شرح تبصرة المتعلمين - ج3

- الشيخ آقا ضياء الدين العراقي المزيد...
455 /
3

[الجزء الثالث]

[تتمة كتاب الزكاة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثالث في المستحق للزكاة

و هم: ثمانية أصناف:

الأول و الثاني: الفقراء و المساكين

بلا إشكال في أنهما- في المقام- بمعنيين، لكونهما موضوعين، و ذلك يكشف عن مغايرتهما. إنما الكلام في أنهما مختلفان مطلقا أم حين اجتماعهما، و إلّا فإن افترقا اجتمعا. و من البعيد ملاحظة هذه الخصوصية في وضعهما، بل غاية الأمر انّ المناسبات المقامية ربما تقتضي ارادة الجامع عند ذكر كل منهما منفردا، و إلّا فالعرف يساعد على التفرقة مطلقا، و ان المسكين فيه جهة مذلة زائدة عما في الفقير من الاحتياج.

و يشهد له ما في النص بأنّ «المسكين أجهد، و البائس أجهدهم» (1)، و في آخر: تفسير المسكين «بأهل الزمانات» (2) أي المذلات.

و لا ينافيه ما في نص ثالث من الاستعاذة باللّه من الفقر، بضم قوله:

«اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا» (3)، لإمكان إرادة المذلة بين يدي اللّٰه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 144 باب 1 من أبواب المستحقين حديث 3.

(2) وسائل الشيعة 6: 145 باب 1 من أبواب المستحقين حديث 6.

(3) مستدرك الوسائل 7: 203 باب 20 من أبواب الصدقة حديث 15.

4

الجليل، و الاستعاذة به من الفقر بمعنى الحاجة الى الناس، فلا تصلح أمثال هذه التعبيرات لرفع اليد عما يتبادر من مفهومهما عرفا و شرعا، كما لا يخفى.

و المراد من الفقراء و المساكين: هم الذين لا يملكون قوت سنة لهم و لعيالهم، الشامل للخدم الذين يحتاج إليهم في حفظ عزّه و شرفه، كما يستفاد من بعض النصوص الواردة في عدم إلزامه على بيع داره و خادمه و جمله، مقدمة لحفظ عزّه و شرفه (1). و يتعدّى عنه إلى كل ما له دخل في حفظ العز، أو يحتاج إليه في شغله، كالكتب لأرباب التحصيل، و أمثال ذلك. و يكفي دليلا على ذلك نصوص مستفيضة شارحة للفقير بأنه «الذي لا يملك قوت سنة» (2)، و إطلاقها يشمل من ملك مقدار النصاب.

و حينئذ لا مجال لجعل ذلك مدار غناه كما توهم، كما لا مجال لجعل المدار على المالكية طول العمر، بدعوى انّ الغني عرفا منصرف الى ذلك، و الفقير في قباله، إذ- مع إمكان منع الانصراف- هو نحو اجتهاد في مقابلة النص.

و ما في بعض النصوص: «فأعلمهم أنّ اللّٰه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (3)، بتقريب انّ هذا الخطاب عام لكل من ملك النصاب.

و في آخر: «لا تحل الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما تجب فيه الزكاة» (4)، بجعله كناية عن مقدار النصاب غير صالح للمعارضة مع ما ذكرنا، و ذلك من جهة اشتمال ذيل الأول على لفظة «الأغنياء»، المشروحة في سائر الروايات:

من ملك قوت سنته، لا مجرد ملك النصاب. و احتمال وفاء حرفته في الثانية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 162 باب 9 من أبواب المستحقين حديث 3.

(2) وسائل الشيعة 6: 158 باب 8 من أبواب المستحقين.

(3) راجع: سنن البيهقي 4: 96، و الجواهر 15: 306.

(4) وسائل الشيعة 6: 159 باب 8 من أبواب المستحقين حديث 1.

5

لقوته، كما لا يخفى.

هذا، ثم انّ في عدم كفاية الغلة أو الربح- الحاصل من رأس المال الموضوع للتجارة- لمئونة سنته، لصدق الفقر وجه، و إن كان رأس المال أو الضيعة كافيا على تقدير بيعه. و ذلك لا من جهة النصوص السابقة، كي يدّعي عدم صدق الفقير حتى على مثل هذا المالك لقوت السنة، بل من جهة نص آخر، مثل موثقة سماعة الواردة في عدم وفاء غلّة الضيعة (1)، و خبر هارون المتضمن لعدم ربح تجارته (2)، مع عدم الاستفصال بين وفاء رأس المال لمئونة سنته و عدمه.

نعم ظاهر النصين كون الضيعة و رأس المال، في طريق الاسترباح و الاستفادة، و إلّا فمجرد الاعداد لذلك غير كاف في صدق الفقر و نفي الغنى، بل المطلقات السابقة حينئذ محكمة.

كما انّ المنصرف من الرواية هو صورة قصور المال بماليته، و إلّا فلو لم يكن في ماليته قصور، و إنما كان القصور في ربح شخص العين، فهو مشكوك الاندراج تحت الروايات السابقة.

و أيضا لا إشكال في انّ صاحب الحرفة و الصنعة- اللائقة بحاله، الوافية بمؤنته و مئونة عياله، المتقدم ذكرها- بحكم الغني، و إن لم يكن فعلا مالكا شيئا، إلّا أن الشرع، بل العرف اعتبر مثل هذا الاستعداد بمنزلة الفعلية، فكان بحكم المالك لقوت سنته.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 161 باب 9 من أبواب المستحقين حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 6: 165 باب 12 من أبواب المستحقين حديث 4.

6

و إلحاق مثل صاحب الحرفة بالغنى ليس من جهة توسعة في مفهوم الغنى، بل إنما هو لمحض عناية في مرحلة التطبيق. و يكفي لإثبات مثل هذه العناية من الشرع ما في النص من تحريم الزكاة على ذي مرة سوي، يقدر على تحصيل مئونته و مئونة عياله، و كذا على المحترف (1).

و الظاهر من قوله: «يقدر» القدرة العرفية الحاصلة للشخص، بلا حرج و لا مشقة ناشئة عن عدم لياقته لكيفية التحصيل، أو عدم تناسبه مع شأنه واقعا. و حينئذ فلا مجال لإلزام الشرفاء- من ذوي الفضل و الاحترام، و كذا أهل العلم من الطلاب المحصلين في طريقة الاجتهاد و الاستنباط- على اختيار الكسب فوق استعداده و لياقته.

نعم قبل التلبس بتحصيل العلم و البلوغ إلى شرافة المنصب الشرعي، لو دار أمره بين الاكتساب و تحصيل العلم، لا يبعد- مع عدم وجوب التحصيل عليه- أن نلتزم بعدم جواز الأكل من الزكاة، و تعيّن الاكتساب عليه حتى يبلغ مرتبة الشرافة المانعة عن الاكتساب، فيجوز له حينذاك الأكل من الزكاة، لو لم يكن ذلك البلوغ بمقدمات محرّمة، و إلّا فهو فاسق لا شرافة له في الشرع، فتدبّر.

و من هنا ظهر انّ مع هذه الحرفة الوافية بمؤنة سنته لا يجدي عدم كفاية غلّة ضيعته في صدق الفقير عليه، و اليه ينظر قول المصنف: و يكون عاجزا عن تحصيل الكفاية بالصنعة، و هو ظاهر مما تلوناه عليك.

و يعطى من الزكاة صاحب دار السكنى، و عبد الخدمة، و فرس الركوب، لما تقدّم من النصوص الدالة على انّ ملك هذه الأشياء لا تمنع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 158 باب 8 من أبواب المستحقين حديث 2- 5.

7

من إعطائه الزكاة إذا لم تزد على حاجته في سنته (1)، كما لا إشكال في جواز تحصيل هذه الأشياء من الزكاة، للفاقد لها مع الحاجة إليها.

نعم في جواز إعطاء الفقير فوق حاجة سنته دفعة واحدة، وجهان، بل قولان منشؤهما: اختلاف النظر في كيفية الجمع بين ما دل على جواز الإعطاء حتى يستغني (2)، حيث انّ إطلاقه يشمل جميع مراتب الغنى، و لا اختصاص له بأول الوجود. و صدق الطبيعة بأول الوجود لا ينافي كون أول وجوده آخر مرتبة الغنى. و بين ما دل على انّ للفقير الذي عنده قوت شهر أن يأخذ قوت سنته، لأنه من سنة الى سنة. و في نص آخر: «يأخذ أهل الحرفة البقية عند عدم وفاء حرفته بقوت سنته» (3).

فالأخذ بإطلاق الأولى و حمل الأخيرة على الاستحباب، أو تقييد الإطلاق بالحمل على أول مرتبة الغنى، الذي شرحه الشارع بملك قوت السنة، وجهان.

و لا يبعد تقديم الأخير، لضعف الإطلاق، لو لا حمل الأخيرين على دفع توهم الاكتفاء فعلا بما عنده من قوت الشهر أو بحرفته، لعدم احتياجه فعلا، بزعم انّ الفقير هو المحتاج الآن فعلا، فأجاب (عليه السلام) بأنه يأخذ قوت السنة. فالرواية- بناء على هذا- في مقام دفع توهم الاكتفاء بالأقل، و مراعاة الاحتياج الفعلي، لا في مقام منع الأخذ للأكثر، و حينئذ لا بأس بالإطلاق المذكور.

فروع

منها: انه لو ادعى الفقر، فإن عرف صدقه فلا اشكال،

و إن لم يعرف‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 161 باب 9 من أبواب المستحقين.

(2) وسائل الشيعة 6: 178 باب 24 من أبواب المستحقين.

(3) وسائل الشيعة 6: 160 باب 8 من أبواب المستحقين.

8

فالمشهور على التصديق و القبول مطلقا. و يدل عليه قضية الحسنين (عليهما السلام) حيث انهما أعطيا الفقير بعد قوله في جوابهما: نعم (1)، و هي العمدة في هذا الباب، و إلّا فبقية الوجوه التي استدلوا بها ضعيفة جدا.

و لا ضير في الرواية من جهة سؤال الإمامين (عليهما السلام)، مع الالتزام بعدم جهلهم (عليهم السلام) حتى في الموضوعات، إذ ذاك لا ينافي مع كون سوق العمل لبيان الوظيفة لسائر الناس، كما هو ظاهر غيرها من الروايات الواردة فيها نفس اللسان الموهم لجهلهم (عليهم السلام) بالموضوعات، إذ التحقيق انّ جميعها سيقت لبيان الوظيفة لسائر المكلفين عند جهلهم، لا أنّ ذلك يكشف عن جهلهم (عليهم السلام) بغير الأحكام الكلية، إما مطلقا، أو عند عدم مشيئتهم أن يعلموا.

و ليس المهم فعلا تنقيح هذه الجهة، إنما الغرض بيان أنه لا مجال لجعل أمثال هذه الجهات من موهنات الرواية.

و عليه فللرواية كمال الظهور في الاكتفاء بدعوى الفقير، مضافا الى كلية سماع الدعوى التي لا معارض لها، و في إطلاق فحوى هذه الرواية لصورة وجود المعارض اشكال، فالقدر المتيقن هو السماع إذا لم يكن معارض، و لا أظن التزامهم بأزيد من ذلك، كما لا يخفى.

و منها: انه يكفي لامتثال أمر الزكاة قصد الدافع كونه بعنوانها،

بلا احتياج إلى قصد المدفوع إليه ذلك أيضا، بل يكفي أخذه بعنوان التملك بأي وجه كان.

و تشهد له الإطلاقات، و مع التشكيك فيها من تلك الجهة، يكفي ما في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 145 باب 1 من أبواب المستحقين حديث 1.

9

النص الخاص من الاجتزاء بذلك و النهي عن التصريح (1)، نعم في بعض النصوص: «إن لم يعلم انه على أي وجه فلا تعطوه» (2).

و يمكن حمل الأول على صورة احتمال تذليل المؤمن، و حمل الأخير على دفع التهمة عن نفسه في دفع الزكاة. و مع تعارض النصوص و رجوع الأمر إلى الشك أمكن دعوى أصالة عدم الانتقال إلّا بقصد الآخذ للعنوان، لو لا دعوى انّ الوفاء في كلية أمثال المقام غير منوط بقصد الآخذ غير التملك، فأصالة عدم الردع في خصوص المقام محكمة.

و منها: انه لو أعطى زكاته لشخص باعتقاد أنه فقير

و لو نظرا إلى ظاهر حاله- فبان غنيا، فيقع الكلام تارة في جواز تصرف الآخذ و ضمانه، و اخرى في الاجتزاء بذلك و عدمه.

أما الجهة الأولى، فقد تقدّم الكلام فيه.

و أما الجهة الثانية ففيها أقوال، ثالثها التفصيل بين اجتهاده و فحصة عن حال الفقير و عدمه. و عمدة الوجه في ذلك ما ورد في النص من التفصيل المذكور، في فرض إعطاء زكاته الى غير أهلها (3)، بناء على شمول غير الأهل لمثل الغني. و أما ان خصص ذلك بالمخالف في العقيدة، فيتعدّى عنه الى ما نحن فيه بعدم القول بالفصل، و بذلك يخصص إطلاق المرسلة المصرحة بعدم الاجتزاء عند انكشاف يساره (4).

و توهم كون النسبة عموما من وجه، يدفعه إلحاق عدم الفصل بين الأفراد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 219 باب 58 من أبواب المستحقين حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 6: 219 باب 58 من أبواب المستحقين حديث 2.

(3) وسائل الشيعة 6: 147 باب 2 من أبواب المستحقين.

(4) وسائل الشيعة 6: 148 باب 2 من أبواب المستحقين حديث 5.

10

إياه بالأخص المطلق، فيتعيّن التخصيص محضا.

و بمثل هذه الروايات ترفع اليد عن قاعدة «عدم أجزاء الأمر الظاهري»، فضلا عن عدم تماميتها في نفسها. و كذا قاعدة «عدم ضمان المحسن»، و بذلك كله ظهر وجه بقية الأقوال، و اللّٰه العالم.

الثالث من أصناف المستحقين: العاملون،

و هم السعاة للصدقات في تحصيلها و ضبطها و نحو ذلك، و في تفسير علي بن إبراهيم: «هم السعاة و الجباة» (1).

و لا إشكال في استحقاقهم للزكاة، بقرينة جعلهم في الآية (2) في زمرة المستحقين، و مقتضى إطلاقها عدم لزوم فقرهم.

و حينئذ لا يزاحم ذلك كون تشريع الزكاة لسد خلّة الفقير، مضافا الى عموم «لا تحل الصدقة لغني»، إذ مثل هذه الألسنة ناظرة إلى الجعل بحسب العنوان الأولي، فلا تنافيها مصرفية بعض العناوين الثانوية أيضا، و عليه فما عن بعض العامة من التصرف في ظهور الآية فاسد جدا.

و لم يعيّن النص (3) مقدار ما يعطى لهم، و إنما أناطه بنظر الامام، و عليه الفتوى أيضا. و في تحقق مثل هذا العنوان في زمان الغيبة، فرع صلاحية الفقيه لتصدّي هذا المنصب، و هو فرع تمامية عموم الولاية، و لا أقل من كون ذلك من شئون قضاة الجور، الثابتة في المقبولة لقضاتنا، أو لا أقل من تمامية مقدمات الحسبة، المنوطة باحتياج حق الفقير الى جعل الساعي، و إلّا‌

____________

(1) تفسير القمي 1: 299.

(2) التوبة: 60.

(3) وسائل الشيعة 6: 144 باب 1 من أبواب المستحقين حديث 4.

11

فلا يكون مثل هذا الجعل مما لا بد من وجوده كي يحتمل كونه بإذن رئيس، فيصير المعين هو فقيه العصر.

و لا يبعد تمامية الأخير في بعض المقامات، و لو لحرجية الأمر على تكفل الفقيه بنفسه لجمع المال. و أما المراتب السابقة- لا سيما الأول- فهي في حيز المنع، كما لا يخفى.

ثم انّ خطورة هذا المنصب تقتضي اعتبار العدالة فيه، و منع ذلك- تمسكا بإطلاق الآية- منظور فيه، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، لو لا تمسك الامام (عليه السلام) بالرقاب، الكاشف عن إطلاق سائر الفقرات من تلك الجهات. و حينئذ يكفي لإثبات الشرط المذكور، و تقييد الآية به، ما يستفاد من الأمر بتقوى السعاة، و كونهم أمناء و نصحاء و شفقاء، كما في بعض النصوص (1).

و في اعتبار عدم كونهم من بني هاشم أو عبيدا، اشكال آخر: من عدم الإطلاق فالأصل يقتضي اعتباره، و من انّ إطلاق النص المشتمل على توصية النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لابن رواحة (2) في جعل الوكيل المشتمل على بعض الخصوصيات، بلا تعرض فيه لمثل هذه الجهات، الكاشف عن قوة إطلاقها لصورة فقدها، و إن لم نقل بإطلاق الآية الشريفة من تلك الجهات.

الرابع: المؤلفة قلوبهم،

و هم الذين يستمالون للجهاد، و إن كانوا كفارا، و لعله من جهة الإطلاق في الآية، لو لا منع هذا الإطلاق من هذه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 91 باب 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث 7.

(2) سنن البيهقي 4: 143.

12

الجهة. نعم لا بأس باستفادة ذلك من مناط الرواية الواردة في شرح المؤلفة بضعاف العقائد، لحفظ عقائدهم، إذ ربما يستفاد مناط المصرفية في كل مورد له دخل في حفظ الإسلام، دفاعا أو جهادا.

و المراد من الجهاد في المتن أيضا معناه الأعم من الدفاع، بل لا اختصاص له به، فيشمل كل من يكون في استمالته دخل في شوكة الإسلام، كافرا كان أم غير كافر و لا اختصاص أيضا لهذا الصنف بالفقراء منهم، و لا زمان الحضور، إلّا بتوهم دخل الجهاد بالمعنى الأخص، و فيه منع ظاهر.

الخامس: صرفها في الرقاب،

و هم المكاتبون و العبيد الذين في الشدة. و ظاهر إطلاق المصنف عدم اعتبار عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة، و لعله من جهة ظهور تمسك الامام (عليه السلام) بقوله تعالى «وَ فِي الرِّقٰابِ» (1) في ذيل السؤال عن المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة (2)، و لا يوجب تقييد مورد السؤال و هنا في إطلاق الجواب، إذ ذاك إنما يوجب التقييد لو كان الجواب من الامام، (عليه السلام) و أما لو كان من باب التمسك بالآية، فيكشف عن إطلاق هذه الفقرة، فيتعدّى الى غير مورد الاحتياج و العجز، بل ربما يتعدّى من الإطلاق المزبور إلى إطلاق سائر الفقرات في الآية، كما لا يخفى.

و حينئذ لا يكون تقييد مورد السؤال شاهدا على الاختصاص، فما عن التكملة من التقييد المزبور- لو لا قيام الإجماع عليه- منظور فيه.

____________

(1) البقرة: 177.

(2) وسائل الشيعة 6: 204 باب 44 من أبواب المستحقين.

13

ثم انّ ظاهر الرواية كفاية أدائه- بعنوان الوفاء لمال الكتابة- في انعتاقه بلا احتياج إلى صيغة جديدة، و ذلك ظاهر لا سترة عليه، كعدم السترة في عدم الفرق بين أداء الساعي عنه أو المالك أو إعطاء المكاتب لأن يؤدي هو بنفسه. و مع عدم أدائه يرتجع منه لو اعطى بهذا العنوان، أما لو اعطى بعنوان مطلق الزكاة فلا يرتجع منه، و لو كان داعيه ذلك، لعدم الضير في تخلّف الداعي.

أما العبيد تحت الشدة، فظاهر المصنف اشتراط هذا القيد، و لعله لما في النص «عبدا مسلما في ضرورة» (1). لكن في قباله المطلقات، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور الظلم- في النص الأول- إلى الظلم الإضافي لا الحقيقي، و بين تقييد المطلقات. لكن الانصاف هو الأخذ بالمطلقات، خصوصا مع إطلاق «وَ فِي الرِّقٰابِ» في الآية. و عليه فلا محيص عن التصرف في الظلم المزبور.

و مقتضى إطلاق النصوص أيضا عدم الفرق بين وجود المستحق في غير الرقاب و عدمه، فما في بعض النصوص من تخصيص مورد السؤال بعدم وجوده لا يقتضي التقييد، لعين ما ذكرنا في الفرع المتقدّم.

ثم انّ الظاهر من مجموع النصوص المتقدمة إجراء صيغة العتق بعد الشراء، و انّه لا ينعتق إلّا بصيغة جديدة، و لعله من جهة انّ طبع المعاوضة يقتضي دخول المبيع في ملك من خرج من ملكه العوض، فإذا فرض انّ الزكاة بحسب جعلها الأولي ملك للفقراء، فشراء العبيد بهذا المال يقتضي دخولهم في ملك الفقراء، فيجب عتقهم على المالك الذي كانت له هذه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 203 باب 43 من أبواب المستحقين حديث 1.

14

الولاية شرعا، و بهذه الجهة ورد النص أيضا حيث قال (عليه السلام): «يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقون الزكاة، لانه اشتري بما لهم» (1)، تنزيلا على صورة عدم وارث مقدم على ولاء العتق.

السادس: الغارمون،

و هم المديونون في غير معصية اللّٰه تعالى، ففي تفسير علي بن إبراهيم: الغارمون قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّٰه من غير إسراف، فيجب على الامام أن يقتضي عنهم و يفكّهم، من مال الصدقات (2).

و في جملة من النصوص مثل ذلك، بل فيها تصريح بأنه إن كان في معصية اللّٰه فلا شي‌ء على الامام، و فيها أيضا: إن لم يكن في فساد أو إسراف فعلى الامام أن يقضيه (3).

و في كونه مصرفا لها بعد توبته إذا كان فقيرا بهذا العنوان لا بعنوان كونه من الغارمين، وجه. أما لو لم يكن فقيرا، بمعنى انه كان يملك قوت سنته، و لكنه كان عاجزا عن أداء ديونه السابقة التي كان صرفها في معصية اللّٰه، ففي كونه مصرفا مطلقا، أو عدمه، أو التفصيل بين احتياجه إلى الأداء لحفظ شرفه و عزه و لو لمطالبة الديان، و بين ما لو لم يكن كذلك، وجوه. أوفقها للقواعد هو الأخير، بمناط دخل حفظ الشرف في الفقر من أي جهة كانت، كما يستفاد من التعليل السابق بعدم بيع الدار و الخادم، و لذا تعدّينا إلى جواز شرائهما عند دخلهما في عز المؤمن و شرفه بلا خصوصية لعدم البيع فقط.

و حينئذ فمما له دخل في ذلك هو أداء دينه عند مطالبة الديان، و لو لا ذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 203 باب 43 من أبواب المستحقين حديث 2.

(2) تفسير القمي 1: 299.

(3) وسائل الشيعة 6: 207 باب 48 من أبواب المستحقين.

15

لم يكن وجه لموجبية صرف وجود الدين لصدق عنوان الفقير، مع كونه مالكا لقوت سنته، فما في الجواهر من كونه فقيرا حينئذ مطلقا (1) لا يخلو من نظر.

ثم انّ مقتضى إطلاق «المديون في طاعة اللّٰه» في شرح عنوان «الغارم»:

عدم دخل العجز عن الأداء- و لو من نفقة سنته أو من الخارج- في صدق ذلك. و لكن ادّعي الإجماع على دخله في ذلك، و إلّا ففي صورة التمكن من الأداء من نفقته فالمسألة مورد الخلاف. و إن كانت الإطلاقات محكمة حينئذ، لو لم نقل بانصرافها الى غير هذه الصورة، على اشكال في ذلك إنصافا، فالمرجع حينئذ هي إطلاقات الباب.

و توهم تقييدها- بما في قضية الحسنين (عليهما السلام) الآنفة من قولهما: «انّ الصدقة لا تحل إلّا في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع» (2) بدعوى انصراف «الدين الموجع» عما لو تمكن من أدائه و لو عن نفقته- منظور فيه.

نعم يكفي ذلك لتقييد الأصحاب بالعجز عن الأداء من الزائد على نفقته، إذ لا يصدق مثل هذا العنوان عليه جزما، فمفهوم الحصر يقتضي عدم كونه مصرفا من سهم الغرماء.

و من هنا نقول: لا قصور في روايات الباب عن الشمول لمن كان عاجزا عن أداء دينه، و إن كان واجب النفقة للغير، بحيث لم يكن له أكل الزكاة من سهم الفقراء، و إجماع الأصحاب أيضا غير ظاهر الشمول لمثله، حتى عند من يقول باعتبار العجز عن الأداء من نفقته، لصدق العجز المزبور في مثل هذا، و اللّٰه العالم.

____________

(1) جواهر الكلام 15: 356.

(2) وسائل الشيعة 6: 145 باب 1 من أبواب المستحقين حديث 6.

16

ثم انّ في ذيل بعض النصوص السابقة: «أن لا يكون عن فساد و لا إسراف»، و الظاهر أن المراد من الإسراف هو صرف المال في غير محله، و قد يرى العرف صرف بعض الأموال كذلك، كما لو أضاف الفقير كل يوم أو كل أسبوع جماعة من الأغنياء بلا غرض عقلائي مترتب على ذلك.

و نظر العرف دخيل في حقيقة عنوان الإسراف، فيكون الأمر تابعا لصدق نظرهم، و إلّا فلو كان نظرهم فيه طريقا إلى كونه صرفا في غير ما ينبغي واقعا، أمكن استكشاف خطئهم بإطلاقات إكرام الضيف، و اضافة المسلمين، الكاشفة عن أنّ مثل هذا البذل ليس سرفا، و إنّ فهم العرف في ذلك خطأ عن الواقعيات.

نعم لو لم يكن في البين طريق لاستكشاف خطئهم، كانت الإطلاقات المقامية وافية لإمضاء نظرهم. و لو لم يكن في البين أيضا إطلاق، كانت مقدمات عدم الردع وافية بالإمضاء المذكور، نظير باب ظواهر الألفاظ.

و عليه فالعمدة إثبات الجهة الاولى، و مع الشك كانت إطلاقات الجواز محكمة، و لا يصلح عنوان «الإسراف» المنهي عنه لتخصيصها، للشك في مخصصها بعد احتمال كون الإطلاق نافيا لموضوعه.

اللهم إلّا أن يقال: انه بعد الشك في شمول الإطلاق لمورد الإسراف العرفي يشك في ردعهم، فأصالة عدم الرادع تثبت الإمضاء، الموجب لتخصيص مثل هذا الإطلاق.

و لكن يمكن دعوى انّ المانع عن أصالة الإطلاق ليس إلّا الخاص التنجيزي في قباله، و أما لو كان في قباله ما يكون مخصصة معلقا، على عدم حجية العام في مورده، فمثل ذلك غير صالح للمخصصية، لأنّ مخصصية مثل هذا الخاص التعليقي دوري، بخلاف حجية العام المستند إلى اقتضاء ظهوره منجزا، فلا يزال عند التزاحم- بين ماله المقتضي التنجيزي و التعليقي- كان‌

17

الأمر التنجيزي فرارا عن الدور المزبور، كما لا يخفى على من أمعن النظر بعين الدقة، فتدبّر.

ثم انّ ذلك لو كان في البين إطلاق كاشف عن الموضوع واقعا، و إلّا فالأصول العملية محكومة بمقدمات عدم الردع، المثبتة لحرمة ما هو إسراف عند العرف شرعا، كما لا يخفى.

بقيت في المقام فروع تتعلق بأصل المسألة.

منها: انه لو كان للمالك دين على الفقير أو الغارم،

بحيث لا يتمكن من أداء دينه و لو من نفقته، جاز للمالك احتساب دينه على الفقير أو الغارم زكاة، و جازت له المقاصّة أيضا.

و يكفي دليلا على الأول نص عبد الرحمن (1) و خبر عقبة (2)، و للثاني موثقة سماعة (3)، و قد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على ولاية المالك في التبديل.

و لا ضير في ثبوت هذا المقدار من الولاية له، وفقا للنصوص المزبورة، و الاشكال فيه اجتهاد في مقابلة النص.

بل من الممكن جواز ذلك بشأن الميت أيضا، لإمكان إلغاء خصوصية الحياة في مورد الروايات، فضلا عما ورد من النص الخاص بالميت في الاحتساب (4). و الظاهر عدم القول بالفصل- أيضا- بين المقاصة و الاحتساب.

و أما القضاء عن قبل الميت ففي حسنة زرارة التفصيل بين وفاء التركة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 205 باب 46 من أبواب المستحقين حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 6: 209 باب 49 من أبواب المستحقين حديث 2.

(3) وسائل الشيعة 6: 206 باب 46 من أبواب المستحقين حديث 3.

(4) وسائل الشيعة 6: 208 باب 49 من أبواب المستحقين حديث 1.

18

و عدمه بالجواز في الأول (1). و يمكن أن يقيّد بها الاحتساب و المقاصّة أيضا، لعدم الفصل، و بعد هذا النص المفصّل لا مجال لبعض الاجتهادات على ما في المطولات.

و أيضا تقدّم عدم البأس بأداء دين الغارم إذا لم يتمكن من الأداء

و إن كان واجب النفقة للغير، و في ذلك أيضا لا فرق بين الحي و الميت، و في النص تصريح بجواز أداء الابن دين أبيه، و فيه: «و من أحق من أبيه؟» (2).

و لكن في نص آخر: «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب، و الأم، و الولد، و المملوك، و المرأة، و ذلك لأنهم عياله لازمون له» (3).

و لا يخفى انّ هذا الخبر لا يصلح للمعارضة مع النص الآنف، لو كان المراد من قوله: «لازمون له» كونهم من اتباعه بحيث يمنع من صدق إعطاء الزكاة للغير، و إلّا فلو كان المراد أنهم بملازمته في النفقة لا يعدّون فقراء، فلا يصلح للمعارضة، إذ لا يمنع ذلك من إعطائهم من سهم الغارمين، و قد تقدّم انّ اعتبار الفقر في الغارم ليس بمثابة يشمل هذا المعنى أيضا، كما لا يخفى.

و لو ادعى دينا لا يتمكن من أدائه يسمع،

لنص الحسنين (عليهما السلام) السابق، لا لمحض الدعوى بلا معارض، بحجة انه لا يعلم إلّا من قبله، كي يستشكل فيه بما قلناه هناك، كما لا يخفى. و تقدّم أيضا إمكان التعدّي إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 176 باب 22 من أبواب المستحقين حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 6: 172 باب 18 من أبواب المستحقين حديث 2.

(3) وسائل الشيعة 6: 165 باب 13 من أبواب المستحقين حديث 1.

19

جميع العناوين الواقعة مصارف للزكاة.

السابع: سبيل اللّٰه

بلا اشكال فيه نصا و فتوى، و هو كل مصلحة أو قربة كالجهاد و الحج و بناء المساجد و القناطر، و نحو ذلك من قبيل اعانة الزوار و أهل العلم، و تزويج العزّاب، و أمثالها. على المشهور بين المتأخرين، خلافا لجمع من القدماء حيث خصّوه بالجهاد. و عمدة نظر هؤلاء تارة إلى ذكر سبيل اللّٰه في آيات الجهاد الموجب لانصرافه الى ذلك هنا أيضا، و اخرى إلى ما في النص من حمل الامام (عليه السلام) وصية من كان أوصى بمال في سبيل اللّٰه على الإعطاء في سبيل حفظ ثغور المسلمين (1).

و لكن في قباله ما هو صريح في عدم الاختصاص، حيث تعرّض للحج به، فضلا عما في ذيله من ذكر الصرف في جميع الخيرات، بل و في بعض النصوص تعيين «سبيل اللّٰه» في الحج، و فيه: «لا أعلم شيئا أعظم من الحج» (2).

و عليه فلا محيص عن حمل التعيينات الواردة في بعض الأخبار على بيان الأهم فالأهم بحسب موارد الابتلاء، و ربما كان الجهاد في مورد أهم، و مع عدمه ربما يكون الحج أهم، و ربما يكون- بملاحظة بعض الخصوصيات- الأهم غير ذلك. و مع التساوي يقع التخيير حسب نظر الفقيه أو المالك مع تمييزه أهمية الموارد، و إلّا فيجب عليه إعطاء الفقيه أو السؤال منه عن ذلك، هذا مع علمه إجمالا بوجود الأهم. بل و مع احتماله في معيّن يحتاط في اختياره، و ذلك أيضا في ظرف البلوغ الى حد وجوب المراعاة، و إلّا فلا.

____________

(1) وسائل الشيعة 13: 413 باب 33 من أبواب الوصايا.

(2) وسائل الشيعة 13: 412 باب 33 من أبواب الوصايا حديث 2.

20

ثم انّ المنساق من النص السابق- المشتمل على مطلق الخيرات- هو صورة الاحتياط الى الصرف في الخيرات، لما فيه من قوله: «ليس لهم ما ينفقونه في الجهاد و الحج» الساري ذلك في سائر الخيرات أيضا. و عليه فلا يجوز صرفها في إطعام الأغنياء و إضافتهم و إن كان ذلك من الخيرات في نظر العرف.

و كذا لا يجوز صرف الزكاة في بناء القناطر مع قيام الغير بذلك من غير مال الزكاة.

نعم في بعض الموارد التي فيها تعظيم شعائر اللّٰه، لا بد من ملاحظة احتياج المقيم بها الى صرف الزكاة لا المصروف إليه، كإقامة المأتم لسيد الشهداء (عليه السلام)، أما اعتبار فقر المقيم بها ففيه إشكال، لإطلاق «سبيل اللّٰه» المجوّز لصرف ما جعل للفقير أولا و بالذات في ذلك، فلا ينافيه حينئذ «لا تحل الصدقة لغني»، كما أشرنا إلى نظيره سابقا.

ثم انّ ما يعطى للجهاد أو الحج مثلا تارة يكون بعنوان الاستئجار بوجه صحيح، و حينئذ لا يسترد منه ما فضل منه. و اخرى يكون بعنوان كونه مصرفا، فلا بد حينئذ من استرداد الزائد، لأنه واقع في غير المحل بعد تحقق الغرض من المصرف المذكور. و يضمن الآخذ لو أتلفه، إلّا أن يكون مغرورا من جهة ذلك، فلا ضمان عليه حينئذ، كما لا ضمان على المالك عند عدم تقصيره في الإيصال، حسب ما تقدّم تفصيله.

الثامن: ابن السبيل،

و هو المنقطع به في الغربة، و إن كان غنيا في بلده. و في تفسير علي بن إبراهيم: «أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّٰه، فيقطع عليهم و يذهب ما لهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم‌

21

من مال الصدقات» (1).

و الظاهر من الرواية كون موضوع الحكم هو المسافر بنحو يصدق عليه ابن الطريق فعلا، و إن لم يكن سفره موجبا للتقصير، من غير جهة المعصية.

و أن يكون سفره في طاعة اللّٰه، و الظاهر كون الغرض منه عدم حرمته، نظير الدين في الطاعة، لا أنه لا بد أن يكون راجحا. و الأصحاب أيضا فهموا هذا المعنى، إذ في المباحات أيضا نحو طاعة و تسليم لأمر اللّٰه. تجاه مخالفته الحاصلة في المحرمات، فالمراد كون سفره مباحا لا حراما.

و غير متمكن من الرجوع الى بلده، بقرض أو بيع ما عنده من متاع أو أثاث لا يحتاج إليه فعلا، إذ لو تمكن من ذلك يشك في اندراجه تحت الرواية.

ثم الظاهر من الإطلاقات عدم اعتبار الفقر في بلده، بل المنساق من الرواية المزبورة حصر احتياجه في الطريق فقط.

كما انّ ظاهر تعليق العنوان بالطاعة، كون الحكم دائرا مدارها حدوثا و بقاء، كما هو الشأن في تعلّق الأحكام على العناوين القابلة للبقاء، فإنّ الظاهر حينذاك دوران بقاء الحكم مدار بقاء العنوان، كحدوثه بحدوثه.

و حينئذ فلو شرع سفره بالمعصية، ثم تاب في الأثناء عاد الحكم، فيجوز له أخذ الزكاة بعد أن لم يكن جائزا عليه.

ثم لو زادت الزكاة عن حاجته بحيث بلغ وطنه أو أمكنه البلوغ بغيرها، يسترد الزائد منه، لارتفاع الموضوع بارتفاع الحاجة و الانقطاع.

____________

(1) تفسير القمي 1: 299.

22

ثم انّ في عبارة المصنف إلحاق الضيف بابن السبيل، قال: و الضيف إذا كان سفرهما أي ابن السبيل و الضيف الملحق به في هذا الحكم مباحا. و في حاشية سيد الأعاظم على الكتاب: تقييد الضيف بما إذا كان ابن السبيل، و أسقطه أستادنا العلّامة في تكملته. و الظاهر أنه مستغنى عنه، بعد أن لم يكن عليه دليل، لو لا اندراجه في ابن السبيل، فلا يستحق عنوانا برأسه.

و يعتبر في المستحقين الايمان غير المؤلفة،

للنصوص المستفيضة الناهية تارة عن إعطاء النصّاب و الزيدية (1)، و اخرى عن إعطاء عدوهم، حتى أمر بالإلقاء في البحر إذا لم يجد من أوليائهم أحدا (2). و من المجموع يستفاد عدم جواز الإعطاء إلى الواقفية أيضا، فلا بد أن يكون معترفا بالأئمة الاثني عشر كلهم (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين)، و هو المراد من الايمان بالمعنى الأخص.

و مقتضى اختصاص الزكاة بالشيعة- بقرينة الأمر بإعادة من استبصر- عدم الفرق بين غير الشيعة أن يكون من المستضعفين أو من غيرهم.

و بعض نصوص زكاة الفطرة: «تعطيها المسلمين، فإن لم تجد مسلما فمستضعفا» (3)، و الظاهر من المسلم هنا هو خصوص المؤمن، و عليه فتدل الرواية على جواز إعطاء الفطرة للمستضعفين منهم، عند عدم وجدان المؤمن، و قوّى ذلك في النجاة أيضا وفاقا لبعض الأعاظم.

نعم في المقام بعض النصوص المشتملة على إطلاق الأمر بإعطاء من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 153 باب 5 من أبواب المستحقين حديث 7.

(2) وسائل الشيعة 6: 154 باب 5 من أبواب المستحقين حديث 8.

(3) وسائل الشيعة 6: 250 باب 15 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

23

لا يعرف الحق و لا ينصب، حتى مع التمكن من المؤمن (1)، و الظاهر أنها غير معمول بها بإطلاقها، نعم يجوز الإعطاء لهم إذا أنيط حفظ دم محترم أو مصلحة نوعية، لكن من سهم سبيل اللّٰه، كما هو الشأن في فرض صدق مثل هذا العنوان لحفظ حيوان محترم، فإنّ مصرفه مطلق الخيرات، لكن إنما يصح ذلك في غير الناصب، لأنه أنجس من الكلب بل تجب إبادته، إذ لا احترام لمثله.

و لعل ما في النص المزبور من إعطاء من لا يعرف الحق، هو من هذا الباب، و بعنوان ثانوي، لا أنه من الفقراء المستحقين للزكاة بهذا العنوان، جمعا بينه و بين ما تقدّم من اختصاص الزكاة بالشيعة.

ثم انّ المراد من أهل المعرفة، الأعم من معرفتهم تفصيلا أو إجمالا، و لعل هذا الأخير هو المراد من المستضعفين من شيعة آل محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فتوهم بعضهم عدم استحقاقهم للزكاة منظور فيه.

و لا إشكال أيضا في أنه يعطى أولاد المؤمنين، للنصوص المستفيضة، و في عناوين الأخبار تارة: عيال المسلمين (2)، و اخرى: ذرية الرجل المسلم (3)، و ثالثة: ولد الحر الصغير (4)، و ظاهر الأولين أعم من الذكر و الأنثى و الخنثى.

و في إطلاق المسلم لغير المؤمن اشكال، لمعهوديته في باب الزكاة، و لو بقرينة الأخبار السابقة أو بقرينة فهم الأصحاب من الصدر الأول.

و الظاهر شمولها لمن كان أبوه مؤمنا، لصدق ذرية المؤمن عليه، بل ربما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 251 باب 15 من أبواب زكاة الفطرة.

(2) وسائل الشيعة 6: 156 باب 6 من أبواب المستحقين حديث 3.

(3) وسائل الشيعة 6: 156 باب 6 من أبواب المستحقين حديث 2.

(4) وسائل الشيعة 6: 155 باب 6 من أبواب المستحقين حديث 1.

24

يشمل ذلك صورة كونهم عيال جدهم المؤمن، مع فوت أبيهم المخالف، فإنّ ذرية المؤمن غير قاصرة الشمول لمثلهم، لو لا حملها على المتعارف الغالب من حياة أبيهم عند وجود الجد، فلا تصدق عليهم حينئذ ذرية المسلم.

و مع صدق العيلولة على المجنون و كذا الذرية، لا بأس بشمول النصوص له بل ربما تشمل المستضعفين منهم كالنسوان، الغالب فيهن عدم المعرفة بالخصوصيات لو لا غلبة الايمان- و لو بنحو الإجمال- في عيال المؤمنين، فلا تشمل غير الأهل منهم و لو كان مستضعفا.

ثم انّ في كفاية الإعطاء إلى كفيلهم، و إن لم يكن وليا شرعيا لهم، أو إلى أنفسهم إذا كانوا مميزين، وجه، لظهور هذه النصوص في كونها مسوقة وفق المتعارف في عدم البناء- عند إيصال خبر إليهم- على التفتيش عن حال أوليائهم الشرعيين، بحيث ينتهي الأمر إلى عدول المؤمنين، بل البناء على إعطاء من يكفلهم أو الى أنفسهم إذا كانوا مميزين في كيفية صرفها على حوائجهم.

نعم لو لا هذه الجهة لم يكد يصدق «إيتاء الزكاة» إلّا بقبض من يصح قبضه عنهم، كما لا يصدق ذلك جزما باعطائهم مع عدم التميز، فإنه حينئذ بمنزلة البهيمة المعلوم عدم صدق الإعطاء المذكور، كما لا يخفى.

و لو أعطى المخالف مثله أعاد مع الاستبصار بلا اشكال نصا و فتوى، لما في المستفيضة من إعادة زكاته، لأنه وضعها في غير موضعها (1)، و ظاهرها عدم إعادة سائر عباداته و إن كانت فاسدة، و عليه أيضا استقرت‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 149 باب 3 من أبواب المستحقين.

25

الفتوى.

و في اعتبار العدالة في المستحق زائدا على الايمان، كلام

بين القدماء و أكثر المتأخرين. و عمدة سند الاعتبار عند القدماء ما ورد من النهي عن إعطاء الزكاة لشارب الخمر (1)، لكن في استفادة شرطية العدالة من مثل ذلك نظر، لا سيّما لو اعتبر خلاف المروة في مفهوم العدالة.

و في التعدّي عن شارب الخمر إلى سائر الكبائر أيضا نظر، لو لا دعوى عدم الفصل، و هو أيضا محل منع، بل في قبالها ما دل على إعطاء النساء من الزكاة (2)، مع انّ الغالب فيهن الفسق، بل و في بعض النصوص مثل خبر بشر «إعطاء الفاجر» (3)، و الظاهر انصرافه الى غير صورة العلم بصرفها في فجوره.

و عليه فيدور الأمر بين الأخذ بإطلاق مثل هذه النصوص، و حمل النهي في شارب الخمر على الكراهة، أو الحمل على صورة العلم بصرفها في شرب الخمر. و بين الأخذ بظاهر النهي المزبور مطلقا، و تخصيص تلك الروايات بغير شارب الخمر، و لا يبعد ترجيح الأخير، لضعف المطلقات- خصوصا الدفع الى النساء- من سائر الجهات.

و مما يعتبر في المستحقين أن لا يكونوا واجبي النفقة عليه،

من الأبوين و إن علوا، و الأولاد و إن نزلوا، و الزوجة و المملوك، بلا إشكال في عدم جواز إعطائهم من سهم الفقراء، للنصوص المستفيضة (4)، خصوصا ما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 171 باب 17 من أبواب المستحقين.

(2) وسائل الشيعة 6: 169 باب 15 من أبواب المستحقين.

(3) وسائل الشيعة 6: 171 باب 17 من أبواب المستحقين حديث 2.

(4) وسائل الشيعة 6: 165 باب 13 من أبواب المستحقين.

26

اشتمل على العلة الجارية في كل واجب النفقة، بل و في نص آخر: التعليل بأنه يجبر على النفقة (1)، و ربما يكون له نحو شرح للعلة من قوله: بأنهم لازمون له، بالحمل على ملازمتهم في الإنفاق عليهم، لا أن المراد أنهم من لوازم وجوده، بحيث لا يصدق أنّ اعطاءهم إعطاء الغير.

بل هو في الحقيقة من قبيل إيصال نفع إلى نفسه، خصوصا في المملوك، لأنه لا يصدق عليه الإخراج من ملكه حقيقة، و لذلك التزم كاشف الغطاء بعدم الجواز في خصوص العبد، مع مصيره الى الجواز في غيره من واجبي النفقة (2)، لنصوص مجوزة (3) مطروحة بإعراض الأصحاب عنها.

و بالجملة نقول: الظاهر من قوله: «يجبر على النفقة» كون العلة هي انّ المالك مجبور على الإنفاق عليهم، و مع هذه المجبورية كانوا كأنهم واجدون لمئونة سنتهم فكانوا بمنزلة الأغنياء.

و لازم ذلك عدم جواز إعطاء غير من تجب نفقتهم عليه أيضا، حتى في الزائد عن مقدار نفقتهم الواجبة توسعة، كما هو الشأن في الغني الحقيقي، حيث لا يجوز إعطاؤه حتى للتوسعة أيضا، كما لا يخفى.

و هذا بخلاف ما لو كان المراد من العلّة المعنى الآخر، إذ لا بأس بأخذهم- بعد كونهم فقراء حقيقة- من غير من يعولهم، بمقدار حاجتهم، حتى و لو بذله المنفق عليهم، إذ بذله لهم لا يجعلهم أغنياء.

و قد ورد النص بجواز أخذهم من الغير للتوسعة، كما في صحيحة ابن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 166 باب 13 من أبواب المستحقين حديث 4.

(2) كشف الغطاء: 354.

(3) وسائل الشيعة 6: 167 باب 14 من أبواب المستحقين حديث 3 و 4.

27

الحجاج (1)، الواردة في الأب و الأخ و العم، المنصرفة إلى أخذهم من غير المنفق عليهم. و مثل هذا النص ربما يشهد لحمل العلّة في قوله: «لأنهم ملازمون له» على المعنى الآخر، فربما يتنافى ذلك مع ظهور التعليل بالإجبار، إذ هو مناسب مع المعنى الأول. و ليس المعنيان يدخلان تحت جامع قريب، كي يصلح إرادتهما بدلين، مع انّ ارادة المعنى الأول ينافي الصحيحة.

اللهم إلّا أن يقال: إن المعنى الأول لا يقتضي إلّا تنزيلهم منزلة الأغنياء، و إطلاقه يقتضي عدم جواز الأخذ، حتى من الغير توسعة ما لم يرد دليل على خلافه. و الصحيحة تصلح للقرينية، و بها يشرح أن نظر التنزيل إنما هو بالنسبة إلى المقدار المنفق عليهم و أما الزيادة- المحتاجون إليها للتوسعة- فلا بأس بها. بل ربما يتعدّى الى إعطاء نفس المالك لهم في ظرف عدم إنفاقه عليهم إلّا بالمقدار الواجب عليه.

و من الممكن الأخذ بإطلاق الصحيحة، و حصر التنزيل بالنسبة إلى المنفق، إما مطلقا أو بالمقدار الواجب عليه، و لو من جهة التشكيك في إطلاق دليل التنزيل بأزيد من مقدار لهم الإجبار.

لكن الانصاف منع الإطلاق في الصحيحة في هذا المقدار، بقرينة اشتمالها على نفي البأس توسعة. و لازمة عدم الأخذ من الغير أيضا في المقدار الواجب على المنفق عليهم، و جواز الأخذ في الزائد توسعة، حتى من المنفق، لعدم إطلاق في العلة أزيد من ذلك، كما لا يخفى.

ثم انّ الظاهر من قوله: «أنّهم عياله لازمون له» قصر عدم الجواز في صورة الإنفاق عليه من حيث العيلولة، فلا يشمل المتمتع بها، و إن وجبت عليه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 163 باب 11 من أبواب المستحقين حديث 1.

28

نفقتها بشرط أو نذر، و كذا الناشزة.

ثم انّ ذلك كله من جهة إعطائهم من سهم الفقراء، أما إعطاؤهم من سائر الوجوه، فلا إشكال في الرقاب تحت الشدة، و المكاتب مع العجز. إنما الكلام في إطلاقهما، بل هذا المعنى خارج عن مصب الأخبار الناهية، إذ الظاهر منها إعطاء عبد الغير بما هو عبده و تحت نفقته، لا إذا كان الغرض فك رقبته و خلاصه من الشدة.

و كذلك لا بأس بشمول إطلاق بقية الأصناف، خصوصا بالنسبة الى غير المنفق، لأنّ التعليل المزبور غاية اقتضائه كونهم بمنزلة الأغنياء في حرمة الصدقة عليهم، بعنوانهم الأولي، لا بمثل هذه العناوين الطارئة، كما أسلفنا سابقا، و في هذه الجهة لا فرق بين المنفق و غيره.

نعم بناء على حمل العلة على المعنى الثاني، يشكل إعطاؤهم من تلك الجهات أيضا. اللهم إلّا أن يقال: انّ اعتبار العرف تبعية وجودهم، إنما هي بالمقدار الواجب من النفقة لا أزيد. و من المعلوم انّ المصارف المزبورة خارجة عن المقدار الواجب في الإنفاق، فلا قصور في صدق «إعطاء الغير» من هذه الجهات.

و على أي حال، يجوز إعطاء الزكاة للأقارب غير من تجب نفقته، للإطلاقات. و في موثقة إسحاق: «هم أفضل من غيرهم» (1)، و المسألة واضحة لا تحتاج الى تطويل.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 169 باب 15 من أبواب المستحقين حديث 2.

29

و يعتبر في المستحقين أيضا أن لا يكونوا هاشميين إذا كان المعطي من غيرهم،

و تمكنوا من الخمس، أما حرمة الزكاة مع ثبوت القيدين فلا اشكال فيها ظاهرا، للنصوص المستفيضة التي منها: ما فيها شرح الصدقة المحرمة على بني هاشم بالزكاة (1)، و في بعضها: تخصيص الحرمة ببني عبد المطلب (2)، و هم غير بني هاشم، فلا بد أن يطرح أو يؤول إلى الأول، لبناء المشهور على خلافه، بل يمكن دعوى الإجماع عليه أيضا.

ثم انّ المستفاد مما ورد في سهم العاملين (3) من قيد عدم كونهم من بني هاشم، عدم اختصاص ذلك بسهم الفقراء، كما انّ التعليل بأنها «أوساخ الناس» (4) و انها لا تناسب جلالة شأن الهاشميين يوجب عدم اسراء الحكم المذكور الى سهم المؤلفة، إذا كانوا من بني هاشم، لأن كفرهم حينئذ قد سلب عنهم تلك الجلالة.

بل ربما جاز لهم الأخذ من سهم الرقاب، لأنّ اعطاءهم في ذلك هو إجلال شأنهم بفكهم عن الرقية، خصوصا إذا كانوا تحت شدة.

كما أنه عند حفظ أنفسهم بسد خلتها لا بأس بأخذهم من سهم سبيل اللّٰه.

و لو شك في الانتساب يرجع الى أصالة عدمه، كأصالة عدم القرشية، و هي كافية لقلب موضوع الحكم المأخوذ فيه الانتساب المذكور، و لو بنحو‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 186 باب 15 من أبواب المستحقين.

(2) وسائل الشيعة 6: 186 باب 15 من أبواب المستحقين حديث 2.

(3) وسائل الشيعة 6: 186 باب 15 من أبواب المستحقين حديث 1.

(4) وسائل الشيعة 6: 186 باب 15 من أبواب المستحقين حديث 2.

30

السلب المحصل، الحاصل و لو بعدم الموضوع، و انّ مجرد اختلاف القضية المتيقنة و المشكوكة في كيفية السلب محمولا و موضوعا غير ضائر بسلب النسبة الناشئة من قبل أي واحد كان، نظير بقاء هيئة الخيمة باحتمال قيام عمود آخر مقام الأول.

و عليه فلا تثبت النسبة إلّا بالشياع أو البينة الحاكية عن الشياع، للسيرة على قبول النسب بالشياع و في قبول البينة على غير الشياع، مع كون الغالب في مدركها الحدس الناشئ عن الشياع الظني اشكال، نعم مع احتمال كونها عن حس- باحتمال عقلائي- تسمع، و لكن أنى يمكن ذلك عادة، و هو قريب من المحال، و اللّٰه العالم.

نعم قد يتوهم من قضية الحسنين (عليهما السلام) سماع دعوى الاستحقاق من أي عنوان، بناء على التعدّي عن موردها، و هو صحيح لو لا دعوى انصرافها الى العناوين المأخوذة في نفس المصارف، لا في مثل الخصوصيات المأخوذة في قيود المصرف.

ثم انّ ظاهر القيد الأول جواز زكاة الهاشمي لمثله، و به نصوص (1) لا مجال معها للتشكيك في المسألة.

و أما القيد الثاني فهو أيضا مشهور بين الأصحاب، و في موثقة زرارة:

«و الصدقة لا تحل لأحد منهم إلّا أن لا يجد شيئا و يكون ممّن تحل له الميتة» (2).

و في رواية أبي خديجة: «أعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم فإنها تحل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 186 باب 29 من أبواب المستحقين.

(2) وسائل الشيعة 6: 191 باب 33 من أبواب المستحقين.

31

لهم، و إنما تجرم على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و على الامام (عليه السلام) الذي من بعده و على الأئمة (عليهم السلام)» (1). و ظاهرها جواز الزكاة على بني هاشم مطلقا من غير تقييد بصورة الحاجة و الضرورة، و هي بهذا الإطلاق مطروحة، و لم يعمل بها أحد من الأصحاب.

و ظاهر النص السابق كون موضوع جواز الأخذ هو من لم يتمكن من تحصيل القوت مطلقا، كما انّ المنساق منه جوازه بمقدار رفع ضرورته فقط، و ليس بمنزلة الفقير الذي كان يجوز له الأخذ حتى يستغني.

نعم في اعتبار حاجته بمرتبة يجوز له معها أكل الميتة إشكال، لأنّ المنساق من أمثال هكذا تعبيرات هو إظهار المبالغة في الاقتصار على سد الخلة.

و أيضا قضية الحلية لمثله كالحلية لسائر الأصناف، من جواز تملكه، لا أنّه مجرد إباحة له، كما لا يخفى.

و تحل للهاشميين الصدقة المندوبة حتى الزكاة المستحبة على المشهور، و لكن في بعض النصوص التعليل «بأنها أوساخ» (2)، و هو يشمل المستحبة أيضا. فضلا عن تفسير الصدقة المحرمة بمطلق الزكاة (3). نعم في نص آخر: تفسيرها بالواجبة (4)، و بمفهوم القيد الوارد مورد التحديد أمكن رفع اليد عن الإطلاقات، لا سيما مع ضم قرينة فهم المشهور، و إلّا فلا محيص عن الأخذ بالمطلقات، و الحكم بمنع الزكاة مطلقا، كما حكي ذلك عن بعض‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 187 باب 29 من أبواب المستحقين حديث 5.

(2) وسائل الشيعة 6: 186 باب 29 من أبواب المستحقين حديث 2.

(3) وسائل الشيعة 6: 190 باب 32 من أبواب المستحقين حديث 4.

(4) وسائل الشيعة 6: 189 باب 31 من أبواب المستحقين.

32

الأعاظم.

و أيضا نقول: انّ ظاهر تفسير الصدقة الواجبة بالزكاة حرمة خصوصها عليهم، و لكن في بعض النصوص مثل خبر عبد الرحمن تعميم الحرمة لمطلق الصدقة الواجبة (1)، فالأمر اذن يدور بين الأخذ بخصوص الزكاة بقرينة وقوعها شرحا للصدقة المحرمة، أو الأخذ بخبر عبد الرحمن، و حمل التخصيص بالزكاة على كونها الغالبة المبتلي بها الناس.

و ربما يؤيد الأخير ما في بعض النصوص من قوله: «و أبناء السبيل من آل محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله) الذين لا تحل لهم الصدقة و لا الزكاة» (2)، إذ ظاهر العطف عدم الاختصاص، غاية الأمر يقيد إطلاق الصدقة بالواجبة، بقرينة النصوص المتقدمة.

و ظاهر إطلاق الرواية حرمة مطلق الصدقة الواجبة، حتى الواجبة بالعرض، لو لا دعوى ظهور القيد- في الرواية السابقة- في الواجبة بالذات.

و فيها منع، و لا أقل من الشك، الموجب للرجوع إلى المطلق في الصدقة المحرمة، فلا ينتهي معه إلى الشك، كي يستصحب جواز الأخذ قبل الوجوب. و حينئذ فما حكي عن شيخنا العلّامة من منع الحرمة فيها- في مجلس درسه- منظور فيه.

ثم انّ في المقام كلاما في شمول المنسوب إلى هاشم من طرف الام، و سيأتي في مبحث الخمس إن شاء اللّٰه.

و يجوز إعطاء مواليهم، و ظاهر إطلاق المصنف- كالشيخ- (3) يوهم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 189 باب 31 من أبواب المستحقين.

(2) وسائل الشيعة 6: 359 باب 1 من أبواب قسمة الخمس حديث 9.

(3) المبسوط 1: 254.

33

الأعم من المعتق و المملوك، و عن ابن الجنيد التفصيل باختصاص الجواز بالعتاق (1)، و على القول بعدم تملك العبد لا بد من المصير الى هذا التفصيل.

و هكذا لا بد من حمل إطلاق النص (2) على التقييد بصورة العتاق أو الطرح.

أما النص المعارض بعدم الجواز مطلقا (3)، فمحمول على الكراهة، و هو أولى من حمل الأول على العتاق، و الثاني على المماليك، إذ لا شاهد لهذا الحمل.

و يجوز تخصيص واحد منها أي من الزكاة أجمع عند عدم ازدياد الزكاة عن المصرف المقرر له في غير الفقير من سائر العناوين، و إلّا فقد عرفت عدم تملكهم الزائد عن مقدار الاحتياج، بل ربما لا معنى للبسط أحيانا، كما في الرقاب مع عدم الوفاء إلّا لفك واحد.

و كيف كان فنقول: انّ مورد الكلام- في وجوب البسط و عدمه- هو خصوص المصرف في سائر العناوين غير الفقراء، لا في الزائد مع إمكان البسط عليهم.

و حينئذ فقد يتوهم وجوب البسط، لظهور الواو في الآية في الجمع، و لكن في قبال ذلك أخبار مستفيضة بجواز دفع الجميع لمصرف واحد، ففي تفسير العياشي: «ان جعلتها فيهم جميعا، و إن جعلتها لواحد أجزأ عنك» (4)، إذ المستفاد منه- فضلا عن عدم وجوب البسط على الأصناف- عدم وجوب التشريك بين أفراد الفقراء أيضا بتوهم اقتضاء ظهور الجمع ذلك.

____________

(1) نقله عنه العلّامة في المختلف: 184.

(2) وسائل الشيعة 6: 192 باب 34 من أبواب المستحقين.

(3) وسائل الشيعة 6: 193 باب 34 من أبواب المستحقين حديث 5.

(4) تفسير العياشي 2: 90.

34

و لعل أمثال هذه الشواهد دعتهم الى الالتزام بأنّ عنوان الفقراء- في موضوع الزكاة- أخذ بيانا لجنس المالك، و انّ المالك هو طبيعة الفقير، القابل للصدق على الواحد، غاية الأمر لا يتعيّن فرد خاص إلّا بالقبض. بل ربما تعدوا عن معهودية هذا التعبير عن الجنس بالجمع إلى سائر الموارد، و جعلوا الوقف للفقراء لجنس الفقير، و الوقف على الطلاب كذلك.

و ربما يختلف ذلك بالحصر و عدمه، فإنّ في فرض عدم الحصر ربما يكون ذلك قرينة على ارادة الجنس، لأنّ التشريك بين غير محصورين يوجب عدم الانتفاع بالوقف أحيانا.

هذا، نعم يستفاد من الفقرة الاولى- في رواية العياشي- رجحان البسط، لظهور الجملة الخبرية في الرجحان، و لذلك قال المصنف: و المستحب تقسيطها على الأصناف، و أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأول، و لا حد للكثرة.

أما الأول فلرواية أبي ولاد من النهي عن إعطاء أقل من خمسة دراهم (1)، لكن في قباله قوله: «ليس عليه في ذلك شي‌ء موقت» (2)، و في ذيل المرسلة:

«إنما يصنع ذلك على قدر ما يرى» (3). و لا يخفى انّ مقتضى الجمع هو الحمل على الاستحباب.

و أما الثاني فللإطلاقات (4)، نعم قد عرفت في غير الفقير من سائر الأصناف انّ حده الوفاء بالمصرف المعهود من دون تملك الزائد، هذا.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 177 باب 23 من أبواب المستحقين حديث 2.

(2) وسائل الشيعة 6: 184 باب 28 من أبواب المستحقين حديث 1.

(3) وسائل الشيعة 6: 185 باب 28 من أبواب المستحقين حديث 3.

(4) وسائل الشيعة 6: 178 باب 24 من أبواب المستحقين.

35

الباب الرابع في زكاة الفطرة

و هي واجبة بلا اشكال و لا خلاف إلّا عن بعض العامة، و تكفيه رواية ابن عباس قال: فرض رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو و الرفث و طعمة للمساكين (1)، و النصوص من طرقنا متواترة (2).

و لا شبهة انّ زكاة الفطرة ليست- كزكاة المال- قائمة بالعين، بل متعلقها بدن المكلف، كما يشهد له التعبير بقوله: «عليه الفطرة» و أمثاله. بل لا اشكال عندهم في انّ للفقراء جهة وضع في ذمة الأغنياء، من جهة ظهور اللام في الاختصاص المطلق في قوله: «الفطرة للفقراء». و لو منع الإطلاق من تلك الجهة، و قيل بأنه في مقام بيان مجرد الاختصاص، يكفي دليلا على الوضع المزبور، التعبير بخروج المالك- بعزله- عن ضمان الفطرة، إذ مثل هذا التعبير في غاية المناسبة مع الوضع، علاوة على المتسالم بينهم بعدم سقوطها بالموت، بل و تسالمهم على كونها في عرض سائر الديون في توزيع التركة عليها.

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 560.

(2) راجع: وسائل الشيعة 6: 220 فما بعد، أبواب زكاة الفطرة.

36

و حينئذ لا مجال لتوهم التكليف محضا في المقام، نظرا إلى ما في النصوص من كون الفطرة من تمام الصوم، المناسب مع التكليف محضا. مضافا الى تسالمهم على مانعية الإغماء، المناسبة مع عدم كونها حق الناس، و لذا لم يلتزم المشهور بمانعيته عن زكاة المال إذا عرض أثناء الحول.

لكن هذه الوجوه لا تقاوم ما تقدّم، لإمكان كون مانعية الإغماء في المقام مستندة الى تعبد خاص غير مرتبط بعموم «ما غلب اللّٰه» المخصوص بغير حقوق الناس. و انّ كونها من تمام الصوم لا ينافي الوضع، خصوصا مع ما في بعض النصوص من انها «تتميم زكاة المال»، و عليه فظهور النص في اعتبار الضمان- و غيره من المسلمات المزبورة- يقتضي اعتبار وضع للفقير، زائدا على التكليف.

و لا تجب زكاة الفطرة إلّا على المكلّف،

لحديث رفع القلم عن غير البالغ، بالتقريب المتقدّم في زكاة المال، فضلا عن النص المشتمل على قوله:

«لا زكاة على اليتيم» (1). و كذا لا تجب على عياله. و إن كانوا أغنياء، لما سيأتي، و ما في ذيل النص من أداء العبد زكاة نفسه من مال اليتيم، غير معمول به.

و هكذا لا تجب على المجنون لرفع القلم عنه، مضافا إلى المرفوعة المشتملة على انّ الفطرة تجب على من تجب عليه الزكاة (2)، بعد جبرها بتسالم مضمونها في الجملة لدى الأصحاب.

و بالتسالم على مانعية الإغماء في المقام، يخصص مقتضى القواعد في حقوق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 226 باب 4 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.

(2) وسائل الشيعة 6: 226 باب 4 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

37

الناس، و لذا يقتصر على مانعيته هنا، و لا يتعدّى الى سائر الموارد، و لا إلى سائر الأمراض المانعة عن توجه التكليف محضا.

و كذا لا تجب إلّا على الحر،

للملازمة المزبورة نفيا و إثباتا. و إلّا فيشكل إثباته من دليل آخر، لأنّ عدم مالكية العبد أو عدم قدرته على التصرف لا يثبت مانعية عنوان «الرقية»، مع انّ عدم المالكية حتى لما ملكه مولاه ممنوع، كما أشرنا سابقا. و عدم قدرته على التصرف، لقصور فيه لا لقصور في المال، و لا لتعلق حق الغير به.

هذا، و قد ورد في النص ثبوت الفطرة على المكاتب في قوله: «الفطرة عليه و لا تجوز شهادته» (1) بالحمل على الاستفهام الإنكاري، استنكارا للتفكيك بينهما، لا إنكارا لأصل الوجوب.

نعم بناء على الملازمة، و تسلمها بين الأصحاب، يتم المدعى، فلا بد من طرح النص المزبور بالاعراض، فالعمدة في المقام هو ثبوت الملازمة المذكورة، كما لا يخفى.

و هي واجبة على الغني،

و هو مالك قوت سنته بلا اشكال فيه فتوى و نصا (2)، و ظاهر كفاية ملكية قوت السنة عدم اشتراط ملكية مقدار الزكاة زائدا على القوت. و بعض الأصحاب ذهب إلى كفاية ملكية النصاب في وجوب الفطرة و لو لم تكن بمقدار قوت سنته، و لعله نظر إلى قوله «و من حلّت له لم تحل عليه، و من حلّت عليه لم تحل له» (3)، أي من وجبت عليه زكاة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 253 باب 17 من أبواب زكاة الفطرة حديث 3.

(2) وسائل الشيعة 6: 220 باب 1 من أبواب زكاة الفطرة.

(3) وسائل الشيعة 6: 224 باب 2 من أبواب زكاة الفطرة حديث 9.

38

المال لم تحل له صدقة الفطرة، و من لم تحل عليه صدقة الفطرة فإنه يجب عليه أداؤها، لكن لا مجال لذلك بعد استفاضة النصوص على الأول (1).

و زكاة الفطرة تجب في كل سنة،

لعموم قوله: «من تمام الصوم إعطاء الزكاة- يعني الفطرة- كما انّ الصلاة على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من تمام الصلاة» (2).

عند هلال شوال، و قيل: عند طلوع الفجر من ليلة العيد، و تتضيّق عند صلاة العيد. و على القول الثاني، فهل يعتبر بقاء الشرائط من الغروب الى الفجر، أم يكفي وجودها حين الطلوع؟ وجوه بل أقوال.

و في بعض النصوص: «ليست الفطرة إلّا على من أدرك الشهر في مولود ولد ليلة الفطر، أو نصراني أسلم تلك الليلة» (3).

و في صحيحة الفضلاء: «هو في سعة أن يعطيها أول يوم من شهر رمضان» (4).

و في صحيح العيص: عن الفطرة متى هي؟ قال: «قبل الصلاة يوم الفطر» (5).

و ظاهر هذه النصوص- بدوا- لا تخلو عن تهافت، و لكن دقيق النظر يقضي بحمل الأول على بيان شرط أصل الوجوب، و هو كونه ممن أدرك الشهر، عيالا كان أم معيلا، من دون تعرّض له لوقت الثبوت.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 224 باب 2 من أبواب زكاة الفطرة حديث 11.

(2) وسائل الشيعة 6: 221 باب 1 من أبواب زكاة الفطرة حديث 5.

(3) وسائل الشيعة 6: 245 باب 1 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

(4) وسائل الشيعة 6: 246 باب 12 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.

(5) وسائل الشيعة 6: 246 باب 12 من أبواب زكاة الفطرة حديث 5.

39

كما انّ صحيحة الفضلاء أيضا لا تتكفل إلّا وقت الاجتزاء في الإخراج، و هو لا يتنافى مع كونه فعلا مسقطا للواجب، و لو لوجدانه المصلحة الملزمة المقرونة بالمانع عن إلزامه و البعث إليه، و لو للجزم بإطباقهم على عدم الوجوب قبل دخول ليلة العيد.

و حينئذ لا تنافي بين هاتين الروايتين، كما أنهما لا تنافيان صحيحة العيص المتكفلة لوقت إخراجها وجوبا، بحيث ليس له التأخير عنه، و لو بقرينة نص آخر، مشتمل على أنه بعد الصلاة صدقة لا فطرة (1)، و لو بحمله على ما بعد الزوال، بقرينة ما دل على نفي البأس عن إعطاء الفطرة قبل الصلاة أم بعدها (2)، الصادق مع انتهاء الخطبة مع الزوال.

و حينئذ فمثل هذه الروايات لا تتكفل لتعيين وقت الوجوب، فلا محيص- بمقتضى الاستصحاب- عن تعيينه بطلوع فجر العيد، لعدم القول بالتأخير عن ذلك. و بمثل هذا البيان يرتفع التهافت بين الأخبار و الكلمات، حيث انّ بناء المشهور على الاجتزاء بالإخراج في رمضان. و قيام الشهرة على اعتبار اجتماع الشرائط حين إهلال شوال، و إطباقهم أيضا على عدم الوجوب قبل دخول ليلة العيد، و اختلافهم في انّ زمان الوجوب هو حين دخول الليل أو طلوع فجره، كل هذا التهافت يرتفع بما ذكرنا، كما لا يخفى.

كما انّ المستفاد من مجموع أخبار الباب هو تحديد زمان الإخراج- فطرة- بالزوال من يوم العيد، و لا مجال لاحتمال بقاء وقت الوجوب الى آخر يوم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 246 باب 12 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.

(2) وسائل الشيعة 6: 248 باب 13 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.

40

العيد، إلّا بحمل القيد- في قوله: «قبل الصلاة يوم العيد»- على الفضيلة، أو حمل قوله: «بعد الصلاة صدقة لا فطرة» على الكراهة في العبادة، مع إبقاء قيد «يوم العيد» على حاله، كما انه لو الغي مثل هذا القيد عن إطلاقه- و حمل على التوطئة لقبل الصلاة الذي هو محمول على الفضيلة- لا يبقى دليل على تحديد آخر الوقت، فيبقى وقته- بمقتضى الاستصحاب- إلى آخر العمر. و لعله الى مثل هذه التشكيكات أشار أستاذنا العلّامة في تكملته بقوله: و إن كان الأحوط أداؤها، من دون تعرّض لكونها صدقة أو أداء أو قضاء.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف: و تتضيق ..

إلخ، و قد عرفت انه يبقى الى الزوال- و لو بعد صلاة العيد- أجزاء، و إن كان يتضيق وقت فعله.

كما و يجوز تقديمها في رمضان، لما في صحيحة الفضلاء التي تقدّمت.

و لا تؤخر عن العيد على احتمال إبقاء قيد «يوم العيد» بحاله في الدخل في الوجوب، و إلّا فعلى الاحتمال الآخر يجوز تأخيره و لو عمدا، و إن كان الأحوط كونه لعذر، بل و لو كان لا لعذر أيضا لا يترك- على ما أفاده علّامتنا الأستاذ، على ما حكيناه- هذا الاحتياط، و إلّا فلا وجه للاجتزاء به إلّا بحمل القيود المزبورة على حال الاختيار، فيبقى حال الاضطرار تحت الاستصحاب.

و لو فاتت بانقضاء يوم العيد قضيت على اشكال في القضاء، إذ الأمر في المقام دائر بين السقوط رأسا- بناء على إبقاء ظهور قيد اليوم بحاله- أو الاجتزاء بها أبدا، للاستصحاب و إلى هذا الأخير ذهب أستاذنا العلّامة على ما تقدم، فلا دليل يقتضي القضاء، كما لا يخفى.

41

و لو عزلها ثم تلفت من غير تفريط فلا ضمان، أما صحة عزلها و خروجه بذلك عن الضمان فلا اشكال فيه ظاهرا، لصحيحة زرارة: عن رجل أخرج فطرته حتى يجد لها أهلا، فقال: «إذا أخرجها من ضمانه بري‌ء، و إلّا فهو ضامن حتى يؤديها» (1).

و صحيحة إسحاق عن الفطرة قال: «إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها» (2). و إطلاق الثانية يشمل صورة وجود المستحق و عدمه، كما انّ صريحهما تعيين الذمة بالعين، المستلزم لكونها أمانة بيده، و بذلك لا يضره متى أعطاها ما لم يكن بتفريط منه. و بذلك ظهر وجه عدم ضمانه بتلفه من غير تفريط، و لو بحبسها عن أهلها لغرض غير عقلائي، لا مثل انتظار الأولى فالأولى.

و من مصاديق التفريط نقلها عن البلد مع وجود المستحق فيه، كما ورد به النص في زكاة المال (3) بعد جريان مناطه في المقام، نعم لا بأس به تكليفا، كما هو الشأن في زكاة المال، للنص الجاري هنا بفحواه لو أغمض عن شمول إطلاقه، و لو بتوهم الانصراف إلى زكاة المال. مضافا إلى ما في نص ابن بزيع المشتمل لإخراج الفطرة إلى الرضا (عليه السلام) و إمضاؤه فعله و عدم إنكاره عليه، بلا استفصال منه بوجود المستحق في بلده و عدمه (4).

لكن دلالته على جواز النقل فرع عدم الفصل بين النقل إلى الامام و غيره، و عن الأردبيلي مصيره الى هذا التفصيل (5)، و معه لا دلالة له على الجواز‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 248 باب 13 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.

(2) وسائل الشيعة 6: 248 باب 13 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.

(3) وسائل الشيعة 6: 195- 198 باب 37- 38 من أبواب المستحقين.

(4) وسائل الشيعة 6: 194 باب 35 من أبواب المستحقين حديث 6.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 4: 267.

42

مطلقا، بعد إطلاق النهي في نص آخر من قوله تارة: «لا ينقل من أرض إلى أرض» (1)، و اخرى: «لا توجه الى بلدة أخرى» (2). إذ حينئذ لا بد من تخصيص جواز النقل بما إذا كان إلى الامام، فيبقى غيره تحت إطلاق النهي، المنصرف إلى صورة وجود المستحق جزما، و لو للمناسبة المغروسة.

و لو تم عدم الفصل أمكن الجمع بينهما بحمل الأخيرة على الكراهة، لبعد تنزيل المجوزة على عدم المستحق في البلد، و لكن أنى لنا بذلك مع خلاف الأردبيلي.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ مثل هذه الخصوصيات غير ملتفت إليها عرفا، فلو كان جواز النقل مطلقا مغروسا في ذهن الناقل الى الامام، لكان على الامام ردعه، فسكوته كاشف عن رضاه بما هو مغروس في ذهنه، و من البعيد جدا كون المغروس في ذهن الناقل التفصيل بين الحمل إلى الامام و غيره.

و حينئذ فالرواية لا تقصر دلالتها على الجواز مطلقا، فيكون أقرب الجموع هو حمل الناهية على الكراهة، و اللّٰه العالم.

و قدرها أي الفطرة تسعة أرطال بالعراقي،

من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأرز و الأقط، و من اللبن أربعة أرطال بالمدني.

أما تقدير التسعة في غير اللبن، فللنص من التحديد بالصاع، في مثل التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير (3)، الساري في جميع الحبوب بعدم الفصل، بل في النص انّ التحديد بنصف الصاع من بدع عثمان و معاوية (4)، و هو شاهد على‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 250 باب 15 من أبواب زكاة الفطرة حديث 3.

(2) وسائل الشيعة 6: 251 باب 15 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.

(3) وسائل الشيعة 6: 231 باب 6 من أبواب زكاة الفطرة.

(4) وسائل الشيعة 6: 232 باب 6 من أبواب زكاة الفطرة حديث 5 و 7 و 8 و 9 و 10.

43

طرح ما ورد بهذا التحديد (1) و لو كانت صحاحا.

و أما في اللبن فلم يرد نص بالتحديد المزبور في خصوصه (2)، بل النص المحدد به مطلق (3) شامل لغيره أيضا، غاية الأمر انّ سائر الأخبار لما وردت في غير اللبن، خصص هذا النص باللبن.

لكن الإنصاف أنه لو لا قيام الإجماع على خلاف إطلاقه، لكان المتعيّن هو حمل الأكثر على الفضيلة، و يكون الحكم في الجميع هو الأقل، خصوصا مع اشتمال الأخبار السابقة على الأقط، الممكن دعوى شمول فحواه- عرفا- للّبن أيضا. و مع التزام الأصحاب بذلك، فلا محيص عن طرح إطلاق هذه الرواية، للعلم الإجمالي بطرح السند فيه أو الدلالة، خصوصا مع بعد التخصيص المزبور في المقام، لأنه من مصاديق التخصيص الكثير المستهجن، كما لا يخفى.

و حينئذ فالحكم بالتسوية بين اللبن و غيره في تعيين الصاع الذي هو مشهور هو المنصور، لو لا دعوى عدم شمول دليل الصاع لمثل اللبن، إلّا بفحوى الأقط، و هي ممنوعة. و حيث لا يتم عدم الفصل بينهما، فيرجع في الزائد عن المتيقن في اللبن إلى البراءة. و اللّٰه العالم.

و أما تعيين جنس المخرج في زكاة الفطرة، فظاهر المصنف تخصيصه بالأجناس السبعة، و عن الدروس نسبة ذلك إلى الأكثر (4). و حكي عن بعضهم القول باختصاصه بالأربعة الاولى، و عن آخر ضم اللبن إليها.

و نسب الى المشهور جواز إخراج القوت الغالب، و هل المدار حينئذ على ما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 233 باب 6 من أبواب زكاة الفطرة حديث 12- 14.

(2) بل النص وارد بخصوصه. راجع وسائل الشيعة 6: 237 باب 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث 3.

(3) وسائل الشيعة 6: 237 باب 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث 5.

(4) الدروس: 66.

44

عليه بنو نوع الإنسان، أو نوع أهل قطرة، أو بلده، أو شخصه، وجوه بل أقوال.

و منشأ الخلاف اختلاف أخبار الباب، المشتملة بعضا على أجناس مخصوصة (1)، و بعضا على ما يغذون عيالهم (2)، و في ثالث: «قوت أهل بلدك»، ثم فصّل بأنّ أهل مكة و اليمن كذا، و أهل الشام كذا، و أهل طبرستان كذا، و أهل خراسان كذا، و أهل مرو و الري كذا، و أهل مصر كذا (3).

و ظاهر صدرها الاكتفاء بغالب قوت البلد، و ذيلها غالب قوت القطر.

و ظاهر الخبر الأول كون المدار غالب قوت الشخص، كما هو ظاهر قوله: «كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت» (4). كما انّ الظاهر مما اشتمل على الأجناس المعهودة كون المدار عليها، سواء كان قوت الغالب منها أم لا.

و حينئذ لا تخلو النصوص- بدوا- عن نوع تهافت، كما لا يخلو المقام عن دوران الأمر بين حمل المطلقات- في عنوان «غلبة قوت القطر»- على الغالب من ملازمته لقوت البلد، الملازم لقوت الشخص، فيكون تمام المدار على هذا الأخير، كما هو ظاهر الروايتين. و ان اختلاف الأجناس أيضا منزل على اختلاف البلدان أو الأقطار، من غلبة كل قطر أو بلد في جنس من الأجناس المزبورة، بلا أخذ لظهورها في كون العناوين المزبورة بإطلاقها هي المدار.

أو الأخذ بظهور العناوين، و حمل قوت الغالب على الاستحباب و الفضيلة، كما هو الشأن في التمر و الزبيب، للنص الوارد في التمر بأنه أفضل،

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 231 باب 6 من أبواب زكاة الفطرة.

(2) وسائل الشيعة 6: 238 باب 8 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

(3) وسائل الشيعة 6: 238 باب 8 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.

(4) وسائل الشيعة 6: 239 باب 8 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.

45

معللا بأنه أسرع منفعة (1)، الساري ذلك في العنب أيضا.

أو جعل المدار- بمقتضى ذيل الرواية- على غلبة قوت القطر، و جعل صدرها منزلا على غلبة ملازمة البلد للقطر، كما انّ غلبة قوت الشخص أيضا منزّل على الغالب، من ملازمته لقوت بلده الملازم لقطره.

أو الأخذ بصدرها، و جعل المدار على قوت البلد و أنّ غلبة الأقطار و الشخص منزلان على الغالب، من ملازمتهما لقوت البلد، بضميمة حمل اختلاف الأجناس على اختلاف البلدان في أقواتهم.

و حينئذ يمكن منع الإطلاق في العناوين المخصوصة، فيكون أردأ الجموع الجمع الثاني، فيدور الأمر بين المحتملات الثلاثة من كون المدار على قوت البلد أو القطر أو الشخص. و حيث لا ترجيح لقابلية تنزيل إطلاق كل واحد على الغالب، فلا محيص- في مورد الاختلاف- عن اختيار القيمة.

و مع تباين المبدل و الشك في مسقطية أقل القيم، يجب اختيار الأكثر، تحصيلا للجزم بالفراغ.

نعم لو كانت الذمة من الأول مشغولة بالقيمة، بمعنى تعلّق حق الفقير بمالية الأجناس المزبورة، نظير إرث الزوجة من العقار، كان الاجتزاء بالأقل صحيحا، لأنه المتيقن، و تجري البراءة عن الزائد.

لكن ليس الأمر كذلك جزما، بل القيمة مسقطة لما في الذمة من الأجناس المتباينة، فلا محيص عن تحصيل الجزم بالبراءة، و لا يكون ذلك إلّا بإعطاء قيمة الأكثر.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه مصير المصنف إلى الجمع الثاني الذي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 234 باب 6 من أبواب زكاة الفطرة حديث 15.

46

أشرنا إليه، حيث قال: و أفضلها التمر، ثم الزبيب، ثم ما يغلب على القوت بعد التصريح بالاجتزاء بالأجناس السبعة مطلقا. و قد عرفت انّه مبني على قوة إطلاق أدلة الأجناس المزبورة، على وجه يصلح لحمل القوت الغالب على الفضيلة، غاية الأمر مؤخرا عن التمر و الزبيب، للنص. و قد عرفت أيضا أنه في غاية الإشكال، كالإشكال في تأخر رتبة الزبيب عن التمر، لتساويهما في العلة المنصوصة.

و يجوز إخراج القيمة حتى مع التمكن من العين، كما هو معقد الإجماعات، بل و إطلاق النصوص أيضا (1)، إنما الكلام في أن المعتبر في القيمة هل هو خصوص الدرهم كما في بعض النصوص (2)، أو يتعدّى إلى الدينار أيضا، بمقتضى التعليل الوارد في رواية إسحاق: من أن ذلك أنفع لهم (3)، أو مطلق ما يصلح أن يقع بدلا ماليا، كما هو الظاهر من إطلاق القيمة في بعض النصوص (4)، وجوه.

و المشهور على الأخير أخذا بالإطلاق المزبور، و حمل السابقة على الفضيلة.

و يمكن منع الإطلاق، لمعهودية الأثمان في التقويمات، بحيث يمكن أن تكون هي المتيقنة في مقام التخاطب، نعم لا بأس بمطلق القيم عند تراضيهما، لأنّ الحق لا يعدوهما، كما لا يخفى.

و يجب أن يخرجها عن نفسه و عن من يعوله، من مسلم و كافر،

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 239 باب 9 من أبواب زكاة الفطرة.

(2) وسائل الشيعة 6: 239 باب 9 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

(3) وسائل الشيعة 6: 241 باب 9 من أبواب زكاة الفطرة حديث 6.

(4) وسائل الشيعة 6: 241 باب 9 من أبواب زكاة الفطرة.

47

و حر و عبد، و صغير و كبير، و إن كان متبرعا بالعيلولة كالضيف و نحوه، لما في النص: الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه، فيحضر يوم الفطرة، يؤدي عنه الفطرة؟ فقال: «نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حر أو مملوك» (1)، و في نص آخر: «و عبده النصراني» (2).

و لا ينافيهما ما ورد من نفي الفطرة عن المتكلف في الإنفاق على غيره (3)، لإمكان تنزيله على صورة عدم صدق العيلولة، إذ الإنفاق أعم من العيلولة.

بل ربما تكون العيلولة أيضا من جهة أعم من الإنفاق الفعلي، و لا أقل من طرح إطلاق هذه الرواية، الموهن لسندها أيضا، بوجه لا تصلح معارضة لما جعل المناط هي العيلولة.

كما انّ تفسير العيلولة في بعض النصوص بمن تجب نفقته (4) لا يقتضي التخصيص، بعد تصريح الرواية السابقة في تطبيق العيال على الضيف.

و أيضا فإنّ تطبيق عنوان «العيال» على واجبي النفقة، يكشف عن أنّ وجوب إخراج فطرتهم على المكلف إنما هو بعنوان العيلولة، لا بعناوين أخر، من الزوجية و البنوّة و نحوهما. و حينئذ فما ورد في بعض النصوص بهذا العنوان، منزّل على الغالب من كونهم عيالا، فلا طريق حينئذ لإثبات الفطرة عن قبل العناوين المخصوصة.

و حينئذ فالمدار التام هو صدق عنوان العيلولة، فما لم يصدق- حتى على الزوجة و الابن و الأب- هذا العنوان، لم يجب إخراج الزكاة عنهم، و مع الصدق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 227 باب 5 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.

(2) وسائل الشيعة 6: 229 باب 5 من أبواب زكاة الفطرة حديث 3 و 9.

(3) وسائل الشيعة 6: 227 باب 5 من أبواب زكاة الفطرة حديث 3.

(4) وسائل الشيعة 6: 228 باب 5 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.

48

يجب، و إن لم ينفق عليهم فعلا لنشوز و غيره، بناء على إمكان تصور العيلولة مع عدم الإنفاق.

ثم انّ المدار في صدق العيلولة هو العرف، فربما تتحقق في زمان يسير، و لا يلزم امتداد زمان طويل. و قد ورد النص في المولود ليلة العيد: انه «ليست الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (1)، و معهودية وجوبها عن مولود يدرك الشهر، و معلوم انّ الوجوب حينئذ لا يكون إلّا بمناط العيلولة جزما، فيكشف ذلك عن انّ مثل هذا العنوان مما يكفي في صدقه الاتصاف آنا ما.

نعم لو أشكل في إطلاق مفهوم النص المزبور من تلك الجهة، و شك في دخل مضي أمد في صدق عنوان العيلولة، فلا بد من مراعاة مضي زمان، و إلّا فالمرجع هي أصالة البراءة، كما لا يخفى.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر أنه لا يبقى مجال لجريان النزاع في تحديد مفهوم الضيف، بعد ما لم يكن لهذا العنوان بخصوصه مدخلية في الحكم، إلّا أن يكون تحرير محل النزاع ناظرا إلى جهة الملازمة لتشخيص حيثية العيلولة، و ذلك أيضا لو لا الإطلاق في رواية المولود، حسب ما عرفت، و إلّا فلا مجال لأمثال هذه التشكيكات في تحديد مفهومه. و اللّٰه العالم.

فرع: لو كان مملوك في عيلولة اثنين،

فمقتضى ظهور هذا العنوان في الاقتضاء بمقدار ثبوته، هو إخراج فطرته عليهما بنسبة ما يملكانه و ينفقان عليه، لحكم العرف بأنّ الفطرة تماما أو بعضا تابعة لصدق العيلولة كذلك.

و لا ينافيه ما في بعض النصوص: «و إن كان لكل إنسان منهم أقل من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 245 باب 11 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

49

رأس فلا شي‌ء عليهم» (1)، إذ من الممكن تنزيله على صورة انصراف العيلولة رأسا عن مالك الأقل، و لو من جهة اعتبار العرف نحو خصوصية لمالك الرأس ليست لغيره.

كما أنه لا مجال أيضا للمصير إلى عدم شي‌ء على المعيلين، نظرا الى عدم الانتساب التام إلى واحد، ليكون موضوع الفطرة، إذ فيه: انه مصادرة على المطلوب، فالتحقيق ما ذكرنا من التوزيع، كما مر نظيره في مسألة السيح و الدوالي، فراجع، و اللّٰه العالم.

تنبيه:

كل من تجب فطرته على الغير- بعنوان العيلولة- لا تجب على نفسه، لظهور «لا ثنيا» في نفي التعدد عن قبل سبب واحد، سواء على الواحد أم على اثنين.

و في كون الفطرة على المعيل من قبيل التحمل عن الغير، أو كونه تكليفا متوجها إليه بدوا، وجهان. لا يبعد الأول، لظهور قوله: «عن كل شخص صغير أو كبير» في كونه من باب التحمل، مضافا إلى قوله: «ليست الفطرة إلّا على من أدرك»، الظاهر في كونها على نفس المولود بدوا، فيتحملها عنه معيله.

و لا ينافي ذلك كون الصغير غير مكلف رأسا، لأنّ دليل رفع القلم لا ينظر الى مثل هذا الثبوت غير المستقر عليه، إذ ليس في وضع هذا المقدار خلاف امتنان في حق الصغير.

و نظيره ما دل على نفي الفطرة عن اليتيم (2)، إذ هو أيضا منصرف إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 254 باب 18 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 6: 226 باب 4 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2 و 3.

50

الفطرة المستقرة، كما هو الشأن في نفيها عن الفقير، بحيث لا ينافيه تحمل من اضافه أو أعاله.

لو كان العيال و المعيل كلاهما فقيرين، لا تجب الفطرة على واحد منهما، لسقوط استقرارها بالفقر في كليهما.

و لو كان المعيل غنيا تحمل عن عياله مطلقا.

و لو كان المعيل فقيرا و كان عياله أغنياء، قيل باستقرار الفطرة عليهم بشروطها من العقل و البلوغ و غيرهما، لأنّ عموم «من أدرك الشهر» يقتضي ثبوتها مطلقا، غاية الأمر انّ دليل تحمل المعيل يرفع استقرارها، و أما مع فرض عدم وجوبها عليه بسبب فقره، فيبقى ظهور «من أدرك» موجبا لها على العيال أنفسهم.

أقول: لا يخفى انّ لازم ذلك: اما وجوب الفطرة على الصغير و الفقير مستقرة، عليهما في فرض إعسار المعيل بالتقريب المتقدم، أو عدم وجوبها على المعيل بنحو الاستقرار أيضا مع غناه، و كلاهما باطل.

تقريب الملازمة: انه لو أغمض عن دليل مانعية الصغر و الفقر، كان مقتضى الجمع بين دليل «التحمل» و عموم «من أدرك» هو استقرار الفطرة عليهما عند عدم التحمل، كما هو الشأن في العيال الغني مع فقر المعيل. و ان لم يغمض عن الدليل المزبور، فلا فطرة مستقرة عليهما، كي يتحمل عنهما معيلهما حتى مع غناه، إذ مرجع تحمله عنهما اشتغال عهدته بما اشتغل عهدتهما به، و المفروض انّ عهدتهما غير مشغولة بالفطرة المستقرة كي ينفى استقرارها بتحمل غني، بل حسب الفرض- مع قطع النظر عن تحمل الغير أيضا- لا استقرار عليهما، فلا يتحمل المعيل الغني إلّا هذه الفطرة غير المستقرة، و لازمة عدم وجوبها المستقر على المعيل الغني، و كلا المحذورين مما لا يلتزم بهما أحد.

51

و عليه فلا محيص إما من دعوى التحمل مطلقا، غاية الأمر أنه لا يجب على المعيل الفقير دفعها، لا عن نفسه و لا عن غيره، و لازمة كون دليل الصغير و الفقير ناظرا الى نفي وجوب الأداء تكليفا لا وضعا، فيصير بالنسبة إليهما من قبيل الزكاة المستحبة. نعم مع كونهما عيالا على الغير، لا وضع عليهما أيضا، فلا يتحمل غيره و لو كان فقيرا.

أو يلتزم بعدم ثبوت الفطرة على الفقير و الصغير رأسا، و انّ خطاب الفطرة متوجه إلى المعيل بدوا، و أنّ المراد من الفطرة عليهم هو نحو توسعة في مفهوم «على» و لو بجعل مفادها راجعا الى سببيتها للثبوت على المعيل.

و على كلا التقديرين لا وجه لوجوبها على العيال الأغنياء مع فقر المعيل، إذ مرجع الوجهين إلى رفع اليد، إما عن ظهور دليل النفي عن الفقير في نفي الوضع، بصرفه الى التكليف، مع إبقاء ظهور دليل التحمل في الوضع بحاله، حتى في المعيل الفقير بالنسبة إلى عياله مطلقا.

أو الأخذ بظهور دليل النفي في نفي الوضع أيضا، و لازمة الالتزام بتوجه الخطاب بالفطرة إلى المعيل بدوا بلا تحمل. و لازم كل واحد عدم الوجوب على الأغنياء أيضا عند فقر معيلهم، و إلّا فلا محيص عن الوقوع في أحد المحذورين، و هو كما ترى.

ثم انّ في قابلية زكاة الفطرة للنيابة كلاما آخر،

إذ بعد كونها من العبادات فمن المحتمل عدم قابليتها للتسبيب، كما هو شأن كلية العبادات.

و مع الشك في هذه القابلية، فأدلة الوكالة قاصرة الشمول لمثلها، إذ هي إنما تجري في المحل القابل لا مطلقا. و لذا قلنا بأنّ الأصل في العبادات عدم مشروعية الوكالة و النيابة، إلّا ما خرج. فلا يقاس المقام بباب الدين القابل لاستنابة الغير عن المديون في وفاء دينه، و لو من مال نفسه، و عليه فلا يجتزأ‌

52

بأداء الغير من مال المتبرع عنه، فضلا عن مال نفسه، أو إذا لم يكن باذنه.

هذا هو طبق القواعد الأولية في كلية العبادات.

لكن قد ورد النص على جواز النيابة في المقام، مثل رواية جميل المشتملة على أمر الرجل عياله فيعطون عنه و هو غائب (1)، و هذا النص مختص بصورة الاذن. و في التعدّي عنه الى غير هذه الصورة، أو بالإخراج من مال النائب، اشكال. اللهم إلّا أن يدعى بأنّ الرواية مسوقة لبيان مشروعية النيابة، بلا التفات إلى خصوصية كون المعطي من ماله أو من مال المنوب عنه، نعم في التعدّي إلى غير هذا المورد اشكال، فيقتصر في خلاف الأصل على المتيقن، و اللّٰه العالم.

و تجب فيها النية

بلا خلاف، لإرسالهم عباديتها في المسلمات، و معه لا ينظر إلى أصالة التوصلية عند الشك في العبادية- على المختار- فضلا عمن قال بأصالة التعبدية.

و لا إشكال في تكليف الكافر بها و إن لم يصح صدورها منه، لعدم صلاحية عمله للمقربية، كما هو الشأن في الجاهل المقصر في باب الصلاة في الدار المغصوبة. نعم بعد الإسلام يجب عنه ما سلف بالتقريب المتقدم في زكاة المال، مضافا الى ما ورد من سقوطها عن نصراني أسلم ليلة الفطر (2).

و يجب إيصالها إلى مستحق زكاة المال

من الأصناف الثمانية، و عمدة الوجه إطلاق الآية، و ظهورها لبيان مصرف الزكاة، مطلقا مالية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 254 باب 19 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 6: 245 باب 11 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.