللّه كفاه.

و أيضا من أفعالكم المذمومة أن تنصبوا فى كل شهر و عام سلطانا، و تبايعون و تحلفون على طاعته و الإعراض عن مخالفته، ثم تخالفونه بعد قليل، و تقتلون

____________

(1) []إضافة من زبدة الفكرة.

(2) «إلا مرليه فإنه عاش» -فى زبدة الفكرة.

(3) هكذا بالأصل.

(4) «رده اللّه مقيدا» -فى زبدة الفكرة.

(5) «فما فعلتم شيئا من هذا» -فى زبدة الفكرة.

53

ذوى الأمر منكم خلافا لما أمر اللّه فى كتابه العزيز بطاعة أولى الأمر منكم.

و تنقضون ميثاقكم، و لم توفوا بعهدكم حتى تصيروا من‏ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ (1) ، و أى جرح أقبح من هذا.

و أما سائر أخلاقكم و عدم مشروعيتها فهى واضحة غير خافية، و مستغنية عن الشرح و التفصيل. فقد وافقنا مع عمنا (2) خان الأعظم و سائر أعمامنا و إخوتنا و عشائرنا فمنهم: قايدو، و نوقاى. و توفتا، و قرمجى، [وطو] (3) ، و غيرهم، و ها نحن متوجهون بأنفسنا إلى تلك البلاد بالعساكر الكثيرة التى ما لها نهاية و لا حدّ، و الكتائب الجرارة التى لا تحصى و لا تعدّ، و من ولاية الإفرنج و الروم و التكفور و ديار بكر و بغداد بعثوا أفواجا كثيرة لا تعد، و جما غفيرا لنهدى بهم سهيل الرشاد، و ندفع عن سائر المسلمين الشر و الفساد.

[211]فإن كنتم تتبعون الهدى و تستقبلون عساكرنا المنصورة، فنحن فى هذه النهضة الميمونة عازمون على أن لا يصدر عن أمرنا المطاع إلاّ إطفاء النائرة، و محافظتهم فى الأمن و الأمان، ليستريح المسلمون فى عهد الشفقة و الإحسان، تعظيما لأمر اللّه و شفقة على خلق اللّه، و قد حرمنا على عساكرنا المنصورة التعرض إلى نفوس المسلمين و الطموح إلى أموالهم، فإن لم تسمعوا ما رسمنا و نصحنا:

فـ:

السيف أصدق أنباء من الكتب # فى حدّه الحدّ بين الجدّ و اللعب‏

____________

(1) الآية رقم 27 من سورة البقرة رقم 2.

(2) «قاآن» -فى زبدة الفكرة.

(3) []إضافة من زبدة الفكرة.

54

و لما كانت همتنا المنصورة مقصورة على وضع قواعد العدل و الإنصاف» و عزمتنا المنيفة مصروفة إلى رفع قوانين الزور و الاعتساف بحيث يستقيم الأمر فى مركزه تأسّيا بقوله تعالى: يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ (1) الآية.

و لهذا توجهنا إلى تلك الجهات، و كيف يجوز تعذيب الرعية من غير جريمة صادرة عنهم لا سيما سفك دمائهم و سبى حريمهم‏ (2) ، فتجب علينا محافظتهم‏ (3) و دفع الأسواء عنهم بموجب قوله صلى اللّه عليه و سلم: «كلكم راع و كل راع مسئول عن رعيته‏ (4) » . و التزمنا بمحافظة الرعية فى أنفسهم و أموالهم، و السعى فى ترفيه خواطرهم و تطييب قلوبهم، فينبغى أن يسكنوا فى دورهم آمنين مستكنّين، و يقيموا أسواقهم و يرتبوها، و يشتغلوا بالكسب و المعاملات بعد أداء وظائف العبادات و إقامة مراسم الطاعات، داعين‏ (5) لدوام هذه الدولة القاهرة، و دوام أيامنا الزاهرة (6) ؛ إذ وجب عليهم و على كافة المسلمين طاعتنا لقوله تعالى و أمره بطاعة أولى الأمر منكم‏ (7) ، و عليهم أن يخطبوا على المنابر باسمنا، و عند قرب

____________

(1) جزء من الآية 26 من سورة ص رقم 38.

(2) هكذا بالأصل.

(3) هكذا بالأصل.

(4) قال عليه الصلاة و السلام: «ألا كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته» -انظر سنن أبى داود-جـ 3 باب الخراج و الإمارة و الفئ ص 130 حديث رقم 2928.

(5) «لداعين» فى الأصل.

(6) «الزاهرة» ساقط من زبدة الفكرة.

(7) يشير إلى قوله تعالى‏ «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» - جزء من الآية رقم 59 من سورة النساء رقم 4.