نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول‏ - ج3

- الشيخ محمد علي‏ الاجتهادي المزيد...
405 /
1

[الجزء الثالث من شرح المجلد الثانى‏]

[تتمه المقصد السابع‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ فى الاستصحاب و بيان اقوال المسألة

[فصل فى الاستصحاب ...]

فصل فى الاستصحاب و فى حجّيته اثباتا و نفيا اقوال للأصحاب.

فصل، فى الاستصحاب و فى حجّيته اثباتا و نفيا اقوال للاصحاب قد سردها الشيخ (اعلى اللّه مقامه) فى الفرائد، و قال ان المتحصّل منها فى بادئ النظر احد عشر قولا، الاول القول بالحجيّة مطلقا، الثانى عدم الحجّية مطلقا، الثالث التّفصيل بين العدمى و الوجودى فيعتبر فى الاول دون الثانى، الرابع التّفصيل بين الامور الخارجية و بين الحكم الشرعى مطلقا فلا يعتبر فى الاول مطلقا، الخامس التّفصيل بين الحكم الشرعى الكلى و غيره فلا يعتبر فى الاول الا فى عدم النسخ، السادس التّفصيل بين الحكم الجزئى و غيره فلا يعتبر فى غير الاول و هذا هو الذى تقدم انه ربما يستظهر من كلام المحقق الخوانسارى فى حاشية شرح‏

2

الدروس على ما حكاه السيد فى شرح الوافية، السابع التّفصيل بين التكليفى الغير التابع للحكم الوضعى و غيره فلا يعتبر فى الاول، الثامن التّفصيل بين ما ثبت بالاجماع و غيره فلا يعتبر فى الاول، التاسع التّفصيل بين كون المستصحب مما ثبت بدليله او من الخارج استمراره فشك فى الغاية الرافعة له و بين غيره فيعتبر فى الاول دون الثانى كما هو ظاهر المعارج، العاشر هذا التفصيل مع اختصاص الشك بوجود الغاية كما هو الظاهر من المحقق السبزوارى فيما سيجى‏ء من كلامه الحادى عشر زيادة الشك فى مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقى دون المفهومى كما هو ظاهر ما سيجى‏ء من المحقق الخوانسارى، ثم انه ((قدس سره)) بعد الفراغ عن عدّ هذه الاقوال الاحد عشر.

قال انه لو بنى على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة فى الاصول و الفروع لزادت الاقوال على العدد المذكور بكثير بل يحصل لعالم واحد قولان او ازيد فى المسألة إلّا ان صرف الوقت فى هذا مما لا ينبغى الى ان قال و الاقوى هو القول التاسع و هو الذى اختاره المحقق فان المحكى عنه فى المعارج انه قال اذا ثبت حكم فى وقت ثم جاء وقت آخر و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم هل يحكم ببقائه ما لم يقم دلالة على نفيه ام يفتقر الحكم فى الوقت الثانى الى دلالة حكى عن المفيد (قده) انه يحكم ببقائه و هو المختار و قال المرتضى (قده) لا يحكم ثم مثل بالمتمم الواجد للماء فى اثناء الصلاة (انتهى).

3

فى تعريف الاستصحاب‏

و لا يخفى ان عباراتهم فى تعريفه و ان كانت شتى.

مثل انه ابقاء ما كان فقد ذكر شيخنا العلامة انه اسد التعاريف و اخصرها و ذكر ان دخل الوصف فى الموضوع مشعر بعليته للحكم، و مثل انه اثبات الحكم فى الزمان الثانى تعويلا على ثبوته فى الزمان الاول و هو المحكى عن الزبدة بل نسبه شارح الدروس الى القوم، و انه كون حكم او وصف يقينى الحصول فى الآن السابق مشكوك البقاء فى الآن اللاحق فقد ذكره المحقق القمى (ره) فى تعريف الاستصحاب و انه عبارة عن ابقاء ما علم ثبوته فى الزمان السابق فيما يحتمل البقاء فيه من الزمن اللاحق و هو المحكى عن الفصول، و انه اثبات حكم فى زمان لوجوده فى زمان سابق عليه الى غير ذلك من التعاريف المذكورة فى عبائرهم.

إلّا انها تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه.

4

حاصله ان التعاريف مشيرة الى مفهوم واحد و معنى فارد؛ و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه، و لا يخفى ان ما ذكره المصنف من التعريف فهو شرح لما ذكره الشيخ (ره) لا غير، قال اعلى اللّه مقامه فى الرسائل فى صدر الاستصحاب (ما لفظه) و هو لغة يعنى الاستصحاب اخذ الشى‏ء مصاحبا و منه استصحاب اجزاء ما لا يوكل لحمه فى الصلاة و عند الاصوليين عرف بتعاريف اسدها و اخصرها ابقاء ما كان و المراد بالابقاء الحكم بالبقاء، هذا و لكن فى هذا التعريف مع ما قال مولانا فى حقه انه اسد و اخصر نظر لان المراد بالابقاء اما معناه الحقيقى يعنى ابقاء الشى‏ء مع وجود المقتضى لعدم ابقائه و عدم الاتيان بالمقتضى كما يقال اكلت هذا و ابقيت نصفه فمعناه ان مقتضى الاكل كان موجودا و انا لم نأت بالمقتضى و ابقيته و اما معناه المجازى يعنى الحكم بالبقاء كما صرح به.

امّا الاول فهو خارج عن الاستصحاب لان البقاء كان حاصلا غاية الامر ابقائه هو عدم الاتيان بالمقتضى للخلافة؛ و اما الثانى فلعدم طرد التعريف لان التعريف لا يشمل الاستصحاب بكلا قسميه يعنى سواء كان حجيته من باب الظن او من باب الاخبار لان الاستصحاب لو كان حجة من باب الظن معناه انه امارة الى الواقع و ناظر اليه بمعنى ان الشارع حكم بان النفس الواقع الذى كان الاستصحاب مرآة اليه يأتى فى الآن الثانى بمقتضى الاستصحاب و لو كان حجة من باب الاخبار معناه انه غير ناظر اليه بل الحكم بالاستصحاب على هذا ليس إلّا محض اللابدية فالشارع‏

5

احدث حكما مماثلا للواقع مع قطع النظر عن الواقع فحقيقة الابقاء على الاول هو ابقاء الواقع فيترتب عليه اثره بالتبع و على الثانى هو ابقاء حكم مماثل للواقع بل فى الحقيقة ليس هو الابقاء بل احداث حكم من الشارع فى الزمن الثانى مماثلا للاول بخلاف الاول فانه ابقاء حقيقة فاذا كان فرق بين حقيقة الإبقاءين لا يجوز ذكر لفظ واحد و ارادة معنيين متباينين منه فلفظ الابقاء فى التعريف يشمل احد المعنيين دون الآخر فيكون غير مطرد و القول بان هذا التعريف على مذاقه مدفوع بان الشى‏ء اذا كان له فردان فلا بد من تعريفه بحيث يشمله اولا و يرده ثانيا على حسب مذاقه و ايضا استعمال لفظ المشترك فى احد معانيه موقوف بالقرينة و ليس هنا قرينة على تعيين معنى الابقاء فى مراد الشيخ (ره).

امّا من جهة بناء العقلاء على ذلك فى احكامهم العرفيّة مطلقا او فى الجملة تعبّدا او للظّن به النّاشى عن ملاحظة ثبوته سابقا و امّا من جهة دلالة النّص او دعوى الاجماع عليه كذلك حسبما ياتى الاشارة الى ذلك مفصّلا.

قد عرفت ان للاصحاب اقوالا قد انهاها الشيخ (ره) الى احد عشر قولا القول بالحجية مطلقا و عدمها كذلك و التفصيل بين العدمى و الوجودى و التفصيل بين الحكم الشرعى و الامور الخارجية و التفصيل‏

6

بين الاحكام الشرعية الكلية و بين غيره و التفصيل بين الحكم الشرعى الجزئى و بين غيره من الحكم الشرعى الكلى و الامور الخارجية، و التفصيل بين الاحكام مطلقا و بين الاسباب و الشروط و الموانع، و التفصيل بين الشك فى المقتضى و بين الشك فى وجود الرافع، و التفصيل بين ما ثبت بالاجماع و غيره، و التفصيل بين الشك فى المقتضى و الشك فى رافعية الموجود، و التفصيل بين الشك فى المقتضى و الشك فى رافعية الموجود بنحو الشبهة الحكمية و بين الشك فى وجود الرافع و فى رافعية الموجود بنحو الشبهة المصداقية و المصنف قد اختار القول الاول و هو القول بالحجية مطلقا، و استدل عليه بالوجوه الاربعة الآتية، الوجه الاول الآتي هو قوله ... الوجه الاول استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوى الشعور من كافة انواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة مع عدم ردع الشارع عنه ... الخ. الوجه الثانى الآتي هو قوله ان الثبوت فى السابق موجب للظن به فى اللاحق ... الخ، الوجه الثالث الآتي، هو دعوى الاجماع عليه ... الخ الوجه الرابع و هو قوله العمدة فى الباب الاخبار المستفيضة ... الخ هذه هى الوجوه الآتية التى استدل بها للاستصحاب و قد اشار الى كل من الوجوه و الاقوال هنا بقوله؛ اما من جهة بناء العقلاء على ذلك فى احكامهم العرفية اشارة الى الوجه الاول الآتي؛ و قوله او للظن به الناشى عن ملاحظة ثبوته سابقا اشارة الى الوجه الثانى الآتي و قوله او من جهة دلالة النص اشارة الى الوجه الرابع الآتي و قوله او دعوى الاجماع عليه كذلك اشارة

7

الى الوجه الثالث الآتي و قوله مطلقا او فى الجملة تعبدا اشارة الى القول بحجية الاستصحاب مطلقا و عدمها و الى التفاصيل المتقدمة المذكورة

و لا يخفى انّ هذا المعنى هو القابل لان يقع فيه النّزاع و الخلاف فى نفيه و اثباته مطلقا او فى الجملة و فى وجه ثبوته على اقوال.

و لا يخفى ان هذا المعنى اى الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه هو القابل لان يقع فيه النزاع و الخلاف فى انه حجة مطلقا او ليس بحجة مطلقا او التفصيل بين العدمى و الوجودى و بين الاحكام الشرعية و غيره و غير ذلك من التفاصيل المتقدمة؛ و فى وجه ثبوته و مدرك حجيته و انه هل هو بناء العقلاء او الظن الناشى عن ثبوته سابقا او دلالة النص او دعوى الاجماع عليه كذلك على اقوال، اذ المفهوم الواحد هو القابل لان يقع النزاع و الخلاف فيه كذلك و هو واضح.

ضرورة انّه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء او الظّنّ به النّاشى من العلم بثبوته لما تقابل فيه الاقوال و لما كان النّفى و الاثبات واردين على مورد واحد بل موردين.

8

علة لقوله و لا يخفى ان هذا المعنى (يعنى الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم) هو القابل لان يقع فيه النزاع و الخلاف فى نفيه و اثباته مطلقا او فى الجملة و فى وجه ثبوته على اقوال، ضرورة ان معنى الاستصحاب لو كان يختلف باختلاف مداركه و وجوه الاستدلال عليه كما اشار اليه فى الحاشية (بان حقيقة الاستصحاب و ماهيته يختلف بحسب اختلاف وجه حجيته) لما تقابل فيه الاقوال؛ اذ القائل بثبوت الاستصحاب قد لا يثبت البناء و لا يعترف بثبوت الظن بل يعترف بثبوته للاخبار؛ و القائل بنفى الاستصحاب قد لا ينفى البناء و لا يلتزم بنفى الظن بل لا يكون البناء و الظن عنده حجة، و مما ذكرنا ظهر المراد من قوله و لما كان النفى و الاثبات واردين على مورد واحد فانه مفسد لما قبله.

و تعريفه بما ينطبق على بعضها و ان كان ربّما يوهم ان لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه.

حاصله ان التعاريف المذكورة انما تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد اذا كان جميعها تقصد شيئا واحدا و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه مع ان تعريفه بما ينطبق على بعض التعاريف مثل ما تقدم عن المحقق القمى من انه كون حكم او وصف يقينى الحصول فى الآن السابق مشكوك البقاء فى الآن اللاحق ربما يوهم ان‏

9

لا يكون هو الحكم بالبقاء بل يكون الاستصحاب ذاك الوجه المذكور فى التعريف.

[الاستصحاب مسألة اصوليه ...]

الاستصحاب مسألة اصوليه الّا انّه حيث لم يكن بحدّ و لا برسم بل من قبيل شرح الاسم كما هو الحال فى التّعريفات غالبا لم يكن له دلالة على انّه نفس الوجه بل للاشارة اليه من هذا الوجه و لذا لا وقع للأشكال على ما ذكر فى تعريفه بعدم الطّرد او العكس فانّه لم يكن به اذا لم يكن بالحدّ او الرّسم بأس فانقدح انّ ذكر تعريفات القوم له و ما ذكر فيها من الاشكال بلا حاصل و طول بلا طائل.

حاصله ان تعريف الاستصحاب احيانا بما ينطبق على بعض التعاريف غير ما ذكرناه و ان كان قد يوهم ان لا يكون هو الحكم بالبقاء إلّا انه حيث لا يكون بحد و لا برسم اى لا يكون بالجنس و الفصل او بالفصل فقط حتى يكون حدا او بالجنس و العرض الخاص او بالعرض الخاص فقط كى يكون رسما بل من قبيل شرح الاسم كما هو الحال فى التعريفات غالبا لم يكن له دلالة على انه نفس الوجه بل للاشارة الى ما ذكرناه من هذا الوجه و لذا لا وقع للاشكال على ما ذكر فى تعريف الاستصحاب بعدم الطرد او العكس فانه لم يكن بالتعريف الموهم للخلاف بأس اذا لم يكن بالحد و لا بالرسم، فانقدح ان ذكر تعريفات القوم للاستصحاب و ما ذكر فى التعريفات من الاشكال بلا حاصل و طول بلا طائل.

10

فى بيان كون المسألة اصولية

ثمّ لا يخفى انّ البحث فى حجيّته مسئلة أصوليّة حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع فى طريق استنباط الاحكام الفرعيّة و ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة و ان كان ينتهى اليه.

قد نبه المصنف على ضابطة بها تمتاز المسألة الاصولية عن المسألة الفقهية؛ و هى ان المسألة الاصولية هى التى تصلح لان تقع فى طريق الاستنباط بخلاف المسألة الفقهية فانها ممحضة لافادة حكم عمل المكلف و لا تصلح لاستنباط الحكم الفرعى و لو فى واقعة من الوقائع؛ و مسئلة الاستصحاب التى هى عبارة اخرى عن قولك كل مشكوك البقاء باق حيث تقع فى طريق استنباط الاحكام الشرعية الكلية هى من المسائل الاصولية اذ يجعل كبرى لصغريات وجدانية فى موارد مخصوصة، فيقال هذا الوجوب مما شك فى بقائه و كل مشكوك البقاء باق فهذا الوجوب باق.

و الحاصل ان مسئلة الاستصحاب تكون من المسائل الاصولية لانها تقع فى طريق استنباط الاحكام الشرعية الكلية و بذلك اى بقولنا الاحكام الشرعية الكلية تمتاز مسئلة الاستصحاب عن القواعد الفقهية

11

كقاعدة الطهارة و قاعدة الحل و قاعدة الفراغ و البناء على الاكثر و اليد و الصحة و نحوها فانها و ان كانت تقع كبرى لقياس الاستنباط إلّا ان النتيجة فيها انما تكون حكما جزئيا يتعلق بعمل آحاد المكلفين بلا واسطة بمعنى انه لا يحتاج فى تعلقه بالعمل الى مئونة اخرى كما هو الشأن فى نتيجة المسألة الاصولية فانها لا تعلق لها بعمل الآحاد ابتداء الا بعد تطبيق النتيجة على الموارد الخاصة الجزئية، فالفرق بين المسائل الاصولية و القواعد الفقهية هو ان النتيجة فى الاول تكون دائما حكما كليا لا يتعلق بعمل آحاد المكلفين الا بعد التطبيق الخارجى.

و اما النتيجة فى الثانى تكون جزئية لا تحتاج فى تعلقها بعمل الآحاد الى التطبيق غالبا فالقاعدة الفقهية تشترك مع المسألة الفقهية فى كون النتيجة فيهما حكما جزئيا عمليا يتعلق بفعل المكلف بلا واسطة، غاية الامر انه جرى الاصطلاح على اطلاق المسألة الفقهية على قضية كان المحمول فيها حكما اوليا كان له تعلق بفعل او بموضوع خاص كمسألة الصلاة واجبة و الخمر حرام و اختصاص القاعدة الفقهية على ما لم تكن كذلك بل كان المحمول فيها متعلقا بعدة افعال المكلفين يحويها عنوان واحد من غير فرق بين ان يكون المحمول فيها حكما واقعيا اوليا كقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفساده الشاملة لجميع انواع المعاوضة المتفرقة او حكما واقعيا ثانويا كقاعدة لا ضرر و لا حرج الجارية فى جميع ابواب الفقه او حكما ظاهريا كقاعدة الفراغ و التجاوز.

12

كيف و ربّما لا يكون مجرى الاستصحاب الّا حكما اصوليّا كالحجّية مثلا.

حاصله انه كيف لا يكون البحث عن حجية الاستصحاب بحثا عن مسئلة الاصولية و قد لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكما اصوليا كامارة التى كانت حجة قطعا ثم شك فى بقاء حجيته فبمعونة الاستصحاب يثبت لها الحجية التى ليست من سنخ الحكم الذى يتعلق بفعل المكلف بل موضوعها ما يقع فى طريق استنباط الحكم الفرعى فيكون الاستصحاب واقعا فى طريق استنباط الحكم الفرعى.

فظهر مما ذكرنا ان الصلاحية للوقوع فى طريق الاستنباط كافية فى الدخول فى علم الاصول بخلاف المسألة الفقهية فانها ممحضة لافادة الحكم الفرعى؛ فتحصل من جميع ما ذكرنا من اول قوله ثم لا يخفى ... الخ الى الآن ان الاستصحاب سواء جرى فى الاحكام الشرعية كاستصحاب وجوب الصلاة او جرى فى الحكم الاصولى كاستصحاب الحجية هو مسئلة اصولية لما عرفت من انه يقع فى طريق استنباط الحكم الفرعى و هو ليس مسئلة فقهية.

هذا لو كان الاستصحاب عبارة عمّا ذكرنا و امّا لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته او الظّنّ به النّاشى من ملاحظة ثبوته فلا اشكال فى كونه مسئلة اصوليّة.

13

حاصله ان البحث عن حجية الاستصحاب و انه انما يكون بحثا عن مسئلة الاصولية هو فيما لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا يعنى نفس الحكم ببقاء ما ثبت و اما لو كان عبارة عن بناء العقلاء على ما علم ثبوته ما لم يعلم بارتفاعه او الظن بالبقاء الناشى من ملاحظة ثبوته سابقا فلا اشكال فى كونه مسئلة اصولية لعدم كون مفادها حينئذ حكم العمل بلا واسطة.

فى الامور المعتبرة فى الاستصحاب‏

و كيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا فى تعريفه اعتبار امرين فى مورده القطع بثبوت شى‏ء و الشّكّ فى بقائه.

حاصله انه قد ظهر مما ذكرنا فى تعريف الاستصحاب من انه الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه اعتبار امرين يعنى لا بد فيه من امرين و يتقوم موضوعه بهما الاول وجود الشى‏ء و ثبوته فى الزمان السابق مع العلم او الظن المعتبر بوجوده فى ذاك الزمان حين ارادة الحكم بالبقاء فلو لم يكن عالما به فى ذاك الزمان حين ارادة الحكم بالبقاء و لو كان عالما قبل هذا كان يشك فى الزمان‏

14

الذى يريد الحكم بالبقاء فى وجوده فى ذاك الزمان ايضا فلا يتحقق معه الاستصحاب الاصطلاحى؛ الثانى الشك فى وجوده فى زمان لا حق عليه يعنى ان الشك لا بد ان يتعلق بالوجود فى الزمان اللاحق لا بالوجود فى الزمان السابق فلو تعلق بالوجود السابق كان يعلم بان معنى هذا اللفظ هو ذاك و نشك فى ان هذا هو معناه فى السابق ام لا فلا يجرى فيه الاستصحاب.

و لا يكاد يكون الشكّ فى البقاء الّا مع اتّحاد القضيّة المشكوكة و المتيقّنة بحسب الموضوع و المحمول.

قد عرفت آنفا ان الاستصحاب متقوم بامرين القطع بثبوت الشى‏ء و الشك فى بقائه و لا يكاد يكون الشك فى البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحسب الموضوع و المحمول بمعنى انه يعتبر فيه اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعا كما يعتبر اتحادهما محمولا فان من تيقن بحياة زيد كما لا يجوز له استصحاب علمه مثلا فانه محمول آخر فكذلك لا يجوز له استصحاب حيوة عمرو فانه موضوع آخر اذ لا يكاد يكون الشك فى البقاء الا مع اتحاد القضيتين موضوعا و محمولا فكما ان من تيقن بحياة زيد اذا شك فى قيامه فهو ليس شكا فى بقاء ما تيقن به فكذلك اذا شك فى حيوة عمرو فهو ليس شكا فى بقاء ما تيقن به.

15

ثم ان المراد من اتحاد الموضوع و المحمول ليس إلّا اتحادهما بحسب الوجود لا بحسب الذات و الماهية مع تغايرهما وجودا كما فى الاستصحاب الكلى من القسم الثالث اذا الاتحاد فى الماهية مع تعدد الوجود لا يكفى فى صدق البقاء عرفا و لذا لا يكون وجود خالد مقارنا لعدم زيد بقاء لوجود الانسان مع اتحادهما ذاتا و من هنا لم يجر الاستصحاب فى القسم الثالث من اقسام الشك فى وجود الكلى كما انه ليس المراد اتحادهما فى الوجود و المرتبة كيف و ان الاتحاد فى اصل الوجود هو المصحح لقسم من استصحاب الكلى فى القسم الثالث‏

هذا ممّا لا غبار عليه فى الموضوعات الخارجيّة فى الجملة.

هذا اى اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحسب الموضوع و المحمول فى الموضوعات الخارجية كعدالة زيد و حياته و نحو ذلك مما لا غبار فيه فى الجملة اى فيما لا يكون التجدد و التصرم فى كمون ماهياتها كالتكلم و الحركة و الزمان و نحو ذلك فان فى مثل هذه اى الموضوعات التجددية اشكال سيجي‏ء التعرض له و لدفعه فى الشبهات إن شاء اللّه تعالى.

16

الاشكال فى استصحاب الحكم الكلى‏

و امّا الأحكام الشّرعية.

قد عرفت آنفا عدم تأتى الاشكال فى الموضوعات الخارجية فى الجملة و اما الاحكام فربما يشكل فى صحة استصحابها من جهة ان الشك فى الحكم التكليفى لازم للشك فى الموضوع دائما و مع الشك فى بقائه لا يكون رفع اليد عن الحكم نقضا منهيا شرعيا و النقض المنهى هو رفع اليد عن الحكم عند الشك فيه مع بقاء الموضوع و سيجى‏ء اشتراط بقاء الموضوع فى الاستصحاب.

و لا يخفى ان هذا مبنى على ارجاع جميع القيود التى تؤخذ فى القضية الى الموضوع كما هو مختار شيخنا القمقام (اعلى اللّه مقامه) فى الواجبات المشروطة بارجاعها الى الواجبات المعلقة و لعل المصنف.

قد جرى على مذاق الشيخ (ره) كى يعمه الجواب عن الاشكال.

سواء كان مدركها العقل ام النّقل.

اشارة الى ما عن مولانا القمقام الانصارى (قدس) من انكاره‏

17

حجية الاستصحاب حال العقل اى الحكم الشرعى المستكشف بالعقل حيث ان العقل لا يحكم بشى‏ء الا بعد احراز جميع ما له مدخلية فى موضوع حكمه من الشرائط و فقد الموانع فان كان جميع ذلك محرزا فحكمه.

ثابت و ان اختل بعض الجهات فلا ادراك له اصلا فحكم العقل حتى لاجل وجود الرافع لا يكون إلّا للشك فى موضوعه فلو عرض هذا الموضوع على العقل من اول امره لما يحكم عليه شى‏ء و مع ان الموضوع لا بد ان يكون معلوم البقاء فمثل هذا الموضوع لم يعلم تعلق الحكم الشرعى به ابتداء.

و هذا بخلاف الحكم الشرعى الثابت لموضوع ابتداء فان الموضوع قد جعل فى الدليل اعم من موضوع العقل مثلا اذا حكم بان الصدق اذا كان مضرا فهو حرام و علمنا ان الصدق الفلانى كان مضرا ثم شككنا فى حرمته فى الآن اللاحق و لم يعلم ان المناط باق فيه ام لا فيصح ان يقال ان الموضوع هو الصدق و هو باق فيستصحب حرمته و ان كان بالدقة العقلية يرجع الى الشك فى الموضوع حيث ان الموضوع حقيقة بنظر العقل هو الصدق المضار بما هو ضار لكن موضوع الاستصحاب بناء على حجيته من باب الاخبار ليس مبنيا على الدقة العقلية.

و الحاصل ان الموضوع بحسب الشرع ربما يكون اوسع بنظر العقل فرب شى‏ء له مدخلية بنظر العقل فى موضوع الحكم و لم يكن بهذه المثابة بحسب الشرع و لا فرق فى ذلك بين القول بتبعية الاحكام الشرعية للاحكام العقلية ام لا بناء على حجية الاستصحاب من باب‏

18

الاخبار بعد عدم العلم بمناط هذا الحكم الشرعى و عنوانه المعلق عليه حيث ان موضوع المستصحب عرفى فهو تابع له حدوثا و بقاء ففى مثال الصدق يصح ان يقال عرفا ان هذا الموضوع كان حراما فيستصحب حرمته و بعد جريان الاستصحاب نستكشف بقاء ما هو المناط عقلا فى محل الكلام نعم لو علم المناط اولا و شك فى بقائه لم يجر الاستصحاب بعين ما ذكر فى الحكم العقلى هذا حاصل ما افاده شيخنا الانصارى فى بيان التفصيل بين ما كان مدركها العقل ام النقل:

فيشكل حصوله فيها لانّه لا يكاد يشكّ فى بقاء الحكم الّا من جهة الشكّ فى بقاء موضوعه بسبب تغيّر بعض ما هو عليه ممّا احتمل دخله فيه حدوثا او بقاء و الّا لا يتخلف الحكم عن موضوعه الّا بنحو البداء بالمعنى المستحيل فى حقّه تعالى و لذا كان النّسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا.

حاصله ان الاحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل او النقل فيشكل حصول الاستصحاب فيها لانه لا يكاد يشك فى بقاء الحكم الا من جهة الشك فى بقاء موضوعه بسبب تغير بعض ما هو الموضوع عليه مما احتمل دخله فيه حدوثا او بقاء من المشخصات و إلّا اى و لو كان الموضوع باقيا على ما هو عليه من غير تغير فيه لا يتخلف الحكم عن موضوعه لان الموضوع علة تامة للحكم و يستحيل فى المعلول مع العلم بالعلة

19

إلّا بنحو البداء بان يظهر للحاكم الخطاء فى حكمه فيعدل عما حكم به اولا من دون اختلاف فى موضوعه اصلا و لذا كان مستحيلا فى حقه تعالى لانه ملازم مع الجهل بحال الموضوع و هو على اللّه تعالى ممتنع و لذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا للشى‏ء بعد ثبوته.

و يندفع هذا الأشكال بانّ الاتّحاد فى القضيّتين بحسبهما و ان كان ممّا لا محيص عنه فى جريانه الّا انّه لمّا كان الاتّحاد بحسب نظر العرف كافيا فى تحقّقه و فى صدق الحكم ببقاء ما شكّ فى بقائه و كان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيّات التى يقطع معها بثبوت الحكم له ممّا يعدّ بالنّظر العرفى من حالاته و ان كان واقعا من قيوده و مقوّماته كان جريان الاستصحاب فى الاحكام الشّرعية الثّابتة لموضوعاتها عند الشّك فيها لاجل طروّ انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها ممّا عدّ من حالاتها لا من مقوماتها بمكان من الامكان.

توضيح الاندفاع يتوقف على تمهيد مقدمة، و هى ان القيود المأخوذة فى موضوع القضية بحسب التصور تكون على انحاء، الاول ان تكون القيود المأخوذة من مقومات الموضوع و الثانى ان تكون القيود المأخوذة من حالاته و اطواره جي‏ء بها لتعيينه و تمييزه بها عن غيره الثالث ان تكون القيود المأخوذة من علل ثبوته حدوثا و بقاء

20

الرابع ان تكون القيود المأخوذة من علل ثبوته حدوثا.

فان احرز ان القيد المأخوذ فى القضية من قبيل الاول و الثالث اى من مقومات الموضوع او من علل ثبوت الحكم له حدوثا و بقاء فلا شبهة فى ان بانتفائه يعلم بانتفاء الحكم اما لانتفاء موضوعه او لانتفاء علته و ان احرز انه ليس. كذلك بل هو من قبيل الثانى و الرابع اى تكون من الحالات او من علل ثبوته حدوثا فقط فلا يعلم بانتفاء الحكم بانتفائه بل يقطع ببقائه و اما لو لم يحرز من ايتهما ففى جريانه فيه، اشكال ينشأ من ان الميزان فى احراز الموضوع فى الاستصحاب هل هو الدقة العقلية او ظاهر الدليل او فهم العرف فان كان قيد الزائل بحسب فهمهم من الحالات فيجرى الاستصحاب و لو كان بحسب الدقة او ظاهر الدليل قيدا و ان كان بحسب فهمهم من القيود فلا يجرى و لو كان بحسب الدقة او ظاهر الدليل من الحالات.

اذا تمهدت هذه فلنرجع الى ما افاده المصنف فى وجه الاندفاع و هو ان المتبع فى اتحاد القضيتين بحسب الموضوع و المحمول نظر العرف لا العقل و لا لسان الدليل و عليه يبتنى جواز استصحاب الحكم مع العلم بارتفاع بعض القيود المأخوذة فى لسان الدليل فى موضوع الحكم كما لو دل الدليل على نجاسة الماء المتغير كان يقول اذا تغير الماء صار نجسا فزال تغيره بنفسه فشك فى بقاء نجاسته فانه يصح استصحاب النجاسة لذات الماء بعد زوال التغير لعدم كون التغير مقوما للموضوع بنظرهم بل يكون بنظرهم من حالات الماء الموضوع للنجاسة فمع‏

21

اتصاف الماء بحالة التغير يقطع بنجاسته و عند زواله عنه يشك فى بقائها له و لا يكون زواله موجبا للتعدد بل يكون القضيتان متحدتين موضوعا و محمولا فلا اشكال.

و الحاصل ان الاتحاد فى القضيتين و ان كان مما لا محيص عنه فى جريان الاستصحاب إلّا انه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف كافيا فى تحققه و فى صدق الحكم ببقاء ما شك فى بقائه و كان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيات التى يقطع مع ذلك الخصوصيات بثبوت الحكم للموضوع مما يعد بالنظر العرفى من حالاته أى حالات الموضوع و ان كان واقعا و بالنظر الدقى العقلى من قيود الموضوع و مقوماته كان جريان الاستصحاب فى الاحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها عند الشك فيها لاجل طرو انتفاء بعض ما احتمل دخله فى الموضوعات مما عدّ من حالات تلك الموضوعات لا من مقوماتها بمكان من الامكان.

ضرورة صحّة امكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبّدا او لكونه مظنونا و لو نوعا او دعوى دلالة النّصّ او قيام الاجماع عليه قطعا.

اشارة الى دفع ما توهمه بعض المشايخ فانه فرق بين حجية الاستصحاب من باب الظن فمنع من حصول الظن بالبقاء فيما اذا انتفى‏

22

بعض ما يحتمل دخله فى موضوع الحكم الشرعى و بين حجيته من باب الاخبار فقال لا مانع من جريان الاستصحاب فيما كان المدرك الاخبار لمكان الملاك فى بقاء الموضوع ببقائه بنظر العرف اذ الموضوع فى القضية اللفظية الملقاة الى اهل العرف مأخوذ منهم فمع كون القيد المفقود فى الزمان الثانى من الحالات لا من المقومات صح التمسك بالاستصحاب لبقاء الموضوع بنظر العرف.

و هذا بخلاف ما اذا كان حجيته من باب الظن فانه مع انتفاء ما يحتمل دخله فى ترتب الحكم الشرعى كيف يحصل الظن بالبقاء فينحصر كون الموضوع عرفيا الذى هو الملاك فى اندفاع الاشكال فيما كان المدرك الاخبار و لا يتم بناء على ساير المدارك.

حاصل الدفع انه كما امكن دعوى سوق الاخبار بلحاظ العرف كذلك امكن دعوى التزام العقلاء فى الموضوع العرفى و كذلك الظن بالبقاء و إلّا يلتزم سد باب الاستصحابات فى الاحكام عند من لا يقول بان المدرك فيه الاخبار.

بلا تفاوت فى ذلك بين كون دليل الحكم نقلا او عقلا امّا الاوّل فواضح و امّا الثّانى فلأنّ الحكم الشّرعى المستكشف به عند طرو انتفاء ما احتمل دخله فى موضوعه ممّا لا يرى مقوّما له كان مشكوك البقاء عرفا لاحتمال عدم دخله فيه واقعا و ان كان لا حكم للعقل بدونه قطعا.

23

قد عرفت ان للشيخ (اعلى اللّه مقامه) تفصيل فى الاحكام الشرعية الكلية بين ما كان الدليل على الحكم المستصحب عقليا او شرعيا فحكم بعدم جريان الاستصحاب على الاول و بجريانه على الثانى و استدل عليه بما حاصله انه لا شبهة فى ان العقل لا يحكم بشى‏ء الا بعد احراز جميع ما له مدخلية فى موضوع حكمه من الشرائط و الموانع فان كان جميع ذلك محرزا فحكمه ثابت و ان اختل بعض الجهات فلا ادراك له اصلا فحكم العقل كلها مبينة مفصلة من حيث مناط الحكم فالشك فى حكم العقل لا يكون إلّا للشك فى موضوعه و من هنا يظهر عدم جريان الاستصحاب فى الحكم الشرعى المستكشف بالحكم العقلى.

بداهة ان الحكم الشرعى اذا كان مستكشفا من الحكم العقلى يكون موضوعه لا محالة عين موضوع الحكم العقلى و إلّا لم يكن ما حكم به الشرع عين ما حكم به العقل كما هو مقتضى الملازمة بين حكمهما فاذا كان موضوعه عين موضوع الحكم العقلى فاذا زال بعض الامور التى كان لها دخل فى موضوع حكم العقل فالحكم الشرعى لم يكن متحققا في هذا الموضوع الزائل عنه ذاك البعض حتى يستصحب، هذا حاصل ما افاده شيخنا الانصارى فى الاستدلال على التفصيل.

و فيه انه قد مر ان المتبع فى اتحاد القضيتين بحسب الموضوع و المحمول هو نظر العرف لا العقل و لا لسان الدليل بلا تفاوت فى ذلك بين كون دليل الحكم نقلا او عقلا اما الاول يعنى فيما اذا كان دليل الحكم النقل و كان حجية الاستصحاب من باب الاخبار فواضح اذ

24

الموضوع فى القضية اللفظية الملقاة الى اهل العرف ماخوذ منهم فمع كون القيد المفقود فى الزمان الثانى من الحالات صح التمسك بالاستصحاب لبقاء الموضوع.

و اما الثانى يعنى فيما اذا كان دليل الحكم، العقل فلان الحكم الشرعى المستكشف به عند طرو انتفاء ما احتمل دخله فى موضوعه مما لا يرى مقوما له كان مشكوك البقاء عرفا و حينئذ فاذا تغير موضوع حكمه بزوال شى‏ء مما اخذ قيدا له لا يوجب القطع بزوال حكم الشارع بحرمته المستكشف بقاعدة الملازمة و ان كان موجبا لزوال حكم العقل قطعا لوضوح ان الحكم الشرعى تابع لما هو الملاك لحكم العقل واقعا فاذا احتمل بقاء ملاك حكمه مع زوال القيد كما هو المفروض يكون بقاء حكم الشرعى محتملا ايضا

ان قلت كيف هذا مع الملازمة بين الحكمين.

ان قلت كيف يستصحب الحكم الشرعى المستكشف بحكم العقل مع ارتفاع حكم العقل قطعا عند انتفاء ما يحتمل دخله فيه مع وجود الملازمة بين الحكمين اذ قضية الملازمة ارتفاع الحكم الشرعى عند ارتفاع الحكم العقلى؛ بداهة انه اذا كان حدوثه بحدوثه كان بقائه ايضا كذلك و إلّا يلزم ان يكون العلة المبقية غير العلة المحدثة مع ان المفروض انه ليس هناك إلّا علة واحدة و هو الحكم العقلى.

25

قلت ذلك لأنّ الملازمة انّما تكون فى مقام الاثبات و الاستكشاف لا فى مقام الثّبوت فعدم استقلال العقل الّا فى حال غير ملازم لعدم حكم الشّرع فى تلك الحال و ذلك لاحتمال ان يكون ما هو ملاك حكم الشّرع من المصلحة او المفسدة الّتى هى ملاك حكم العقل كان على حاله فى كلتا الحالتين و ان لم يدركه الّا فى إحداهما لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه او احتمال ان يكون معه ملاك آخر بلا دخل لها فيه اصلا و ان كان لها دخل فيما اطّلع عليه من الملاك.

حاصله ان الملازمة بين الحكمين انما تكون فى مقام الاثبات و الاستكشاف يعنى فى مقام كون الاحكام العقلية ادلة على الاحكام الشرعية و مثبتة لها لانها انما تكون دليلا عليها و مثبتة لها لا فى مقام الثبوت، بداهة ان حكم الشرع فى مقام الثبوت انما يكون ناشئا من الملاك الواقعى و حيث لا احاطة للعقل على جميع ما له دخل فى كونه محصلا للملاك الواقعى كى يدور حكمه وجودا و عدما مداره فلا جرم انه متى اطلع اجمالا على كون الموضوع الحاوى على مجموع القيود محصل للملاك الواقعى يحكم حكما فعليا بحسن شى‏ء و قبحه فاذا ارتفع بعض ما احتمل دخله فى حسن فعل او قبحه عقلا فهو يوجب انتفاء حكم العقل باحدهما فعلا.

و اما حكم الشرع بوجوبه او حرمته فلا قطع بانتفائه لاحتمال‏

26

عدم دخل ذلك المفقود فى المحصلية للملاك او احتمال ان يكون فى البين مناط و ملاك آخر مقارن لحدوث ذلك الملاك او مقارن لانتفائه غير متقوم بتلك الخصوصيات، و بالجملة ان العقل قد يحكم على موضوع كقبح هذا الصدق الضار على نحو الاجمال بان يعلم اجمالا بوجود مناط القبح فى هذا الموضوع لكن لا يعلم تفصيلا بان المناط باى جزء منه قائم فيحتمل ان يكون المناط قائما بنفس الصدق بحيث تكون باقيا مع الشك فى الضرر و قد يحكم على موضوع مفصلا بحيث يعلم بان المناط متقوم بهذا الجزء او ذلك او كليهما.

لكن يحتمل ان يكون للشرع مناط اخرى بحيث يكون باقيا مع ذهاب ما يتقوم به المناط عقلا و قد يحكم على موضوع مفصلا مع العلم باتحاد مناط العقل و الشرع ففى الاقسام لا مجال لحكم العقل مع الشك حيث ان حكم العقل عبارة عن الادراك و الاذعان و لا يتصور ان مع الشك و اما الحكم الشرعى المستكشف منه فيمكن اثباته بالاستصحاب لما عرفت من ان موضوع المستصحب عرفى يدور مداره فلا فرق بين الحكم المستكشف بالعقل او بالنقل فى جريان الاستصحاب فيهما لبقاء الموضوع عرفا فليس الشك فيه شك فى الموضوع فيصدق عرفا ان هذا كان حراما و الآن نشك فى حرمته كما انه يجرى ايضا لو كان الموضوع موضوع الدليل لما قلنا انه اوسع دائرة من موضوع العقلى.

و بالجملة حكم الشّرع انّما يتّبع ما هو ملاك حكم العقل‏

27

واقعا لا ما هو مناط حكمه فعلا و موضوع حكمه كذلك ممّا لا يكاد يتطرّق اليه الاهمال و الإجمال مع تطرّقه الى ما هو موضوع حكمه شأنا و هو ما قام به ملاك حكمه واقعا فرّب خصوصيّة لها دخل فى استقلاله مع احتمال عدم دخله فبدونها لا استقلال له بشى‏ء قطعا مع احتمال بقاء ملاكه واقعا و معه يحتمل بقاء حكم الشّرع جدّا لدورانه معه وجودا او عدما فافهم و تأمّل جيّدا.

و بالجملة حكم الشرع انما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا لا ما هو مناط حكم العقل فعلا و موضوع حكمه فعلا مما لا يكاد يتطرق اليه الاجمال و الاهمال اذ العقل لا يحكم بشى‏ء فعلا الا بعد تصور موضوعه و تعينه و لو اجمالا بخصوصياته و مشخصاته فلا اهمال و لا اجمال فيه مع تطرق الاهمال و الاجمال الى ما هو موضوع حكم العقل شأنا و هو ما قام به ملاك حكمه واقعا لانه يمكن ان لا يكون بعض الخصوصيات التى اخذها فى موضوع حكمه فعلا دخل فى موضوع حكمه واقعا.

فرب خصوصية لها دخل فى استقلال العقل مع احتمال عدم دخله واقعا فبدون تلك الخصوصية لا استقلال للعقل بشى‏ء قطعا مع احتمال بقاء ملاكه واقعا و مع احتمال بقاء ملاكه واقعا يحتمل بقاء حكم الشرع جدا لدوران حكم الشرع مدار الملاك وجودا و عدما فاذا تغير موضوع‏

28

حكم العقل بزوال شى‏ء مما اخذ قيدا له لا يوجب القطع بزوال حكم الشارع المستكشف بقاعدة الملازمة، بداهة ان الحكم الشرعى تابع لما هو الملاك لحكم العقل واقعا فاذا احتمل بقاء ملاك حكمه مع زوال ذلك القيد كما هو المفروض يكون بقاء حكم الشرع محتملا جدا، و حينئذ فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه الا الشك فى بقاء الموضوع بحسب الدقة العقلية و هذا لا يصلح مانعا بعد ما اشرنا اليه من ان المناط فى اتحاد القضيتين المتيقنة و المشكوكة موضوعا و محمولا المعتبر فى صدق لا تنقض هو الاتحاد بنظر العرف لا بحسب الدقة او الدليل.

ادلة حجية الاستصحاب‏

ثمّ انّه لا يخفى اختلاف آراء الاصحاب فى حجّية الاستصحاب مطلقا و عدم حجيته كذلك و التّفصيل بين الموضوعات و الأحكام او بين ما كان الشّك فى الرّافع و ما كان فى المقتضى الى غير ذلك من التّفاصيل الكثيرة على اقوال شتّى لا يهمّنا نقلها و نقل ما ذكر من الاستدلال عليها انّما المهمّ الاستدلال على ما هو المختار منها و هو الحجة مطلقا على نحو يظهر بطلان سائرها

[فقد استدل عليه بوجوه‏]

29

ثم انه لا يخفى اختلاف آراء الاصحاب فى حجية الاستصحاب مطلقا و عدم حجيته كذلك و التفصيل بين الموضوعات و الاحكام او بين العدميات و الوجوديات او بين الشك فى المقتضى و الرافع او بين الشك فى الرافع و الغاية الى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة المذكورة فى رسائل شيخنا العلامة الانصارى ((قدس سره)) و جملة من الفحول، و لا يهمنا التعرض لها و لما استدلوا به عليها، و انّما المهم نقل ما ذكر من الاستدلال على ما هو المختار و هو الحجية مطلقا على نحو يظن بطلان سائرها فقد استدلوا عليه بوجوه.

[الوجه الاوّل استقرار بناء العقلاء من الانسان ...]

الوجه الاوّل استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوى الشّعور من كافّة انواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السّابقة و حيث لم يردع عنه الشّارع كان ماضيا.

الوجه الاول من وجوه القول بحجية الاستصحاب مطلقا، هو بناء العقلاء على ذلك فان بنائهم قد استقر عليه فى جميع امورهم كما حكى عن العلامة فى النهاية و حكى عن بعض انه لو لا ذلك لاختل نظام العالم و اساس عيش بنى آدم و حكى ايضا ان العمل على الحالة السابقة امر مركوز فى النفوس حتى الحيوانات أ لا ترى ان الحيوانات تطلب عند الحاجة المواضع التى عهدت فيها الماء و الكلاء، و الطيور يعود من الاماكن البعيدة الى او كارها و لو لا البناء على ابقاء ما كان لم يكن وجه لذلك؛ و حيث لم يردع عن بنائهم الشارع كان دليلا

30

على حجية الاستصحاب.

و فيه اوّلا منع استقرار بنائهم على ذلك تعبّدا بل امّا رجاء و احتياطا او اطمينانا بالبقاء او ظنّا و لو نوعا او غفلة كما هو الحال فى سائر الحيوانات دائما و فى الانسان احيانا.

حاصل الرد؛ هو المنع عن استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبدا فان عملهم على طبق الحالة السابقة على انحاء مستقلة، فتارة يكون عملهم لاطمئنانهم بالبقاء، و اخرى يكون عملهم رجاء و احتياطا، و ثالثة يكون ظنا و لو نوعا، و رابعة يكون عملهم لغفلتهم عن البقاء و عدمه فليس لهم التفات حتى يحصل لهم الشك فيعملون اعتمادا على الحالة السابقة كما هو الحال فى ساير الحيوانات فان جرى الحيوانات على الحالة السابقة من هذا الباب قطعا فانه بلا شعور و التفات الى البقاء و عدمه فلم يثبت استقرار بناء العقلاء على العمل اعتمادا على الحالة السابقة.

و ثانيا سلّمنا ذلك لكنّه لم يعلم انّ الشّارع به راض و هو عنده ماض و يكفى فى الرّدع عن مثله ما دلّ من الكتاب و السّنة على النّهى عن اتباع غير العلم و ما دلّ على البراءة او الاحتياط فى الشّبهات فلا وجه لاتباع هذا البناء فيما لا بدّ فى اتباعه من‏

31

الدلالة على امضائه فتأمّل جيّدا.

اعلم ان الكلام فى هذا الدليل يقع فى مقامين، الاول فى ثبوت استقرار البناء من العقلاء على ابقاء ما كان، و الثانى فى حجيته، اما الاول فقد عرفت عدم ثبوت استقرار هذا البناء من العقلاء، و اما الثانى فالحق هو عدم حجيته اذ الشارع يردعهم عن ذلك و يكفى فى الردع عن مثله ما دل على الكتاب و السنة على النهى عن اتباع غير العلم و منه الاستصحاب و كذا ادلة الحل و الاحتياط تنهض ردعا لبناء العقلاء لوضوح انه مع حجيته عند الشارع لم تمس الحاجة الى جعل الحلية الظاهرية او جعل الاحتياط اذ موارد الاستصحاب تعم مواردهما باسرها و لا عكس، و الانصاف ان الآيات الناهية عن العمل بغير العلم لا تصلح للردع عنه اذ هى ارشادية الى عدم العمل بالظن لاحتمال مخالفة الواقع و الابتلاء بالعقاب فلا تشمل الظن الذى يكون حجة ببناء العقلاء للقطع بالامن من العقاب حينئذ و العقل لا يحكم بازيد مما يحصل معه الامن من العقاب، مع انه ينافى ما تقدم منه فى حجية الخبر الواحد من ان الآيات واردة فى اصول الدين اولا و ان الردع بها لا يكون إلّا على وجه دائر ثانيا، و اما ادلة الحل فهى ايضا لا تصلح للردع اذ للاستصحاب حق التقدم عليها و ليس فى عرضها كى يقال لا حاجة الى الاستصحاب مع جعل اصالة الحل و لها موارد لا تجرى فيها الاستصحاب و هى التى لم تتمم فيها اركان الاستصحاب او

32

كان فيها معارضا بمثله، و لعل قوله فتأمل اشارة الى ما ذكرنا.

[الوجه الثّانى انّ الثّبوت فى السابق موجب للظّنّ به فى اللّاحق‏]

الوجه الثّانى انّ الثّبوت فى السابق موجب للظّنّ به فى اللّاحق‏

الوجه الثانى من وجوه القول بحجية الاستصحاب مطلقا هو ان ثبوت شي‏ء فى السابق مع الشك فى بقائه موجب للظن ببقائه و كلما كان كذلك يجب العمل به.

و فيه منع اقتضاء مجرّد الثّبوت للظّنّ بالبقاء فعلا و لا نوعا فانّه لا وجه له اصلا الّا كون الغالب فيما ثبت ان يدوم مع امكان ان لا يدوم و هو غير معلوم و لو سلّم فلا دليل على اعتباره بالخصوص مع نهوض الحجّة على عدم اعتباره بالعموم.

و فيه منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلا و لا نوعا فانه لا وجه له اصلا الا كون الغالب فيما ثبت ان يدوم مع امكان ان لا يدوم و هو غير معلوم و لو سلم انه امر صحيح معلوم، و ان معنى كون الغالب فيما ثبت ان يدوم هو و ان يستمر الى آخر وقت و امكن بقائه الى ذلك الوقت إلّا اذا اتفق زواله احيانا قبل انتهاء اجله الطبيعى بسبب خاص و داع مخصوص و هو امر صحيح معلوم، و لكن لا دليل على اعتباره اى اعتبار الظن الحاصل من مجرد الثبوت فى السابق مع نهوض‏

33

الحجة على عدم اعتباره بالعموم.

[الوجه الثّالث دعوى الاجماع عليه ...]

الوجه الثّالث دعوى الاجماع عليه كما عن المبادى حيث قال الاستصحاب حجّة لاجماع الفقهاء على انّه متى حصل حكم ثمّ وقع الشّكّ فى انّه طرأ ما يزيله ام لا وجب الحكم ببقائه على ما كان اوّلا و لو لا القول بانّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحا لاجد طرفى الممكن من غير مرجّح انتهى و قد نقل عن غيره ايضا

الوجه الثالث من وجوه القول بحجية الاستصحاب مطلقا، هو دعوى الاجماع عليه كما عن المبادى حيث قال الاستصحاب حجة لاجماع الفقهاء على انه متى حصل حكم ثم وقع الشك فى انه طرأ ما يزيله ام لا وجب الحكم ببقائه على ما كان اولا و لو لا القول بان الاستصحاب حجة لكان ترجيحا لاحد طرفى الممكن من غير مرجح، قال شيخنا الانصارى (اعلى اللّه مقامه) و نظير هذا ما عن النهاية من ان الفقهاء باسرهم على كثرة اختلافهم اتفقوا على أنا متى تيقنا حصول شي‏ء و شككنا فى حدوث المزيل له اخذنا بالمتيقن و هو عين الاستصحاب لانهم رجحوا بقاء الثابت على حدوث الحادث و منها تصريح صاحب المعالم و الفاضل الجواد بان ما ذكره المحقق اخيرا فى المعارج راجع الى قول السيد المرتضى المنكر للاستصحاب فان هذا شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقق عن مورد النزاع و كونه موضع وفاق انتهى موضع الحاجة من‏

34

كلامه رفع مقامه.

و فيه انّ تحصيل الاجماع فى مثل هذه المسألة ممّا له مبان مختلفه فى غاية الاشكال و لو مع الاتّفاق فضلا عمّا اذا لم يكن و كان مع الخلاف من المعظم حيث ذهبوا على عدم حجّيته مطلقا او فى الجملة و نقله موهون جدّا لذلك و لو قيل بحجّيته لو لا ذلك.

حاصله ان تحصيل الاجماع الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) فى مثل هذه المسألة مما له مبانى مختلفة و مدارك متعددة فى غاية الاشكال و لو مع الاتفاق فيها فضلا عما اذا لم يكن فكان مع الخلاف من المعظم حيث ذهبوا على عدم حجيته مطلقا او فى الجملة و نقله موهون جدا لذلك اى لاحتمال الاستناد الى تلك المبانى و المدارك لا الى راى الامام (عليه السلام) و ان قلنا بحجية الاجماع المنقول فى غير المقام.

الاستدلال بالاخبار

الوجه الرّابع و هو العمدة فى الباب الأخبار المستفيضة.

35

الوجه‏

الرّابع و هو العمدة فى الباب الأخبار المستفيضة

الوجه الرابع من وجوه القول بحجيته مطلقا، هو الاخبار المستفيضة و هو العمدة فى الباب.

(قال الشيخ) فى الامر الاول من الامور التى ذكرها بعد الفراق عن تعريف الاستصحاب (ما لفظه) و لذا لم يتمسك احد هؤلاء فيه، يعنى بهم الشيخ و السيدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم بخبر من الاخبار (الى ان قال):

و اول من تمسك بهذه الاخبار فيما وجدته والد الشيخ البهائى فيما حكى عنه فى العقد الطهماسبى و تبعه صاحب الذخيرة و شارح الدروس و شاع بين من تأخر عنهم نعم ربما يظهر من الحلى فى السرائر الاعتماد على هذه الاخبار حيث عبّر عن استصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيّره من قبل نفسه بنقض اليقين باليقين و هذه العبارة ظاهرة فى انها مأخوذة من الاخبار (انتهى).

[منها صحيحة الاولى زرارة ...]

منها صحيحة زرارة قال قلت له الرّجل نيام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء قال يا زرارة قد ينام العين و لا ينام القلب و الأذن و اذا نامت العين و الاذن فقد وجب الوضوء قلت فان حرّك فى جنبه شى‏ء و هو لا يعلم قال لا حتّى يستيقن انّه قد نام حتّى يجى‏ء من ذلك امر بيّن و الّا فانّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشّك ابدا و لكنّه ينقضه بيقين آخر.

36

منها صحيحة زرارة و قد رواها فى الوسائل فى اول باب من ابواب نواقض الوضوء قال قلت له الرجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن فاذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء قلت فان حرك الى جنبه شى‏ء و لم يعلم به قال لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجى‏ء من ذلك امر بين و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و انما ينقضه بيقين آخر، و الفرق بين ما ذكره المصنف و بين ما ذكرناه من الوسائل فى بعض الالفاظ مما لا يضر بالمقصود كما لا يخفى، قال فى مجمع البحرين الخفقة كضربة تحريك الرأس بسبب النعاس يقال خفق برأسه خفقة او خفقتين اذا اخذته سنة من النعاس فمال برأسه دون ساير جده و فيه النوم معروف و هو على ما قيل ريح تقدم من اغشية الدماغ فاذا وصل الى العين فترت و اذا وصل الى القلب نام.

و هذه الرّواية و ان كانت مضمرة الّا ان اضمارها لا يضرّ باعتبارها حيث كان مضمرها مثل زرارة و هو ممّن لا يكاد يستفتى من غير الامام (عليه السلام) لا سيّما مع هذا الاهتمام.

يقع الكلام فى سند الرواية فربما يستشكل فيه من جهة كونها مضمرة فيحتمل كون المسئول غير المعصوم و هو مدفوع بان الاضمار من مثل زرارة لا يوجب القدح فى اعتبارها لكون الزرارة افقه الستة

37

الذين اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم فليس من شانه الاستفتاء من غير الامام لا سيما مع هذا الاهتمام اى مع الاهتمام التام بتشقيق صور المسألة:

و هذا هو الوجه بان الاضمار من مثل الزرارة لا يوجب القدح فى اعتبارها لا ما يقال من انجبار الرواية بعمل الاصحاب لوضوح ان الانجبار انما يجدى بعد ثبوت الاسناد الى الامام (ع) لا فى مشكوك الصدور منه ((عليه السلام)) و اما ما عن بعض الاعاظم على ما حكى عنه فى تقريراته من اسناد السؤال الى الباقر ((عليه السلام)) كما ذكره السيد الطباطبائى (ره) فى الفوائد و الفاضل النراقى (ره) على ما ذكره الشيخ (ره) فى تنبيهات الاستصحاب و غيرهما من الافاضل ناس من الحدس اذ مورد اخذ الرواية هو التهذيب و الرواية منقولة فيه على وجه الاضمار و الحاصل ان الاضمار من مثل الزرارة يدل على كون المسئول هو المعصوم (ع) يقينا غاية الامر انه لا يعلم كونه الباقر ام الصادق (ع) لا يضر باعتبارها قطعا.

[و تقريب الاستدلال بها ...]

و تقريب الاستدلال بها انه لا ريب فى ظهور قوله (عليه السلام) و الّا فانّه على يقين الخ عرفا فى النّهى عن نقض اليقين بشى‏ء بالشّكّ فيه و انّه بصدد بيان ما هو علّة الجزاء المستفاد من قوله (عليه السلام) لا فى جواب فان حرّك فى جنبه الخ و هو اندراج اليقين و الشّك فى مورد السّؤال فى القضيّة الكلّيّة الارتكازيّة الغير المختصّة بباب دون باب.

38

قد عرفت ان الخدشة فى صحة الرواية بالاضمار مما لا وقع لها بعد استفاضة الاخبار و كون المضمر من مثل الزرارة الذى هو اجل شأنا من ان يسأل غير الامام (عليه السلام) مع احتمال عدم كونها مضمرة فى الاصل، فالعمدة بيان فقه الحديث و تقريب الاستدلال به فنقول ان الرواية مشتملة على فقرتين الاولى هى قول الراوى الرجل ينام ... الخ و هذه الفقرة من السؤال يحتمل فى بادئ الامر وجوها، الاول ان تكون الشبهة مفهومية و يكون الشك فى اندراج النعاس الموجب للخفقة فى عنوان النوم مع العلم بكون النوم ناقضا؛ الثانى ان تكون الشبهة حكمية و يكون الشك فى مانعية النعاس بالاستقلال مع العلم بخروجه عن النوم، الثالث ان تكون الشبهة ايضا حكمية و يكون الشك فى كون النعاس مع كونه من مراتب النوم ناقضا او المرتبة الخاصة، و الاظهر ان شبهة السائل كانت حكمية و يكون الشك فى كون النعاس مع كونه من مراتب النوم ناقضا او المرتبة الخاصة، و عليه فالجواب بيان للحكم الواقعى و ان هذه المرتبة من النوم ليست ناقضة للطهارة و اما كون الشبهة مفهومية بان يكون الراوى لا يعلم ان النوم هل يشمل الخفقة و الخفقتين ام لا فمبنية على جهل الزرارة بالمعنى اللغوى لمفهوم النوم و هذا بعيد جدا، و على تقديره، كما عن بعض مشايخنا على ما حكى عنه فى تقريراته المسماة ببحر الفوائد فى شرح درر الفوائد بان الشبهة السائل كانت مفهومية ظاهرا و ان المفهوم من النوم الذى جعل ناقضا للوضوء هل يشمل النعاس ام لا و يكون الجواب ايضا بيان للحكم الواقعى، و هذه الفقرة لا دخل لها بالمقام.

39

الفقرة الثانية و هى قول الراوى فان حرك فى جنبه شى‏ء و هو لا يعلم ... الخ و هذا سؤال عن شبهة موضوعية مع العلم باصل الحكم باعتبار انه قد تحصل للانسان حالة لا يرى فيها و لا يسمع لاشتغال قلبه بشى‏ء و لا سيما قبل عروض النوم فيشك فى تحقق النوم فاجاب الامام (عليه السلام) بعدم وجوب الوضوء مع الشك فى تحقق النوم بقوله (عليه السلام)، لا حتى يستيقن انه قد نام، اى لا يجب عليه الوضوء فى صورة الشك الى ان يتيقن، و لا اشكال فى دلالتها على حجية الاستصحاب فى موردها فان البناء على الوضوء مع الشك فى الحدث مما لا اشكال فيه، انما الكلام فى التعدى عن المورد و الحكم بالتعميم و الاستدلال بها على حجية الاستصحاب فى جميع الابواب، هو مبنى على ان الجواب للشرطية المذكورة بقوله ((عليه السلام)) و إلّا محذوف اى لا يجب عليه الوضوء و قامت العلة و هو قوله ((عليه السلام)) فانه على يقين من وضوئه مقامه لدلالتها عليه.

فمعنى قوله ((عليه السلام)) و إلّا فانه على يقين ... الخ هو انه و ان لم يستقين انه قد نام فلا يجب عليه الوضوء لانه على يقين من وضوئه، و بعد الغاء تقييد اليقين بالوضوء و جعل العلة نفس اليقين بقرينة انه لو كان مراده من هذه العلة بيان مجرد حكم الوضوء لكان قوله ((عليه السلام)) لا حتى يستيقن كافيا فى بيانه و لم يحتج الى ضم هذا التعليل يكون قوله ((عليه السلام)) و لا ينقض اليقين بالشك بمنزلة كبرى كلية للصغرى و هو كونه على يقين و ان كل من كان على يقين من شي‏ء

40

يجب عليه البناء على يقينه، فيكون التعليل راجعا الى قاعدة ارتكازية و هى عدم نقض الامر المبرم و هو اليقين بالامر الغير المبرم و هو الشك فيفيد قاعدة كلية فى جميع الابواب.

و احتمال ان يكون الجزاء هو قوله فانّه على يقين الخ غير سديد فانّه لا يصحّ الّا بارادة لزوم العمل على طبق يقينه و هو الى الغاية بعيد

وجه البعد انه لا بد من علاقة بين الشرط و الجزاء و من البين عدم ترتب اليقين السابق بالوضوء على عدم اليقين بالنوم و لا على عدم مجى‏ء امر بين على النوم اذ من الواضح انه كان لحصول اليقين السابق بالوضوء سبب مغاير لعدم النوم و النوم رافع له و الشك فيه موجب للشك فى بقاء الوضوء لا لليقين السابق و هذا اليقين حاصل له على الفرض سواء استيقن بالنوم بعده ام لا فلا يكون مترتبا على الشرط المستفاد من قوله و إلّا، اى و ان لم يستيقن انه قد نام فلا يصح كونه جزاء، هذا كله بناء على ان يكون قوله (عليه السلام) فانه على يقين من وضوئه جملة خبرية، و اما لو قلنا بان قوله (عليه السلام) فانه على يقين من وضوئه و ان كان خبرا ظاهرا و لكنه انشاء فى المعنى بان يكون خبرا فى مقام الانشاء اى يجب عليه المضى على يقينه من حيث العمل فالظاهر عدم صحته ايضا لانه غير ملائم للقرينة المقامية، مع‏

41

لزوم التكرار فى قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين بالشك اذ بعد افادة وجوب المضى على طبق اليقين السابق بمعونة القضية الاولى لا حاجة الى هذه القضية الثانية؛ مضافا الى ما ذكر بعض الاعاظم فى:

تقريراته المسماة بمصباح الاصول، بانا لم نعثر على استعمال الجملة الاسمية فى مقام الطلب بان يقال زيد قائم مثلا و يراد به يجب عليه القيام الى ان قال مضافا الى انا لو سلمنا كونها فى مقام الطلب لا يستفاد منها وجوب المضى و الجرى العملى على طبق اليقين بل تكون طلبا للمادة اى اليقين بالوضوء كما ان الجملة الفعلية فى مقام الطلب تكون طلبا للمادة فان قوله (عليه السلام)، اعاد او يعيد، طلب للاعادة فيكون قوله (عليه السلام) فانه على يقين من وضوئه طلبا لليقين بالوضوء و لا معنى له لكونه متيقنا بالوضوء على الفرض (انتهى).

و ابعد منه كون الجزاء قوله لا ينقض .. الخ و قد ذكر فانّه على يقين للتمهيد.

قال الشيخ (ره) مع احتمال ان لا يكون قوله (عليه السلام) فانه على يقين علة قائمة مقام الجزاء بل يكون الجزاء مستفاد من قوله (عليه السلام) و لا ينقض، و قوله فانه على يقين توطئة له، و المعنى انه ان لم يستيقن النوم فهو متيقن لوضوئه السابق و يثبت على مقتضى يقينه (انتهى موضع الحاجة) حاصله ان قوله (عليه السلام) فانه على يقين من وضوئه قد ذكر توطئة للجواب‏

42

فكانه (عليه السلام) اراد ان يقر السائل على معتقده و يثبته عليه حتى يكون الجواب اوقع فى نفسه، و المعنى انه ان لم يستيقن النوم فهو مستيقن بوضوئه السابق فيثبت وضوئه السابق و لا ينقضه فحينئذ يخرج قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين بالشك من كونه كبرى كلية لتعيين حمل اللام حينئذ على العهد لسبق اليقين بالوضوء، و فيه انه مخالف لما يقتضيه قرينة المقام من سوق الكلام فى اثبات المرام بما هو المرتكز فى الاذهان مع انه يلزم منه اختصاص قوله لا ينقض اليقين بالشك بخصوص باب الوضوء و يتعين ان يكون الالف و اللام للعهد لسبق اليقين بالوضوء و لا يصلح لان يكون كبرى كلية فى جميع المقامات، مضافا الى عدم صحة كون الجواب قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين بالشك لكون الواو مانعا عن كونه جوابا قال السيد الحكيم فى شرحه على الكتاب (ما لفظه) و وجه كونه ابعد اولا انه خلاف ظاهر لفظ الواو فى قوله (عليه السلام) و لا ينقض اذ لو كان هو الجزاء لزم خلوه عنه انتهى، و لكن لا يخفى ان دخول كلمة واو على الجزاء ليس محذورا اذ المفروض ان القضية الاولى تكون توطئة للجواب و لا ضير فى دخول كلمة واو على الجزاء مع ان اللازم دخول كلمة الفاء عليه اذ يكفى فى صحته دخول كلمة الفاء على ما هو توطئة للجواب‏

و قد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضيّة لا تنقض الخ باليقين و الشكّ فى باب الوضوء جدّا فانّه ينافيه ظهور التّعليل فى انّه بامر ارتكازى لا تعبّدى قطعا و يؤيّده تعليل الحكم‏

43

بالمضى مع الشّكّ فى غير الوضوء فى غير هذه الرّواية بهذه القضيّة او ما يراد فها فتأمّل جيّدا.

حاصله انه قد انقدح بما ذكرنا من ان الظاهر ان جواب الشرط فى قوله (عليه السلام) و إلّا فانه على يقين ... الخ محذوف قامت العلة مقامه لدلالتها عليه و الغاء تقييد اليقين بالوضوء و جعل العلة نفس اليقين، ضعف احتمال اختصاص قضية لا تنقض ... الخ باليقين و الشك فى باب الوضوء اذ لو كان مراده من هذه العلة بيان مجرد حكم الوضوء لكان قوله (عليه السلام) لا حتى يستيقن كافيا فى بيانه و المناسب لعدم النقض هو جنس اليقين فى قبال الشك فيكون التعليل راجعا الى قاعدة ارتكازية و هى عدم نقض الامر المبرم و هو اليقين بالامر الغير المبرم و قضيته عدم اختصاص قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين و الشك بباب الوضوء، بل دعوى الاختصاص ينافى ظهور التعليل فى انه راجع الى امر ارتكازى اذ معنى ان اليقين الذى يطرأ على موضوعه الشك مما يرتكز فى ذهن العرف و العقلاء صلاحيته للحكم بعدم جواز النقض من غير اختصاصه بباب دون باب بل تعم جميع الابواب فلا بد حينئذ من تعميم الحكم اذ لو بنى على تخصيصه بباب الوضوء كان التعليل تعبديا لا ارتكازيا و هو خلاف الاصل فى التعليل، و يؤيده تعليل الحكم بالمضى مع الشك فى غير الوضوء فى غير هذه الرواية بهذه القضية او ما يرادفها فتأمل جيدا.

44

هذا مع انّه لا موجب لاحتماله الّا احتمال كون اللّام فى اليقين للعهد اشارة الى اليقين فى فانه على يقين من وضوئه مع انّ الظّاهر انّه للجنس كما هو الأصل فيه.

هذا مع انه لا موجب لاحتمال الاختصاص بباب الوضوء إلّا احتمال كون اللام فى اليقين فى قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين بالشك للعهد الذكرى حتى يكون اشارة الى اليقين فى قوله (عليه السلام) فانه على يقين من وضوئه و لا يجوز اطراده فى غيره مع ان الظاهر ان اللام فى اليقين للجنس لا للعهد كما هو اى كون اللام للجنس الاصل فيه اى فى اللام.

و سبق فانّه على يقين ... الخ لا يكون قرينة عليه مع كمال الملاءمة مع الجنس ايضا فافهم.

ان قلت دلالته على حجية الاستصحاب مطلقا موقوف على ان يكون اللام للجنس و ليس كذلك بل هو للعهد الذكرى لسبق ذكر اليقين بالوضوء فيدل على حجية الاستصحاب فى باب الوضوء، قلت سبق ذكر اليقين بالوضوء، لا يكون قرينة على ارادة العهد من اللام مع كمال الملاءمة مع الجنس، نعم كون اللام للعهد لا يكون إلّا مع سبق الذكر و لا ان كل ما كان له سبق الذكر يكون اللام فيه للعهد فان مع الملاءمة

45

للاشارة الى الجنس الذى هو الاصل فى اللام و قيام قرينة المقام على الجنس لا يصار الى العهد الذكرى بمجرد السبق و لعل قوله فافهم اشارة:

الى ان كمال الملاءمة لا يقتضى الحمل على الجنس لكمال الملاءمة مع العهد ايضا.

مع انه غير ظاهر فى اليقين بالوضوء لقوة احتمال ان يكون من وضوئه متعلقا بالظرف لا بيقين و كان المعنى فانه كان من طرف وضوئه على يقين و عليه لا يكون الاصغر الا اليقين لا اليقين بالوضوء كما لا يخفى على المتأمل و بالجملة لا يكاد يشك فى ظهور القضية فى عموم اليقين و الشك خصوصا بعد ملاحظة تطبيقها فى الاخبار على غير الوضوء ايضا.

حاصله ان حمل اللام على العهد انما يقتضى اختصاص الحكم باليقين بالوضوء لو كان لفظة من وضوئه متعلقة بلفظة يقين بنفسها فيكون اليقين بالوضوء حينئذ فى الصغرى خاصا و هو اليقين بالوضوء اى فانه على اليقين بوضوئه و لا ينقض اليقين بالوضوء ابدا بالشك و اما اذا كان متعلقا بالظرف اى بلفظة (على يقين) لا على نفس اليقين بحيث كان المعنى هكذا اى فانه من وضوئه على يقين فلا يكون اليقين حينئذ خاصا حتى يكون اللام فى الكبرى للاشارة اليه مع انه لو كان الظاهر منه هو الخصوصية فلا بد من رفع اليد عن الظاهر و يقال ان اليقين بالوضوء

46

بما هو وضوء لا مدخلية له بقرينة قوله لا ينقض اليقين بالشك ابدا لان اليقين بالوضوء بما هو وضوء لا يكاد ان يكون منطبقا مع هذا الكبرى فلو كان اللام للعهد انما يتم المطلوب بعد اهمال تقييد اليقين بالوضوء و بالجملة لا يكاد يشك فى ظهور القضية فى عموم اليقين و الشك خصوصا بعد ملاحظة تطبيقها فى الاخبار على غير الوضوء ايضا.

فى تفصيل الشيخ بين الشك فى المقتضى و الشك فى الرافع‏

ثم لا يخفى حسن اسناد النقض و هو ضد الابرام الى اليقين و لو كان متعلقا بما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار لما يتخيل فيه من الاستحكام بخلاف الظن فانه يظن انه ليس فيه ابرام و استحكام و ان كان متعلقا بما فيه اقتضاء ذلك.

هذا شروع فى الرد على الشيخ اعلى اللّه مقامه حيث استشكل تبعا للمحقق الخوانساري ((قدس سره)) فى دلالة الاخبار على ثبوت الاستصحاب لو كان الشك فى البقاء مستندا الى الشك فى المقتضى، قال (قد): بعد نقل اخبار الباب عامتها و خاصتها و التكلم فيها نقضا و ابراما، ما هذا لفظه ثم اختصاص الاخبار الخاصة بالقول المختار واضح.

47

و اما الاخبار العامة، فالمعروف بين المتأخرين الاستدلال بها على حجية الاستصحاب فى جميع الموارد، و فيه تأمل قد فتح بابه المحقق الخوانساري فى شرح الدروس، ثم افاد فى توضيح وجه التأمل، ما حاصله ان النقض بحسب اللغة ضد الابرام الذى هو فى الاصل فتل الحبل يقال ابرم الحبل اذا احكم فتله فلا بد ان يكون متعلق النقض ذا اجزاء محكمة تاليفا و تركيبا، كما ان متعلق الابرام لا بد ان يكون ذا اجزاء منفكة متفاسخة، و اسناد النقض استعارة الى اليقين كما فى الاخبار و ان كان حسنا لكمال شباهته بسبب ما فيه من الاتقان و الاستحكام و عقد القلب بالمتيقن بالشى‏ء الذى يكون ذا اجزاء مبرمة، إلّا ان اليقين حيث يكون منتقضا بنفسه قدا بطرو الشك. فلا يعقل النهى عن نقضه بالشك لعدم صحة تعلق التكليف إلّا بامر اختيارى فلا بد ان يكون المراد من اليقين هو المتيقن كى يصح تعلق النهى بنقضه، و المتيقن و ان كان بظاهره عاما لما له مقتضى البقاء و لغيره، إلّا انه لا بد بملاحظة نسبة النقض الذى لا يتعلق إلّا بما يكون ذا اجزاء مبرمة اليه من رفع اليد عن ظاهره بتخصيصه بماله مقتضى البقاء الذى هو الاقرب الى الامر المبرم عملا بقاعدة اذا تعذرت الحقيقة تعين الحمل على اقرب المجازات اليها، هذا خلاصة ما افاده ((قدس سره)) فى وجه التأمل و الاشكال و اختصاص الاخبار بالقول المختار و هو التفصيل بين الشك فى المقتضى فلا يكون الاستصحاب حجة فيه و الشك فى الرافع فيكون حجة فيه، و اورد عليه المصنف بان اختصاص مواردها بما اختاره ((قدس سره)) ممنوع لشمولها

48

للشك فى المقتضى ايضا حيث ان اسناد النقض الى اليقين بعد تعذر ارادة المعنى الحقيقى ليس بملاحظة متعلقه اى المتيقن حتى يوجب تخصيصه بماله مقتضى البقاء الذى هو الاقرب الى الامر المبرم عملا بقاعدة اذا تعذرت الحقيقة تعين الحمل على اقرب المجازات بل بملاحظة نفسه و ان المصحح لاستعمال النقض فى المقام كونه متعلقا باليقين و لو كان متعلقا بما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار لما يتخيل فى اليقين من الاستحكام بخلاف الظن فانه يطن انه ليس فيه ابرام و استحكام.

و الّا لصحّ ان يسند الى نفس ما فيه المقتضى له مع ركاكة مثل نقضت الحجر من مكانه و لما صحّ ان يقال انتقض اليقين باشتعال السّراج فيما اذا شكّ فى بقائه للشّك فى استعداده مع بداهة صحّته و حسنه.

و ان لم يحسن اسناد النقض الى اليقين إلّا اذا كان متعلقا بما فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار و لم يكن المصحح له ما فى اليقين من الابرام و الاستحكام لصح اسناد النقض الى نفس ما فيه اقتضاء البقاء كما فى نقصت الحجر مع انه لا يصح فلا يقال نقضت الحجر من مكانه مع ان كونه فى مكانه مما فيه الاقتضاء اذ لا ينفصل عن مكانه إلّا برافع، و لما صح اسناد النقض الى اليقين المتعلق بما ليس فيه اقتضاء البقاء كما فى انتقض اليقين باشتعال السراج فيما اذا شك فى بقائه للشك فى استعداده مع‏

49

بداهة صحته و حسنه، فيعرف من هذا كله ان حسن اسناد النقض الى اليقين ليس بملاك تعلقه بما فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار بل بملاك كون نفس اليقين مما يتخيل فيه الاستحكام.

و بالجملة لا يكاد يشكّ فى انّ اليقين كالبيعة و العهد انّما يكون حسن اسناد النّقض اليه بملاحظته لا بملاحظة متعلّقه فلا موجب لارادة ما هو اقرب الى الامر المبرم او اشبه بالمتين المستحكم ممّا فيه اقتضاء البقاء لقاعدة اذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات اولى بعد تعذّر ارادة مثل ذلك الأمر ممّا يصحّ اسناد النّقض اليه حقيقة.

و بالجملة لا يكاد يشك فى ان اليقين كالبيعة و العهد انما يكون حسن اسناد النقض اليه بملاحظة نفس اليقين و البيعة و العهد مما يترقب فيه البقاء و الدوام لا بملاحظة متعلق اليقين و شبهه كى يجب ملاحظة الدوام و البقاء فيه حتى ينطبق على مورد الشك فى الرافع خاصة و لا موجب لارادة ما هو اقرب الى الامر المبرم و اشبه بالمتين المستحكم مما فيه اقتضاء البقاء لقاعدة اذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات اولى بعد تعذر ارادة مثل ذلك الامر مما يصح اسناد النقض اليه حقيقة.

و الحاصل ان النقض لما كان فى اللغة ضد الابرام فلا بد ان يتعلق بماله ابرام و استحكام، و فى اخبار الباب قد تعلق النقض بما هو

50

كذلك فى حد ذاته حيث ان اليقين من حيث هو مع قطع النظر عن متعلقه امر مبرم مستحكم و لو لم يكن فى متعلقه مقتض للبقاء فيشمل اخبار الباب مورد الشك فى المقتضى ايضا.

فان قلت نعم و لكنّه حيث لا انتقاض لليقين فى باب الاستصحاب حقيقة فلو لم يكن هناك اقتضاء البقاء فى المتيقّن لما صحّ اسناد الانتقاض اليه بوجه و لو مجازا بخلاف ما اذا كان هناك فانّه و ان لم يكن معه ايضا انتقاض حقيقة الّا انّه صحّ اسناده اليه مجازا فانّ اليقين معه كانّه تعلّق بامر مستمرّ مستحكم قد انحل و انفصم بسبب الشّك فيه من جهة الشّك فى رافعه.

حاصل الاشكال انه سلمنا استعمال النقض فى الرواية انما هو بلحاظ تعلقه باليقين نفسه و لكن لا انتقاض لليقين فى باب الاستصحاب حقيقة، بمعنى ان الشك لم يكن ناقضا لليقين فى مورده من جهة اختلاف متعلقهما زمانا و ان كلما تعلق به اليقين السابق لم يتعلق به الشك اللاحق، فاذا تيقن بالوضوء مثلا فى اول النهار و شك فى الوضوء فى وسطه فهذا مجرى الاستصحاب و لا انتقاض فان ما تعلق به اليقين السابق و هو الوضوء فى اول النهار لم يتعلق به الشك اللاحق فالشك فى مورد الاستصحاب مجامع لليقين لا ناقض له و لأجله لا يكون رفع اليد عن العمل نقضا لليقين بل انما يكون نقضا للمتيقن فالنقض حقيقة يستند