زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج2

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
823 /
437

الجزء الثاني‏

[عصر الدولة الأتابكية] (1)

[عماد الدين زنكي‏]

و قيل: إنّ ختلغ أبه لم يزل بالقلعة حتى وصل أتابك فنزل إليه.

و صعد أتابك إلى القلعة، يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة، من سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة، و ارتاد موضعا ينقل أباه قسيم الدّولة إليه و يدفنه به، و كان مدفونا بالقبّة التي على جبل قرنبيا، فعرض عليه بدر الدّولة نقل أبيه إلى المدرسة التي أنشأها بالزّجّاجين.

و قيل: إنّ أبا طالب بن العجمي طلب منه ذلك، فنقله و رفعه في اللّيل من سور حلب، و دفنه في البيت الشّمالي من المدرسة (2)، و اتّخذه تربة لمن يموت من أولاده و وقف على المقرئين على تربة والده القرية المعروفة بشامر (3).

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- انظر الآثار الاسلامية ص 90- 91.

(3)- تبعد شامر عن مدينة حلب مسافة 12 كم و هي من قرى منطقة جبل سمعان.

438

و أما الملك ابراهيم بن رضوان فإنّه هرب منه إلى نصيبين، و كانت في أقطاعه إلى أن مات.

و أما ختلغ أبه فانه سلّمه إلى فضائل بن بديع فكحله‏ (1) بداره، ثم قتله أتابك بعد ذلك.

و قيل: إنّ بدر الدّولة هرب منه عند ذلك؛ و هرب فضائل بن بديع إلى قلعة ابن مالك خوفا من أتابك.

و ولّى أتابك رئاسة حلب الرئيس صفيّ الدّين أبا الحسن علي بن عبد الرّزّاق العجلاني البالسيّ، فسلك أجمل طريقة مع النّاس.

و خرج أتابك من حلب، و سار حتّى نزل أرض حماة، فوصله صمصمام الدّين خير خان بن قراجا، و تأكّدت بينهما مودّة لم تحمد عاقبتها- فيما نذكره بعد- و كذلك وصله سونج ابن تاج الملوك.

ثم سار أتابك‏ (2) بعد ذلك، فوطى‏ء بساط السّلطان، في سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة؛ و عاد بالتّواقيع السلطانيّة بملك الغرب كله، و دخل الموصل، ثم فتح قلعة السّنّ‏ (3)، و توّجه إلى حلب، و رعى عسكره زرع الرّها.

و عبر أتابك الفرات إلى حلب بتوقيع السّلطان محمود، و قد كان السلطان آثر أن تكون البلاد لدبيس، فقبّح المسترشد ذلك، و كاتب‏

____________

(1)- التكحيل هنا: امرار ميل محمى على الجفنين حتى يلتصقا.

(2)- لزنكي ترجمة جيدة في بغية الطلب ص 3845- 3857.

(3)- السن مدينة على دجلة فوق تكريت عند مصب الزاب الأسفل. معجم البلدان.

439

السّلطان و قال له فيما قال: إنّ هذا أعان الفرنج على المسلمين و كثر سواد الكفار؛ فبطل هذا التدبير.

و استقرّ ملك أتابك بالموصل، و الجزيرة، و الرّحبة، و حلب، و التوقيع له بجميع البلاد الشّاميّة و غيرها.

و تزوّج أتابك خاتون بنت الملك رضوان، و بنى بها في دير الزّبيب‏ (1)؛ و كانت معه إلى أن فتح الخزانة بحلب، و اعتبر ما فيها، فرأى الكبر (2) الّذي كان على أبيه أقسنقر، حين قتله تتش جدّها، و هو ملوّث بالدّم، فهجرها من ذلك اليوم.

و قيل: إنّه هدم المشهد الّذي على قبر رضوان، عند ذلك.

و دام أتابك مهاجرا لها إلى أن دخلت على القاضي أبي غانم قاضي حلب؛ و شكت حالها، فصعد إليه، و كان جبارا إلّا أنه ينقاد إلى الحقّ، و إذا خوّف باللّه خاف، فخرج ليركب، فلما ركب ذكر له القاضي ما ذكرته خاتون، فساق دابّته أتابك، و لم يردّ عليه جوابا، فجذب القاضي أبو غانم بلجام دابته، فوقفت، و قال له: «يا مولانا، هذا الشّرع لا ينبغي العدول عنه»، فقال له أتابك: «اشهد عليّ أنّها طالق»، فأرسل اللجام و قال: «أمّا السّاعة فنعم!».

____________

(1)- خارج مدينة حلب. بغية الطلب ص 3852.

(2)- الكبر: قباء محشو يتخذ للحرب. المعرب للجواليقي ص 252. الحاشية 2.

440

و استوحش الأمير سوار بن أيتكين من تاج الملوك بوري صاحب دمشق، و كان في خدمته، فورد إلى حلب إلى خدمة أتابك، في سنة أربع و عشرين، فأكرمه و شرّفه، و خلع عليه، و أجرى له الإقطاعات الكثيرة، و أعطاه ولاية حلب و أعمالها، و اعتمد عليه في قتال الفرنج، و كان له بصيرة بالحرب و تدبير الأمور؛ و له وقعات كثيرة مع الفرنج و مواقف مشهورة أبان فيها عن شجاعة و إقدام، و صار له بسببها الهيبة في قلوب الكفّار الأغتام.

و عزم أتابك في السّنة على الجهاد، و كتب إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق، يلتمس منه المساعدة، فأجابه إلى ذلك و تحالفا على الصّفاء.

و كتب تاج الملوك إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة، يأمره بالخروج بعسكره، و جهّز إليه من دمشق خمسمائة فارس، و جماعة من الأمراء مقدّمهم شمس الخواص؛ فخرجوا حتّى وصلوا إلى مخيّم أتابك على حلب، فأكرمهم و تلقّاهم، و أقاموا عنده ثلاثا، ثم أظهروا الغارة على عزاز، و ركبوا و عطفوا على سونج، و غدر به و بأصحابه، و نهب خيامهم و أثقالهم و كراعهم، و هرب بعضهم، و قبض على سونج و الباقين، و حملهم إلى حلب، و اعتقلهم فيها.

و سار من يومه إلى حماة فأخذها يوم السّبت ثامن شوال، و أقام بها أياما، و طلبها خير خان بن قراجا صاحب حمص، و بذل عليها مالا، فسلّمها إليه بكرة الجمعة رابع عشر شوال، و ضربت بوقاته عليها، و خطب‏

441

له الخطيب على المنبر، فلمّا كان وقت العصر من ذلك اليوم قبض عليه و نهب خيامه و جميع ما فيها.

و سار فنزل حمص، فقاتلها أربعين يوما لم يظفر فيها بطائل غير الربض، و كان يربط خير خان على غراير التّبن، و يعاقبه و يعذّبه أنواع العذاب، و انتقم اللّه منه ببعض ظلمه في الدّنيا، و هو كان يحرّض أتابك على الغدر بسونج، فكأفأه اللّه‏ (1).

و هجم الشّتاء فعاد أتابك إلى حلب في ذي الحجّة.

و ملكت أنطاكية زوجة البيمند بنت بغدوين، و حالفت جماعة من الفرنج على قتال أبيها، و وقع بين الفرنج شرّ (2).

و هجم المسلمون ربض الأثارب، و ربض معرّة مصرين؛ فوصل بغدوين من البيت المقدّس، و أغار على أنطاكية و أخذ قوما من أصحاب ابنته، فقطع أيديهم و أرجلهم.

و فتح قوم من السر جندية (3) باب أنطاكية، فدخلها في سنة خمس و عشرين، فطرحت ابنته نفسها عليه، فصفح عن ذنبها، و أخذ أنطاكية، و وهبها جبلة و اللّاذقية، و عاد إلى القدس.

____________

(1)- انظر تاريخ ابن القلانسي ص 361- 362 (حوادث سنة 524 ه).

(2)- انظر وليم الصوري ص 658- 660.

(3)- غالبا ما كان السرجندية من المشاة ذوي التسليح الثقيل و ممن كانت الكنيسة تتولى الإنفاق عليهم.

442

و توجّه أتابك إلى الموصل في سنة خمس و عشرين و خمسمائة، و استصحب معه سونج بن تاج الملوك، و بعض المقدّمين، من عسكر دمشق؛ و ترك الباقين بحلب؛ و تردّدت المراسلات في إطلاقهم، فلم يفعل؛ و التمس عنهم خمسين ألف دينار أجاب تاج الملوك إلى تحصيلها و حملها.

و وقع في هذه السّنة وقعة بين جوسلين و سوار، بناحية حلب الشماليّة، فكانت الغلبة لجوسلين؛ و قتل من المسلمين جماعة، و خرج سوار بعد ذلك فهجم ربض الأثارب و نهبه.

[دبيس بن صدفة عند زنكي‏]

و وصل دبيس في هذه السنة منهزما من المسترشد، و كان قد كسره عسكر المسترشد في هذه السّنة، فانهزم و خفي خبره عن كلّ أحد، فظهر بعد مدّة أنّه وصل إلى قلعة جعبر، و أودع ابن السلطان عند مالك صاحبها، و سار إلى جوسلين، و استند إلى الفرنج فلم ير ما يعجبه.

و كاتب تمرتاش ثم خاف من غدره، و أن يفادي به خير خان، فسار إلى بلد دمشق، فنزل ضالا على مكتوم بن حسّان.

و قيل: كان سائرا إلى صاحبة صرخد ليتزوّجها، فضلّ في الطريق، و لم يكن معه دليل عارف بالمناهل.

و قيل: كان قاصدا حلّة مرى، فهلك أكثر أصحابه.

و حصل في حلّة حسان كالمنقطع الوحيد في نفر يسير من أصحابه،

443

فأنهض تاج الدّولة بوري العسكر إليه حينما سمع به، فأسره، و وصلوا به إلى دمشق، لستّ خلون من شعبان سنة خمس و عشرين‏ (1)؛ و أنزله في دار بقلعة دمشق، و أكرمه و أضافه، و حمل إليه من الملبوس و المفروش ما يليق به، و اعتقله اعتقال كرامة. و كاتب المسترشد في أمره، فردّ عليه الجواب بالاحتياط عليه إلى أن يصل من يحمله إلى بغداد.

فلمّا عرف أتابك زنكي ذلك، أنفذ رسوله إلى تاج الملوك يطلب تسليم دبيس إليه، و أن يطلق له الخمسين ألف دينار المقرّرة عن ولده سونج و بقيّة العسكر، فأجاب إلى ذلك، و تقرّر الشّرط عليه.

و وصل أتابك زنكي إلى قريب قارا بسونج و المعتقلين؛ و توجّه أصحاب تاج الملوك بدبيس فتسلّمه زنكي، و حمله في محفّة مقيّدا؛ و سلّم سونج بن تاج الملوك و جماعته إلى أصحابه.

و كان يظنّ دبيس أنّ أتابك زنكي يهلكه، فلمّا وصل إلى حلب أطلقه و أكرمه، و أنزله بحلب في دار لاجين، و أعطاه مائة ألف دينار، و خلع عليه خلعا فاخرة (2).

و كان عرض لدبيس في طريقه و هو مكبّل بالحديد شاعر امتدحه بأبيات، و لم يكن معه ما يجيزه، فكتب له في رقعة هذين البيتين، و دفعهما

____________

(1)- مرى بن ربيعة، و حسان بن مكتوم. انظر بغية الطلب ص 3481- 3482. تاريخ ابن القلانسي ص 366.

(2)- انظر بغية الطلب ص 3482.

444

إليه:

الجود فعلي و لكن ليس لي مال‏* * * و كيف يصنع من بالفرض يحتال‏

فهاك خطّي إلى أيّام ميسرتي‏* * * دينا عليّ فلي في الغيب آمال‏

فجاءه الشّاعر بحلب، و قد خرج مسيّرا في ميدان الحصا، فقال له:

«يا أمير لي عليك دين!» فقال: «و اللّه ما أعرف لأحد عليّ دينا»

فقال: «بلى، و شاهده منك»، و أخرج له خطّه؛ فلمّا وقف عليه قال: «إي و اللّه دين و أيّ دين!» و أمره أن يأتي إليه إذا نزل، فأتاه فأعطاه ألف دينار و الخلعة التي خلعها أتابك زنكي عليه، و كانت جبّة أطلس و عمامة شرب.

و حصل دبيس بعد ذلك عند السّلطان مسعود، في سنة تسع و عشرين، حتى كسر مسعود المسترشد و أسره على باب مراغة (1).

و سيّر السّلطان إلى أتابك زنكي يستدعيه، فكتب إلى أتابك يعلمه و يحذّره من المجي‏ء فامتنع، و كان السلطان قد سيّر دبيسا إلى الحلّة، و اطّلع بعد ذلك على فعل دبيس، فردّه، و حذّره النّاس فلم يفعل فوصل، فلما وصل إلى الخيمة قام السّلطان عن السّرير، و قال: «هذا جزاء من يخون مولاه». و ضرب رأسه فأطاره، فبلغ ذلك زنكي فقال: «فديناه بالمال و فدانا بالرّوح».

____________

(1)- مراغة بلدة مشهورة عظيمة و هي أعظم بلاد أذربيجان و أشهرها. معجم البلدان.

445

و وصل سديد الدّولة بن الأنباريّ كاتب الإنشاء للمسترشد إلى تاج الملوك، في أواخر ذي القعدة لتسليم دبيس إلى من يحمله إلى بغداد، فوجد الأمر قد فات، فعاد فصادفته خيل أتابك زنكي بناحية الرّحبة فأوقعوا به، و قبضوه، و نهبوا ما كان معه حتّى نهبوا القافلة الّتي كانت معه، و قتل بعض غلمانه، و لقي شدّة عظيمة من الاعتقال إلى أن أطلق، و عاد إلى بغداد.

و في سنة ست و عشرين و خمسمائة، فتح الملك كليام رام حمدان‏ (1)، و سار أتابك و دبيس إلى بغداد، مباينين للمسترشد، و عزما على أن يهجما بغداد، فبذل لهما الحلّة، و أن يدخل نائبهما بغداد، فأبيا فخرج إليهما المسترشد بنفسه، و التقوا في شعبان على عقرقوف‏ (2) فكسرهما، و عاد أتابك زنكي إلى الموصل، و سار دبيس إلى السّلطان سنجر.

و وقع بين الفرنج، في هذه السنة، فتن، و قتل بعضهم بعضا، و قتل صاحب زردنا، و نزل التركمان على بلد المعرّة و كفرطاب، و قسموا المغلّات، فاجتمع الفرنج و هزموهم عن البلد، و فتحوا حصن قبّة ابن ملاعب، و أسروا منه بنت سالم بن مالك و حريم ابن ملاعب، و خرّبوا الموضع.

و أوقع الأمير سيف الدّين سوار بفرنج تلّ باشر، و قتل منهم خلقا كثيرا، و وثب قوم من أهل الجبل على حصن القدموس، فأخذوه و سلّموه‏

____________

(1)- رام حمدان من قرى ناحية معرتمصرين، محافظة ادلب، و تبعد عن ادلب مسافة 15 كم.

(2)- عقرقوف قرية من نواحي دجيل، بينها و بين بغداد أربعة فراسخ.

446

إلى سيف الملك بن عمرون، فاشتراه أبو الفتح الدّاعي الباطنيّ منه.

و وصل صاحب القدس إلى أنطاكية، و جمع و خرج إلى نواز، و سار إلى قنّسرين في جموع الفرنج، و التقوا بعسكر حلب و سوار، و في سنة ثمان و عشرين في ربيع الأوّل، فكسروا المسلمين، و قتلوا أبا القاسم التركماني، و كان شجاعا، و قتلوا القاضي أبا يعلى بن الخشّاب، و غيرهما.

و تحوّل الفرنج إلى النّقرة، فصالحهم سوار و العسكر، فأوقعوا بسريّة منهم، فقتلوهم، و عادوا برؤوسهم و أسرى منهم، فسرّ النّاس بذلك بعد مساءتهم بالأمس.

و أغارت خيل الرّها من الفرنج ببلد الشّمال، و هي عابرة إلى عساكر الفرنج، فأوقع بهم سوار و حسّان صاحب منبج و قتلوهم بأسرهم و حملوا الرؤوس و الأسرى إلى حلب‏ (1).

و فتح شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك حماة من يد نائب صلاح الدّين‏ (2)، و كان قد عزم على ذلك، فتحصّن و اليها، فانتهى ذلك إلى شمس الملوك، فخرج في العشر الأواخر من شهر رمضان، و عزم على قصدها و النّاس بها غافلون.

و هجم يوم العيد على من فيها و زحف في الحال فتحصّنوا منه، فعاد في‏

____________

(1)- انظر ابن القلانسي ص 374 (حوادث سنة 527 ه) مع الحواشي.

(2)- صلاح الدين اليغيسياني، من أكبر شخصيات دولة زنكي.

447

ذلك اليوم، و قد نكا أصحابه في أهلها، ثمّ زحف عليها زحفا قويا، فانهزموا بين يديه، و هجم البلد فطلبوا الأمان فأمّنهم، و حلّفه و الي القلعة على أشياء اقترحها، و أجابه إليها و سلمها إليه، فسلّمها إلى شمس الخواصّ.

و حصر المسترشد الموصل، و ثارت الحروب بين السّلاطين، فبلغ المسترشد ما أزعجه، فعاد عنها، فوصل حسام الدّين تمرتاش إلى خدمة أتابك زنكي، فسار معه إلى لقاء داود بن سكمان بن أرتق، فكسره أتابك بباب آمد، و انهزم داود و أسر ولده، و قتل جماعة من أصحابه، و ذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة.

و نزل على آمد و حصرها، و قطع شجرها، فصانعه صاحبها بمال، فرحل عنها إلى قلعة الصّور ففتحها، و فتح البارعيّة، و جبل جور، و ذا القرنين، و وهب ذلك كلّه لحسام الدّين تمرتاش، و فتح طنزة فاستبقاها لنفسه‏ (1).

و تزوّج أتابك صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي.

و استولى أتابك على العقر (2) و شوش‏ (3) و غير ذلك من قلاع الأكراد؛

____________

(1)- أتى ابن الأزرق الفارقي على ذكر تفاصيل هذه الحوادث، انظر ص 5250 مع التعريف بالأماكن الجغرافية.

(2)- عقر الحميدية قلعة حصينة كانت للأكراد ببلاد الموصل- الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ص 811.

(3)- عند ابن الأزرق «تل شيح» و وافقت رواية ابن العديم هنا رواية ابن الأثير ج 8 ص 343.

448

و أغار في هذه السّنة سوار على الجزر و حصن زردنا، و أوقع بالفرنج على حارم، و شحن على بلد المعرّتين، و عاد بالغنائم إلى حلب.

و استوزر زنكي في هذه السّنة ضياء الدين أبا سعد الكفرتوثي، و كان مشهورا بحسن الطّريقة و الكفاية و حبّ الخير و المذهب الحميد، و قدم معه إلى حلب، و عزم على قصد دمشق و مضايقتها.

و ذكر العظيميّ في تاريخه: «أنّه حصرها في هذه السّنة مدّة (1)، ثمّ رحل إلى حلب، ثمّ شرّق إلى الموصل».

و الصحيح: أنّه حصرها في سنة تسع و عشرين و خمسمائة.

[مقتل اسماعيل بن بوري‏]

و ذلك أنّ صاحبها شمس الملوك أبا الفتح اسماعيل بن بوري، انهمك في المعاصي و القبائح، و بالغ في الظّلم، و أعرض عن مصالح الدّين و النظر في أمور المسلمين، بعد اهتمامه أوّلا بذلك.

و استخدم بين يديه رجلا كرديا- يعرف ببدران الكافر- جاءه من بلد حمص، و كان قليل الدّين متنوّعا في أبواب الظلم، ليس في قلبه لأحد رحمة، فسلّطه على ظلم المسلمين و مصادرة المتصرّفين بأنواع قبيحة من الظّلم، و ظهر منه بخل عظيم و سفّت نفسه إلى تناول الدنايا و غير ذلك من الأفعال الذّميمة.

____________

(1)- أي سنة 528 ه، انظر تاريخ حلب للعظيمي- ط. دمشق 1985 ص 386، و عند ابن القلانسي ص 390- 392 بين حوادث السنة التالية 529 ه.

449

و عزم على مصادرة كتّابه و حجّابه و أمرائه، فخاف منه أصحابه، و استشعروا منه، و وقعت الوحشة بينهم.

و عرف عزم أتابك زنكي على قصد دمشق، و أنه متى وصلها سلّمت إليه، فكاتب أتابك زنكي و حثّه على سرعة الوصول إليها ليسلّمها إليه طوعا، و شرط عليه أن يمكّنه من الانتقام من كلّ من يكرهه من المقدّمين و الأمراء و الأعيان، و كرّر المكاتبة إليه في ذلك، و قال: «إن أهملت هذا الأمرر استدعيت الفرنج و سلّمت دمشق إليهم، و كان إثم المسلمين في عنقك».

و شرع في نقل أمواله و أحواله إلى صرخد: فظهر هذا الأمر لأصحابه، فأشفقوا من الهلاك و أعلموا والدته زمرّد خاتون بذلك، فقلقت له، و حسّنوا لها قتله، و تمليك أخيه شهاب الدّين محمود؛ فرجح ذلك في نظرها، و عزمت عليه، فانتظرت وقت خلوته من غلمانه و سلاحيّته، و أدخلت عليه من أصحابها من قتله.

و أخرجته فألقي في ناحية من الدّار ليشاهده غلمانه و أصحابه فسرّوا بذلك، و ذلك في يوم الأربعاء الرّابع عشر من شهر ربيع الآخرة، سنة تسع و عشرين و خمسمائة.

و قيل: إنّه اتّهم يوسف بن فيروز حاجب أبيه بوالدته، فهرب منه إلى تدمر، فأراد قتل أمّه، فبلغها الخبر فقتلته خوفا منه، و أجلست والدته‏

450

مكانه أخاه شهاب الدّين محمود بن بوري‏ (1)، و حلف النّاس له. و توجّه أتابك زنكي من الموصل مجدّا ليتسلّم دمشق من شمس الملوك، فوصل إلى الرّقة و قال: «أشتهي أن أدخل الحمام». فأحضر صلاح الدّين مسيّب بن مالك صاحب الرّقة، و قال له: «أتابك يشتهي دخول الحمّام، و هذه خمسمائة دينار تسلّمها و اعمل له بها دعوة» فلم يشكّ في ذلك، و دخلوها، فلما حصلوا بها أخذوها منه، و ذلك في العشرين من شهر ربيع الآخر.

و بلغه ما جرى بدمشق، فلم يقطع طمعه فيها، و سار فنزل العبيدية (2)، و راسل أهل دمشق، فلم يجيبوه إلى مطلوبه، و ردّوا عليه جوابا خشنا، يتضمّن أنّ الكلمة قد اتّفقت على حفظ الدّولة و الذبّ عنها، فلم يحفل بذلك.

و سار إلى حماة فخرج إليه شمس الخواص بعد أن توثّق منه بالأيمان، و رحل إلى دمشق، و سار إليها، فنزل على دمشق في عسكر عظيم، و زحف عليها مرارا متعدّدة، فلم يظفر فيها بطائل، و اشتدّ الغلاء في العسكر، و عدموا القوت، و قفز جماعة من العسكر إلى دمشق، و وقعت المراسلة في حديث الصلح، و كان قد وصل مع أتابك بعض أولاد السّلطان فطلب أن يخرج شهاب الدّين محمود لوطء بساط ولد السّلطان، فلم يفعل.

و اتّفق الأمر على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه، و اتّفق عند ذلك‏

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر القلانسي ص 387- 390.

(2)- في ابن القلانسي ص 391: «وخيم بأرض عذراء إلى أرض القصير».

451

وصول بشر بن كريم بن بشر رسولا من المسترشد إلى زنكي بخلع هيّئت له؛ و تقدّم إليه بالرّحيل عن دمشق و الوصول إلى العراق، ليولّيه أمره و تدبيره، و أن يخطب للسّلطان ألب أرسلان داود بن محمود المقيم بالموصل- و كان قد وصل هاربا من بين يدي عمّه السّلطان مسعود- فأكرمه أتابك.

فدخل الرّسول و بهاء الدّين بن الشهرزوريّ إلى دمشق، و قرّرا هذه القاعدة و أخمدا الفتنة، و أكّدا الأيمان؛ و خطب يوم الجمعة الثّامن و العشرين من جمادى الأولى بجامع دمشق بحضورهما، على القاعدة الّتي وصل فيها الرّسول‏ (1).

و عاد أتابك من دمشق، فلمّا وصل حماة قبض على شمس الخواص صاحبها، و أنكر عليه أمرا ظهر منه، و شكا أهلها من نوّابه فتسلّمها منه، و أطلقه فهرب، وردّ حماة إلى صلاح الدّين و رحل من حماة.

و سار إلى بلد حلب، فنزل على الأثارب، ففتحها أوّل رجب، ثمّ فتح زردنا، ثم تلّ أعذى، ثمّ فتح معرّة النّعمان، و منّ على أهلها بأملاكهم، ثمّ فتح كفر طاب و نزل على شيزر فخرج إليه أبو المغيث بن منقذ نائبا عن أبيه، ثمّ نزل بارين‏ (2) و أظهر أنّه يحاصرها، ثمّ سار، و أهل حمص غارون، فشنّ عليهم الغارة، و استاق كلّ ما كان في بلدها و نهبهم.

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر ابن القلانسي ص 392.

(2)- تعرف الآن باسم بعرين و هي من قرى منطقة مصياف في محافظة حماة و تبعد عن حماة مسافة 42 كم.

452

و وصل ابن الفنش الفرنجي من بيت المقدس و خرج في جموع الفرنج، فنزل قنّسرين، فسار إليهم أتابك فأحسن التّدبير، و ما زال بالمسلمين حولهم حتى عادوا إلى بلادهم.

[استيلاء زنكي على حماه‏]

و سار زنكي إلى حمص فأحرق زرعها، و قاتلها في العشر الأواخر من شوّال، ثمّ سار إلى الموصل في ذي القعدة من هذه السّنة.

[مسير زنكي إلى بغداد]

و سار منها في المحرّم من سنة ثلاثين و خمسمائة إلى بغداد، و معه داود بن محمود بن ملكشاه الواصل إليه إلى الموصل، فأنزله في دار السّلطنة ببغداد، و أتابك في الجانب الغربيّ، و الخليفة إذ ذاك الرّاشد بعد قتل المسترشد.

فوصل السّلطان مسعود إلى بغداد فحصرهم بها فوقع الوباء في عسكره، فسار إلى أرض واسط ليعبر إلى الجانب الغربيّ، فاغتنم أتابك غيبته، و سار إلى الموصل، و سار داود إلى مراغة.

و بلغ الخبر السّلطان مسعود فعاد، فهرب الرّاشد، و لحق أتابك بالموصل. و دخل مسعود بغداد، فبايع محمد المقتفي، و خطب له ببغداد و أعمال السّلطان، و بقيت الخطبة بالشّام و الموصل على حالها إلى أن اتّفق أتابك زنكي و السّلطان مسعود و اصطلحا، و خطب بالشام و الموصل للمقتفي و لمسعود. و فارق الرّاشد إذ ذاك زنكي، و سار عن الموصل إلى خراسان في سنة إحدى و ثلاثين‏ (1).

____________

(1)- عاصر ابن الأزرق الفارقي هذه الأحداث و مواده على درجة عالية من الأهمية، انظر الموسوعة الشامية ص 5226- 5249.

453

و سار سيف الدّين سوار في سنة ثلاثين و خمسمائة في جمع من التركمان يبلغ ثلاثة آلاف إلى بلد الّلاذقيّة، و أغار على الفرنج على غرّة و قلّة احتراز، فعادوا و معهم ما يزيد على سبعة آلاف أسير، ما بين رجل و امرأة و صبي و صبيّة و مائة ألف رأس من البقر و الغنم و الخيل و الحمير، و الّذي نهبوه- على ما ذكر- مائة قرية و امتلأت حلب من الأسارى و الدّواب، و استغنى المسلمون بما حصل لهم من الغنائم.

و وصل أتابك زنكي من الموصل إلى حلب، في رابع و عشرين من شهر رمضان سنة إحدى و ثلاثين، و سيّر صلاح الدّين في مقدمته، فنزل حمص، و سار أتابك إلى حماة، و عيّد عيد الفطر في الطّريق، و أخذ من حلب معه خمسمائة راجل لحصار حمص.

و رحل أتابك من حماة إلى حمص في شوال و بها أنر (1) من قبل صاحب دمشق، فحصرها مدّة.

و خرج الفرنج نجدة لحمص و غيلة لزنكي، فرحل عن حمص،

[استيلاء زنكي على بارين‏]

و لقيهم تحت قلعة بارين، فكسرتهم طلائع زنكي مع سوار، فأفنوا عامّتهم قتلا و أسرا، و قتل أكثر من ألفين من الفرنج، و نجا القليل منهم، فدخل إلى بارين مع ملكهم كندياجور (2) صاحب القدس؛ و أقام الحصار على بارين‏

____________

(1)- المعلومات لدى ابن القلانسي أوسع ص 397- 398، و سيكون لمعين الدين أنر دور السيادة في دمشق حتى وفاته فبعد وفاته بقليل سقطت- كما سنرى- لنور الدين محمود بن زنكي. انظر تاريخ ابن القلانسي ص 415.

(2)- هو فولك أوف آنجو. انظر تاريخ وليم الصوري ص 686- 689.

454

بعشر مجانيق ليلا و نهارا، ثمّ تقرّر الصلح في العشر الأواخر من ذي القعدة على التّسليم بعد خراب القلعة.

و خلع على الملك و أطلق، و خرج الفرنج منها، و تسلّمها زنكي، و عاد إلى حلب.

و استقرّ الصلح بين أتابك و صاحب دمشق، و تزوّج أتابك خاتون بنت جناح الدّولة حسين، على يد الإمام برهان الدّين البلخي، و دخل عليها بحلب في هذه السّنة.

[وصول ملك الروم إلى انطاكية]

و وصل في هذه السّنة ملك الروم كالياني‏ (1) من القسطنطينية في جموعه، و وصل إلى أنطاكية فخالفه الفرنج- لطفا من اللّه تعالى- و أقام إلى أن وصلته مراكبه البحريّة بالأثقال و الميرة و المال، فاعتمد لاون بن دوبال‏ (2) صاحب الثّغور في حقّه فتحا عظيما.

و تخوّف أهل حلب منه فشرعوا في تحصينها و حفر خنادقها، فعاد إلى بلاد لاون فافتتحها جميعها، فدخل إليه لاون متطارحا، فقال: «أنت بين الفرنج و الأتراك لا يصلح لك المقام»، فسيّره إلى القسطنطينية، و أقام في عين زربة و أذنه و الثّغور، مدّة الشتاء.

و كان في عوده عن أنطاكية إلى ناحية بغراس‏ (3) في الثّاني و العشرين من‏

____________

(1)- هو يوحنا بن ألكسيوس كومنين. انظر تاريخ وليم الصوري ص 684- 686.

(2)- ملك دولة أرمينية في كليكية.

(3)- وصف ابن العديم كل من عين زربه و المصيصة و بغراس و مدن الثغور الأخرى في كتابه بغية الطلب ص 151- 172.

455

ذي الحجة من سنة إحدى و ثلاثين، أنفذ رسوله إلى زنكي، و ظفر سوار بسريّة وافرة العدد من عسكره، فقتل و أسر، و دخل بهم إلى حلب.

و وصل الرّسول إلى زنكي، و هو متوجّه إلى القبلة فردّه و معه هدية إلى ملك الروم: فهود و بزاة و صقور، على يد الحاجب حسن، فعاد إليه و معه رسول منه و أخبره بأنّه يحاصر بلاد لاون، فسار إلى حماة، و رحل إلى حمص فقاتلها.

ثم سار في نصف المحرّم من سنة اثنتين و ثلاثين فنزل بعلبك، و أخذ منها مالا، و سار إلى ناحية البقاع فملك حصن المجدل‏ (1) من أيدي الدمشقيين، و دخل في طاعته ابراهيم بن طرغت والي بانياس.

و شتى أتابك زنكي بأرض دمشق، و ورد عليه رسول الخليفة المقتفي و السلطان مسعود بالتّشريف، ثمّ رحل أتابك عن دمشق في شهر ربيع الآخر، و عاد إلى حماة، ثمّ رحل عنها إلى حمص، فخيّم عليها، و جرّد من حلب رجالا لحصارها، و جمع عليها جموعا كثيرة، و هجم المدينة، و كسر أهلها و نال منهم منالا عظيما.

و نقض الفرنج الهدنة الّتي كانت بينهم و بين زنكي على حلب، و أظهروا العناد، و قبضوا على التّجار بأنطاكية و السّفار من أهل حلب، في جمادى الأولى من السّنة، بعد إحسانه إليهم و اصطناعه لمقدّميهم، حين‏

____________

(1)- في تقويم البلدان ص 230. و بالقرب من عين الجرضيعة تعرف بالمجدل و هي على الطريق الآخذ من بعلبك على وادي التيم. هذا و تعني كلمة مجدل: حصن.

456

أظفره اللّه بهم، و انضافوا إلى ملك الرّوم كالياني.

و ظهر ملك الرّوم بغتة من طريق مدينة البلاط، يوم الخميس الكبير من صومهم؛ و نزل يوم الأحد يوم عيد النّصارى، و هو الحادي و العشرون من شهر رجب، على حصن بزاعا.

و انتشرت الخيل بغتة فلطف اللّه بالمسلمين، فرأوا رجلا من كافر ترك‏ (1) و معه جماعة منهم، قد تاهوا عن عسكر الروم، و أظهروا أنّهم مستأمنة و أنذروا من بحلب بالرّوم.

فتحزّر النّاس و تحفّظوا، و كاتبوا أتابك زنكي بذلك، فوصله الخبر و هو على حمص، فسيّر في الحال الأمير سيف الدّين سوار و الرّجالة الحلبّيين و خمسمائة فارس، في أربعة من الأمراء الاصفهسلاريّة (2) منهم زين الدّين علي كوچك، فقويت قلوب أهل حلب بهم، و وصلوا في سابع و عشرين من رجب.

و أمّا الرّوم فإنّهم حصروا حصن بزاعا، و قاتلوه سبعة أيّام، فضعفت قلوب المسلمين، و كان الحصن في يد امرأة فسلّموه إلى الرّوم بالأمان، بعد أن توثّقوا منهم بالعهود و الأيمان، فغدروا بهم، و أسروا من بزاعا ستة آلاف مسلم أو يزيدون؛ و أقام الملك بالوادي يدخّن على مغاير الباب عشرة أيّام، فهلكوا بالدخان.

____________

(1)- استخدمت بيزنطة أعدادا كبيرة من العناصر التركية الوثنية بمثابة مرتزقة في جيوشها.

(2)- القادة الكبار.

457

ثم رحل فنزل يوم الأربعاء الخامس من شعبان، بأرض الناعورة، ثمّ رحل يوم الخميس سادس شعبان، و معه ريمند صاحب أنطاكية و ابن جوسلين، فنزل على حلب و نصب خيمته من قبليّها على نهر قويق، و أرض السعدي، و قاتل حلب يوم الثّلاثاء من ناحية برج الغنم‏ (1) و خرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم و ظهروا عليهم، و قتل من الرّوم مقدّم كبير و رجعوا إلى خيمهم خائبين.

و رحل يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلا إلى صلدي‏ (2) فخاف من بقلعة الأثارب من الجند المسلمين، فهربوا منها يوم الخميس تاسع شعبان، و طرحوا النّار في خزائنهم.

و عرف الرّوم ذلك فخفّت منهم سرّية و جماعة من الفرنج، و معهم سبي بزاعا و الوادي، فملكوا القلعة، و ألجأوا السّبي إلى خنادقها و أحواشها، فهرب جماعة منهم إلى حلب، و أعلموا الأمير سيف الدّين سوار بن أيتكين بذلك، و أنّ الروم انعزلوا عنها.

فنهض إليهم سوار في لمّة من العسكر، فصابحهم و قد انتشروا بعد طلوع الشّمس، فوقع عليهم و استخلص السّبي جميعه إلّا اليسير منهم، و أركب الضّعفاء منهم خلف الخيّالة حتّى أنّه أخذ بنفسه جماعة من الصّبيان، و أركبهم بين يديه و من خلفه، و وصل بهم إلى حلب، و لم يبق من السّبي إلّا

____________

(1)- كان هذا البرج من أشد أبراج سور حلب مناعة.

(2)- قرية قريبة من حلب على نهر قويق.

458

القليل، و وصل بهم إلى حلب في يوم السّبت الحادي عشر من شعبان، فسرّ أهل حلب سرورا عظيما.

و كان أتابك قد رحل من حمص إلى حماة ثم رحل إلى سلمية، و رحل ملك الرّوم إلى بلد معرّة النّعمان، و رحل عنها يوم الاثنين ثالث عشر شعبان إلى جهة شيزر، و نزلوا كفر طاب و رموها بالمجانيق، فسلّمها أهلها في نصف شعبان.

و هرب أهل الجسر (1)، و تركوه خاليا فوصله الرّوم، و جلسوا فيه و رحلوا عنه إلى شيزر، يوم الخميس سادس عشر شعبان، فوصلوها في مائة ألف راكب و مائة ألف راجل، و معهم من الكراع و السّلاح ما لا يحصيه إلّا اللّه، فنزلوا الرّابية المشرفة على بلدة شيزر، و أقاموا يومهم و يوم الجمعة إلى آخر النّهار.

و ركبوا و هجموا البلد، فقاتلهم النّاس و جرح أبو المرهف نصر بن منقذ، و مات في رمضان من جرحه ذلك.

[حصار الروم لشيزر]

ثمّ انهزم الرّوم، و خرجوا، و نزل صاحب أنطاكية في مسجد سمّون، و جوسلين في المصّلى، و ركب الملك يوم السّبت، و طلع إلى الجبل المقابل لقلعة شيزر المعروف بجريجس، و نصب على القلعة ثمانية عشر منجنيقا و أربع لعب تمنع النّاس من الماء.

____________

(1)- جسر شيزر و كان عليه موقع حصين غير بعيد عن شيزر نفسها.

459

و دام القتال عشرة أيام، و لقي أهل قلعة شيزر بلاء عظيما، ثمّ اقتصروا في القتال على المجانيق، و أقاموا إلى يوم السّبت تاسع شهر رمضان.

و بلغهم أنّ قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق عبر الفرات في جموع عظيمة تزيد عن خمسين ألفا من التّركمان و غيرهم، فأحرقوا آلات الحصار، و رحلوا عن شيزر، و تركوا مجانيق عظاما رفعها أتابك إلى قلعة حلب بعد رحيلهم، و ساروا بعد أن هجموا ربض شيزر دفعات عدة، و يخرجهم المسلمون منها (1).

فوصل صلاح الدّين من حماة يوم السّبت تاسع الشّهر، و بلغه أنّ الفرنج هربوا من كفرطاب فسار إليها، و ملكها، و وصل أتابك يوم الأحد عاشر الشّهر، و سار إلى الجسر يوم الاثنين، فوجد الفرنج قد هربوا منه نصف اللّيل و نزل أهله من «أبي قبيس» (2)، فمنعوهم.

و دخل الرّوم مضيق أفامية إلى أنطاكية، و طلبها من الفرنج فلم يعطوه إيّاها، فرحل عنها إلى بلاده، و سيّر أتابك خلفهم سرّية من العسكر تتخطّفهم. هذا كلّه و أتابك لم يستحضر قرا أرسلان بن داود، و لم يجتمع به؛ بل بعث إليه يأمره بالعود إلى أبيه، و أنّه مستغن عنه و انحاز عنهم فنزل‏

____________

(1)- لمزيد من المعلومات انظر ابن القلانسي ص 415- 418. وليم الصوري ص 695- 697.

(2)- ما تزال قلعة أبي قبيس قائمة، و تبعد عن مدينة حماه مسافة 54 كم.

460

أرض حمص، و كتب إلى شهاب الدّين محمود بن بوري يطلبها.

[زواج زنكي من زمرد خاتون‏]

و تردّدت الرّسل بينهم على أن يسلّم إلى أتابك حمص، و يعوّض أنر و اليها ببارين، و اللكمة (1) و الحصن الشرقيّ، و أن يتزوّج أتابك أمه زمرّد خاتون بنت جاولي، و يتزوّج محمود ابنة أتابك؛ و يسلّم أتابك حمص، و يسلّم الدمشقيون المواضع المذكورة.

و سارت زمرّد خاتون من دارها إلى عسكر زنكي مع أصحابه المندوبين لإيصالها إليه في أواخر شهر رمضان سنة اثنتين و ثلاثين، و قد اجتمع عنده رسول الخليفة المقتفي، و ألبسه التّشريف الواصل إليه، و رسول السّلطان، و رسول مصر، و الرّوم، و دمشق.

و رحل أتابك عن حمص، و سار إلى حلب، ثمّ خرج منها إلى بزاعا و فتحها بالسّيف، يوم الثلاثاء تاسع عشر محرّم من سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة؛ و قتل كلّ من كان بها على قبر شرف الدّولة مسلم بن قريش، و كان ضرب عليها بسهم في عينه فمات.

و عاد منها إلى حلب، و سار إلى الأثارب، ففتحها، في ثالث صفر.

[زلازل في حلب‏]

و في يوم الخميس ثالث عشر صفر، حدثت زلزلة شديدة ثمّ اتبعها أخرى، و تواصلت الزّلازل، فهرب النّاس من حلب إلى ظاهر البلد و خرجت الأحجار من الحيطان إلى الطّريق، و سمع النّاس دويا عظيما،

____________

(1)- اللكمة: حصن بالساحل قرب عرقة. معجم البلدان.

461

و انقلبت الأثارب فهلك فيها ستّمائة من المسلمين، و سلم الوالي و معه نفر يسير، و هلك أكثر البلاد من شيح، و تلّ عمار (1)، و تلّ خالد، و زردنا (2)؛ و شوهدت الأرض تموج، و الأحجار عليها تضطّرب كالحنطة في الغربال.

و انهدم في حلب دور كثيرة، و تشّعث السّور، و اضطّربت جدران القلعة، و سار أتابك مشرّقا فنزل القلعة فأخذها، و سار منها إلى القلعة (3)، ثمّ إلى الموصل.

و تواترت الزّلازل إلى شوّال، و قيل: إنّ عدّتها كانت ثمانين زلزلة.

و كان في سنة اثنتين و ثلاثين قد عولّ أتابك على قبض أملاك الحلبيين الّتي استحدثوها من أيّام رضوان إلى آخر أيّام إيلغازي، ثمّ قرر عليهم عشرة آلاف دينار، فأدّوا من ذلك ألف دينار؛ و جاءت هذه الزّلازل، فهرب أتابك من القلعة إلى ميدانها حافيا، و أطلق القطيعة.

و في هذه السّنة، نهض سوار إلى الفرنج فغنم من بلادهم، و لحقوه فاستخلصوا ما غنم، و انهزم المسلمون فغنم الفرنج، و أخذوا منهم ألفا و مائتي فارس، و أسروا صاحب الكهف ابن عمرون، و كان قد سلّمها إلى الباطنية (4).

____________

(1)- تل عمار في منطقة أعزاز محافظة حلب و يبعد عن حلب مسافة 33 كم.

(2)- زردنا في جوار مدينة أدلب و تبعد عنها مسافة 25 كم.

(3)- عند العظيمي في تاريخ حلب ص 394: «و فتح دارا و رأس العين».

(4)- الكهف إحدى قلاع الدعوة في جبال بهراء.

462

و في شهر رمضان منها، استحكم الفساد بين أتابك و تمرتاش، فنزل أتابك زنكي‏ (1) دارا، و حصرها و افتتحها في شوّال، و أخذ رأس عين‏ (2) و جبل جور (3) و ذا القرنين‏ (4) و مات سوتكين الكرجي بحّران، فأنفذ أتابك زنكي و أخذها.

[مقتل محمود بن بوري‏]

و قتل شهاب الدّين محمود بن تاج الملوك على فراشه، ليلة الجمعة الثالثة و العشرين من شوّال من السنة، قتله البغش و يوسف الخادم، و فرّاش، و كان قد قرّبهم و اصطفاهم‏ (5).

و سير أنر إلى محمّد أخيه صاحب بعلبك، فأجلسه في منصب أخيه و أخرج أخاه بهرام شاه فمضى إلى حلب و شرّق إلى أتابك زنكي.

و علمت والدته زمرّد خاتون، فأرسلت إلى زوجها زنكي، و هو بالموصل تستدعيه لطلب الثأر بولدها، و تحثّه على الوصول، فأقبل و في مقدّمته الأمير الحاجب صلاح الدّين، فسار إلى حماة.

و وصل زنكي حتّى عبر الفرات، و نزل بالناعورة، و دخل حلب،

____________

(1)- دارا مدينة بين نصيبين و ماردين. معجم البلدان.

(2)- رأس العين إحدى المدن السورية على نهر الخابور مقابل الحدود التركية.

(3)- جبل جور أحد حصون ديار بكر قريب من أرمينية. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 776.

(4)- حصن ذي القرنين حصن يقع تحته رأس دجلة شمالي ميافا فارقين- الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 783.

(5)- لمزيد من التفاصيل انظر ابن القلانسي ص 421- 422. مرآة الزمان ج 1 ص 171.

463

[زنكي يحاصر دمشق‏]

و رحل إلى حماة في سابع ذي الحجة، و رحل إلى حمص، ثم إلى بعلبك، فحصرها أوّل محّرم من سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة، و ضربها بالمجانيق إلى أن فتحها يوم الاثنين رابع عشر صفر.

و فتح القلعة يوم الخميس خامس و عشرين منه، و أقام بها إلى منتصف شهر ربيع الآخر، و كان قد حلف لأهل القلعة بالأيمان المغّلظة و المصحف و الطلاق، فلمّا نزلوا غدر بهم، و سلخ و اليها، و شنق الباقين، و كانوا سبعة و ثلاثين رجلا، و غدر بالنّساء، و أخذهم.

و سار في نصف ربيع الآخر إلى دمشق لمضايقتها فنزل على داريّا، و زحف إلى البلد، و راسل محمّد بن بوري في تسليمها، و أخذ بعلبك و حمص، و ما يقترح معهما عوضا عنها، و أراد إجابته إلى ذلك فمنعه أصحابه، و خوّفوه الغدر به، فمات محمّد بن بوري، في ثامن شعبان، و نصب ولده عضب الدولة أبق مكانه.

و كاتب أنر الفرنج في نجدته، و تسليم بانياس من ابراهيم بن طرغت إليهم، فتجمّعوا لذلك، فرحل أتابك عن دمشق، في خامس شهر رمضان، للقاء الفرنج إن قربوا منه إلى ناحية بصرى و صرخد من حوران، و أقام مدّة، ثم عاد إلى الغوطة فنزل عذراء و أحرق عدة ضياع من الغوطة.

و وصل الفرنج فنزلوا بالميدان، فرحل أتابك إلى ناحية حمص. و أسر ريمند صاحب أنطاكية ابراهيم بن طرغت صاحب بانياس، و قتله، و نزل‏

464

معين الدّين أنر عليها فحصرها و تسلّمها، و سلّمها إلى الفرنج، و عادت خاتون إلى حلب في عشرين من ربيع الأول.

و عاد أتابك إلى حلب في الرّابع و العشرين من جمادى الأولى، و استقرّ الحال بين زنكي و أبق على أن خطب زنكي بدمشق.

و مات قاضي حلب أبو غانم محمّد بن أبي جرادة في شهر ربيع الآخر من سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة، فولّى أتابك قضاء حلب ولده أبا الفضل هبة اللّه بن محمد بن أبي جرادة، و لمّا استحضره و ولّاه القضاء قال له: «هذا الأمر قد نزعته من عنقي، و قلّدتك إيّاه، فينبغي أن تتقي اللّه و أن تساوي بين الخصمين، هكذا»؛ و جمع بين أصابعه.

و كثر عيث التّركمان و فسادهم، و امتدث أيديهم إلى بلاد الفرنج، فأرسلوا رسولا إلى أتابك يشكونهم، فعاد الرّسول متنصّلا، فلقيه قوم من التّركمان فقتلوه، فأغار الفرنج على حلب، فأخذوا من العرب و التّركمان ما لا يحصى.

و عاد أتابك في سنة ستّ و ثلاثين على الحلبيّين بالقطيعة الّتي كان قرّرها على الأملاك، و أرسل إليهم عليّ الفوتي العجمي، فعسف النّاس في استخراج القطيعة، و أخرق بهم، و مات ابن شقارة بحلب، و صارت أملاكه إلى بيت المال فردّ على النّاس ما كان وظّف على أملاكه من القطيعة و أخذه منهم.

و أغار الفرنج في سنة ست و ثلاثين و خمسمائة على بلد سرمين، و أخربوا

465

و نهبوا، ثمّ تحوّلوا إلى جبل السّمّاق، و كذلك فعلوا بكفرطاب، و تفرّقوا فأغار علم الدّين بن سيف الدّين سوار مع التّركمان إلى باب أنطاكية، و عادوا بالغنائم و الوسيق العظيم.

و أغار لجة التركي و كان قد نزح عن دمشق إلى خدمة زنكي على بلد الفرنج، في جمادى، فساق و سبى و قتل، و ذكر أن عدّة المقتولين سبعمائة رجل.

و اتّفق في هذه السّنة خلف شديد بين أتابك زنكي و قرا أرسلان بن داود بن سكمان بناحية بهمرد (1)، فالتقيا فكسره أتابك، و فتح بهمرد، و عاد إلى الجزيرة، ثم إلى الموصل فشتّى بها.

و في هذه السّنة تقرّر الصّلح بين أتابك و الأرتقيّة و وصل أولادهم إلى الخدمة ثمّ عادوا.

و في خامس شعبان مات وزير أتابك ضياء الدّين بن الكفرتوثي و وزّر موضعه أبا الرضا بن صدقة، ثمّ عزله في سنة ثمان و ثلاثين.

و نهض سوار في شهر رمضان إلى بلد أنطاكية، و عند الجسر جمع عظيم و خيم مضروبة من الفرنج، فخاض التّركمان إليهم العاصي، و كسروا الجميع هناك، و قتلوا كلّ من كان بالخيم، و نهبوا و سبوا، و عادوا إلى حلب بالوسيق العظيم، و الأسرى و الرؤوس.

____________

(1)- احدى قلاع ديار بكر. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 820.

466

و فتح أتابك قلعة آشب المشهورة بالحصانة (1) في ثالث و عشرين من شهر رمضان من سنة سبع و ثلاثين.

و خرج ملك أنطاكية إلى وادي بزاعا، فخرج سوار فردّهم إلى بلد الشّمال و اجتمع سوار و جوسلين بين العسكرين فاتّفق الصّلح بينهما.

و في سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة، فتح أتابك قلعة انيرون‏ (2)، و بعدها قلعة حيزان‏ (3)، و ممّا كان أيضا بيد الفرنج جملين، و الموزر (4)، و تل موزن‏ (5)، و غيرهما.

و خرج عسكر حلب فظفروا بفرقة كبيرة من التّجار و الأجناد و غيرهم خرجت من أنطاكية تريد بلاد الفرنج، و معها مال كثير و دوابّ و متاع، فأوقعوا بهم، و قتلوا جميع الخيّالة من الفرنج الخارجين لحمايتهم، و أخذوا ما كان معهم، و عادوا إلى حلب، و ذلك في جمادى الأولى من السّنة.

و في يوم الأربعاء خامس و عشرين من ذي القعدة، وقعت خيل تركمان نهضت من بلد حلب، فأوقعت بخيل خارجة من باسوطا (6)

____________

(1)- هدم عماد الدين هذه القلعة و عمر مكانها واحدة جديدة حملت اسمه «العمادية». معجم البلدان.

(2)- من قلاع ديار بكر.

(3)- بلدة من ديار بكر قرب أسعرد. معجم البلدان.

(4)- هما في اقليم نصيبين.

(5)- بلد بين ماردين و الرها اسمها اليوم ويران شهر. اللؤلؤ المنثور ص 505.

(6)- باسوطا الآن في منطقة عفرين محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 69 كم.

467

فقتلوهم، و أسروا صاحب باسوطا و جاءوا به إلى حلب، فسلّموه إلى سوار فقيّده.

و عزل أتابك وزيره جلال الدّين أبا الرّضا بالموصل، و استوزر أبا الغنائم حبشي بن محمّد الحلّي.

[فتح الرها]

و كان أتابك زنكي لا يزال يفكّر في فتح الرّها، و نفسه في كل حين تطالبه بذلك، إلى أن عرف أنّ جوسلين صاحبها قد خرج منها في معظم عسكره، في سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة، لأمر اقتضاه، فسارع أتابك إلى النّزول عليها في عسكر عظيم؛ و كاتب التّركمان بالوصول إليه، فوصل خلق عظيم.

و أحاط المسلمون بها من كلّ الجهات، و حالوا بينها و بين من يدخل إليها بميرة أو غيرها، و نصب عليها المجانيق؛ و شرع الحلبيّون فنقبوا عدّة مواضع عرفوا أمرها إلى أن وصلوا تحت أساس أبراج السّور، فعلقوه بالأخشاب، و استأذنوا أتابك في إطلاق النّار فيه، فدخل إلى النّقب نفسه و شاهده ثم أذن لهم، فألقوا النّار فيه، فوقع السّور في الحال‏ (1).

و هجم المسلمون البلد، و ملكوه بالسّيف يوم السّبت سادس عشر جمادى الآخرة، و شرعوا في النّهب و القتل والأسر و السّبي، حتّى امتلأت أيديهم من الغنائم، ثمّ أمر أتابك برفع السّيف عن أهلها، و منع السّبي،

____________

(1)- كان النقابون يفتحون ثغرة بأسفل السور تملأ أثناء العمل بالخشب ثم تحرق الأخشاب فينهار السور.

468

و ردّه من أيدي المسلمين، و أوصى بأهلها خيرا، و شرع في عمارة ما انهدم منها و ترميمه.

و كان جمال الدّين أبو المعالي فضل اللّه بن ماهان رئيس حرّان هو الّذي يحثّ أتابك في جميع الأوقات على أخذها، و يسهّل عليه أمرها فوجد على عضادة محرابها مكتوب:

أصبحت صفرا من «بني الأصفر»* * * أختال بالأعلام و المنبر

دان من المعروف حال به‏* * * ناء عن الفحشاء و المنكر

مطهّر الرّحب على أنّني‏* * * لو لا «جمال الدّين» لم أطهر

فبلغ ذلك رئيس حران، فقال: «امحوا جمال الدّين، و اكتبوا عماد الدّين»، فبلغ ذلك زنكي، فقال: «صدق الشّاعر لولاك ما طمعنا فيها»، و أمر عمّاله بتخفيف الوطأة عليهم في الخراج، و أن يأخذوه على قدر مغلّاتها (1).

ثمّ رحل إلى سروج ففتحها، و هرب الفرنج منها، ثمّ رحل فنزل على البيرة، في هذه السنة فحاصرها في هذه السّنة.

[مقتل جفر بالموصل‏]

و جاءه الخبر من الموصل أن نصير الدّين جقر نائبه بالموصل قتل، فخاف عليها، و ترك البيرة بعد أن قارب أخذها (2)، و سار حتّى دخل‏

____________

(1)- لمزيد من المعلومات انظر بغية الطلب 3850- 3851. و انظر ما جاء عند المؤرخ السرياني المجهول.

(2)- لمزيد من التفاصيل انظر الباهر ص 70- 72.

469

الموصل، و أخذ فرخانشاه ابن السّلطان الّذي قتل جقر، و عزم على تملّك الموصل، فقتله بدم جقر، و ولّى الموصل مكانه الأمير زين الدّين علي كوچك.

ثمّ شرع زنكي في الجمع و الاحتشاد، و الاستكثار من عمل المجانيق، و آلة الحرب، في أوائل سنة أربعين و خمسائة؛ و يظهر للنّاس أنّ ذلك لقصد الجهاد، و بعض النّاس يقول: إنّه لقصد دمشق و منازلتها، و كان ببعلبكّ مجانيق فحملت إلى حمص، في شعبان من هذه السّنة.

و قيل: إنّ عزمه انثنى عن الجهاد في هذه السّنة، و أنّ جماعة من الأرمن بالرّها عاملوا عليها، و أرادوا الإيقاع بمن كان فيها من المسلمين و اطّلع على حالهم؛ و توجه أتابك من الموصل نحوها، و قوبل من عزم على الفساد بالقتل و الصلب.

و سار و نزل على قلعة جعبر بالمرج الشّرقي تحت القلعة، يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجّة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد سادس شهر ربيع الآخر نصف اللّيل من سنة إحدى و أربعين و خمسمائة، فقتله يرنقش الخادم؛ كان تهدّده في النّهار، فخاف منه فقتله في اللّيل في فراشه.

[مقتل زنكي‏]

و قيل: إنّه شرب و نام، فانتبه فوجد يرنقش الخادم و جماعة من غلمانه يشربون فضل شرابه، فتوعّدهم، و نام فأجمعوا على قتله، و جاء يرنقش إلى تحت القلعة، فنادى أهل القلعة: «شيلوني فقد قتلت أتابك». فقالوا له:

470

«اذهب إلى لعنة اللّه، فقد قتلت المسلمين كلّهم بقتله» (1).

و قد كان أتابك ضايق القلعة، فقلّ الماء فيها جدّا، و الرّسل من صاحبها عليّ بن مالك تتردّد بينه و بين أتابك، فبذل عليّ بن مالك له ثلاثين ألف دينار ليرحل عنها، فأجابه إلى ذلك.

و نزل الرّسول، و قد جمع الذّهب حتّى قلع الحلق من آذان أخواته، و أحضر الرّسول، و قال لبعض خواصّه: «امض بفرسه و قرّبه إلى قدر اليخني فإن شرب منه فأعلمني». ففعل ذلك، فشرب الفرس مرقة اليخني، فعلم أنّ الماء قد قلّ عندهم، فغالط الرّسول و دافعه، و لم يجبه إلى ملتمسه، فأسقط في يد عليّ بن مالك.

و كان في القلعة عنده بقرة وحش، و قد أجهدها العطش، فصعدت في درجة المئذنة حتّى علت عليها، و رفعت رأسها إلى السّماء، و صاحت صيحة عظيمة، فأرسل اللّه سحابة ظلّلت القلعة، و أمطروا حتى رووا، فتقدّم حسّان البعلبكيّ صاحب منبج إلى تحت القلعة، و نادى عليّ بن مالك، و قال له: «يا أمير عليّ، ايش بقي يخلّصك من أتابك» فقال له» «يا عاقل، يخلّصني الذي خلصك من حبس بلك». يعني حين قتل، بلك على منبج و خلص حسّان، فصدق فأله- و كان ما ذكرناه-.

و أخبرني والدي- (رحمه اللّه)- أنّ حارس أتابك كان يحرسه في اللّيلة التي‏

____________

(1)- عزا وليم الصوري ص 742 مقتل زنكي إلى مؤامرة دبرها صاحب قلعة جعبر.

471

قتل فيها بهذين البيتين:

يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله،* * * إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا!

لا تأمننّ بليل طاب أوّله‏* * * فربّ آخر ليل أجّج النّارا!

و كان أتابك جبارا عظيما ذا هيبة و سطوة، و قيل: إنّ الشاووش‏ (1) كان يصيح خارج باب العراق، و هو نازل من القلعة، و كان إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنّهم بين حيطين مخافة أن يدوس العسكر شيئا من الزّرع، و لا يجسر أحد على هيبته أن يدوس عرقا منه، و لا يمشي فرسه فيه، و لا يجسر أحد من أجناده أن يأخذ لفلّاح علاقة تبن إلّا بثمنها أو بخط من الدّيوان إلى رئيس القرية؛ و إن تعدّى أحد صلبه.

و كان يقول: «ما يتّفق أن يكون أكثر من ظالم واحد»- يعني نفسه- فعمرت البلاد في أيّامه بعد خرابها و أمنت بعد خوفها، و كان لا يبقي على مفسد، و أوصى ولاته و عمّاله بأهل حرّان، و نهي عن الكلف و السّخر و التثقيل على الرّعية، هذا ما حكاه أهل حرّان عنه.

و أما فلّاحو حلب فإنّهم يذكرون عنه ضدّ ذلك‏ (2).

____________

(1)- يكتب أيضا «الجاووش» و هو المنادي الذي يتولى استنفار العساكر لتخرج إلى القتال، و قرأنا في النوادر السلطانية لابن شداد ص 66، 108 «فركب السلطان و صاح الجاووش فركب العسكر».

(2)- كانوا يذكرون «أنه كان عليهم منه جور و ظلم في أيام ولايته، و أكثر ما كان يذكر عنه من الظلم ما يلزم الناس به من جمع الرجالة للقتال و الحصار». بغية الطلب: 2852.

472

و كانت الأسعار في السّنة الّتي توّفي فيها رخية جدّا، الحنطة ستّ مكايك بدينار؛ و الشّعير أثنا عشر مكّوكا بدينار؛ و العدس أربع مكايك بدينار؛ و الجلبان خمسة مكايك بدينار؛ و القطن ستّون رطلا بدينار؛ و الدّينار هو الّذي جعله أتابك دينار الغلّة؛ و قدره خمسون قرطيسا برسا (1) و ذلك لقلّة العالم.

[حلب أيام نور الدين محمود]

و لمّا قتل افترقت عساكره فأخذ عسكر حلب ولده نور الدّين أبا القاسم محمود بن زنكي، و طلبوا حلب فملّكوه إيّاها، و أخذ نور الدّين خاتمه من إصبعه قبل مسيره إلى حلب، و سار أجناد الموصل بسيف الدّين غازي إلى الموصل و ملكها.

و بقي أتابك وحده، فخرج أهل الرّافقة فغسّلوه بقحف جرّة، و دفنوه على باب مشهد عليّ- (عليه السلام)- في جوار الشهّداء من الصّحابة- (رضوان اللّه عليهم)- و بنى بنوه عليه قبة، فهي باقية إلى الآن‏ (2).

و ملك الملك العادل نور الدّين أبو القاسم محمود بن زنكي بن أق سنقر حلب، عند ذلك في شهر ربيع الآخر يوم الثّلاثاء عاشر الشهر، سنة إحدى و أربعين و خمسمائة.

[استرداد الرها]

و وصل إليه صلاح الدّين الياغيسياني يدبّر أموره و يقوم بحفظ دولته‏

____________

(1)- من أنواع الدراهم النحاسية قد يوازي كل/ 13/ منها درهما فضيا.

(2)- انظر بغية الطلب ص 3855- 3857. و زالت معالم القبة الآن، و كانت قرب ما يعرف الآن بباب بغداد، و دللت بعض الحفريات الأثرية على مكان القبر.

473

فحينئذ راسل جوسلين الفرنجي أهل الرّها و عامّتهم من الأرمن، و حملهم على العصيان و تسليم البلد، فأجابوه إلى ذلك، و واعدوهم يوما يصل إليهم فيه.

و سار إليها فملك البلد، و امتنعت القلعة فقاتلها، فبلغ الخبر إلى نور الدّين محمود بن زنكي، و هو بحلب، فسار إليها في عسكره، فخرج جوسلين هاربا إلى بلده.

و دخلها نور الدّين فنهبها و سبى أهلها، و خلت منهم، فلم يبق بها منهم إلّا القليل‏ (1).

و أرسل نور الدّين من سبيها جارية في جملة ما أهداه إلى زين الدّين علي كوچك، نائب أبيه بالموصل، فلمّا رآها دخل إليها، و خرج من عندها و قد اغتسل، و قال لمن عنده: «تعلمون ما جرى لي يومنا هذا؟» قالوا:

«لا»، قال: «لمّا فتحنا الرّها مع الشّهيد وقع بيدي من النّهب جارية رائقة أعجبني حسنها و مال قلبي إليها، فلم يكن بأسرع من أن أمر الشّهيد فنودي بردّ السّبي المنهوب، و كان مهيبا مخوفا، فرددتها و قلبي متعلّق بها، فلمّا كان الآن جاءتني هديّة نور الدّين و فيها عدّة جوار منهنّ تلك الجارية، فوطئتها خوفا أن يقع مثل تلك الدّفعة».

و شرع نور الدّين- (رحمه اللّه)- في صرف همّته إلى الجهاد، فدخل في‏

____________

(1)- أوفى التفاصيل حول هذه الواقعة عند المؤرخ السرياني المجهول. الموسوعة الشامية ص 2015- 2021.

474

سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة، إلى بلد الفرنج؛ ففتح أرتاح بالسّيف، و نهبها و فتح حصن مابولة، و بسرفوث، و كفرلاثا و هاب‏ (1).

و كان الفرنج بعد قتل والده قد طمعوا و ظنّوا أنّهم يستردّون ما أخذه، فلمّا رأوا من نور الدّين الجدّ في أول أمره، علموا بعد ما أمّلوه.

[حصار دمشق من الحملة الثانية]

و خرج ملك الألمان و نزل على دمشق، في سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و سار لنجدتها سيف الدّين غازي من الموصل، و نور الدين محمود، فوصلا إلى حمص.

و توّجه نور الدّين إلى بعلبكّ، و اجتمع بمعين الدّين أنر بها، و رحل ملك الألمان عن دمشق، و كان صحبته ولد الفنش، و كان جده قد أخذ طرابلس من المسلمين، فأخذ ولد الفنش هذا حصن العريمة من الفرنج، و عزم على أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص إلى نور الدين إلى بعلبكّ يقول له في قصد حصن العريمة و أخذه من ولد الفنش.

فسار نور الدّين و معين الدّين أنر معه، و سيّرا إلى سيف الدّين غازي إلى حمص، يستنجدانه فأمدّهما بعسكر كثير مع الدّبيسي صاحب الجزيرة، فنازلوا الحصن، و حصروه و به ولد الفنش.

فزحف المسلمون إليه مرارا، و نقب النقّابون السّور فطلب من به من الفرنج الأمان، فملكه المسلمون، و أخذوا كلّ من به من فارس و راجل،

____________

(1)- انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 425.

475

و صبيّ، و امرأة، و فيهم ابن الفنش، و أخربوا الحصن، و عادوا إلى حمص‏ (1).

ثم عاد سيف الدين غازي إلى الموصل.

و تجمّع الفرنج ليقصدوا أعمال حلب، فخرج إليهم نور الدّين بعسكره و التقاهم بيغرى‏ (2)، و اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الفرنج، و أسر منهم جماعة و قتل خلق، و لم ينج إلّا القليل.

و في هذه الوقعة يقول الشّيخ أبو عبد اللّه القيسراني من قصيدة:

و كيف لا نثني على عيشناال* * * محمود و السّلطان «محمود!»

و صارم الاسلام لا يثني‏* * * إلّا و شلو الكفر مقدود

مكارم لم تك موجودة* * * إلّا و «نور الدّين» موجود (3)

[تجديد المدارس و الرباطات في حلب‏]

و شرع نور الدّين في تجديد المدارس و الرّباطات بحلب، و جلب أهل العلم و الفقهاء إليها، فجدّد المدرسة المعروفة بالحلاويّين، في سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و استدعى برهان الدّين أبا الحسن علي بن الحسن البلخي الحنفي و ولّاه تدريسها، فغيّر الأذان بحلب، و منع المؤذّنين من قولهم: «حيّ على خير العمل» و جلس تحت المنارة و معه الفقهاء، و قال‏

____________

(1)- الحديث هنا عن حصار دمشق للمرة الثانية، الآن من قبل ما يعرف بالحملة الثانية، مع ما تلته من أحداث. انظر وليم الصوري ص 779- 791.

(2)- من عمل حارم ناحية العمق، و لعلها المعروفة الآن باسم يغله في محافظة ادلب- ناحية كفر تخاريم.

(3)- انظر القصيدة بأكملها في الروضتين لأبي شامة ج 1 ص 55- 56.

476

لهم: «من لم يؤذّن الأذان المشروع فألقوه من المنارة على رأسه»، فأذّنوا الأذان المشروع، و استمرّ الأمر من ذلك اليوم.

و جدّد المدرسة العصرونيّة على مذهب الشافعي، و ولّاها شرف الدّين بن أبي عصرون‏ (1)، و مدرسة النفري، و ولّاها القطب النّيسابوري‏ (2)، و مسجد الغضائري وقف عليه وقفا، و ولّاه الشيخ شعيب‏ (3)، و صار يعرف به.

و بقي برهان الدّين البلخي بحلب مدرسا بالحلاويّة إلى أن أخرجه مجد الدّين بن الدّاية، لوحشة وقعت بينهما، و وليها علاء الدّين عبد الرحمن بن محمود الغزنوي و مات و وليها ابنه محمود، ثمّ وليها الرّضي صاحب المحيط، ثمّ وليها علاء الدّين الكاساني‏ (4).

و توفّي سيف الدّين غازي بن زنكي بالموصل في سنة أربع و أربعين و ترك ولدا صغيرا، فربّاه عمّه نور الدين، و عطف عليه.

و اتّفق الوزير جمال الدّين و زين الدين علي على أن ملّكوا قطب الدّين مودود بن زنكي الموصل، و كان نور الدّين أكبر منه، و كاتبه جماعة من الأمراء و طلبوه.

____________

(1)- انظر حولها الآثار الاسلامية ص 226- 228.

(2)- انظر حوله الأعلاق الخطيرة- قسم حلب ج 1 ص 248- 251.

(3)- اسمه الآن جامع التوتة، انظر حوله الآثار الاسلامية ص 63- 64.

(4)- تحدث ابن شداد عن هذه المدرسة و ترجم للذين درسوا فيها. الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 264- 271.

477

[نور الدين يتسلم سنجار]

و فيمن كاتبه المقدّم عبد الملك والد شمس الدّين محمد، و كان بسنجار، فكتب إليه يستدعيه ليتسلّم سنجار.

فسار جريدة في سبعين فارسا من أمراء دولته فوصل سنجار مجدا، و نزل بظاهر البلد، و أرسل إلى المقدّم يعلمه بوصوله، فرآه الرّسول و قد سار إلى الموصل، و ترك ولده شمس الدّين محمّدا بالقلعة، فسيّر من لحق أباه في الطّريق، و أعلمه بوصول نور الدّين، فعاد إلى سنجار، و سلّمها إليه، و أرسل إلى قرا أرسلان صاحب الحصن‏ (1) يستدعيه لموجدة كانت بينهما، فوصل إليه.

و لما سمع قطب الدّين و الوزير جمال الدّين، و زين الدّين بالموصل، جمعوا العساكر، و عزموا على قصد سنجار و ساروا إلى تلّ أعفر (2)، فأشار الوزير جمال الدّين بمداراته، و قال: «إنّنا نحن قد عظّمنا محلّه عند السّلطان، و جعلنا محلّنا دونه، و هو فيعظّمنا عند الفرنج، و يظهر أنّه تبع لنا، و يقول: إن كنتم كما نحبّ و إلّا سلّمت البلاد إلى صاحب الموصل، و حينئذ يفعل بكم و يصنع، فإن هزمناه طمع فينا السّلطان و يقول: إنّ الّذي كانوا يعظمونه، و يخوّفوننا به أضعف منهم، و قد هزموه، و إن هو

____________

(1)- حصن كيفا، و هو قلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد و جزيرة ابن عمر. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 784.

(2)- و يقال له تل يعفر و تلعفر، بلدة بالعراق غربي الموصل على طريق سنجار. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 1773.

478

هزمنا طمع فيه الفرنج، و يقولون: إنّ الّذي كان يحتمي بهم أضعف منه، و بالجملة فهو ابن أتابك الكبير»؛ و أشار بالصّلح.

و سار إلى نور الدين بنفسه، فوفّق بينهما على أن يسلّم سنجار إلى قطب الدّين، و يتسلّم الرّحبة، و يستقلّ نور الدّين بالشّام جميعه، و قطب الدين بالجزيرة ما خلا الرّها، فإنّها لنور الدين‏ (1).

و عاد نور الدّين إلى الشّام، و أخذ ما كان قد ادّخره أبوه أتابك من الخزائن، و كانت كثيرة جدّا.

[معركة إنب و مقتل صاحب انطاكية]

فغزا نور الدّين محمود بن زنكي بلد الفرنج من ناحية أنطاكية، و قصد حصن حارم و هو للفرنج، فحصره، و خرب ربضه، و نهب سواده، ثمّ رحل إلى حصن إنّب‏ (2) فحصره أيضا.

فاجتمع الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية و حارم، و تلك الأعمال، و ساروا إلى نور الدّين ليرحّلوه عن إنّب، فلقيهم يوم الأربعاء حادي و عشرين من صفر، سنة أربع و أربعين و خمسمائة، و اقتتلوا قتالا عظيما، و باشر نور الدين القتال ذلك اليوم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، و قتل منهم جمع كثير، و أسر مثله.

____________

(1)- انظر الروضتين ج 1 ص 67- 68.

(2)- قال ياقوت: «إنب حصن من أعمال عزاز من نواحي حلب له ذكر»، و في أيامنا هذه إنب قرية تتبع ناحية محمبل- منطقة أريحا، محافظة ادلب، و يبعد عنها بقرابة كيلومتر واحد تل انب الأثري، و يشرف هذا التل على كل من وادي الغاب و سهل الروج. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

479

و كان ممّن قتل ذلك اليوم البرنس صاحب أنطاكية، و كان من عظماء الفرنج و أقويائهم. و يحكى عنه أنّه كان يأخذ الركاب الحديد بيده، فيطبقه بيده الواحدة؛ و أنّه مرّ يوما و هو راكب حصانا قويّا تحت قنطرة فيها حلقة أو شي‏ء ممّا يتعلّق به، فتعلّق بيديه و ضمّ فخذيه على الحصان فمنعه الحركة.

فلما قتل البرنس ملك ابنه بيمند، و تزوّجت أمّه بابرنس آخر، ليدبّر البلد إلى أن يكبر (1) ابنها، و أقام معها بأنطاكية، فغزاهم نور الدّين غزوة ثانية، فاجتمعوا و لقوه فهزمهم، و قتل منهم خلقا و أسر كذلك، و أسر البرنس الثّاني زوج أم بيمند، و استقلّ بيمند بأنطاكية.

و في ذلك يقول الشّيخ أبو عبد اللّه القيسرانيّ من قصيدة أوّلها:

هذي العزائم لا ما تدّعي القضب‏* * * و ذي المكارم لا ما قالت الكتب‏

صافحت يا «بن عماد الدّين» ذروتها* * * براحة للمساعي دونها تعب‏

أغرت سيوفك بالأفرنج راجفة* * * فؤاد رومية الكبرى لها يجب‏

ضربت كبشهم منها بقاصمة* * * أودى بها الصّلب و انحطّت بها الصّلب‏

طهّرت أرض الأعادي من دمائهم‏* * * طهارة كلّ سيف عندها جنب‏ (2)

و قال ابن منير في ذلك:

صدم الصّليب على صلابة عوده‏* * * فتفرّقت أيدي سبا خشباته‏

و سقى البرنس و قد تبرنس ذلّة* * * بالرّوج ممّا قد جنت غدراته‏

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 789- 793، 804، 814.

(2)- انظر القصيدة كاملة في الروضتين ج 1 ص 58- 59.

480

تمشي القناة برأسه و هو الّذي‏* * * نظمت مدار النيرّين قناته‏ (1)

و سار نور الدّين محمود إلى أفامية، في سنة خمس و أربعين، فالتجأ الفرنج إلى حصنها فقاتله، و اجتمع الفرنج و ساروا إليه ليرحّلوه عنه، فوجدوه قد ملكه و ملأه من الرّجال و الذّخائر، فسار في طلبهم، فعدلوا عن طريقه، و دخلوا بلادهم.

[أسر جوسلين‏]

و جمع نور الدّين العساكر و سار إلى بلاد جوسلين الفرنجي ليملكها و كان جوسلين من أشجع الفرنج و أسدّهم رأيا، فجمع الفرنج و أكثر، و سار إلى نور الدّين و التقيا، فانهزم المسلمون و قتل منهم و أسر.

و كان سلاحدار نور الدّين ممّن أسر، فأخذ جوسلين سلاحه، فسيّره إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية، و قال: «هذا سلاح زوج ابنتك» .. فعظم ذلك على نور الدّين، و هجر الرّاحة إلى أن يأخذ بثأره، و جعل يفكّر في حيلة يحتال بها على جوسلين، و علم أنّه إن قصده احتمى في حصونه.

فأحضر أمراء التّركمان، و بذل لهم الرّغائب إن ظفروا بجوسلين، فجعلوا عليه العيون، فخرج إلى الصّيد فظفر به طائفة من التّركمان، فصانعهم على مال يؤدّيه إليهم، فأجابوه إلى إطلاقه إذا أحضر المال، و أرسل في إحضاره.

____________

(1)- انظر القصيدة بأكملها في الروضتين ج 1 ص 60- 62.

481

فمضى بعض التّركمان إلى مجد الدّين أبي بكر بن الدّاية، و كان ابن داية نور الدّين، و استنابه في حلب، و سلّم أمورها إليه، فأحسن الولاية فيها و التّدبير، فأعلم ذلك التّركماني ابن الداية بصورة الحال، فسيّر مجد الدّين معه عسكرا، فكبسوا أولئك التّركمان، و أخذوا جوسلين أسيرا، و أحضروه إلى ابن الدّاية، في محرم هذه السّنة (1).

فسار نور الدّين عند ذلك إلى قلاع جوسلين، ففتح عزاز بعد الحصار، في ثامن عشر شهر ربيع الأوّل، سنة خمس و أربعين و خمسمائة، و فتح تلّ باشر، و تلّ خالد؛ و فتح عين تاب سنة خمسين‏ (2)؛ و فتح قورس‏ (3) و الرّاوندان‏ (4) و برج الرصاص‏ (5)، و حصن البيرة و كفرسود (6) و مرعش‏ (7) و نهر الجوز.

و تجمّع الفرنج و ساروا إليه و هو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن فتحها، في سنة سبع و أربعين و خمسمائة، فلمّا قربوا منه رجع إليهم، و لقيهم عند دلوك، فاقتتلوا فانهزم الفرنج، و قتل منهم و أسر كثير، و عاد إلى دلوك ففتحها (8).

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 793- 794.

(2)- انظر حولها بغية الطلب ص 323.

(3)- انظر حولها الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 438- 441.

(4)- انظر حولها بغية الطلب ص 324.

(5)- انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 98- 99.

(6)- و يعرف أيضا باسم كفرسوت، قرب بهسنا. معجم البلدان.

(7)- من أجل مرعش انظر بغية الطلب ص 235- 238.

(8)- من أجل دلوك انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب. ج 2 ص 435- 437.

482

و أمّا تلّ باشر فإنّه تسلّمها منهم بعد فتحه دمشق، لأنهم لما علموا أنّه فتح دمشق، و أنّه يقصدهم و لا طاقة لهم به راسلوه، و بذلوا له تسلميها إليه، فسيّر إليهم الأمير حسّان صاحب منبج لقربها من منبج فتسلّمها منهم، و حصّنها.

و كان فتحه دمشق في صفر سنة تسع و أربعين و خمسمائة، لأنّ الفرنج أخذوا عسقلان من المصريين في سنة ثمان و أربعين، و لم يكن له طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه و بين عسقلان‏ (1).

و طمع الفرنج في دمشق، و جعلوا عليها قطيعة يأخذونها منهم في كلّ سنة، فخاف نور الدّين أن يملكها الفرنج، فاحتال في أخذها لعلمه أنّ أخذها بالقهر يصعب لأنّه متى نازلها راسل صاحبها الفرنج مستنجدا بهم، و أعانوه خوفا من نور الدين أن يملكها فيقوى بها عليهم.

فراسل مجير الدين أبق بن محمد بن بوري صاحبها، و استماله و هاداه، و أظهر له المودّة، حتى وثق به، فكان يقول له في بعض الأوقات:

«إنّ فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق»- يعني بعض أمراء مجير الدّين- فكان يبعد ذلك عنه، و يأخذ أقطاعه، فلما لم يبق عنده أحد من الأمراء قدّم أميرا يقال له عطاء بن حفاظ الخادم، و كان شجاعا و فوض إليه أمور دولته، فكان نور الدّين لا يتمكّن من أخذ دمشق منه، فقبض عليه مجير الدّين و قتله.

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 808- 814.

483

فسار نور الدّين حينئذ إلى دمشق، و كان قد كاتب أهلها و استمالهم، و كان النّاس يميلون إليه، لما هو عليه من العدل و الديّانة و الاحسان، فوعدوه بالتّسليم إليه.

[تسلم نور الدين دمشق‏]

فلمّا حصر دمشق أرسل مجير الدّين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال و تسليم قلعة بعلبكّ إليهم، لينجدوه و يرحلوا نور الدّين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم و راجلهم لذلك.

فتسلّم نور الدّين دمشق، و خرج الفرنج و قد قضي الأمر فعادوا خائبين، و سلّمها إليه أهلها من باب شرقي، و التجأ مجير الدّين إلى القلعة، فراسله و بذل له عوضا عنها حمص، و غيرها؛ فسلّمها إليه و سار إلى حمص، ثم إنّه راسل أهل دمشق، فعلم نور الدّين، فخاف منه، فأخذ منه حمص، و عوّضه ببالس، فلم يرض بذلك، و سار إلى بغداد فمات بها.

و سار نور الدّين إلى حارم، و هي لبيمند صاحب أنطاكية، و حصرها في سنة إحدى و خمسين، و ضيّق على أهلها، فتجمّع الفرنج و عزموا على قصده فأرسل و الي حارم إلى الفرنج، و قال: «لا تلتقوه فإنّه إن هزمكم أخذ حارم و غيرها، و نحن في قوّة و الرأي مطاولته»، فأرسلوا إلى نور الدّين، و صالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، و رجع نور الدّين إلى حلب.

[زلازل سنة 552 ه 483]

و وقعت الزّلازل في شهر رجب في سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة، بالشّام، فخربت حماة، و شيزر، و كفرطاب، و أفامية، و معرّة النعمان،

484

و حمص، و حصن الشميميس‏ (1)، عند سلمية، و غير ذلك من بلاد الفرنج.

و تهدّمت أسوار هذه البلاد فجمع نور الدّين العساكر، و خاف على البلاد من الفرنج، و شرع في عمارتها حتّى أمن عليها.

[هلاك شيزر]

و أمّا شيزر، فانقلبت القلعة على صاحبها و أهله، فهلكوا كلّهم، و كان قد ختن ولدا له و عمل وليمة، و أحضر أهله في داره، و كان له فرس يحبّه و لا يكاد يفارقه، و إذا كان في مجلس أقيم ذلك الفرس على بابه، فكان ذلك اليوم على الباب، فجاءت الزّلزلة فقام النّاس ليخرجوا من الدّار فخرج واحد من الباب فرمحه ذلك الفرس فقتله، فامتنع النّاس من الخروج، فسقطت الدّار عليهم فهلكوا.

و بادر نور الدّين، و وصل إلى شيزر، و قد هلك تاج الدّولة بن منقذ و أولاده، و لم يسلم منهم إلّا الخاتون أخت شمس الملوك زوجة تاج الدّولة، و نبشت من تحت الرّدم سالمة، فتسلّم القلعة و عمّر أسوارها و دورها، و كان نور الدّين قد سأل أخت شمس الملوك عن المال و هدّدها، فذكرت له أنّ الدار سقطت عليها و عليهم، و نبشت و هي دونهم، و لا تعلم بشي‏ء، و إن كان لهم شي‏ء فهو تحت الرّدم.

و كان شرف الدّولة اسماعيل غائبا، فلمّا حضر و عاين قلعة شيزر، و رأى زوجة أخيه في ذلك الذّلّ بعد العزّ، عمل قصيدة أوّلها:

ليس الصّباح من المساء بأمثل‏* * * فأقول للّيل الطّويل ألا انجلي‏

____________

(1)- بقايا هذا الحصن على مقربة من سلمية على الطريق الواصله بمدينة حماه.

485

قال فيها:

يا «تاج دولة هاشم» بل يا أبا التّ* * * يجان بل يا قصد كلّ مؤمّل‏

لو عاينت عيناك «قلعة شيزر»* * * و السّتر دون نسائها لم يسبل‏

لرأيت حصنا هائل المرأى غدا* * * متهلهلا مثل النّقا المتهيل‏

لا يهتدي فيه السّعاة لمسلك‏* * * فكأنّما تسري بقاع مهول‏

ذكر فيها زوجة أخيه، فقال:

نزلت على رغم الزّمان و لو حوت‏* * * يمناك قائم سيفها لم تنزل‏

فتبدّلت عن كبرها بتواضع‏* * * و تعوّضت عن عزّها بتذلّل‏ (1)

و أقامت الزّلازل تتردّد في البلاد سبع سنين، و هلك فيها خلق كثير.

و في هذه السّنة أبطل الملك العادل نور الدّين، و هو بشيزر، مظالم و مكوسا ببلاده كلّها مقدارها مائة و خمسون ألف دينار.

ثم إنّ نور الدّين تلطّف الحال مع ضحّاك البقاعيّ، و راسله، و هو ببعلبكّ، و كان قد عصى فيها بعد فتح دمشق، و لم ير أن يحصره بها لقربه من الفرنج، فسلّمها إلى نور الدّين في هذه السّنة (2).

و جرت وقعة بين نور الدّين و بين الفرنج بين طبريّة و بانياس،

____________

(1)- انظر بغية الطلب ص 1640- 1642.

(2)- انظر تاريخ ابن القلانسي ص 509.

486

فكسرهم نور الدّين كسرة عظيمة في جمادى الأولى سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة (1).

[مرض نور الدين‏]

ثمّ عاد نور الدّين إلى حلب، فمرض بها في سنة أربع و خمسين مرضا شديدا، بقلعتها، و أشفى على الموت، و كان بحلب أخوه الأصغر نصرة الدّين أمير أميران محمّد بن زنكي؛ و أرجف بموت نور الدّين؛ فجمع أمير أميران النّاس، و استمال الحلبيّين، و ملك المدينة دون القلعة، و أذن للشّيعة أن يزيدوا في الأذان: «حيّ على خير العمل محمّد و عليّ خير البشر»، على عادتهم من قبل، فمالوا إليه لذلك.

و ثارت فتنة بين السّنة و الشّيعة، و نهب الشّيعة مدرسة ابن عصرون و غيرها من أدر السّنة، و كان أسد الدّين شيركوه بحمص، فبلغه ذلك فسار إلى دمشق ليغلب عليها، و كان بها أخوه نجم الدّين أيّوب فأنكر عليه ذلك، و قال: «أهلكتنا و المصلحة أن تعود إلى حلب، فان كان نور الدّين حيّا خدمته في هذا الوقت، و إن كان مات فأنا في دمشق، و تفعل ما تريد».

فعاد مجدا إلى حلب، فوجد نور الدّين و قد ترجح إلى الصّلاح، فأجلسه في طيّارة مشرفة إلى المدينة، بحيث يراه النّاس كلهم، و هو مصفرّ الوجه من المرض، و نادوا إلى الناس: «هذا سلطانكم». فقال بعضهم:

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 890- 892.