منهاج الصالحين - ج1

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
447 /
3

الجزء الأول

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و السلام على محمّد و أهل بيته الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين ...

و بعد، تعتبر الرسالة العملية المسمّاة ب‍ «منهاج الصالحين» التي هي فتاوى آية اللّه العظمى السيد الحكيم «طاب ثراه» ذات النفع العامّ بما تحويه من كثرة المسائل المبتلى بها و وضوح العبارة و حسن التبويب، و قد أدرج سيدنا الاستاذ آية اللّه العظمى السيد الخوئي «طاب ثراه» فتاواه فيها، فرأينا أن ندرج فتاوانا فيها حفظا لمقام العلمين الشامخ، و أن نؤدّي بعض ما لهما علينا من الحقّ.

راجين من اللّه أن يجعلها لنا ذخرا في الآخرة يوم لا ينفع مال و لا بنون، و أن ينتفع بها أهل العلم و سائر المؤمنين، إنّه خير مجيب.

و العمل بها مجزئ و مبرئ للذمة إن شاء اللّه تعالى‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

التقليد

(مسألة 1): يجب على كلّ مكلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد، أن يكون في جميع عباداته، و معاملاته، و سائر أفعاله، و تروكه: مقلدا، أو محتاطا، إلا أن يحصل له العلم بالحكم، لضرورة أو غيرها، كما في بعض الواجبات، و كثير من المستحبات و المباحات.

(مسألة 2): عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل. لا يجوز له الاجتزاء به، إلا أن يعلم- و لو بعد العمل- بمطابقته للواقع، أو لفتوى من يجب عليه تقليده فعلا.

(مسألة 3): الاقوى جواز ترك التقليد، و العمل بالاحتياط، سواء اقتضى التكرار، كما إذا ترددت الصلاة بين القصر و التمام، أو لا، كما إذا احتمل وجوب الإقامة في الصلاة، لكن معرفة موارد الاحتياط متعذرة غالبا، أو متعسرة على العوام.

[معنى التقليد]

(مسألة 4): التقليد هو الاعتماد على فتوى المجتهد سواء كان الاعتماد حين العمل أم بعده.

6

(مسألة 5): يصحّ التقليد من الصبي المميز، فإذا مات المجتهد الذي قلده الصبي قبل بلوغه، جاز له البقاء على تقليده، و لا يجوز له أن يعدل عنه إلى غيره، إلا إذا كان الثاني أعلم أو محتمل الأعلمية بخصوصه دون من قلّده.

(مسألة 6): يشترط في مرجع التقليد البلوغ، و العقل، و الإيمان، و الذكورة، و الاجتهاد، و العدالة، و أن لا يكون معروفا عند الناس بفسق سابق بحيث يعدّ الرجوع إليه في الأحكام و هنا للمذهب، و طهارة المولد و أن لا يقلّ ضبطه عن المتعارف، و الحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء.

(مسألة 7): إذا قلّد مجتهدا فمات، فإن كان أعلم من الحي وجب البقاء على تقليده في المسائل التي تعلّمها حال حياته و إن لم يتذكّرها فعلا سواء عمل بها أو لا، و إن كان الحي أعلم أو كان بخصوصه محتمل الأعلمية وجب العدول إليه مع العلم بالمخالفة بينهما و لو إجمالا و إن تساويا في العلم أو احتمل الأعلمية في كل منهما فلا يبعد جواز البقاء في خصوص المسائل التي تعلّمها حال حياته و لو نسيها فعلا، و أمّا في غيرها فيجب أن يرجع فيه إلى الحي و إذا شكّ في التعلم حال الحياة فيجب عليه الرجوع إلى الحي أيضا.

(مسألة 8): إذا اختلف المجتهدون في الفتوى، وجب الرجوع إلى الأعلم، أو محتمل الأعلمية بخصوصه، و مع التساوي أو احتمال الأعلمية في كل منهم لا يبعد جواز الأخذ بفتوى أيّ منهم إلّا إذا كان آخذا بفتوى أحدهم فإنّه يعمل بفتواه و لا عبرة بكون أحدهم أعدل.

(مسألة 9): إذا علم أن أحد الشخصين أعلم من الآخر، فإن لم يعلم الاختلاف في الفتوى بينهما تخيّر بينهما، و إن علم الاختلاف وجب الفحص عن الأعلم، و يحتاط- وجوبا- في مدة الفحص، فإن عجز عن‌

7

معرفة الأعلم فلا يبعد جواز الأخذ بفتوى أيّ منهما ابتداء، هذا إذا علم أن أحدهما غير المعيّن أعلم، و أمّا إذا احتمل الأعلمية في شخص بخصوصه بأن علم أنّهما إمّا متساويان في العلم أو أحدهما المعيّن أعلم فيتعين حينئذ تقليده.

(مسألة 10): إذا قلّد من ليس أهلا للفتوى وجب العدول عنه إلى من هو أهل لها، و كذا إذا قلّد غير الأعلم وجب العدول عنه إلى الأعلم، أو محتمل الأعلمية بخصوصه مع العلم بالمخالفة بينهما، و كذا لو قلّد الأعلم ثمّ صار غيره أعلم.

(مسألة 11): إذا قلد مجتهدا، ثمّ شك في أنه كان جامعا للشرائط أم لا، وجب عليه الفحص، فإن تبين له أنه جامع للشرائط بقي على تقليده، و إن تبين أنه فاقد لها، أو لم يتبين له شي‌ء عدل إلى غيره، و أمّا أعماله السابقة فإن كان قد قلّده عن حجة شرعية فلا يجب عليه تداركها في العبادات و في العقود و الإيقاعات على الأظهر سواء عرف كيفيتها لا، و إن لم يكن تقليده له عن حجة شرعية فإن عرف كيفيتها رجع في الاجتزاء بها إلى المجتهد الجامع للشرائع و إن لم يعرف كيفيتها وجب تداركها، نعم إذا كان الشك في خارج الوقت لم يجب القضاء.

(مسألة 12): إذا بقي على تقليد الميت- غفلة أو مسامحة- من دون أن يقلد الحي في ذلك كان كمن عمل من غير تقليد، و عليه الرجوع إلى الحي في ذلك.

(مسألة 13): إذا قلد من لم يكن جامعا للشرائط من غير حجة شرعية، و التفت إليه- بعد مدة- كان كمن عمل من غير تقليد.

(مسألة 14): لا يجوز العدول من الحي إلى الميت الذي قلده أوّلا كما لا يجوز العدول من الحي إلى الحي، إلا إذا صار الثاني أعلم.

8

(مسألة 15): إذا تردد المجتهد في الفتوى، أو عدل من الفتوى إلى التردد، تخير المقلد بين الرجوع إلى غيره و الاحتياط إن أمكن.

(مسألة 16): إذا قلد مجتهدا يجوّز البقاء على تقليد الميت، فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع فيها إلى الأعلم أو محتمل الأعلمية بخصوصه من الأحياء، و إذا قلد مجتهدا فمات فقلد الحي القائل بجواز العدول إلى الحي، أو بوجوبه، فعدل إليه، ثمّ مات فقلد من يقول بوجوب البقاء، وجب عليه البقاء على تقليد الأول في المسائل التي تعلّمها حال حياته- أي المجتهد الأول- و إن لم يتذكرها الآن على ما مرّ في (المسألة 7).

(مسألة 17): إذا قلّد مجتهدا بتقليد صحيح، ثمّ مات ذلك المجتهد فعدل إلى المجتهد الحي لم يجب عليه تدارك الأعمال السابقة في العبادات و المعاملات من العقود و الإيقاعات إذا كانت على خلاف فتوى الحي و لو كان الخلل فيها على رأيه موجبا لبطلان العمل، فإذا قلّد من يكتفي في التيمّم بضربة واحدة ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدد لا يجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها هكذا و كذا لو أوقع عقدا أو إيقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحّة ثمّ مات و قلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة، نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني و أمّا إذا قلّد من يفتي بجواز الذبح بغير الحديد مثلا فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد و قلد من يقول بحرمته فإن باعه أو أكله حكم بصحّة البيع و إباحة الأكل، و أمّا إذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلا يجوز بيعه و لا أكله و هكذا.

(مسألة 18): يجب تعلم أجزاء العبادات الواجبة و شرائطها، و يكفي أن يعلم- إجمالا- أن عباداته جامعة لما يعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط و لا يلزم العلم- تفصيلا- بذلك، و إذا عرضت له في أثناء العبادة‌

9

مسألة لا يعرف حكمها جاز له العمل على بعض الاحتمالات، ثمّ يسأل عنها بعد الفراغ، فإن تبينت له الصحة اجتزأ بالعمل، و إن تبين البطلان أعاده.

(مسألة 19): يجب تعلم مسائل الشك و السهو، التي هي في معرض الابتلاء، لئلا يقع في مخالفة الواقع. و كذا غيرها من المسائل التي تكون في معرض الابتلاء و لا يحرز تمكنه من التعلم أو الاحتياط حال العمل.

[ما تثبت به العدالة]

(مسألة 20): تثبت عدالة المرجع في التقليد بأمور:

الأول: العلم الحاصل بالاختبار أو بغيره.

الثاني: شهادة عادلين بها، و لا يبعد ثبوتها بشهادة العدل الواحد بل بشهادة مطلق الثقة أيضا.

الثالث: حسن الظاهر، و المراد به حسن المعاشرة و السلوك الديني بحيث لو سئل غيره عن حاله لقال لم نر منه إلا خيرا.

و يثبت اجتهاده- و أعلميته أيضا- بالعلم، و بالشياع المفيد للاطمئنان و بالبينة، و بخبر الثقة إذا لم يكن لهما معارض، و يعتبر في البينة و في خبر الثقة- هنا- أن يكون المخبر من أهل الخبرة، و في فرض التعارض يعتبر قول من هو أقوى خبرة.

(مسألة 21): من ليس أهلا للمرجعية في التقليد يحرم عليه الفتوى بقصد عمل غيره بها، كما أن من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء و لا يجوز الترافع إليه و لا الشهادة عنده، و المال المأخوذ بحكمه حرام و إن كان الآخذ محقّا، إلا إذا انحصر استنقاذ الحق المعلوم بالترافع إليه، نعم حرمة المال المأخوذ بحكمه لا تخلو من إشكال إذا كان الحق شخصيا أو كان كليا و لكنه أخذه بإعطاء المحكوم عليه لا الحاكم.

10

(مسألة 22): الظاهر أن المتجزي في الاجتهاد يجوز له العمل بفتوى نفسه، بل إذا عرف مقدارا معتدا به من الأحكام جاز لغيره العمل بفتواه إلا مع العلم بمخالفة فتواه لفتوى الأفضل، و ينفذ قضاؤه و لو مع وجود الأعلم.

(مسألة 23): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، جاز البقاء على تقليده إلى أن يتبين الحال.

(مسألة 24): الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليد موكله، لا تقليد نفسه، و كذلك الحكم في الوصي إلّا فيما كان الموصى به- لو لا الوصية- يخرج من الأصل فإنّ الأحوط على الوصي فيه رعاية تقليد الورثة أيضا كي يصح العمل ليجوز لهم التصرّف في التركة بعد العمل بالوصية.

(مسألة 25): المأذون، و الوكيل، عن المجتهد في التصرف في الأوقاف أو في أموال القاصرين ينعزل بموت المجتهد، و أمّا المنصوب من قبله وليّا أو قيما فإنّه لا ينعزل بموته على الأظهر.

(مسألة 26): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه حتى لمجتهد آخر، إلّا إذا علم مخالفته للواقع، أو كان صادرا عن تقصير في مقدماته.

(مسألة 27): إذا نقل ناقل ما يخالف فتوى المجتهد، وجب عليه إعلام من سمع منه ذلك إلّا أن تكون الفتوى السابقة مطابقة للاحتياط، و لكنّه إذا تبدل رأي المجتهد، لم يجب عليه إعلام مقلّديه فيما إذا كانت فتواه السابقة مطابقة لموازين الاجتهاد.

(مسألة 28): إذا تعارض الناقلان في الفتوى، فمع اختلاف التاريخ و احتمال عدول المجتهد عن رأيه الأول يعمل بمتأخر التأريخ، و في‌

11

غير ذلك عمل بالاحتياط- على الأحوط وجوبا- حتى يتبين الحكم.

[تعريف العدالة]

(مسألة 29): العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة على جادة الشريعة المقدسة، و عدم الانحراف عنها يمينا و شمالا، بأن لا يرتكب معصية بترك واجب، أو فعل حرام، من دون عذر شرعي، و لا فرق في المعاصي من هذه الجهة، بين الصغيرة و الكبيرة، و في عدد الكبائر خلاف.

[تعداد بعض الكبائر]

و قد عدّ من الكبائر الشرك باللّه تعالى، و اليأس من روح اللّه تعالى، و الأمن من مكر اللّه، و عقوق الوالدين- و هو الإساءة إليهما-، و قتل النفس المحترمة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم ظلما، و الفرار من الزحف، و أكل الربا، و الزنا، و اللواط، و السحر، و اليمين الغموس الفاجرة- و هي الحلف باللّه تعالى كذبا على وقوع أمر، أو على حق امرئ أو منع حقه خاصة- كما قد يظهر من بعض النصوص- و منع الزكاة المفروضة، و شهادة الزور، و كتمان الشهادة، و شرب الخمر، و منها ترك الصلاة أو غيرها مما فرضه اللّه متعمدا، و نقض العهد، و قطيعة الرحم- بمعنى ترك الإحسان إليه من كل وجه في مقام يتعارف فيه ذلك- و التعرب بعد الهجرة إلى البلاد التي ينقص بها الدين، و السرقة، و إنكار ما أنزل اللّه تعالى، و الكذب على اللّه، أو على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، أو على الأوصياء (عليهم السلام)، بل مطلق الكذب، و أكل الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و ما أهلّ به لغير اللّه، و القمار، و أكل السحت كثمن الميتة و الخمر، و المسكر، و أجر الزانية، و ثمن الكلب الذي لا يصطاد، و الرشوة على الحكم و لو بالحق، و أجر الكاهن، و ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، و ثمن الجارية المغنية، و ثمن الشطرنج، فإن جميع ذلك من السحت.

و من الكبائر: البخس في المكيال و الميزان، و معونة الظالمين، و الركون‌

12

إليهم، و الولاية لهم، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكبر، و الإسراف و التبذير، و الاستخفاف بالحج، و المحاربة لأولياء اللّه تعالى، و الاشتغال بالملاهي كالغناء، و المحرز حرمته ما يكون لهويا في كيفيته و مضمونه، و أمّا إذا كان الصوت مشتملا على الترجيع على ما يتعارف عند أهل الفسوق و لم يكن مضمونه باطلا أو لهويا فالأحوط الاجتناب عنه، و ضرب الأوتار و نحوها مما يتعاطاه أهل الفسوق، و الإصرار على الذنوب الصغائر.

و الغيبة، و هي: أن يذكر المؤمن بعيب في غيبته، سواء أ كان بقصد الانتقاص، أم لم يكن، و سواء أ كان العيب في بدنه، أم في نسبه، أم في خلقه، أم في فعله، أم في قوله، أم في دينه، أم في دنياه، أم في غير ذلك مما يكون عيبا مستورا عن الناس، كما لا فرق في الذكر بين أن يكون بالقول، أم بالفعل الحاكي عن وجود العيب، و الظاهر اختصاصها بصورة وجود سامع يقصد إفهامه و إعلامه، كما أن الظاهر أنه لا بد من تعيين المغتاب، فلو قال: واحد من أهل البلد جبان لا يكون غيبة، و كذا لو قال:

أحد أولاد زيد جبان، نعم قد يحرم ذلك من جهة لزوم الإهانة و الانتقاص، لا من جهة الغيبة، و يجب عند وقوع الغيبة التوبة و الندم و الأحوط- استحبابا- الاستحلال من الشخص المغتاب- إذا لم تترتّب على ذلك مفسدة- أو الاستغفار له.

[موارد جواز الغيبة]

و قد تجوز الغيبة في موارد، منها: المتجاهر بالفسق، و يقتصر في اغتيابه على العيب غير المتستر به على الأحوط و منها: الظالم لغيره، فيجوز للمظلوم غيبته مطلقا، و منها: نصح المؤمن، فتجوز الغيبة بقصد النصح، كما لو استشاره شخص في تزويج امرأة فيجوز نصحه، و لو استلزم إظهار عيبها بل لا يبعد جواز ذلك ابتداء بدون استشارة، إذا علم بترتب مفسدة عظيمة على ترك النصيحة، و يدخل في ذلك قدح أصحاب الرجال في بعض الرواة، و منها: ما لو قصد بالغيبة ردع المغتاب عن المنكر، فيما إذا لم‌

13

يمكن الردع بغيرها، و منها: ما لو خيف على الدين من الشخص المغتاب، فتجوز غيبته، لئلا يترتب الضرر الديني، و منها: جرح الشهود، و منها: ما لو خيف على المغتاب الوقوع في الضرر اللازم حفظه عن الوقوع فيه، فتجوز غيبته لدفع ذلك عنه، و منها: القدح في المقالات الباطلة، و إن أدى ذلك إلى نقص في قائلها، و قد صدر من جماعة كثيرة من العلماء القدح في القائل بقلة التدبر، و التأمل، و سوء الفهم و نحو ذلك، و كأن صدور ذلك منهم لئلا يحصل التهاون في تحقيق الحقائق عصمنا اللّه تعالى من الزلل، و وفقنا للعلم و العمل، إنّه حسبنا و نعم الوكيل.

و قد يظهر من الروايات عن النبي و الأئمة عليهم أفضل الصلاة و السلام: أنه يجب على سامع الغيبة أن ينصر المغتاب، و يرد عنه، و أنه إذا لم يرد خذله اللّه تعالى في الدنيا و الآخرة، و كان عليه كوزر من اغتاب.

و من الكبائر: البهتان على المؤمن- و هو ذكره بما يعيبه و ليس هو فيه- و منها: سب المؤمن و إهانته و إذلاله، و منها: النميمة بين المؤمنين بما يوجب الفرقة بينهم، و منها: القيادة و هي السعي بين اثنين لجمعهما على الوطء المحرم، و منها: الغش للمسلمين، و منها: استحقار الذنب فإن أشدّ الذنوب ما استهان به صاحبه، و منها: الرياء و غير ذلك مما يضيق الوقت عن بيانه.

(مسألة 30): ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، و تعود بالتوبة و الندم، و قد مرّ أنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة و الكبيرة.

(مسألة 31): الاحتياط المذكور في مسائل هذه الرسالة- إن كان مسبوقا بالفتوى أو ملحوقا بها- فهو استحبابي يجوز تركه، و إلا تخيّر العامي بين العمل بالاحتياط و الرجوع إلى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم و كذلك موارد الإشكال و التأمّل، فإذا قلنا: يجوز على إشكال أو على تأمل فالاحتياط في مثله استحبابي، و إن قلنا: يجب على إشكال، أو على تأمل فإنه فتوى بالوجوب، و إن قلنا المشهور: كذا، أو قيل كذا، و فيه تأمل، أو‌

14

فيه إشكال، فاللازم العمل بالاحتياط، أو الرجوع إلى مجتهد آخر. و إذا قلنا: «الأحوط لو لم يكن أقوى أو أظهر» فهو يحسب فتوى.

(مسألة 32): إن كثيرا من المستحبات المذكورة في أبواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في أدلّة السنن، و لما لم تثبت عندنا فيتعين الإتيان بها برجاء المطلوبية، و كذا الحال في المكروهات فتترك برجاء المطلوبية، و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب.

15

كتاب الطهارة

و فيه مباحث‌

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

المبحث الأول أقسام المياه و أحكامها

و فيه فصول:

الفصل الأول: [تعريف المطلق و المضاف]

ينقسم ما يستعمل فيه لفظ الماء إلى قسمين:

الأول: ماء مطلق، و هو ما يصحّ إطلاق الماء عليه بلا عناية، كالماء الذي يكون في البحر، أو النهر، أو البئر، أو غير ذلك، فإنه يصح أن يقال له ماء، و إضافته إلى البحر مثلا للتعيين، لا لتصحيح الاطلاق.

الثاني: ماء مضاف، و هو ما لا يصح إطلاق الماء عليه بلا عناية، كماء الرمان، و ماء الورد، فإنه لا يقال له ماء إلّا مجازا و لذا يصح سلب الماء عنه.

الفصل الثاني

[الماء الذي له مادة]

الماء المطلق إما لا مادة له، أو له مادة.

و الأول: إما قليل لا يبلغ مقداره الكر، أو كثير يبلغ مقداره الكر و القليل ينفعل بملاقاة النجس، أو المتنجس على الأقوى، إلا إذا كان متدافعا بقوة، فالنجاسة تختص حينئذ بموضع الملاقاة، و لا تسري إلى غيره، سواء‌

18

أ كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل- كالماء المنصبّ من الميزاب إلى الموضع النجس، فإنه لا تسري النجاسة إلى أجزاء العمود المنصب فضلا عن المقدار الجاري على السطح- أم كان متدافعا من الأسفل إلى الأعلى- كالماء الخارج من الفوارة الملاقي للسقف النجس، فإنه لا تسري النجاسة إلى العمود، و لا إلى ما في داخل الفوارة، و كذا إذا كان متدافعا من أحد الجانبين إلى الآخر.

و أمّا الكثير الذي يبلغ الكر، فلا ينفعل بملاقاة النجس، فضلا عن المتنجس، إلا إذا تغير بلون النجاسة، أو طعمها، أو ريحها تغيرا فعليا.

(مسألة 33): قيل: إذا كانت النجاسة لا وصف لها أو كان وصفها يوافق وصف الماء، لم ينجس الماء بوقوعها فيه، و إن كان بمقدار بحيث لو كان على خلاف وصف الماء لغيره و لكنه في الفرض الثاني مشكل بل ممنوع و كذا في مرض الأول إذا لم يصدق عليه الماء مطلقا.

(مسألة 34): إذا تغيّر الماء بغير اللون، و الطعم، و الريح، بل بالثقل أو الثخانة، أو نحوهما لم ينجس أيضا.

(مسألة 35): إذا تغير لونه أو طعمه، أو ريحه بالمجاورة للنجاسة لم ينجس أيضا.

(مسألة 36): إذا تغير الماء بوقوع المتنجس لم ينجس، إلا أن يتغير بوصف النجاسة التي تكون للمتنجس، كالماء المتغير بالدم يقع في الكر فيغيّر لونه، و يكون أصفر فإنه ينجس.

(مسألة 37): يكفي في حصول النجاسة التغير بوصف النجس في الجملة، و لو لم يكن متحدا معه، فإذا اصفر الماء بملاقاة الدم تنجس.

و الثاني: و هو ما له مادة لا ينجس بملاقاة النجاسة، إلا إذا تغير على النهج السابق فيما لا مادة له، من دون فرق بين ماء الأنهار، و ماء البئر، و ماء العيون، و غيرها مما كان له مادّة، و لا بدّ في المادة الجعلية من أن تبلغ‌

19

الكرّ، و لو بضميمة ما له المادة إليها، فإذا بلغ ما في الحياض في الحمام مع مادته كرا لم ينجس بالملاقاة على الأظهر، و أمّا إذا كانت المادة أصلية باطنية فلا يعتبر في اعتصام الماء إلّا كونه متصلا بالمادة النابعة أو الراشحة و أمّا الأصليّة الظاهرية كالماء الحاصل من ذوبان الثلوج فيعتبر في عدم الانفعال كون الماء بنفسه كرّا.

(مسألة 38): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة، فلو كانت المادة من فوق تترشح و تتقاطر، فإن كان دون الكر ينجس، نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس.

(مسألة 39): الراكد المتصل بالجاري كالجاري في عدم انفعاله بملاقاة النجس و المتنجس، فالحوض المتصل بالنهر بساقية لا ينجس بالملاقاة، و كذا أطراف النهر، و إن كان ماؤها راكدا.

(مسألة 40): إذا تغيّر بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة، و إن كان قليلا، و الطرف الآخر حكمه حكم الراكد إن تغير تمام قطر ذلك البعض، و إلّا فالمتنجس هو المقدار المتغيّر فقط لاتصال ما عداه بالمادة.

(مسألة 41): إذا شك في أن للجاري مادة أم لا- و كان قليلا- ينجس بالملاقاة.

[حكم ماء المطر]

(مسألة 42): ماء المطر بحكم ذي المادة لا ينجس بملاقاة النجاسة في حال نزوله. أما لو وقع على شي‌ء كورق الشجر، أو ظهر الخيمة أو نحوهما، ثمّ وقع على النجس تنجس.

(مسألة 43): إذا اجتمع ماء المطر في مكان- و كان قليلا- فإن كان يتقاطر عليه المطر فهو معتصم كالكثير، و إن انقطع عنه التقاطر كان بحكم القليل.

20

(مسألة 44): الماء النجس إذا وقع عليه ماء المطر- بمقدار معتد به لا مثل القطرة، أو القطرات- طهر، و كذا ظرفه، كالإناء و الكوز و نحوهما.

(مسألة 45): يعتبر في جريان حكم ماء المطر أن يصدق عرفا أنّ النازل من السماء ماء مطر، و إن كان الواقع على المتنجس قطرات منه فيطهر موضع وقوع القطرات عليه و أمّا إذا كان مجموع ما نزل من السماء قطرات قليلة، فلا يجري عليه الحكم.

(مسألة 46): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر الجميع، و لا يحتاج إلى العصر أو التعدد، و إذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه دون غيره، هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، و إلّا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها.

(مسألة 47): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها، بشرط أن يكون من السماء و لو بإعانة الريح، و أمّا لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر- كما إذا ترشّح بعد الوقوع على مكان، فوصل مكانا نجسا- لا يطهر، نعم لو جرى على وجه الأرض فوصل إلى مكان مسقّف طهر.

(مسألة 48): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شي‌ء آخر لم ينجس، ما دام متصلا بماء السماء بتوالي تقاطره عليه. هذا إذا لم يكن في المترشح منه عين النجاسة و لم يكن متغيّرا.

[مقدار الكر]

(مسألة 49): مقدار الكر و زنا بحقة الاسلامبول التي هي مائتان و ثمانون مثقالا صيرفيا (مائتان و اثنتان و تسعون حقة و نصف حقة) و بحسب وزنة النجف التي هي ثمانون حقة اسلامبول (ثلاث و زنات و نصف و ثلاث حقق و ثلاث أوقية) و بالكيلو (ثلاثمائة و سبعة و سبعون كيلوا) تقريبا. هذا على ما قالوا و لكن الأحوط وجوبا مراعاة مقدار المساحة و هو ما بلغ مكسّره‌

21

سبعة و عشرين شبرا على الأظهر.

(مسألة 50): لا فرق في اعتصام الكر بين تساوي سطوحه و اختلافها و لا بين وقوف الماء و ركوده و جريانه، نعم إذا كان الماء متدافعا لا تكفي كرية المجموع، و لا كرية المتدافع إليه في اعتصام المتدافع منه، نعم تكفي كرية المتدافع منه بل و كرية المجموع في اعتصام المتدافع إليه و عدم تنجسه بملاقاة النجس.

(مسألة 51): لا فرق بين ماء الحمام و غيره في الأحكام، فما في الحياض الصغيرة- إذا كان متصلا بالمادة، و كانت وحدها، أو بضميمة ما في الحياض إليها كرا- اعتصم على ما مرّ، و أمّا إذا لم يكن متصلا بالمادة، أو لم تكن المادة- و لو بضميمة ما في الحياض إليها كرا- لم يعتصم.

(مسألة 52): الماء الموجود في الانابيب المتعارفة في زماننا بمنزلة المادة، فإذا كان الماء الموضوع في إجانة و نحوها من الظروف نجسا و جرى عليه ماء الانبوب طهر، بل يكون ذلك الماء أيضا معتصما، ما دام ماء الانبوب جاريا عليه، و يجري عليه حكم ماء الكر في التطهير به، و هكذا الحال في كلّ ماء نجس، فإنّه إذا اتصل بالمادة طهر، إذا كانت المادة كرا.

الفصل الثالث

حكم الماء القليل:

الماء القليل المستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر و مطهر من الحدث و الخبث، و المستعمل في رفع الحدث الأكبر طاهر و مطهر من الخبث و الأحوط- استحبابا- عدم استعماله في رفع الحدث، إذا تمكن من ماء آخر و إلا جمع بين الغسل أو الوضوء به و التيمم، و المستعمل في رفع الخبث نجس، عدا ما يتعقب استعماله طهارة المحل فإنه طاهر و لكن لا يجوز‌

22

استعماله في الوضوء و الغسل و لو كان غير رافعين للحدث، وعدا ماء الاستنجاء و سيأتي حكمه.

الفصل الرابع

[إذا علم بنجاسة أحد الإناءين]

إذا علم- إجمالا- بنجاسة أحد الإناءين و طهارة الآخر لم يجز رفع الخبث بأحدهما و لا رفع الحدث، و لكن لا يحكم بنجاسة الملاقي لأحدهما، إلا إذا كانت الحالة السابقة فيهما النجاسة، و إذا اشتبه المطلق بالمضاف جاز رفع الخبث بالغسل بأحدهما، ثمّ الغسل بالآخر، و كذلك رفع الحدث، و إذا اشتبه المباح بالمغصوب، حرم التصرف بكل منهما و لكن لو غسل نجس بأحدهما طهر، و لا يرفع بأحدهما الحدث، و إذا كانت أطراف الشبهة غير محصورة جاز الاستعمال مطلقا، و ضابط غير المحصورة أن تبلغ كثرة الأطراف حدا يوجب خروج بعضها عن مورد التكليف، و لو شك في كون الشبهة محصورة، أو غير محصورة فالأحوط- استحبابا- إجراء حكم المحصورة.

الفصل الخامس

الماء المضاف:

الماء المضاف كماء الورد و نحوه، و كذا سائر المائعات ينجس القليل و الكثير منها بمجرد الملاقاة للنجاسة، إلا إذا كان متدافعا على النجاسة بقوة كالجاري من العالي، و الخارج من الفوارة، فتختص النجاسة- حينئذ- بالجزء الملاقي للنجاسة، و لا تسري إلى العمود، و إذا تنجس المضاف لا يطهر أصلا، و إن اتصل بالماء المعتصم، كماء المطر أو الكر، نعم إذا استهلك‌

23

في الماء المعتصم كالكر فقد ذهبت عينه، و مثل المضاف في الحكم المذكور سائر المائعات.

(مسألة 53): الماء المضاف لا يرفع الخبث و لا الحدث.

(مسألة 54): الاسآر- كلّها- طاهرة إلا سؤر الكلب، و الخنزير و الكافر غير الكتابي، بل الكتابي أيضا على الأحوط استحبابا، نعم يكره سؤر غير مأكول اللحم عدا الهرة، و أمّا المؤمن فإنّ سؤره شفاء بل في بعض الروايات أنّه شفاء من سبعين داء.

المبحث الثاني أحكام الخلوة و فيه فصول

الفصل الأول

أحكام التخلي:

يجب حال التخلي بل في سائر الأحوال ستر بشرة العورة- و هي القبل و الدبر و البيضتان- عن كل ناظر مميز عدا الزوج و الزوجة، و شبههما كالمالك و مملوكته، و الأمة المحللة بالنسبة إلى المحلل له، فإنه يجوز لكل من هؤلاء أن ينظر إلى عورة الآخر، نعم إذا كانت الأمة مشتركة أو مزوجة أو محللة، أو معتدّة لم يجز لمولاها النظر إلى عورتها و في حكم العورة ما بين السرة و الركبة على الأحوط و كذا لا يجوز لها النظر إلى عورته، و يحرم على المتخلي استقبال القبلة و استدبارها حال التخلي، و يجوز حال الاستبراء و الاستنجاء، و إن كان الأحوط استحبابا الترك، و لو اضطر إلى أحدهما‌

24

فالأقوى التخيير، و الأولى اجتناب الاستقبال.

(مسألة 55): لو اشتبهت القبلة لم يجز له التخلي، إلا بعد اليأس عن معرفتها، و عدم إمكان الانتظار، أو كان الانتظار حرجيا أو ضرريا.

(مسألة 56): لا يجوز النظر إلى عورة غيره من وراء الزجاجة و نحوها، و لا في المرآة، و لا في الماء الصافي.

(مسألة 57): لا يجوز التخلي في ملك غيره إلا بإذنه و لو بالفحوى.

(مسألة 58): لا يجوز التخلي في المدارس و نحوها ما لم يعلم بعموم الوقف، و لو أخبر المتولي، أو بعض أهل المدرسة به أو جرت العادة و سيرة المتدينين بذلك بحيث يطمئن بعموم الوقف كفى، و كذا الحال في سائر التصرفات فيها.

الفصل الثاني

كيفية غسل موضع البول:

يجب غسل موضع البول بالماء القليل مرتين على الأحوط وجوبا، و في الغسل بغير القليل يجزئ مرة واحدة على الأظهر، و لا يجزئ غير الماء. و أما موضع الغائط فإن تعدى المخرج تعيّن غسله بالماء كغيره من المتنجسات، و إن لم يتعد المخرج تخير بين غسله بالماء حتى ينقى و مسحه بالأحجار، أو الخرق، أو نحوهما من الأجسام القالعة للنجاسة، و الماء أفضل، و الجمع أكمل.

(مسألة 59): الأحوط- وجوبا- اعتبار المسح بثلاثة أحجار، و أما غير الأحجار فلا يبعد عدم اعتبار العدد إذا حصل النقاء بالأقل، كما في‌

25

إزالة العين بالخرقة.

(مسألة 60): يجب أن تكون الأحجار أو نحوها طاهرة.

(مسألة 61): يحرم الاستنجاء بالأجسام المحترمة، و أما العظم و الروث، فلا يحرم الاستنجاء بهما، و لكن لا يطهر المحل به على الأحوط.

(مسألة 62): يجب في الغسل بالماء إزالة العين و الأثر، و لا تجب إزالة اللون و الرائحة، و يجزئ في المسح إزالة العين، و لا تجب إزالة الأثر الذي لا يزول بالمسح بالأحجار عادة.

(مسألة 63): إذا خرج قبل الغائط أو بعده، نجاسة أخرى مثل الدم، و لاقت المحل لا يجزئ في تطهيره إلا الماء، و كذا إذا كان الخروج مع الغائط على الأحوط.

الفصل الثالث

مستحبات التخلي:

يستحب للمتخلي- على ما ذكره العلماء (رضوان اللّه تعالى عليهم)- أن يكون بحيث لا يراه الناظر و لو بالابتعاد عنه كما يستحب له تغطية الرأس و التقنع و هو يجزئ عنها، و التسمية عند التكشف، و الدعاء بالمأثور و تقديم الرجل اليسرى عند الدخول، و اليمنى عند الخروج، و الاستبراء، و أن يتكئ- حال الجلوس- على رجله اليسرى، و يفرج اليمنى، و يكره الجلوس في الشوارع، و المشارع، و مساقط الثمار، و مواضع اللعن: كأبواب الدور و نحوها من المواضع التي يكون المتخلي فيها عرضة للعن الناس و المواضع المعدّة لنزول القوافل، و استقبال قرص الشمس، أو القمر بفرجه، و استقبال الريح بالبول، و البول في الأرض الصلبة، و في ثقوب الحيوان، و في الماء‌

26

خصوصا الراكد، و الأكل و الشرب حال الجلوس للتخلي و الكلام بغير ذكر اللّه، إلى غير ذلك مما ذكره العلماء (رضوان اللّه تعالى عليهم).

(مسألة 64): ماء الاستنجاء طاهر على الأقوى، و إن كان من البول فلا يجب الاجتناب عنه و لا عن ملاقيه، إذا لم يتغير بالنجاسة، و لم تتجاوز نجاسة الموضع عن المحل المعتاد، و لم تصحبه أجزاء النجاسة متميزة على الأحوط، و لم تصحبه نجاسة من الخارج أو من الداخل، فإذا اجتمعت هذه الشروط كان طاهرا، و لكن لا يجوز الوضوء به على الأظهر.

الفصل الرابع

كيفية الاستبراء:

الأحوط في كيفية الاستبراء من البول، أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، ثمّ منه إلى رأس الحشفة ثلاثا، ثمّ ينترها ثلاثا و فائدته طهارة البلل الخارج بعده إذا احتمل أنه بول، و لا يجب الوضوء منه، و لو خرج البلل المشتبه بالبول قبل الاستبراء و إن كان تركه لعدم التمكن منه، أو كان المشتبه مرددا بين البول و المني بنى على كونه بولا، فيجب التطهير منه و الوضوء، و يلحق بالاستبراء- في الفائدة المذكورة- طول المدة على وجه يقطع بعدم بقاء شي‌ء في المجرى، و لا استبراء للنساء، و البلل المشتبه الخارج منهن طاهر لا يجب له الوضوء، نعم الأولى للمرأة أن تصبر قليلا و تتنحنح و تعصر فرجها عرضا ثمّ تغسله.

(مسألة 65): فائدة الاستبراء تترتب عليه و لو كان بفعل غيره.

(مسألة 66): إذا شك في الاستبراء أو الاستنجاء بنى على عدمه و إن كان من عادته فعله، و إذا شك من لم يستبرى‌ء في خروج رطوبة بنى على عدمها، و إن كان ظانا بالخروج.

27

(مسألة 67): إذا علم أنّه استبرأ أو استنجى و شك في كونه على الوجه الصحيح بنى على الصحة.

(مسألة 68): لو علم بخروج رطوبة و شكّ في أنها بتمامها مذي أو مركبة منه و من البول فمع الاستبراء من البول يحكم بالطهارة و إن كان لم يستبرئ يحكم عليها بالنجاسة و الناقضية على الأحوط.

المبحث الثالث الوضوء و فيه فصول

الفصل الأول

كيفية الوضوء و أحكامه:

في أجزائه و هي: غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين فهنا أمور:

الأول: يجب غسل الوجه ما بين قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولا، و ما اشتملت عليه الاصبع الوسطى و الابهام عرضا، و الخارج عن ذلك ليس من الوجه، و إن وجب إدخال شي‌ء من الأطراف إذا لم يحصل العلم بإتيان الواجب إلا بذلك، و يجب الابتداء بأعلى الوجه إلى الأسفل فالأسفل عرفا و لا يجوز النكس، نعم لو ردّ الماء منكوسا، و نوى الوضوء بإرجاعه إلى الأسفل صحّ وضوؤه.

(مسألة 69): غير مستوي الخلقة- لطول الأصابع أو لقصرها-

28

يرجع إلى متناسب الخلقة المتعارف، و كذا لو كان أغم قد نبت الشعر على جبهته، أو كان أصلع قد انحسر الشعر عن مقدّم رأسه فإنّه يرجع إلى المتعارف، و أمّا غير مستوي الخلقة- بكبر الوجه أو لصغره- فيجب عليه غسل ما دارت عليه الوسطى و الإبهام المتناسبتان مع ذلك الوجه.

(مسألة 70): الشعر النابت فيما دخل في حدّ الوجه يجب غسل ظاهره، و لا يجب البحث عن الشعر المستور فضلا عن البشرة المستورة، نعم ما لا يحتاج غسله إلى بحث و طلب يجب غسله، و كذا الشعر الرقيق النابت في البشرة يغسل مع البشرة، و مثله الشعرات الغليظة التي لا تستر البشرة على الأحوط وجوبا.

(مسألة 71): لا يجب غسل باطن العين، و الفم، و الأنف، و مطبق الشفتين، و العينين.

(مسألة 72): الشعر النابت في الخارج عن الحد إذا تدلّى على ما دخل في الحد لا يجب غسله، و كذا المقدار الخارج عن الحد، و إن كان نابتا في داخل الحد كمسترسل اللحية.

(مسألة 73): إذا بقي مما في الحد شي‌ء لم يغسل و لو بمقدار رأس إبرة لا يصح الوضوء، فيجب أن يلاحظ آماق و أطراف عينيه أن لا يكون عليها شي‌ء من القيح، أو الكحل المانع، و كذا يلاحظ حاجبه أن لا يكون عليه شي‌ء من الوسخ، و أن لا يكون على حاجب المرأة و سمة و خطاط له جرم مانع.

(مسألة 74): إذا تيقن وجود ما يشك في مانعيته عن الغسل أو المسح يجب تحصيل اليقين بزواله، و لو شك في أصل وجوده يجب الفحص عنه- على الأحوط وجوبا- إلا مع الاطمئنان بعدمه، حتى فيما كانت الحالة السابقة هو العدم.

29

(مسألة 75): الثقبة في الأنف موضع الحلقة، أو الخزامة لا يجب غسل باطنها بل يكفي غسل ظاهرها، سواء أ كانت فيها الحلقة أم لا.

الثاني: يجب غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع، و يجب الابتداء بالمرفقين، ثمّ الأسفل منها فالأسفل- عرفا- إلى أطراف الأصابع و المقطوع بعض يده يغسل ما بقي، و لو قطعت من فوق المرفق سقط وجوب غسلها، و لو كان له ذراعان دون المرفق وجب غسلهما، و كذا اللحم الزائد، و الإصبع الزائدة، و لو كان له يد زائدة فوق المرفق فالأحوط- استحبابا- غسلها أيضا، و لو اشتبهت الزائدة بالاصلية غسلهما جميعا و مسح بهما على الأحوط وجوبا.

(مسألة 76): المرفق مجمع عظمي الذراع و العضد، و يجب غسله مع اليد.

(مسألة 77): يجب غسل الشعر النابت في اليدين مع البشرة، حتى الغليظ منه على الأحوط وجوبا.

(مسألة 78): إذا دخلت شوكة في اليد لا يجب إخراجها إلا إذا كان ما تحتها محسوبا من الظاهر، فيجب غسله- حينئذ- و لو بإخراجها.

(مسألة 79): الوسخ الذي يكون على الأعضاء- إذا كان معدودا جزءا من البشرة- لا تجب إزالته، و إن كان معدودا- أجنبيا عن البشرة- تجب إزالته.

(مسألة 80): ما هو المتعارف بين العوام من غسل اليدين إلى الزندين و الاكتفاء عن غسل الكفين بالغسل المستحب قبل الوجه، باطل.

(مسألة 81): يجوز الوضوء برمس العضو في الماء من أعلى الوجه و من طرف المرفق، مع مراعاة غسل الأعلى فالأعلى، و لكن لا يجوز أن ينوي الغسل لليسرى بإدخالها في الماء من المرفق، لأنه يلزم تعذر المسح بماء‌

30

الوضوء، و كذا الحال في اليمنى إذا لم يغسل بها اليسرى، و أما قصد الغسل بإخراج العضو من الماء- تدريجا- فهو غير جائز مطلقا على الأحوط.

(مسألة 82): الوسخ تحت الأظفار إذا لم يكن زائدا على المتعارف لا تجب إزالته، إلا إذا كان ما تحته معدودا من الظاهر، و إذا قصّ أظافره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله بعد إزالة الوسخ.

(مسألة 83): إذا انقطع لحم من اليدين غسل ما ظهر بعد القطع و يجب غسل ذلك اللحم أيضا ما دام لم ينفصل، و إن كان اتصاله بجلدة رقيقة، و لا يجب قطعه ليغسل ما كان تحت الجلدة، و إن كان هو الأحوط وجوبا، لو عدّ ذلك اللحم شيئا خارجيا، و لم يحسب جزءا من اليد.

(مسألة 84): الشقوق التي تحدث على ظهر الكف- من جهة البرد- إن كانت وسيعة يرى جوفها، وجب إيصال الماء إليها على الأحوط و إلا فلا، و مع الشك فالأحوط- استحبابا- الإيصال.

(مسألة 85): ما يتجمد على الجرح- عند البرء- و يصير كالجلد لا يجب رفعه، و إن حصل البرء، و يجزي غسل ظاهره و إن كان رفعه سهلا.

(مسألة 86): يجوز الوضوء بماء المطر، إذا قام تحت السماء حين نزوله، فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه، مع مراعاة الأعلى فالأعلى و كذلك بالنسبة إلى يديه، و كذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه، و لو لم ينو من الأول، لكن بعد جريانه على جميع محال الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله، و كذا على يديه إذا حصل الجريان كفى أيضا.

(مسألة 87): إذا شكّ في شي‌ء أنّه من الظاهر حتى يجب غسله أو الباطن فالأحوط- استحبابا- غسله. نعم إذا كان قبل ذلك من الظاهر وجب غسله.

الثالث: يجب مسح مقدم الرأس- و هو ما يقارب ربعه مما يلي الجبهة-

31

و يكفي فيه المسمى طولا و عرضا، و الأحوط- استحبابا- أن يكون العرض قدر ثلاثة أصابع، و الطول قدر طول اصبع، و الأحوط- وجوبا- أن يكون المسح من الأعلى إلى الأسفل و يكون بنداوة الكفّ اليمنى، بل الأحوط- وجوبا- أن يكون بباطنها.

(مسألة 88): يكفي المسح على الشعر المختص بالمقدم، بشرط أن لا يخرج بمده عن حدّه، فلو كان كذلك فجمع، و جعل على الناصية لم يجز المسح عليه.

(مسألة 89): لا تضرّ كثرة بلل الماسح، و إن حصل معه الغسل.

(مسألة 90): لو تعذّر المسح بباطن الكف مسح بغيره، و الأحوط- وجوبا- المسح بظاهر الكف، فإن تعذر فالأحوط- وجوبا- أن يكون بباطن الذراع.

(مسألة 91): يعتبر أن لا يكون على الممسوح بلل ظاهر، بحيث يختلط ببلل الماسح بمجرد المماسة.

(مسألة 92): لو اختلط بلل اليد ببلل أعضاء الوضوء لم يجز المسح به على الأحوط وجوبا، نعم لا بأس باختلاط بلل اليد اليمنى ببلل اليد اليسرى الناشئ من الاستمرار في غسل اليسرى بعد الانتهاء من غسلها، إمّا احتياطا، أو للعادة الجارية.

(مسألة 93): لو جفّ ما على اليد من البلل لعذر، أخذ من بلل لحيته الداخلة في حد الوجه و مسح به.

(مسألة 94): لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح لحرّ أو غيره فالأحوط- وجوبا- الجمع بين المسح بالماء الجديد و التيمم.

(مسألة 95): لا يجوز المسح على العمامة، و القناع، أو غيرهما من الحائل و إن كان شيئا رقيقا لا يمنع من وصول الرطوبة إلى البشرة.

32

الرابع: يجب مسح القدمين من أطراف الأصابع إلى الكعبين و الأحوط- وجوبا- المسح إلى مفصل الساق، و يجزئ المسمى عرضا و الأحوط- وجوبا- مسح اليمنى باليمنى أولا، ثمّ اليسرى باليسرى و حكم العضو المقطوع من الممسوح حكم العضو المقطوع من المغسول، و كذا حكم الزائد من الرجل و الرأس، و حكم البلة، و حكم جفاف الممسوح و الماسح كما سبق.

(مسألة 96): لا يجب المسح على خصوص البشرة، بل يجوز المسح على الشعر النابت فيها أيضا، إذا لم يكن خارجا عن المتعارف، و إلا وجب المسح على البشرة.

(مسألة 97): لا يجوز المسح على الحائل كالخف لغير ضرورة، بل في جوازه مع الضرورة إشكال، نعم يجوز المسح على الحائل و يجتزئ به في حال التقية.

(مسألة 98): لو دار الأمر بين المسح على الخف، و الغسل للرجلين للتقية، اختار الثاني فيما إذا أمكن المسح على الرجلين و لو بإخفاء المسح في الغسل و أمّا مع عدم التمكن منه فهو مخيّر بينهما.

(مسألة 99): يعتبر عدم المندوحة في مكان التقية على الأقوى، فلو أمكنه ترك التقية و إراءة المخالف عدم المخالفة لم تشرع التقية و لا يعتبر عدم المندوحة في الحضور في مكان التقية و زمانها، كما لا يجب بذل مال لرفع التقية، و أما في سائر موارد الاضطرار فيعتبر فيها عدم المندوحة مطلقا، نعم لا يعتبر فيها بذل المال لرفع الاضطرار، إذا كان ضرريا.

(مسألة 100): إذا زال السبب المسوّغ لغسل الرجلين أو المسح على الخفّين بعد الوضوء لم تجب الإعادة في حال التقية، و وجبت في سائر الضرورات، كما تجب الإعادة إذا زال السبب المسوّغ أثناء الوضوء مطلقا.

33

(مسألة 101): لو توضّأ على خلاف التقية فالأظهر وجوب الإعادة. نعم لو توضأ كذلك في مثل التقية كحال المداراة فلا حاجة إلى الإعادة على الأظهر.

(مسألة 102): يجب في مسح الرجلين أن يضع يده على الأصابع و يمسح إلى الكعبين بالتدريج، أو بالعكس فيضع يده على الكعبين و يمسح إلى أطراف الأصابع تدريجا، و لا يجوز أن يضع تمام كفه على تمام ظهر القدم من طرف الطول إلى المفصل، و يجرها قليلا بمقدار صدق المسح على الأحوط.

الفصل الثاني

[وضوء الجبيرة]

من كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة فإن تمكّن من غسل ما تحتها بنزعها أو بغمسها في الماء- مع إمكان الغسل من الأعلى إلى الأسفل- وجب، و إن لم يتمكّن- لخوف الضرر- اجتزأ بالمسح عليها، و لا يجزئ غسل الجبيرة عن مسحها على الأقوى، و لا بد من استيعابها بالمسح، إلا ما يتعسر استيعابه بالمسح عادة، كالخلل التي تكون بين الخيوط و نحوها.

(مسألة 103): الجروح و القروح المعصبة، حكمها حكم الجبيرة المتقدم، و إن لم تكن معصبة، غسل ما حولها، و الأحوط- استحبابا- المسح عليها إن أمكن، و لا يجب وضع خرقة عليها و مسحها، و إن كان أحوط استحبابا.

(مسألة 104): اللطوخ المطلي بها العضو للتداوي يجري عليها حكم الجبيرة، و أما الحاجب اللاصق- اتفاقا- كالقير و نحوه فإن أمكن رفعه وجب، و إلا وجب التيمم، إن لم يكن الحاجب في مواضعه، و إلا فالأظهر كفاية الوضوء و إن كان الأحوط الجمع بينه و بين التيمّم.

34

(مسألة 105): يختصّ الحكم المتقدّم بالجبيرة الموضوعة على الموضع في موارد الجرح، أو القرح، أو الكسر، و أمّا في غيرها كالعصابة التي يعصب بها العضو، لألم، أو ورم، و نحو ذلك، فلا يجزئ المسح على الجبيرة، بل يجب التيمم إن لم يمكن غسل المحل لضرر و نحوه و لا يختص الحكم بالجبيرة غير المستوعبة للعضو على الأظهر كما لا فرق بين أن تكون الجبيرة المستوعبة في موضع الغسل أو المسح.

و كذلك الحال مع استيعاب الجبيرة تمام الأعضاء، و أما الجبيرة النجسة التي لا تصلح أن يمسح عليها فإن كانت بمقدار الجرح، أجزأه غسل أطرافه، و يضع خرقة طاهرة على الجبيرة و يمسح عليها على الأحوط، و إن كانت أزيد من مقدار الجرح و لم يمكن رفعها و غسل ما حول الجرح، تعيّن التيمم على الأظهر إذا لم تكن الجبيرة في مواضع التيمم، و إلا فالأحوط الجمع بين الوضوء و التيمم. و إن كان الأظهر جواز الاكتفاء بالوضوء مع الجبيرة.

(مسألة 106): يجري حكم الجبيرة في الأغسال- غير غسل الميت- كما كان يجري في الوضوء، فمع الضرر في مسح الموضع المجبّر أو غسل غيره يتعيّن التيمّم و إلا يعمل بوظيفة الجبيرة.

(مسألة 107): لو كانت الجبيرة على العضو الماسح مسح ببلتها.

(مسألة 108): الأرمد إن كان يضره استعمال الماء تيمم، و إن أمكن غسل ما حول العين فالأحوط- استحبابا- له الجمع بين الوضوء و التيمم.

(مسألة 109): إذا برئ ذو الجبيرة في ضيق الوقت أجزأ وضوؤه سواء برئ في أثناء الوضوء أم بعده، قبل الصلاة أم في أثنائها أم بعدها و لا تجب عليه إعادته لغير ذات الوقت- إذا كانت موسعة- كالصلوات الآتية، أما لو برئ في السعة فالأحوط وجوبا- إن لم يكن أقوى- الإعادة‌

35

في جميع الصور المتقدمة.

(مسألة 110): إذا كان في عضو واحد جبائر متعددة يجب الغسل أو المسح في فواصلها.

(مسألة 111): إذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة، فإن كان بالمقدار المتعارف مسح عليها، و إن كان أزيد من المقدار المتعارف، فإن أمكن رفعها، رفعها و غسل المقدار الصحيح، ثمّ وضعها و مسح عليها و إن لم يمكن ذلك وجب عليه التيمم إن لم تكن الجبيرة في مواضعه، و إلا فالأظهر جواز الاكتفاء بالوضوء.

(مسألة 112): في الجرح المكشوف إذا أراد وضع طاهر عليه و مسحه يجب- أولا- أن يغسل ما يمكن من أطرافه، ثمّ وضعه.

(مسألة 113): إذا أضر الماء بأطراف الجرح بالمقدار المتعارف يكفي المسح على الجبيرة، و الأحوط- وجوبا- ضم التيمم إذا كانت الأطراف المتضررة أزيد من المتعارف.

(مسألة 114): إذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء، لكن كان بحيث يضره استعمال الماء في مواضعه، فالمتعين التيمم.

(مسألة 115): لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح، أو نحوه حدث باختياره على وجه العصيان أم لا.

(مسألة 116): إذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا، لا يضره نجاسة باطنها.

(مسألة 117): محل الفصد داخل في الجروح، فلو كان غسله مضرا يكفي المسح على الوصلة التي عليه، إن لم تكن أزيد من المتعارف و إلا حلها، و غسل المقدار الزائد ثمّ شدها، و أما إذا لم يمكن غسل المحل لا من جهة الضرر، بل لأمر آخر، كعدم انقطاع الدم- مثلا- فلا بد من التيمم، و لا يجري عليه حكم الجبيرة.

36

(مسألة 118): إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا و كان قابلا للانتفاع لمالكه بعد ردّه إليه فلا يجوز المسح عليه بل يجب رفعه و تبديله و كذلك إذا كان غير قابل للانتفاع على الأحوط، و إن كان ظاهره مباحا و باطنه مغصوبا فإن لم يعد مسح الظاهر تصرّفا فيه فلا يضرّ و إلا بطل على ما تقدّم.

(مسألة 119): لا يشترط في الجبيرة أن تكون مما تصح الصلاة فيه فلو كان حريرا، أو ذهبا، أو جزء حيوان غير مأكول، لم يضر بوضوئه فالذي يضر هو نجاسة ظاهرها، أو غصبيتها.

(مسألة 120): ما دام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة، و إن احتمل البرء، و إذا ظن البرء و زوال الخوف وجب رفعها.

(مسألة 121): إذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحل، لكن كان موجبا لفوات الوقت، فالأظهر العدول إلى التيمم.

(مسألة 122): الدواء الموضوع على الجرح و نحوه إذا اختلط مع الدم، و صار كالشي‌ء الواحد، و لم يمكن رفعه بعد البرء، بأن كان مستلزما لجرح المحل، و خروج الدم فلا يجري عليه حكم الجبيرة بل تنتقل الوظيفة إلى التيمم.

(مسألة 123): إذا كان العضو صحيحا، لكن كان نجسا، و لم يمكن تطهيره لا يجري عليه حكم الجرح، بل يتعين التيمم.

(مسألة 124): لا يلزم تخفيف ما على الجرح من الجبيرة إن كانت على النحو المتعارف، كما أنه لا يجوز وضع شي‌ء آخر عليها مع عدم الحاجة إلا أن يحسب جزء منها بعد الوضع.

(مسألة 125): الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث، و كذلك الغسل.

37

(مسألة 126): يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة في أول الوقت برجاء استمرار العذر، فإذا انكشف ارتفاعه في الوقت أعاد الوضوء و الصلاة.

(مسألة 127): إذا اعتقد الضرر في غسل البشرة- لاعتقاده الكسر مثلا- فعمل بالجبيرة ثمّ تبين عدم الكسر في الواقع، لم يصح الوضوء و لا الغسل، و أما إذا تحقق الكسر فجبره، و اعتقد الضرر في غسله فمسح على الجبيرة، ثمّ تبين عدم الضرر، فالظاهر صحة وضوئه و غسله، و إذا اعتقد عدم الضرر فغسل، ثمّ تبين أنه كان مضرا، و كان وظيفته الجبيرة صح وضوؤه و غسله، حتى فيما كان تحمّل الضرر مع الالتفات محرّما و كذلك يصحان لو اعتقد الضرر، و لكن ترك الجبيرة و توضأ، أو اغتسل ثمّ تبين عدم الضرر، و أن وظيفته غسل البشرة، و لكن الصحة في هذه الصورة تتوقف على إمكان قصد القربة.

(مسألة 128): في كل مورد يشك في أن وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمم، الأحوط وجوبا الجمع بينهما.

الفصل الثالث

في شرائط الوضوء:

منها: طهارة الماء، و إطلاقه، و إباحته، و كذا عدم استعماله في التطهير من الخبث إذا كان منفصلا عن استعماله في الوضوء بنحو محقّق للتطهير على الأظهر، بل و لا في رفع الحدث الأكبر على الأحوط استحبابا، على ما تقدّم.

و منها: طهارة أعضاء الوضوء.

38

و منها: إباحة الفضاء الذي يقع فيه الوضوء على الأحوط وجوبا، و الأظهر عدم اعتبار. إباحة الإناء الذي يتوضأ منه مع عدم الانحصار به بل مع الانحصار- أيضا- و إن كانت الوظيفة مع الانحصار التيمم لكنه لو خالف و توضأ بماء مباح من إناء مغصوب أثم، و صح وضوؤه من دون فرق بين الاغتراف منه دفعة، أو تدريجا و الصب منه، نعم لا يصح الوضوء في الإناء المغصوب إذا كان بنحو الارتماس فيه، كما أن الأظهر أن حكم المصب إذا كان وضع الماء على العضو مقدمة للوصول إليه حكم الإناء مع الانحصار و عدمه.

(مسألة 129): يكفي طهارة كل عضو حين غسله، و لا يلزم أن تكون جميع الأعضاء- قبل الشروع- طاهرة، فلو كانت نجسة و غسل كل عضو بعد تطهيره، أو طهره بغسل الوضوء كفى، و لا يضر تنجس عضو بعد غسله، و إن لم يتم الوضوء.

(مسألة 130): إذا توضأ من إناء الذهب، أو الفضة، بالاغتراف منه دفعة، أو تدريجا، أو بالصب منه، فصحة الوضوء لا تخلو من وجه من دون فرق بين صورة الانحصار و عدمه، و لو توضأ بالارتماس ففي الصحّة إشكال.

و منها: عدم المانع من استعمال الماء لمرض، أو عطش يخاف منه على نفسه، أو على نفس محترمة. نعم الظاهر صحة الوضوء مع المخالفة في فرض العطش، و لا سيما إذا أراق الماء على أعلى جبهته، و نوى الوضوء- بعد ذلك- بتحريك الماء من أعلى الوجه إلى أسفله.

(مسألة 131): إذا توضأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فإن قصد أمر الصلاة الأدائي، و كان عالما بالضيق بطل، و إن كان جاهلا به صح، و إن قصد أمر غاية أخرى، و لو كانت هي الكون على الطهارة صح حتى مع العلم بالضيق.

39

(مسألة 132): لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف، أو النجس، أو مع الحائل، بين صورة العلم، و العمد، و الجهل، و النسيان و كذلك الحال إذا كان الماء مغصوبا، فإنه يحكم ببطلان الوضوء به حتى مع الجهل، نعم يصح الوضوء به مع النسيان أو الغفلة، إذا لم يكن الناسي هو الغاصب.

(مسألة 133): إذا نسي غير الغاصب و توضأ بالماء المغصوب و التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء، صح ما مضى من أجزائه، و يجب تحصيل الماء المباح للباقي، و لكن إذا التفت إلى الغصبية بعد الغسلات، و قبل المسح، فجواز المسح بما بقي من الرطوبة لا يخلو من قوة، و إن كان الأحوط- استحبابا- إعادة الوضوء.

(مسألة 134): مع الشك في رضا المالك لا يجوز التصرف و يجري عليه حكم الغصب، فلا بد من العلم برضا المالك، و لو بالفحوى أو شاهد الحال.

(مسألة 135): يجوز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار المملوكة لأشخاص خاصة، سواء أ كانت قنوات، أو منشقّة من شط، و إن لم يعلم رضا المالكين، و كذلك الأراضي الوسيعة جدا، أو غير المحجبة، فيجوز الوضوء و الجلوس، و النوم، و نحوها فيها، ما لم ينه المالك، و لو يعلم بأن المالك صغير، أو مجنون على الأحوط استحبابا.

(مسألة 136): الحياض الواقعة في المساجد و المدارس- إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلي فيها، أو الطلاب الساكنين فيها أو عدم اختصاصها- لا يجوز لغيرهم الوضوء منها، إلا مع جريان العادة بوضوء كل من يريد، مع عدم منع أحد، فإنه يجوز الوضوء لغيرهم منها إذا كشفت العادة عن عموم الإذن.

(مسألة 137): إذا علم أو احتمل أن حوض المسجد وقف على‌

40

المصلين فيه لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر، و لو توضأ بقصد الصلاة فيه، ثمّ بدا له أن يصلي في مكان آخر. أو لم يتمكن من ذلك، فالظاهر صحة وضوئه، فإن المتفاهم عرفا من الوقف كذلك اعتبار قصد الصلاة فيه، و كذلك يصح لو توضأ غفلة، أو باعتقاد عدم الاشتراط، و لا يجب عليه أن يصلي فيه، و إن كان أحوط.

(مسألة 138): إذا دخل المكان الغصبي- غفلة و في حال الخروج- توضأ بحيث لا ينافي فوريته، فالظاهر صحة وضوئه، و أما إذا دخل عصيانا و خرج، و توضأ في حال الخروج، فالحكم فيه هو الحكم فيما إذا توضأ حال الدخول.

و منها: النية، و هي أن يقصد العمل متقربا به إلى اللّه تعالى و يحصل التقرب بإتيان الفعل بقصد امتثال أمره أو محبوبيته أو نحو ذلك و لا فرق بين أن يكون الداعي إلى الامتثال هو الحب له سبحانه، أو رجاء الثواب، أو الخوف من العقاب، و يعتبر فيها الاخلاص فلو ضمّ إليها الرياء بطل، و لو ضمّ إليها غيره من الضمائم الراجحة، كالتنظيف من الوسخ، أو المباحة كالتبريد، فإن كانت الضميمة تابعة، أو كان كل من الأمر و الضميمة صالحا للاستقلال في البعث إلى الفعل، لم تقدح، و في غير ذلك تقدح، و الأظهر عدم قدح العجب حتى المقارن، و إن كان موجبا لحبط الثواب.

(مسألة 139): لا تعتبر نية الوجوب، و لا الندب، و لا غيرهما من الصفات و الغايات، و لو نوى الوجوب في موضع الندب، أو العكس- جهلا أو نسيانا- صح، و كذا الحال إذا نوى التجديد و هو محدث أو نوى الرفع و هو متطهر.

(مسألة 140): لا بد من استمرار النية بمعنى صدور تمام الأجزاء عن النية المذكورة.

41

(مسألة 141): لو اجتمعت أسباب متعددة للوضوء كفى وضوء واحد، و لو اجتمعت أسباب للغسل، أجزأ غسل واحد بقصد الجميع و كذا لو قصد الجنابة فقط، بل الأقوى ذلك أيضا إذا قصد منها واحدا غير الجنابة، و لو قصد الغسل قربة من دون نية الجميع و لا واحد بعينه فالأظهر الصحة لأنّ التقرب بقصد امتثال الأمر يوجب نية الجميع.

و منها: مباشرة المتوضئ للغسل و المسح، فلو وضأه غيره- على نحو لا يسند إليه الفعل- بطل إلا مع الاضطرار، فيوضئه غيره، و لكن هو الذي يتولى النية، و الأحوط أن ينوي الموضئ أيضا.

و منها: الموالاة، و هي التتابع في الغسل و المسح بنحو لا يلزم جفاف تمام السابق قبل الشروع في اللاحق في الحال المتعارفة، فلا يقدح الجفاف لأجل حرارة الهواء أو البدن الخارجة عن المتعارف.

(مسألة 142): الأحوط- وجوبا- عدم الاعتداد ببقاء الرطوبة في مسترسل اللحية الخارج عن حد الوجه.

و منها: الترتيب بين الأعضاء بتقديم الوجه، ثمّ اليد اليمنى، ثمّ اليسرى، ثمّ مسح الرأس، و الأحوط تقديم الرجل اليمنى على اليسرى و كذا يجب الترتيب في اجزاء كل عضو على ما تقدم، و لو عكس الترتيب- سهوا- أعاد على ما يحصل به الترتيب مع عدم فوات الموالاة، و إلا استأنف، و كذا لو عكس- عمدا- إلا أن يكون قد أتى بالجميع عن غير الأمر الشرعي فيستأنف.

الفصل الرابع

في أحكام الخلل:

(مسألة 143): من تيقن الحدث و شك في الطهارة تطهّر، و كذا لو‌

42

ظن الطهارة ظنا غير معتبر شرعا، و لو تيقن الطهارة، و شك في الحدث بنى على الطهارة، و إن ظن الحدث ظنا غير معتبر شرعا.

(مسألة 144): إذا تيقن الحدث و الطهارة، و شك في المتقدم و المتأخر، تطهّر سواء علم تاريخ الطهارة، أو علم تاريخ الحدث، أو جهل تاريخهما جميعا.

(مسألة 145): إذا شك في الطهارة بعد الصلاة أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة بنى على صحة العمل، و تطهر لما يأتي، إلا إذا كان الشك في الطهارة قبل العمل ثمّ غفل و دخل في الصلاة فالأظهر لزوم الإعادة بعد الوضوء فإنّ العمل مسبوق بالشك في الصحة.

(مسألة 146): إذا شك في الطهارة في أثناء الصلاة- مثلا- قطعها و تطهر، و استأنف الصلاة.

(مسألة 147): لو تيقن الإخلال بغسل عضو أو مسحه أتى به و بما بعده، مراعيا للترتيب و الموالاة و غيرهما، من الشرائط، و كذا لو شكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل الفراغ منه، بل فيما يعتبر في أفعاله أيضا على الأحوط، أما لو شك بعد الفراغ لم يلتفت، و إذا شك في الجزء الأخير، فإن كان ذلك قبل الدخول في الصلاة و نحوها مما يتوقف على الطهارة، و قبل فوت الموالاة لزمه الإتيان به، و إلا فلا.

(مسألة 148): ما ذكرناه آنفا من لزوم الاعتناء بالشك، فيما إذا كان الشك أثناء الوضوء، لا يفرق فيه بين أن يكون الشك بعد الدخول في الجزء المترتب أو قبله، و لكنه يختص بغير الوسواسي، و أما الوسواسي (و هو من لا يكون لشكه منشأ عقلائي بحيث لا يلتفت العقلاء إلى مثله) فلا يعتني بشكه مطلقا. و إلحاق كثير الشك في الوضوء بالوسواسي له وجه.

(مسألة 149): إذا كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد‌

43

الحدث إذا نسي شكه و صلى، فلا إشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر فتجب عليه الإعادة إن تذكّر في الوقت، و القضاء إن تذكر بعده.

(مسألة 150): إذا كان متوضئا، و توضأ للتجديد، و صلى، ثمّ تيقن بطلان أحد الوضوءين، و لم يعلم أيهما، فلا إشكال في صحة صلاته و لا تجب عليه إعادة الوضوء للصلوات الآتية أيضا.

(مسألة 151): إذا توضأ وضوءين، و صلى بعدهما، ثمّ علم بحدوث حدث بعد أحدهما، يجب الوضوء للصلاة الآتية، لأن الوضوء الأول معلوم الانتقاض، و الثاني غير محكوم ببقائه، للشك في تأخره و تقدمه على الحدث و أما الصلاة فيبني على صحتها لقاعدة الفراغ، و إذا كان في محل الفرض قد صلى بعد كل وضوء صلاة، أعاد الوضوء لما تقدم، و أعاد الصلاة الثانية، و أما الصلاة الأولى فيجب إعادتها أيضا إذا احتمل طهارته فعلا بالوضوء الثاني بأن حصل علمه الإجمالي قبل أن يصدر عنه حدث غير المعلوم بالإجمال، و ذلك لعلمه الإجمالي إمّا بوجوب إعادتها أو حرمة مس كتابة القرآن فعلا.

(مسألة 152): إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء أنه ترك جزءا منه و لا يدري أنه الجزء الواجب، أو المستحب، فالظاهر الحكم بصحة وضوئه.

(مسألة 153): إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل، أو غسل في موضع المسح، و لكن شك في أنه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة، أو ضرورة، أو تقية أو لا بل كان على غير الوجه الشرعي فالأظهر وجوب الإعادة.

(مسألة 154): إذا تيقن أنه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله و لكن شك في أنه أتمه على الوجه الصحيح أو لا، بل عدل عنه- اختيارا أو اضطرارا- فالظاهر عدم صحّة وضوئه.

44

(مسألة 155): إذا شك بعد الوضوء في وجود الحاجب، أو شك في حاجبيته كالخاتم، أو علم بوجوده و لكن شك بعده في أنه أزاله، أو أنه أوصل الماء تحته، بنى على الصحة مع احتمال الالتفات حال الوضوء و كذا إذا علم بوجود الحاجب، و شك في أن الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده بنى على الصحة.

(مسألة 156): إذا كانت أعضاء وضوئه أو بعضها نجسا فتوضأ و شك- بعده في أنه طهّرها أم لا، بنى على بقاء النجاسة، فيجب غسله لما يأتي من الأعمال، و أما لوضوء فمحكوم بالصحة، و كذلك لو كان الماء الذي توضأ منه نجسا ثمّ شك- بعد الوضوء- في أنه طهّره قبله أم لا، فإنّه يحكم بصحة وضوئه، و بقاء الماء نجسا، فيجب عليه تطهير ما لاقاه من ثوبه و بدنه.

الفصل الخامس

في نواقض الوضوء:

يحصل الحدث بأمور:

الأول و الثاني: خروج البول و الغائط، سواء أ كان من الموضع المعتاد بالأصل، أم بالعارض، أم كان من غيره على الأحوط وجوبا، و البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء، بحكم البول ظاهرا.

الثالث: خروج الريح من الدبر، أو من غيره، إذا كان من شأنه أن يخرج من الدبر، و لا عبرة بما يخرج من القبل و لو مع الاعتياد.

الرابع: النوم الغالب على العقل، و يعرف بغلبته على السمع من غير فرق بين أن يكون قائما، و قاعدا، و مضطجعا، و مثله كل ما غلب على العقل من جنون، أو إغماء، أو سكر، أو غير ذلك، على الأحوط وجوبا.

45

الخامس: الاستحاضة على تفصيل يأتي إن شاء اللّه تعالى.

(مسألة 157): إذا شك في طرو أحد النواقض بنى على العدم و كذا إذا شك في أن الخارج بول، أو مذي، فإنّه يبني على عدم كونه بولا، إلا أن يكون قبل الاستبراء، فيحكم بأنه بول، فإن كان متوضئا انتقض وضوؤه.

(مسألة 158): إذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شي‌ء من الغائط لم ينتقض الوضوء، و كذا لو شك في خروج شي‌ء من الغائط معه.

(مسألة 159): لا ينتقض الوضوء بخروج المذي، أو الودي، أو الوذي، و الاول ما يخرج عند الملاعبة و الشهوة، و الثاني ما يخرج بعد خروج البول، و الثالث ما يخرج بعد خروج المني.

الفصل السادس

[المبطون و المسلوس]

من استمر به الحدث في الجملة كالمبطون، و المسلوس، و نحوهما، له أحوال أربع:

الأولى: أن تكون له فترة تسع الوضوء و الصلاة الاختيارية، و حكمه وجوب انتظار تلك الفترة، و الوضوء و الصلاة فيها.

الثانية: أن لا تكون له فترة أصلا، أو تكون له فترة يسيرة لا تسع الطهارة و بعض الصلاة، و حكمه الوضوء و الصلاة، و ليس عليه الوضوء لصلاة أخرى، إلا أن يحدث حدثا آخر، كالنوم و غيره، فيجدد الوضوء لها.

الثالثة: أن تكون له فترة تسع الطهارة و بعض الصلاة، و لا يكون عليه- في تجديد الوضوء في الاثناء مرة أو مرات- حرج، و حكمه الوضوء‌

46

و الصلاة في الفترة، و لا يجب عليه إعادة الوضوء إذا فاجأه الحدث أثناء الصلاة و بعدها، و إن كان الاحوط أن يجدد الوضوء كلما فاجأه الحدث أثناء صلاته و يبني عليها، كما أن الأحوط إذا أحدث- بعد الصلاة- أن يتوضأ للصلاة الأخرى.

الرابعة: الصورة الثالثة، لكن يكون تجديد الوضوء- في الأثناء- حرجا عليه، و حكمه الاجتزاء بالوضوء الواحد، ما لم يحدث حدثا آخر و الأحوط أن يتوضأ لكل صلاة.

(مسألة 160): الأحوط لمستمر الحدث الاجتناب عما يحرم على المحدث، و إن كان الأظهر عدم وجوبه، فيما إذا جاز له الصلاة.

(مسألة 161): يجب على المسلوس و المبطون التحفظ من تعدي النجاسة إلى بدنه و ثوبه مهما أمكن بوضع كيس أو نحوه، و لا يجب تغييره لكل صلاة.

الفصل السابع

لا يجب الوضوء لنفسه، و تتوقف صحة الصلاة- واجبة كانت، أو مندوبة- عليه، و كذا أجزاؤها المنسية بل سجود السهو على الأحوط استحبابا، و مثل الصلاة الطواف الواجب، و هو ما كان جزءا من حجة أو عمرة، دون المندوب و إن وجب بالنذر، نعم يستحب له.

[ما لا يجوز للمحدث مسه]

(مسألة 162): لا يجوز للمحدث مس كتابة القرآن، حتى المد و التشديد و نحوهما، و لا مس اسم الجلالة و سائر أسمائه و صفاته على الأحوط وجوبا، و الأولى إلحاق أسماء الأنبياء و الأوصياء و سيدة النساء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)- به.

(مسألة 163): الوضوء مستحب لنفسه فلا حاجة في صحته إلى‌

47

جعل شي‌ء غاية له و إن كان يجوز الإتيان به لغاية من الغايات المأمور بها مقيّدة به فيجوز الإتيان به لأجلها، و يجب إن وجبت، بناء على وجوب المقدمة، و يستحب إن استحبت بل مطلقا، سواء توقف عليه صحتها أم كمالها.

(مسألة 164): لا فرق في جريان الحكم المذكور بين الكتابة بالعربية و الفارسية، و غيرهما، و لا بين الكتابة بالمداد، و الحفر، و التطريز، و غيرهما كما لا فرق في الماس، بين ما تحله الحياة، و غيره، نعم لا يجري الحكم في المس بالشعر إذا كان الشعر غيره تابع للبشرة ز‌

(مسألة 165): الألفاظ المشتركة بين القرآن و غيره يعتبر فيها قصد الكاتب، و إن شك في قصد الكاتب جاز المس.

(مسألة 166): يجب الوضوء إذا وجبت إحدى الغايات المذكورة آنفا، و يستحب إذا استحبت على ما تقدم، و قد يجب بالنذر، و شبهه، و يستحب للطواف المندوب، و لسائر أفعال الحج، و لطلب الحاجة، و لحمل المصحف الشريف، و لصلاة الجنائز، و تلاوة القرآن، و للكون على الطهارة، و لغير ذلك من الموارد التي يستحب الوضوء فيها و إن كان بنحو التأكد في استحبابه.

(مسألة 167): إذا دخل وقت الفريضة يجوز الإتيان بالوضوء بقصد فعل الفريضة، كما يجوز الإتيان به بقصد الكون على الطهارة و كذا يجوز الإتيان به بقصد الغايات المستحبة الأخرى.

(مسألة 168): سنن الوضوء على ما ذكره العلماء «رض» وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين، و التسمية، و الدعاء بالمأثور، و غسل اليدين من الزندين قبل إدخالهما في الإناء الذي يغترف منه، لحدث النوم، أو البول مرة، و للغائط مرتين، و المضمضة، و الاستنشاق، و تثليثهما، و تقديم المضمضة، و الدعاء بالمأثور عندها، و عند غسل الوجه و اليدين‌

48

و مسح الرأس، و الرجلين، و تثنية الغسلات، و الأحوط وجوبا عدم التثنية في اليسرى احتياطا للمسح بها، و كذلك اليمنى إذا أراد المسح بها من دون أن يستعملها في غسل اليسرى، و كذلك الوجه لأخذ البلل منه عند جفاف بلل اليد، و يستحب أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى و الثانية و المرأة تبدأ بالباطن فيهما، و يكره الاستعانة بغيره في المقدمات القريبة.

المبحث الرابع الغسل

و الواجب منه لغيره: غسل الجنابة، و الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، و مس الأموات، و الواجب لنفسه: غسل الأموات، فهنا مقاصد:

المقصد الأول غسل الجنابة

و فيه فصول‌

الفصل الأول ما تتحقق به الجنابة:

سبب الجنابة أمران:

الأول: خروج المني من الموضع المعتاد و غيره، و إن كان الأحوط استحبابا عند الخروج من غير المعتاد الجمع بين الطهارتين إذا كان محدثا بالأصغر.

49

(مسألة 169): إن عرف المني فلا إشكال، و إن لم يعرف فالشهوة و الدفق، و فتور الجسد أمارة عليه، و مع انتفاء واحد منها لا يحكم بكونه منيا و في المريض يرجع إلى الشهوة و الفتور، و لا ينبغي ترك الاحتياط مع عدم الاحساس بالفتور.

(مسألة 170): من وجد على بدنه، أو ثوبه منيا و علم أنه منه بجنابة لم يغتسل منها وجب عليه الغسل، و يعيد كل صلاة لا يحتمل سبقها على الجنابة المذكورة، دون ما يحتمل سبقها عليها، و إن علم تاريخ الجنابة و جهل تاريخ الصلاة، و إن كانت الإعادة لها أحوط استحبابا و إن لم يعلم أنه منه لم يجب عليه شي‌ء.

(مسألة 171): إذا دار أمر الجنابة بين شخصين يعلم كل منهما أنها من أحدهما ففيه صورتان: الأولى: أن يكون جنابة الآخر موضوعا لحكم إلزامي بالنسبة إلى العالم بالجنابة إجمالا، و ذلك كحرمة استيجاره لدخول المسجد، أو للنيابة عن الصلاة عن ميت مثلا، ففي هذه الصورة يجب على العالم بالإجمال ترتيب آثار العلم فيجب على نفسه الغسل، و لا يجوز له استيجاره لدخول المسجد، أو للنيابة في الصلاة، نعم لا بد له من التوضي أيضا تحصيلا للطهارة لما يتوقف عليها. الثانية: أن لا تكون جنابة الآخر موضوعا لحكم إلزامي بالإضافة إلى العالم بالجنابة إجمالا ففيها لا يجب الغسل على أحدهما لا من حيث تكليف نفسه، و لا من حيث تكليف غيره إذا لم يعلم بالفساد، أمّا لو علم به و لو إجمالا لزمه الاحتياط فلا يجوز الائتمام لغيرهما بأحدهما إن كان كل منهما موردا للابتلاء فضلا عن الائتمام بكليهما، أو ائتمام أحدهما بالآخر، كما لا يجوز لغيرهما استنابة أحدهما في صلاة، أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة.

(مسألة 172): البلل المشكوك الخارج بعد خروج المني و قبل الاستبراء منه بالبول بحكم المني ظاهرا.

50

الثاني: الجماع و لو لم ينزل، و يتحقق بدخول الحشفة في القبل، أو الدبر، من المرأة و أما في غيرها فالأحوط الجمع بين الغسل و الوضوء للواطئ و الموطوء فيما إذا كانا محدثين بالحدث الأصغر، و إلا يكتفي بالغسل فقط و يكفي في مقطوع الحشفة دخول مقدارها، بل الأحوط وجوبا الاكتفاء بمجرد الادخال منه.

(مسألة 173): إذا تحقق الجماع تحققت الجنابة للفاعل و المفعول به، من غير فرق بين الصغير و الكبير، و العاقل و المجنون، و القاصد و غيره، بل الظاهر ثبوت الجنابة للحي إذا كان أحدهما ميتا.

(مسألة 174): إذا خرج المني بصورة الدم، وجب الغسل بعد العلم بكونه منيا.

(مسألة 175): إذا تحرك المني عن محله بالاحتلام و لم يخرج إلى الخارج، لا يجب الغسل.

(مسألة 176): يجوز للشخص إجناب نفسه بمقاربة زوجته و لو لم يقدر على الغسل و كان بعد دخول الوقت، نعم إذا لم يتمكن من التيمم أيضا لا يجوز ذلك، و أما في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضئا- و لم يتمكن من الوضوء لو أحدث- أن يبطل وضوءه إذا كان بعد دخول الوقت.

(مسألة 177): إذا شك في أنه هل حصل الدخول أم لا، لا يجب عليه الغسل، و كذا لا يجب لو شك في أن المدخول فيه فرج، أو دبر، أو غيرهما.

(مسألة 178): الوطء في دبر الخنثى بلا إنزال موجب للجنابة على الأحوط فيجب الجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان الواطئ، أو الموطوء محدثا بالأصغر دون قبلها إلا مع الإنزال فيجب عليه الغسل دونها إلا أن تنزل هي أيضا، و لو أدخلت الخنثى، في الرجل، أو الانثى مع عدم الإنزال‌

51

لا يجب الغسل على الواطئ و لا على الموطوء، و إذا أدخل الرجل بالخنثى و تلك الخنثى بالأنثى، وجب الغسل على الخنثى دون الرجل و الانثى على تفصيل تقدم في المسألة «171».

الفصل الثاني [ما تتوقف صحته أو جوازه على غسل الجنابة]

فيما يتوقف صحته أو جوازه على غسل الجنابة، و هو أمور:

الأول: الصلاة مطلقا، عدا صلاة الجنائز، و كذا أجزاؤها المنسية بل سجود السهو على الأحوط استحبابا.

الثاني: الطواف الواجب بالاحرام مطلقا كما تقدم في الوضوء.

الثالث: الصوم، بمعنى أنه لو تعمد البقاء على الجنابة حتى طلع الفجر بطل صومه، و كذا صوم ناسي الغسل، على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

الرابع: مس كتابة القرآن الشريف، و مس اسم اللّه تعالى على ما تقدم في الوضوء.

الخامس: اللبث في المساجد، بل مطلق الدخول فيها، و إن كان لوضع شي‌ء فيها، بل لا يجوز وضع شي‌ء فيها حال الاجتياز و من خارجها، كما لا يجوز الدخول لأخذ شي‌ء منها، و يجوز الاجتياز فيها بالدخول من باب مثلا، و الخروج من آخر إلا في المسجدين الشريفين- المسجد الحرام، و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأحوط وجوبا إلحاق المشاهد المشرّفة، بالمساجد في الأحكام المذكورة.

السادس: قراءة آية السجدة من سور العزائم، و هي (ألم السجدة، و حم السجدة، و النجم، و العلق) و الأحوط استحبابا إلحاق تمام السورة بها حتى بعض البسملة.

52

(مسألة 179): لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب، و إن لم يصلّ فيه أحد و لم تبق آثار المسجدية و كذلك المساجد في الأراضي المفتوحة عنوة إذا ذهبت آثار المسجدية بالمرة، على الأحوط. و إن كان الأظهر عدم ترتبها مع عدم بقاء آثار المسجدية و تعنونه بعنوان آخر كالجادة و النهر و نظائرها.

(مسألة 181): لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال الجنابة بل الإجارة فاسدة، و لا يستحق أجرة، هذا إذا علم الأجير بجنابته، أمّا إذا جهل بها فالأظهر عدم جواز استئجاره أيضا و لكنه يستحق أجرة المثل على كنسه، و أما الصبي و المجنون الجنب فلا بأس باستيجارهما.

(مسألة 182): إذا علم إجمالا جنابة أحد الشخصين، لا يجوز استئجارهما، و لا استئجار أحدهما لقراءة العزائم، أو دخول المساجد أو نحو ذلك مما يحرم على الجنب.

(مسألة 183): مع الشك في الجنابة لا يحرم شي‌ء من المحرمات المذكورة، إلا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة.

الفصل الثالث [مكروهات غسل الجنابة]

قد ذكروا أنه يكره للجنب الأكل و الشرب إلا بعد الوضوء، أو المضمضة، و الاستنشاق، و يكره قراءة ما زاد على سبع آيات من غير العزائم، بل الأحوط استحبابا عدم قراءة شي‌ء من القرآن ما دام جنبا، و لكن في كون كراهة القراءة بمعنى الكراهة الاصطلاحية تأمّل، و يكره أيضا مس ما عدا الكتابة من المصحف، و النوم جنبا إلا أن يتوضأ أو يتيمم بدل الغسل.