هداية العباد - ج2

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
445 /
1

-

2

الجزء الثاني

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين وَ سَلٰامٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ، و على أكملهم و أفضلهم محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد، فقد كلفنا المرجع المرحوم المبرور آية اللّه العظمى السيد الگلپايگاني (قدس اللّه نفسه الزكية) بصياغة تعليقاته على كتاب (وسيلة النجاة) و إدماجها في المتن لتسهيل الاستفادة منها. و قد اختار لهذا الكتاب اسم (هداية العباد) و قد توفقنا لإكمال المجلد الأول و إصداره في حياته (قدس سره). و أكملنا عمل المجلد الثاني و راجعنا المؤلف في عدد من مسائله المشكلة و أردنا إصداره، لكن عاجلنا حضور أجله تغمده اللّه برحمته الواسعة.

و نظرا لسعة هذه الرسالة و غناها بالفروع الفقهية، استجبنا لرغبة عدد من الفضلاء بنشر المجلد الثاني، و كذا بالعمل في أعداد المجلد الرابع من كتاب (مجمع المسائل).

و لا بد هنا أن نسجل شكرنا لولده الخلف الصالح حجة الإسلام و المسلمين السيد جواد الگلپايگاني الذي تكفل بنشر آثار المرحوم والده، و حفظ مؤسساته الثقافية و الخيرية.

و للعلماء الفضلاء أعضاء هيئة الاستفتاء الشيخ علي النيري الهمداني و الشيخ علي الثابتي الهمداني و الشيخ محمود الرازيني و الشيخ علي الشاكري الگلپايگاني، على ما بذلوا من أوقاتهم في تدقيق هذه المجلد و جلسات المباحثة في مسائله.

نسأله تعالى أن ينفع بآثار هذا المرجع الجليل بعد وفاته كما نفع بها في حياته، و أن يتغمده بواسع رحمته و يحشره مع أجداده و أئمته الطاهرين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين). عن هيئة الاستفتاء علي الكوراني العاملي‌

3

كتاب الجعالة

(مسألة 1) الجعالة هي جعل عوض على عمل محلل مقصود، و يقال للملتزم «الجاعل» و لمن يعمل ذلك العمل «العامل»، و للمعوض «الجعل» و «الجعلية».

و تحتاج إلى الإيجاب، بكل لفظ أفاد ذلك الالتزام، و هو إما عام كما إذا قال: من خاط ثوبي أو بنى حائطي مثلا فله كذا، و إما خاص كما إذا قال لشخص: إن رددت سيارتي مثلا فلك كذا. و لا تحتاج إلى القبول القولي، و أما استغناؤها عن القبول العملي فمحل إشكال.

(مسألة 2) الفرق بين الإجارة على العمل و الجعالة أن المستأجر يملك العمل على الأجير و هو يملك الأجرة على المستأجر بنفس العقد، أما الجعالة فليس أثرها إلا استحقاق العامل الجعل المقرر بعد العمل، و ثمة فروق أخرى بينهما تعرف من مسائلهما.

(مسألة 3) إنما تصح الجعالة على العمل المحلل المقصود في نظر العقلاء كالإجارة، فلا تصح على المحرّم، و لا على ما يكون لغوا عندهم، و يكون بذل المال بإزائه سفها، كالذهاب إلى الأمكنة المخوفة، و صعود الجبال الشاهقة، و الأبنية المرتفعة، و الوثبة من موضع إلى آخر، و نحو ذلك مما ليس فيه غرض عقلائي.

(مسألة 4) كما لا تصح الإجارة على الواجبات العينية و الكفائية، لا تصح الجعالة عليها، بالتفصيل الذي مرّ في الإجارة.

4

(مسألة 5) يعتبر في الجاعل أهلية الاستيجار من البلوغ و العقل و الرشد و القصد و الاختيار و عدم الحجر، أما العامل فلا يعتبر فيه إلا إمكان تحصيل العمل بحيث لا يكون هناك مانع منه عقلا أو شرعا، كما إذا كانت الجعالة على كنس المسجد و كنسه الجنب أو الحائض، فلا يستحقان شيئا لأن عملهما هذا ممنوع شرعا. و لا يعتبر في العامل نفوذ التصرف، فيجوز أن يكون صبيا مميزا و لو بغير إذن الولي، بل و لو كان غير مميز أو مجنونا على الأظهر إذا كان الجعل سببا لصدور العمل منهما، بل و لو لم يكن سببا على الأحوط، بناء على كفاية جعل الجعل في اشتغال ذمته.

(مسألة 6) يغتفر في الجعالة من جهالة العمل ما لا يغتفر في الإجارة، فإذا قال: من رد سيارتي فله كذا صح و إن لم يعين المسافة، و لا المشخصات الكاملة للسيارة، و اختلفت الموارد جدا في سهولة الرد و صعوبته، و كذا يجوز أن يوقع الجعالة على المردد أي على كل واحد بنحو التخيير مع اتحاد الجعل، كما إذا قال: من رد سيارتي أو ساعتي أو دابتي فله كذا، أو بالاختلاف كما إذا قال: من ردّ سيارتي فله عشرة، و من رد ساعتي أو دابتي فله خمسة.

نعم لا يجوز جعل موردها مجهولا صرفا و مبهما بحتا، بحيث لا يتمكن العامل من تحصيله، كما إذا قال من رد ما ضاع مني فله كذا، بل و كذا لو قال:

من ردّ حيوانا ضاع مني و لم يعين نوعه مثلا.

(مسألة 7) لا بد من تعيين العوض جنسا و نوعا و وصفا، بل كيلا أو وزنا أو عدّا إن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، فلو قال من رد دابتي فله ما في يدي، أو ما في هذا الإناء، و لم يكن ذلك معلوما، بطلت الجعالة. نعم الظاهر أنه يصح أن يكون الجعل حصة معينة مما يرده و لو لم يشاهده العامل و لم يعرف أوصافه، بأن قال: من رد سيارتي فله نصفها، و كذا يصح أن يجعل للدلال ما زاد على ثمن معين: كما إذا قال بع هذا المال بكذا و الزائد لك، كما سبق.

(مسألة 8) كل مورد بطلت الجعالة للجهالة، استحق العامل أجرة المثل،

5

و الظاهر أنه من هذا القبيل ما هو متعارف من جعل الحلاوة المطلقة لمن دلّه على ولد ضائع أو دابة ضالة.

(مسألة 9) لا يعتبر أن يكون الجعل ممن له العمل، فيجوز أن يجعل جعلا من ماله لمن خاط ثوب زيد أو رد دابته.

(مسألة 10) إذا عين الجعالة لشخص و أتى بالعمل غيره، لم يستحق أحد منهما الجعل، و يكون الثاني كالمتبرع. نعم لو كانت الجعالة لشخص معين على العمل، لا بقيد المباشرة و شملت صورة ما لو عمل له شخص بواسطة الإجارة أو الاستنابة أو الجعالة، استحق المجعول له الجعل المقرر.

(مسألة 11) إذا جعل الجعل على عمل و كان وقوع عمله قبل إيقاع الجعالة، أو كان عمله تبرعا، لم يستحق الجعل و لا الأجرة.

(مسألة 12) إذا عمل العامل لا لأجل الجعل، فالأحوط للجاعل إعطاءه و الأحوط للعامل عدم إجبار الجاعل على إعطاء الجعل. و لو عمل اعتمادا على مخبر بالجعالة ثم تبين كذب المخبر لم يستحق شيئا، نعم لا يبعد ضمان المخبر أجرة المثل إذا أوجب قوله اطمئنان العامل و كان تغريرا.

(مسألة 13) إذا قال: من دلّني على مالي فله كذا، فدلّه من كان ماله في يده لم يستحق شيئا، لأنه واجب عليه شرعا، و أما لو قال: من ردّ مالي فله كذا فإن كان المال مما في رده كلفة و مؤنة كالدابة الشاردة، و كانت يده عليه يد محسن استحق الجعل المقرر، و أما إذا كانت يده عليه يد غاصب، أو لم يكن في رده مؤنة كرد الدراهم، فلا يستحق شيئا.

(مسألة 14) إنما يستحق العامل الجعل بتسليم العمل، فلو جعل على رد السيارة إلى مالكها، فجاء بها إلى بلده فسرقت قبل إيصالها لم يستحق الجعل، نعم لو كان الجعل مجرد إيصالها إلى البلد استحقه، و كذا لو كان الجعل على مجرد الدلالة عليها و إعلام محلها فيستحق الجعل بمجرد الدلالة.

6

(مسألة 15) إذا قال: من رد سيارتي مثلا فله كذا فردها جماعة، اشتركوا في الجعل المقرر بالسوية إن تساووا في العمل، و إلا يوزع عليهم بنسبة عملهم.

(مسألة 16) إذا جعل جعلا لشخص على عمل كبناء حائط أو خياطة ثوب، فشاركه غيره في ذلك العمل تبرعا، سقط من الجعل ما يساوي عمل المتبرع و استحق العامل الباقي. نعم لو لم يشترط على المجعول له المباشرة و كان تبرع المتبرع بتسبيب من المجعول له أو إجازته، استحق المجعول له تمام الجعل.

(مسألة 17) الجعالة قبل تمام العمل جائزة من الطرفين و لو بعد شروع العامل بالعمل، فللعامل رفع يده عن العمل، و للجاعل فسخ الجعالة، فإذا فسخ العامل بعد الشروع في العمل فإن كان الجعل على إتمام العمل لم يستحق شيئا، و إن كان على جزء منه استحق بالنسبة، و إن كان مجملا فإن كان الجعل على مثل الخياطة و البناء، استحق العامل من الجعل بنسبة عمله، و إن كان مثل الشروع في مقدمات رد الضالة، لم يستحق شيئا، إلا إذا صدق عليه عنوان الغرر.

و إن كان الفسخ من صاحب العمل فإن كان قبل شروع العامل فليس عليه شي‌ء، و إن كان بعد شروع العامل فعليه له أجرة مثل ما عمل.

(مسألة 18) إذا كان فسخ العامل بعد الشروع يوجب ضررا على الجاعل فلا يجوز له الفسخ، بل الواجب إما إتمام العمل و إما عدم الشروع فيه، كما إذا جعل جعلا للطبيب الذي يجري له عملية جراحية، فلا يجوز للطبيب الفسخ بعد الشروع في العمل و ذلك لأن المتعارف أن الجعل لإجراء كل العملية و ليس لبعضها. نعم إذا كان العمل قسمين أو مرحلتين يقوم كل طبيب بعمل منهما و جعل لكل منهما جعلا، فيستحق كل منهما الجعل بالنسبة إلى عمله.

7

كتاب العارية

(مسألة 19) و الظاهر أن حقيقتها اعتبار إضافة بين العين المستعارة و المستعير، ثمرتها تسلط المستعير على الانتفاع بها تبرعا من دون عوض.

و هي من العقود التي تحتاج إلى إيجاب و قبول، فالإيجاب كل لفظ له ظهور عرفي في إرادة هذا المعنى كقوله: أعرتك أو أذنت لك في الانتفاع به أو انتفع به أو خذه لتنتفع به و نحو ذلك.

و القبول كل ما أفاد الرضا بذلك، و يجوز أن يكون بالفعل بأن يأخذ العين المعارة بعد إيجاب المعير بهذا العنوان.

بل الظاهر أنها لا تحتاج إلى لفظ أصلا فتقع بالمعاطاة، كما إذا دفع إليه قميصا ليلبسه فأخذه لذلك أو دفع إليه إناء أو بساطا ليستعمله فأخذه لذلك.

(مسألة 20) يعتبر في المعير أن يكون مالكا للمنفعة و له أهلية التصرف، فلا تصح إعارة الغاصب عينا أو منفعة. و إذا أعار مال غيره فضوليا ثم أجاز مالكه فالإجازة تفيد فائدة الإعارة بعد الإجازة، لكنها لا تنفع في رفع ضمان تلف العين قبل الإجازة و يحتاج إلى الإبراء. و لا تصح إعارة الصبي و المجنون، و كذا لا تصح إعارة المحجور عليه لسفه أو فلس إلا مع إذن الولي أو الغرماء.

(مسألة 21) لا يشترط في المعير ملكية العين بل يكفي ملكية المنفعة بالإجارة أو بكونها موصى بها له بالوصية، نعم إذا اشترط عليه في الإجارة استيفاء المنفعة بنفسه فليس له الإعارة.

8

(مسألة 22) يعتبر في المستعير أن يكون أهلا للانتفاع بالعين، فلا تصح إعارة المصحف إلى الكافر و إعارة الصيد إلى المحرم لا من المحل و لا من المحرم. و كذا يعتبر فيه التعيين، فلو أعار شيئا إلى أحد هذين أو أحد هؤلاء لم يصح. و لا يشترط أن يكون المستعير واحدا، فيصح إعارة شي‌ء واحد إلى جماعة، كما إذا قال: أعرت هذا الكتاب أو الإناء إلى هؤلاء العشرة، فيستوفون المنفعة بينهم بالتناوب أو القرعة كالعين المستأجرة، و الأقوى عدم جواز كونه عددا غير محصور كما إذا قال: أعرت هذا الشي‌ء إلى الناس، نعم لا مانع من الإباحة كذلك.

(مسألة 23) يعتبر في العين المستعارة أن تكون مما يمكن الانتفاع به منفعة محللة مع بقاء عينه كالعقارات و الدواب و الثياب و الكتب و الأمتعة و الحلي، بل و فحل الضراب و الهرّة و الكلب للصيد و الحراسة و أشباه ذلك، فلا يجوز إعارة ما لا منفعة له محللة كآلات اللهو، و كذا آنية الذهب و الفضة لأجل الاستعمال، و كذا ما لا ينتفع به إلا بإتلافه كالخبز و الدهن و الأشربة و أشباهها.

(مسألة 24) يجوز إعارة الشاة للانتفاع بلبنها و صوفها، و البئر للاستقاء منها.

(مسألة 25) لا يشترط تعيين العين المستعارة عند الإعارة، فلو قال:

أعرني أحد ثيابك فقال: خذ ما شئت منها و أخذه بقصد الاستعارة، صحت العارية.

(مسألة 26) لا يلزم ذكر جهة الانتفاع في المستعار إذا كانت منحصرة في منفعة خاصة كالبساط للافتراش و اللحاف للتغطية و الخيمة للاكتنان و أشباه ذلك. و إن تعددت جهات الانتفاع كالأرض ينتفع بها للزرع و الغرس و البناء و الدابة ينتفع بها للحمل و الركوب و نحو ذلك، فإن كانت إعارتها و استعارتها‌

9

لأجل منفعة أو منافع خاصة يجب التعرض لها و تختص الحلية بما خصصه المعير. و أما لو أعاره مع التعميم و التصريح بالعموم، بأن يقول: أعرتك هذه السيارة أو الدابة مثلا لأجل أن تنتفع بها كلّ انتفاع مباح يحصل منها، فيجوز له مطلق الانتفاع، و كذا لو أطلق العارية و قال: أعرتك هذه الدابة، فيجوز للمستعير الانتفاع بسائر الانتفاعات المباحة المتعلقة بها. نعم ربما يكون لبعض الانتفاعات خفاء لا يندرج في الإطلاق، ففي مثله لا بد من النص عليه أو التعميم على وجه يشمله، كالدفن في الأرض فإنه و إن كان من أحد وجوه الانتفاعات منها، لكن لو أعيرت الأرض إعارة مطلقة لا يعمه الإطلاق.

(مسألة 27) العارية جائزة من الطرفين، فللمعير الرجوع متى شاء و للمستعير الرد متى شاء، حتى في إعارة الأرض للدفن يجوز للمعير بعد الدفن و المواراة الرجوع عن الإعارة، لكن ليس له الإجبار على النبش، بل له المطالبة بالأجرة لإبقائه و لو نبشه نابش فلا يجوز دفنه إلا بإذن جديد منه. و أما قبل الدفن فله الرجوع حتى بعد وضعه في القبر قبل مواراته، و ليس عليه أجرة الحفر، كما أنه ليس على ولي الميت طمّ القبر بعد ما كان بإذن من المعير.

(مسألة 28) تبطل العارية بموت المعير، بل بزوال سلطنته بجنون و نحوه.

(مسألة 29) ليس للمستعير التعدي إلى غير المنفعة التي عينها المعير و لو كانت أدنى و أقل ضررا على المعير، و يجب أن يقتصر في كيفية الانتفاع على ما جرت به العادة، فلو أعاره سيارة للحمل فلا يحملها إلا القدر المعتاد بالنسبة إلى مثلها و ظروف استخدامها، فلو تعدى نوعا أو كيفية كان غاصبا و ضامنا و عليه أجرة ما استوفاه من المنفعة. نعم إذا تعدى في زمان الانتفاع‌

10

فقط كما إذا أعارها للانتفاع بها نهارا فتعدي و انتفع بها ليلا، فالظاهر أنه ليس عليه إلا أجرة ما استوفاه ليلا.

(مسألة 30) إذا أعاره أرضا للبناء أو الغرس، جاز له الرجوع، و له إلزام المستعير بالقلع و ليس عليه الأرش، و كذا في الزرع إذا رجع قبل إدراك الزرع، و يحتمل عدم استحقاق المعير إلزام المستعير بقلع الزرع لو رضي المستعير بالبقاء بالأجرة، و الأحوط لهما التراضي و التصالح. و مثله ما إذا أعاره حديدا للسقف ثم رجع بعد ما استعمله المستعير في البناء.

(مسألة 31) العارية أمانة بيد المستعير لا يضمنها إذا تلفت إلا بالتعدي أو التفريط. نعم لو شرط الضمان ضمنها و إن لم يكن منه تعدّ و لا تفريط، إلا إذا كانت العين المعارة ذهبا أو فضة فيضمنها سواء اشترط فيها الضمان أو لم يشترط، نعم يسقط الضمان فيهما أيضا إذا اشترط السقوط.

(مسألة 32) لا يجوز للمستعير إعارة العين المستعارة و لا إجارتها إلا بإذن المالك، فتكون إعارته مع الإذن فسخا للأولى و تجديدا للثانية و يكون المستعير وكيلا و نائبا عنه، فلو خرج المستعير الأول عن قابلية الإعارة بعد ذلك بقيت العارية الثانية على حالها.

(مسألة 33) إذا تلفت العارية بفعل المستعير، فإن كان بسبب الاستعمال المأذون فيه من دون تعدّ عن المتعارف فليس عليه ضمان، كما إذا تلفت السيارة المستعارة للحمل بسبب الحمل عليها حملا متعارفا. أما إذا كان بسبب آخر فيضمنها.

(مسألة 34) إنما يبرأ المستعير عن عهدة العين المستعارة بردها إلى مالكها أو وكيله أو وليه، و لو ردها إلى حرزها الذي كانت فيه بلا يد من المالك و لا إذن منه لم يبرأ، كما إذا رد السيارة إلى محلها بلا إذن من المالك فتلفت أو أتلفها متلف.

11

(مسألة 35) إذا استعار عينا من الغاصب، فإن لم يعلم بغصبه كان قرار الضمان على الغاصب، فإن تلفت في يد المستعير أو في الأيادي المتعاقبة غير يد الغاصب فللمالك الرجوع بعوض ماله على كل من الغاصب و المستعير، فإن رجع على المستعير يرجع هو على الغاصب، و إن رجع على الغاصب لم يكن له الرجوع على المستعير. و كذلك بالنسبة إلى بدل المنافع التي استوفاها المستعير أو تلفت في يده، فإنه إذا رجع على المستعير يرجع هو على الغاصب دون العكس.

أما إذا كان المستعير عالما بالغصب فلا يرجع على الغاصب لو رجع المالك عليه، لكن يرجع الغاصب على المستعير لو رجع المالك عليه. و لا يجوز للمستعير أن يرد العين إلى الغاصب بعد ما علم بالغصبية، بل يجب أن يردها إلى مالكها.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

كتاب الوديعة

(مسألة 36) و هي استنابة في الحفظ، أو اعتبار إضافة بين المال و الودعي و تترتب عليها أحكام الوديعة من وجوب الحفظ و عدم الضمان عند التلف بلا تفريط، و غير ذلك من أحكامها. و تطلق كثيرا على المال الموضوع و يقال لصاحب المال «المودع» و لذلك الغير «الودعي» أو «المستودع».

و هي عقد يحتاج إلى الإيجاب، و هو كل لفظ دال على تلك الاستنابة كأن يقول أودعتك هذا المال أو احفظه أو هو وديعة عندك، و نحو ذلك.

و القبول بما يدل على الرضا بالنيابة في الحفظ. و لا يعتبر فيها العربية بل تقع بكل لغة. و يجوز أن يكون الإيجاب باللفظ و القبول بالفعل، بأن يقول له مثلا هذا المال وديعة عندك فيتسلم المال لذلك. بل يصح وقوعها بالمعاطاة بأن يسلم مالا إلى أحد بقصد أن يحفظه عنده فيتسلمه بهذا العنوان.

(مسألة 37) إذا طرح ثوبا مثلا عند أحد و قال هذا وديعة عندك، فإن قبلها بالقول أو الفعل الدال عليه كانت وديعة و ترتبت عليها أحكامها و في دلالة السكوت و الاكتفاء به على فرض دلالته إشكال. أما إذا لم يقبله و لو طرحه المالك عنده بهذا القصد و ذهب عنه، فلا يكون وديعة، فلو تركه الذي قصد استيداعه و ذهب فتلف لم يكن عليه ضمان، و إن كان الأحوط القيام بحفظه مع الإمكان.

14

(مسألة 38) إنما يجوز قبول الوديعة لمن يقدر على حفظها، فمن كان عاجزا لم يجز له قبولها على الأحوط إلا مع علم المودع و طلبه القبول و الحفظ حسب قدرته.

(مسألة 39) الوديعة جائزة من الطرفين، فللمالك استرداد ماله متى شاء و للمستودع رده كذلك و ليس للمودع الامتناع عن قبوله، و لو فسخها المستودع عند نفسه انفسخت و زالت الأمانة المالكية و صار المال عند الودعي أمانة شرعية، فيجب عليه رده إلى مالكه أو إلى من يقوم مقامه أو إعلامه بالفسخ و كون المال عنده، فلو أهمل في ذلك لا لعذر عقلي أو شرعي ضمن.

(مسألة 40) يعتبر في كل من المستودع و المودع البلوغ و العقل، فلا يصح الاستيداع للصبي و لا للمجنون و لا الإيداع عندهما، من غير فرق بين كون المال لهما أو لغيرهما من الكاملين، بل لا يجوز وضع اليد على ما أودعاه، و لو أخذه منهما ضمنه و لا تبرأ ذمته برده إليهما بل تبرأ برده إلى وليهما إن كان المال لهما، أو إلى صاحبه إن كان لغيرهما.

نعم لا بأس بأخذه منهما إذا خيف تلفه في أيديهما، فيؤخذ بعنوان الحسبة في الحفظ، و لكن لا يصير بذلك وديعة و أمانة مالكية بل أمانة شرعية يجب عليه حفظها و المبادرة على إيصالها إلى وليهما أو إلى صاحب المال أو إعلامهما بكونها عنده، و ليس عليه ضمان لو تلفت في يده.

(مسألة 41) إذا أرسل شخص كامل مالا بواسطة الصبي أو المجنون إلى شخص ليكون وديعة عنده و أخذه منهما بهذا العنوان، فالظاهر أنه يصير وديعة عنده، لأن الصبي و المجنون واسطة و آلة.

(مسألة 42) إذا أودع عند الصبي و المجنون مالا لم يضمناه بالتلف، بل بالإتلاف أيضا إذا لم يكونا مميزين في وجه قوي، لكون المودع هو السبب الأقوى في التلف.

15

(مسألة 43) يجب على المستودع حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به و وضعها في الحرز الذي يناسبها كالصندوق المقفل للنقود و الحلي نحوها، و المحل المضبوط المقفل للسيارة و أمثال ذلك مما لا يعد معه عند العرف مضيعا و مفرطا و خائنا، بل حتى لو علم المودع بعدم وجود حرز لها عند المستودع يجب عليه بعد قبوله إياها تحصيله مقدمة للحفظ الواجب عليه، و كذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخل في صونها من التعيب أو التلف، كالثياب يخرجها و ينشرها عند الحاجة أو يضع لها دواء لمنع الأرضة، و الدابة يعلفها و يسقيها و يقيها من الحرّ و البرد، فلو أهمل من ذلك ضمن.

(مسألة 44) إذا عين المودع موضعا خاصا لحفظ وديعته بنحو التقييد اقتصر عليه، فلو وضعه فيه لم يجز نقلها إلى غيره و إن كان غيره أحفظ، فلو نقلها منه و تلفت ضمنها. نعم لو كانت في المحل المعين في معرض التلف جاز نقلها إلى مكان آخر أحفظ و لا ضمان عليه و إن تلفت حتى مع نهي المالك و قوله لا تنقلها، و إن كان الأحوط حينئذ أن يراجع المودع و يستأذنه في تغيير المكان، أو يفسخ الوديعة و يرد إليه المال. و إن لم يمكن مراجعة المالك راجع الحاكم مع الإمكان.

(مسألة 45) إذا تلفت الوديعة في يد المستودع من دون تعدّ منه و لا تفريط لم يضمنها، و كذا لو أخذها منه ظالم قهرا، سواء انتزعها من يده أو أمره بدفعها له بنفسه فدفعها كرها. نعم إذا كان هو سبب أخذ الظالم إياها لإخباره بها مثلا أو إظهارها في محل فوصل الظالم إليه، فالأقوى أن عليه الضمان، لأنه حينئذ سبب للإتلاف و الأمين لا يضمن التلف فقط و يضمن الإتلاف و إن كان عن قصور.

(مسألة 46) إذا تمكن من دفع الظالم بما يوجب سلامة الوديعة وجب، بل لو توقف دفعه عنها على إنكارها كاذبا بل الحلف على ذلك جاز بل‌

16

وجب، فإن لم يفعل ضمن، و الأقوى أنه لا يجب عليه التورية مع إمكانها و إن كان أحوط.

(مسألة 47) لا يجب على الودعي تحمل الضرر- الحاصل من دفع الظالم- على بدنه من جرح و غيره، أو هتك عرضه أو خسارة ماله، بل لا يجوز تحمل غير الخسارة المالية، بل و لا بعض مراتبها أيضا. نعم إذا كان ما يترتب على دفعه يسيرا جدا يتحمله غالب الناس، كما إذا تكلم معه بكلام خشن يتأذى منه و لكن لا يكون هتكا له نظرا إلى مكانته و شرفه، فالظاهر وجوب تحمله.

(مسألة 48) إذا توقف دفع الظالم عن الوديعة على بذل مال له أو لغيره وجب البذل، و كذا إذا توقف دفعه على دفع بعضها، فلو لم يفعل فأخذها الظالم كلها ضمن المقدار الزائد على ما كان يندفع به فلو كان يندفع بدفع نصفها فأهمل فأخذها الظالم كلها ضمن النصف، و لو كان يقنع بالثلث فأهمل فأخذ الكل ضمن الثلثين، و هكذا. و كذا الحال إذا كان عنده وديعتان لشخص و كان الظالم يندفع بإعطائه إحداهما فلم يفعل فأخذهما فإن كان يندفع بإحداهما المعينة ضمن الأخرى و إن كان بإحداهما لا بعينها ضمن أكثرهما قيمة.

و لو توقف دفعه على إعطائه مالا من مال الودعي نفسه، لا يجب عليه أن يدفعه تبرعا، فإذا أمكنه الاستيذان من المالك أو ممن يقوم مقامه كالحاكم عند عدم الوصول إليه لزم عليه الاستيذان، و أما إذا دفعه بلا استيذان فلا يستحق الرجوع به على المالك و إن كانت نيته ذلك، أما إذا لم يمكنه الاستيذان فله أن يدفع و يرجع به على المالك إذا كان من نيته ذلك.

(مسألة 49) إذا كانت الوديعة دابة مثلا يجب عليه سقيها و علفها و لو لم يأمره المالك بل و لو نهاه، و لا يجب أن يكون ذلك بمباشرته أو يكون ذلك‌

17

في موضعها. فيجوز أن يسقيها بواسطة خادمه أو يخرجها من منزله للسقي، إن جرت العادة بذلك و إن أمكن سقيها في موضعها.

نعم لو كان الطريق مخوفا لم يجز إخراجها، كما لا يجوز أن يسلمها بيد غير مأمون. و بالجملة لا بد من مراعاة حفظها على المعتاد بحيث لا يعد عرفا مفرطا و متعديا.

و أما نفقتها فإن وضعها المالك عنده أو قيمتها أو أذن له في الإنفاق عليها من ماله على ذمته فلا إشكال، و إلا وجب الاستيذان من المالك أو وكيله، فإن تعذر رفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بما يراه صلاحا و لو ببيع بعضها للنفقة، فإن تعذر الحاكم فإن أمكنه ردها إلى المودع أو وكيله وجب، و إلا أنفق من ماله بنية الرجوع على المالك و رجع عليه به.

(مسألة 50) تبطل الوديعة بموت كل من المودع و المستودع أو جنونه، فإن مات المودع أو جنّ تصير في يد الودعي أمانة شرعية، فيجب عليه ردها فورا إلى وارث المودع أو وليه أو إعلامهما بها، فإن أهمل لا لعذر شرعي ضمن. و إذا لم يعلم أن من يدعي الإرث وارثا أو أن الوارث منحصر فيه، فالأحوط الرجوع إلى الحاكم الشرعي. و إن كان الوارث متعددا سلمها إلى الكل أو إلى من يقوم مقامهم، و لو سلمها إلى البعض من غير إذن الباقين ضمن حصصهم.

و إن مات المستودع أو جنّ تصير أمانة شرعية في يد من كانت الوديعة حينئذ بيده و إن لم يكن وارثا أو وليا له، و يجب عليه الرد إلى المودع أو إعلامه فورا.

(مسألة 51) يجب رد الوديعة عند المطالبة في أول وقت الإمكان و إن كان المودع كافرا محترم المال، بل و إن كان حربيا مباح المال على الأحوط.

و الواجب في الرد هو رفع يده عنها و التخلية بين المالك و بينها لا نقلها إلى المالك، فلو كانت في صندوق مقفل أو بيت مغلق ففتحهما عليه فقال ها هي وديعتك خذها فقد أدى تكليفه و خرج من عهدته.

18

كما أن الفورية الواجبة مع الإمكان و عدم إجازة المودع التأخير هي الفورية العرفية، فلا يجب عليه الركض و نحوه و الخروج من الحمام فورا و قطع الطعام و الصلاة و إن كانت نافلة و نحو ذلك. و الأقوى أن له تأخير التسليم حتى يحضر الشهود إذا كان في معرض الخسارة مع عدم الإشهاد خصوصا إذا كان الإيداع مع الإشهاد.

(مسألة 52) إذا أودع اللص ما سرقه عند أحد، لم يجز له رده إليه مع الإمكان، بل يكون أمانة شرعية في يده، و يجب إيصاله إلى صاحبه إن عرفه، و إلا عرّفه سنة فإن لم يجد صاحبه تصدق به عنه، فإن جاء بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم، فإن اختار أجر الصدقة كان له و إن اختار الغرامة غرم له و كان الأجر للمتصدق.

(مسألة 53) كما يجب رد الوديعة عند مطالبة المالك، يجب ردها إذا خاف عليها من تلف أو سرقة أو حرق و نحو ذلك، فإن أمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله الخاص أو العام تعين. و إلا أوصلها إلى الحاكم إذا كان قادرا على حفظها، و لو فقد الحاكم أو كانت عنده أيضا في معرض التلف لسبب من الأسباب، أودعها عند ثقة أمين متمكن من حفظها.

(مسألة 54) إذا ظهر للمستودع أمارة الموت بسبب المرض الخطير أو غيره يجب عليه ردها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان، و إلا فإلى الحاكم و مع فقده يوصي بها و يشهد عليها، فلو أهمل ذلك ضمن. و ليكن الإيصاء و الإشهاد بنحو يؤمّن حفظ الوديعة لمالكها، فلا بد من ذكر جنسها و وصفها و مكانها و اسم مالكها، فلا يكفي قوله عندي وديعة لبعض الناس.

نعم إذا كان الوارث مطلعا عليها و كان ثقة أمينا يرد الوديعة بلا إشهاد و لا وصية و لا معارضة من الورثة فالأقوى عدم وجوب الوصية بها و عدم وجوب الإشهاد عليها.

19

(مسألة 55) يجوز للودعي أن يسافر و يبقي الوديعة في حرزها السابق عند أهله و عياله ما دام لا يتوقف حفظها على حضوره، و إلا فإن لم يكن سفره ضروريا فيلزم عليه إما ترك السفر و إما ردها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان، أو إيصالها إلى الحاكم مع التعذر، و مع فقده فالظاهر أنه يتعين عليه ترك السفر، و لا يجوز أن يسافر بها و لو مع أمن الطريق و لا إيداعها عند أمين على الأحوط إن لم يكن أقوى.

و إن كان سفره ضروريا، فإن تعذر ردها إلى المالك و القائم مقامه تعين إيداعها عند أمين، فإن تعذر إيداعها عنده أيضا سافر بها محافظا عليها بقدر الإمكان و ليس عليه ضمان.

نعم في الأسفار الطويلة الكثيرة الخطر يجب أن يعاملها معاملة من ظهر له أمارة الموت فيردها، و إلا فيوصي بها و يشهد عليها كما مر.

(مسألة 56) المستودع أمين لا يضمن إذا تلفت الوديعة أو تعيبت في يده، إلا مع التفريط أو التعدي كما هو الحال في كل أمين.

أما التفريط فهو الإهمال في المحافظة عليها كما جرت العادة بحيث يعدّ عند العرف مضيعا و متسامحا، كما إذا وضعها في محل ليس حرزا و لم يراقبها، أو ترك سقي الدابة و علفها، أو ترك نشر الثوب الذي يلزمه النشر في وقته، أو أودعها، أو سافر بها من غير ضرورة و لم يكن السفر بها مقدمة لحفظها، أو ترك التحفظ من النداوة فيما تفسده كالكتب و بعض الأقمشة و غير ذلك.

و أما التعدي فهو أن يتصرف فيها بما لم يأذن له المالك مثل أن يلبس الثوب أو يفرش الفراش أو يركب الدابة، إلا إذا توقف حفظها على التصرف، كما إذا توقف حفظ الثوب و الفراش على اللبس و الافتراش، أو يصدر منه بالنسبة إليها ما ينافي الأمانة و تكون يده عليها على وجه الخيانة، كما إذا جحدها لا لمصلحة الوديعة و لا لعذر من نسيان و نحوه.

و قد يجتمع التفريط مع التعدي، كما إذا وضع الثوب أو القماش أو الكتب‌

20

و نحوها في موضع تتعفن فيه أو تفسد، و لعل من ذلك ما إذا أودعه دراهم مثلا في كيس مختوم أو مخيط أو مشدود فكسر ختمه أو حل خيطه و شده من دون ضرورة و مصلحة. و من التعدي خلط الوديعة بماله، سواء كان بالجنس أو بغيره، و سواء كان بالمساوي أو بالأجود أو بالأردإ، و أما لو خلطه بجنسه من مال صاحبه كما إذا أودع عنده دراهم في كيسين غير مختومين و لا مشدودين فجعلهما كيسا واحدا، فإن كان ذلك مقدمة لحفظها أو لم يحرز أن غرض المودع حفظهما منفصلين أو مخلوطين، فلا بأس به و إلا ففيه إشكال.

(مسألة 57) إذا فرط بالأمانة أو تعدى يصير ضمانها عليه لو تلفت حتى لو لم يكن تلفها مستندا إلى تفريطه و تعدّيه، لأن يده الأمانية غير الضمانية تتبدل إلى يد خيانة ضمانية.

(مسألة 58) إذا نوى التصرف في الوديعة و لم يتصرف فيها لم يضمن بمجرد النية. نعم لو نوى الغصبية بأن قصد الاستيلاء عليها و التغلب على مالكها كسائر الغاصبين ضمنها لصيرورة يده يد عدوان، و لو رجع عن قصده لم يزل الضمان. و مثله ما إذا جحدها أو طلبت منه فامتنع من ردها مع التمكن عقلا و شرعا، فإنه يضمنها بمجرد ذلك، و لا يبرأ من الضمان لو عدل عن جحوده أو امتناعه.

(مسألة 59) إذا كانت الوديعة في كيس مختوم مثلا ففتحها و أخذ بعضها ضمن الجميع، بل المتجه الضمان بمجرد الفتح كما سبق، و أما إذا لم تكن مودعة في حرز أو كانت في حرز الودعي و لم يضعها المودع فيه، و أخذ بعضها فإن كان قصده الاقتصار عليه، فالظاهر قصر الضمان على المأخوذ دون ما بقي، و إن كان قصده عدم الاقتصار بل أخذ الجميع شيئا فشيئا، فلا يبعد أن يكون ضامنا للجميع.

21

(مسألة 60) إذا سلمها إلى زوجته أو ولده أو خادمه ليحرزوها، ضمن إلا أن يكونوا كالآلة لكون ذلك بمحضر المودع و مشاهدته و سكوته الكاشف عن رضاه بحسب العادة، و أما مع احتمال كون سكوته للحياء ففيه إشكال، خصوصا إذا جرت العادة بحفظ أمثالها مباشرة.

(مسألة 61) إذا فرط في الوديعة ثم رجع عن تفريطه، بأن أعادها إلى الحرز المضبوط و قام بما يوجب حفظها، أو تعدّى ثم رجع، كما إذا لبس الثوب ثم نزعه لم يبرأ من الضمان. و لو جدد المالك له الاستيمان فإن كان بالإيجاب و القبول فيكون وديعة جديدة محكومة بأحكامها، و إن كان بمجرد الإذن في البقاء تحت يده فيرتفع الضمان لكن لا تترتب عليه أحكام الوديعة.

و لو أبرأه من الضمان فالأقوى عدم السقوط إلا إذا فهم منه الرضا ببقائها تحت يده. نعم لو تلفت العين في يده و اشتغلت ذمته بعوضها، يصح الإبراء و يسقط الحق به.

(مسألة 62) إذا أنكر الوديعة أو اعترف بها و ادعى التلف أو الرد و لا بينة، فالقول قوله بيمينه، و كذا لو تسالما على التلف، و لكن ادعى عليه المودع التفريط أو التعدي.

(مسألة 63) إذا دفعها إلى غير المالك و ادعى الإذن من المالك فأنكر المالك و لا بينة، فالقول قول المالك. أما لو صدقه على الإذن لكن أنكر التسليم إلى من أذن له فهو كدعواه الرد إلى المالك مع إنكاره، فيكون القول قول الودعي مع يمينه.

(مسألة 64) إذا أنكر الوديعة و أقام المالك البينة عليها، فصدقها لكن ادعى أنها تلفت قبل أن ينكرها، لم تسمع دعواه، فلا يقبل منه اليمين و لا البينة على إشكال إلا إذا أبدى عذرا مسموعا عند العقلاء فلا يبعد السماع.

أما إذا ادعى تلفها بعد ذلك فتسمع دعواه و يحتاج إلى البينة لكنه لا أثر لدعواه و لو ثبتت بالبينة إلا عدم إلزامه برد العين، و أما الضمان فقد استقر‌

22

عليه بإنكار الوديعة. نعم لو أذن له بعد الإثبات في إبقائها عنده و أثبت بالبينة تلفها فلا ضمان عليه إلا مع التفريط.

(مسألة 65) إذا أقر بالوديعة ثم مات فإن عينها في عين شخصية معينة موجودة حال موته، أخرجت من التركة، و كذا إذا عينها ضمن مصاديق من جنس واحد موجودة حال الموت، كما إذا قال إحدى هذه الشياه وديعة عندي من فلان و لم يعينها، فعلى الورثة إذا احتملوا صدق المورث و لم يميزوا الوديعة من غيرها أن يعاملوها كما لو علموا إجمالا بأن إحدى هذه الشياه لفلان.

و إذا عين الوديعة و لم يعين مالكها كانت من مجهول المالك، و قد مرّ ما يعلم منه حكم الصورتين في المخلوط بالحرام من كتاب الخمس، و أن الحكم في الصورة الأولى هو التصالح و التراضي مع المالك، و الصورة الثانية فيها تفصيل فراجع. و إذا عينها المودع في معين و احتمل صدقه فالأقوى اعتبار قوله إن لم يكن له معارض. و إن لم يعين المورث المالك و لا المال و لا محله بحيث تردد بين كونه في تركته أو محل آخر، فلا اعتبار بقوله إذا لم يعلم الورثة بوجود الوديعة في تركته حتى إذا ذكر الجنس و لم يوجد من ذلك الجنس في تركته إلا واحد، إلا إذا علم أن مراده ذلك الواحد.

و إذا عين المالك دون المال فيجب على الورثة إرضاؤه أو القبول بحكم الحاكم إذا حكم بالقرعة أو بوجوب المصالحة أو غيرهما. و إذا عين المال دون المالك فيحكم عليه بحكم مجهول المالك. و إذا أخبر أن في تركته وديعة لأحد و لم يعين، كان مال الوديعة شبهة في محصور و مالكها مجهول المالك.

خاتمة

(مسألة 66) الأمانة على قسمين: مالكية و شرعية، فالأمانة المالكية ما كانت باستئمان المالك و إذنه، سواء كان عنوان عمله ممحضا في ذلك كالوديعة‌

23

أو تبعا لعنوان آخر مقصود بالذات كما في الرهن و العارية و الإجارة و المضاربة، فإن العين بيد المرتهن و المستعير و المستأجر و العامل أمانة مالكية، حيث أن المالك قد سلمها بعنوان الاستئمان و جعل حفظها على عهدتهم.

و أما الأمانة الشرعية فهي ما وقع تحت يد آخر، لا باستئمان المالك و إذنه و لا على وجه العدوان، بل إما قهرا كما إذا أطارت الريح ثوبا أو جاء به السيل إلى ملكه مثلا فصار بحيث يصدق عليه أنه في يده، و إما بتسليم المالك لها بدون اطلاعهما، كما إذا اشترى صندوقا فوجد فيه المشتري شيئا من مال البائع بدون اطلاعه، أو تسلم البائع أو المشتري زائدا على حقهما بسبب الغلط في الحساب، أو صارت في يده برخصة من الشرع كاللقطة و الضالة و ما ينتزع من يد السارق أو الغاصب من مال الغير حسبة للإيصال إلى صاحبه، و كذا ما يؤخذ من الصبي أو المجنون من مالهما عند خوف التلف في أيديهما حسبة للحفظ، و ما يؤخذ من معرض الهلاك و التلف من الأموال المحترمة، كحيوان معلوم المالك في مسبعة أو مسيل و نحو ذلك، فإن العين في جميع هذه الموارد تكون تحت يد المستولي عليها أمانة شرعية يجب عليه حفظها وردها في أول أزمنة الإمكان إلى صاحبها و لو مع عدم المطالبة، و لا يخلو كفاية إعلامه و التخلية بينه و بينها من قوة. و لو تلفت في يده فليس عليه ضمان إلا مع التفريط أو التعدي كالأمانة المالكية.

و إذا كانت العين أمانة مالكية تبعا لعنوان آخر و ارتفع ذلك العنوان، كالعين المستأجرة بعد انقضاء مدة الإجارة، و العين المرهونة بعد فك الرهن، و المال الذي بيد العامل بعد فسخ المضاربة، فالأرجح أنها أمانة مالكية إذا بقيت العين عنده برضا المالك، أو بقيت مدة تستلزمها الإجارة أو المضاربة أو الرهن، و أما إذا كان التأخير لعجزه عن الوصول إلى مالكها فتكون أمانة شرعية.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

كتاب المضاربة

(مسألة 67) و تسمى القراض، و حقيقتها توكيل صاحب المال العامل ليتّجر بماله على أن يكون الربح بينهما و إذا جعل تمام الربح للمالك يقال له البضاعة، فتكون المضاربة بمنزلة وكالة محدودة و جعالة مخصوصة لشخص معين في عمل خاص بجعل مخصوص.

و حيث إنها عقد من العقود تحتاج إلى إيجاب من المالك و قبول من العامل، و يكفي في الإيجاب كل لفظ يفيد هذا بالظهور العرفي كقوله «ضاربتك أو قارضتك أو عاملتك على كذا» و ما أفاد هذا المعنى، و في القبول «قبلت» و شبهه.

(مسألة 68) يشترط في المتعاقدين البلوغ و العقل و الاختيار، و في المالك عدم الحجر. و في رأس المال أن يكون عينا فلا تصح بالمنفعة و لا بالدين سواء كان على العامل أو على غيره إلا بعد قبضه، و أن يكون درهما أو دينارا مسكوكا، أو أوراقا مالية كأوراق الإسكناس المتعارفة، فلا تصح بالذهب و الفضة غير المسكوكين فضلا عن العروض. و أن يكون معينا فلا تصح بالمبهم كأن يقول: قارضتك بأحد هذين المالين أو بأيهما شئت، و أن يكون معلوما قدرا و وصفا.

و في الربح أن يكون معلوما فلو قال: على أن لك مثل ما شرط فلان لعامله، و لم يعلما ما شرط بطل، و أن يكون مشاعا مقدرا بأحد الكسور كالنصف أو‌

26

الثلث فلو قال: على أن لك من الربح مائة و الباقي لي أو بالعكس، أو على أن لك نصف الربح و عشرة دراهم مثلا لم يصح، و أن يكون بين المالك و العامل و لا يشاركهما غيرهما، فلو جعلا جزءا منه لأجنبي بطل إلا أن يكون له عمل متعلق بتلك التجارة.

(مسألة 69) يشترط في المضاربة أن يكون الاسترباح بالتجارة، فلو دفع إلى الزارع مالا ليصرفه في الزراعة و يكون الحاصل بينهما، أو إلى الطباخ أو الخباز أو الصباغ مثلا ليصرفوها في حرفتهم و يكون الربح و الفائدة بينهما، لم يصح و لم تقع مضاربة.

(مسألة 70) يجوز أن يوكل أحدا في استيفاء دينه ثم إيقاع عقد المضاربة عليه، فيكون موجبا عن المالك و قابلا عن نفسه، و كذا لو كان المديون هو العامل يجوز توكيله في تعيين ما كان في ذمته في مال معين، ثم إيقاع عقد المضاربة عليه موجبا و قابلا.

(مسألة 71) إذا دفع إليه عروضا و قال بعها و يكون ثمنها مضاربة، لم يصح إلا إذا أوقع عقد المضاربة بعد ذلك على ثمنها.

(مسألة 72) إذا دفع إليه شبكة مثلا على أن يكون ما وقع فيها من السمك بينهما بالنصف أو الثلث مثلا، لم يكن مضاربة بل المعاملة فاسدة، فيكون ما وقع فيها من الصيد للصائد و عليه أجرة مثل الشبكة لصاحبها، لكن لو أذن له بالتصرف في شبكته بشرط أن يتملك لصاحب الشبكة نصف ما يصيده بها فالظاهر أنه لا مانع منه، و إذا نوى ذلك في صيده يصير صاحب الشبكة شريكا بمقدار ما نواه له.

(مسألة 73) إذا دفع إليه مالا ليشتري نخيلا أو أغناما على أن تكون الثمرة و النتاج بينهما، لم يكن مضاربة، بل المعاملة فاسدة و تكون الثمرة و النتاج لصاحب المال و عليه للعامل مثل أجرة عمله.

27

(مسألة 74) تصح المضاربة على المشاع كالمفروز، فلو كان مبلغ معلوم من المال مشتركا بين اثنين فقال أحدهما للعامل قارضتك بحصتي من هذا المال، صح مع العلم بمقدار حصته، و كذا لو كان عنده ألف دينار مثلا و قال قارضتك بنصف هذه الدنانير.

(مسألة 75) لا فرق بين أن يقول: خذ هذا المال مضاربة و لكل منا نصف الربح، أو يقول: و الربح بيننا، أو يقول: و لك نصف الربح أو لي نصف الربح، فإن الظاهر أنه جعل لكل منهما نصف الربح، و كذلك لا فرق بين أن يقول: خذه قراضا و لك نصف ربحه أو يقول لك ربح نصفه، فإن مفاد الجميع واحد عرفا.

(مسألة 76) إذا اتحد المالك في المضاربة و تعدد العامل في مال واحد فإن كان المقصود مثلا كون كل منهما عاملا في نصف المال فلا إشكال فيه، فيكون عقدا واحدا معهما بمنزلة عقدين، سواء كان سهم كل منهما مميزا في الخارج أو مشاعا، و سواء كانت حصة أحدهما أكثر أم لا. و إن كان المقصود صدور العمل منهما معا لا من أحدهما منفردا، فلا يبعد صحته أيضا، و يجوز التسوية بينهما في الحصة و التفاضل، و لكن لا يجوز لكل منهما العمل مستقلا، و هما شريكان في الربح على ما جعل لهما في العقد.

أما إذا كان المقصود عمل كلّ منهما في جميع المال مستقلا أو منضما و لكن كلما عمل أحدهما يكون الآخر شريكا له في ربحه سواء عمل أم لم يعمل، ففي صحته تأمل و إشكال سواء كانت حصتاهما متساويتين أو متفاوتتين.

و كذا يجوز تعدد المالك و اتحاد العامل، كما إذا كان المال مشتركا بين اثنين فقارضا واحدا بأن يكون النصف للعامل و النصف بينهما بالسوية، و كذا بالتفاضل بأن يكون في حصة أحدهما بالنصف و في حصة الآخر بالثلث مثلا بشرط أن يكون المقصود معلوما و لو بالقرينة، فإذا كان الربح اثني عشر‌

28

استحق العامل خمسة و استحق أحد الشريكين ثلاثة و الآخر أربعة. هذا إذا كان رأس مال الشريكين متفاوتا، أما إذا كان متساويا، و وقعت المضاربة على التفاضل بينهما في استحقاق الربح، فالأقوى البطلان.

(مسألة 77) المضاربة جائزة من الطرفين فللمالك الرجوع عن الإذن في التصرف و للعامل الامتناع عن العمل في أي وقت، و أما الفسخ بعد تمام العمل و الرجوع إلى أجرة المثل لا إلى ما عيناه من الربح، فالأقوى عدم جوازه.

و إذا اشترطا فيها الأجل جاز لكل منهما فسخها قبل انقضائه، و لو اشترطا فيها عدم الفسخ فإن كان المقصود لزومها بحيث لا ينفسخ بفسخ أحدهما بطل الشرط دون أصل المضاربة على الأقوى، و إن كان المقصود التزامهما بأن لا يفسخاها فلا بأس به و إن لم يلزم عليهما العمل به و لكن الأحوط العمل به أما إذا جعلا هذا الشرط في ضمن عقد خارج لازم كالبيع و الصلح و نحوهما فيجب العمل به تكليفا لكن إذا فسخها أحدهما تنفسخ.

(مسألة 78) الظاهر جريان المعاطاة و الفضولية في المضاربة فتصح بالمعاطاة، و إذا وقعت فضولا من المالك أو العامل تصح بإجازتهما كالبيع.

(مسألة 79) تبطل المضاربة بموت كل من المالك و العامل، و الأقوى أنها لا تستمر بإجازة الورثة.

(مسألة 80) العامل أمين، فلا ضمان عليه لو تلف المال أو تعيب في يده إلا مع التعدي أو التفريط، كما أنه لا يضمن خسارة التجارة، بل هي على صاحب المال. و لو اشترط المالك على العامل أن يكون شريكا معه في الخسارة كما هو شريك في الربح، فالأقوى عدم صحة الشرط. نعم لو كان مرجعه إلى اشتراط أنه على تقدير وقوع الخسارة على المالك يخسر العامل نصفها مثلا من كيسه لا بأس به، لكن لزوم الوفاء به على العامل يتوقف على إيقاع هذا الشرط ضمن عقد لازم، فيجب العمل به حينئذ تكليفا.

29

(مسألة 81) يجب على العامل بعد عقد المضاربة القيام بوظيفته و هي ما يقوم به التاجر عادة لنفسه في مثل تلك التجارة و ذلك المكان و الزمان و ذلك العامل، من عرض القماش و النشر و الطي مثلا و قبض الثمن و إحرازه في حرزه، و استئجار من جرت العادة باستئجاره كالدلال و الوزان و الحمال، و يعطي أجرتهم من أصل المال، بل لو باشر مثل هذه الأمور هو بنفسه لا بقصد التبرع فالظاهر جواز أخذ الأجرة. نعم لو استأجر العامل لما يتعارف فيه مباشرته بنفسه كانت عليه الأجرة و يضمن المال لو تلف في يد الأجير، إلا إذا كان مأذونا في ذلك.

(مسألة 82) إذا كان عقد المضاربة مطلقا، جاز للعامل الاتجار بالمال على حسب ما يراه مصلحة من حيث الجنس المشترى، و من حيث البائع و المشتري و غير ذلك، بل لا يتعين عليه أن يبيع نقدا، بل يجوز أن يبيع الجنس بجنس آخر إلا أن يكون هناك تعارف ينصرف إليه الإطلاق. نعم لو شرط عليه المالك أن لا يشتري الجنس الفلاني أو إلا الجنس الفلاني، أو لا يبيع من الشخص الفلاني، أو الطائفة الفلانية، و غير ذلك من الشروط، لم يجز له المخالفة، و لو خالف ضمن المال و الخسارة، لكن لو حصل الربح و كانت التجارة رابحة شارك المالك في الربح حسب عقد المضاربة.

(مسألة 83) لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر لنفسه أو لغيره إلا بإذن المالك عموما أو خصوصا، فلو خلط ضمن، لكن إذا اتّجر بالمجموع و حصل ربح فهو بين المالين بالنسبة.

(مسألة 84) إذا كان العقد مطلقا لا يجوز للعامل أن يبيع نسيئة خصوصا في بعض الأزمان و على بعض الأشخاص، إلا أن يكون متعارفا بين التجار و لو بالنسبة إلى ذلك البلد أو الجنس الفلاني بحيث لا ينصرف عنه الإطلاق، فلو خالف مقتضى الانصراف ضمن، و لكن لو استوفاه و حصل ربح كان بينهما.

30

(مسألة 85) ليس للعامل أن يسافر بالمال برّا أو بحرا و لا الاتجار به في بلد آخر غير بلد المال إلا أن يكون ذلك متعارفا أو يأذن المالك، فلو سافر ضمن التلف و الخسارة لكن لو حصل ربح يكون بينهما كما مرّ. و كذا لو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها.

(مسألة 86) ليس للعامل أن ينفق في الحضر من مال القراض شيئا و إن قل، و أما في السفر بإذن المالك فله الإنفاق من رأس المال إلا إذا اشترط عليه المالك أن تكون نفقته من نفسه. بل لا يبعد أن يكون له الإنفاق من رأس المال إذا كان السفر بغير إذنه أيضا ما دامت المضاربة باقية، و يكون الربح بينهما. و لا ينافي ذلك كون الخسارة عليه لمخالفته المالك.

و المراد بالنفقة ما يحتاج إليه من مأكول و مشروب و ملبوس و مركوب و آلات و أدوات و أجرة مسكن و نحو ذلك مع مراعاة ما يليق بحاله عادة على وجه الاقتصاد، فلو أسرف حسب عليه، و لو قتّر على نفسه أو لم يحتج إليها لم تحسب له. و ليس من النفقة جوائزه و عطاياه و ضيافاته و غير ذلك، فهي على العامل إلا إذا كانت لمصلحة التجارة.

(مسألة 87) المراد بالسفر هنا السفر العرفي لا الشرعي، فيشمل ما دون المسافة، كما أنه يشمل أيام إقامته عشرة أيام أو أكثر، بشرط أن تكون الإقامة من شؤون السفر، كانتظار الرفقاء أو لخوف الطريق، أو للراحة من تعبه، أو تكون لأمور متعلقة بالتجارة كدفع الضرائب و تخليص البضاعة أو شرائها، و غير ذلك.

أما إذا كانت إقامته للتفرج أو لتحصيل مال لنفسه و نحو ذلك فالظاهر كون نفقته على نفسه، خصوصا إذا كان ذلك بعد تمام العمل.

(مسألة 88) إذا كان عاملا في سفره لنفسه و غيره و لم تكن المضاربة علة مستقلة للسفر توزع النفقة، و لا يترك الاحتياط بمراعاة أقل الأمرين من‌

31

نسبة المالين أو العملين. أما إذا كانت المضاربة علة مستقلة للسفر فلا يبعد جواز أخذ تمام النفقة من رأس مال المضاربة. و إذا كان عاملا لاثنين أو أكثر فالأقوى توزيع النفقة بينهما بنسبة المالين، و الأحوط لهما التصالح.

(مسألة 89) لا يعتبر ظهور الربح في استحقاق النفقة، بل ينفق من أصل المال و إن لم يكن ربح. نعم لو أنفق و حصل ربح فيما بعد يجبر ما أنفقه كسائر الغرامات و الخسارات.

(مسألة 90) الظاهر أنه يجب على العامل الشراء بعين مال المضاربة و يشكل أن يشتري بالكلي في ذمة المالك، إلا أن يأذن المالك بذلك، كما لا إشكال في عدم جوازه إذا اشترط المالك عدمه.

(مسألة 91) لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلا في أصل التجارة من دون إذن المالك. نعم يجوز له التوكيل و الاستيجار في بعض المقدمات المتعارف فيها التوكيل فيها، و كذلك لا يجوز له أن يضارب غيره أو يشاركه فيها إلا بإذن المالك. فإن أذن و كان قصده فسخ المضاربة الأولى انفسخت الأولى بإيقاع المضاربة الجديدة. و إن كان قصده بقاء الأولى أيضا حتى يجوز لكل منهما العمل في أيّ مقدار كان، فالظاهر أنه لا مانع منه نظير جعل الوكالة لاثنين في بيع ماله أو جعل الجعالة لكل من رد ضالته مثلا، فكل منهما إذا عمل في مجموع المال أو مقدار منه يستحق حصته من الربح، و لا يبقى للآخر شي‌ء حتى يجوز له فيه العمل.

أما لو كان المقصود أن يكون العامل الثاني عاملا للعامل الأول فالأقوى عدم الصحة.

(مسألة 92) الظاهر أنه يصح أن يشترط أحدهما على الآخر في ضمن عقد المضاربة مالا أو عملا، كما إذا شرط المالك على العامل أن يخيط له ثوبا أو يعطيه شيئا و بالعكس.

32

(مسألة 93) الظاهر أن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره، و لا يتوقف على تحويل البضاعة إلى نقد، و لا على القسمة، كما أن الظاهر أنه يصير بالربح شريكا مع المالك في نفس العين الموجودة بالنسبة، فيصح له المطالبة بالقسمة و له التصرف في حصته بالبيع و الصلح و يترتب عليها حصول الإرث على جميع الأقوال، غاية الأمر أن ما يورث ملك على تقدير و حق على الآخر، و كذا يترتب عليها تعلق الزكاة و حق الغير و غير ذلك.

أما الخمس فالظاهر أن استقرار الملك شرط في تعلقه، و كذا حصول الاستطاعة للحج.

(مسألة 94) تجبر الخسارة الواردة على مال المضاربة بالربح ما دامت المضاربة باقية، سواء كانت سابقة على الربح أو لاحقة، فتكون ملكية العامل للربح بظهوره ملكية متزلزلة، و تستقر بتحويل البضاعة إلى نقد و فسخ المضاربة و القسمة بشكل قطعي، فلا جبران بعد ذلك. و في حصول الاستقرار بدون اجتماع الثلاثة أقوال أقواها أنه يتحقق بالفسخ مع القسمة و إن لم يحصل الانضاض، بل لا يبعد تحققه بالفسخ و الانضاض و إن لم تحصل القسمة، بل لا يبعد أيضا كفاية إفراز حصة العامل من الربح و دفع الباقي إلى المالك برضاهما.

(مسألة 95) كما يجبر الخسران في المضاربة بالربح كذلك يجبر به التلف، كما لو تلف بعض رأس المال بسبب غرق أو حريق أو سرقة أو غيرها و ربح بعضها فيجبر تلف البعض بربح البعض، نعم لو تلف كل رأس المال قبل الشروع بالعمل تنفسخ المعاملة و ينتفي موضوع الجبران.

(مسألة 96) إذا حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة فإن كان قبل الشروع في العمل و مقدماته فلا إشكال و لا شي‌ء للعامل و لا عليه، و كذا إن كان بعد تمام العمل و الانضاض أي تحويل البضاعة إلى نقد، إذ مع حصول‌

33

الربح يقتسمانه و مع عدمه يأخذ المالك رأس ماله و لا شي‌ء للعامل و لا عليه.

أما إذا كان في الأثناء بعد الشروع في العمل، فإن كان قبل حصول الربح فليس للعامل شي‌ء و لا أجرة له لما مضى من عمله، سواء كان الفسخ منه أو من المالك، أو حصل الانفساخ القهري. كما أنه ليس على العامل شي‌ء مطلقا حتى لو حصل الفسخ منه في السفر المأذون فيه من المالك بل و غير المأذون فيه أيضا كما مر، فلا يضمن العامل ما صرفه في نفقته من رأس المال، و لا يجوز للعامل التصرف بالبضاعة بدون إذن المالك، كما أنه ليس للمالك إلزامه بالبيع و الانضاض.

و إن كان بعد حصول الربح، فإن كان بعد الانضاض فقد تم العمل فيأخذ كل منهما حقه، و إن كان قبل الانضاض فعلى ما مر من تملّك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره يشارك المالك في العين، فإن رضيا بالقسمة على هذه الحال أو انتظرا إلى الانضاض فلا إشكال، و إن طلب أحدهما بيعها لم يجب على الآخر إجابته. نعم لو لم تحصل القسمة و حدثت الخسارة قبلها و قبل الانضاض، تجبر بالربح.

(مسألة 97) إذا كان في المال ديون على الناس فالأحوط إن لم يكن أقوى أنّ على العامل استيفاءها إلا إذا رضي المالك بتركها.

(مسألة 98) إذا انفسخت المضاربة وجب على العامل رد المال إلى المالك، و تحقق الرد بالتخلية بينه و بينه بدون إيصال إليه مشكل خصوصا إذا لم يكن الفسخ من المالك. أما إذا كان سافر برأس المال إلى بلد آخر بغير إذنه فيجب إرجاعه إلى المالك، و يتحمل مؤنة إرجاعه.

(مسألة 99) إذا كانت المضاربة فاسدة، فإن كان العمل بإذن المالك حتى لو كانت مضاربة باطلة أو أجازه بعد علمه ببطلانها، فالربح كله للمالك، سواء كانا جاهلين بالفساد أو عالمين أو مختلفين. و إذا أذن له المالك بالإتجار‌

34

مقيدا بصحة المضاربة و كانت فاسدة فالمعاملة باطلة من أصلها و لا ربح، لكن العامل يستحق أجرة المثل في جميع الصور إذا كان مأذونا بالتجارة و جاهلا بالفساد، سواء كان المالك عالما به أو جاهلا.

و أما إذا عمل بدون إذن المالك فلا يستحق شيئا و إن أجاز المالك معاملاته بعد وقوعها. و كذا لا يستحق شيئا إذا كان عالما بفساد المضاربة إلا إذا عمل بأمر المالك و لو مع علمه بالفساد فيكون له الأجرة. و كذا له نفقة السفر إذا سافر بأمر المالك.

و في كل الأحوال لا يضمن العامل التلف و النقص الوارد على المال، و الأقوى أنه يضمن ما أنفقه على نفسه في السفر لا على التجارة و إن كان جاهلا بفساد المضاربة.

(مسألة 100) إذا ضارب مع الغير بمال الغير من دون ولاية و لا وكالة وقع فضوليا، فإن أجازه المالك وقع له و كان الخسران عليه و الربح بينه و بين العامل على ما شرطاه، و إن رده فإن كان قبل أن يعامل بماله طالبه به، و يجب على العامل رده إليه، و إن تلف أو تعيب كان له الرجوع على كل من المضارب و العامل، فإن رجع على المضارب لم يرجع على العامل و إن رجع على العامل رجع على المضارب، هذا إذا كان المضارب غارّا و العامل مغرورا، و إلا فقرار الضمان على من تلف المال عنده، و للمالك الرجوع على كل منهما.

و إن رد مضاربته بعد أن عومل بماله كانت المعاملة فضولية، فإن أمضاها وقعت له و كان تمام الربح له و تمام الخسران عليه، و إن ردها رجع بماله على كل من شاء من المضارب و العامل كما في صورة التلف، و يجوز له أن يلاحظ مصلحته فإذا رآها تجارة رابحة أجازها و إذا رآها خاسرة ردها.

و أما معاملة العامل مع المضارب، فإذا لم يعمل عملا لم يستحق شيئا، و كذا إذا عمل و كان عالما بكون المال لغير المضارب، و أما إذا عمل و لم يعلم بكونه لغيره استحق أجرة مثل عمله و رجع بها على المضارب.

35

(مسألة 101) إذا أخذ العامل رأس المال ليس له ترك الاتجار به و تعطيله عنده أكثر مما جرت به العادة بحيث يعدّ متوانيا متسامحا، فإن عطله كذلك لا لعذر موجه و كان الإذن بإمساكه مقيدا بالمعاملة، ضمنه لو تلف لكن لم يستحق المالك عليه غير أصل المال، و ليس له مطالبته بالربح على تقدير الاتجار به.

(مسألة 102) إذا ضاربه على خمسمائة مثلا فدفعها إليه و عامل بها، و في أثناء التجارة بها دفع إليه خمسمائة أخرى للمضاربة، فالظاهر أنهما مضاربتان، فلا تجبر خسارة إحداهما بربح الأخرى. نعم لو ضاربه على ألف مثلا فدفع إليه خمسمائة فعامل بها ثم دفع إليه خمسمائة أخرى فهي مضاربة واحدة تجبر خسارة كل من المعاملتين بربح الأخرى.

(مسألة 103) إذا كان رأس المال مشتركا بين اثنين فضاربا واحدا ثم فسخ أحد الشريكين، فمقتضى القاعدة عدم الانفساخ بالنسبة إلى الآخر لأن المضاربة مع الشريكين تنحل إلى مضاربتين.

(مسألة 104) إذا تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال و لم توجد بينة قدم قول العامل، سواء كان المال موجودا أو كان تالفا مضمونا على العامل.

(مسألة 105) إذا ادعى العامل التلف أو الخسارة أو عدم حصول الديون التي عند الناس و لم تكن مضمونة عليه، و ادعى المالك خلافه و لم توجد بينة، قدم قول العامل.

(مسألة 106) إذا اختلفا في الربح و لم توجد بينة قدم قول العامل، سواء اختلفا في أصل حصوله أو في مقداره، بل و كذا الحال إذا قال العامل ربحت كذا لكن خسرت بعد ذلك بمقداره فذهب الربح.

(مسألة 107) إذا اختلفا في نصيب العامل من الربح و أنه النصف مثلا أو الثلث و لم توجد بينة، قدم قول المالك.

36

(مسألة 108) إذا تلف المال أو وقعت خسارة فادعى المالك على العامل الخيانة أو التفريط في الحفظ و لم تكن له بينة، قدم قول العامل، و كذا لو ادعى عليه مخالفته لما شرط عليه، سواء كان النزاع في أصل الاشتراط أو في مخالفته لما شرط عليه، كما إذا ادعى المالك أنه قد اشترط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني فاشتراه فخسر و أنكر العامل أصل هذا الاشتراط أو أنكر مخالفته لما اشترط عليه. نعم لو كان النزاع في صدور الإذن من المالك فيما لا يجوز للعامل إلا بإذنه، كما لو سافر بالمال أو باع نسيئة فتلف أو خسر، فادعى العامل كونه بإذن المالك و أنكره، قدم قول المالك.

(مسألة 109) إذا ادعى رد المال إلى المالك و أنكره قدم قول المالك.

(مسألة 110) إذا اشترى العامل سلعة فظهر فيها ربح فقال اشتريتها لنفسي و قال المالك اشتريتها للقراض، أو ظهر خسران فادعى العامل أنه اشتراها للقراض و قال صاحب المال بل اشتريتها لنفسك، قدم قول العامل بيمينه.

(مسألة 111) إذا حصل تلف أو خسارة، فادعى المالك أنه أقرضه و ادعى العامل أنه قارضه فلا يبعد تقدم قول العامل مع يمينه على نفي القرض، لعدم الأثر في القراض بخلاف القرض. و أما لو حصل ربح فادعى المالك أنه قارضه و ادعى العامل أنه أقرضه، فيقدم قول المالك.

(مسألة 112) إذا ادعى المالك أنه أعطاه المال بعنوان البضاعة فلا يستحق العامل شيئا من الربح، و ادعى العامل المضاربة فله حصة منه، فالظاهر أنه يقدم قول المالك مع يمينه، فيحلف على نفي المضاربة، فله تمام الربح لو كان، و لو لم يكن ربح أصلا فلا ثمرة في هذه الدعوى.

(مسألة 113) يجوز إيقاع الجعالة على الاتجار بمال و جعل الجعل حصة من الربح، بأن يقول صاحب المال مثلا: إذا اتجرت بهذا المال و حصل ربح فلك‌

37

نصفه أو ثلثه، فتكون جعالة تفيد فائدة المضاربة، لكن لا يشترط فيها ما يشترط في المضاربة، فلا يعتبر كون رأس المال من النقود، بل يجوز أن يكون عروضا أو دينا أو منفعة.

(مسألة 114) يجوز للأب و الجد المضاربة بمال الصغير مع عدم المفسدة، و الأحوط مراعاة وجود المصلحة أيضا. و كذا القيم الشرعي كالوصي و الحاكم الشرعي مع الأمن من الهلاك و ملاحظة الغبطة و المصلحة، بل يجوز للوصي على ثلث الميت أن يدفعه إلى الغير بالمضاربة و يصرف حصة الميت من الربح في المصارف المعينة للثلث إذا أوصى الميت بذلك، بل و إن لم يوص به لكن فوض أمر الثلث إلى نظر الوصي فرأى الصلاح في ذلك.

(مسألة 115) إذا مات العامل و كان عنده مال المضاربة، فإن علم وجوده بعينه فيما تركه فلا إشكال، و إن علم بوجوده في تركته من غير تعيين فالأقوى إجراء القرعة و الأحوط المصالحة. نعم لو علم المال جنسا و قدرا و اشتبه بين أموال من جنسه له أو لغيره فالظاهر أنه بحكم المال المشترك فيكون المجموع مشتركا بين المالك و ورثة الميت بالنسبة، أما إذا علم أنه مميز في الواقع و كان مشتبها في الظاهر فيأتي فيه ما تقدم من أن الأقوى إعمال القرعة و الأحوط التصالح.

و أما إذا علم بعدم وجوده فيها و احتمل أنه رده إلى مالكه أو تلف بتفريط منه أو بغيره، فالظاهر أنه لا يحكم على الميت بالضمان و يكون الجميع لورثته، و كذا لو احتمل بقاءه فيها.

كما أن الأقوى أن تكون التركة كلها موروثة فيما إذا علم بأن مقدارا من مال المضاربة قد كان قبل موته داخلا في هذه الأجناس الباقية التي قد تركها و لم يعلم أنه هل بقي فيها أورده إلى المالك أو تلف.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

كتاب الشركة

(مسألة 116) و هي كون شي‌ء واحد لاثنين أو أكثر، و هي إما في عين أو دين أو منفعة أو حق. و سببها قد يكون إرثا و قد يكون عقدا ناقلا، كما إذا اشترى اثنان معا مالا أو استأجرا عينا، أو أخذا حق تحجير مثلا بالمصالحة.

و لها سببان آخران يختصان بالشركة في الأعيان، أحدهما الحيازة، كما إذا اقتلع اثنان معا شجرة مباحة أو اغترفا ماء مباحا بآنية واحدة دفعة.

و ثانيهما الامتزاج، كما إذا امتزج ماء أو خلّ لشخص بماء أو خلّ لشخص آخر، سواء وقع قهرا أو عمدا و اختيارا.

(مسألة 117) الامتزاج يوجب الشركة الواقعية إذا حصل فيه الامتزاج التام بين ما يعين متجانسين كالماء بالماء و الدهن بالدهن، بل و غير متجانسين كدهن اللوز بدهن الجوز مثلا. بل لا يبعد كون الشركة واقعية أيضا فيما لا يكون تميز للممتزجين عرفا و كانا بحيث يصيران شيئا واحدا كما في مثل خلط الحنطة بالحنطة و الشعير بالشعير بل و الجوز بالجوز و اللوز باللوز، كما هو المرتكز في الأذهان مع عدم ردع معلوم. و عند المزج الرافع للامتياز يعامل المجموع معاملة المال المشترك فيجري فيه صحة التقسيم و الإفراز و سائر أحكام المال المشترك.

أما إذا اختلطت القيميات ببعضها كالثياب و الأغنام و غيرها، فلا تتحقق‌

40

الشركة لا ظاهرا و لا واقعا، حتى إذا لم يتميز المختلط، فيكون العلاج بالمصالحة أو القرعة.

(مسألة 118) لا يجوز لبعض الشركاء التصرف في المال المشترك إلا برضا الباقين، بل لو أذن أحد الشريكين لشريكه في التصرف جاز للمأذون و لم يجز للآذن إلا أن يأذن له المأذون أيضا. و يجب أن يقتصر المأذون على المقدار المأذون فيه كما و كيفا. نعم الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه عند الإطلاق، فإذا أذن له في سكنى الدار يلزمه الإذن في إسكان أهله و عياله و أطفاله و تردد أصدقائه و نزول ضيوفه بالمقدار المعتاد، فيجوز ذلك كله، إلا أن يمنع عنه كلا أو بعضا، أو تكون قرينة مانعة عن التمسك بالإطلاق، فيقتصر حينئذ على القدر المتيقن.

(مسألة 119) كما تطلق الشركة على المعنى المتقدم، و هو كون شي‌ء واحد لاثنين أو أكثر، تطلق أيضا على معنى آخر و هو العقد الواقع بين اثنين أو أكثر على المعاملة بمال مشترك بينهم، و تسمى الشركة العقدية و الاكتسابية، و ثمرتها عند ما تتحقق بأسبابها الآتية جواز تصرف الشريكين فيما اشتركا فيه بالتكسب به و كون الربح و الخسران بينهما على نسبة مالهما.

(مسألة 120) الشركة العقدية عقد من العقود تحتاج إلى إيجاب و قبول، و يكفي قولهما اشتركنا أو قول أحدهما ذلك مع قبول الآخر، و لا يبعد جريان المعاطاة فيها، بأن يخلطا المالين بقصد اشتراكهما في الاكتساب بهما و يصيرا شيئا واحدا عند العرف كما مر.

(مسألة 121) يعتبر في الشركة العقدية كل ما اعتبر في العقود المالية، من البلوغ و العقل و القصد و الاختيار و عدم الحجر لفلس أو سفه.

(مسألة 122) لا تصح الشركة العقدية إلا في الأعيان نقودا كانت أو عروضا، فلا تصح في الديون و لا في الحقوق و لا في المنافع. و تسمى تلك‌

41

شركة العنان. و لا تصح في الأعمال، و هي المسماة بشركة الأبدان بأن يوقع العقد اثنان على أن تكون أجرة عمل كل منهما مشتركة بينهما، سواء اتفقا في العمل كالخياطين أو اختلفا كالخياط و النساج. و من ذلك تعاقد شخصين على أن كل ما يحصل عليه كل منهما بالحيازة من الحطب أو الحشيش مثلا يكون مشتركا بينهما، فلا تتحقق الشركة بذلك، بل يختص كل منهما بأجرته و بما حازه.

نعم لو صالح أحدهما الآخر بنصف منفعته إلى مدة كذا مثل سنة أو سنتين بنصف منفعة الآخر إلى تلك المدة، و قبل الآخر صحّ، و اشترك كل منهما فيما يحصل عليه الآخر في تلك المدة بالأجرة أو الحيازة.

و كذا لو صالح أحدهما الآخر عن نصف منفعته إلى مدة بعوض معين كدينار مثلا، و صالحه الآخر أيضا على نصف منفعته في تلك المدة بذلك العوض.

و لا تصح أيضا شركة الوجوه، و هي أن يوقع العقد اثنان وجيهان عند الناس لا مال لهما، على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل و يكون ما يبتاعه كل منهما بينهما فيبيعانه و يؤديان الثمن و يكون ما حصل من الربح بينهما.

و لو أرادا الحصول على هذه النتيجة بوجه مشروع فلا بد أن يوكل كل منهما الآخر في أن يشاركه فيما اشتراه، بأن يشتري لهما و في ذمتهما، فإذا اشترى شيئا كذلك يكون لهما فيكون الربح و الخسران بينهما.

و لا تصح أيضا شركة المفاوضة، و هي أن يعقد اثنان على أن يشارك كل منهما الآخر في كل ما يحصل لكل منهما من ربح تجارة أو فائدة زراعة أو اكتساب أو إرث أو وصية، أو غير ذلك، و كذا كل غرامة و خسارة ترد على أحدهما تكون عليهما.

فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الأعيان المسماة بشركة العنان.

(مسألة 123) إذا آجر اثنان نفسهما بعقد واحد لعمل واحد بأجرة معينة، كانت الأجرة مشتركة بينهما، و كذا لو حاز اثنان معا مباحا، كما لو اقتلعا‌

42

معا شجرة أو اغترفا ماء دفعة بآنية واحدة، فيكون ما حازاه مشتركا بينهما، و ليس ذلك من شركة الأبدان حتى تكون باطلة، و تقسم الأجرة و ما حازاه بنسبة عملهما، و لو لم تعلم النسبة فالأحوط التصالح.

(مسألة 124) حيث إن الشركة العنانية هي العقد على المعاملة و التكسب بالمال المشترك، فلا بد من أن يكون رأس المال مشتركا بأحد أسباب الشركة، فإن كان مشتركا قبل إيقاع عقدها كالمال الموروث قبل القسمة فهو، و إن كان المالان ممتازين، فإن كانا مما تحصل الشركة بمزجهما على ما مرّ مزجاهما قبل العقد أو بعده ليتحقق الاشتراك في رأس المال، و إن كانا من غيره، بأن كان عند أحدهما جنس و عند الآخر جنس آخر، فلا بد من إيجاد أحد أسباب الشركة غير المزج ليصير رأس المال مشتركا، كأن يبيع أو يصالح كل منهما على نصف ماله بنصف مال الآخر.

و ما اشتهر من أن في الشركة العقدية لا بد من خلط المالين قبل العقد أو بعده مبنيّ على ما هو الغالب من كون رأس المال من الدراهم أو الدنانير التي تمتاز حصة كل منهما فيها عن حصة الآخر، و حيث أن الخلط و المزج فيها أسهل أسباب الشركة، ذكروا أنه لا بد من امتزاج الدراهم بالدراهم و الدنانير بالدنانير حتى يحصل الاشتراك في رأس المال، لا بمعنى أن ذلك شرط حتى أنه لو فرض كون الدراهم أو الدنانير مشتركة بين اثنين بسبب آخر غير المزج كالإرث، أو فرض أن المالين مما لا يوجب خلطهما الاشتراك، لم تقع الشركة العقدية.

(مسألة 125) الظاهر أن المنشأ بعقد الشركة هو التعهد و الالتزام بلوازم الشركة في التجارة، بأن يتّجرا معا في المال المعين إلى زمان معين بشرائط معينة من العامل و المعاملة و مكانها و كيفيتها، فإن كان العقد مشتملا على تعيين العامل فهو، و إلا فتحتاج المعاملة بمال الشركة من كل منهما إلى إذن جديد.

43

و إذا اشترطا كون العمل من أحدهما أو من كليهما منضمين فهو المتبع.

و كذا من حيث العمل و التكسب، فمع اشتمال العقد على مطلقه، يجوز مطلقه مما يريان فيه المصلحة كالعامل في المضاربة، و لو عينا جهة خاصة، كبيع و شراء الأغنام أو الطعام أو القماش أو غير ذلك، يقتصران على ذلك و لا يتعديان إلى غيره.

(مسألة 126) حيث إن كل واحد من الشريكين كالوكيل و العامل عن الآخر، فإذا عقدا على الشركة في مطلق التكسب أو في تكسب خاص يقتصر على المتعارف، فلا يجوز البيع بالنسيئة و لا السفر بالمال إلا مع الإذن الخاص، و إن جاز له كل ما تعارف من حيث الجنس المشترى و البائع و المشتري و أمثال ذلك.

نعم لو عيّنا شيئا من ذلك لم يجز لهما التعدي عنه إلا بإذن من الشريك، و إن تعدّى أحدهما عما عيّنا أو عن المتعارف ضمن الخسارة و التلف، إلا إذا أجاز الشريك المعاملة غير المأذون فيها.

(مسألة 127) إطلاق الشركة يقتضي بسط الربح و الخسران على الشريكين على نسبة مالهما، فإذا تساوى مالهما تساويا في الربح و الخسران، و مع التفاوت يتفاضلان فيهما على حسب تفاوت مالهما، من غير فرق بين أن يكون العمل من أحدهما أو منهما، بالتساوي فيه أو الاختلاف.

و لو شرطا التفاوت في الربح مع التساوي في المال، أو شرطا تساويهما فيه مع التفاوت في المال، فإن جعلت الزيادة للعامل منهما أو لمن كان عمله أكثر صح بلا إشكال، و إن جعلت لغير العامل أو لمن لم يكن عمله أكثر فالأقوى بطلان العقد و الشرط كليهما، لأن الشرط مخالف لمقتضى العقد لأنه يرجع إلى تفكيك لوازم الشركة عنها، نعم لو كان الإذن في التجارة غير مقيد بالشرط المذكور، فالأقوى صحة العقد و بطلان الشرط.

44

(مسألة 128) العامل من الشريكين أمين، فلا يضمن التلف إذا لم يكن منه تعدّ و لا تفريط. و إذا ادّعى التلف قبل قوله مع اليمين، و كذا إذا ادعى الشريك عليه التعدي أو التفريط و أنكر هو.

(مسألة 129) عقد الشركة جائز من الطرفين، فيجوز لكل منهما فسخه، فينفسخ لكن لا تبطل بذلك أصل الشركة إذا كانت تحققت بأسبابها، و كذا ينفسخ بعروض الموت و الجنون و الإغماء و الحجر بالفلس أو السفه، و يبقى أيضا أصل الشركة.

(مسألة 130) إذا جعلا للشركة أجلا لم يلزم، فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه، و إذا اشترطاه في ضمن عقد لازم فلزومه مشكل، نعم لو شرطا عدم الفسخ يجب الوفاء به تكليفا لكنها تنفسخ بالفسخ.

(مسألة 131) إذا تبين بطلان عقد الشركة فالمعاملات الواقعة قبله محكومة بالصحة و لهما الربح و عليهما الخسران على نسبة المالين، و لكل منهما أجرة مثل عمله بالنسبة إلى حصة الآخر.

القول في القسمة

(مسألة 132) و هي تميز (1) حصص الشركاء بعضها عن بعض، و ليست ببيع و لا معاوضة، فلا يجري فيها خيار المجلس و لا خيار الحيوان المختصان بالبيع، و لا يدخل فيها الربا، و إن عممناه لجميع المعاوضات.

____________

(1) التعبير مشعر بأن القسمة لإخراج المشتبه و هو محل القرعة، و ليست القرعة بناقلة، فمعنى الإشاعة أن سهم كل شريك دائر بين مصاديق متعددة يتشخص و يتعين بالقرعة، و ذلك ليس ببعيد لو لا الإجماع على خلافه كما في الجواهر، و أما بناء على كون الإشاعة استحقاق كل شريك في كل جزء يفرز فمع قطع النظر عن الإشكال في الجزء الذي لا يتجزأ فالمناسب في تعريفها أن يقال: القسمة هي نقل سهم كل شريك من الحصة التي بيد شريكه بإزاء سهم شريكه في الحصة التي بيده و هذا لا يستقيم في قسمة الرد و لا يحتاج الى تعديل القسمة، لأنه من المعاوضات، و لا يحتاج الى أكثر من رضا الطرفين، لأن الناس مسلطون على أموالهم. (منه (قدس سره الشريف))

45

(مسألة 133) لا بد في القسمة من تعديل السهام، إما بحسب الأجزاء و الكمية كيلا أو وزنا أو عدّا أو مساحة، و تسمى قسمة إفراز، و هي جارية في المثليات كالحبوب و الأدهان و الخلول و الألبان، و في بعض القيميات المتساوية الأجزاء كطاقة القماش، و قطعة الأرض البسيطة المتساوية الأجزاء.

و إما بحسب القيمة و المالية، كما في القيميات إذا تعددت كالأنعام و العقار و الأشجار إذا تساوى بعضها مع بعض بحسب القيمة، كما إذا اشترك اثنان في ثلاثة أغنام تساوي قيمة إحداها قيمة اثنتين منها فتكون الواحدة سهما و الاثنتين سهما، و يسمى ذلك قسمة التعديل.

و إما بضم مقدار من المال مع بعض السهام ليعادل البعض الآخر، كما إذا كان بين اثنين فرسان قيمة أحدهما خمسة دنانير و الآخر أربعة، فإنه إذا ضم إلى الثاني نصف دينار تساوى مع الأول، و تسمى هذه قسمة الرد.

(مسألة 134) يمكن التقسيم بالرد في أنواع الشركات حتى فيما يأتي فيه قسمة الافراز، و لا يجبر أحد على غير الإفراز مع إمكانه، و مع عدم إمكانه لا يجبر إلا بتقسيم العدل فيما يمكن، و الرد لا يجبر عليه إلا مع عدم إمكان قسيميه. و أما جواز التقسيم بغير ما يجوز أن يجبر عليه فمشكل أيضا، لأن المتيقن من الأدلة و الدائر عند المتشرعة ذلك. أما التقسيم بالرد مع إمكان الإفراز فهو نوع معاوضة لا بأس بالمصالحة المفيدة لفائدته.

(مسألة 135) لا يعتبر في القسمة تعيين مقدار السهام بعد أن كانت معدلة، فلو كانت صبرة من حنطة مجهولة الوزن بين ثلاثة فجعلها ثلاثة أقسام معدلة بمكيال مجهول المقدار، أو كانت بينهم أرض متساوية الأجزاء فجعلها ثلاثة أجزاء متساوية بخشبة أو حبل لا يدرى طوله بالذراع صح، لأن القسمة ليست كالبيع و المعاوضة في ذلك.

(مسألة 136) إذا كانا شريكين في أنواع متساوية الأجزاء كحنطة و شعير و تمر و زبيب فطلب أحدهما قسمة كل نوع بانفراده قسمة إفراز أجبر الممتنع،

46

و إن طلب قسمتها بالتعديل بحسب القيمة لم يجبر، و كذا إذا كانت بينهما قطعتا أرض أو داران أو دكانان، فإنه يجبر الممتنع لو طلب أحد الشريكين قسمة كل منهما على حدة، و لا يجبر إذا طلب قسمتها بالتعديل.

نعم لو كانت قسمتها منفردة مستلزمة للضرر دون قسمتها بالتعديل، أجبر الممتنع على الثانية إن طلبها أحد الشريكين دون الأولى.

(مسألة 137) إذا اشترك اثنان في دار ذات علو و سفل و أمكن قسمتها على نحو يحصل لكل منهما حصة من العلو و السفل بنحو التساوي فهذه القسمة مقدمة على غيرها، و بعدها فالتعديل مقدم بأن يعطى لأحدهما العلو و لأحدهما السفل بالتعديل.

(مسألة 138) لو كانت دار أو بنائه ذات غرف بين جماعة و طلب بعض الشركاء القسمة أجبر الباقون، إلا إذا استلزم الضرر من جهة الضيق و كثرة الشركاء.

(مسألة 139) إذا كانت بينهما بستان مشتملة على نخيل و أشجار فقسمتها بأشجارها و نخيلها بالتعديل قسمة إجبار، إذا طلبها أحدهما يجبر الآخر، بخلاف قسمة كل من الأرض و الأشجار على حدة، فإنها قسمة تراض لا يجبر عليها الممتنع.

(مسألة 140) إذا كانت بينهما أرض مزروعة، يجوز قسمة كل من الأرض و الزرع قصيلا كان أو سنبلا على حدة، و تكون القسمة قسمة إجبار، و أما قسمتهما معا فهي قسمة تراض، لا يجبر الممتنع عليها إلا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر فيها، فيجبر عليها. هذا إذا كان الزرع قصيلا أو سنبلا، و أما إذا كان حبا مدفونا أو مخضرّا في الجملة و لم يكمل نباته، فلا إشكال في قسمة الأرض وحدها و بقاء الزرع على إشاعته، كما أنه لا إشكال في عدم جواز قسمة الزرع مستقلا. نعم لا يبعد جواز قسمة الأرض بزرعها بحيث يجعل من توابعها، بحيث يصدق عرفا أنها قسمة إفراز، و إلا فلا يترك الاحتياط بقسمة الأرض وحدها و قسمة الزرع بالإفراز.

47

(مسألة 141) إذا كانت بينهم دكاكين متعددة متجاورة أو منفصلة، فإن أمكن قسمة كل منها بانفراده و طلبها بعض الشركاء، و طلب بعضهم قسمة الجميع بالتعديل لكي يتعين حصة كل منهم في دكان تام أو أكثر، يقدم ما طلبه الأول و يجبر البعض الآخر، إلا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر في النحو الثاني فيجبر عليه.

(مسألة 142) إذا كان بينهما حمام و شبهه مما لا يقبل القسمة الخالية عن الضرر لم يجبر الممتنع. نعم لو كان كبيرا بحيث يقبل الانتفاع بصفة الحمامية من دون ضرر و لو بإحداث موقد أو بئر آخر، فالأقرب الإجبار.

(مسألة 143) إذا كان لأحد الشريكين عشر من دار مثلا و هو لا يصلح للسكنى و يتضرر هو بالقسمة دون الشريك الآخر، فلو طلب هو القسمة لغرض صحيح يجبر شريكه، و لا يجبر هو لو طلبها الآخر.

(مسألة 144) يكفي في الضرر المانع عن الإجبار ترتب نقصان في العين أو القيمة بسبب القسمة، بما لا يتسامح فيه في العادة، و إن لم يسقط المال عن قابلية الانتفاع بالمرة.

(مسألة 145) لا بد في القسمة من تعديل السهام ثم القرعة: أما كيفية التعديل فإن كانت حصص الشركاء متساوية كما إذا كانوا اثنين و لكل منهما نصف أو ثلاثة و لكل منهم ثلث و هكذا يعدل السهام بعدد الرؤوس، فيجعل سهمين متساويين إن كانوا اثنين و ثلاثة أسهم متساويات إن كانوا ثلاثة و هكذا، و يعلّم كل سهم بعلامة تميزه عن غيره، فإذا كانت قطعة أرض متساوية الأجزاء بين ثلاثة مثلا تجعل ثلاث قطع متساوية بحسب المساحة و يميز بينها أحدها الأولى و الأخرى الثانية و الثالثة ثالثة.

و إذا كانت دار لأربعة أشخاص و هي مشتملة على أربع غرف مثلا تجعل أربعة أجزاء متساوية بحسب القيمة و تميز كل منها بمميز كالقطعة الشرقية و الغربية و الشمالية و الجنوبية المحدودات بحدود كذائية.

48

و إذا كانت الحصص متفاوتة، كما إذا كان المال بين ثلاثة: سدس لعمرو و ثلث لزيد و نصف لبكر، تجعل السهام على أقل الحصص، ففي المثال تجعل السهام ستة معلّمة كل منها بعلامة كما مر.

و أما كيفية القرعة ففي الأول و هو ما إذا كانت الحصص متساوية تؤخذ رقاع بعدد رؤوس الشركاء رقعتان إذا كانوا اثنين و ثلاث إن كانوا ثلاثة، و هكذا. و يتخير بين أن يكتب فيها أسماء الشركاء على إحداها زيد، و على أخرى عمرو، و على ثالثة بكر مثلا، أو أسماء السهام، على إحداها الأول، و على الأخرى الثاني، و على ثالثة الثالث مثلا، ثم تشوّش و تستر و يؤمر من لم يشاهدها فيخرج واحدة واحدة، فإن كتب عليها اسم الشركاء يعين السهم كالأول و يخرج رقعة باسم ذلك السهم قاصدين أن يكون هذا السهم لمن خرج اسمه، فكل من خرج اسمه يكون ذلك السهم له، ثم يعين السهم الثاني، و يخرج رقعة أخرى لذلك السهم فكل من خرج اسمه كان السهم له، و هكذا.

و إن كتب عليها أسماء السهام يعين أحد الشركاء و يخرج رقعة، فكل سهم خرج اسمه كان ذلك السهم له، ثم يخرج رقعة أخرى لشخص آخر، و هكذا.

و أما في الثاني و هو ما إذا كانت الحصص متفاوتة كما في المثال المتقدم الذي قد تقدم أنه يجعل السهام على أقل الحصص و هو السدس يتعين فيه أن تؤخذ الرقاع بعدد الرؤوس فيكتب مثلا على إحداها زيد، و على الأخرى عمرو، و على الثالثة بكر، و تستر كما مر، و يقصد أن كل من خرج اسمه على سهم كان له ذلك مع ما يليه بما يكمل تمام حصته، ثم تخرج إحداها على السهم الأول، فإن كان عليها اسم صاحب السدس تعين له، ثم تخرج أخرى على السهم الثاني فإن كان عليها اسم صاحب الثلث كان الثاني و الثالث له، و يبقى الرابع و الخامس و السادس لصاحب النصف و لا يحتاج إلى إخراج الثالثة.

و إن كان عليها اسم صاحب النصف كان له الثاني و الثالث و الرابع، و يبقى الأخيران لصاحب الثلث، و إن كان ما خرج على السهم الأول صاحب الثلث كان الأول و الثاني له. ثم تخرج. أخرى على السهم الثالث فإن خرج اسم‌

49

صاحب السدس كان ذلك له، و تبقى الثلاثة الأخيرة لصاحب النصف. و إن خرج صاحب النصف كان الثالث و الرابع و الخامس له و يبقى السادس لصاحب السدس. و قس على هذا.

(مسألة 146) الظاهر أنه ليست للقرعة كيفية خاصة، و انما تكون الكيفية منوطة باتفاق القاسم و المتقاسمين على إيكال الأمر الى اللّه تعالى في تعيين السهام، سواء كان بكتابة رقاع أو وضع علامة في حصاة أو نواة أو ورق أو خشب أو غير ذلك.

(مسألة 147) الأقوى أنه إذا اتفقوا على التقسيم و عدلوا السهام و أوقعوا القرعة فقد تمت القسمة و لا يحتاج إلى تراض آخر بعدها فضلا عن إنشائه، و إن كان هو الأحوط في قسمة الرد.

(مسألة 148) إذا طلب بعض الشركاء المهاياة في الانتفاع بالعين المشتركة، إما بحسب الزمان بأن يسكن هذا شهرا و ذاك شهرا مثلا، و إما بحسب الأجزاء بأن يسكن هذا في الفوقاني و ذاك في التحتاني مثلا، لم يلزم على شريكه القبول و لم يجبر إذا امتنع.

نعم يصح ذلك مع التراضي و لكنه ليس بلازم، فيجوز لكل منهما الرجوع.

هذا في شركة الأعيان، و أما في شركة المنافع فينحصر إفرازها بالمهاياة لكنها فيها أيضا غير لازمة. نعم لو حكم الحاكم الشرعي بها في مورد لأجل حسم النزاع و الجدال، يجبر الممتنع و تلزم.

(مسألة 149) القسمة في الأعيان إذا وقعت. و تمت بالقرعة كما مر فقد لزمت و ليس لأحد من الشركاء إبطالها و فسخها، بل الظاهر أنه ليس لهم فسخها و إبطالها بالتراضي، لأن الظاهر عدم مشروعية الإقالة فيها.

(مسألة 150) لا تشرع القسمة في الديون المشتركة، فإذا كان لزيد و عمرو معا ديون على الناس بسبب يوجب الشركة كالإرث، فأرادا تقسيمها قبل استيفائها فعدلا بين الديون و جعلا ما على الحاضر مثلا لأحدهما و ما على‌

50

البادي لأحدهما، لم يفرز بل تبقى على إشاعتها، فكل ما حصل عليه كل منهما يكون لهما، و كل ما يبقى على الناس يكون بينهما.

بل لو اشتركا في دين على أحد و استوفى أحدهما حصته بأن قصد كل من الدائن و المديون أن يكون ما يأخذه وفاء و أداء لحصته من الدين المشترك، فتعينه له مشكل أيضا سواء أجازه الشريك أو لم يجزه. نعم مع الإجازة تكون تلك الحصة مشتركة بينهما، و مع عدم الإجازة تبقى ملكا للمدين، فإن أراد إعطاء حصة أحد الشريكين فيحتال بمصالحته على شي‌ء لإبراء ذمته.

(مسألة 151) إذا ادعى أحد الشريكين الغلط في القسمة أو عدم التعديل فيها و أنكر الآخر، فإن أقام البينة على دعواه نقضت القسمة و احتاجت إلى قسمة جديدة، و إن لم تكن بينة، كان له إحلاف الشريك.

(مسألة 152) إذا قسم الشريكان الدار فصار قسم في حصة هذا و قسم في حصة الآخر، و كان طريق أحدهما أو مجرى مائه على الآخر لم يكن للثاني منعه إلا إذا اشترطا حين القسمة.

(مسألة 153) لا يجوز قسمة الوقف بين الموقوف عليهم إلا إذا وقع بينهم تشاحّ مؤدّ إلى خرابه بحيث لا ترتفع غائلته إلا بالتقسيم حتى بالنسبة إلى البطون اللاحقة، و أما إذا أمكن ارتفاع الغائلة بالقسمة بالنسبة إلى زمان حياة الموجودين حتى يبقى على اشتراكه بين البطون اللاحقة فهو المتعين.

نعم يصح قسمة الوقف عن الطلق، بأن يكون ملك واحد نصفه المشاع وقفا و نصفه ملكا، بل الظاهر جواز قسمة وقف عن وقف، و هو فيما إذا كان ملك بين اثنين فوقف أحدهما حصته على ذريته مثلا و الآخر حصته على ذريته، فيجوز إفراز أحدهما عن الآخر بالقسمة، و المتصدي لذلك الموجودون من الموقوف عليهم و وليّ البطون اللاحقة.