منهاج الفقاهة - ج5

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
486 /
3

-

4

الجزء الخامس

[مقدمة المؤلف]

«بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»‌

الحمد لله على ما أولانا من التفقه في الدين و الهداية الى الحق و افضل صلواته و اكمل تسليماته على رسوله صاحب الشريعة الخالدة و على آله العلماء بالله الأمناء على حلاله و حرامه، سيما بقية الله في الارضين ارواح من سواه فداه.

و بعد،

فهذا هو الجزء الخامس من كتابنا منهاج الفقاهة و قد وفقنا الى طبعه و المرجو من الله تعالى التوفيق لنشر بقية المجلدات فانه ولى التوفيق.

5

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة القول في شرائط العوضين]

مسألة: الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم، (1)

فإن الظاهر الاجماع على اشتراطها في الجملة كما في جامع المقاصد و في التذكرة انه اجماع. و في المبسوط الاجماع على عدم جواز بيع السمك في الماء و لا الطير في الهواء.

و عن الغنية انه انما اعتبرنا في المعقود عليه ان يكون مقدورا عليه تحفظا مما لا يمكن فيه ذلك كالسمك في الماء و الطير في الهواء، فإن ما هذه حاله لا يجوز بيعه بلا خلاف

____________

اعتبار القدر على التسليم.

(1) قوله الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم و قبل الشروع في اقامة الدليل على اعتبار هذا الشرط ينبغى تقديم امور:

الأول: ان ذكر هذا الشرط في شروط العوضين، مع ان القدرة قائمة بالمتعاقدين،

و هذا يناسب جعلها من شروط المتعاقدين لعله من جهة ان عدم القدرة على التسليم بحسب الغالب يكون من جهة قصور في العين كالطير الطائر و العبد الآبق و نحوهما، بل ربما يقال انه إذا كان عدم القدرة على التسليم من ناحية قصور العاقد- كما لو تعاوضا على عين معينة و هما في السجن و لا يرجى اطلاقهما منه- لا يكون ذلك مانعا عن صحة البيع.

و أما ما افاده المحقق النائينى (قدس سره) في وجه ذلك من ان القدرة مناط مالية المال، فمع عدمها لا يكون مالا عند العقلاء فيرد عليه: ما ستعرف من ان العجز لا يوجب سلب المالية.

الثانى: ان محل الكلام هو العجز عن التسليم من حين تحقق العقد، فلو كان حين حدوثه قادرا على التسليم و طرأ العجز يدخل ذلك في طرو العيب الموجب لثبوت الخيار.

و بهذا ظهر الفرق بين تعذر التسليم الذى هو مانع عن صحة البيع، و تعذره الموجب للخيار.

و لعل هناك فرقا آخر، و هو انه إذا كان البائع غير قادر و لكن كان المشترى‌

6

و استدل في التذكرة على ذلك بأنه نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر (1) و هذا غرر و النهى هنا يوجب الفساد اجماعا على الظاهر المصرح به في موضع من الايضاح و اشتهار الخبر بين الخاصة و العامة يجبر ارساله اما كون ما نحن فيه غررا فهو الظاهر من كلمات كثير

____________

قادرا على التسلم، يثبت الخيار.

و ان كان هو ايضا غير قادر بطل العقد. و سيأتى الكلام في ذلك فانتظر.

و من هنا ظهر الأمر الثالث، و هو ان محل الكلام عجز البائع و المشترى عن ذلك،

و أما إذا كان المشترى قادرا على التسلم فهو خارج عن المقام. و سيأتى حكمه.

إذا عرفت هذه الأمور.

فاعلم: انه قد تكرر من الفقهاء دعوى الإجماع على اعتبار هذا الشرط، بل يظهر من الانتصار ان عليه اجماع العامة و لم يذكر الخلاف عن احد سوى الفاضل القطيفى.

و قد استدل لاعتباره بوجوه.

(1) الأول: النبوي المشهور بين الفريقين- بل قيل انه اجمع عليه المخالف و المؤلف-:

نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر (1).

و تنقيح القول في هذا الحديث الشريف يقتضى البحث في جهات:

الأولى: في سنده. و الظاهر انه من اقضية النبي (صلى الله عليه و آله) المروية من طرق اهل السنة برواية عبادة بن صامت مجتمعة، و هى بعينها مروية من طرقنا برواية عقبة متفرقة على حسب تفرق الابواب.

و على اى تقدير مع اعتماد الأصحاب عليه و تلقيهم اياه بالقبول و افتائهم مستندا إليه لا يبقى مجال الاشكال في سنده.

الجهة الثانية: في معنى الغرر و تطبيقه على بيع ما لا يقدر على تسليمه. و قد ذكروا‌

____________

(1) الوسائل- باب 40- من ابواب آداب التجارة حديث 3- و المستدرك باب 31 من ابواب آداب التجارة حديث 1-

الدعائم ج 2- ص 19 سنن بيهقى ج 5 ص 338- و سنن الترمذى ج 3 ص 532- و اخرجه مسلم في صحيحه ج 5 ص 3

- و ابو داود في كتاب البيوع.

7

من الفقهاء و اهل اللغة حيث مثلوا للغرر ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء مع ان معنى الغرر على ما ذكره اكثر اهل اللغة صادق عليه و المروى عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه عمل ما لا يؤمن معه من الضرر.

و في الصحاح الغرة الغفلة و الغار الغافل و اغره اى اتاه على غرة منه و اغتر بالشي‌ء اى خدع به و الغرر الخطر و نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر و هو مثل بيع السمك في الماء و الطير في الهواء إلى ان قال: و التغرير حمل النفس على الغرر، انتهى.

و عن القاموس: ما ملخصه غره غرا و غرورا وغرة بالكسر فهو مغرور و غرير كامير خدعه و أطمعه في الباطل إلى ان قال غرر بنفسه تغريرا أو تغره أى عرضها للهلكة و الاسم الغرر محركة إلى ان قال: و الغار الغافل، و اغتر غفل و الاسم الغرة بالكسر، انتهى.

و عن النهاية بعد تفسير الغرة بالكسر بالغفلة انه نهى عن بيع الغرر و هو ما كان له ظاهر يغر المشترى و باطن مجهول، و قال الازهرى: بيع الغرر ما كان على غير عهدة و لا ثقة و يدخل فيه البيوع التى لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول و قد تكرر في الحديث و منه حديث مطرف ان لى نفسا واحدة و انى لأكره ان اغربها اى احملها على غير ثقة و به سمى الشيطان غرورا لأنه يحمل الانسان على محابه و وراء ذلك ما يسوؤه، انتهى.

____________

في تفسير الغرر امورا: الغفلة، و الخديعة، و الخطر، و عمل ما لا يؤمن معه من الضرر، و ما كان على غير عهدة و ثقة، و ما له ظاهر محبوب و باطن مكروه. و قد افاد بعض المحققين: ان هذه التفاسير ليست كلها بيانا للمعنى الحقيقى، بل بعضها بيان مفهومه، و بعضها الآخر بيان لازمه الدائمى، و بعضها بيان لازمه الغالبى، و بعضها بيان لمورده.

و معناه الحقيقى: ما يساوق الخديعة، و لازمه الدائمى هو الغفلة، و لازمه الغالبى هو الخطر و الوقوع في الضرر، و المنخدع لا يكون على عهدة و ثقة، و مورده ما كان له ظاهر محبوب و باطن مكروه.

و الحق ان يقال: ان لمادة الغرر معان ثلاثة لا جامع بينها اصلا على ما يظهر من كتب اللغة.

لأن ما يكون بمعنى الغفلة انما هو المعنى المشتقي اللازم و هو غر يغر‌

8

و قد حكى ايضا عن الاساس و المصباح و المغرب و الجمل و المجمع تفسير الغرر بالخطر ممثلا له في الثلاثة الاخيرة ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء. و في التذكرة ان اهل اللغة فسروا بيع الغرر بهذين و مراده من التفسير التوضيح بالمثال و ليس في المحكى عن النهاية منافاة لهذا التفسير كما يظهر بالتأمل.

و بالجملة فالكل متفقون على اخذ الجهالة في معنى الغرر سواء تعلق الجهل بأصل وجوده ام بحصوله في يد من انتقل إليه ام بصفاته كما أو كيفا. و ربما يقال ان المنساق من الغرر المنهى عنه الخطر من حيث الجهل بصفات المبيع و مقداره لا مطلق الخطر الشامل لتسليمه و عدمه ضرورة حصوله في بيع كل غائب خصوصا إذا كان في بحر و نحوه، بل هو اوضح شي‌ء في بيع الثمار و الزرع و نحوهما.

و الحاصل ان من الواضح عدم لزوم المخاطرة في مبيع مجهول الحال بالنسبة إلى التسلم و عدمه خصوصا بعد جبره بالخيار لو تعذر و فيه ان الخطر من حيث حصول المبيع في يد المشترى اعظم من الجهل بصفاته مع العلم بحصوله فلا وجه لتقييد كلام اهل اللغة خصوصا بعد تمثيلهم بالمثالين المذكورين و احتمال إرادتهم ذكر المثالين لجهالة صفات المبيع لا الجهل بحصوله في يده يدفعه ملاحظة اشتهار التمثيل بهما في كلمات الفقهاء للعجز عن التسليم لا للجهالة بالصفات هذا مضافا إلى استدلال الفريقين من العامة و الخاصة بالنبوى

____________

بكسر الغين، و مصدره الغرة بالكسر، و اسم فاعله الغار بمعنى الغافل، و لا يكون له اسم مفعول لكونه لازما.

و ما يكون بمعنى الخدعة انما يكون متعديا و هو غر يغر بضم الغين و اسم مفعوله المغرور، و غرير صفة مشبهة، و اسم مفعول هذا الباب يلازم مع اسم فاعل ذلك الباب،

فالمغرور، يلازم مع كونه غافلا، و مصدره غرور، و المستعمل في القرآن الكريم انما هو المعنى الثانى، و لا جامع بين البابين.

و أما لفظ الغرر فلم يستعمل في شي‌ء منهما، و انما هو بمعنى الخطر، و لا يكون معناه حدثيا اشتقاقيا، بل هو جامد كما صرح بذلك في الأساس و المصباح و المغرب‌

9

المذكور على اعتبار القدرة على التسليم كما يظهر من الانتصار حيث قال: فيما حكى عنه و مما انفردت به الامامية القول بجواز شراء العبد الآبق مع الضميمة و لا يشترى وحده إلا إذا كان بحيث يقدر عليه المشترى و خالف باقى الفقهاء في ذلك و ذهبوا إلى انه لا يجوز بيع الآبق على كل حال إلى ان قال: و يعول مخالفونا في منع بيعه على انه بيع غرر و ان نبينا (صلى الله عليه و آله) نهى عن بيع الغرر إلى ان قال: و هذا ليس بصحيح لأن هذا البيع يخرجه عن ان يكون غررا انضمام غيره إليه، انتهى.

و هو صريح في استدلال جميع العامة بالنبوى على اشتراط القدرة على التسليم. و الظاهر اتفاق اصحابنا ايضا على الاستدلال به كما يظهر للمتتبع و سيجي‌ء في عبارة الشهيد التصريح به، و كيف كان، فالدعوى المذكورة مما لا يساعدها اللغة و لا العرف و لا كلمات اهل الشرع و ما ابعد ما بينه و بين ما عن قواعد الشهيد (رحمه الله)

____________

و الجمل و المجمع و القاموس، و قد فهم العلماء (قدس الله اسرارهم) منه ذلك، و لذا افاد المحقق المشار إليه انه انما يحمل الغرر في الخبر على الخطر لفهم العامة و الخاصة لاتفاقهم ظاهرا على ذلك كما يتضح بالمراجعة الى استدلالات الفريقين في ابواب المعاملات.

و بالجملة: الغرر بحسب تصريح اللغويين و فهم اهل العرف و العلماء انما هو بمعنى الخطر.

فان قبل انه إذا كان جامدا فكيف يقال: غرر يغرر تغريرا.

اجبنا عنه: بان بعض الجوامد بواسطة بعض ابواب المزيد فيها يصير مشتقا كالماء المشمس و التحجير و غيرهما.

و المقام من هذا القبيل، فمعنى غرر بنفسه اوقعه في الخطر.

و ما عن القاموس من تفسير غرر بنفسه عرضها للهلاكة، انما هو من جهة ان خطر النفس هو الهلاكة، و ما فيه من ان الاسم الغرر مراده منه ان اللفظ الأصلى هو معنى اسمى غير قابل الاشتقاق و هو الغرر، و ما عن الامام على (عليه السلام) من تفسير‌

10

حيث قال: الغرر ما كان له ظاهر محبوب و باطن مكروه قاله بعضهم و منه قوله تعالى:

(متاع الغرور) و شرعا هو جهل الحصول (1) و مجهول الصفة فليس غررا و بينهما عموم و خصوص من وجه لوجود الغرر بدون الجهل في العبد الآبق إذا كان معلوم الصفة من قبل أو وصف الآن و وجود الجهل بدون الغرر في المكيل و الموزون و المعدود إذا لم يعتبر.

و قد يتوغّل في الجهالة كحجر لا يدرى اذهب ام فضة ام نحاس ام صخر و يوجدان معا في العبد الآبق المجهول الصفة و يتعلق الغرر و الجهل تارة بالوجود كالعبد الآبق المجهول الوجود و تارة بالحصول كالعبد الآبق المعلوم الوجود و بالجنس

كحب لا يدرى ما هو و سلعة من سلع مختلفة و بالنوع كعبد من عبيد و بالقدر ككيل لا يعرف قدره و البيع الى مبلغ السهم و بالعين كثوب من ثوبين مختلفين و بالبقاء كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح عند بعض الاصحاب. و لو اشترط ان يبدو الصلاح لا محالة كان غررا عند الكل كما لو شرط صيرورة الزرع سنبلا و الغرر قد يكون بما له مدخل ظاهر في العوضين و هو ممتنع اجماعا و قد يكون بما يتسامح به عادة لقلته كأس الجدار و قطن الجبة و هو معفو عنه اجماعا و نحوه اشتراط الحمل و قد يكون مرددا بينهما و هو محل الخلاف كالجزاف في مال الاجارة

____________

الغرر بعمل لا يؤمن معه من الضرر، غير ثابت، و لم يحرز صدوره عنه، و لو سلم الصدور لا بد من تأويله لعدم كون الغرر بمعنى العمل على اى تقدير.

و قد يقال: ان بيع ما لا يقدر على تسليمه لا يكون غرريا بعد كون المبيع معلوما ذاتا و وصفا، و انما يكون الغرر و الخطر من ناحية الآثار الخارجية، اى التسليم و التسلم.

و فيه: ان الملكية المجردة لا يترتب عليها شي‌ء و لا يبذلون العقلاء بازائها شيئا،

فالبيع عليها غررى، و ما ابعد ما بين هذه الدعوى. و ما ادعاه الشهيد (قدس سره).

(1) من اختصاص الغرر بمجهول الحصول، و ان كان هو ايضا لا يخلو عن محذور،

و يؤيد ما ذكرناه تمثيل اهل الفن للغرر ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء، و عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه و آله): لا تشتر السمك في الماء فانه غرر. فلا ينبغى التوقف‌

11

و المضاربة و الثمرة قبل بدو الصلاح و الآبق بغير ضميمة، انتهى.

و في بعض كلامه تأمل ككلامه الآخر في شرح الارشاد حيث ذكر في مسألة تعين الاثمان بالتعيين الشخصى عندنا قالوا يعنى المخالفين من العامة تعينها غرر فيكون منهيا عنه. اما الصغرى فلجواز عدمها أو ظهورها مستحقة فينفسخ البيع.

و أما الكبرى فظاهرة الى ان قال قلنا: انا نمنع الصغرى لأن الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف بحيث لو تركه و بخّ عليه و ما ذكروه لا يخطر ببال فضلا عن اللوم عليه،

انتهى.

فإن مقتضاه انه لو اشترى الآبق أو الضال المرجو الحصول بثمن قليل لم يكن غررا لأن العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاء للنفع الكثير. و كذا لو اشترى المجهول المردد بين ذهب و نحاس بقيمة النحاس بناء على المعروف من تحقق الغرر

بالجهل بالصفة. و كذا شراء مجهول المقدار بثمن المتيقن منه فإن ذلك كله مرغوب فيه عند العقلاء بل يوبخون من عدل عنه اعتذارا بكونه خطرا فالاولى ان هذا النهى من الشارع لسد باب المخاطرة المفضية الى التنازع في المعاملات و ليس منوطا بالنهى من العقلاء ليخص مورده بالسفهاء أو المتسفهة

____________

في صدق الغرر و الخطر على بيع ما لا يقدر على تسليمه.

الجهة الثالثة: في بيان مفاد النهى.

الظاهر ان النهى عن المعاملة كما عرفت في اول الجزء الاول من هذا الشرح ظاهر في كونه ارشادا الى الفساد، فإذا ظاهر ذلك هو فساد البيع الغررى.

الجهة الرابعة: انه قد يقال: بان المانع عن الصحة ان كان هو الغرر فهو يمكن دعوى ارتفاعه بوجوه:

احدها: انه لو اشترط الخيار برد العوض مع عدم وصول المعوض إليه لا يكون هناك غرر.

و فيه: ان نفوذ الشرط مشروط بكونه في ضمن العقد الصحيح، فلا يعقل تصحيح العقد به.

ثانيها: انه مع تعذر تسليم المبيع له خيار التعذر، فله الفسخ و استرجاع الثمن.

و فيه: ان الخيار انما يثبت في العقد الصحيح، فكيف يصحح العقد به.

12

ثمّ انه قد حكى عن الصدوق في معانى الاخبار تعليل فساد بعض المعاملات المتعارفة في الجاهلية كبيع المنابذة و الملامسة و بيع الحصاة بكونها غررا مع انه لا جهالة في بعضها كبيع المنابذة بناء على ما فسر به من انه قول احدهما لصاحبه انبذ الى الثوب أو انبذه اليك فقد وجب البيع، و بيع الحصاة بأن يقول: إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع، و لعله كان على وجه خاص يكون فيه خطر و الله العالم.

____________

ثالثها: انه بالفحص اما ان يحصل في يده، أو يصير مأيوسا من ذلك، فيكون بمنزلة التلف الموجب لانفساخ العقد الموجب لرجوع الثمن الى صاحبه، فهو مامون العاقبة من الخطر، لأنه اما ان يصل إليه المبيع أو بدله.

و قد ظهر الجواب عن ذلك مما تقدم، إذ الحكم بالانفساخ فرع صحة العقد.

رابعها: انه مع امتناع تسليم المبيع للمشترى الامتناع من تسليم الثمن فلا غرر و فيه: ان الامتناع من تسليم الثمن بعد فرض كونه ملكا للبائع لا يوجب تدارك ما ذهب من ملكه.

هذا كله مع ان الغرر باعتبار الغرض المعاملى لا ينجبر بالفسخ و لا بالانفساخ.

فالحق دلالة النبوي على الفساد، الا انه مختص بصورة عدم احراز امتناع التسليم،

لأن الخطر انما يطلق فيما إذا احتمل الحصول و لو ضعيفا.

و لكن في هذا الفرد يثبت الحكم بالاولوية القطعية.

الثانى: ان بذل المال بازاء ما لا يمكن تسليمه سفهى، فلا تشمله ادلة نفوذ المعاملات فانها مسوقة لبيان انفاذ المعاملات العقلائية.

و فيه: اولا: ان بذل المال القليل بازاء مال كثير يرجى حصوله ليس سفهيا بل ربما يعد عدم البذل سفهيا.

و ثانيا: ان ادلة نفوذ المعاملات تدل على نفوذ كل معاملة، و الدليل انما دل على عدم نفوذ معاملة السفيه و لم يدل دليل على عدم نفوذ المعاملة السفهائية.

الثالث: ان المعاملة على ما لا يقدر على تسليمه: اكل للمال بالباطل.

13

و كيف كان فلا اشكال في صحة التمسك لاعتبار القدرة على التسليم بالنبوى المذكور الا انه اخص من المدعى لان ما يمتنع تسليمه عادة كالغريق في بحر يمتنع خروجه منه عادة و نحوه ليس في بيعه خطر لأن الخطر انما يطلق في مقام يحتمل السلامة و لو ضعيفا لكن هذا الفرد يكفى في الاستدلال على بطلانه بلزوم السفاهة و كون اكل الثمن في مقابله اكلا للمال بالباطل بل لا يعد مالا عرفا (1) و ان كان ملكا فيصح عتقه و يكون لمالكه لو فرض التمكن منه الا انه لا ينافي سلب صفة التمول عنه عرفا. و لذا يجب على غاصبه رد تمام قيمته الى المالك (2) فيملكه مع بقاء العين على ملكه على ما هو ظاهر المشهور.

____________

و فيه: ان المراد بالأكل بالباطل بقرينة المقابلة بتجارة عن تراض التملك بالأسباب الباطلة كالقمار و نحوه، و الا فغاية ما هناك كون اعطاء المال مجانيا و بلا عوض، و ليس هذا من قبيل اكل المال بالباطل.

(1) الرابع: ان ما لا يقدر على تسليمه لا يعد مالا عرفا فلا يصح بيعه.

و فيه: اولا: ان المال انما هو من العناوين المنطبقة على الأشياء بانفسها مع قطع النظر عن الأشخاص، و هو ينتزع من كون ذلك الشي‌ء موضوعا لغرض موجب لحدوث رغبة الناس فيه، و هى صفة تنتزع من نفس المال و ان لم يكن هناك مالك.

و ثانيا: انه لو سلم ذلك فانما هو فيما لا يحتمل التمكن من التسليم كما لا يخفى.

(2) و قد استشهد المصنف لسلب صفة التمول عنه: بانه يجب على غاصبه قبلا ان يدفع تمام القيمة بصيرورته كذلك من باب بدل الحيلولة.

و فيه: ان لزوم اداء تمام القيمة انما يكون من جهة الحيلولة بين المالك و تمام المالية بالحيلولة بينه و بين العين لا من جهة التلف، و قد تقدم تفصيل القول في ذلك في مبحث بدل الحيلولة.

14

ثمّ انه ربما يستدل على هذا الشرط بوجوه أخر منها ما اشتهر عن النبي (صلى الله عليه و آله) من قوله: لاتبع ما ليس عندك، (1) بناء على أن كونه عنده لا يراد به الحضور لجواز بيع الغائب و السلف إجماعا فهي كناية لاعن مجرد الملك لأن المناسب حينئذ ذكر لفظة اللام و لاعن مجرد السلطنة عليه و القدرة على تسليمه لمنافاته لتمسك العلماء من

الخاصة و العامة بها على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير، ثمّ شرائها من مالكها خصوصا إذا كان وكيلا عنه في بيعه و لو من نفسه فإن السلطنة و القدرة على التسليم حاصلة هنا مع انه مورد الرواية عند الفقهاء فتعين ان يكون كناية عن السلطنة التامة الفعلية التى تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد حتى كأنه عنده و ان كان غائبا (2) و على اى حال فلا بد من اخراج بيع الفضولى عنه بادلته أو بحمله على النهى المقتضى لفساده بمعنى عدم وقوعه لبائعه لو اراد ذلك و كيف كان فتوجيه الاستدلال بالخبر على ما نحن فيه ممكن. و أما الايراد عليه بدعوى ان المراد به الاشارة الى ما هو المتعارف في تلك الأزمنة من بيع الشي‌ء الغير المملوك ثمّ تحصيله

____________

(1) الخامس: ما ذكره المصنف (قدس سره) بقوله: منها ما اشتهر عن النبي (صلى الله عليه و آله) من قوله: لاتبع ما ليس عندك ....

لا يخفى ان اقضية النبي (صلى الله عليه و آله) المذكورة في كتب العامة مجتمعة عن عبادة ابن الصامت بعينها مروية من طرق الخاصة برواية عقبة بن خالد متفرقة على حسب تفرق الأبواب.

و عليه فهذا النبوي (1) مروى من طرقنا و من طرق العامة،

فلا وجه للمناقشة في سنده.

(2) و أما من حيث الدلالة، فمحصل ما افاده المصنف (قدس سره): ان محتملات قوله (عليه السلام) عندك اربعة:

احدها: الحضور الذى هو معناه الحقيقى.

ثانيها: الملك.

____________

(1) الوسائل باب 7 من ابواب احكام العقود، و باب 2 من ابواب عقد البيع و سنن الترمذى ج 3 ص 534 باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك.

15

بشرائه و نحوه و دفعه الى المشترى، فمدفوع بعدم الشاهد على اختصاصه بهذا المورد و ليس في الاخبار المتضمنة لنقل هذا الخبر ما يشهد باختصاصه بهذا المورد.

نعم يمكن ان يقال ان غاية ما يدل عليه هذا النبوي بل النبوي الأول ايضا فساد البيع بمعنى عدم كونه علة تامة لترتب الاثر المقصود فلا ينافى وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر و تحقق كونه عنده و لو ابيت الا عن ظهور النبويين في الفساد بمعنى لغوية العقد رأسا المنافية لوقوعه مراعى دار الأمر بين ارتكاب خلاف هذا الظاهر و بين إخراج بيع الرهن و بيع ما يملكه بعد البيع، و بيع العبد الجانى عمدا و بيع المحجور لرق أو سفه أو فلس

____________

ثالثها: السلطنة عليه و القدرة على تسليمه.

رابعها: السلطنة التامة الفعلية التى تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد.

و من البين ان الأول ليس بمراد قطعا لجواز بيع الغائب اجماعا.

و الثانى خلاف الظاهر، فان بيع المملوك بيع ماله لا بيع ما عنده، فبيع غير المملوك بيع ما ليس له، لا بيع ما ليس عنده.

و الثالث يدفعه استدلال الفقهاء بهذا النبوي على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير.

فيتعين الرابع، فيدل على فساد بيع ما لا يكون مالكا له، و ما لا يقدر على تسليمه،

فلا بد من اخراج بيع الفضولى عنه بادلته أو بحمله على النهى المقتضى لفساده بمعنى عدم وقوعه لبائعه لو اراد ذلك.

و فيه: ان ارادة القدرة على التسليم خاصة من التصرفات الخارجية المماسة للعين،

اما وحدها أو مع الملكية خلاف الظاهر، بل اما ان يراد مطلق التصرفات الخارجية أو لا يكون ذلك بالخصوص بمراد، و حيث انه لا يعتبر السلطنة الخارجية المماسة للعين قطعا، فلا يكون ذلك بمراد لا مستقلا و لا ضمنا، بل الظاهر منه ارادة السلطنة الاعتبارية على التصرفات التسبيبية المعاملية، فيكون اجنبيا عن المقام.

16

فان البائع في هذه الموارد عاجز شرعا من التسليم و لا رجحان لهذه التخصيصات. فحينئذ لا مانع عن التزام وقوع بيع كل ما يعجز عن تسليمه مع رجاء التمكن منه «مراعى بالتمكن منه» في زمان لا يفوت الانتفاع المعتد به.

و قد صرح الشهيد في اللمعة بجواز بيع الضال و المجحود من غير اباق مراعى بإمكان التسليم و احتمله في التذكرة لكن الإنصاف ان الظاهر من حال الفقهاء اتفاقهم على فساد بيع الغرر بمعنى عدم تأثيره رأسا كما عرفت من الإيضاح.

و منها ان لازم العقد وجوب تسليم كل من المتبايعين العوضين الى صاحبه (1) فيجب ان يكون مقدورا لاستحالة التكليف بالممتنع

____________

(1) السادس: ما ذكره المصنف (قدس سره)، و حاصله: ان لازم العقد وجود التسليم،

و هو مشروط بالقدرة، فمع عدمها لا لزوم للتسليم فيلزم عدم نفوذ العقد، و الا لزم انفكاك اللازم عن الملزوم.

و فيه: انه ان اريد بذلك ان لزوم التسليم من مقتضيات الملك الذى هو مدلول العقد فهو مسلم لوجوب رد المال الى صاحبه، الا ان هذا اللازم ليس لازما لا ينفك، بل هو فرع التمكن منه، و مع عدم التمكن يكون ملكا له لا يجب تسليمه لعدم القدرة.

و ان اريد به انه من مقتضيات اطلاق العقد نفسه، فيرد عليه: ان العقد عبارة عن تمليك العين مثلا لا هو مع اعتبار امر آخر أو تكليف آخر.

و ان اريد به ان الملكية تكون مقيدة بما يتمكن من تسليمه، فيرد عليه: ان التعليق في العقد موجب للبطلان.

و ان اريد به ان لزوم التسليم من احكام العقد من جهة ان التسليم مصداق للوفاء بالعقد الذى وجوبه من احكام العقد، فيرد عليه:

اولا: ان (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1) على ما حققناه في محله يكون ارشادا الى لزوم العقد،

و على فرض كونه تكليفيا يكون مفاده لزوم العمل بمفاد العقد بعدم فسخه، فعلى كل تقدير لا ربط له بالتسليم.

____________

(1) المائدة آية 2.

17

و يضعف بانه ان اريد ان لازم العقد وجوب التسليم وجوبا مطلقا منعنا الملازمة و ان اريد مطلق وجوبه فلا ينافى كونه مشروطا بالتمكن كما لو تجدد العجز بعد العقد. (1) و قد يعترض باصالة عدم تقيد الوجوب، ثمّ يدفع بمعارضته باصالة عدم تقيد البيع بهذا الشرط (2) و في الاعتراض و المعارضة نظر واضح، (3) فافهم

____________

و ثانيا: ان التكليف بالوفاء قد تعلق بالعقد الصحيح، فعدم لزوم الوفاء لعدم القدرة لا يكشف عن عدم الصحة.

(1) و اجاب المصنف عنه: بانه يضعف بانه ان اريد ان لازم العقد وجوب التسليم. .. متعنا الملازمة مراده: انه ان اريد ان لازم العقد وجوب التسليم وجوبا فعليا بحيث انه ان لم يكن قادرا عليه ينكشف عدم وجود الملزوم، نمنع الملازمة، اى لا دليل على ان ذلك من لوازم العقد.

و ان كان المراد ان لازمه مطلق الوجوب الملائم مع الوجوب المشروط، فاللازم متحقق في الفرض، و كذلك الملزوم.

قال المصنف: و قد يعترض باصالة عدم تقيد الوجوب، ثمّ يدفع بمعارضته باصالة عدم تقيد البيع.

(2) المعترض، و دافعه، صاحب الجواهر (قدس سره).

و حاصل الاعتراض بما ذكره المصنف من الجواب: ان مقتضى اصالة عدم تقيد الوجوب كون اللازم الوجوب المطلق، فمع عدمه ينكشف عدم تحقق الملزوم.

و محصل الدفع: انه معارض باصالة عدم تقيد البيع بهذا الشرط، فان اطلاق ادلة نفوذ البيع يكشف عن عدم اعتبار القدرة في النفوذ، فالحجة على الاشتراط تعارض الحجة على عدمه.

(3) و أما ما ذكره المصنف (قدس سره) من النظر الواضح في الاعتراض و المعارضة، فلعل وجه النظر في الاعتراض انه ان اريد باصالة عدم تقيد الوجوب الأصل العملي- اى اصالة عدم وجوب المقيد-- فيرد عليه: انه معارض باصالة عدم وجوب المطلق‌

18

و منها ان الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير إليه و لا يتم الا بالتسليم (1) و يضعفه منع توقف مطلق الانتفاع على التسليم بل منع عدم كون الغرض منه إلا الانتفاع «بعد التسليم لا الانتفاع» المطلق.

و منها ان بذل الثمن على غير المقدور سفه فيكون ممنوعا و أكله اكلا بالباطل.

و فيه ان بذل المال القليل في مقابل المال الكثير المحتمل الحصول ليس سفها بل تركه اعتذارا بعدم العلم بحصول العوض سفه، فافهم.

____________

و ان اريد به الاصل اللفظى، اى اطلاق دليل الوجوب- فهو مقيد بالقدرة عقلا.

و وجه النظر في الدفع: ان اطلاق دليل المقيد لو سلم لا ريب في حكومته على اصالة عدم تقيد البيع كما لا يخفى.

(1) السابع: ما ذكره المصنف بقوله: و منها ان الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير إليه، و لا يتم الا بالتسليم. ...

و فيه: اولا: ان تخلف الأغراض و الدواعى لا يوجب فساد المعاملة و بطلانها.

و ثانيا: ان الغرض من المعاملة ليس هو الانتفاع المطلق، بل الانتفاع على فرض التسليم.

و ثالثا: نمنع توقف مطلق الانتفاعات حتى التصرفات الاعتبارية على التسليم.

فتحصل مما ذكرناه: ان دليل اعتبار هذا القيد هو النبوي المشهور:

نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بين الغرر.

هل القدرة شرط أو العجز مانع

و ينبغى التنبيه على امور:

الأول: هل القدرة على التسليم شرط كما في التكاليف، ام يكون العجز عنه مانعا؟ وجهان.

19

ثمّ ان ظاهر معاقد الاجماعات كما عرفت كون القدرة شرطا كما (1) هو كذلك في التكاليف و قد اكد الشرطية في عبارة الغنية المتقدمة حيث حكم بعدم جواز بيع ما لا يمكن فيه التسليم فينتفى المشروط عند انتفاء الشرط (2) و مع ذلك كله فقد استظهر بعض من تلك العبارة ان العجز مانع لا ان القدرة شرط قال: و يظهر الثمرة في موضع الشك، ثمّ ذكر اختلاف الأصحاب في مسألة الضال و الضالة و جعله دليلا على ان القدر المتفق عليه ما إذا تحقق العجز و فيه ما عرفت من ان صريح معاقد الإجماعات خصوصا عبارة الغنية المتأكدة بالتصريح بالانتفاء عند الانتفاء هى شرطية القدرة ان العجز امر عدمى لأنه عدم القدرة عمن من شأنه صنفا أو نوعا أو جنسا ان يقدر.

فكيف يكون مانعا من (3) ان المانع هو الامر الوجودى الذى يلزم من وجوده العدم، ثمّ لو سلم صحة اطلاق المانع عليه لا ثمرة فيه لا في صورة الشك الموضوعى أو الحكمى و لا في غيرهما فإنا إذا شككنا في تحقق القدرة و العجز مع سبق القدرة فالاصل بقاؤها اولا معه فالأصل عدمها اعنى العجز سواء جعل

____________

و ملخص القول: ان الكلام في هذا التنبيه يقع في مواضع.

احدها: فيما هو مقتضى كلمات الأصحاب.

ثانيها: في معقولية مانعية العجز و عدمها.

ثالثها: فيما يقتضيه الدليل.

رابعها: في ترتب الثمرة على هذا النزاع.

(1) اما الأول: فظاهر كلمات القوم حيث قالوا: و من شرائط العوضين القدرة على التسليم كون القدرة شرطا.

و مورد نزاع المصنف (قدس سره) و صاحب الجواهر كلام الغنية، و ذيله الذى نقله المصنف (قدس سره).

(2) و هو صريح في شرطية القدرة، اللهم الا ان يكون ذلك من كلام المصنف (قدس سره).

(3) و أما الثانى فقد ذهب المصنف (قدس سره) الى عدم معقولية مانعية العجز، من جهة ان العجز امر عدمى لأنه عدم القدرة عمن من شانه ان يقدر، و المانع هو الأمر الوجودى الذى يلزم من وجوده العدم.

20

القدرة شرطا أو العجز مانعا و إذا شككنا في ان الخارج عن عمومات الصحة هو العجز المستمر أو العجز في الجملة أو شككنا في ان المراد بالعجز ما يعم التعسر كما حكى أم خصوص التعذر فاللازم التمسك بعمومات الصحة من غير فرق بين تسمية القدرة شرطا أو العجز مانعا. (1)

و الحاصل ان التردد بين شرطية الشي‌ء و مانعية مقابله انما يصح و يثمر في الضدين مثل الفسق و العدالة لا فيما نحن فيه و شبهه كالعلم و الجهل و أما اختلاف الاصحاب في مسألة الضال و الضالة فليس لشك المالك في القدرة و العجز و مبنيا على كون القدرة شرطا أو العجز مانعا كما يظهر من ادلتهم على الصحة و الفساد بل لما سيجي‌ء عند التعرض لحكمها

____________

و فيه: ان المانع في باب العلة و المعلول غير المانع في باب العقود و الإيقاعات كما تقدم، فان المراد به في هذا الباب ما قيد صحة العقد بعدمه، أو حكم بفساد العقد معه،

و حيث ان هذا ممكن فمانعية العجز معقولة.

و أما الموضع الثالث: فالأظهر ان المستفاد من الأدلة مانعية العجز، و ذلك لأن ضم ادلة نفوذ البيع. بقوله (صلوات الله عليه): نهى النبي عن بيع الغرر يقتضى ان يكون موضوع النفوذ البيع الذى ليس بغررى- اى لا يكون متصفا به- لا ان الموضوع هو البيع المتصف بما يضاد الغرر كما هو واضح.

(1) و أما الموضع الرابع: ففى المتن ان اللازم التمسك بعمومات الصحة من غير فرق بين تسمية القدرة شرطا أو العجز مانعا و لكن يمكن ان يقال بظهور الثمرة فيما إذا شك في القدرة، فانه على القول بشرطية القدرة لا بد من احرازها في الحكم بصحة البيع، و أما على القول بمانعية العجز فيحكم بالصحة، و ان لم يحرز ذلك.

لوجهين: الأول: اصالة عدم المانع: الثانى: قاعدة المقتضى و المانع من جهة ان العقد مقتض و العجز مانع، فإذا شك في المانع مع احراز المقتضى يبنى على تحقق المقتضى بالفتح.

و فيهما نظر:

اما الأول: فلأن الشبهة اما موضوعية، أو حكمية،

21

ثمّ ان العبرة في الشرط المذكور انما هو في زمان استحقاق التسليم (1) فلا ينفع وجودها حال العقد إذا علم بعدمها حال استحقاق التسليم كما لا يقدح عدمها قبل الاستحقاق و لو حين العقد

____________

فان كانت موضوعية فان كانت الحالة السابقة القدرة يبنى عليها، و ان كانت هى العجز يبنى عليه، و مع عدم احراز الحالة السابقة أو توارد الحالتين لا يجرى الأصل الموضوعى و انما يرجع الى اصالة الفساد، من غير من فرق بين المسلكين.

و ان كانت حكمية، كما لو شك في ان الخارج هو العجز المستمر أو العجز في الجملة، أو شك في ان المراد بالعجز ما يشمل التعسر، يرجع الى عمومات الصحة اقتصارا في المخصص على المتيقن منه.

و بالجملة: بعد كون العجز و القدرة من قبيل العدم و الملكة لا من قبيل السلب و الإيجاب، لا يبقى فرق بين مانعية الأول و شرطية الثانية كما لا يخفى.

و أما الثانى: فلعدم حجيتها اولا و عدم جريانها في الأحكام الشرعية ثانيا لعدم تمييز المقتضى عن المانع و الشرط. هذا كله مضافا الى ان المدرك لاعتبار هذا القيد بما انه النبوي فلا يتصور الشك الموضوعى لتقوم الغرر بالجهل.

المانع هو العجز في زمان الاستحقاق

(1) الثانى: هل العبرة في القدرة على التسليم هى القدرة في زمان استحقاق التسليم، ام في زمان البيع؟ وجهان.

الظاهر انه لا إشكال كما لا خلاف في ان العبرة في الشرط المذكور انما هو في زمان الاستحقاق من غير فرق بين كون المستند وجوب التسليم، أو نهى النبي عن بيع الغرر، أو لزوم السفاهة مع عدمه، أو عدم الانتفاع، او لا تبع ما ليس عندك.

إذ لا وجوب للتسليم قبل الاستحقاق.

و المعاملة التى يقدر البائع فيها على تسليم المبيع حال استحقاق المشترى لذلك ليست بغررية فعلا.

22

و يتفرع على ذلك عدم اعتبارها أصلا إذا كانت العين في يد المشترى، (1)

و فيما لم يعتبر التسليم فيه رأسا كما إذا اشترى من ينعتق عليه فإنه ينعتق بمجرد الشراء و لا سبيل لأحد عليه، (2) و فيما إذا لم يستحق التسليم بمجرد العقد اما لاشتراط تأخيره مدة و أما لتزلزل العقد كما إذا اشترى فضولا فإنه لا يستحق التسليم إلا بعد إجازة المالك (3) فلا يعتبر القدرة على التسليم قبلها

____________

و الاقدام على بيع ما يتمكن من تحصيله في حال الاستحقاق ليس اقداما سفهيا،

و لا يترقب الانتفاع من المبيع الا بعد استحقاقه.

و المراد من عدم بيع ما ليس عنده على فرض دلالته على هذا الشرط بقرينة مناسبة الحكم و الموضوع و بحسب المتفاهم العرفى عدم الالتزام بما لا يقدر عليه، و من كان قادرا حين الاستحقاق غير قادر حين البيع لا يكون ملزما على نفسه بما لا يقدر عليه.

فما افاده المحقق الأصفهانى (قدس سره) من انه لو كان المدرك النهى عن بيع ما ليس عنده لا بد من القدرة حال ورود البيع عليه، غير تام، فهذه الكلية لا كلام فيها.

انما الكلام في الفروع التى فرعها المصنف (قدس سره) على تلك:

(1) احدها: عدم اعتبارها اصلا إذا كانت العين في يد المشترى.

و فيه: ان عدم اعتبارها في هذا المورد ليس من متفرعات عدم اعتبار القدرة حال البيع، بل لو كانت العبرة بالقدرة حال البيع لم تكن معتبرة في الفرض، لأن التسليم طريق الى وصول المال بيد المشترى، فمع تحقق الوصول لا يعقل استحقاق التسليم.

(2) ثانيها: ما إذا اشترى من ينعتق عليه.

و فيه: ان عدم اعتبارها في المورد انما يكون من جهة عدم دخوله في ملكه أو خروجه عنه بعد دخوله آنا ما، لا من جهة عدم اعتبار القدرة حين البيع.

(3) ثالثها: ما إذا اشترى فضولا فانه لا يستحق التسلم الا بعد اجازة المالك.

و فيه: ان المعتبر هو قدرة من له العقد لا مجرى الصيغة، و حيث ان العقد انما‌

23

لكن يشكل على الكشف من حيث انه لازم (1) من طرف الاصيل فيتحقق الغرر بالنسبة إليه إذا انتقل إليه ما لم يقدر على تحصيله.

نعم هو حسن في الفضولى من الطرفين و مثله بيع الرهن قبل اجازة المرتهن أو فكه، (2) بل و كذا لو لم يقدر على تسليم ثمن السلم (3) لان تأثير العقد قبل التسليم في المجلس موقوف على تحققه فلا يلزم غرر و لو تعذر التسليم بعد العقد رجع الى تعذر الشرط. و من المعلوم ان تعذر الشرط المتأخر حال العقد غير قادح بل لا يقدح العلم بتعذره فيما بعده في تأثير العقد إذا اتفق حصوله

____________

يستند الى من له العقد- و هو المالك من حين الإجازة لا قبلها- فلو كانت العبرة بالقدرة حال البيع لما كانت معتبرة في بيع الفضولى حال البيع لعدم تحقق بيع المالك قبل الاجازة.

(1) و ربما يشكل على الكشف من حيث انه لازم من طرف الأصيل.

و الظاهر ان منشأ الإشكال انه على القول بالكشف إذا كان احد الطرفين اصيلا، بما ان تمام الموضوع لوجوب الوفاء و المؤثر في الملكية هو العقد، فهو من حين البيع الى ما قبل الإجازة محروم عن التصرف في ما انتقل عنه، و ما انتقل إليه. اما في الأول فلخروجه عن ملكه، و أما في الثانى فلأنه لا يجب على مالكه التسليم فلا يقدر هو على تحصيله، فيلزم من ذلك الغرر.

و فيه: ان منشأ الإشكال ان كان حرمانه عن التصرف فيما انتقل إليه فهو يتحقق في الفضولى من الجانبين، و ان كان حرمانه عن التصرف فيما انتقل عنه، فهو لا دخل له بالقدرة على التسليم و التسلم، كما لا دخل له بالغرر.

(2) رابعها: بيع الرهن قبل اجازة المرتهن أو فكه.

هذا التفريع حسن من جهة ان المشترى لا يستحق التسليم قبل اجازة المرتهن على القول بتوقف نفوذه عليها، فلا تعتبر قدرته قبل الإجازة و انما العبرة بالقدرة بعدها،

و ان كان العقد منتسبا الى المالك من حين حدوثه.

(3) خامسها: ما لو لم يقدر على تسليم ثمن السلم.

24

فإن الشروط المتأخرة لا يجب احرازها حال العقد و لا العلم بتحققها فيما بعد.

و الحاصل ان تعذر التسليم مانع في بيع يكون التسليم من احكامه لا من شروط تأثيره و السر فيه ان التسليم فيه جزء الناقل فلا يلزم غرر من تعلقه بغير المقدور.

و بعبارة اخرى الاعتبار بالقدرة على التسليم بعد تمام الناقل و لهذا لا يقدح كونه عاجزا قبل القبول إذا علم بتجدد القدرة بعده و المفروض أن المبيع بعد تحقق الجزء الاخير من الناقل و هو القبض حاصل في يد المشترى فالقبض مثل الاجازة بناء على النقل و اولى منها بناء على الكشف. و كذلك الكلام في عقد الرهن فإن اشتراط القدرة على التسليم فيه بناء على اشتراط القبض انما هو من حيث اشتراط القبض فلا يجب احرازه حين الرهن و لا العلم بتحققه بعده فلو رهن ما يتعذر تسليمه. ثمّ اتفق حصوله في يد المرتهن اثر العقد اثره و سيجي‌ء الكلام في باب الرهن. اللهم الا ان يقال ان المنفى في النبوي هو كل معاملة يكون بحسب العرف غررا. فالبيع المشروط فيه القبض كالصرف و السلم إذا وقع على عوض مجهول قبل القبض أو غير مقدور غرر عرفا لأن اشتراط القبض في نقل العوضين شرعى لا عرفي فيصدق الغرر و الخطر عرفا، و ان لم يتحقق شرعا إذ قبل التسليم لا انتقال و بعده لا خطر لكن النهى و الفساد يتبعان بيع الغرر عرفا. (1)

____________

محصل ما افاده في هذا الفرع: انه في بيع السلم بما ان القبض جزء السبب الناقل.

فقبل تسليم المشترى الثمن لا يكون السبب متحققا، فالعجز عن التسليم لا يقدح في الصحة، فلو اتفق حصوله صح البيع.

و بعبارة اخرى: قبل ان يقبض الثمن لا يستحق البائع التسليم لأنه جزء المملك،

و بعده التسليم متحقق.

(1) و اورد عليه: بانه قبل القبض البيع العرفى موجود، و البائع بنظرهم يستحق التسليم، فالعجز عنه موجب لكون البيع غرريا عندهم فيشمله نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر، فان الموضوع فيه البيع الغررى العرفى.

25

و من هنا يمكن الحكم بفساد بيع غير المالك إذا باع لنفسه لاعن المالك ما لا يقدر على تسليمه. اللهم الا ان يمنع الغرر العرفى بعد الاطلاع على كون اثر المعاملة شرعا على وجه لا يلزم منه خطر، فإن العرف إذا اطلعوا على انعتاق القريب بمجرد شرائه لم يحكموا بالخطر اصلا، و هكذا فالمناط صدق الغرر عرفا بعد ملاحظة الآثار الشرعية للمعاملة، (1) فتأمل.

ثمّ ان الخلاف في اصل المسألة لم يظهر الا من الفاضل القطيفى (2) المعاصر

للمحقق الثانى.

____________

(1) و اجاب عنه المصنف (قدس سره): بان اهل العرف بعد اطلاعهم على عدم ترتب الأثر شرعا قبل القبض لا يرونه غرريا في الفرض.

و يمكن الجواب بوجه آخر، و هو: ان دليل اعتبار القبض يكون حاكما على دليل مانعية الغرر، و يدل على انه لا غرر في الفرض.

و أما ما افاده المحقق الإيروانى في الجواب عن ذلك: بان ظاهر النبوي ان البيع الذى لو لا الغرر كان صحيحا مؤثرا هو الذى نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عنه إذا كان غرريا،

و البيع في الفرض قبل القبض لا يكون صحيحا، فالغرر فيه لا يكون مانعا.

فيرد عليه: ان دليل كل مانع انما يكون متكفلا لبيان مانعية ذلك الشي‌ء خاصة، و لا نظر له الى سائر الموانع و الشرائط، و لذا لو فرض اقتران العمل بمانعين لا سبيل الى دعوى عدم مانعية شي‌ء منهما، مع ان مقتضى البرهان المزبور ذلك، فان دليل كل منهما مقيد على الفرض بعدم اقتران العمل بمانع آخر، و المفروض اقترانه به. فالحق ما ذكرناه.

(2) التنبيه الثالث: قال ان الخلاف في اصل المسألة لم يظهر الا عن الفاضل القطيفى:

و لكن الظاهر من كلامه انه لا ينكر اعتبار القدرة على التسليم في الجملة، غاية الأمر انه يلتزم باعتبار امر في خصوص مورد الجهل و عدم الرضا.

و عليه فلا تنافى بين كلمات المصنف (قدس سره) حيث نفى الخلاف في اول المسألة، و هنا نقل الخلاف عن الفاضل القطيفى.

26

حيث حكى عنه انه قال في ايضاح النافع ان القدرة على التسليم من مصالح المشترى فقط لا انها شرط في اصل صحة البيع فلو قدر على التسلم صح البيع و ان لم يكن البائع قادرا عليه بل لو رضى بالابتياع مع علمه بعدم تمكن البائع من التسليم جاز و ينتقل إليه و لا يرجع على البائع لعدم القدرة إذا كان البيع على ذلك مع العلم فيصح بيع المغصوب و نحوه (1)

نعم إذا لم يكن المبيع من شأنه ان يقبض عرفا لم يصح المعاوضة عليه بالبيع،

لأنه في معنى اكل مال بالباطل و ربما احتمل امكان المصالحة عليه.

و من هنا يعلم ان قوله يعنى المحقق في النافع لو باع الآبق منفردا لم يصح انما هو مع عدم رضا المشترى أو مع عدم علمه أو كونه بحيث لا يتمكن منه عرفا و لو اراد غير ذلك فهو غير مسلم انتهى.

و فيه ما عرفت من الاجماع و لزوم الغرر الغير المندفع بعلم المشترى لأن الشارع نهى عن الاقدام عليه الا ان يجعل الغرر هنا بمعنى الخديعة (2) فيبطل في موضع تحققه و هو عند جهل المشترى و فيه ما فيه.

____________

(1) و الظاهر ان المصنف (قدس سره) فهم من كلام الفاضل القطيفى انه يلتزم باشتراط الصحة بامر لا يجامع العلم و الرضا كعنوان الخدعة.

و بعبارة اخرى انه يعتبر في صحة المعاملة القدرة على التسليم ما لم يعلم المشترى عدم قدرة البائع على التسليم، و الا فلو علم بذلك و رضى به فلا يعتبر القدرة على التسليم.

(2) و لذا اورد عليه بان الغرر انما هو في النبوي بمعنى الخطر لا الخدعة و لكن يحتمل ان يكون مراده ان القدرة انما تعتبر من ناحية حق تسلم المبيع للمشترى، فإذا علم بعدم القدرة و اقدم على المعاملة راضيا بها فقد اسقط حقه.

و الجواب عنه: ان الشارع اعتبر القدرة و كون ذلك من قبيل الحق القابل للاسقاط،

غير ثابت، و الأصل يقتضى عدمه.

27

ثمّ ان الظاهر كما اعترف به بعض الاساطين ان القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط الا بالتبع و انما المقصد الاصلى هو التسلم (1) و من هنا لو كان المشترى قادرا دون البائع كفى في الصحة كما عن الاسكافى و العلامة و كاشف الرموز و الشهيدين و المحقق الثانى و عن ظاهر الانتصار ان صحة بيع الآبق على من يقدر على تسلمه مما انفردت به الامامية و هو المتجه لأن ظاهر معاقد الاجماع بضميمة التتبع في كلماتهم و استدلالاتهم بالغرر و غيره مختص بغير ذلك و منه يعلم ايضا انه لو لم يقدر احدهما على التحصيل لكن يوثق بحصوله في يد احدهما عند استحقاق المشترى للتسليم كما لو اعتاد الطائر العود صح (2) وفاقا للفاضلين و الشهيدين و المحقق الثانى و غيرهم.

نعم عن نهاية الاحكام احتمال العدم بسبب انتفاء القدرة في الحال على التسليم و ان عود الطائر غير موثوق به، إذ ليس له عقل باعث، و فيه ان العادة باعثة كالعقل

____________

(1) الرابع: الظاهر ان القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط الا بالتبع و انما المقصد الأصلى هو التسلم كما صرح به العلامة و غيره، و ذلك لأن المستند لاعتبار هذا القيد إن كان نهى النبي عن الغرر، أو لزوم السفاهة مع عدمه، أو كونه اكلا للمال بالباطل فواضح: إذ لا غرر و لا سفاهة و لا أكل للمال بالباطل مع تمكن المشترى من التسلم.

و ان كان لاتبع ما ليس عندك فالوجه فيه: ان الظاهر بقرينة المناسبة بين الحكم و الموضوع كون القدرة على التسليم انما تعتبر من جهة الطريقة الى وصول المال الى صاحبه، و لا موضوعية لها، نعم إذا كان التسلم متوقفا على بذل المال، للمشترى الرجوع الى البائع فيه، لأن ذلك وظيفته.

(2) قوله لو لم يقدر احدهما على التحصيل لكن يوثق بحصوله. ...

مرجع الضمير هو ما استدل به على كفاية القدرة على التسليم و هو عدم لزوم الغرر و عدم شمول غيره من الادلة الدالة على المنع لتلك الصورة- فان مقتضاها كفاية الوثوق بحصوله في يد احدهما، لا- كون المناط قدرة المشترى على التسلم‌

28

مع ان الكلام على تقدير الوثوق و لو لم يقدرا على التحصيل و تعذر عليهما الا بعد مدة مقدرة عادة، و كانت مما لا يتسامح فيه كسنة أو ازيد. (1) ففى بطلان البيع لظاهر الاجماعات المحكية و لثبوت الغرر أو صحته، لأن ظاهر معقد الاجماع التعذر رأسا. و لذا حكم مدعيه بالصحة هنا، و الغرر منفى مع العلم بوجوب الصبر عليه الى انقضاء مدة، كما إذا اشترط تأخير التسليم مدة وجهان بل قولان، تردد فيهما في الشرائع، ثمّ قوى الصحة و تبعه في محكى السرائر و المسالك و الكفاية و غيرها.

نعم للمشترى الخيار مع جهله بفوات منفعة الملك عليه مدة، و لو كان مدة التعذر غير مضبوطة عادة كالعبد المنفذ الى هند لأجل حاجة لا يعلم زمان قضائها،

ففى الصحة اشكال من حكمهم بعدم جواز بيع مسكن المطلقة المعتدة بالاقراء لجهالة وقت تسليم العين. و قد تقدم بعض الكلام فيه في بيع الواقف للوقف المنقطع،

____________

فلا يرد عليه ما ذكره المحقق الايروانى (قدس سره) بان مسألة كفاية الوثوق بالحصول اجنبية عن المسألة السابقة فكيف يعلم منها هذه.

(1) التنبيه الخامس: و لو لم يقدر على التحصيل و تعذر عليهما الا بعد مدة فان كان التعذر ابديا بطل البيع لما تقدم، و ان كان في مدة يتسامح فيها صح.

و ان كان في مدة لا يتسامح فيها كسنة أو ازيد.

فان كان مدرك اعتبار هذا الشرط النبوي: نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر.

فالأظهر هى الصحة لما تقدم من انه في صورة العلم بالعجز لا يصدق الغرر، و انما التزمنا بالبطلان في صورة العلم بالعجز الى الأبد للاولوية غير الجارية في الفرض.

كما انه لا تكون هذه المعاملة سفهية و لا أكلا للمال بالباطل.

و ان كان المدرك النبوي: لاتبع ما ليس عندك. تعين البناء على البطلان من جهة عدم القدرة الا مع شرط تأخير التسليم الى ذلك الزمان، فانه حينئذ يكون قادرا حين الاستحقاق، و قد مر كفاية ذلك.

29

ثمّ ان الشرط هى المقدرة المعلومة للمتبايعين، (1) لان الغرر لا يندفع بمجرد القدرة الواقعية.

و لو باع ما يعتقد التمكن فتبين عجزه في زمان البيع و تجددها بعد ذلك صح،

و لو لم يتجدد بطل. و المعتبر هو الوثوق، فلا يكفى مطلق الظن و لا يعتبر اليقين.

____________

و بذلك ظهر أن المصنف (قدس سره) يتعين عليه البناء على البطلان، لأنه قده سلم دلالة هذا النبوي على اعتبار هذا الأمر، كما انه ظهر أن الأظهر هى الصحة على المختار.

و ان كان زمان التعذر غير معلوم بطل البيع للغرر.

(1) السادس: هل الشرط هى القدرة المعلومة للمتبايعين، أو القدرة الواقعية.

ملخص القول في المقام: انه لا إشكال في البطلان إذا لم يكن قادرا واقعا و كانا عالمين بذلك، كما لا إشكال في الصحة إذا كانا عالمين بالقدرة و كان قادرا واقعا.

انما الكلام فيما إذا كانا عالمين بالقدرة و لم يكن كذلك، أو كانا جاهلين بها و كانت متحققة.

فلو كان الدليل لاعتبار هذا الشرط نهى النبي عن بيع الغرر تعين البناء على الصحة في الصورة الأولى، و البطلان في الثانية، من جهة ان الغرر قوامه بالجهل. ففى الأولى لم يقدم البائع على المعاملة الخطرية بخلاف الثانية.

و ان كان المدرك لاتبع ما ليس عندك انعكس الأمر كما لا يخفى، و حيث انهما معا عند المصنف (قدس سره) مدرك ذلك تعين عليه البناء على البطلان في الصورتين.

فما افاده من البطلان في الصورة الثانية لو تبين العجز، تام و لا يرد عليه ما افاده المحقق الأصفهانى (قدس سره)، نعم ما ذكره من الصحة في تلك الصورة لو تجددت القدرة لا يتم، إذ المعاملة بعد وقوعها باطلة لا تصح بالتجدد.

و دعوى ان مدرك البطلان في تلك الصورة لاتبع ما ليس عندك و هو انما يدل على عدم الصحة ما دام ليس عنده، فلو تجددت و صار مما عنده لا وجه للبطلان.

مندفعة بان المصنف و ان احتمل ذلك، لكنه لم يبن عليه كما يظهر من الفروع التى رتبها على ان القدرة المعتبرة هى القدرة حال الاستحقاق.

30

ثمّ لا إشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكا لاما إذا وكيلا في مجرد العقد، (1) فإنه لا عبرة بقدرته كما لا عبرة بعلمه. و أما لو كان وكيلا في البيع و لوازمه، بحيث يعد الموكل اجنبيا عن هذه المعاملة، فلا اشكال في كفاية قدرته،

و هل يكفى قدرة الموكل الظاهر. نعم (2) مع علم المشترى بذلك إذا علم بعجز العاقد فإن اعتقد قدرته لم يشترط علمه بذلك، و ربما قيد الحكم بالكفاية بما إذا رضى المشترى بتسليم الموكل و رضى المالك برجوع المشترى عليه (3)

____________

حكم ما لو كان الوكيل عاجزا و الموكل قادرا

(1) التنبيه السابع: قال المصنف: ثمّ لا إشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكا لاما إذا كان وكيلا.

لو كان المالك هو العاقد بالمباشرة لا إشكال في اعتبار قدرة نفسه.

و لو كان العاقد غيره.

فان كان وكيلا في اجراء الصيغة خاصة فلا اشكال في ان العبرة بقدرة الموكل و لا اعتبار بقدرته، لأنه ليس ملزما بالتسليم، و يكون كالأجنبى، نعم لو علم بقدرته و اعمال قدرته يكتفى بها لا من حيث انها قدرة من يعتبر قدرته بل من حيث الوثوق بحصول المال في يد المشترى الذى عرفت كفايته.

و أما لو كان وكيلا مفوضا في البيع و لوازمه، فلا اشكال في الاكتفاء بقدرة الوكيل من جهة انه ملزم بالتسليم و مأمور بالوفاء بالعقد، و المناط في رفع الغرر قدرة من هو ملزم بالتسليم و مأمور بالوفاء بالعقد.

انما الكلام في ما لو كان عاجزا و كان الموكل قادرا، فيه اقوال:

(2) الأول: ما عن المصنف قس سره و تبعه غيره، و هو الاكتفاء بذلك.

الثانى: ما افاده المحقق الأصفهانى (قدس سره)، و هو: عدم كفاية قدرته من حيث انها قدرة من ينسب إليه العقد.

(3) الثالث: ما اختاره العلامة الطباطبائى صاحب المصابيح، و هو: الكفاية مع رضا‌

31

و فرع على ذلك رجحان الحكم بالبطلان في الفضولى (1) لان التسليم المعتبر من العاقد غير ممكن قبل الاجازة و قدرة المالك انما تؤثر لو بنى العقد عليها و حصل التراضى بها حال البيع، لأن بيع المأذون لا يكفى فيه قدرة الآذن مطلقا، بل مع الشرط المذكور و هو غير متحقق في الفضولى و البناء على القدرة الواقعية باطل، إذ الشرط هى القدرة المعلومة دون الواقعية إلى ان قال، و الحاصل ان القدرة قبل الإجازة لم توجد و بعدها ان وجدت لم تنفع.

____________

المشترى بالرجوع الى الموكل، و رضا الموكل برجوع المشترى إليه.

و الأظهر هو الأول، لأن المناط هو ما يرتفع به الغرر، و هو يرتفع بقدرة من هو ملزم بالتسليم، و في الفرض كل من المالك و الوكيل ملزم به، فيكفى قدرة كل منهما في رفع الغرر.

و استدل للثانى: بان الوكيل الذى يستند إليه العقد ليس بقادر، و الموكل انما يجب عليه الوفاء بالعقد الصحيح المنسوب إليه، فلا بد من استجماع البيع الصادر من الوكيل،

و حيث فرضنا انه غير قادر فيبطل البيع.

و فيه: ان كلا منهما مكلف بالوفاء بالعقد الصحيح، و هذا مما لا كلام فيه، و العقد الصادر من الوكيل إذا كان الموكل قادرا على التسليم صحيح لعدم الغرر و ارتفاعه بقدرته.

و بعبارة اخرى: مع قطع النظر عن نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر، هذه المعاملة صحيحة و مستندة الى كل منهما، فكل منهما موظف بالوفاء بها، و لا يلزم منه الغرر لقدرة الموكل على التسليم.

و استدل للثالث: بان الموكل و ان كان اجنبيا عن البيع- و لذا لا يكفى قدرته فقط- لكنه مع التراضى و التزام الموكل لا غرر في البيع و ان كان الوكيل عاجزا.

(1) و فرع على ذلك بطلان بيع الفضولى، فان قدرة العاقد لا تكفى لعدم الوكالة و لا تراضى و لا التزام بين المشترى و المالك كى تكفى قدرته.

32

ثمّ قال: لا يقال انه قد يحصل الوثوق للفضولى بارضاء المالك، و انه لا يخرج عن رأيه فيتحقق له بذلك القدرة على التسليم حال العقد، (1) لأن هذا الفرض يخرج الفضولى عن كونه فضوليا لمصاحبة الاذن للبيع، غاية الامر حصوله بالفحوى و شاهد الحال، (2) و هما من انواع الاذن، فلا تكون فضوليا و لا يتوقف صحته على الاجازة و لو سلمنا بقائه على الصفة، فمعلوم ان القائلين بصحة الفضولى لا يقصرون الحكم على هذا الفرض، (3) و فيما ذكره من مبنى مسألة الفضولى ثمّ في تفريع الفضولى ثمّ في الاعتراض الذى ذكره ثمّ في الجواب عنه اولا و ثانيا تأمل، بل نظر (4) فتدبر ..

____________

(1) ثمّ اورد على هذا التفريع: بانه ربما يحصل للفضولى الوثوق بارضاء المالك فتتحقق له بذلك القدرة على التسليم حال العقد للقدرة على الإجازة المحققة لقدرته على التسليم، و القدرة على السبب قدرة على المسبب.

و اجاب عنه بوجهين:

(2) الأول: انه تخرج المعاملة بذلك عن الفضولية لمصاحبة الإذن البيع، غاية الأمر حصوله بالفحوى و شاهد الحال ..

(3) الثانى: ان صحة بيع الفضولى في هذه الصورة خاصة لم يلتزم بها احد ..

(4) و المصنف (قدس سره) بعد نقله ذلك قال: و فيما ذكره من مبنى مسألة الفضولى ثمّ في تفريع الفضولى ثمّ في الاعتراض الذى ذكره ثمّ في الجواب عنه اولا و ثانيا تأمل بل نظر.

اما وجه النظر في المبنى، فهو ما عرفت من ان الموكل ليس اجنبيا عن العقد و ملزم بالتسليم، و العلم بقدرته يكفى في ارتفاع الغرر، و الا فمجرد التراضى لا يوجب رفع الغرر.

و أما وجه النظر في تفريع الفضولى، فهو: ان الفضولى اجنبي عن العقد، و لا يكون العقد تاما و منتسبا الى مالكه الا بعد الإجازة، و لذا بنينا على كفاية القدرة حال الإجازة،

و عدم اعتبار القدرة حال البيع.

و أما وجه النظر في الاعتراض، فهو: ان قدرة العاقد لا اعتبار بها لعدم كونه مخاطبا بلزوم التسليم.

33

مسألة: لا يجوز بيع الآبق منفردا على المشهور بين علمائنا كما في التذكرة،

بل (1) إجماعا كما عن الخلاف و الغنية و الرياض، و بلا خلاف كما عن كشف الرموز لأنه مع اليأس عن الظفر بمنزلة التالف و مع احتماله بيع غرر منفى اجماعا نصا و فتوى،

خلافا لما حكاه في التذكرة عن بعض علمائنا، و لعله الاسكافى حيث ان المحكى عنه انه لا يجوز ان يشترى الآبق وحده، الا إذا كان بحيث يقدر عليه المشترى أو يضمنه البائع انتهى.

و قد تقدم عن الفاضل القطيفى في ايضاح النافع منع اشتراط القدرة على التسليم.

و قد عرفت ضعفه لكن يمكن ان يقال بالصحة في خصوص الآبق لحصول الانتفاع به بالعتق، خصوصا مع تقييد الاسكافى بصورة ضمان البائع، فإنه يندفع به الغرر عرفا، لكن سيأتى ما فيه، فالعمدة الانتفاع بعتقه، و له وجه لو لا النص الآتى و الاجماعات المتقدمة، مع ان قابلية المبيع لبعض الانتفاعات لا يخرجه عن الغرر،

و كما لا يجوز جعله مثمنا

____________

و أما وجه النظر في الجواب الأول، فهو: عدم خروج المعاملة عن الفضولية بالوثوق بارضاء المالك مع عدم كونه راضيا بالفعل.

و أما وجه النظر في الجواب الثانى: فلم يظهر لى، لأن القائلين بصحة بيع الفضولى لم يقتصروا على هذه الصورة.

عدم الحاق الصلح بالبيع

(1) التنبيه الثامن: و حيث عرفت اشتراط القدرة على التسليم في صحة البيع فاعلم: انه لا يجوز بيع الآبق منفردا ان كان انه لو ضم إليه غيره صح بلا خلاف فيهما.

و لا يهمنا البحث في ذلك لعدم الموضوع، و انما نتعرض لخصوص هذه المسألة لما في ذيل هذه من المسائل التى تعرض لها المصنف (قدس سره)، و سائر الأساطين، و ان لم تكن مربوطة ببيع الآبق بل هى من تذييلات و فروع المسألة المتقدمة.

و هى مسائل.

34

لا يجوز جعله منفردا ثمنا لاشتراكهما في الأدلة. (1) و قد تردد في اللمعة في جعله ثمنا بعد الجزم بمنع جعله مثمنا، و ان قرب اخيرا المنع منفردا، و لعل الوجه الاستناد في المنع عن جعله مثمنا الى النص و الاجماع الممكن دعوى اختصاصهما بالمثمن دون نفى الغرر الممكن منعه بجواز الانتفاع به في العتق، و يؤيده حكمه بجواز بيع الضال و المجحود مع خفاء الفرق بينهما و بين الآبق في عدم القدرة على التسليم،

و نظير ذلك ما في التذكرة حيث ادعى اولا الاجماع على اشتراط القدرة على التسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غرر.

ثمّ قال و المشهور بين علمائنا المنع من بيع الآبق منفردا، الى ان قال: و قال بعض علمائنا بالجواز و حكاه عن بعض العامة ايضا، ثمّ ذكر الضال و لم يحتمل فيه إلا جواز البيع منفردا أو اشتراطه الضميمة، فإن التنافى بين هذه الفقرات الثلاث ظاهر،

و التوجيه يحتاج إلى تأمل ..

____________

(1) الاولى: انه يختص اعتبار القدرة على التسليم بالمثمن، بل هو يعتبر في الثمن ايضا لاشتراك الأدلة بينهما، فكما انه من عدم احراز القدرة على تسليم المثمن يلزم الغرر،

كذلك يلزم الغرر من عدم احراز القدرة على تسليم الثمن.

الثانية: في الحاق سائر المعاملات بالبيع.

و الكلام تارة: في غير الصلح.

و اخرى: فيه.

اما في غير الصلح: فالأظهر اعتبارها لوجهين:

احدهما: ان المستفاد من نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر بمناسبة الحكم و الموضوع ان الموجب للبطلان هو الغرر من حيث انه غرر بلا خصوصية للبيع.

ثانيهما: ما ارسل عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه نهى عن الغرر، (1) المنجبر ضعفه بعمل الأصحاب لاستدلالهم في جميع المعاوضات كالإجارة و المزارعة و المساقاة و الجعالة و غيرها، بل في غير المعاوضات كالوكالة بذلك.

____________

(1) التذكرة ج 1 ص 466- مسألة بيع الطير في الهواء- و نحوه عن الشهيد- و سبقهما الشيخ في الخلاف.

35

و كيف كان فهل يلحق بالبيع الصلح عما يتعذر تسليمه. فيعتبر فيه القدرة على التسليم (1) وجهان، بل قولان من عمومات الصلح و ما علم من التوسع فيه لجهالة المصالح عنه إذا تعذر أو تعسر معرفته. بل مطلقا (2) و اختصاص الغرر المنفى بالبيع،

و من ان الدائر على ألسنة الأصحاب نفى الغرر من غير اختصاص بالبيع حتى انهم يستدلون به في غير المعاوضات كالوكالة فضلا عن المعاوضات، كالاجارة و المزارعة و المساقاة و الجعالة. بل قد يرسل في كلماتهم عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه نهى عن الغرر.

و قد رجح بعض الاساطين جريان الاشتراط فيما لم يبن على المسامحة من الصلح، و ظاهر المسالك في مسألة رهن ما لا يقدر على تسليمه على القول بعدم اشتراط القبض في الرهن جواز الصلح عليه ..

____________

(1) و أما في الصلح: فالأظهر عدم اعتبارها و ذلك لوجهين:

الأول: ان دليل الغرر انما يكون حاكما على ادلة المعاملات التى لها صنفان غررى و غير غررى ..

(2) و أما الصلح الذى ليس له صنفان- بل هو بطبعه مبنى على المسامحة و المسالمة و التجاوز من جهة ان الغرض فيه ليس متقوما بالمبادلة و المقابلة- فلا يكون دليل الغرر حاكما عليه، بل هو حاكم على دليل الغرر.

الثانى: صحيح محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام): انه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدرى كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لى ما عندى، فقال (عليه السلام): لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت انفسهما (1)

فانه يدل على عدم مانعية الجهالة المحققة للغرر، و هو و ان لم يصرح فيه بارادة الصلح من تلك المعاهدة، الا انه محمول عليه بقرينة فهم الأصحاب.

____________

(1) الوسائل،- باب 5- من ابواب احكام الصلح حديث 1.

36

و أما الضال و المجحود و المغصوب و نحوها مما لا يقدر على تسليمه فالأقوى فيها عدم الجواز (1) وفاقا لجماعة للغرر المنفى المعتضد بالاجماع المدعى على اشتراط القدرة على التسليم، الا ان يوهن بتردد مدعيه، كالعلامة في التذكرة في صحة بيع الضال منفردا و يمنع الغرر خصوصا فيما يراد عتقه بكون المبيع قبل القبض مضمونا على البائع.

و أما فوات منفعته مدة رجاء الظفر به، فهو ضرر قد اقدم عليه، و جهالته غير مضرة مع امكان العلم بتلك المدة، (2) كضالة يعلم انها لو لم توجد بعد ثلاثة ايام فلن توجد بعد ذلك و كذا في المغصوب و المنهوب.

و الحاصل انه لا غرر عرفا بعد فرض كون اليأس عنه في حكم التلف المقتضى لانفساخ البيع من اصله، و فرض عدم تسلط البائع على مطالبته بالثمن، لعدم تسليم المثمن، فإنه لا خطر حينئذ في البيع خصوصا مع العلم بمدة الرجاء التى يفوت الانتفاع بالمبيع فيها هذا

____________

بيع الضال و المجحود و المغصوب

(1) الثالثة: ان مقتضى نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر، عدم جواز بيع الضال و المجحود و المغصوب كما افتى به جماعة. و بعبارة اخرى: مقتضاه عدم الفرق بين المتعذر بنفسه، و ما تعذر بواسطة الغير و عن جماعة: الجواز،

و استدل له بوجوه:

احدها: انه بالفحص عنه اما ان يحصل في يده أو ييأس منه. فان حصل، و الا فهو في حكم التلف الموجب لانفساخ العقد من اصله الموجب لرجوع الثمن الى صاحبه، فهذا البيع مامون العاقبة من الخطر ..

(2) و أما فوات المنفعة مدة رجاء الظفر به فهو ضرر قد اقدم عليه، و جهالته غير مضرة خصوصا مع العلم بمدة الرجاء التى يفوت الانتفاع بالمبيع فيها.

و فيه: اولا: انه مع عدم الحصول لا يحرز اليأس دائما، بل ربما يرجى حصوله.

37

و لكن يدفع جميع ما ذكر ان المنفى في حديث الغرر كما تقدم، هو ما كان غررا في نفسه عرفا، مع قطع النظر عن الاحكام الشرعية الثابتة للبيع، و لذا قوينا فيما سلف جريان نفى الغرر في البيع المشروط تأثيره شرعا بالتسليم.

و من المعلوم ان بيع الضال و شبهه، ليس محكوما عليه في العرف بكونه في ضمان البائع، بل يحكمون بعد ملاحظة اقدام المشترى على شرائه بكون تلفه منه،

فالانفساخ بالتلف حكم شرعى عارض للبيع الصحيح الذى ليس في نفسه غررا عرفا و مما ذكر يظهر انه لا يجدى في رفع الغرر الحكم بصحة البيع مراعى بالتسليم،

فإن تسلم قبل مدة لا يفوت الانتفاع المعتد به و الا تخير بين الفسخ و الامضاء، كما استقر به في اللمعة، (1) فإن ثبوت الخيار حكم شرعى عارض للبيع الصحيح الذى فرض فيه العجز عن تسلم المبيع،

____________

و ثانيا: ان كون ذلك بمنزلة التلف الموجب لانفساخ العقد غير ثابت.

و ثالثا: ان الحكم بالانفساخ مرتب على العقد الصحيح، فلا يمكن تصحيح العقد به.

و رابعا: ان الخطر من حيث الغرض المعاملى على حاله لا يرتفع بالانفساخ.

(1) ثانيها: انه مع تعذر تسليمه له خيار التعذر، فالصحة تكون مراعاة بالتسليم،

فان تسلم قبل مدة لا يفوت الانتفاع المعتد به فيها و الا تخير بين الفسخ و الإمضاء فلا غرر.

و فيه: اولا: ان الخيار مرتب على العقد الصحيح، فلا يعقل تصحيح العقد به.

و ثانيا: ان الغرر من ناحية الغرض المعاملى لا يرتفع بذلك.

ثالثها ان له الامتناع من تسليم الثمن مع امتناع البائع من تسليم المبيع فلا خطر و فيه مضافا الى ما تقدم- ان الامتناع من تسليم الثمن مع عدم كونه مالكا له لا يوجب تدارك ما ذهب من ملكه- فالاظهر هو فساد بيعه.

38

فلا يندفع به الغرر الثابت عرفا في البيع المبطل له، لكن قد مرت المناقشة في ذلك بمنع اطلاق الغرر على مثل هذا بعد اطلاعهم على الحكم الشرعى اللاحق للمبيع من ضمانه قبل القبض و من عدم التسلط على مطالبته الثمن، فافهم.

و لو فرض أخذ المتبايعين لهذا الخيار في متن العقد، فباعه على ان يكون له الخيار إذا لم يحصل المبيع في يده الى ثلاثة ايام، امكن جوازه لعدم الغرر حينئذ عرفا، (1) و لذا لا يعد بيع العين الغير المرئية الموصوفة بالصفات المعينة من بيع الغرر، لأن ذكر الوصف بمنزلة اشتراطه فيه الموجب للتسلط على الرد، و لعله لهذا اختار في محكى المختلف تبعا للإسكافي جواز بيع الآبق إذا ضمنه البائع، فإن الظاهر منه اشتراط ضمانه، و عن حاشية الشهيد ظهور الميل إليه، و ان كان قد يرد على هذا عدم اندفاع الغرر باشتراط الضمان، فتأمل.

____________

(1) رابعها: ان له شرط الخيال برد الثمن أو مثله إذا لم يحصل المبيع في يده الى ثلاثة ايام.

و فيه: اولا: ان نفوذ الشرط منوط بوقوعه في العقد الصحيح، فلا يصحح العقد به.

و ثانيا: ان الغرر الناشئ من حيث الغرض المعاملى لا يرتفع بذلك.

الرابعة المشهور بين الاصحاب انه كما لا يجوز بيع غير المقدور منفردا لا يجوز بيعه منضما بغيره و عن ظاهر الانتصار جوازه.

و يشهد للاول ان بيع المجموع من مقدور التسليم و غيره في صفقة واحدة غررى،

و ما عن الانتصار من ارتفاع الغرر بذلك ضعيف.

و اضعف منه الاستدلال بالنص الوارد في بيع العبد الآبق الدال على جوازه مع الضميمة إذ المناط غير محرز و التعدى يحتاج الى دليل.

39

مسألة: المعروف انه يشترط العلم بالثمن قدرا، (1)

فلو باع بحكم احدهما بطل (2) اجماعا كما عن المختلف و التذكرة، و اتفاقا كما عن الروضة و حاشية الفقيه للسلطان، و في السرائر في مسألة البيع بحكم المشترى ابطاله بأن كل مبيع لم يذكر فيه الثمن. فإنه باطل بلا خلاف بين المسلمين، و الأصل في ذلك حديث نفى الغرر المشهور بين المسلمين.

و يؤيده التعليل (3) في رواية حماد بن ميسرة عن جعفر عن ابيه (عليه السلام) انه كره ان يشترى الثوب بدينار غير درهم، لأنه لا يدرى كم الدينار من الدرهم.

____________

اعتبار العلم بقدر الثمن

(1) قوله المعروف انه يشترط العلم بالثمن قدرا لم يخالف في هذه الكلية احد و قد تكرر في كلماتهم دعوى الاجماع و الاتفاق عليها.

(2) و صاحب الحدائق خالف الاصحاب في خصوص ما إذا باع بحكم المشترى للنص.

و الاسكافى خالفهم في ما إذا باع بسعر ما باع:

و المدرك لها حديث نفى الغرر المتقدم و في المتن.

(3) و يؤيده التعليل في رواية حماد (1)

و في مرآة العقول ان الخبر يحتمل وجهين، احدهما ان يكون المراد عدم معلومية نسبة الدرهم الى الدينار وقت البيع و ان كان آئلا الى المعلومية و ثانيهما، ان يكون المراد جهالتهما بسبب اختلاف الدراهم أو باختلاف الدنانير و عدم معلوميتها عند البيع أو عند وجوب اداء الثمن و لعل هذا اظهر يعنى الوجه الثانى.

ثمّ نقل عن المسالك انه يجب تقييد الخبر بجهالة نسبة الدرهم من الدينار بان جعله مما يتجدد من النقل حالا أو مؤجلا أو من الحاضر مع عدم علمها بالنسبة فلو علماها صح و في رواية السكونى (2) اشارة الى ان العلة هى الجهالة، و فيها فلعل الدينار يصير بدرهم‌

____________

(1) الوسائل باب 23 من ابواب احكام العقود حديث 4.

(2) نفس المصدر حديث 2.

40

لكن في صحيحة رفاعة النخاس ما ظاهره المنافاة، قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) فقلت له: ساومت رجلا بجارية له فباعنيها بحكمى فقبضتها منه، ثمّ بعثت إليه بالف درهم فقلت له: هذه الف درهم حكمى عليك ان تقبلها، فأبى ان يقبلها منى و قد كنت مسستها قبل ان ابعث إليه بالف درهم، فقال: ارى ان تقوم الجارية بقيمة عادلة، فإن كان قيمتها اكثر مما بعثتها إليه كان عليك ان ترد ما نقص من القيمة، و ان كان قيمتها اقل مما بعثت إليه فهو له قال: قلت له أ رأيت ان اصبت بها عيبا بعد ان مسستها، قال:

ليس عليك ان تردها عليه و لك ان تأخذ قيمة ما بين الصحة و العيب، لكن التأويل فيها متعين (1) لمنافاة ظاهرها لصحة البيع، و فساده فلا يتوهم جواز التمسك بها لصحة هذا البيع، إذ لو كان صحيحا لم يكن معنى لوجوب قيمة مثلها بعد تحقق البيع بثمن خاص.

نعم هى محتاجة الى ازيد من هذا التأويل بناء على القول بالفساد بأن يراد من قوله باعنيها بحكمى قطع المساومة على ان اقومها على نفسى بقيمتها العادلة في نظرى حيث ان رفاعة كان نخاسا يبيع و يشترى الرقيق فقومها رفاعة على نفسه بألف درهم. اما معاطاة و أما مع انشاء الايجاب وكالة و القبول اصالة، فلما مسها و بعث الدراهم لم يقبلها المالك لظهور غبن له في البيع و ان رفاعة مخطئ في القيمة، أو لثبوت خيار الحيوان للبائع على القول به

____________

و قد استدل صاحب الحدائق رد لما ذهب إليه بصحيح (1) رفاعة النخاس المذكور في المتن.

(1) و اورد عليه المصنف (قدس سره): بان التأويل فيه متعين لمنافاة ظاهره لصحة البيع و فساده، إذ لو كان البيع صحيحا لزم تعين المسمى دون القيمة الواقعية، فلما ذا امر (عليه السلام) بتقويم الجارية بقيمة عادلة؟ و ان كان فاسدا فلما ذا حكم بتعين ما بعث إليه ان كانت القيمة الواقعية اقل؟ و لهذا التزم بانه يحمل على ارادة التوكيل في التقويم و البيع بعده بما يتعين في نظره لا بالقيمة الواقعية، و الأمر برد ما نقص انما هو من جهة خيار الغبن، فكما انه إذا عين الموكل القيمة فظهر الغبن له الخيار كذلك إذا عينها الوكيل، و انما عين ذلك من جهة انه حيث لا حاجة للموكل في الجارية و الوكيل محتاج إليها‌

____________

(1) الوسائل- باب 18- من ابواب عقد البيع و شروطه حديث 1.

41

و قوله ان كان قيمتها اكثر فعليك ان ترد ما نقص اما ان يراد به لزوم ذلك عليه من باب ارضاء المالك إذا اراد امساك الجارية. حيث ان المالك لا حاجة له في الجارية،

فيسقط خياره ببذل التفاوت. و أما ان يحمل على حصول الحبل بعد المس فصارت ام ولد، و تعين عليه قيمتها إذا فسخ البائع، و قد يحمل على صورة تلف الجارية و ينافيه قوله فيما بعد فليس عليك ان تردها، الى آخره.

و كيف كان، فالحكم بصحة البيع بحكم المشترى و انصراف الثمن الى القيمة السوقية لهذه الرواية، كما حكى عن ظاهر الحدائق ضعيف، و اضعف منه ما عن الاسكافى من تجويز قول البائع بعتك بسعر ما بعت، و يكون للمشترى الخيار و يرده ان البيع في نفسه إذا كان غررا فهو باطل فلا يجبره الخيار.

و أما بيع خيار الرؤية فذكر الاوصاف فيه بمنزلة اشتراطها المانع عن حصول الغرر كما تقدم، عند حكاية قول الاسكافى في مسألة القدرة على التسليم.

____________

فيسقط خياره ببذل التفاوت أو يحمل على حصول الحبل بعد المس فصارت ام ولد.

و اجيب عن ذلك بجوابين:

احدهما: ما افاده المحقق الإيروانى (قدس سره)، و هو: ان ما ذكره يتم لو كان المراد من البيع بحكم المشترى في الرواية البيع بتعيينه المطلق، اما إذا كان المراد تعيينه لقيمة المثل و يكون تعيينه طريقيا محضا لا موضوعيا فيكون المراد من البيع بحكمه هو البيع بقيمة المثل من غير دخل لحكمه على وجه الموضوعية، فلا حاجة الى التأويل، بل تنطبق الرواية على القاعدة.

و فيه:- مضافا الى انها لا تنطبق على القاعدة إذ مقتضى القاعدة هو الفساد مع عدم العلم بقيمة المثل للغرر: ان ما افاده يستلزم استرجاع الزائد ان كانت قيمتها اقل مما بعثه إليه، فهذا لا يلائم مع حكمه بعدم الرجوع الى الزائد.

ثانيهما: انه يحمل على ارادة تعيينه بحكمه و ان تعيينه يكون موضوعيا، و لكن يشترط ان لا يكون اقل من قيمة المثل، و عليه فلو كانت القيمة السوقية اقل كان ما بعثه‌

42

مسألة: العلم بقدر المثمن كالثمن شرط (1)

باجماع علمائنا كما عن التذكرة،

و عن الغنية العقد على المجهول باطل، بلا خلاف.

و عن الخلاف ما يباع كيلا فلا يصح بيعه جزافا و ان شوهد اجماعا.

و في السرائر ما يباع وزنا فلا يباع كيلا بلا خلاف و الأصل في ذلك ما تقدم من النبوي المشهور (2) و في خصوص الكيل و الوزن خصوص الأخبار المعتبرة (3)

منها صحيحة الحلبى في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم، ثمّ ان صاحبه قال للمشترى: ابتع منى هذا العدل الآخر بغير كيل فإن فيه مثل ما في الآخر الذى ابتعته، قال لا يصلح إلا بكيل. قال و ما كان من طعام سميت فيه كيلا فإنه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام و في رواية الفقيه فلا يصح بيعه مجازفة و الإيراد على دلالة الصحيحة

____________

إليه له و لو كانت ازيد لا بد من رد الزائد لاشتراطه و فيه: انه خلاف الظاهر جدا و ان تم ما افاده المصنف (قدس سره) و لم نورد عليه: بان متعلق الوكالة ان كان هو البيع بقيمة المثل خاصة كان البيع بغيرها فضوليا و ان كان عاما لغيرها لم يكن وجه لثبوت خيار الغبن- و ايضا لا وجه لسقوط الخيار بمجرد بذل التفاوت.

و الا فيرد الصحيح الى اهله و على أى تقدير لا يمكن الاستدلال به على الصحة.

عدم صحة بيع ما يكال أو يوزن جزافا

(1) لا خلاف و لا إشكال في انه اشترط في المبيع ان يكون معلوما فلا يجوز بيع المكيل و الموزون و المعدود الا مع معرفة المقدار باحدها فلا يباع المكيل و الموزون و المعدود جزافا و لو كان مشاهدا كالصبرة، و لا بمكيال مجهول كقصعة حاضرة و لا العدد المجهول كمل‌ء اليد و نحوها بلا خلاف، و عن غير واحد: دعوى الإجماع عليه.

(2) و يشهد له حديث نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر (1)

(3) و جملة من النصوص: منها صحيح الحلبي (2) المذكور في المتن‌

____________

(1) الوسائل- باب 40- من ابواب آداب التجارة حديث 3.

(2) باب 4 من ابواب عقد البيع حديث 2.

43

بالاجمال (1) و باشتمالها على خلاف المشهور من عدم تصديق البائع (2) غير وجيه لأن الظاهر من قوله سميت فيه كيلا انه يذكر فيه الكيل فهي كناية عن كونه مكيلا في العادة. اللهم إلا ان يقال: ان توصيف الطعام بكونه كذلك الظاهر في التنويع مع انه ليس من الطعام ما لا يكال و لا يوزن إلا في مثل الزرع قائما، يبعد إرادة هذا المعنى، فتأمل.

و أما الحكم بعدم تصديق البائع فمحمول على شرائه سواء زاد أو نقص خصوصا إذا لم يطمئن بتصديقه لا شرائه على انه القدر المعين الذى اخبر به البائع،

فإن هذا لا يصدق عليه الجزاف، قال في التذكرة: لو اخبره البائع بكيله ثمّ باعه بذلك الكيل صح عندنا.

و قال في التحرير لو اعلمه بالكيل فباعه بثمن سواء زاد أو نقص لم يجز.

____________

و اورد عليه بايرادات:

(1) الأول: ان قوله (عليه السلام): و ما كان من طعام سميت فيه كيلا. .. الخ مجمل،

إذ لو كان المراد به ما بيع بكيل فما معنى لا يصح مجازقة؟ و ان كان المراد به ما من شانه ان يباع بكيل- اى يقال انه مكيل و يكون الخطاب الى الراوى بما هو من اهل العرف و العادة- فلازمه تنويع الطعام، مع انه ليس من الطعام ما لا يكال و لا يوزن.

و فيه: انه يمكن اختيار الشق الثانى واخذ القيد توضيحيا، أو بان يقال ان من الطعام ما هو مكيل و منه ما هو موزون و لو في بعض البلدان، فيكون مفاد قوله (عليه السلام) ذلك، ان ما يكون من الطعام مكيلا انما اعتبر فيه الكيل من جهة انه لا يصلح بيعه مجازفة،

و لازم ذلك جواز بيعه بالوزن.

(2) الثانى: ان الخبر مخالف لفتوى المشهور، فانهم افتوا بتصديق البائع في اخباره بان كيل المبيع كذا، و هذا الصحيح يدل على انه لا يعتمد عليه.

و فيه: انه في تلك المسألة انما يلتزمون بالصحة إذا وقع البيع على ما اخبر به‌

44

و أما نسبة الكراهة الى هذا البيع فليس فيه ظهور في معنى المصطلح يعارض ظهور لا يصلح و لا يصح في الفساد. (1)

و في الصحيح عن ابن محبوب عن زرعة عن سماعة، قال: سألته عن شراء الطعام و ما يكال و يوزن بغير كيل و لا وزن، فقال: اما ان تأتى رجلا في طعام قد كيل أو وزن تشترى منه مرابحة، فلا بأس ان اشتريته منه و لم تكله أو لم تزنه إذا اخذه المشترى الأول بكيل أو وزن، و قلت له عند البيع إنّى أربحك كذا و كذا (2)

و دلالتها أوضح من الاولى.

____________

بعنوان ان كيله ما اخبر به و انه لو نقص يأخذ الزائد و لو زاد يرده، لا بيعه بما اخبر به سواء زاد أو نقص كما هو ظاهر الخبر، مع انه في تلك المسألة يعتبرون كون البائع مؤتمنا.

الثالث: ما ذكره جماعة منهم المحقق الإيروانى (قدس سره)، و هو: ان المراد من قوله: و ما كان من الطعام سميت. .. الخ ان البيع إذا انعقد بعنوان الكيل كما إذا بيع منا من الحنطة- يعتبر الكيل في مقام التسليم صونا عن التعقب بالنزاع و المشاجرة- فهو اجنبي عن المقام.

و فيه: ان هذا خلاف الظاهر، فانه يتوقف على تقدير كلمة قبضه أو تسليمه بعد قوله فانه لا يصلح كما لا يخفى، و هو خلاف الظاهر.

(1) الرابع: ان قوله (عليه السلام) هذا مما يكره من بيع الطعام ظاهر في عدم الفساد.

و فيه: ان الكراهة في النصوص غير ظاهرة في الكراهة المصطلحة، بل ظاهرها المنع،

مع انه لو سلم الإجمال و عدم ظهورها في ذلك بكون المرجع قوله (عليه السلام) لا يصلح مجازفة، بل المحكى عن الفقيه فلا يصح مجازفة.

فالأظهر دلالة الصحيح على اعتبار الكيل في المكيل.

(2) و منها: موثق سماعة: (1) المذكور في المتن‌

____________

(1) الوسائل باب 5 من ابواب عقد البيع و شروطه حديث 7.

45

و رواية ابان عن محمد بن حمران قال: قلت لأبى عبد الله (عليه السلام) اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله فصدقناه و أخذناه بكيله قال: لا بأس، قلت: أ يجوز ان ابيعه كما اشتريت بغير كيل، قال: اما انت فلا تبعه حتى تكيله دلت على عدم جواز البيع بغير كيل إلا، إذا أخبره البائع فصدقه (1) و فحوى مفهوم رواية أبى العطارد و فيها قلت: فأخرج الكر و الكرين فيقول الرجل اعطنيه بكيلك فقال: إذ ائتمنك فلا بأس به، و مرسلة ابن بكير عن رجل سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الجص فيكيل بعضه و يأخذ البقية بغير كيل، فقال: أما ان يأخذ كله بتصديقه، و أما ان يكيله كله فإن المنع من التبعيض المستفاد منه ارشادى محمول على انه ان صدقه فلا حاجة الى كلفة كيل البعض و الا فلا يجزى كيل البعض، و يحتمل الرواية الحمل على استيفاء المبيع بعد الاشتراء، و كيف كان. ففى مجموع ما ذكر من الاخبار و ما لم يذكر مما فيه ايماء الى المطلب، من حيث ظهوره في كون الحكم مفروغا عنه عند السائل و تقرير الامام كما في رواية كيل ما لا يستطاع عده و غيرها، مع ما ذكر من الشهرة المحققة

____________

وارد عليه المحقق الأصفهانى (قدس سره): بان مورد الاستدلال.

ان كان هى الشرطية الأولى و هى قوله: فلا بأس ان اشتريته. .. الخ فمن الواضح ان نفى البأس عن اشترائه بلا كيل و لا وزن لا مفهوم له الا بلحاظ موضوع الشرطية و هو طعام قد كيل أو وزن، و هو من مفهوم الوصف.

و ان كان هى الشرطية الثانية و هى قوله: إذا اخذه المشترى الأول. .. الخ فمن البين انه تقرير لصدر الخبر حيث قال تاتى رجلا في طعام قد كيل و وزن و الشرطية إذا كانت لتحقيق الموضوع أو لتقريره لا مفهوم لها، فلا مفهوم في القضية الا مفهوم الوصف.

و فيه: انه يدل على المفهوم من جهة وروده في مقام التحديد كما يظهر من ملاحظة السؤال و الجواب.

(1) و منها خبر (1) محمد بن حمران، و فحوى خبر (2) ابى العطارد، و مرسل (3) ابن بكير، المذكورة في المتن.

____________

(1) الوسائل باب 5 من ابواب عقد البيع حديث 4.

(2) نفس المصدر حديث 6.

(3) نفس المصدر حديث 3.

46

و الاتفاقات المنقولة كفاية في المسألة، ثمّ ان ظاهر اطلاق جميع ما ذكر ان الحكم ليس منوطا بالغرر الشخصى (1) و ان كان حكمته سد باب المسامحة المفضية الى الوقوع في الغرر، كما ان حكمة الحكم باعتبار بعض الشروط في بعض المعاملات رفع المنازعة المتوقعة عند اهمال ذلك الشرط، فحينئذ فيعتبر التقدير بالكيل و الوزن و ان لم يكن في شخص المقام غرر، كما لو باع مقدارا من الطعام بما يقابله في الميزان من جنسه أو غيره (2) المتساوى له في القيمة فانه لا يتصور هنا غرر اصلا مع الجهل بمقدار كل من العوضين، و يحتمل غير بعيد حمل الاطلاقات سيما الاخبار على المورد الغالب، و هو ما كان رفع الغرر من حيث مقدار العوضين موقوفا على التقدير فلو فرض اندفاع الغرر بغير التقدير كفى

____________

و منها: غير ذلك من النصوص.

و لا يخفى ان ظاهر هذه النصوص اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون، سواء ألزم من تركهما الغرر ام لا؟ كما ان مقتضى حديث نفى الغرر مانعية الغرر الشخصى، سواء أ كان العوض مما يكال أو يوزن ام لا، فالنسبة بينهما عموم من وجه، و حيث انهما مثبتان لا تنافى بينهما فيتعين العمل بالدليلين و البناء على اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون،

مع عدم كون البيع غرريا.

(1) قوله ظاهر اطلاق جميع ما ذكر ان الحكم ليس منوطا بالغرر الشخص لا إشكال في ان الغرر في حديث نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر شخصى و ما لم يصر الغرر فعليا لا يترتب عليه حكمه كما في ساير العناوين المأخوذة موضوعا.

و أما في اخبار الكيل و الوزن فلم يؤخذ عنوان الغرر كى يصح ما ذكره المصنف (قدس سره) من ابتناء الصحة و الفساد في الفروع التى ذكرها على كون الحكم منوطا بالغرر الشخصى أو النوعى فما ذكره (قدس سره) من المبنى لا أصل له.

(2) قوله كما لو باع مقدارا من الطعام بما يقابله في الميزان من جنسه يدل على فساد البيع في الفرض مضافا الى ادلة اعتبار الكيل حديث نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر فانه و ان لم يلزم الغرر من حيث المالية الا انه يلزم من حيث الغرض المعاملى: إذ الاغراض‌

47

كما في الفرض المزبور، و كما إذا كان للمتبايعين حدس قوى بالمقدار نادر التخلف عن الواقع، و كما إذا كان المبيع قليلا لم يتعارف وزن الميزان لمثله كما لو دفع فلسا و اراد به رهنا لحاجة. فان الميزان لم يوضع لمثله فيجوز بما تراضيا عليه من التخمين (1) و لا منافاة بين كون الشي‌ء من جنس المكيل و الموزون، و عدم دخول الكيل و الوزن فيه لقلته كالحبتين و الثلاثة من الحنطة، أو لكثرته كزبرة الحديد كما نبه عليه في القواعد و شرحها و حاشيتها، و مما ذكرنا يتجه عدم اعتبار العلم بوزن الفلوس المسكوكة،

فإنها و إن كانت من الموزون و لذا صرح في التذكرة بوقوع الربا فيها الا انها عند وقوعها ثمنا حكمها كالمعدود في ان معرفة مقدار ماليتها لا يتوقف على وزنها، فهي كالقليل و الكثير من الموزون الذى لا يدخله الوزن. و كذا شبه الفلوس من المسكوكات المركبة من النحاس و الفضة كأكثر نقود بغداد في هذا الزمان، و كذا الدرهم و الدينار الخالصان،

فإنهما و ان كانا من الموزون و يدخل فيهما الربا اجماعا الا ان ذلك لا ينافي جواز جعلهما عوضا من دون معرفة بوزنهما لعدم غرر في ذلك اصلا

____________

المعاملية و المقاصد العقلائية كما تختلف باختلاف الاجناس ذاتا أو وصفا كذلك تختلف باختلاف الحدود و المقادير من حيث الاحتياج الى مقدار خاص بلا نظر الى القيمة السوقية.

(1) و على ما ذكرناه فان لم يكن المبيع مكيلا أو موزونا- لقلته كالحبتين و الثلاثة من الحنطة، أو لكثرته كزبرة الحديد-، أو كان مكيلا و موزونا و لكن كان للمتبايعين حدس قوى بالمقدار نادر التخلف عن الواقع، أو كان الشي‌ء في اصله كذلك و لكن كان ماليته بالعرض تابعة لاعتبار من بيده زمام الأمر بلا دخل للمقدار فيها كالمسكوكات- غير ما هو من الذهب و الفضة و الأوراق المطبوعة- صح البيع بلا كيل و لا وزن ان لم يلزم الغرر الشخصى كما هو المفروض.

اما في الأول: فلعدم شمول ادلة الكيل و الوزن له و انصرافها عنه.

و أما في الثانى: فلأن الكيل و الوزن انما اعتبرا من جهة الطريقية الى معرفة المقادير‌

48

لعدم غرر في ذلك اصلا.

و يؤيد ذلك جريان سيرة الناس على المعاملة بهما من دون معرفة اغلبهم بوزنهما.

نعم يعتبرون فيهما عدم نقصانهما عن وزنهما المقرر في وضعهما من حيث تفاوت قيمتهما بذلك. فالنقص فيهما عندهم بمنزلة العيب. و من هنا لا يجوز اعطاء الناقص منهما لكونه غشا و خيانة. و بهذا يمتاز الدرهم و الدينار عن الفلوس السود و شبهها، حيث أن نقصان الوزن لا يؤثر في قيمتها، فلا بأس بإعطاء ما يعلم نقصه و إلى ما ذكرنا من الفرق. اشير في صحيحة ابن عبد الرحمن قال: قلت لأبى عبد الله (عليه السلام) اشترى الشي‌ء بالدراهم فاعطى الناقص الحبة و الحبتين، قال: لا حتى تبينه، ثمّ قال: الا ان تكون هذه الدراهم إلا و ضاحية التى تكون عندنا عددا. (1)

و بالجملة فإناطة الحكم بوجوب معرفة وزن المبيع وكيله مدار الغرر الشخصى قريب في الغاية إلا ان الظاهر كونه مخالفا لكلمات الأصحاب في موارد كثيرة.

____________

و الحدود لا لخصوصية فيهما بالخصوص، كما يشهد له- مضافا الى مناسبة الحكم و الموضوع- ما دل على الاعتماد على اخبار البائع بالكيل أو الوزن، و قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيح المتقدم فانه لا يصلح مجازفة الدال على ان المانع هو البيع جزافا. فإذا كان الحدس موجبا للاطمئنان كفى.

و أما في الثالث: فلعدم كونه مكيلا و لا موزونا.

هذا كله في المكيل و الموزون.

(1) قوله و إلى ما ذكرنا من الفرق اشير في صحيحة ابن عبد الرحمن (1) رواها في المتن و يمكن ان يكون وجه الفرق ان الدراهم الوضاحية هى الدراهم الصحيحة فلا تكون هى ناقصة بما لا يتسامح فيه فلا بأس باعطائها من دون التبيين.

____________

(1) الوسائل باب 10 من ابواب الصرف حديث 7.

49

ثمّ ان الحكم في المعدود و وجوب معرفة العدد فيه حكم المكيل و الموزون بلا خلاف ظاهر، (1) و يشير إليه بل يدل عليه تقرير الامام في الرواية الآتية، المتضمنة لتجويز الكيل في المعدود المتعذر عده، (2) و يظهر من المحكى عن المحقق الاردبيلى المناقشة في ذلك، بل الميل الى منعه، و جواز بيع المعدود مشاهدة، و يرده رواية الجوز الآتية، و المراد بالمعدودات ما يعرف مقدار ماليتها باعدادها، كالجوز و البيض بخلاف مثل الشاة و الفرس و الثوب وعد العلامة البطيخ و الباذنجان في المعدودات حيث قال في شروط السلم من القواعد: و لا يكفى في السلم و صحته العد من المعدودات بل لا بد من الوزن في البطيخ و الباذنجان و الرمان، و انما اكتفى بعدها في البيع للمعاينة، انتهى.

و قد صرح في التذكرة بعدم الربا في البطيخ و الرمان إذا كان رطبا، لعدم الوزن و ثبوته مع الجفاف، بل يظهر منه كون القثاء و الخوخ و المشمش أيضا غير موزونة،

و كل ذلك محل تأمل لحصول الغرر أحيانا بعدم الوزن.

فالظاهر ان تقدير المال عرفا في المذكورات بالوزن لا بالعدد كما في الجوز و البيض.

____________

(1) و أما المعدود فالمشهور بين الأصحاب لزوم معرفة العدد كما مر، و عن مجمع البرهان: انه لا دليل على عدم جواز بيع المعدود الا عدا و ان الأصل و العمومات و حصول التراضى- الذى هو العمدة في الدليل- دليل قوى، فاثبات خلافه مشكل.

(2) و لكن الذى يظهر من صحيح الحلبى عن مولانا الصادق (عليه السلام) عن الجواز لا نستطيع ان نعده فيكال بمكيال ثمّ يعد ما فيه ثمّ يكال ما بقي على حساب ذلك العدد قال.

(عليه السلام): لا بأس به (1)

من جهة ظهوره في اعتقاد السائل، لزوم العد، و تقريره (عليه السلام) ذلك- هو لزوم العد، و به تقيد اطلاقات الأدلة.

بيع المكيل بالوزن، و العكس

و استقصاء الكلام في المقام انما يكون ببيان امور:

____________

(1) الوسائل باب 7 من ابواب عقد البيع و شروطه حديث 1.

50

مسألة: [التقدير بغير ما يتعارف التقدير به]

لو قلنا بأن المناط في اعتبار تقدير المبيع في المكيل و الموزون و المعدود بما يتعارف التقدير به هو حصول الغرر الشخصى، فلا اشكال في جواز تقدير كل منها بغير ما يتعارف تقديره به إذا انتفى الغرر بذلك (1) بل في كفاية المشاهدة فيها من غير تقدير أصلا. لكن تقدم ان ظاهر الأخبار الواردة في هذا الباب اعتبار التقدير من غير ملاحظة الغرر الشخصى لحكمة سد باب الغرر المؤدى الى التنازع المقصود رفعه من اعتبار بعض الخصوصيات في اكثر المعاملات زيادة على التراضى الفعلى حال المعاملة، و حينئذ فيقع الكلام و الاشكال في تقدير بعض المقدرات بغير ما تعارف فيه.

فنقول اختلفوا في جواز بيع المكيل وزنا و بالعكس و عدمه، على أقوال ثالثها جواز المكيل وزنا دون العكس، لأن الوزن أصل الكيل و اضبط، و إنما عدل إليه في المكيلات تسهيلا، فالمحكي عن الدروس في السلم جوازه مطلقا، حيث قال و لو أسلم في المكيل وزنا و بالعكس فالوجه الصحة لرواية وهب عن الصادق (عليه السلام)،

و كأنه أشار بها إلى رواية وهب عن جعفر عن أبيه عن على (صلوات الله عليهم) قال لا بأس بسلف ما يوزن فيما يكال و ما يكال فيما يوزن.

و لا يخفى قصور الرواية سندا بوهب و دلالة بأن الظاهر منها جواز أسلاف الموزون في المكيل و بالعكس، لا جواز تقدير المسلم فيه المكيل بالوزن و بالعكس، و يعضده ذكر

____________

(1) الأول: في تقدير كل من المقدرات بغير ما يتعارف تقديره به إذا انتفى الغرر بذلك.

و الكلام فيه في موردين:

(1) في بيع المكيل وزنا و بالعكس، و قد اختلفوا فيه على اقوال.

ثالثها: التفصيل بين بيع المكيل بالوزن فيصح، و بين بيع الموزون بالكيل فلا يصح.

رابعها: التفصيل بين جعل كل من التقديرين طريقا الى التقدير المعتبر في المبيع في نفسه فيصح، و بين ملاحظته مستقلا فلا يصح.

فالكلام يقع في مقامين:

الأول: في تقدير كل منهما بغير ما تعارف تقديره به من حيث جعله طريقا الى ما تعارف فيه.

51

الشيخ للرواية في باب اسلاف الزيت في السمن، فالذى ينبغى ان يقال ان الكلام تارة في كفاية كل من التقديرين في المقدر بالآخر، من حيث جعله دليلا على التقدير المعتبر فيه، بأن يستكشف من الكيل وزن الموزون و بالعكس، و تارة في كفايته فيه أصلا من غير ملاحظة تقديره المتعارف. أما الأول فقد يكون التفاوت المحتمل مما يتسامح فيه عادة، و قد يكون مما لا يتسامح فيه. (1) اما الأول، فالظاهر جوازه خصوصا مع تعسر تقديره بما يتعارف فيه، لأن ذلك غير خارج في الحقيقة عن تقديره مما يتعارف فيه، غاية ما في الباب ان يجعل التقدير الآخر طريقا إليه.

و يؤيده رواية عبد الملك بن عمر و قال: قلت لأبى عبد الله (عليه السلام) اشترى مائة راوية من زيت فاعرض راوية أو اثنتين فأتزنهما ثمّ اخذ سائره على قدر ذلك قال: لا بأس، استدل بها في التذكرة على جواز بيع الموزون عند تعذر وزنه (2) بوزن واحد من المتعدد و نسبة الباقى إليه

____________

الثانى: في تقديره به مستقلا.

(1) اما الأول: فقسمه المصنف (قدس سره) الى قسمين، إذ ربما يكون التفاوت المحتمل مما يتسامح فيه عادة، و ربما يكون مما لا يتسامح فيه.

إذا كان التفاوت المحتمل مما يتسامح فيه عادة فالأظهر هى الصحة لما عرفت من ان اعتبار التقدير الخاص انما هو لمعرفة حد المبيع و مقداره، و التقدير بما هو طريق الى ذلك- مع كون التفاوت المحتمل مما يتسامح فيه ينتج ذلك و يخرج البيع عن كونه جزافيا- فيصح.

و يشهد له:- مضافا الى ذلك- صحيح الحلبى المتقدم بالتقريب الذى قدمناه و خبر (1) عبد الملك بن عمرو: المذكور في المتن.

(2) و ما عن التذكرة من حمل الخبر على صورة التعذر،

ليس من جهة هذا الخبر نفسه، فان اتزان مائة راوية زيت ليس بمتعذر، بل من جهة صحيح الحلبى الوارد في الجوز المختص بصورة عدم الاستطاعة.

و لكن يرد عليه: انه لا مفهوم له كى يقيد اطلاق هذا الخبر به.

____________

(1) الوسائل- باب 5- من ابواب عقد البيع و شروطه حديث 1.

52

و اردفه بقوله و لأنه يحصل المطلوب و هو العلم، و استدلاله الثانى يدل على عدم اختصاص الحكم بصورة التعذر و التقييد بالتعذر لعله استنبطه من الغالب في مورد السؤال و هو تعذر وزن مائة راوية من الزيت. و لا يخفى ان هذه العلة لو سلمت على وجه يقدح في عموم ترك الاستفصال، انما يجب الاقتصار على موردها لو كان الحكم مخالفا لعمومات وجوب التقدير، و قد عرفت ان هذا في الحقيقة تقدير، و ليس بجزاف. نعم ربما ينافى ذلك التقرير المستفاد من الصحيحة الآتية في بيع الجوز كما سيجي‌ء.

و أما لو كان التفاوت مما لا يتسامح فيه، (1) فالظاهر ايضا الجواز مع البناء على ذلك المقدر المستكشف من التقدير، إذا كان ذلك التقدير امارة على ذلك المقدار، لأن ذلك ايضا خارج عن الجزاف، فيكون نظير اخبار البائع بالكيل،

و يتخير المشترى لو نقص و ما تقدم من صحيحة الحلبى في اول الباب من المنع عن شراء احد العدلين بكيل احدهما قد عرفت توجيهه هناك، هذا كله مع جعل التقدير الغير المتعارف امارة على المتعارف.

____________

(1) و أما إذا كان التفاوت المحتمل مما لا يتسامح فيه عادة فحكمه يظهر مما سنذكره في المقام الثانى.

و تصحيحه بالبناء على ذلك التقدير مخدوش، إذ البناء عليه الراجع الى شرط الخيار لو نقص لا يصحح العقد، لأن ذلك لا يخرجه عن الجزافية، و لذا لا يصح البيع بالمشاهدة مبنيا على مقدار معين مما تعارف فيه.

و دعوى اطلاق الخبر.

ممنوعة، فان الظاهر و لا أقل من المحتمل كون ما بقي من مائة راوية متحد الوزن مع ما وزن كما يظهر لمن تدبر فيه.

و أما المقام الثانى: فالمشهور بين الأصحاب على ما نسب إليهم في محكى الرياض:

جواز بيع المكيل وزنا، و عدم جواز بيع الموزون كيلا.