الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
9

الجزء الرابع

[تتمة كتاب الحج]

الفصل الخامس عشر القول في الطواف

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

القول في الطواف

[الطواف: أوّل واجبات العمرة، و هو عبارة عن سبعة أشواط حول الكعبة المعظّمة]

الطواف: أوّل واجبات العمرة، و هو عبارة عن سبعة أشواط حول الكعبة المعظّمة بتفصيل و شرائط آتية، و هو ركن يبطل العمرة بتركه عمدا إلى وقت فوته؛ سواء كان عالما بالحكم أو جاهلا. و وقت فوته ما إذا ضاق الوقت عن إتيانه و إتيان سائر أعمال العمرة و إدراك الوقوف بعرفات.* (1)

____________

(1)*

في أحكام الطواف

و فيه فروع:

1. الطواف أوّل واجبات العمرة.

2. هو سبعة أشواط.

3. الطواف ركن تبطل العمرة بتركه عمدا، عالما كان بالحكم أو جاهلا.

4. وقت فوته عبارة عمّا إذا ضاق الوقت عن إتيان الطواف مع سائر الفرائض و إدراك الوقوف.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: الطواف هو الواجب الأوّل من واجبات العمرة بعد النيّة.

كون الطواف أوّل واجبات العمرة من ضروريات الفقه، و عليه تضافرت‌

12

الروايات البيانية لحجّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و اتّفقت عليه كلمات الفقهاء عند بيان فرائض العمرة، فترى أنّهم يذكرون بعد فريضة الإحرام، الطواف بالبيت، و هو صريح في كونه هو الواجب الأوّل بعد الإحرام.

و أمّا كلمات الفقهاء فمن السنّة قول ابن رشد قال: اتّفق العلماء على أنّ هذا النوع من النسك (التمتّع) الّذي هو المعنيّ بقوله سبحانه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1)، هو أن يهلّ الرجل بالعمرة في أشهر الحجّ من الميقات- إلى أن قال:- ثمّ يأتي حتّى يصل إلى البيت فيطوف لعمرته و يسعى و يحلق في تلك الأشهر بعينها ثمّ يحلّ. (2)

و من الشيعة قول الشيخ في «الخلاف»: أفعال العمرة خمسة: الإحرام، و التلبية، و الطواف، و السعي بين الصفا و المروة، و التقصير. و إن حلق جاز، و التقصير أفضل، و بعد الحجّ، الحلق أفضل.

و قال الشافعي: أربعة، في أحد قوليه: الإحرام، و الطواف، و السعي، و الحلق أو التقصير، و الحلق أفضل.

و في القول الآخر ثلاثة، و الحلق أو التقصير ليس فيها، و إنّما هو إطلاق محظور.

دليلنا: إجماع الفرقة، و طريقة الاحتياط، لأنّه إذا فعل ما قلناه فقد أتى بكمال العمرة بلا خلاف، و إن لم يفعل ففيه الخلاف. (3)

و قال في «المبسوط» في فصل خصّه لتفصيل فرائض الحجّ:

أمّا النيّة فهي ركن في الأنواع الثلاثة، من تركها فلا حجّ له ....

____________

(1). البقرة: 196.

(2). بداية المجتهد: 1/ 332.

(3). الخلاف: 2/ 330- 331، كتاب الحجّ.

13

ثمّ الإحرام من الميقات، و هو ركن من تركه متعمّدا فلا حجّ له.

و التلبيات الأربع فريضة ....

و الطواف بالبيت إن كان متمتعا ثلاثة أطواف. (للعمرة و الحج، و النساء).

و يجب مع كلّ طواف ركعتان عند المقام.

و السعي بين الصفا و المروة. (1)

و لعلّ هذا المقدار من الكلمات كاف في المقام مع كون الحكم من ضروريات الفقه.

أمّا الروايات ففي صحيح معاوية بن عمّار في حديث قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «التمتّع أفضل الحجّ، و به نزل القرآن و جرت السنّة، فعلى المتمتّع إذا قدم مكة، الطواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم، و سعي بين الصفا و المروة، ثمّ يقصّر و قد أحلّ هذا للعمرة». (2)

و في صحيح آخر له الّذي حكى فيه حجّ النبي: حتّى انتهى (الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة فطاف بالبيت سبعة أشواط، و صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم- إلى أن قال:- ثمّ أتى الصفا فصعد عليه. (3)

إلى غير ذلك من الروايات التي وردت في بيان فرائض حجّ التمتّع.

الفرع الثاني: الطواف سبعة أشواط

و هذا أيضا من ضروريات الفقه نصّا و إجماعا.

و أمّا كلمات الفقهاء فنذكر منها ما يلي:

____________

(1). المبسوط: 1/ 382- 384.

(2). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1.

(3). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 4.

14

قال الشيخ: ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط و يقول في طوافه: «اللّهمّ إنّي أسألك باسمك ...». (1)

و قال العلّامة: ثمّ يطوف على هذه الهيئة سبعة أشواط واجبا، و هو قول كلّ العلماء، فلو طاف دون السبعة لزمه إتمامها. و لا يحلّ له ما حرم عليه حتّى يأتي ببقية الطواف و لو كان خطوة واحدة. (2)

أمّا الثاني (النص) فقد توافرت الروايات على أنّها سبعة بوجوه مختلفة.

منها: ما ينصّ على عدد.

ففي صحيحة معاوية بن عمّار الماضية في بيان كيفية حجّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فطاف بالبيت سبعة أشواط». (3)

و في صحيحة محمّد بن قيس: «فإذا طفت بالبيت الحرام أسبوعا، كان لك بذلك عند اللّه عهد و ذخر». (4)

و في خبر كلثوم بن عبد المؤمن الحرّاني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في بيان كيفية حجّ الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم: «حتّى انتهى بهما إلى موضع الحجر، فاستلم جبرئيل و أمرهما أن يستلما و طاف بهما أسبوعا». (5)

و في رواية المفضل بن عمر: و استلمت الحجر الأسود فتحت به و ختمت سبعة أشواط. (6)

____________

(1). النهاية: 236.

(2). المنتهى: 10/ 322، الفصل الثالث في الطواف، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد- 1424 ه‍.

(3). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 2.

(4). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 7.

(5). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 23.

(6). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 30.

15

و منها: ما ورد في باب من شكّ في عدد أشواط الطواف الواجب في السبعة و ما دونها. (1)

الفرع الثالث: الطواف ركن تبطل العمرة بفوته عمدا عالما كان بالحكم أو جاهلا.

و اعلم أنّ كلا من الطواف و السعي ركن بلا خلاف، و قد صرّح به الأصحاب منهم المحقّق. (2) لكن المقصود من الركن في المقام غيره في باب الصلاة، فالمقصود به فيها هو الجزء الّذي يبطل الكلّ بتركه عمدا أو جهلا أو سهوا، و أمّا في المقام فالمراد به هو الجزء الّذي يبطل الكلّ بتركه عمدا، لا نسيانا، و يلحق الجهل البسيط بالعمد، لأنّ الجاهل الملتفت، المحتمل وجوب الجزء، إذا تركه، يصدق انّه تركه عمدا.

و ما في «الجواهر» من إرداف العمد، بالعلم مخرجا، الجهل البسيط في غير محلّه و يقول المحقّق: «الطواف ركن من تركه عامدا بطل» و يضيف صاحب الجواهر بعد «عامدا» قوله: عالما. (3) و لكنّه في غير محلّه، لما عرفت من أنّ الجاهل الملتفت التارك للجزء عامد.

هذا و لكنّه قد اقتصر في باب السعي بما ذكره المحقّق «عامدا» و لم يضف إليه قوله: «عالما». (4)

هذا هو معنى الركن في الحجّ، و أمّا سائر الأجزاء الّتي ليست ركنا،

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، لاحظ عامة أحاديث الباب.

(2). الشرائع: 1/ 270 و 273.

(3). الجواهر: 19/ 370.

(4). الجواهر: 19/ 429.

16

فالمقصود يجب إتيانها و لا يبطل العمل بتركها، و ربّما استتبع قضاء ما تركه و الكفّارة، مثلا الرمي واجب لكن لا يبطل الحجّ بتركه، و هذا بخلاف الأجزاء الواجبة غير الركنية، في الصلاة فتبطل الصلاة بتركها عمدا لا سهوا.

و إن شئت التفصيل فنقول هنا قواعد ثلاث:

1. مقتضى القاعدة الأولى في فوت أيّ جزء من أجزاء العمرة و الحجّ هو بطلان العمل، لأنّ الصحّة فرع كون المأتي به، مطابقا للمأمور، و المفروض عدم التطابق.

2. انّ مقتضى القاعدة الثانوية هو بطلان عمل الصلاة و الحجّ بالإخلال بالركن، لكن يختلف معنى الركن فيهما فالإخلال بالركن الصلاتي يوجب البطلان في الأحوال الأربعة: الإخلال عن علم، عن جهل بسيط، عن جهل مركب، و عن نسيان. و لكن الإخلال بالركن الحجّي يوجب البطلان في صورتين:

الإخلال عن علم أو عن جهل بسيط.

3. إنّ مقتضى قاعدة «لا تعاد» أنّ الإخلال بسائر الأجزاء في الصلاة يوجب البطلان في صورة العمد، بل الجهل البسيط على قول دون الصورتين الأخيرتين. أخذا بمفاد قاعدة «لا تعاد»، و أمّا الإخلال بسائر الأجزاء في الحجّ فلا يبطل في عامة الصور.

إذا عرفت ذلك فلنذكر كلمات الفقهاء:

قال المحقّق: الطواف ركن من تركه عامدا بطل حجّه. (1)

و قال الشهيد في «الدروس»: كلّ طواف واجب ركن إلّا طواف النساء. (2)

____________

(1). الشرائع: 1/ 270.

(2). الدروس: 1/ 116.

17

و قال الشهيد في «المسالك»: و المراد بالركن هنا ما يبطل الحجّ عمدا خاصّة. (1)

و قال السيد الحكيم: و أمّا طواف عمرة التمتّع فهو ركن فيها، و تبطل بتعمّد تركه نحو سائر الأركان. (2)

و استدلّ على البطلان بعد الإجماع كما في «المستند» حيث قال: بلا خلاف كما صرّح به جماعة (3) بوجوه:

1. انّ البطلان مقتضى القاعدة، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فيبقى تحت عهدة التكليف. (4)

أقول: لا حاجة إلى التمسّك بالقاعدة، فإنّ القول بالصحّة مع الترك عمدا لا يجتمع مع كونه جزء الواجب، فكونه جزءا كاف في البطلان عند الترك عمدا.

2. إطلاق دليل جزئية الطواف في حالتي العلم و الجهل، نعم لو لم يكن له إطلاق كما إذا ثبتت الجزئية بالإجماع يكون الأصل حاكما.

3. الروايات الدالّة على الإعادة عند الترك عن جهل، ففي صحيح علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة، قال: «إن كان على وجه جهالة في الحجّ أعاد و عليه بدنة». (5)

و في رواية علي بن أبي حمزة: سئل عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتّى‌

____________

(1). المسالك: 2/ 29.

(2). دليل الناسك: 234.

(3). المستند: 12/ 122.

(4). المستند: 12/ 122.

(5). الوسائل: 9، الباب 56 من أبواب الطواف، الحديث 1.

18

رجع إلى أهله؟ قال: «إذا كان على وجه جهالة أعاد الحجّ و عليه بدنة». (1)

ثمّ الظاهر أنّ التقييد بالجهالة ليس لإخراج العالم، لوضوح أنّ الحكم إذا ثبت في الجاهل المعذور يثبت في العالم غير المعذور. و لعلّه لإخراج الناسي دون العامد.

ثمّ إنّ الظاهر من الروايتين وجوب الكفّارة على الجاهل، فهل تجب على العالم؟ مقتضى الأولوية ذلك.

ثمّ إنّ الظاهر من عبارات الفقهاء هو بطلان الحجّ و عدم الاعتداد به.

و يؤيّد ذلك خبر علي بن أبي حمزة حيث قال: «أعاد الحجّ و عليه بدنة». و أمّا صحيح علي بن يقطين ففيه: «إن كان على وجه جهالة في الحجّ أعاد و عليه بدنة».

و الظاهر أنّ المعاد هو الحجّ لا الطواف، لافتراض أنّه لم يطف حتّى يعيده.

و أمّا صحّة نسبة الإعادة إلى الحجّ فلأجل انّه أتى بسائر الأجزاء إلّا الطواف، كما هو المفروض في كلام السائل.

ثمّ إنّ مصبّ الروايتين هو بطلان الحجّ، و كلامنا في العمرة، و الظاهر من الروايتين أنّ البطلان من أحكام طبيعة ترك الطواف، سواء أ كان في العمرة أم في الحجّ، و يؤيده أنّ عمرة التمتع من أجزاء الحجّ، و إذا أطلق حجّ التمتع يراد به كلا الأمرين.

الفرع الرابع: في تحديد وقت الفوت

يضيق وقت عمرة التمتّع بحضور وقت الموقفين بحيث لا يفي الوقت إلّا للتلبّس بالحجّ مع بقية أجزائه، إذ عندئذ ينقلب حجّه إلى الإفراد و يحجّ بنفس‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 56 من أبواب الطواف، الحديث 2.

19

الإحرام من دون حاجة إلى إحرام جديد.

نعم يبقى الكلام فيما هو المراد من الفوت؟ فهل الملاك هو فوت الواجب من الوقوف، كالوقوف في عرفات من الظهر إلى الغروب؟ أو فوت الركن من الوقوف؟ و قد تقدّم الكلام في ذلك عند البحث فيما إذا ضاق الوقت على الحائض أو في من قدم مكة و الوقت ضيق فراجع. (1)

و أمّا إذا كانت العمرة مفردة و كانت مجامعة لحجّ القران أو الإفراد، فالمشهور بقاء وقتها إلى نهاية الشهر و خروج السنة القمرية.

و أمّا وقت طواف الحجّ فينتهي بخروج ذي الحجّة، الّذي به ينتهي وقت الحجّ، قال سبحانه: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ (2). و فسّرت الأشهر بالأشهر الثلاثة: شوال، ذي القعدة الحرام، و ذي الحجّة الحرام.

ما هو المحلّل بعد فساد العمل؟

الكلام تارة يقع في التحلّل عند بطلان عمرة التمتع، و أخرى في بطلان العمرة المفردة، و ثالثة في بطلان الحجّ. و الكلام في المقام مركّز على الصورة الأولى.

أمّا بطلان عمرة التمتع، فتارة يقف عليه قبل انقضاء الوقت فيبقى على إحرامه استصحابا، أي استصحاب حكم الإحرام إلى أن يعلم بحصول المحلل، و هذا هو الّذي جعله صاحب المدارك أحوط و أمّا القول بعدم الحاجة إلى المحلّل فبعيد جدا. و قياس بطلان العمرة ببطلان الصلاة، فكما يخرج المصلي عن حالة الصلاة عند بطلانها، فهكذا المحرم يخرج من إحرامه عند بطلان عمرته قياس مع‌

____________

(1). راجع الفصل التاسع، المسألة الرابعة، ص 435- 436 من الجزء الثاني من هذه الموسوعة.

(2). البقرة: 197.

20

الفارق، حيث إنّ الحجّ إذا فسد بالجماع يجب إتمامه و الصلاة إذا فسدت، لا يجب إتمامها، بل يحرم، مضافا إلى ما هو المشهور بين الفقهاء من أنّ المحرم لا يخرج من الإحرام إلّا بمحلّل.

و على ضوء ما ذكرنا من بقائه على إحرامه لا حاجة إلى العود إلى الميقات، بل يكفي إتيان الأعمال بنفس الإحرام.

و أمّا إذا وقف عليه بعد انقضاء الوقت، فيبقى على إحرامه و لا يخرج عنه إلّا بالعدول إلى حجّ الإفراد مع العمرة المفردة بعد الحجّ. و المسألة غير منصوصة لكن يمكن الاستئناس بما ورد في ثلاثة مواطن:

1. إذا قدم مكّة و الناس بعرفات فخشي إن هو طاف و سعى بين الصفا و المروة أن يفوته الموقف، فيعدل إلى حجّ الإفراد فإذا أتمّ حجّه، صنع كما صنعت عائشة فلا هدي عليه. (1)

2. الحائض إذا ضاق عليها الوقت تعدل إلى حجّ الإفراد. (2)

و قد مرّ الكلام في كلا الموردين في الجزء الثاني من هذه الموسوعة. (3)

3. إذا قدم مكّة، و فات عمرة التمتع و الحجّ- كما إذا ورد في اليوم الحادي عشر، فهو يتحلل بعمرة مفردة ففي صحيح معاوية عن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أيّما حاج سائق للهدي أو مفرد للحج أو متمتع بالعمرة إلى الحجّ قدم وفاته الحجّ فليجعلها عمرة و عليه الحجّ من قابل. (4) هذا ما نقله الشيخ و روى الكليني: «و ليحلّ بعمرة» مكان «ليجعلها عمرة».

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 21 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 6.

(2). الوسائل: 8، الباب 21 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 2.

(3). لاحظ الجزء الثاني: 418، 420.

(4). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

21

و التأمّل في الروايات الماضية في المواطن الثلاثة،- و إن كانت تغاير المقام- يعطي أنّه لا محيص للمحرم، من الخروج عن الإحرام، بعمل، إمّا بالعدول إلى حجّ الإفراد، أو بالعمرة المفردة، و لا أقلّ انّ مقتضى الاحتياط ذلك كما صرّح صاحب المدارك. (1)

و أمّا بطلان العمرة المفردة، فالمحرم يعيد الأعمال السابقة، و لا يخرج من الإحرام إلّا بها استصحابا لحكمه. نعم لا يتصوّر فيه الفوت كما يتصور في عمرة التمتع، و إنّما يتصوّر فيه الفساد بالجماع أو البطلان بترك الطواف.

و أمّا بطلان الحجّ بترك الطواف: فهذا هو الّذي ذكر فيه صاحب المدارك وجوها و قال: إذا بطل الحجّ بترك الركن كالطواف و ما في معناه فهل يحصل التحلل بذلك؟ أو يبقى على إحرامه إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله، و يكون إطلاق اسم البطلان عليه مجازا، كما قاله الشهيد في الحجّ الفاسد بناء على أنّ الأوّل هو الفرض؟ أو يتحلّل بأفعال العمرة؟ أوجه، و جزم المحقّق الشيخ علي في حواشي القواعد (2) بالأخير، و قال: «إنّه على هذا لا يكاد يتحقّق معنى الترك المقتضي للبطلان فيها، لأنّ العمرة المفردة، هي المحللة من الإحرام عند بطلان نسك آخر لا غيرها، فلو بطلت لاحتيج في التحلّل من إحرامها إلى أفعال العمرة و هو ظاهر البطلان». (3)

و ما ذكره (رحمه اللّه) غير واضح المأخذ، فإنّ التحلّل بأفعال العمرة إنّما يثبت مع فوات الحجّ لا مع بطلان النسك مطلقا. و المسألة قوية الإشكال، من حيث استصحاب حكم الإحرام إلى أن يعلم حصول المحلل و إنّما يعلم بالإتيان بأفعال‌

____________

(1). مدارك الأحكام: 8/ 175.

(2). جامع المقاصد: 3/ 201.

(3). مدارك الأحكام: 8/ 175.

22

[المسألة 1: الأحوط لمن أبطل عمرته عمدا، الإتيان بحجّ الإفراد]

المسألة 1: الأحوط لمن أبطل عمرته عمدا، الإتيان بحجّ الإفراد و بعده بالعمرة و الحجّ من قابل.* (1)

[المسألة 2: لو ترك الطواف سهوا يجب الإتيان به في أيّ وقت أمكنه]

المسألة 2: لو ترك الطواف سهوا يجب الإتيان به في أيّ وقت أمكنه، و إن رجع إلى محلّه و أمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، و إلّا استناب لإتيانه.** (2)

____________

العمرة، و من أصالة عدم توقّفه على ذلك مع خلو الأخبار الواردة في مقام البيان منه، و لعل المصير إلى ما ذكر (رحمه اللّه) أحوط. (1)

و سيوافيك الكلام فيه- إن شاء اللّه- في البحث عن مناسك الحجّ فانتظر.

(1)* التحلّل بحج الإفراد قد تبيّن حال المسألة ممّا ذكرنا، آنفا و كان عليه التفصيل بين بقاء الوقت للتدارك و عدمه، فإنّ ما ذكره يرجع إلى ما إذا فات التدارك.

إنّما الكلام في كفاية حجّ الإفراد عن حجّة الإسلام المكتوبة عليهم من التمتع، و قد احتاط المصنف في المتن فقال: «و الحجّ من قابل».

وجهه: انّ ما دلّ على العدول من التمتع إلى حجّ الإفراد و إجزائه عن حجّة الإسلام مختص بالمضطر و الأصل يقتضي عدم الاجتزاء به في غير مورده.

(2)** من ترك الطواف نسيانا كان الكلام في السابق في من ترك الطواف عمدا، و قد عرفت حكمه أنّه تبطل عمرته به، و يجب عليه الإتيان بالطواف مع سائر الأعمال إذا كان الوقت وسيعا و إلّا ينقلب حجّه إلى الإفراد، و أمّا الكلام في المقام فإنّما هو في من ترك‌

____________

(1). مدارك الأحكام: 8/ 174- 175.

23

الطواف سهوا، فيجب عليه قضاؤه بإحدى الصور التالية:

أ. إذا كان في مكة المكرمة يأتي به في أي وقت تمكّن.

ب. إن رجع إلى محلّه و أمكنه الرجوع بلا مشقة، وجب الرجوع.

ج. و إن لم يتمكّن من الرجوع بلا مشقة استناب لإتيانه.

قال في «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه، بل عن كتاب الخلاف و الغنية الإجماع عليه. (1)

أقول: لم أعثر عليه في كتاب «الخلاف» إلّا في من طاف بلا وضوء الّذي هو بمنزلة التارك له سهوا.

قال فيه: من طاف على غير وضوء و عاد إلى بلده، رجع و أعاد الطواف مع الإمكان، فإن لم يمكنه استناب من يطوف عنه. و قال الشافعي: يرجع و يطوف و لم يفصّل. و قال أبو حنيفة: يجبره بدم. (2)

و يعلم منه حكم ما لو كان في مكة فأولى أن يأتي به.

و قال في «الغنية»: و أمّا طواف الزيارة فركن من أركان الحج من تركه متعمّدا فلا حجّ له بلا خلاف، و من تركه ناسيا قضاه وقت ذكره، فإن لم يذكره حتّى عاد إلى بلده لزمه قضاؤه من قابل بنفسه، بدليل الإجماع المشار إليه، و طريقة الاحتياط، فإن لم يستطع استناب من يطوف بدليل الإجماع المشار إليه. (3)

و كلامه و إن كان في طواف الزيارة (الحج) لكن الظاهر كون الحكم ثابتا لطبيعة الطواف و إن كان للعمرة.

و قال المحقّق: و من تركه ناسيا قضاه و لو بعد المناسك. (4)

____________

(1). الجواهر: 19/ 374.

(2). الخلاف: 2/ 324، المسألة 132.

(3). الغنية: 1/ 71.

(4). الشرائع: 1/ 268.

24

و قال الشهيد: لو تركه ناسيا عاد له فإن تعذّر استناب فيه، و المراد بالتعذّر المشقّة الكثيرة، و يحتمل أن يراد بالقدرة، استطاعة الحجّ المعهودة. (1)

و قال في «المدارك» بعد عبارة المحقّق السابقة الذكر: هذا هو مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا. (2)

و استدلّ عليه بصحيحين:

1. صحيح علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتّى قدم بلاده و واقع النساء كيف يصنع؟ قال: «يبعث بهدي، إن كان تركه في حجّ بعث به في حج، و إن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، و وكّل من يطوف عنه ما تركه من طوافه». (3)

و إطلاق قوله: «طواف الفريضة» يشمل طواف الحجّ و العمرة. بل النساء على وجه، و العجب أنّ الشيخ حمله على طواف النساء- بلا ملزم- و استند في ذلك إلى ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل نسي طواف النساء حتّى أتى الكوفة؟ قال: «لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت» قلت: فإن لم يقدر؟ قال: «يأمر من يطوف عنه». (4)

أقول: لا وجه للحمل، و لا مانع من أن يكون الحكم ثابتا في الموارد الثلاثة.

و لعلّ الّذي حمل الشيخ على التخصيص- مضافا إلى رواية ابن عمّار- هو قول السائل: «و واقع النساء» فجعله قرينة على أنّ المراد من طواف الفريضة هو‌

____________

(1). الدروس: 1/ 404.

(2). المدارك: 8/ 175.

(3). الوسائل: 9، الباب 58 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 58 من أبواب الطواف، الحديث 4.

25

طواف النساء مع أنّ طواف الفريضة أعمّ منه، و إنّما ذكر مواقعة النساء تأكيدا بأنّه رجع إلى محلّه و اشتغل بما يهمّه من الأمور.

و بعبارة أخرى: انّ الغرض من القيد هو بيان عمق الغفلة و استمرارها إلى حد إتيان الأهل دون أن يكون الحدّ دخيلا في السؤال.

و بذلك يظهر أنّ ما جاء في ذيل الحديث «ما تركه من طوافه» هو الأعمّ من طواف الحجّ و العمرة، خصوصا على ما في نسخة الوسائل: (ما تركه من طوافه)، و أمّا في نسخة «الجواهر»: «ما تركه من طواف الحجّ» فلا يعتمد عليه. و ما في «الوسائل» هو الموافق للتهذيب. (1)

2. صحيح هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن نسي زيارة البيت حتّى يرجع إلى أهله؟ فقال: «لا يضرّه إذا كان قد قضى مناسكه». (2)

ففي «الجواهر» «نسي طواف زيارة البيت» و الظاهر أنّ المراد به طواف النساء، لوجهين:

أ. تفسيره بطواف النساء في صحيح معاوية بن عمّار عند وصف حجّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «و سعي بين الصفا و المروة، و طواف الزيارة و هو طواف النساء». (3)

ب. ما في «الفقيه» مكان قوله: حتّى إذا رجع إلى أهله: «حتّى لا يقرب إلى أهله». (4)

و على هذا فالمعتمد هو الصحيح الأوّل، و على هذا يجوز له التوكيل‌

____________

(1). التهذيب: 5/ 128 برقم 421.

(2). الوسائل: 10، الباب 1 من أبواب زيارة البيت، الحديث 4.

(3). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 2.

(4). الفقيه: 2/ 245 رقم 1172.

26

[المسألة 3: لو لم يقدر على الطواف لمرض و نحوه، فإن أمكن أن يطاف به- و لو بحمله على سرير- وجب]

المسألة 3: لو لم يقدر على الطواف لمرض و نحوه، فإن أمكن أن يطاف به- و لو بحمله على سرير- وجب، و يجب مراعاة ما هو معتبر فيه بقدر الإمكان؛ و إلّا تجب الاستنابة عنه.* (1)

____________

و الاستنابة مطلقا، سواء شقّ العود عليه أو لا، لإطلاق قوله: «و وكّل من يطوف عنه ما تركه من طوافه»، لكن الأحوط هو المباشرة بنفسه إذا كان العود غير معسور.

إلى هنا تمّ الكلام في حكم الطواف المتروك عمدا و المتروك نسيانا.

(1)*

من لا يتمكّن من الطواف

الكلام في هذه المسألة في من استمر مرضه و لا يتمكّن من الطواف بنفسه مستقلا، فقد فصّل فيه بين من يستطيع أن يطاف به و من لا يستطيع، فيطاف عنه.

أقول: مقتضى القاعدة الأوّلية في العبادات، لزوم المباشرة بحيث يكون العمل قائما به و بإرادته، و عندئذ يكفي الطواف راجلا و راكبا- و قد طاف رسول اللّه راكبا- لكون العمل قائما ببدنه و بإرادته. و أمّا إذا لم يتمكّن من ذلك، فتارة يتمكّن من الأوّل- قيام العمل به- دون الثاني- بأن تكون الحركة بإرادته- و أخرى لا يتمكن من كلا الأمرين.

ففي الأوّل يطاف به، لإمكان قيام العمل به حيث إنّ الميسور لا يسقط بالمعسور.

و في الثاني، يطاف عنه أخذا بالقدر الممكن.

و على هذا يكون التفصيل بين المتمكّن فيطاف به و غير المتمكّن فيطاف عنه‌

27

على وفق القاعدة، و على ذلك اتّفقت كلمات الأصحاب.

قال المحقّق: لو استمر مرضه بحيث لا يتمكّن أن يطاف به، طيف عنه. (1)

و قال في «المدارك»: هذا ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب. (2)

فهاهنا أمران:

1. من لا يمكنه الطواف بنفسه طيف به محمولا.

2. من لم يتمكّن من أن يحمله أحد، لعدم استمساك طهارته المانع من دخول المسجد أو نحو ذلك من أنحاء العذر، طاف آخر عنه.

أمّا الأمر الأوّل فتدلّ عليه أخبار كثيرة:

1. صحيحة صفوان بن يحيى، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل المريض يقدم مكّة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت و لا بين الصفا و المروة؟

قال: «يطاف به محمولا يخط الأرض برجليه حتّى تمسّ الأرض قدميه في الطواف ثمّ يوقف به في أصل الصفا و المروة إذا كان معتلا». (3)

أقول: إنّ خط الأرض بالرجلين مندوب لما عرفت من كفاية الطواف راكبا، و قد ورد في طواف أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه أخرج يده من كوة المحمل حتّى يجرّها على الأرض. (4)

2. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يطاف به و يرمى عنه؟ قال، فقال: «نعم إذا كان لا يستطيع». (5)

____________

(1). الشرائع: 1/ 268.

(2). المدارك: 8/ 155.

(3). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(4). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 8. و السند فيه ما فيه لاحظ تعليقة المحقق على سند الحديث في هامش الوسائل.

(5). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 3.

28

3. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المريض يطاف عنه بالكعبة؟ قال: «لا، و لكن يطاف به». (1)

إلى غير ذلك من الروايات.

أمّا الأمر الثاني: فمورده المبطون و الكسير و المغمى عليه فتكفي فيه الروايات التالية:

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «المبطون و الكسير يطاف عنهما و يرمى عنهما». (2)

2. صحيح حبيب الخثعمي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أن يطاف عن المبطون و الكسير». (3)

و أمّا المغمى عليه فقد ورد فيه انّه يطاف به:

1. موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت: المريض المغلوب يطاف عنه؟ قال: «لا، و لكن يطاف به». (4)

2. صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المريض المغمى عليه يرمى عنه و يطاف به». (5)

و رواه صاحب الوسائل في باب آخر بأنّه يطاف عنه قال: المريض المغلوب و المغمى عليه يرمى عنه و يطاف عنه. (6)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 7.

(2). الوسائل: 9، الباب 49 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(3). الوسائل: 9، الباب 49 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(4). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(5). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(6). الوسائل: 9، الباب 49 من أبواب الطواف، الحديث 1.

29

[المسألة 4: لو سعى قبل الطواف فالأحوط إعادته بعده]

المسألة 4: لو سعى قبل الطواف فالأحوط إعادته بعده. و لو قدّم الصلاة عليه يجب إعادتها بعده.* (1)

____________

و قد تبع صاحب الوسائل الشيخ في التهذيب حيث رواه تارة ب‍ «يطاف به» و أخرى ب‍ «يطاف عنه». (1)

3. صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كانت المرأة مريضة لا تعقل فليحرم عنها و يتّقى عليها ما يتقى على المحرم، و يطاف بها أو يطاف عنها و يرمى عنها». (2)

و يستفاد من هذا الحديث التخيير بين الإطافة بها أو الطواف عنها. و هذه الرواية تكون شاهدة على حمل رواية إسحاق بن عمار على بيان أفضل فردي التخيير. حيث قال فيها: لا، يطاف به.

و أمّا الاختلاف في رواية حريز فيمكن القول بسقوط جملة: «أو يطاف» عن كلا النقلين و انّ الأصل فيهما يطاف به أو يطاف عنها لما في رواية ابن عمّار فتكون النتيجة التخيّر بين الأمرين، لأنّ المفروض أنّه غير عاقل، فلا فرق بين أن يطاف به أو يطاف عنه، و بما أنّ الحضور في المطاف لا يخلو من تبرك كان الأفضل أن يطاف به.

(1)*

لو قدّم السعي أو الصلاة على الطواف

هنا فرعان:

____________

(1). لاحظ التهذيب: ج 5 رقم 400 و رقم 403.

(2). الوسائل: 9، الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث 4.

30

أ. إذا سعى قبل الطواف فهو يعيد السعي بعد الطواف.

ب. لو قدّم الصلاة على الطوف يعيد الصلاة بعد الطواف.

كان الأولى ذكر الفرع الأوّل في باب السعي، لأنّ المفروض أنّه قدم السعي على الطواف، فيقع الكلام عندئذ في إجزائه و عدمه.

كما كان الأولى ذكر الفرع الثاني في باب صلاة الطواف، لأنّ المفروض تقديمها على الطواف، فيقع الكلام في إجزائها و عدمه.

و على كلّ تقدير فكلامه حسب الظاهر يعمّ العامد و الناسي، و قد صرّح بالتعميم في باب السعي حيث قال: يجب أن يكون السعي بعد الطواف و صلاته، فلو قدّمه على الطواف أعاده بعده و لو لم يكن عن عمد و علم. (1) و الفرق هو انّه (قدّس سرّه) احتاط في المقام و لكنّه أفتى بالإعادة هناك. و مع ذلك يمكن أن يقال: إنّ كلامه في المقام يختص بالناسي بشهادة أنّه احتاط بالإعادة، إذ لا وجه له إذا قدّم عن علم. و على كلّ تقدير فلنعد إلى الفرعين:

الأوّل: لو قدّم السعي على الطواف، فقد قال الشيخ فيه: و لا يجوز تقديم السعي على الطواف، فإن قدّم سعيه على الطواف كان عليه أن يطوف ثمّ يسعى بين الصفا و المروة. (2)

قال في «الدروس»: يجب تقديم طواف الحجّ و العمرة على السعي، فإن قدّم السعي لم يجزئ و إن كان سهوا. (3)

و قال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق «لا يجوز تقديم السعي على الطواف»‌

____________

(1). القول في السعي المسألة 4.

(2). النهاية: 241.

(3). الدروس: 1/ 408، الدرس 105.

31

ما هذا لفظه: لا في عمرة و لا في حجّ اختيارا، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل الإجماع بقسميه عليه، بل يمكن دعوى القطع به بملاحظة النصوص المشتملة على بيان الحجّ قولا و فعلا- إلى أن قال:- بل صرّح الفاضل و الشهيد و غيرهما بأنّه لو عكس عمدا أو جهلا أو سهوا أعاد سعيه. (1)

و يدلّ عليه أيضا صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة قبل أن يطوف بالبيت؟ قال: «يطوف بالبيت ثمّ يعود إلى الصفا و المروة فيطوف بينهما». (2)

وجه الدلالة: ترك الاستفصال بين العمد و النسيان. و بذلك يظهر انّ ما ذكره في باب السعي (3) من الإفتاء بالإعادة أولى ممّا في المقام من الاحتياط.

و أمّا الفرع الثاني: فقد أفتى المصنّف بوجوب إعادة الصلاة إذا قدّمها على الطواف.

و وجهه: أنّ محلّها بعده فلو قدّم فالمأتي به غير مأمور به، مضافا إلى صحيحة ابن عمار: «إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين و اجعله أمامك». (4) و إطلاقه يعمّ العامد و الناسي. و سيوافيك الكلام فيه أيضا في أحكام صلاة الطواف.

____________

(1). الجواهر: 19/ 446.

(2). الوسائل: 9، الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث 2. و هو متّحد مع الحديث رقم 1، غير أنّ ما رواه الشيخ مشتمل على الدم دون ما نقلناه عن الكليني.

(3). لاحظ كلامه في فصل «القول في السعي» المسألة 4.

(4). الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب الطواف، الحديث 1. و غيره من الروايات البيانية لعمل الحجّ.

فلاحظ الوسائل: 9، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ.

32

[القول في واجبات الطواف]

القول في واجبات الطواف

و هي قسمان:

[القسم الأوّل: في شرائطه و هي أمور]

القسم الأوّل: في شرائطه و هي أمور:

[الأوّل: النيّة]

الأوّل: النيّة بالشرائط المتقدّمة في الإحرام.* (1)

____________

(1)*

في اعتبار النيّة في الطواف

لا شكّ أنّ الطواف جزء من أعمال العمرة، فتعتبر النيّة في وقوعه جزءا للواجب للفرق الواضح بين كون شي‌ء جزءا للشي‌ء تكوينا و بين كونه جزءا للشي‌ء شرعا. فالأوّل لا يحتاج إلى النيّة، مثلا صبّ الملح في الغذاء يجعله جزءا منه، سواء أ نوى أم لم ينو، بخلاف الطواف على الكعبة فلا يصير جزء للعمرة إلّا إذا أتى به بعنوان انّه جزء للواجب.

إنّما الكلام فيما هو المراد من النيّة، فهل المراد، صدور العمل عن قصد و اختيار. و الفعل غير الاختياري خارج عن دائرة التكليف، أو المراد قصد القربة و إتيان العمل لامتثال أمره سبحانه أو لأجله، أو لا هذا و لا ذاك، بل المراد إتيان الطواف بما أنّه من أجزاء العمرة و واجباتها كما هو الحال في سائر الواجبات التعبدية؟

أمّا الاحتمال الأوّل فلا شكّ في اعتباره، لكن حمل كلمات القوم عليه بعيد حيث اختلفت كلماتهم في لزوم اعتبار نيّة مستقلة في الطواف و عدمه و انّ نيّة الإحرام كافية عن اعتبارها فيه أو لا. و لو كان المقصود صدور الفعل عن قصد لما صار موردا للاختلاف.

و أمّا الثاني، فقد ذكره المصنّف بعد اعتبار النيّة بقوله في المتن: «بالشرائط المتقدّمة في الإحرام» فإنّ من الشرائط المتقدّمة هي قصد القربة كما سيوافيك بيانه.

33

و على كلّ تقدير: فهل تكفي نيّة الإحرام في الميقات، أو يحتاج إلى نيّة خاصة به؟

قال المحقّق: فالواجب سبعة: النيّة. (1)

قال في «المسالك»: يجب فيها قصد الطواف بالبيت في الحجّ المعيّن من كونه إسلاميّا أو غيره، تمتّعا أو أحد قسيميه، و كذا القول في طواف العمرة، و الوجه، و القربة، و المقارنة للحركة في الجزء الأوّل من الشوط. (2)

و ظاهرها أنّه يحتاج إلى نيّة خاصّة وراء النيّة عند الإحرام.

قال في «الدروس»: و ظاهر بعض القدماء أنّ نيّة الإحرام كافية عن خصوصيات نيّات الأفعال. (3)

و مقتضى القاعدة هو كفاية نيّة الإحرام لما عرفت من أنّ الإحرام هو نيّة الدخول في عمل له حرمة كالعمرة و الحجّ، فيكون الطواف كأجزاء العبادة المركبة الّتي لا تحتاج أجزاؤها إلى نيّة نظير الصلاة.

و يمكن أن يقال: وجود الفرق بين الصلاة و الحجّ فانّ أجزاء الأولى مرتبطة و متصلة، فتكون النيّة- بمعنى الداعي إلى العمل- باقية محفوظة إلى آخر العمل.

فيصدر جميع الأعمال منها- إلّا إذا أخل- كما إذا ركع لتعظيم الغير بخلاف أعمال الحجّ، فأين زمان الإحرام من مسجد الشجرة من زمان الطواف بالبيت؟ و هذا الفاصل الزماني بين العملين يستدعي بطبعه تعلّق نيّة خاصّة بالطواف وراء تعلّقها بالإحرام.

و مراد المصنّف بالشرائط المتقدّمة ما ذكره في كيفية الإحرام من اعتبار القربة و الخلوص في النيّة، و تعيين المنوي من الحجّ و العمرة و تعيين أنّ الحجّ تمتّع أو قران‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 267.

(2). المسالك: 2/ 331.

(3) الدروس: 1/ 394.

34

[الثاني: الطهارة من الأكبر و الأصغر]

الثاني: الطهارة من الأكبر و الأصغر، فلا يصحّ من الجنب و الحائض و من كان محدثا بالأصغر، من غير فرق بين العالم و الجاهل و الناسي.* (1)

____________

أو إفراد و أنّه لنفسه أو لغيره.

و قد مرّ اعتبار بعضها و عدم اعتبار البعض الآخر، فلاحظ.

(1)* في اعتبار الطهارة في الطواف اختلفت كلمة الفقهاء في شرطية الطهارة في بعض أقسام الطواف.

[الأقوال]

أ. التفصيل بين الواجب و المندوب في الحدث الأصغر

يفصّل بين الطواف الواجب و المندوب، فيشترط في الأوّل الطهارة من الحدثين الأكبر و الأصغر، و في الثاني الطهارة من الحدث الأكبر دون الأصغر، و هذا هو الظاهر من العلّامة في «التذكرة» قال: الطهارة شرط في الطواف الواجب فلا يصحّ طواف المحدث عند علمائنا، و به قال مالك و الشافعي لما رواه العامة أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «الطواف بالبيت صلاة إلّا أنّكم تتكلّمون فيه». (1) إلى أن قال:

... لا تشترط الطهارة في طواف النافلة و إن كانت أفضل لقول الصادق (عليه السلام) في رجل طاف على غير وضوء: «و إن كان تطوّعا فليتوضّأ و ليصل». (2)

و سأل عبيد بن زرارة الصادق (عليه السلام): إنّي أطوف طواف النافلة و أنا على غير وضوء؟ قال: «توضّأ و صلّ و إن كنت متعمّدا» (3). (4)

____________

(1). المغني: 3/ 397. و في سنن الترمذي: 3/ 293 برقم 960 بتفاوت يسير.

(2). الوسائل: ج 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 8.

(3). الوسائل: ج 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 9.

(4). التذكرة: 8/ 84.

35

و مراده من عدم اشتراط الطهارة هو الطهارة من الحدث الأصغر لا الأكبر بقرينة الاستدلال بالروايتين، و قد جاء فيهما: «طاف على غير وضوء». أو «أطوف على غير وضوء».

و لعلّ هذا التفصيل هو مراد المحقّق قال: الطهارة شرط في الواجب دون الندب، حتّى أنّه يجوز ابتداء المندوب مع عدم الطهارة و إن كانت الطهارة أفضل. (1)

ب. اشتراطها مطلقا

و هو الظاهر من أبي الصلاح في «الكافي».

قال: لا يصحّ طواف فرض و لا نفل لمحدث. (2)

ج. عدم اشتراطها مطلقا في المندوب

و ربّما يظهر من الشيخ في «النهاية» عدم اشتراط الطهارة مطلقا- أي من الحدث الأكبر و الأصغر- في المندوب قال: و من طاف على غير وضوء أو طاف جنبا، فإن كان طوافه طواف فريضة توضّأ أو اغتسل و أعاد الطواف، و إن كان نافلة اغتسل أو توضّأ و صلّى و ليس عليه إعادة الطواف. (3)

و بهذه العبارة عبّر في محكي «التهذيب».

هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة.

و المراد من الطواف الواجب ما يؤتى به بعنوان أنّه جزء الكل، أي جزء المناسك، سواء أ كان الكلّ واجبا أم مندوبا. فالطواف في العمرة المفردة الرجبية طواف واجب، أي ممّا يجب أن يأتي به المحرم و إن كان أصل العمرة أصلا‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 268.

(2). الكافي في الفقه: 175.

(3). النهاية: 238.

36

مستحبا، كما أنّ الإمساك من المفطّرات واجب في الصوم المندوب و إن كان أصل الصوم غير واجب.

و بالجملة المراد هو الوجوب الشرطي لا التكليفي، و بذلك يظهر لك معنى بعض الروايات.

كما أنّ المراد من الطواف المندوب هو الطواف المجرّد عن سائر المناسك، و قد قيل: إنّ تحية المسجد الحرام هو الطواف بالبيت، و هذا هو الطواف المندوب.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في موضعين:

الأوّل: أنّ شرطية الطهارة للطواف الواجب أمر لا سترة عليه، و قد اتّفقت كلمتهم على ذلك.

قال في «الجواهر»: فالواجبات: الطهارة من الحدث الأصغر و الأكبر في الطواف الواجب، بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه. (1)

و تدلّ عليه الروايات التالية:

1. صحيح معاوية بن عمار، عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف بالبيت، و الوضوء أفضل». (2) و لفظ «المناسك» قرينة على أنّ المقصود هو الطواف المعدود من المناسك، فيكون واجبا و إن كان أصل الحجّ مندوبا. و صيغته «افعل» مجرّدة عن المفاضلة و معناه هنا انّه ذو فضل دون الآخر.

2. صحيح محمّد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهر؟ قال: «يتوضّأ و يعيد طوافه، و إن كان تطوّعا توضّأ و صلّى ركعتين». 3

____________

(1). الجواهر: 19/ 269.

(2) (2 و 3). الوسائل: 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 1 و 3.

37

و أمّا ما دلّ بإطلاقه على عدم لزومها في الواجب كخبر زيد الشحام فيقيد بما دلّ على وجوبها في الطواف الواجب كما سيوافيك بيانه.

هذا كلّه في الطواف الواجب، و قد عرفت شرطية الطهارة فيه بقول مطلق.

بقي الكلام في الطواف المندوب و إليك بيانه:

في الطواف المندوب

أمّا الطواف المندوب، فتارة يبحث عن شرطية الطهارة فيه عن الحدث الأكبر، و أخرى عن الحدث الأصغر.

أمّا الأوّل فمقتضى قوله: «الطواف بالبيت صلاة إلّا أنّكم تتكلّمون فيه» اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر. و لم نعثر على رواية تنفي اشتراطها و ظاهر الرواية هو عموم المنزلة بشهادة إخراج التكلّم، و تفسيرها بقيام الطواف بالبيت مكان صلاة التحيّة للمسجد كأنّه أخذ ببعض مفادها مع كون التنزيل مطلقا.

نعم مرّ عن الشيخ في «النهاية» عدم اشتراطها، و لعلّه متفرّد في هذا القول.

و أمّا الثاني فالظاهر من الروايات صحّة الطواف بلا وضوء، و انّه يتوضّأ للصلاة، ففي صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل طاف تطوّعا و صلّى ركعتين و هو على غير وضوء؟ فقال: «يعيد الركعتين و لا يعيد الطواف». (1)

و في خبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يطوف الرجل النافلة على غير وضوء ثمّ يتوضّأ و يصلي، فإن طاف متعمّدا على غير وضوء فليتوضّأ و ليصل، و من طاف تطوّعا و صلّى ركعتين على غير وضوء فليعد الركعتين و لا يعد الطواف». 2

و في صحيح محمد بن مسلم الماضي تصريح بما ذكر. 3

____________

(1) (1 و 2 و 3). الوسائل: 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 7 و 2 و 3.

38

دليل القول بالاشتراط مطلقا

ذهب أبو الصلاح إلى اشتراط الطهارة في الطواف مطلقا، و احتجّ بروايتين:

أ. «الطواف بالبيت صلاة». (1)

ب. ما رواه أبو حمزة في الموثّق عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه سئل: أ ينسك المناسك و هو على غير وضوء؟ فقال (عليه السلام): «نعم، إلّا الطواف بالبيت فإنّ فيه صلاة». (2)

يلاحظ على الحديث الثاني:

أوّلا: أنّ المراد من الطواف المندوب هو الطواف المجرّد عن سائر الأعمال الذي ليس من المناسك، و أمّا الطواف الذي هو جزء المناسك فليس هو طوافا مندوبا و إن كان مجموع المناسك حجّا مندوبا، فمورد الرواية هو الطواف الواجب. و إن أبيت فظاهر الرواية انّ الوضوء لغاية انّه يصلّي بعد الطواف بلا فاصل زماني، فالأولى أن يكون الطواف مع الوضوء حتّى يتسنّى له الصلاة معه.

و ثانيا: أنّ دلالة الروايتين بالعموم فتقيّد بالروايات التي خصّصت وجوب الوضوء بالطواف الواجب.

ثمّ إنّ بعض الروايات يدلّ على عدم اعتبار الوضوء في مطلق الطواف من دون فرق بين الفريضة و التطوّع، كما أنّ بعضها يدلّ على وجوبه في مطلق الطواف.

أمّا الأوّل: نظير ما رواه الشيخ باسناده إلى زيد الشحّام، عن أبي عبد‌

____________

(1). سنن الدارمي: 2/ 44.

(2). الوسائل: 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 6.

39

اللّه (عليه السلام) في رجل طاف بالبيت على غير وضوء؟ قال: «لا بأس». (1)

و أمّا الثاني: فنظير ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) في حديث فيه سؤالان ففي السؤال الثاني: سألته عن رجل طاف ثمّ ذكر أنّه على غير وضوء؟

قال: «يقطع طوافه و لا يعتدّ به». (2) فالجمع بينهما واضح في ضوء ما ذكرنا من الروايات السابقة، فيحمل الأوّل على المندوب بالمعنى الذي عرفت، و يحمل الثاني على الواجب.

و أمّا ما ذهب إليه المصنّف (رحمه اللّه) من اشتراط الطهارة مطلقا من الحدث الأكبر و الأصغر من غير فرق بين العالم و الجاهل، فالظاهر أنّ مصبّ كلامه هو الطواف الواجب، لأنّه بصدد بيان اعمال العمرة، و قد مرّ أنّ الطواف الّذي هو جزء المناسك فهو طواف واجب.

و على فرض إطلاق كلامه للمندوب، فالظاهر أنّه اعتمد على الإطلاقات نظير خبر زيد الشحّام و غيره.

و قد عرفت أنّ المطلق مقيّد بما دلّ على الصحّة في المندوب.

و أمّا العالم و الجاهل و الناسي فالظاهر عدم الفرق فيما يشترط فيه الطهارة، لظهور أنّ شرطية الطهارة في الطواف نظير شرطيتها في الصلاة في أنّها شرط واقعي لا ذكري، فيكون باطلا في عامّة الصور مع العلم بالموضوع و الجهل به و نسيانه.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 10.

(2). نفس المصدر و الباب، الحديث 4.

40

[المسألة 1: لو عرضه في أثنائه الحدث الأصغر]

المسألة 1: لو عرضه في أثنائه الحدث الأصغر، فإن كان بعد إتمام الشوط الرابع توضّأ و أتى بالبقية و صحّ، و إن كان قبله فالأحوط الإتمام مع الوضوء و الإعادة. و لو عرضه الأكبر وجب الخروج من المسجد فورا، و أعاد الطواف بعد الغسل لو لم يتم أربعة أشواط، و إلّا أتمّه.* (1)

____________

(1)* عروض الحدث أثناء الطواف قد تقدّم أنّ الطهارة شرط في الطواف الواجب، فيقع الكلام فيما لو عرضه الحدث في أثناء الطواف، فهل يبطل الطواف أو لا؟ أو فيه تفصيل؟ بينما إذا أحدث قبل إكمال الشوط الرابع إذا أحدث بعد إكماله هذا إذا جعلنا الملاك في التفصيل، إكمال الشوط الرابع و عدمه، و أمّا إذا جعلنا الملاك هو التجاوز عن النصف و عدمه فله أيضا صورتان، و ذلك لأنّه إذا أحدث في وسط الشوط فمع عسر تشخيصه فهو ملحق بعدم التجاوز و ليس قسما ثالثا.

كما أنّه ألحق الحدث الأكبر (1) بالأصغر في كلا الصورتين. فلنذكر بعض الكلمات.

قال الشيخ في «الخلاف»: من طاف على وضوء و أحدث في خلاله، انصرف و توضّأ و أعاد، فإن كان زاد على النصف بنى عليه، و إن لم يزد أعاد الطواف.

و قال الشافعي: إن لم يطل الفصل بنى قولا واحدا، و لم يفصل، و إن طال فعلى قولين: قال في القديم: استأنف، و قال في الجديد: بنى. و هو المذهب عندهم و لم يفصل. (2)

____________

(1). يراد من الحدث الأكبر، الجنابة، و أمّا الطمث فسيوافيك البحث فيه في المسألة الحادية و العشرين.

(2). الخلاف: 2/ 323، المسألة 140.

41

و قال المحقّق: من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف رجع فأتمّ؛ و إن كان دون ذلك استأنف ... إلى أن قال: و كذا لو أحدث في طواف الفريضة. (1)

و قال العلّامة في «المنتهى»: لو أحدث في أثناء طواف الفريضة، فإن كان تجاوز النصف يتطهّر و يتمّ ما بقي، و إن كان حدثه قبل أن يبلغ النصف فإنّه يعيد الطواف من أوّله. (2)

و قال في «المدارك»: المراد من أحدث في طواف الفريضة يتوضّأ و يتمّ ما بقي إن كان حدثه بعد إكمال النصف، و إن كان قبله أعاد الطواف من أوّله، و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب. (3)

هذا و يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في دليل التفصيل بين تجاوز النصف أو قبله أو بعد تمام الشوط الرابع أو قبله، فلا يعيد في الأوّل دون الثاني.

الثاني: هل الميزان هو تجاوز النصف أو إتمام الشوط الرابع؟

و الكلام في المقام الثاني موكول إلى المسألة الحادية و العشرين فتربص حتى حين.

المقام الأوّل: دليل التفصيل

يدلّ على التفصيل المذكور- مضافا إلى الاتّفاق الوارد في كلام «المدارك» و عدم نقل الخلاف في «المنتهى» و لو كان خلاف لنقل، و عدم وجدانه كما في‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 268، باب في كيفية الطواف الواجب.

(2). المنتهى: 10/ 360، في أحكام الطواف.

(3). مدارك الأحكام: 8/ 156.

42

الجواهر (1)- مرسل ابن أبي عمير أو جميل المنجبر بما سمعت.

عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام): في الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه؟ قال: «يخرج و يتوضّأ، فإن كان جاز النصف بنى على طوافه، و إن كان أقلّ من النصف أعاد الطواف».

و رواه الكليني عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا. (2)

و السؤال في الرواية و إن كان عن مطلق الحدث لكن المراد هو الحدث الأصغر بمناسبة أنّه أحدث في المسجد و حمله على الجنابة فيه بعيد جدا، و لذلك أجاب الإمام بالوضوء.

حكم الحدث الأكبر

هذا كلّه حول الحدث الأصغر، و أمّا الحدث الأكبر فألحقه المصنّف بالحدث الأصغر قال: «و لو عرضه الأكبر وجب الخروج من المسجد فورا، و أعاد الطواف بعد الغسل لو لم يتم أربعة أشواط، و إلّا أتمّ». و لكنّه مشكل لكونه خلاف مقتضى القاعدة أولا، و اختصاص النص بالحدث الأصغر ثانيا.

أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى القاعدة الأولى هو شرطية الطهارة في الطواف من أوّله إلى آخره، فمن أحدث في أثناء الطواف كمن أحدث في أثناء الصلاة، خرج عنها الحدث الأصغر في الأثناء بعد تجاوز النصف أو إكمال الشوط الرابع- على ما سيأتي- و بقي الحدث الأكبر تحت القاعدة.

فإن قلت: إنّ الطواف اسم للأشواط السبعة فالأدلة دلّت على اشتراطه‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 334.

(2). الوسائل: 9، الباب 40 من أبواب الطواف، الحديث 1.

43

بالطهارة فاللازم إيقاع الأشواط كذلك، و أمّا اعتبار كون الطهارة شرطا في الأكوان المتخلّلة أو كون الحدث قاطعا فلا، و أمّا الصلاة فلولا النص فيها يقال فيه بمثل ما قيل في الطواف و انّ الطهارة شرط لأجزائها دون الأكوان المتخللة لكن دلّ الدليل على قاطعية الحدث فيها. (1)

قلت: إنّ ما استظهر خلاف ما هو المرتكز في كلا البابين: الصلاة و الطواف، لانّ من كبّر فقد دخل في الصلاة و هو فيها إلى أن يخرج منها بالتسليم، و نظيره الطواف فإذا بدأ به من محاذاة الحجر الأسود، فقد دخل فيه و هو فيه إلى أن يخرج منه بإتمام الشوط السابع، فتخصيص شرطية الطهارة للأجزاء دون الأكوان المتخللة خلاف ما هو المرتكز.

و إن شئت قلت: إنّ الصلاة اسم للهيئة القائمة بالأجزاء و الأكوان، الّتي يجمعها و يصيّرها أمرا واحدا، فما دلّ على شرطية الطهارة، يعمّ الأكوان، و لا يختص بالأجزاء و نظيرها الطواف.

هذا مقتضى القاعدة الأولى و أمّا اختصاص النصّ فقد عرفت. و مع ذلك يمكن القول بالتفصيل في الحدث الأكبر أيضا لوجهين:

1. انّ التفصيل المذكور من آثار نفس الطواف من غير فرق بين الحدث الأصغر و الأكبر.

2. الاستئناس بالقول بذلك التفصيل في غير مورد الحدث، نظير:

أ. القطع لأجل المرض.

ب. القطع لعروض الطمث.

____________

(1). المعتمد: 4/ 295.

44

[المسألة 2: لو كان له عذر عن المائية يتيمّم بدلا عن الوضوء أو الغسل]

المسألة 2: لو كان له عذر عن المائية يتيمّم بدلا عن الوضوء أو الغسل، و الأحوط مع رجاء ارتفاع العذر، الصبر إلى ضيق الوقت.* (1)

____________

إلى هنا تمّ الكلام في الحدث الأصغر و الأكبر أي الجنابة، و أمّا إذا طرأ الطمث أو المرض فسيوافيك الكلام فيهما في المسألة الحادية و العشرين، لأنّ المصنف طرح فيها، مسألة طروء الحدث و المرض، و لعلّه أراد من الحدث هنا الطمث و لذا نؤجل البحث فيه إلى هناك.

ج. القطع لقضاء حاجة المؤمن.

د. القطع لأجل دخول الكعبة.

ه‍. في عروض النجاسة على ثوبه و بدنه في حال الطواف.

فقد فصّلوا في هذه الموارد بين التجاوز و عدمه، كلّ ذلك يشعر بأنّ التفصيل المذكور من آثار الطواف.

و أمّا الكلام فيما هو الميزان فهل هو التجاوز عن النصف، أو إتمام الشوط الرابع؟ فسيوافيك الكلام فيه في المسألة الحادية و العشرين.

(1)* المشهور: انّ ما تبيحه الطهارة المائيّة، تبيحه الطهارة الترابية، فيجزي التيمم بدلا عن الوضوء و الغسل عند اجتماع الشرائط أخذا بإطلاق قوله (عليه السلام):

«التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين»، انّما الكلام في جواز البدار مع رجاء ارتفاع العذر أو لزوم الصبر إلى ضيق الوقت. و قد احتاط المصنّف بالصبر إلى ضيق الوقت.

و نقل في الجواهر عن المدارك «انّه ذهب فخر المحقّقين إلى عدم إباحة‌

45

التيمّم للجنب الدخول في المسجدين و لا اللبث فيما عداهما» و رتّب عليه صاحب المدارك عدم استباحة الطواف به. و أضاف صاحب الجواهر بأنّه كذلك لكن لا صراحة فيه ببطلان الطواف به مع النسيان و نحوه ممّا لا نهي معه من حيث الكون.

ثمّ ضعّف قول الفخر بالنصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات على إباحة الترابية ما تبيحه المائية من غير فرق بين الحدث الأصغر و الأكبر الّذي كان الإجماع على إجزائه فيه، كإجزاء طهارة المستحاضة فيه بلا خلاف، لقول الصادق (عليه السلام) في مرسل: «المستحاضة تطوف بالبيت و تصلي و لا تدخل الكعبة». (1)

ثمّ إنّ صاحب الجواهر استثنى ما إذا تيمّم لغاية يبيحها التيمّم، و لكن نسي جنابته و دخل المسجد و طاف، لعدم النهي و اختصاص المورد بالأمر فإنّ ما ذكره صحيح، و أمّا في صورة العلم بها- مع قبول نظرية الفخر- فلا يصحّ تصحيحه عن طريق صحّة اجتماع الأمر و النهي بزعم اختلاف متعلقيهما، و أنّ متعلّق الأمر هو الطواف، و متعلّق النهي، هو الدخول و اللبث، و ذلك لما قلنا في محله انّ تصحيح الاجتماع، لا يكفي، إذا لم يتمش من الطائف قصد القربة و إتيان العمل للّه. و هو مع وحدة الوجود، مشكل.

____________

(1). الجواهر: 19/ 271. و لاحظ المسألة في ج 3/ 351- 363.

46

[المسألة 3: لو شكّ في أثناء الطواف أنّه كان على وضوء]

المسألة 3: لو شكّ في أثناء الطواف أنّه كان على وضوء، فإن كان بعد تمام الشوط الرابع توضّأ و أتمّ طوافه و صحّ، و إلّا فالأحوط الإتمام ثمّ الإعادة.

و لو شكّ في أثنائه في أنّه اغتسل من الأكبر؟ يجب الخروج فورا، فإن أتمّ الشوط الرابع فشكّ، أتمّ الطواف بعد الغسل و صحّ، و الأحوط الإعادة، و إن عرضه الشك قبله أعاد الطواف بعد الغسل، و لو شكّ بعد الطواف لا يعتني به، و يأتي بالطهور للأعمال اللاحقة.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. لو شكّ في أثناء الطواف في طهارته عن الحدث الأصغر.

2. لو شك في أثناء الطواف في أنّه اغتسل من الأكبر.

3. لو شك بعد الطواف.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر:

[الفرع] الأوّل: الشكّ في الوضوء في أثناء الطواف

لو شكّ أثناء الطواف في أنّه كان على وضوء حينما ابتدأ به أو لا؟ فهناك آراء:

و قبل الإشارة إليها يجب تعيين موضوع الفرع، و الظاهر خروج ما إذا كان متطهّرا فشكّ في طروء الحدث و اختصاص النزاع بما إذا كان محدثا، كما هو الظاهر من المتن- على ما سيأتي- أو يعمّه، و من جهلت حالته السابقة.

47

1. التفريق بين الشك في الأثناء و بعد العمل

اختاره العلّامة الحلّي في كتبه الثلاثة: فهو يفرّق بين كون الشك في الأثناء، فيتوضّأ و يستأنف الطواف، و بين كونه بعده فلا يعتد بشكه.

قال في «التحرير»: و إن شكّ في الطهارة، فإن كان في أثناء الطواف تطهّر و استأنف، و إن كان بعده لم يستأنف. (1)

و قال في «التذكرة»: و لو شكّ في الطّهارة، فإن كان في أثناء الطواف تطهّر و استأنف، لأنّه شكّ في العبادة قبل فراغها فيعيد كالصلاة، و لو شكّ بعد الفراغ لم يستأنف. (2)

و قال في «المدارك» بعد نقله عن «التذكرة»: «و هو غير جيّد و لا مطابق للأصول». (3) و لم يعلم وجه مخالفته للأصول إذا كان موضوع الفرع من كان كان محدثا قبل الطواف و احتمل التطهير عن الحدث، أو كانت الحالة السابقة مجهولة.

و قال في «المنتهى»: لو شكّ في الطهارة فإن كان في أثناء الطواف يتطهّر و يستأنف، لأنّه شكّ في شرط العبادة قبل فراغها فيعيد كالصلاة، و لو شكّ بعد الفراغ لم يستأنف. (4)

2. التفريق بين مستصحب الطهارة و الحدث

اختاره صاحب المدارك، فقد فصّل بين كونه مستصحب الحدث فيعيد‌

____________

(1). التحرير: 2/ 586، برقم 2029.

(2). التذكرة: 8/ 113، المسألة 476.

(3). المدارك: 8/ 141.

(4). المنتهى: 10/ 361.

48

مطلقا لو شكّ في الأثناء أو بعد الفراغ، و بين كونه مستصحب الطهارة لم يعد مطلقا.

قال: الحقّ أنّ الشكّ إن كان بعد يقين الحدث وجب عليه الإعادة مطلقا، و إن كان الشك في الطهارة بمعنى الشك في بقائها للشك في وقوع الحدث بعد يقين الطهارة لم يجب عليه الإعادة كذلك. (1)

و لقد أجاد صاحب المدارك حيث فرّق بين مستصحب الطهارة و مستصحب الحدث بعد أن كان مغفولا عنه عند العلّامة. و لكنّه لم يذكر حكم ما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة.

3- التفريق بين الشكّ في الأثناء و بعد العمل

هذا هو الّذي اختاره صاحب الجواهر و قال: إن شكّ في الطهارة في أثناء الطواف و كان محدثا قبله استأنفه مع الطهارة، لقاعدة اقتضاء الشك في الشرط الشك في المشروط، بل هو محدث شرعا- و الصحّة في الصلاة لو قلنا بها لدليل خاص- إلى أن قال:- نعم لو شكّ بعد الفراغ لم يلتفت إليه كالصلاة و غيرها، من دون فرق بين أجزائها و شرائطها. (2)

و لعلّ الفرق بين القولين: قول العلّامة الحلّي و صاحب الجواهر هو شمول كلام الأوّل للصور الثلاث: مستصحب الطهارة، و مستصحب الحدث، و من جهلت حالته السابقة، و اختصاص كلام الثاني بمستصحب الحدث، لكن يحتمل التوضّؤ قبل الطواف.

يلاحظ عليه: بأنّ مستصحب الحدث أو مستصحب الطهارة واضح‌

____________

(1). المدارك: 8/ 141.

(2). جواهر الكلام: 19/ 273، و لاحظ المستند: 12/ 99.

49

حكمه فإنّه يعمل بمقتضى الاستصحاب و كان عليه التركيز على ما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة.

4- التفريق بين الشكّ بعد الشوط الرابع و قبله

هذا هو ما اختاره المصنّف في المتن، فإذا شكّ بعد تمام الشوط الرابع يتوضّأ و يتم طوافه، و إن كان قبله يتم ثمّ يعيد الطواف بالوضوء.

إنّما الكلام في دليل هذا التفصيل و لعلّه استفاده ممّا ورد في من أحدث في الأثناء، فقد مضى أنّه يبني على ما سبق- بعد التوضؤ- إذا كان بعد تمام الشوط الرابع، و يعيد إذا كان الشك قبل تمامه.

و لكنّه ضعيف للفرق بين المقيس و المقيس عليه، لأنّ الطائف في المقيس عليه متطهر و إنّما عرض له الحدث في الأثناء بعد تمام الشوط الرابع أو قبله، بخلاف المقام فإنّه إمّا محدث كما إذا كان مستصحب الحدث، أو ملزم بإحراز الطهارة كما إذا كان جاهلا بالحالة السابقة.

و الذي يهمّنا هو تبيين الموضوع في كلامه، فهل الموضوع فيه من أحدث قطعا و شكّ في ارتفاعه، أو من كانت حالته السابقة مجهولة، كما إذا توالت عليه حالتان و شك في المتقدّم و المتأخّر منهما و كانت الحالة السابقة عليهما مجهولة أيضا.

و الظاهر انّ كلامه في الصورة الأولى، أعني: من كان محدثا قبل الطواف و الدليل على ما ذكرنا وجهان:

1. قوله في الفرع الثاني: «لو شكّ في أثنائه انّه اغتسل من الأكبر يجب الخروج فورا» فانّه صريح في كونه متيقنا بالحدث قبل الطواف و شكّ في الاغتسال حين الطواف في أنّه اغتسل من الأكبر».

2. حكمه بالخروج فورا، فإنّه يناسب من كان محدثا وجدانا أو تعبدا.

50

و مع ذلك أفتى المصنّف بالصحّة فيما إذا عرضه الشكّ في زوال الحدث الأصغر أو الأكبر بعد تمام الشوط الرابع، و إن احتاط بالإعادة فيما إذا شكّ في زوال الحدث الأكبر دون الأصغر، احتياطا استحبابيا، و بالبطلان فيما إذا عرضه الشكّ قبله، و إن احتاط عند الشكّ في الحدث الأصغر بالإتمام ثمّ الإعادة بالوضوء، دون الشكّ في الحدث الأكبر، فقد أفتى بالإعادة بعد الغسل فقط.

و عندئذ يطرح السؤال التالي: كيف أفتى بالصحة و الاعتداد بما أتى مع كونه مستصحب الحدث، و لعلّ وجهه هو عدم جريان الاستصحاب، عند الشك بعد تمام الشوط الرابع و جريان قاعدة التجاوز على عكس ما إذا شك قبل إتمامه.

أمّا الأوّل: فلأنّه تعتبر في جريان الاستصحاب فعلية الشكّ حين العمل، كما تشترط فعلية اليقين كذلك، و المفروض انّه دخل في الصلاة غافلا عن كونه مستصحب الحدث، فيخرج المقام من عموم «لا تنقض اليقين بالشك».

و أمّا الثاني: فلولا ما ورد من التفصيل بين التجاوز بين النصف و عدمه، أو إتمام الشوط الرابع و عدمه- على اختلاف في المقطع- في غير واحد من الموارد، كما مرّ لقلنا بعدم جريان قاعدة التجاوز في أثناء الطواف عند الشكّ في الطهارة، غير أنّ تضافر الروايات أضفى للأشواط الأربعة نوع استقلال في الموضوعية، و بذلك تجري- عند الشكّ في زوال الحدث- قاعدة التجاوز، بعد تمام الشوط الرابع على حد تعبير المصنف، فتكون محكومة بالصحة، دون ما إذا شكّ قبل تمامه، إذ ليس له استقلال في الموضوعية.

و بذلك يعلم حكم ما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة، إذ يكون الحكم بالصحة عند إتمام الشوط الرابع أولى ممّا إذا كان مستصحب الحدث.

فإن قلت: إنّ قاعدة التجاوز تثبت أنّ الطائف على طهارة، فعليه أن يأتي‌

51

بالباقي بهذا العنوان.

قلت: إنّ القاعدة تثبت كون الطائف واجدا للشرط بالنسبة إلى ما مضى، و أمّا بالنسبة لما يأتي فاستصحاب الحدث محكّم، و لذلك قال الفقهاء: إذا شكّ في الطهارة بعد أداء الظهر يحكم على ما أتى بالصّحة و يجب الوضوء بالنسبة لصلاة العصر.

فإن قلت: ما الفرق بين الصلاة و الطواف حيث تجري قاعدة التجاوز في أثنائها كما إذا شكّ في القراءة بعد ما ركع، أو شكّ في الركوع بعد ما سجد. و لا يجري في الطواف إلّا في مورد النص، أعني: بعد إكمال الشوط الرابع، لا قبله؟

قلت: الفارق هو النص، لتضافر النصوص في جريانها في الصلاة في أثنائها و لولاها لأمكن أن يقال بعدم جريانها إلّا بعد الفراغ، لأنّ كلا من الصلاة و الطواف أمر واحد، لا يتصور فيهما التجاوز إلّا بعد الفراغ.

الفرع الثاني: الشك في الغسل من الأكبر أثناء الطواف

إذا شكّ في أثناء الطواف أنّه اغتسل من الأكبر، يعلم حكمه ممّا سبق في الصورة الأولى. فيجب الخروج فورا، لكونه محكوما بالحدث الأكبر من حين الشكّ لا من أوّل الطواف، لما عرفت من عدم فعلية الشكّ فيه، و أمّا بالنسبة إلى الأشواط المأتي بها، فيفصل بين تمام الشوط الرابع فتجري قاعدة الفراغ و قبله فلا تجري.

هذا غاية ما يمكن به تفسير التفصيل الوارد في كلامه و هو من مختصاته.

و لكن الظاهر بطلان الطواف في كلا الفرعين، يظهر وجهه ممّا ذكرناه في الفروع المترتبة على فعلية الشكّ في كلماتهم في محاضراتنا في الاستصحاب (1)، مثل ما إذا أحدث ثمّ غفل و صلّى ثمّ شكّ في أنّه تطهر قبل الصلاة أو لا، حيث قالوا‌

____________

(1). إرشاد العقول إلى علم الأصول: 4/ 104.

52

بصحّة الصلاة، لأنّ الشكّ بعد الصلاة مجرى لقاعدة الفراغ و لا يجري استصحاب الحدث حين الصلاة لغفلته و عدم شكّه حين الافتتاح.

و نحن خالفنا القوم و قلنا بعدم جريان القاعدة، و انّ المورد مجرى الاستصحاب.

أمّا الأوّل فلأنّ موردها، إذا كانت الغفلة محتملة، لا معلومة و احتمل وقوع العمل صحيحا من باب الصدفة حيث إنّ الأدلّة منصرفة عن هذه الصورة، و لذلك لا يحكم بصحّة الوضوء إذا توضّأ- غفلة- بأحد الماءين مع كون أحدهما مضافا و الآخر مطلقا و احتمل التوضّؤ بالمطلق صدفة.

و أمّا الثاني- أعني: جريان الاستصحاب- فلكفاية الشكّ بعد الصلاة في أنّه تطهر بعد الحدث و قبل الصلاة أو لا. فيحكم- بعد الصلاة- ببقاء الحدث السابق من لدن حدوثه إلى الحالة الّتي التفت فيها إلى كيفية وقوع العمل، و في المقام يكفي الشكّ أثناء الطواف، فيستصحب بقاء الحدث من لدن تحقّقه إلى الوقت الّذي التفت فيه إلى كيفية العمل.

و على ضوء ما ذكرنا يكون العمل محكوما بالبطلان مطلقا، قبل إتمام الشوط الرابع و بعده و يتوضّأ أو يغتسل ثمّ يعيد الطواف.

الفرع الثالث: الشك في الطهارة بعد الطواف

لو شكّ في الطهارة بعد الطواف لا يعتد به، لقاعدة الفراغ، لكن يأتي بالأعمال الباقية بالطهور، لما عرفت من أنّ الحكم بكون الطائف واجدا للشرط حكم نسبي لا مطلق، فالعمل المتجاوز عنه محكوم بالطهارة، لا العمل الّذي لم يتجاوز عنه.

و على ضوء ما ذكرنا من عدم جريان قاعدة التجاوز في الفرعين السابقين، يمكن أن يقال بعدم جريانها في هذه الصورة أيضا، لأنّ حالة الشك و حالة العمل سيّان من حيث الذكر و الالتفات، و يجري استصحاب الحدث بلا معارض بعد الالتفات.

53

[الثالث: طهارة البدن و اللباس]

الثالث: طهارة البدن و اللباس، و الأحوط الاجتناب عمّا هو المعفو عنه في الصلاة، كالدم الأقل من الدرهم، و ما لا تتم فيه الصلاة حتّى الخاتم.

و أمّا دم القروح و الجروح، فإن كان في تطهيره حرج عليه لا يجب. و الأحوط تأخير الطواف مع رجاء إمكان التطهير بلا حرج؛ بشرط أن لا يضيق الوقت. كما أنّ الأحوط تطهير اللباس أو تعويضه مع الإمكان.* (1)

____________

(1)* في طهارة البدن و الثوب في المسألة فروع:

1. شرطية طهارة البدن و اللباس في صحّة الطواف.

2. الأحوط الاجتناب عن المعفوّ عنه في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم، أو ما لا تتم فيه الصلاة كالجورب و الخاتم.

3. دم القروح و الجروح، و فيه تفصيل بين استلزام التطهير الحرج و عدمه، فلا يجب في الأوّل دون الثاني.

4. الأحوط تأخير الطواف مع رجاء إمكان التطهير بلا حرج بشرط أن لا يضيق الوقت.

5. الأحوط تطهير اللباس أو تعويضه مع الإمكان فيما إذا كان غسل البدن حرجيّا.

و إليك دراسة هذه الفروع واحدا بعد الآخر:

الأوّل: شرطية طهارة البدن و اللباس في صحّة الطواف و قد اختلفت فيه كلمات فقهاء السنّة، و اتّفقت كلمات أكثر فقهاء الشيعة‌

54

على شرطيته.

قال ابن رشد: و الشافعي يشترط طهارة ثوب الطائف كاشتراط ذلك للمصلي.

و ظاهر كلامه اختصاص القول بشرطية طهارة ثوب الطائف بالشافعي، و لكن يقول الخرقي- و هو حنبلي-: و يكون طاهرا في ثياب طاهرة، و قال ابن قدامة في شرحه: و ذلك لأنّ الطهارة من الحدث و النجاسة و الستارة شرائط لصحّة الطواف في المشهور عن أحمد، و هو قول مالك و الشافعي. (1)

و أمّا أصحابنا فقد قال الشيخ في «النهاية»: و لا يجوز للرجل أن يطوف و في ثوبه شي‌ء من النجاسة، فإن لم يعلم به و رأى في حال الطواف النجاسة رجع فغسل ثوبه، ثمّ عاد فتمم طوافه، فإن علم بعد فراغه من الطواف كان طوافه جائزا (2) (أي نافذا).

و الظاهر من العلّامة في كتابيه، عدم الخلاف لعدم ذكر القول المخالف، قال في «المنتهى»: خلوّ البدن و الثوب من النجاسات شرط أيضا في صحّة الطواف، سواء كانت النجاسة دما أو غيره، قلّت أو كثرت؛ لقوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» و لأنّها شرط في الصلاة فتكون شرطا في الطواف. (3)

و قال في «التذكرة»: يشترط خلو البدن و الثوب من النجاسة في صحّة الطواف، سواء كانت النجاسة دما أو غيره ... إلى آخر ما ذكره في «المنتهى». (4)

و مع ذلك فالمسألة ليست اتفاقية.

قال العلّامة: لا يجوز أن يطوف و في ثوبه شي‌ء من النجاسة، و به قال ابن‌

____________

(1). المغني: 3/ 390.

(2). النهاية: 240.

(3). المنتهى: 10/ 315.

(4). التذكرة: 8/ 84- 85.

55

زهرة و ابن إدريس. و قال أيضا: لا فرق بين الدم و غيره، و سواء كان الدم دون الدرهم أو أزيد.

و قال ابن الجنيد: لو طاف في ثوب إحرامه و قد أصابه دم لا يحلّ له الصلاة فيه كره له ذلك. و يجزئه إذا نزعه عند صلاته. و جعل ابن حمزة الطواف في الثوب النجس مكروها، و كذا إذا أصاب بدنه نجاسة. (1)

فالمخالف من القدماء حسب ما ذكره العلّامة شخصان ابن الجنيد و ابن حمزة. أمّا المتأخّرون فالظاهر من المدارك و الذخيرة و الكفاية عدم الاشتراط. (2)

و استدلّ على الشرطية بوجوه:

1. النبوي المعروف: «الطواف بالبيت صلاة»، أخذا بعموم المنزلة (3) و حملها على إجزاء الطواف عن صلاة التحية، أخذ ببعض التنزيل، الظاهر في عموم المنزلة مثل قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين»، أو قوله: «الرضاع لحمة كلحمة النسب» إلى غير ذلك من التنزيلات في كلام النبيّ و آله صلى اللّه عليه و آله و سلم.

2. «الطواف بالثوب النجس، يستلزم إدخال النجاسة إلى المسجد و هو حرام». و ضعفه ظاهر إذ لا دليل على حرمة إدخال النجاسة إلى المسجد إلّا كونه هتكا له، كما إذا كانت النجاسة سارية أو كانت كثيرة تعد هتكا للمسجد و أمّا إذا كان طرف ثوبه نجسا، غير سار فلا.

3. يظهر من سؤال السائل عمّا إذا رأى النجس في أثناء الطواف المعرب‌

____________

(1). المختلف: 4/ 197- 198.

(2). لاحظ المدارك: 8/ 117؛ الذخيرة: 626؛ الكفاية: 136.

(3). الجواهر: 19/ 271.

56

عن كون الشرطية أمرا مسلما بين الإمام (عليه السلام) و السائل. و السائل هو يونس بن يعقوب الثقة رواها الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب باختلاف في الألفاظ.

و طريق الصدوق إليه صحيح، إذ في طريقه الحكم بن مسكين (و هو من رجال ابن أبي عمير (1)) و الحسن بن محبوب و الحسن بن علي بن فضال و غيرهم من الأجلة، و هو كثير الرواية و مقبولها و صاحب كتب عديدة.

نعم في طريق الشيخ إليه بنان بن محمد، و محسن بن أحمد و كلاهما لم يوثّقا، و لكن ضعف الطريق لا يضر بعد انجبار الضعف لعمل المشهور بها، إلّا من شذّ. و إليك الرواية على كلا النقلين، و ليستا روايتين كما زعم صاحب الجواهر. (2)

تبعا لصاحب الوسائل. حتى أنّ صاحب المدارك عدها روايتين كما سيوافيك في المستقبل.

1. روى الصدوق عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رأيت في ثوبي شيئا من دم و أنا أطوف. قال: «فاعرف الموضع، ثمّ أخرج فاغسله، ثمّ عدّ فابن على طوافك». (3)

2. روى الشيخ عنه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم و هو في الطواف؟ قال: «ينظر الموضع الّذي رأى فيه الدم فيعرفه، ثمّ يخرج و يغسله، ثمّ يعود فيتم طوافه». (4) و نرجع إلى هذه الرواية في المسألة السادسة فانتظر.

و لا تعارضهما مرسلة البزنطي- و إن كانت في حكم الصحيحة- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: رجل في ثوبه دم ممّا لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في‌

____________

(1). الكافي: 5/ 492، الحديث 40.

(2). الجواهر: 19/ 272.

(3). الوسائل: 9، الباب 52 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 52 من أبواب الطواف، الحديث 2.

57

ثوبه؟ فقال: «أجزأه الطواف، ثمّ ينزعه و يصلّي في ثوب طاهر». (1)

وجهه: اختلاف موردها، فمورد الأوّلين هو رؤية النجاسة في أثناء الطواف، و مورد الأخيرة رؤيتها بعده. أي طاف في الثوب النجس كما استظهره الشيخ في التهذيب. و لو حملت المرسلة على الطواف في الثوب النجس عامدا، لكان معرضا عنها، و على ضوء الروايات الثلاث: رواية حبيب بن مظاهر، (2) و رواية يونس بن يعقوب، و رواية البزنطي- بناء على حمله على الجهل- تكون طهارة الثوب شرطا علميا لا شرطا واقعيا.

نعم إطلاق صحيح يونس بن يعقوب هو عدم الفرق بين الطواف الواجب و المندوب لكن يقيّد إطلاقه بما دلّ على عدم شرطية الطهارة عن الحدث في المندوب، إذ تكون شرطية الطهارة عن الخبث في البدن و الثوب أمرا بعيدا و مع ذلك فالإطلاق هو المحكّم إلّا إذا قيل بانصرافها إلى الواجب.

الفرع الثاني: الأحوط الاجتناب حتّى عمّا هو المعفو عنه في الصلاة، كالدم الأقل من درهم، أو مطلق الدم لكن فيما لا تتم الصلاة فيه كالجورب. و نقل في الجواهر القطع بعدم العفو عن ابن إدريس و العلّامة. (3)

و الدليل عليه إطلاق الرواية و عدم التفرقة بين المعفو و غيره. و لكن احتاط المصنّف، لاستبعاد كون الأمر في الطواف أشدّ من الصلاة، مع أنّ الطواف منزل منزلة الصلاة، و هي أصل و الطواف فرع. نعم مورد السؤال هو الثوب و هو يصدق على ما لا يتم فيه الصلاة مجازا، و لكن لا يصدق على الخاتم، فالاحتياط فيه- كما في المتن- غير واضح.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 52 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(3). الجواهر: 19/ 273.

58

[المسألة 4: لو علم بعد الطواف بنجاسة ثوبه أو بدنه حاله، فالأصحّ صحّة طوافه]

المسألة 4: لو علم بعد الطواف بنجاسة ثوبه أو بدنه حاله، فالأصحّ صحّة طوافه، و لو شكّ في طهارتهما قبل الطواف جاز الطواف بهما و صحّ، إلّا مع العلم بالنجاسة و الشكّ في التطهير.* (1)

____________

الفرع الثالث: دم القروح و الجروح، فإنّ حكمهما في الطواف نفس حكمهما في الصلاة، فيفرّق بين الحرج و عدمه، فتسقط الشرطية إذا كان التطهير حرجيا دون غيره، و استدلّ عليه في الجواهر بالحرج و غيره. (1)

الفرع الرابع: تأخير الطواف مع إمكان التطهير بلا حرج، و ذلك على القول بعدم جواز البدار مع رجاء ارتفاع العذر.

الفرع الخامس: الأحوط تطهير اللباس أو تعويضه مع الإمكان مطلقا، سواء كان تطهير البدن حرجيا أو لا، لاختصاص الحرج بغسل القروح و الجروح، لا الثياب.

(1)* في المسألة فرعان:

الأوّل: لو علم بالنجاسة في ثوبه أو بدنه بعد الفراغ من الطواف.

الثاني: إذا شك في الطهارة و النجاسة قبل الشروع بالطواف.

أمّا الأوّل: فيحكم بصحّة الطواف، لمرسلة البزنطي (2)، بناء على حمله على صورة الجهل أو النسيان. كما استظهره الشيخ على ما مرّ، لأنّ حملها على صورة العلم بوجود الدم، يسبّب الإعراض عن مضمونها. و يمكن استفادة الصحة أيضا من صحيح يونس بن يعقوب 3 الماضي ذكره حيث دلّ على صحّة ما أتى من‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 273.

(2) (2 و 3). الوسائل: 9، الباب 52 من أبواب الطواف، الحديث 3 و 1.