نخبة الأزهار في أحكام الخيار

- شيخ الشريعة الأصفهاني المزيد...
192 /
3

تقديم بقلم العلامة الحجة السيد أحمد الحسيني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المسائل الفقهية بمجموعها تعنى بالروابط الموجودة بين الإنسان المسلم و ربه أو مجتمعة أو نفسه، فما دام يعتقد بالإسلام لا بد له من العمل بدستوره و السير على ضوء شريعته في كل تصرفاته الفردية و الاجتماعية و حتى في عقائده القلبية و ضميره الإسلامي.

ان ما يصدر من الإنسان له حكم خاص في الشريعة الإسلامية و وجهة نظر تخصه، و هذا الحكم هو المعبر عنه في لسان علماء الدين ب‍ (الفقه)، و العالم الذي تتحصل له ملكة استخراج الحكم من آيات كتاب اللّه العظيم و دلائل سنة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) المبينة بواسطته أو بواسطة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) هو المسمى ب‍ (الفقيه).

4

و على الفقيه أن يسعى في استنباط الاحكام لنفسه و لمن لم تتهيأ له وسائل الاستنباط من سائر المسلمين، حتى يتمكنوا من التوفيق بين أوامر اللّه تعالى و بين أعمالهم من العبادات و المعاملات و بقية شؤونهم العامة و الخاصة و لو لا هذا الطريق لما عرف الناس أحكام ربهم و لحاروا في متاهات الجهل و سبل الضلال.

من هنا نحس بشدة ضرورة فتح باب الاجتهاد و البحث الجاد عن كل مسألة مسألة من الفقه، لئلا يصيبه الجمود في شكله و محتواه و ليتبلور حتى يصبح معطاء مجيبا على كل حادثة تحدث و مسألة تتجدد، و يسير مع عجلة الزمن و يملأ الفراغ الذي يواجهه الإنسان الذي يعطى كل يوم شكلا جديدا لحياته الفكرية و الاجتماعية.

إن تعطيل التجديد و الاجتهاد في الفقه الإسلامي يعنى إيقاف المسلم عن سيره التقدمى و الحد من نشاطاته الاصيلة و دفعه الى التسول من الخارجين على دينه و المناهظين لمعتقداته. و أخيرا سلب الاعتماد على شخصيته و ذوبانه فيما يستورد له من وراء حدود وطنه الإسلامي الأكبر.

و معنى عدم تعطيل ذلك، اشتغال جماعة من ذوي الاختصاص في مسائله و بذل جهودهم في النظر و البحث و الاستنباط، حتى تستوفى جوانب المباحث و يستخرج الحكم نقيا خالصا من شوائب التسرع أو عدم استفراغ الوسع.

و يزيد قيمة الاستنباط إذا كان الفقيه من ذوي الاقدام الراسخة في التدريس و التنقيب و الفحص، يعطى مجال النقاش للتلامذة حتى‌

5

تظهر مواهبهم المكنونة و تنجلي صدأ أذهانهم، و هو يستفيد أيضا من الإشراقات التي ربما تسطع على أفكارهم، فينتبهون الى نكات بعدت عن ذهنه أو يلتفتون إلى نقطة ضعف غابت عن خاطره.

في هذه المجموعة الفقهية- التي نقدم لها بهذه الكلمة المتواضعة- نقرأ جهدا علميا تتوفر فيه أسس الاستنباط بأجلى معانيه، و نستشعر بالنظر فيها عظمة أستاذ كان له شهرة واسعة في الفقه و الاستنباط أفنى سنين طويلة من عمره في جامعة النجف الأشرف مدرسا و مربيا و مجددا، كما نستشعر جلالة تلميذ امتلاء بالمواهب و الجد حتى قطع أشواطا بعيدة في العلم و البحث.

6

اما الأستاذ فهو: شيخ الشريعة الأصبهاني (1)

أستاذ الفقهاء، مرجع عصره، الزعيم الديني الكبير الميرزا فتح اللّه بن محمد جواد النمازى (2) الشيرازي المعروف بشيخ الشريعة (3) الأصبهاني النجفي.

ولد (رحمه اللّه) بإصبهان في الثاني عشر من ربيع الأول- أو ربيع الثاني- سنة 1266.

____________

(1) انظر ترجمته في: أعيان الشيعة 42- 257، معارف الرجال 2- 154، أحسن الوديعة 1- 171، علماء معاصر ص 122، مصفى المقال ص 193، ريحانة الأدب 3 ر 206، مكارم الاثار 5 ر 1816، الاعلام للزركلي 5 ر 333، معجم المؤلفين 8 ر 52، الذريعة في مختلف اجزائه.

(2) قيل ان جده الحاج محمد على النمازى كان كثير الصلاة مداوما عليها فاشتهر بهذا اللقب (نمازى) و بقي ذلك في أحفاده، و قيل انه من أعقاب نمازان خان التركمانى الذي نقله الشاه عباس الصفوي من ما وراء النهر إلى أصبهان و كثر أعقابه في إيران و غيره و لقب بيتهم بهذا اللقب.

(3) كان يلقب أولا ب‍ «الشريعة» و يلقب أخواه ب‍ «الطريقة» و «الحقيقة»، أو كان يلقب ب‍ «شريعة الحق» ثمَّ اشتهر ب‍ «شيخ الشريعة» و بقي يعرف به.

7

نشأ بها نشأته الاولى و تتلمذ بتفوق على كبار علمائها في المراحل الدراسية المختلفة، و من أساتذته الذين أخذ عنهم في أصبهان المولى عبد الجواد الخراساني و المولى حيدر على الأصبهاني و المولى أحمد السبزواري و المولى محمد صادق التنكابني و المولى محمد تقي الهروي و الحاج الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي الأصبهاني، و تلقى من الأخير كثيرا من المباحث الفكرية و الأصولية و سمع عليه تحقيقاته في تقوية القول بحجية الظن بالطريق.

و سافر الى مشهد الرضا (عليه السلام) للزيارة، فجرت به مباحثات بينه و بين علمائه الأجلاء و ظهر فضله في سائر العلوم، ثمَّ عاد إلى أصبهان و انقطع عن الحضور على الاساتذة و اشتغل بالتدريس و الإفادة بطريقة أعجب الطلبة بها و التفوا حوله.

ثمَّ هاجر الى النجف الأشرف- مدينة العلم و موئل العلماء- في سنة 1295 و تتلمذ على اساتذتها الاعلام و نهل من نميرهم الصافي، و واصل ليله بنهاره حتى حاز مرتبة عظيمة في العلم و الفضيلة و أصبح من رجالاتها المعدودين و اساتذتها المشهورين، و كان من ابرز شيوخه في النجف الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي و الشيخ محمد حسين الكاظمي.

و في سنة 1313 قصد حج بيت اللّه الحرام و زيارة النبي الكريم (صلى اللّه عليه و آله)، و لما عاد الى النجف انقطع للتدريس و البحث و التصنيف و التأليف.

و له الإجازة بالرواية عن جماعة من الاعلام، منهم، السيد مهدي‌

8

القزويني الحلي، و السيد محمد باقر الخونسارى صاحب الروضات، و أخيه السيد محمد هاشم الخونسارى، و الشيخ محمد طه النجف، و الشيخ محمد حسين الكاظمي.

كان الشيخ أيام دراسته بإصبهان يمارس التدريس لحلقة من الطلاب، و لما عاد من مشهد انقطع الى التدريس كما ذكرنا. و عند ما هاجر الى النجف زاول التدريس أيضا ضمن تتلمذه على اساتذتها حتى سنة 1313 حيث رجع من الحج، و فيها استقل بإلقاء محاضراته العالية في الفقه و الأصول و غيرهما معنيا بتربية رجال العلم و منصرفا الى تنشئة العلماء و الأفاضل.

و يتفق مترجموه على أنه ربي مئات من أهل العلم في حوزة أصبهان و النجف، و كانت حلقة درسه مرغوبا فيها يتوافد عليها الطلاب و الراغبون في الدراسات العالية.

و يعود السبب في التفاف الطلبة حوله و تسابقهم الى محضر درسه، إلى أخلاقه الطيبة و حسن إلقائه و عمق الموضوعات التي كان يتناولها و تشعب ثقافته و اطلاعه الواسع على فنون من العلم.

يمتاز الشيخ على كثير من الفقهاء المعاصرين له بالموسوعية و المطالعة الطويلة في العلوم التي لا تدخل في نطاق الفقه من قريب، فقد كان- كما ينقل قوى الحافظة مرهف الشعور سريع الانتقال كثير القراءة و مداوم النظر في الكتب المتفرقة. و تجمع هذه الصفات فيه خلقت منه عالما يلم بفروع‌

9

العلوم المتداولة في بيئته و غير المتداولة.

في الفقه و أصوله كان بارعا لم يشق له غبار و أذعن بتفوقه فيهما من أتى بعده من شيوخ العلم في حوزة النجف و غيرها.

و في الكلام و العقائد و الفلسفة كان متمكن يكتب الرسائل فيها و يناظر المخالفين و يغلب عليهم.

و في علوم القرآن و الأدب يتحدث بقوة الأخذ بناصيتها المتمرن في مسائلها، و يكتب مسألة خلافية منها (قراءة ملك و مالك في سورة الفاتحة) فيفتح أمام قارئه آفاقا من التحقيق و الدقة العلمية في الأقوال و الآراء.

و في الحديث كان على جانب عظيم من الدراية به، و حتى في الكتب الحديثية التي ألفها إخواننا اعلام أهل السنة، في كتابه «القول الصراح» ترى دقة متناهية في علوم الحديث و علله عديمة النظير في زمانه.

و في الرجال و أحوال الرواة و تراجمهم هو في الرعيل الأول من روادها و المحققين فيها، حتى يقول تلميذه العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني عنه في كتابه «مصفى المقال»: أطول باعا في فنون الحديث و الرجال بعد شيخنا العلامة النوري من سائر من ادركتهم من المشايخ.

أضف الى ذلك معرفته بالطب و العلوم الرياضية، فقد نقل بعض الثقات انه مرض فأحضر له أحد الأطباء، فجعل يشرح له مرضه و أسبابه على ضوء ما جاء في كتاب (القانون) لابن سينا، فظن الطبيب‌

10

أنه بمناسبة مرضه قد قرأ الموضع الخاص من القانون، و لكنه استدرجه في الكلام الى امراض اخرى و المسائل الطبية فكان الشيخ يتحدث معه عنها كأن القانون قد فتح امامه يقرأه.

و ملخص القول نردد هنا ما قاله السيد الأمين في كتابه «أعيان الشيعة»: كان يمتاز بمشاركته في فنون الفلسفة القديمة و الحكمة الإلهية فضلا عن العلوم الإسلامية من الكلام و الحديث و الرجال و خلافيات الفرق و معرفة آراء الملل و النحل و الأهواء و المقالات و مالها و ما عليها من الحجج و الأدلة.

و من بين نشاطات الشيخ العلمية تبرز عدد من الكتب القيمة التي تتسم بالعمق في الموضوع و أحيانا الابتكار، و إليك أسماء ما وقفنا عليه من تلكم الدرر الغالية:

1- إنارة الحالك في قراءة ملك و مالك.

2- ابانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار.

3- صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة.

4- إفاضة القدير في أحكام العصير، طبع بقم سنة 1370.

5- قاعدة لا ضرر، طبع بقم سنة 1368.

6- قاعدة الطهارة.

7- قاعدة الواحد البسيط.

8- رسالة في المتمم كرا.

9- رسالة في التفصيل بين جلود السباع و غيرها.

11

10- رسالة في العصير العنبي 11- رسالة في علم البارى بالممتنعات 12- تعاليق على الفصول في الأصول 13- مناظرة مع الالوسى البغدادي 14- القول الصراح في نقد الصحاح 15- إبرام القضاء في وسع القضاء هذا ما عدا حواشيه على كثير من الكتب الدراسية و رسائله الفتوائية لعمل مقلديه و غيرها من الكتابات المتفرقة.

مكانة الشيخ المعروفة في العلم و التقوى و شهرته الواسعة في أوساط النجف و أصبهان- التي كانت من أهم الحوزات العلمية آنذاك مهدت له الزعامة الدينية و المرجعية العامة، فقلده كثير من الناس في أواخر أيام فقيه عصره السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، و بعد ان توفي السيد زاد عليه الإقبال في التقليد، و أصبح المرجع الأعظم بعد وفاة الفقيه الزعيم الميرزا محمد تقي الشيرازي- قدس اللّه أسرار الجميع.

و أثناء قيامه بمهام المرجعية العظمى و الزعامة العامة، شارك الثوار العراقيين في جهادهم ضد الانكليز، و كانت له مشاركة فعالة في صد هجوم العدو على الوطن الإسلامي، و تحالف رؤساء القبائل و زعماء العشائر في الدفاع و المطالبة بحقوق الشعب العراقي، و كان قد قرب الغلب على العدو الكافر لو لا خيانة بعض شيوخ العشائر و نفر من كبار‌

12

التجار و الساسة، كما هو مفصل في الكتب المؤلفة في تاريخ الثورة العراقية.

و على اثر سفره للجهاد أصيب بمرض عضال في صدره كان يقعده في الفراش من حين الى آخر، و اشتد عليه المرض بعد توارد الحوادث و الآلام، الى ان اختار اللّه تعالى له الدار الآخرة، فتوفي في النجف الأشرف ليلة الأحد الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 1339 و دفن في الصحن الغروي الشريف في إحدى الغرف الشرقية.

13

و اما التلميذ فهو: الشيخ محمد حسين السبحاني

فقيد العلم و التقى آية اللّه الشيخ محمد حسين بن الحاج محمد جعفر بن الحاج فرج اللّه السبحاني الخيابانى التبريزي (1) ولد بمدينة تبريز في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1299، و بها قضى أيام طفولته و نشأ نشأته الاولى، و في حوزتها العلمية بدأ بالدراسات الدينية و قطع مرحلتي المقدمات و السطوح و مقدارا من دروس الخارج، و من نميرها العذب استقى العلوم الإسلامية، فقرأ علم الفلك و النجوم و الحساب على المرحوم الميرزا على المنجم اللنكرانى، و الفقه و الأصول على آية اللّه المرحوم الانگجى، و الفلسفة على الفيلسوف الشيخ حسين القراچه داغى.

ثمَّ هاجر الى جوار على (عليه السلام) سنة 1327، و بقي أحد عشر عاما في النجف الأشرف يتلقى الدراسات العالية من خيرة مشايخ‌

____________

(1) تجد ترجمته في: علماء معاصرين ص 396، نقباء البشر 2 ر 559، معجم رجال الفكر في النجف ص 177، گنجينه دانشمندان 3 ر 314، الذريعة في مختلف اجزائه.

14

العلم بها، و كان في مقدمتهم الايات العظام السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي و الشيخ ضياء الدين العراقي و شيخ الشريعة الأصبهاني، و كان الأخير أشد أساتذته أثرا على مسيرته العلمية، لأنه كان ملازما له أكثر من عشر سنوات مستفيدا منه في دروسه العامة و مجالسة الخاصة.

و بعد أن بلغ المرتبة العالية من العلم و الفضيلة و قطع أشواطا سامية من الفقاهة، رأى ضرورة العودة إلى وطنه (تبريز) للإرشاد و التبليغ و العمل على اقامة دين اللّه تعالى في العباد و تعليم الناس معالم دينهم، فعاد في سنة 1339 الى مسقط رأسه و أقام به مشتغلا بالشئون العلمية و الاجتماعية.

أجيز شيخنا المترجم اجتهادا و رواية من آيات اللّه العظام شيخ الشريعة الأصبهاني و الميرزا محمد تقي الشيرازي و السيد محمد الفيروزآبادي و الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري و السيد أبو الحسن الأصبهاني و الشيخ ضياء الدين العراقي.

و فيما يلي ننقل قطعة من اجازة الأخير، و منها يبد و مكانة الشيخ الرفيعة عند أساتذته الذين تتلمذ عليهم، قال:

«. و بعد فان العالم العامل و الفاضل الكامل بحر التقى و علم الهدى جامع المعقول و المنقول حاوي الفروع و الأصول فخر الفضلاء الفخام و افتخار الفقهاء القمقام شيخنا المكرم و مولانا الأعظم الشيخ محمد حسين التبريزي قد هاجر عن وطنه الشريف طالبا لتحصيل الكمال و مجدا لتحصيل العز و الاستقلال فجد و اجتهد الى ان بلغ درجة الاجتهاد فإنه منتهى المراد، و اللّه در من يعرف قدره و يأتمر بأمره و يحفظ قوله.»‌

15

لم يتوان الشيخ عن التأليف و التصنيف حين دراسته في النجف الأشرف و بعد ان عاد الى وطنه، فكتب تقرير دروس أساتذته و ألف في موضوعات علمية أخرى يبدو من خلالها دقة الضبط و الشمول و العمق و من آثاره الموجودة الان:

1- إرشاد الأفاضل إلى مطالب الرسائل، تعليقة على رسائل الشيخ الأنصاري في جزئين، فرغ منها سنة 1365.

2- نكت الكفاية تعليقة مختصرة على الكفاية كتب أكثرها في حياة صاحب الكفاية و فرغ منها سنة 1330.

3- كتاب الصلاة، استدلالى موسع.

4- توقف الاجتهاد على العلم بالرجال.

5- حاشية كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري، غير منقحة.

6- المواعظ و الأخلاق، لم يرتب بعد.

7- نخبة الأزهار في أحكام الخيار.

8- تحديد الكروزنا و مساحة، أتمه سنة 1334.

9- تعريف البيع و الفرق بين الحق و الحكم.

10- ملاقي الشبهة المحصورة حكم و المضطر الى ارتكابها.

و الرسائل الأربع الأخيرة هي التي نقدم لها في هذه المجموعة، و قد سعى مشكورا فضيلة العلامة الشيخ رضا الاستادى في تهيئتها للطبع و تخريج أحاديثها- جزاه اللّه خيرا عن العلم و العلماء.

ذكرنا فيما سبق أن الشيخ عاد الى تبريز في سنة 1339 شعورا‌

16

بالمسؤولية الدينية الملقاة على عاتقه، و من حين رجوعه الى موطنه بدأ بالتدريس و التأليف و تربية الطلاب كما اشتغل بسائر الوظائف الشرعية و الاجتماعية و كان مثالا رائعا في العمل الجاد و الزهد و التقوى و حسن الخلق و صفاء الضمير.

و في ظهيرة يوم الحادي عشر من شهر شوال المكرم سنة 1392 جاء أجله المحتوم، فلبى نداء ربه سعيدا نقي الصحيفة، و شيع جثمانه الطاهر وجوه أهالي تبريز، ثمَّ نقل الى مدينة قم المقدسة حيث مقره الأخير، فدفن في مقبرة العلماء (من مقابر أبو حسين) بعد ان شيع جنازته الزكية حشد من العلماء و شيوخ الحوزة العلمية، و أقيم في المدينتين و غيرهما فواتح و مجالس التأبين اشترك فيها سائر الطبقات.

رحم اللّه الماضين من علمائنا العاملين، و وفقنا للاهتداء بهديهم و السير على ضوء تعاليمهم الدينية البناء، انه خير موفق و معين.

قم- 20 ذي الحجة الحرام 1398 السيد أحمد الحسيني‌

17

[مقدمة المقرر]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين، الصلاة و السلام على أشرف الأولين و الآخرين محمد، و آله الطيبين الطاهرين المعصومين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الان الى قيام يوم الدين.

اما بعد: فيقول العبد المذنب الإثم، المحتاج الى اللّه العاصم، محمد حسين بن الحاج محمد جعفر بن الحاج فرج اللّه السبحاني التبريزي: هذه درر فوائد و غرر فرائد، التقطتها من بحث خيارات شيخنا العلامة، انموزج السلف، و زبدة الخلف، شيخ الفقهاء و المجتهدين رئيس الملة و الدين، استاد العلماء المتأخرين آية اللّه العظمى و حجته الكبرى، العالم الرباني الشيخ فتح اللّه الشهير بشيخ الشريعة الأصفهاني، أعلى اللّه مقامه و رفع في الخلد مكانه، جعلتها تذكرة لنفسي و تبصرة لغيري ان شاء اللّه.

18

ما هو حقيقة الخيار

الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار، و هو عبارة عن ترجيح القادر أحد طرفي ما يراه خيرا لنفسه أو لمنوبه فيختاره و لو كان ذلك من جهة الاعتقاد النفساني الشهوي دون الاعتقاد الواقعي.

و أما تعريفه بالقدرة مطلقا- سواء أ كانت على المعنى الذي عرفها به المتكلمون، من صحة تساوى نسبة الفعل و الترك، أم على المعنى الذي عرفها به الحكماء اعنى: ان شاء فعل و ان لم يشأ لم يفعل و لكنه شاء و فعل، فغير صحيح جدا، لان الاختيار متفرع على القدرة و من نتائجها و لوازمها، لا أنه نفسها كما لا يخفى.

قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): «غلب في كلمات جماعة من المتأخرين في ملك فسخ العقد على ما فسره به في موضع من الإيضاح فيدخل ملك الفسخ في العقود الجائزة، و في عقد الفضولي، و ملك الوارث رد العقد على ما زاد على الثلث، و ملك العمة و الخالة لفسخ العقد على بنت الأخ و الأخت و ملك الأمة المزوجة من عبد فسخ العقد إذا أعتقت، و ملك كل من الزوجين للفسخ بالعيوب. و لعل التعبير بالملك للتنبيه على ان الخيار من الحقوق لا من الاحكام، فيخرج ما‌

19

كان من قبيل الإجازة و الرد لعقد الفضولي، و التسلط على فسخ العقود الجائزة، فإن ذلك من الأحكام الشرعية لا من الحقوق، و لذا لا تورث و لا تسقط بالإسقاط». (1)

و لا يخفى ما فيه من سوء التعبير إذ سبب دخول تلك الأمور ليس الا التعبير بملك فسخ العقد و كذا سبب خروجها ليس الا ذلك، مع ان الملك شي‌ء واحد، و هو في الواقع و نفس الأمر، اما مدخل فقط، أو مخرج كذلك. و اما كونه مدخلا و مخرجا معا مع كونه شيئا واحدا كما ترى و الاولى في المقام أن يقال: ان هذا التعريف- أى ملك فسخ العقد- للخيار لا مطرد و لا منعكس.

اما الأول فلدخول ما ذكر من الأمور الستة فيه، مع انها ليست من أقسام الخيار الذي يبحث عنه في المقام.

و أما الثاني فلخروج خيار من ثبت له خيار في الشرع، لكنه محجور عن اعماله و ممنوع منه، مثل الخيار الثابت للسفيه و المجنون و أمثالهما شرعا، فان مقتضى الخيار و مقتضى اعماله موجودان فيهم، لكن كونهم محجورين شرعا يمنع عن إعماله، فحينئذ يخرج عن التعريف خيار من ليس له سلطنة فعلا على اعماله، مع أنه من أقسام ما نحن فيه.

و الجواب عن الأول أن يقال: ان السلطنة و الملكية على نحوين نحو منها سلطنة ابتدائية و ملكية كذلك مجعولة عن قبل الشرع لذي الخيار.

و نحو آخر منها ليس كذلك، بل هي ملكية و سلطنة تابعة لملك المالك،

____________

(1) متاجر الشيخ الأنصاري، قسم الخيارات، ص 214 ط تبريز

20

لكونها أحد التقلبات و التصرفات التابعة لملك المالك، لان للمالك ان يتصرف في أمواله و أملاكه بأي تصرف شاء و ان يتقلب بأي تقلب يريده فيها، كما هو المراد من المالكية و مقتضاها.

فالمراد من الملك في التعريف، هي الملكية الابتدائية غير التابعة فحينئذ يخرج ملك الفسخ في العقود الجائزة غير الهبة، و ملك الفسخ في الرد لعقد الفضولي و اجازته، عنه، لان ملك الفسخ للعقد فيها ليس ملكا ابتدائيا بل هو فيها، فعل من جملة الأفعال المتعلقة على الملك و من قبيل سائر التصرفات و التقلبات الواقعة عليه الصادرة عن مالكه، لعدم انقطاع حقه عن ملكه من أصله فيها.

هذا بخلاف العقود اللازمة التي فيها خيار الغبن، أو العيب، أو الشفعة، أو الرؤية أو غيرها من أمثالها، إذ علقة الملكية فيها منقطعة بالكلية، فالشارع يجعل الملكية لذي الخيار ابتداء.

و ببيان أوضح، أن كل شي‌ء أضيف إلى شي‌ء آخر، يكون هذا الشي‌ء المضاف ملاحظا و معتبرا لأجل الشي‌ء الثاني و يسند اليه من حيث انه كذا أو كذا من عنوانه و وصفه، كما في أكرم العالم أو أطعم الفقير أو اقتل المشرك، فان الملاك و العلة، في إكرام العالم، و إطعام الفقير. هو حيث علمه و فقره كما هو كذلك في جميع المقامات من الإضافة.

ففيما نحن فيه لما أضيف لفظ «ملك» الى كلمة «الفسخ» يعلم منه أن الخيار عبارة عن ملك الفسخ للعقد من حيث انه فسخ له.

21

فعلى هذا فالخيار الذي كان في (1) تلك الأمور الستة يخرج عن تعريفه، لان الملك فيها للفسخ ليس من هذه الحيثية، كي يكون غير مانع، بل لكونه لازما من لوازم الملكية، و فعلا من جملة الافعال و التقلبات الواقعة على الاملاك لملاكها كما مر من غير خصوصية له في الفردية و الفعلية كما لا يخفى على اولى الحجى.

و أما الهبة، فإنا نلتزم فيها بثبوت الخيار و انها مثل ما ذكر من الخيارات الكائنة في العقود اللازمة من خيار الغبن و العيب و الشفعة و غيرها، اما لوجود النص، (2) أو لشمول التعريف عليه.

ثمَّ لما كان ثبوت تلك السلطنة و الملكية لنفس العاقد أو لمن كان فعله فعل العاقد كالوكيل، خرج الأمران الأولان عن الأربعة الباقية عن التعريف أيضا، و هو ملك الوارث رد العقد على ما زاد على الثلث و ملك العمة و الخالة لفسخ العقد على بنت الأخ و الأخت لأنهم ليسوا عاقدين و لا ان أفعالهم أفعال العاقدين.

و اما الاخران منها، فنلتزم فيهما أيضا بكونهما داخلين فيما نحن فيه، و من جملة أفراده لشمول التعريف لهما مع انه صرح في بعض الاخبار (3) بكون الأمة المزوجة من عبد في تلك الحال بالخيار.

____________

(1) حق العبارة هكذا: فالخيار الذي كان في الأمرين الأولين من تلك الأمور الستة.

(2) عن أبى عبد اللّه (ع): قال: أنت بالخيار في الهبة ما دامت في يدك. الوسائل ج 13 ص 336.

(3) راجع الوسائل الباب- 52- من أبواب نكاح العبيد و الإماء و هذا عنوانه: باب أن الأمة إذا كانت زوجة العبد أو الحر ثمَّ أعتقت تحيزت في فسخ عقدها و عدمه و فيه 14 حديثا.

22

لا يقال: ان بعض تلك الأمور لم يكن داخلا من أول الأمر في التعريف، مثل العقود الجائزة و العقد الفضولي، كي نحتاج إلى إخراجه منه.

و ذلك اما أولا فلان ما يصدر من المعير و المودع و الواهب و غيرهم، بالنسبة إلى العارية و الوديعة و الموهوب به، هو رفع اثر العقد أعني أخذ ماله من يد المستعير أو المستودع أو المتهب مثلا، لا فسخ العقد من أصله كما هو غير خفي على العاقل فضلا عن الفاضل.

و أما ثانيا فبأنا لو قلنا بدخول هذه أيضا فلا نحتاج في الإخراج عنه في الجواب الى اعتبار الملكية الابتدائية في المقام دونها أو اعتبار قيد الحيثية فيه دونها على ما مر من التقريرين المذكورين، إذ مقتضى ثبوت ما لهم من حق الرجوع فيها، انهم عند رجوعهم يرفعون اثر العقد لا فسخه كما مر فحينئذ يكون سبب الخروج فيها ما ذكرنا من رفع الأثر من دون حاجة الى غيره مما مر.

لأنا نقول: اما أولا فإن الرجوع فيها ليس رفعا لآثارها بل هو فسخ نفس العقد، غاية الأمر انه فسخ فعلى له لا قولي.

و ثانيا ان كل من قال بان الرجوع رفع لأثر العقد لا فسخه ليس بمنكر لفسخه كي لا يتمكن من فسخه، و ينحصر التمكن برفعه لا غير بل كما أنه قائل بأن الرجوع يرفع به اثر العقد كذلك أنه قائل بأن به يفسخ العقد أيضا.

بل التفكيك هنا أحسن بأن فسخ العقد بالرجوع من دون ان يأخذ عاريته من المستعير مثلا بخلافه هناك، فان القول بتسلط الشخص بأخذ ماله من دون تسلطه على فسخ عقده كما ترى.

فحينئذ يتوجه الاشكال عليه، و هو دخول الأمور السابقة بهذا التقدير لا على كل تقدير.

23

تعريف آخر للخيار

قد يعرف الخيار بأنه ملك إقرار العقد و ازالته، و اخدش الشيخ الأعظم (قدس سره) في هذا التعريف: بأنه ان أريد من إقرار العقد إبقائه على حاله بترك الفسخ، يكون ذكر الإقرار في المقام مستدركا و زائدا، لأن القدرة على الفسخ التي هي عبارة أخرى عن ازالته، هي عين القدرة على تركه، فيكون مفهوم القدرة على تركه مستفادا من مفهوم القدرة إلى الفسخ، و من مفهوم القدرة على ازالة العقد، و الا فلو فرض كون الشخص قادرا على الفسخ و على ازالة العقد، دون تركه و إبقائه، يكون ذلك وجوبا لا قدرة كما هو واضح.

و ان أريد منه إلزامه و جعله غير قابل لان يفسخ فمرجعه إلى إسقاط حق الخيار، فلا تؤخذ في تعريف نفس الخيار.

هذا حاصل كلامه رفع مقامه (1).

أقول: ان الخيار على ما مر هو لغة و عرفا ترجيح القادر أحد طرفي الشي‌ء الذي يرى فيه مصلحة لنفسه فيريده و يختاره، و هذا المعنى باق على حاله مطلقا، سواء أ كان ذلك الطرف المرجح في النظر و الاعتقاد‌

____________

(1) متاجر الشيخ، بحث الخيار ص 214 ط تبريز

24

تركا متعلقا للخيار، أم فعلا كذلك مثل فسخ العقد و إزالته فإن الترك أيضا مما قد يصير ذا مصلحة لشخص ذي الخيار، فيكون راجحا فيه فيختاره على فعل الفسخ كما لا يخفى و لذا اتفق أكثر الفقهاء ردا على شرذمة منهم على ان الترك يصح ان يكون متعلقا للأحكام الشرعية كالفعل لكونه مقدورا مثله.

اما الجواب عن الخدشة المذكورة، فبان نقول: أولا ان مثل هذه الخدشة جار في طرف المعطوف، اعنى إزالته أيضا، فلا يختص الخدشة بالمعطوف عليه كما هو المتوهم من حصرها فيه، و ذلك بان يقال: ان أريد من ازالة العقد فسخه و إعدامه فذكرها مستدرك لأن القدرة على الإقرار و الإثبات عين القدرة على الإزالة و الإعدام، إذ القدرة لا يتعلق بأحد الطرفين، و الا يكون وجوبا لا قدرة.

و اما ثانيا فان غرض المعرف من التعريف، ذكر طرفي القدرة و التصريح بهما معاجريا على ما هو المتعارف في التعاريف هذا.

و قد يقال في المقام تفصيا عن وقوع الإشكال: انا نختار الشق الثاني من الشقين، اعنى إلزام العقد، و ان المراد منه اعمال الخيار، و هو قد يكون بإسقاط الخيار، و قد يكون بالتصرف في المبيع مثلا، و قد يكون بالتفرق من المجلس، و قد يكون بالإلزام بالعقد.

و لا يخفى ما فيه أيضا من الإشكال، فإن ما هو محذور سابقا بالنسبة إلى إيراد الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) فهو بعينه موجود هنا، و هو لزوم أخذ إسقاط الخيار و التصرف و التفرق في تعريفه كما هو واضح بالنسبة إلى الثلاثة الأول منها، من ان المراد من اعمال الخيار، إسقاط‌

25

الخيار، أو التصرف في المبيع، أو التفرق و اما بالنسبة إلى الرابع منها، اعنى الالتزام بالعقد، فهو عين القول بالشق الأول و هو إرادة إبقاء العقد على حاله بترك الفسخ من إقراره، مع انه خلاف الفرض، إذ المفروض ارادة الشق الثاني منها دونه كما مر.

مع انه يلزم على هذا الفرض ما لا يلزم على كون الإقرار بمعنى الالتزام، و هو ان هذا فرار من المطر الى الميزاب، لأنه أراد ان يتفصى من أخذ إسقاط الخيار في تعريفه و الحال انه قد أخذ اعمال الخيار الذي هو يكون بتلك الأمور في تعريفه.

فان قلت: ان المراد من اعمال الخيار كون مرجعه الى تلك الأمور، لا انها مأخوذة في التعريف.

قلت: هذا بعينه جار هناك أيضا، بأن نقول: ان مراد القائل من تعريف الخيار بملك إقرار العقد، إلزام العقد لكن مرجع ذلك الى إسقاط الخيار لا أخذه في تعريفه، مع ان الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) مع ذلك لم يرض به و أشكل عليه بقوله: «فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار».

و على أى تقدير من التقديرين، فالفسخ عبارة عن حل العقدة الحاصلة بالعقد، و هدم الربط الموجود، و العلقة الموجودة بين الشيئين بسببه.

و هذا الحل و الهدم تارة يكون مستتبعا للرد فقط كما إذا صالح ماله بلا عوض و كان الخيار مع المشترى، و اخرى يكون مستتبعا للاسترداد كذلك، كما في الفرض المذكور، و لكن بجعل الخيار هنا للبائع، فإنه إذا فسخ العقد فاللازم بمقتضى الفسخ رد المشترى المبيع في الأول،

26

و استرداد البائع مبيعه الى ملك نفسه في الثاني و هو واضح، و ثالثة يكون مستتبعا لكليهما، (1) كما في المعاملات المفارقة بين الناس، و رابعة لا يكون مستتبعا لشي‌ء منهما أصلا، كما إذا صالح الأب أمواله الكثيرة الوافرة مع ابنه بعشرة دراهم، مع شرط الخيار لابنه حسب، في مدة طويلة، ثمَّ مات الأب قبل مضى تلك المدة بتمامها مع وجود دين مستغرق على أمواله عليه، فملك تلك الدراهم بالإرث عن أبيه، فإن الابن في تلك الصورة لو فسخ. (2)

____________

(1) في كل من البائع و المشترى.

(2) هنا بياض في الأصل و الظاهر ان يقال: لم يكن هنا رد و لا استرداد بالنسبة إلى الولد و الوالد بل يأخذ الجميع من الأموال و الدراهم، أصحاب الديون فتأمل.

27

تطابق التعريفين مع روايات الخيار

ثمَّ ان الخيار بأي معنى كان من المعنيين السابقين، من ملك فسخ العقد أو ملك إقرار العقد و ازالته، هل ذلك هو الذي دل عليه الاخبار، أو هو غيره؟

الذي يظهر من الشيخ الأنصاري (قدس سره) في أول الخيارات و آخرها معا، ان المعنى المذكور للخيار بكيفيته المخصوصة و بعبارته الخاصة ليس مدلول الروايات و انما هو معروف في كلمات المتأخرين.

و أما ما تدل عليه الروايات، هو رد المبيع و العين و استرداد الجارية و ردها و أمثالها.

أقول: ان كل من قال بأن الخيار عبارة عن رد العين أو المبيع مثلا كما هو مقتضى معناه في الاخبار بناء على قوله (قدس سره)، لا يقول ان لصاحب الخيار أن يرد المبيع و مع ذلك يبقى العقد على حاله من دون ان يفسخه أولا قبل رده اليه بل مراده من رد المبيع أو استرداد العين فسخ العقد أولا ثمَّ بتبع ذلك الفسخ يرد المبيع اليه أو يسترد العين، بل معناه في الحقيقة ذلك، لان مجرد الرد و الاسترداد من دون ملك فسخ العقد لا محصل له في المقام، لأنه لا يريد بعد رده، ان يهب أو يعامل بعده معاملة ثانية جديدة‌

28

بل يريد من أجل الرد ان يرجع ماله الى نفسه و مال الغير اليه، و هو معنى ملك فسخ العقد، بل المعنى المذكور غير معقول لا يصدر عن شاعر فضلا عن عالم كما لا يخفى.

و الحاصل ان الدوران فيما نحن فيه، من أن معنى الخيار ملك فسخ العقد مثلا أورد العين أو الجارية أو استردادها، ليس من قبل دوران الأمر بين المتباينين، بل من قبيل دوران الأمر بين المطلق و المقيد، لما عرفت من عدم معقولية رد العين و إبقاء العقد على حاله.

فظهر مما ذكرناه انه لا فرق في المقام حين إرادة ذي الخيار الفسخ بين أن يكون المبيع باقيا أو تالفا، غاية الأمر أن ذا الخيار يرجع بعده الى المتلف و يأخذ المثل ان كان المبيع مثليا أو القيمة ان كان قيميا، كما عليه الاتفاق من الإمامية.

ثمَّ ان الحق و التحقيق في معنى الخيار ما هو المعروف في لسان المتأخرين من التعريفين السابقين و ان ذلك المعنى هو الذي صرح به في الاخبار، لكن بلفظ مساوق له لا بعين لفظه و عباراته.

منها «البيعان بالخيار ما لم يفترقا و إذا افترقا وجب البيع (1) فان قوله (عليه السلام): «و إذا افترقا وجب البيع» يدل منطوقا و مفهوما على ان الخيار الحاصل قبل الافتراق و عدمه بعده، انما هو بالنسبة إلى العقد، لا انه بالنسبة إلى رد العين أو استردادها و ذلك ان الوجوب هنا ليس بمعنى الثبوت بل هو بمعنى لزوم العقد و استقراره و الا فثبوته كان قبل التفريق عن المجلس، فلا يتفاوت الحال بالنسبة اليه و الى عدمه‌

____________

(1) راجع الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار

29

فتخصيص الوجوب بالبيع حين تحقق التفرق بقوله: «و إذا افترقا وجب البيع» يدل على ان العقد حينئذ يلزم و يستقر و ان لم يكن قبله واجبا و لازما، و كان لذي الخيار ملك فسخه و حله، كما هو معنى ثبوت الخيار قبل التفرق.

و منها ما في خيار الحيوان من قوله: وجب الشراء» (1) فإنه مثل قوله (عليه السلام): «وجب البيع» في المعنى، فيعلم منه أن اسناد الوجوب الذي أريد منه اللزوم لما مر الى الشراء، انما هو بعد أيام الخيار أعني الأيام الثلاثة في المقام فيكون الخيار الثابت فيهما بالنسبة إلى فسخ ذلك الشراء، فيتبعه رد الحيوان أو استرداده.

و منها ما في خيار التأخير (2) من إسناد المضي و عدمه في أيام الخيار و بعدها الى البيع دون رد العين أو المبيع و دون استرداده.

و منها رواية عمر بن حنظلة «انه اشترى أرضا عشرة أجربة فأمسح فوجد خمسة أجربة قال: مضمون ان رضى بالخمسة و استرجع نصف ماله، و ان لم يرض بها يرد البيع. (3)

و أنت خبير بان كل واحد منها يدل على أن الخيار انما هو بالنسبة إلى فسخ العقد الذي عبر عنه تارة بالبيع، و أخرى بالشراء، و هذا التعبير و ان لم يكن عين المدعى من كون الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد و شبهه، الا أنه مساوق له في المعنى كما عرفت.

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب الخيار الحديث 9

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب الخيار

(3) الوسائل الباب- 14- من أبواب الخيار الحديث 1

30

و قد يستدل في المقام بصدر الرواية الأولى أيضا و هو «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» و تقريره بأن يقال ان مدة الخيار الثابتة بمقتضى ذلك ممتدة زمانا الى امتداد زمان المجلس، و هو ان كان المراد منه فسخ العقد لصلح ملاحظة هذا المعنى فيه، لأنه مما لو حصل لبقي ما لم يرد المزيل عن بقائه.

بخلافه لو قلنا انه حق ثابت لذي الخيار بالنسبة إلى رد العين فإنها قد يفوت قبل انتفاء المجلس و تفرقه فلا يصلح ان يتعلق على ردها بعده.

و فيه مالا يخفى إذا المبيع أيضا قد يكون باقيا غالبا ببقاء زمان المجلس، و ممتدا زمان وجوده بامتداد زمانه الا أن يمنع المستدل الغلبة.

31

حقيقة الفسخ بعد البيع

لو تصرف في المبيع مثلا بإحدى التصرفات الملكية فتلف، بان أكله أو شربه أو غير ذلك قبل انقضاء زمان الخيار، ثمَّ فسخ ذو الخيار مع فرض عدم انقضاء العقد، فإنه يرجع الى صاحبه بالمثل أو القيمة بالاتفاق من الأصحاب، مع انه قد تلف في ملكه و ليس ضمانه ضمان اليد كي نتمسك بقوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (1) و لا ضمان الإتلاف، لعدم إتلافه مال الغير.

و اما الجواب، فنقول ان الفسخ كما مر عبارة عن حل الربط الحاصل بالعقد، و هذا الحل مسبوق بلحاظ وجود الربط بين الشيئين حقيقة أو فرضا، و ذلك أيضا مسبوق بوجود نفس الشيئين كذلك، كي يلحظ الربط بينهما، فلما كان البيع في المقام غير موجود حقيقة لفرض كونه تالفا فلا بد من فرض وجوده ليتحقق الربط بينه و بين مقابله من عوضه و يقوم بوجودهما و يقع الفسخ على هذا الربط، فاذا فرضنا وجوديهما المرتبطين و وقع الفسخ على هذا الربط الموجود فيها على الفرض و انحله يرجع كل من العوضين الى ملك صاحبه، فالثمن يرجع الى المشترى، و المبيع إلى البائع، الا انه لما لم يكن موجودا يجب عليه ابداله بمثله‌

____________

(1) سنن البيهقي ج 6 ص 95 كنز العمال ج 5 ص 327

32

ان كان مثليا أو بقيمته ان كان قيميا على ما هو مقتضى الفسخ و الحل و بعبارة أو في، أن الغرض من المبيع أن يتملك أحد المتبايعين ملك الأخر بعوض، كما هو واضح بل أوضح، فإذا فسخ العقد يكون المشترى فيما نحن متملكا بالمبيع من دون عوض، إذا الفرض أن الثمن بمجرد الفسخ خرج عن ملك البائع و دخل في ملك المشترى فحينئذ يبقى ملك الغير عنده بلا عوض، و حينئذ فلا بدله تخلصا من هذا المحذور من رده الى صاحبه عينا أو مثلا أو قيمة على اختلاف المقامات.

33

الأصل في العقود اللزوم

و قد أريد منه معان متعددة:

منها الراجح، نسبه الشيخ (قدس سره) الى جامع المقاصد و لا يخفى أن مراده من الرجحان ليس هو الطرف المظنون كما توهمه الشيخ (رحمه اللّه)، ثمَّ أورد عليه ما أورده من الاشكال.

و منها القاعدة المستفادة من العمومات مثل قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و أمثاله.

و منها الاستصحاب و مرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ احد المتبايعين من دون رضا الأخر.

و منها وضع البيع و بناؤه لغة و عرفا على اللزوم، و لا يخفى ما فيه من أنه ليس معنى مستقلا في قبال المعاني الأخر، بل راجع الى ما هو مناسب له من المعاني المذكورة.

و منها التمسك بالمقتضى و المانع، حيث ان البيع عبارة عن تمليك غير محدود، و معنى كونه تمليكا غير محدود، استمراره ما لم يثبت مانع يقيني، و بعبارة اخرى: أن نفس العقد مقتضى للبقاء، و الفسخ مانع عن بقائه، فإذا علمنا بتحقق الفسخ نرفع اليد عن مقتضاه و الا فلو‌

____________

(1) المائدة: 1

34

شككنا فيما هو مانع أو مزيل له كما في المقام فلا، لوجود المقتضى و هو العقد، و عدم العلم بالمانع.

على انه مانع كما في قولنا: أن الفقر مقتض لجواز أكل الزكاة و السيادة مانعة عنه فاذا شككنا في كون زيد سيدا مع إحراز الفقر فيه بالوجدان، تجرى فيه هذه القاعدة لما مر من وجود المقتضى و هو الفقر و عدم المانع و هو سيادته، و لا مجال هنا لإجراء الاستصحاب لعدم اليقين بعدمها سابقا كي يستصحب عند الشك فيها.

هذا مما انفردت به هذه القاعدة كما عرفت و هنا أمثال أخر و نظائر لا حاجة الى إيرادها، و من أرادها فليرجع الى كتاب (1) من يرى الاستصحاب نفس هذه القاعدة ليس غير، و الحال أنها من جملة مصاديقه و موارده.

____________

(1) و هو العلامة الشيخ محمد هادي الطهراني في كتاب «محجة العلماء» ج 2 ط 1318

35

أدلة أصالة اللزوم في البيع أو مطلق العقود

ثمَّ ان القوم (رضوان اللّه عليهم‌) تمسكوا لإثبات أصالة اللزوم في البيع أو مطلق العقود بآيات:

الاية الاولى:

قوله عز ذكره «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) بناء على أن المراد منها العقود المتعارفة الفقهية أو مطلق الأحكام الإلهية عقدا كان أو غيره من الصلاة و الزكاة و الحج و نظائرها من سائر العهود الثابتة في الشرع كما هو الظاهر و المناسب لقوله تعالى بعد ذلك:

«أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ إِلّٰا مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ(2) و الا فلو كان المراد منه هو الأول لما كان مناسبا لهذا القول بل يكون أجنبيا عن المقام بخلافه على الثاني فإن العقود التي هي العهود الإلهية لما كانت مجملة و مبهمة، عقبها سبحانه و تعالى ببعض أفرادها و مصاديقها على ما مر و ان العقد هو العهد الموثق لان كل عقد عهد، و ليس كل عهد عقدا كما هو المستفاد من موارد استعمالاته في الكتاب (3) و غيره.

____________

(1) المائدة: 1

(2) المائدة: 1

(3) راجع المعجم المفهرس.

36

و ما صدر من صاحب المجمع في بيان مادة العقد من أن كل عهد عقد، و لا يكون كل عقد عهدا سهو منه (رحمه اللّه) كما لا يخفى على المنصف.

قال الشيخ (قدس سره) في بيان دلالة قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» للمدعا «أنه دل بوجوب الوفاء بكل العقد، و المراد منه العمل بما اقتضاه العقد في نفسه، فاذا دل العقد على تمليك العاقد ماله من غيره مثلا وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه و التصرف فيه كذلك، نقض لمقتضى ذلك العقد، فهو حرام بإطلاق الآية، فاذا حرم بإطلاقها جميع ما يكون نقضا لمضمونه من التصرفات التي من جملتها التصرفات الواقعة بعد فسخ المتصرف من دون رضا صاحبه، كان هذا لازما مساويا للزوم العقد و عدم انفساخه بمجرد فسخ أحدهما، فيستدل بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي و هو فساد الفسخ و عدم صحته منه من غير رضا الأخر، و هو معنى اللزوم.» (1)

الا ان هنا اشكالا معروفا بحيث ان كل من تعرض بالاستدلال على أصالة اللزوم بهذه الآية، ذكره إلا أقل قليل منهم و هو:

ان الاستدلال بإطلاق الحكم في المقام متوقف على تحقق وجود الموضوع، لأن إثبات الحكم اعنى المحمول بالحمل الشائع الصناعي على الموضوع فرع ثبوته أو لا حتى يحمل المحمول عليها، فلو فرضنا تحقق وجوده بنفس إطلاق الحكم كما فيما نحن- إذا المفروض أن العقد بسبب‌

____________

(1) المتاجر كتاب الخيارات، ص 2

37

وقوع الفسخ عليه من دون رضا صاحبه يكون وجوده فعلا مشكوكا- يلزم الدور، فحينئذ لا يصلح التمسك بإطلاقها في المورد المشكوك العقدية كما هو واضح.

نعم يمكن إثبات وجود الموضوع أولا بالاستصحاب ثمَّ الحكم عليه بعده بلزوم الوفاء ببركة الآية الشريفة الا أنه خروج عن محل النزاع إذا الكلام في أنه هل يمكن الاستدلال بإطلاقها على أصالة لزوم البيع في الموارد المشكوكة أولا.

و قد أجيب عنه بأنا لا نسلم أن الموضوع هنا ليس بموجود أو مشكوك وجوده، بل هو موجود فعلا و باق حقيقة لأنا في الموارد التي نعلم فيها بورود الفسخ حقيقة و انه فسخ كذلك في نظر الشارع لا نقول فيها انه يزيل العقد و انه يرفعه، فضلا عن الموارد التي كانت نشك في صحة الفسخ كما فيما نحن فيه لان العقد عبارة عن ألفاظ مخصوصة من الإيجاب و القبول، و المفروض أنه وجد من قبل، غاية الأمر أن الفسخ الذي علم تأثيره قد جعله الشارع مانعا عن ترتيب الاثار المترتبة على العقد قبله، بعد حصوله و وجوده و أن هذه الاثار غير مترتبة عليه بعد ذلك مع بقاء وجود العقد على ما هو عليه من دون تصرف فيه فكذا الكلام فيما شك في تأثيره من الموارد. فحينئذ لما علم أن العقد موجود حقيقة و وقع الشك في أن ما صدر من أحد المتبايعين من الفسخ من دون رضا الأخر، هل هو فسخ كي يكون التصرفات البعدية صحيحة جائزة أو ليس بفسخ كي لا يكون كذلك، بل تكون فاسدة محرمة فيحكم عليه باللزوم عملا بإطلاق «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و ليس العقد من قبيل العلل العقلية كي‌

38

لا يمكن انفكاكه عن آثاره.

و فيه انه قد مر أن الفسخ عبارة عن حل العقد و الربط الموجود بين المالين بحيث يكون العقد بسببه معدوما، فكأنه لم يكن مذكورا فالإشكال المذكور من أن الشك في تحقيق الفسخ يوجب الشك في وجود العقد، فإثباته بإطلاق الحكم مستلزم للدور يبقى على حاله.

و لا يخفى أنه إشكال قوى وارد في المقام و لا دافع له أصلا و ان تصدى بعض بدفعه الا انه بلا دافع.

نعم ان لنا هاهنا تقريرا آخر من دون أن يرد عليه الاشكال المذكور من عدم صحة التمسك على وجود الموضوع بإطلاق الحكم، و من دون الحاجة الى الاستعانة بالتصرفات الواقعة عليه مطلقا في إثبات المدعى كما عليه الشيخ (رحمه اللّه) و هو أن نقول:

ان الآية انما تدل على أن الوفاء بالعقد واجب و أن ترك الوفاء عليه حرام، و معنى وجوب الوفاء عليه و حرمة تركه عدم صحة فسخه و عدم صحة رجوعه فيه، فلو فسخ العقد أو رجع فيه يكون الفسخ حينئذ فاسدا و الرجوع فيه لغوا بمقتضى الآية الشريفة لما هو مقرر في محله من أن الأوامر و النواهي الواردة في باب المعاملات كلها للإرشاد إلى الأحكام الوضعية من فساد الفسخ و غيره دون المولوية.

و حاصل هذا التقرير أن قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» أى لا ترجعوا فيها و لا تبطلوا بفسخ و غيره بل احفظوها على ما هي عليها و أبقوها كذلك، فيكون «أَوْفُوا» على هذا متوجها أولا و بالذات الى عدم صحة الفسخ‌

39

و فساده و عدم صحة الرجوع فيه من دون توسيط شي‌ء.

لكن يرد عليه أن الانصاف أن الظاهر من الأوامر و كذا النواهي في هذا الباب كونها أيضا للمولوى دون الإرشادي.

ثمَّ لا يخفى أن معنى الوفاء بالعقد ليس عبارة عن ترتيب آثار ملكية الغير له و لا أن ترك الوفاء به عبارة عن التصرفات المنافية لمالكية له و ذلك لما هو بديهي من انه لو باع و سلم المبيع اليه ثمَّ أخذه منه قهرا من دون أن يريد فسخه أو سرقة منه لا يكون ذلك منافيا للوفاء بمقتضى العقد، إذ الفرض أنه سلمه اليه و وافق به، غاية ما في الباب أنه يصير ظالما في حقه لغصب ما له أو لسرقته كما هو ظاهر.

و من هنا ظهر ما في عبارة الشيخ (رحمه اللّه) من الفساد، و ذلك حيث انه قال في عبارته السابقة: ان العقد لما كان دالا على تمليك العاقد ماله من غيره وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له ثمَّ فرع ذلك بقوله: «فأخذه من يده من غير رضاه و التصرف فيه كذلك نقض لمقتضى العهد».

و وجه الفساد واضح مما ذكرنا.

و لنا تقرير آخر أيضا و هو أسلم من السابق من حيث عدم ورود الاشكال عليه أصلا و هو ان نقول:

انا سلمنا أن الأوامر و النواهي ظاهرة في المولوي دون الإرشادي فالآية تدل حينئذ على وجوب تحفظ العقد و حرمة الاعراض عنه بفسخ و الرجوع فيه، لكن هنا مقدمة مسلمة، فمع ضميمتها به يتم المطلوب، هي أن كل عقد جائز يجوز فيه الرجوع بلا اشكال، و كل عقد لا يجوز فيه‌

40

الرجوع فهو لازم، فيكون مفاد الآية مع تلك المقدمة أن العقد الذي يجب حفظه و يحرم الرجوع فيه، و كذا الاعراض عنه، لأجل كونه لازما، لما هو مقتضى المقدمة و الا فغير لازم فان العقد الجائز ليس كذلك و لا يجب حفظه و لا يحرم الرجوع عنه.

و ان شئت قلت: ان كل فسخ مؤثر في العقد فهو جائز شرعا و ينعكس بعكس النقيض: ان كل فسخ غير جائز شرعا فهو غير مؤثر، و المفروض ان الآية تدل على عدم جواز الفسخ و حرمة ذلك هو المدعى من أصالة اللزوم في العقود.

و مع ذلك كله يمكن ان يقال: أن المراد من العقود في الآية و ان كان خصوص العقود المتداولة بين الناس فهو بعيد جدا ان كان أعم منها و من العهود بينه تعالى و بين العباد، لازمة كانت أو جائزة، تكون دلالة الآية على اللزوم حينئذ موهونة لدخول المستحبات فيها على الفرض مع أنها ليست بلازم الوفاء فافهم و اغتنم.

الآية الثانية

و من جملة العمومات التي يتمسك بها لأصالة اللزوم، قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (1) حيث انه يدل على حلية التصرفات مطلقا حتى التصرفات الواقعة على العقد بعد فسخه، نظير التقرير السابق في الآية الاولى.

و يرد عليه انه لا وجه لإرادة التصرف من لفظ البيع لعدم دلالته عليه كما لا يخفى.

____________

(1) البقرة: 275

41

هذا بناء على ان المراد من الحلية هو الحكم التكليفي، و اما بناء على ان المراد منها هو الحكم الوضعي كما هو الظاهر بقرينة المقام فيكون «أحل» مشتقا من الحلول، يعنى انه تبارك و تعالى أحل البيع في محله، و أوقعه في موقعه، و أمضاه على حاله، و أبقاه في قبال البيع الربوي أي لم يبقه على حاله، و لم يمضه، بل منعه ورد من ترتيب الآثار عليه فظهر انه لا دلالة له على المدعى من أصالة اللزوم في البيع بوجه كما عرفت.

الآية الثالثة

و من جملة الأدلة على أصالة اللزوم، قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (1) و حاصل الاستدلال به، انه يدل بإطلاقه على حلية أكل المال إذا كان سبب حصول ذلك المال تجارة عن تراض. و معلوم ان المراد منه ليس فعلا خاصا و أكلا مخصوصا، بل المراد منه مطلق التصرفات حتى التصرفات البعدية بعد الفسخ من دون رضا الآخر.

و فيه انه و ان كان متعرضا لحال التصرف لما مر من أن المراد من جواز الأكل بالتجارة، هو جواز التصرف، و هذا أحسن من هذه الجهة للاستدلال به للمقام من غيره، الا انه لا إطلاق له فيه بل هو بصدد مجرد كون الأكل بالتجارة حلالا في قبال الأكل بالباطل، من غير نظر فيه الى بيان مدة الحلية و انها دائمة. أو مختصة ببعض الأحوال.

____________

(1) النساء: 29

42

الآية الرابعة

و من جملة الأدلة صدر هذه الآية. و هو قوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» (1) و تقرير دلالته للمقام بوجوه.

منها: انه يدل على حرمة الأكل بالباطل في أموال الناس فيما يسمى باطلا عند العرف و اما الموارد التي يراها العرف من قبيل الأكل بالباطل، و مع ذلك رخص الشارع فيها بالأكل كما في حق المارة، و حق الشفعة مثلا فهي تكون مما خطأ الشارع فيه العرف في فهم البطلان و ان ترخيصه يكشف عن عدم بطلانه واقعا و انما هي مما تخيله العرف كذلك.

فحينئذ إذا لم يعلم في مورد أن الشارع رخص فيه أولا كما في المورد المشكوك، يكون الأكل و التصرف فيه ممن لم يعلم ثبوت حقه فيه، أكلا للمال بالباطل، فلازم ذلك كون الفسخ الصادر من أحدهما من غير رضا الأخر باطلا، و هو يكشف عن لزوم العقد.

و لا يخفى ما فيه من الإشكال، إذا الآية حينئذ تصير مجملة لان ما من مورد من الموارد المشكوكة التي ابتلى به المكلف الا و يشك في أنه هل كان من جملة ما هو باطل في الواقع و في نفس الأمر، أو كان من جملة ما تخيله العرف باطلا، فلا يصح حينئذ التمسك بها في بطلان الفسخ الكاشف عن لزوم العقد، و قد أشرنا عليه بمثل هذا الكلام في بعض مسائل الصلاة، في تحقيق معنى التجاوز بالغير، و أن المراد من الغير ما ذا؟ فراجع.

____________

(1) النساء: 29

43

و منها: أنه يدل على حرمة الأكل و ان موضوعها فيها هو الباطل العرفي على نحو ما سبق، لكن الموارد المأذون بها في الشرع مع صدق البطلان عليها عرفا كانت من باب التخصيص لا من باب التخطئة في المصداق.

و فيه أيضا أن الشارع مع تصديقه العرف في البطلان كيف يرخص في الباطل؟.

و منها: أن الظاهر منها أن كل أكل واقع في الأموال فهو أكل مال بالباطل شرعا الا ما كان بتجارة، فتدل الآية على ان الأكل بسبب الفسخ من دون رضا الأخر باطل، فيتم المطلوب حينئذ.

لا يقال: ان حرمة الأكل أو كونه باطلا فرع كونه مال الغير و هو مشكوك بعد الفسخ و بعد وروده.

لأنا نقول: أن هذا انما يرد لو جعلنا الأكل عبارة عن التصرفات الواقعة بعد الفسخ، و اما لو جعلنا كفاية عن كون مطلق التصرف حتى الفسخ حراما و باطلا غير مؤثر و هو الحق كما مر فلا يلزم الإشكال، لأن الفسخ تصرف في مال الغير حيث انه ازالة لملكيته و قطع لربطه و علقته.

لكن فيه ان يقال: ان الحرمة لا ينتزع عنها الفساد و لا يمكن أن يجعل النهى عن الأكل إرشادا إليه، لأنه بالنسبة إلى سائر التصرفات غير الفسخ حرام تكليفي فلا يمكن حمله على بيان الحكم الوضعي بالنسبة إلى خصوص الفسخ، لاستلزامه استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.

44

الدليل الخامس على أصالة اللزوم

و من جملة الأدلة التي استدلوا بها عليها قوله (صلى اللّه عليه و آله) «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و دلالته على المدعى متوقفة على ثبوت المقدمتين:

الاولى: دلالته على وجوب الوفاء بالشرط.

الثانية كون المراد من الشرط مطلق الشروط حتى يعم الشروط الابتدائية كي يكون العقد البيعي من جملة مصاديقها، فيجب الوفاء به بناء على مقتضاه.

اما ثبوت المقدمة الأولى فواضح، لكونه ظاهرا في انه يجب الوقوف عند الشروط و يجب القيام بها و أن لا ينقضها بناقض، و لا يتخلف عنها بخلف، بل قد قيل ان دلالة الجملة الخبرية على الطلب أقوى و آكد من دلالة نفس الإنشاء عليه و وجهه واضح.

هذا مضافا الى كون ذيله قرينة على دلالته لما ذكر من وجوب الوفاء و هو قوله: «الا من عصى اللّه» (2) و «الا شرطا حرم حلاله أو أحل حراما» (3) و أشباههما من العبائر المختلفة المأثورة عن المعصوم (عليه السلام) في كتب الأحاديث.

فالعقد على هذا شرط فيجب الوقوف عنده و لا يجوز التعدي عنه إذا شككنا فيما صدر من أحد المتبايعين دون الأخر في أنه من‌

____________

(1) الوسائل، الباب- 20- من أبواب المهور، الحديث 4.

(2) راجع الوسائل، الباب- 6- من أبواب الخيار و ذيله.

(3) الوسائل، الباب- 6- من أبواب الخيار، الحديث 5.

45

من مصاديق الفسخ أولا، فيدل حينئذ على اللزوم بهذا التقريب.

و اما ثبوت المقدمة الثانية فغير مسلم لوجوه:

أما أولا فإنا لا نسلم ان معنى الشرط هو الإلزام و الالتزام، إذ لا نفهم من الشرط بل لا يستفاد منه في قولنا: أجيئك بشرط ان أفعل كذا، أو ان تفعل كذا، انى ملتزم بك عند مجيئي أو أنت ملتزم لي عند مجيئي، و انا ألزمك عنده ان تفعل الفعل الكذائي، أو ان أفعل الفعل الكذائي.

بل فائدة الشرط انه يجعل مشروطه بوجوده عرضة للزوال بمعنى انه يجوز العمل عليه لو شاء و أراد كما لا يخفى.

نعم قد ينطبق ذلك على مورد الإلزام و الالتزام، و لا يلزم منه انه بهذا المعنى و هو واضح.

و اما ثانيا، سلمنا ان معنى الشرط هو الإلزام و الالتزام، الا ان العقد البيعي ليس من هذا القبيل إذ هو شي‌ء و الشرط شي‌ء آخر. نعم هو معنى وجوب الوفاء بالعقد، لا انه معنى نفس العقد.

و مما ذكرنا يظهر دفع كلتا الدعويين للشيخ الأنصاري (قدس سره) من دعواه منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائية، و ان المتبادر العرفي من معناه هو الإلزام التابع بالعقد كما في أول باب الخيارات (1) و من دعواه عدم الإشكال في صحة استعمال الشرط في الالتزام الابتدائي و وقوعه في الاخبار كثيرا كما في باب الشروط (2) و اما دفعهما فواضح مما ذكرنا.

____________

(1) المتاجر، قسم الخيارات ص 2

(2) المتاجر ص 275 طبع تبريز 1375

46

و اما ثالثا، سلمناه ان معناه هو الإلزام و الالتزام، و ان العقد البيعي أيضا من هذا القبيل، لكن لا بد في المقام من إثبات إطلاق حتى يشمل المورد الذي نعلم طرو عارض عليه و يشك في انه من مصاديق الفسخ أولا على الفرض.

لكن لنا منع هذا الإطلاق، بل هو ممنوع من أصله.

و اما رابعا سلمنا جميع ذلك لكن يرد عليه الاشكال العام السابق من ان الحكم بمقتضى إطلاقه على موضوع، متوقف على وجود الموضوع و تحققه حقيقة، و المفروض ان وجود الموضوع فعلا بسبب طر و هذا الطاري، فلا يصح الحكم عليه بأنه موجود بإطلاق الحكم كما مر سابقا.

نعم يمكن الاستدلال عليه بكل واحد من التقريرين الأخيرين في «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فتذكر‌

الدليل السادس على أصالة اللزوم

و من جملة الأدلة المتمسك بها في المقام قوله (عليه السلام):

«البيعان بالخيار ما لم يفترقا و إذا افترقا وجب البيع» (1) فإنه يدل على ان الافتراق إذا حصل انتفى لهما الخيار، و لا معنى لانتفائه إلا كون البيع لازما و هو معلوم.

لكن فيه اشكال واضح، و هو انه: نعم، الافتراق يدل على لزوم البيع و عدم ثبوت الخيار لهما بعد الافتراق، لكن بمعنى ان الخيار الذي كان للمتبايعين قبل افتراق المجلس، و انه كان موجبا لجواز العقد ليس لهما بعد ذلك و ان العقد يصير لازما من هذه الجهة.

و اما كونه لازما من سائر الجهات أيضا حتى من جهة طرو ما يصلح ان يكون فسخا له فلا دلالة عليه كما لا يخفى.

____________

(1) راجع الوسائل، الباب- 1- من أبواب الخيار

47

و من الأدلة على اللزوم الاستصحاب (1)

و من جملة الأدلة الاستصحاب، و هو أقوى الأدلة في المقام لو كان سالما عن الإشكالات الاتية.

فنقول في تقريره:

أنا نعلم يقينا بوقوع العقد و أنه سبب لحصول ملكية أحد المتابعين لمال الأخر و بالعكس قطعا أو لانقطاع علاقة المالك عن العين المنتقلة به، فصارت ملكا لصاحبه و انقطاع علاقة مال صاحبه المنتقل عنه به، فصار ملكا له كذلك، فاذا شككنا بعد ذلك في أن العقد المذكور هل يكون منفسخا بقول أحدهما «فسخت العقد» من دون رضا الأخر أو لا؟

يستصحب الملكية الثابتة بالعقد فعلا، لان الشك في وجود الرافع، و الأصل عدمه الى أن يعلم الفسخ حقيقة.

لكن فيه اشكال من وجوه:

أما أولا فبأنه شك في المقتضى فانا نشك في ان اقتضاء العقد و‌

____________

(1) هذا سابع الأدلة التي استدل بها على أصالة اللزوم و ثامنها الذي لم يتعرض له المؤلف: الناس مسلطون على أموالهم راجع متاجر الشيخ الأنصاري قسم الخيارات، ص 2

48

استعداده هل هو باق الى زمان الشك و بعده أو انقضى ذلك قبل هذا الزمان بقوله: «انا فسخت العقد» فان كان العقد المفروض ثبوته عقدا جائزا و انعقد كذلك في نفس الأمر فقد تمَّ استعداده بصدور قوله: «انا فسخت العقد» و انقضى، فيكون هذا مؤثرا فيه، و ان كان عقدا لازما في الواقع فاستعداده حينئذ يكون باقيا فلا يكون ذلك القول فيه مؤثرا فيكون حاله من حيث الاستعداد و الاقتضاء مجهولة فلا يجرى فيه الاستصحاب.

و بعبارة أوضح أن الملكية على نحوين، ملكية مستقلة، و ملكيه متزلزلة، أو ملكية لازمة و ملكية غير لازمة، فاذا كان الأمر كذلك و لم يعلم حال ما هو أثر العقد من مقتضاه يكون استعداده مشكوكا فلا يجرى فيه الاستصحاب.

و أما ثانيا فيقال: أن ما نحن فيه من قبيل القسم الثاني من الاستصحاب الكلى لكون الشك في بقاء المتقين السابق من جهة الشك في تعيين ذلك الفرد و تردده بين ما هو باق فعلا و بين ما هو مرتفع كذلك، إذ العقد الذي شك في بقائه ان كان لازما فهو باق قطعا و ان كان جائزا فهو مرتفع به جزما كما في مسألة القطع بوجود حيوان في الدار في زمان ثمَّ شك في بقائه فيها بعد ذلك الزمان و عدمه، فالشك فيه من جهة الشك في تعينه في فرد أو تردده بين ما هو باق قطعا ان كان فيلا مثلا و بين ما هو مرتفع كذلك ان كان بعوضة، فلا يجرى فيه الاستصحاب لدوران الأمر فيه بين ما هو مقطوع الانتفاء لو كان العقد الموجود المفروض سابقا جائزا و بين ما هو مشكوك الحدوث و هو لزومه فيكون محكوما بالانتفاء بحكم الأصل.

49

و اما ثالثا فان الاستصحاب المذكور- من استصحاب بقاء الملكية الثابتة للمالك الثاني بعد فرض صدور ما يحتمل كونه موجبا للفسخ من القول المذكور الذي مقتضاه اللزوم- معارض بما هو حاكم عليه من استصحاب عدم انقطاع علاقة المالك الأول عن العين المنتقلة عنه الى غيره، فحينئذ يقدم ذلك عليه فلا يتم التمسك به أيضا في المقام.

و أما الجواب عن الوجوه المذكورة:

فعن الأول:

فبأن يقال: أولا بالحل:

و هو انا لا نسلم عدم حجية الاستصحاب في الشك في المقتضى إذ كما أنه حجة في الشك في الرافع و في الشك في رافعية الشي‌ء الموجود كذلك انه حجة في الشك في المقتضى أيضا لشمول إطلاق الاخبار من قوله (عليه السلام) «لا تنقض اليقين بالشك» أو «لا ينقض الشك اليقين» (1) و أمثالهما.

نعم لو بنينا على مبنى الشيخ الأنصاري (قدس سره) من عدم كونه حجة فيه يرد الإشكال في المقام، لكن المختار عدم صحة ذلك القول إذ اليقين المأخوذ في اخبار الباب انما هو باق على حاله و على صفة اليقين، و هو الحق من دون التصرف فيه و جعله بمعنى المتيقن كما هو مختاره.

و ثانيا بالنقض:

و هو انا سلمنا أنه كذلك، لكنه من قبيل الموارد التي أجمع‌

____________

(1) راجع رسالة الاستصحاب ص 82 للأستاذ الأكبر دام ظله.

50

القوم بجريان الاستصحاب فيهما كما في استصحاب بقاء الضوء للسراج إذا شك في استعداد الدهن له و استصحاب بقاء الحياة إذا كان الشك من جهة القابلية و الاستعداد لبقاء ذي الحياة و هكذا غيرهما من نظائرهما مما كان الشك فيه من الجهة المذكورة لا من جهة الشك في حدوث الرافع كالموت لأجل السقوط من شاهق مثلا مع أن الاستصحاب حجة فيها بلا اشكال، فما هو الجواب هناك هو الجواب هنا.

و ثالثا:

انا لا نسلم ان الملكية على نوعين بل الملكية لها نوع واحد و حقيقة واحدة و لا اختلاف فيها، و انما الاختلاف و التغاير في أسبابها، فإنها قد تفيد ملكية مستقلة لازمة و قد تفيد ملكية غير مستقلة غير لازمة، و معلوم ان تغاير السبب و اختلافه لا يوجب تغاير المسبب و اختلافه فحينئذ يستصحب ذلك المسبب أعني الملكية الحاصلة بالعقد.

و رابعا:

سلمنا انه من قبيل الشك في المقتضى، و ان جميع ما ذكرنا من الأجوبة غير واردة، الا ان المقام ليس من القبيل المذكور حقيقة و واقعا، لان المعنى في الشك في المقتضى كون الشك في نفس اقتضاء المقتضى و استعداده فقط، لا في شي‌ء آخر غير الاستعداد و القابلية، بخلاف المقام فان الشك هنا انما في رافعية الفسخ المفروض حصوله من البائع قطعا لا في نفس اقتضاء الملكية و استعدادها من حيث البقاء و عدمه كما هو المدعى، إذ لو صرفنا النظر عنه ليبقى الملكية الحاصلة المفروضة للمالك الثاني على حالها بلا اشكال من دون شك في رفعه أو ارتفاعه.

51

و عن الثاني:

انا لا نسلم ان الاستصحاب في الكلي الذي مر ذكره ليس بحجة بل هو حجة فيه بلا ارتياب لكونه مشمولا لإطلاق الاخبار كما قرر في محله هذا أولا.

و ثانيا:

سلمنا عدم حجيته فيه لكن الاستصحاب هنا و كذا فيما كان من هذا القبيل كما في جميع مصاديق القسم الثاني من الاستصحاب الكلى مثل العلم بحدوث حدث مردد بين كونه بولا و منيا، ليس من قبيل الاستصحاب الكلى كما هو المدعى في المقام، بل هو فيهما من باب استصحاب الفرد قطعا، إذ المفروض أن المستصحب هو الذي يرى جئته في الدار و يرى أنه من بعض افراد الحيوان و يسمع صوته أو بعض علاماته الدالة حسا على انه جزئي شخصي و حقيقي، كما هو مقتضى الشي‌ء و تشخصه خارجا. غاية الأمر انه لا يعرفه بشخصه و بتعيينه بحيث يمتاز عن غيره من مشاركاته في جنسه و معلوم ان عدم حصول العلم و المعرفة به بخصوصه لا يوجب كونه كليا.

نعم عدم العلم به كذلك يوجب ترديدا للمستصحب (بالكسر) فيه في بقائه و عدمه فيكون هذا منشأ لشكه، فيكون أركان الاستصحاب من هذه الجهة تامة.

و من هنا ظهران القول- بأنه لا بد في الاستصحاب من يقين سابق و شك لا حق، و المقام ليس كذلك، إذا المستصحب (بالفتح) مردد بين ما هو منتف قطعا، إذا فرض الحاصل من الحدث بولا مثلا و عقب‌

52

بالوضوء بعده، و بين ما هو مشكوك حدوثه، فعلا، إذا فرض منيا مع التعقيب المذكور، فلا يكون أركانه حينئذ تامة، فلا مجال لجريانه- لا وجه له أصلا، لما مر من أن كونه كذلك كان منشأ للشك و مصححا للاستصحاب و لترتيب آثاره.

نعم الذي يجب ترتيبه عليه من الاثار انما هي الاثار المشتركة بين البول و المنى أعنى آثار الحدث المفروض وجوده في الخارج المشخص بتشخصاته الخارجية و جزئيته، مثل حرمة مس كتابة القرآن على هذا الشخص و نظيره، لا ترتيب آثار خصوص كل واحد منهما من حيث شخصيته و خصوصيته، لعدم كونه مستصحبا كذلك. فافهم و اغتنم.

قال الشيخ (قدس سره) في مبحث المعاطاة:

و يدل عليه اى مدعاه من أصالة اللزوم في المقام و بقاء ملكية المالك الثاني.

مع انه يكفى في الاستصحاب الشك في ان اللزوم من خصوصيات الملك أو من لوازم السبب الملك.

و مع ان المحسوس بالوجدان ان إنشاء الملك في الهبة اللازمة و غيرها على نهج واحد.

ان اللزوم و الجواز لو كانا من خصوصيات الملك فاما ان يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى الخصوصيتين بجعل المالك أو بحكم الشارع،