مصباح المنهاج ـ كتاب الخمس - ج1

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
442 /
5

المدخل‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً. أنت حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بك عليك توكلت، وإليك أنيب.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الخمس وما يجب فيه:

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: فيما يجب فيه‏

وهو أمور:

-

كتاب الخمس‏

وهو حق فرضه الله عز وجل في أموال الناس، له تعالى، ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ولآله الطاهرين (عليهم السلام)، ولبني هاشم الذين شرفهم الله تعالى به (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن منعهم عن صدقات غيرهم وأوساخهم، تنزيهاً لهم ورفعاً لشأنهم.

وفي الجواهر: فالخمس في الجملة مما لا ينبغي الشك في وجوبه بعد تطابق الكتاب والسنة والإجماع عليه. بل به يخرج الشاك عن المسلمين، ويدخل في الكافرين، كالشك في غيره من ضروريات الدين‏.

هذا وقد تضمنت جملة من النصوص أن الدنيا كلها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإمام (عليه السلام) (1)، وخصوصاً الأراضي‏ (2)، ولاسيما ما سقته بعض الأنهار الخاصة (3). ولابد من حمله على ما لا ينافي ضرورة المسلمين- تبعاً للأدلة المتظافرة- من ملكية الناس لما في أيديهم‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال حديث: 19، وباب: 4 من الأبواب المذكورة حديث: 12. وراجع الكافي ج: 1 باب: أن الأراضي كلها للإمام (عليه السلام) ص: 107 طبعة دار الكتب الإسلامية

(2) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 3 من أبواب إحياء الموات حديث: 2

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال حديث: 18، وباب: 4 من الأبواب المذكورة حديث: 17

8

الأول: الغنائم (1)

-

في الجملة.

وذلك بأن يحمل على معنى خاص من الملكية يرجع إلى أحقية التصرف وأوليتهم (عليهم السلام) به، وحرمة تصرف سائر الناس في أملاكهم التي تحت أيديهم إلا بموالاتهم (عليهم السلام) وأداء حقهم. نظير ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أن الناس عبيد لهم في الطاعة (1).

وأما بحمل ما دل على ملكية الناس لما في أيدهم على كونه بحكم الملك في نفوذ التصرف من أجل الهدنة التي لزمتهم، مع عدم حل التصرف تكليفاً إلا لأوليائهم (عليهم السلام). فراجع النصوص المذكورة في محلها (2). ويأتي بعض الكلام فيها في الأنفال في ذيل كتاب الخمس إن شاء الله تعالى.

(1) بإجماع المسلمين، كما في المدارك وعن الذخيرة والمستند وغيرهما. ويقتضيه- بعد ذلك- الكتاب المجيد والسنة المستفيضة أو المتواترة. قال تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ... (3)، فإن الغنائم المذكورة في المتن متيقنة من الآية الشريفة.

بل قد يدعى اختصاها بها، وفي الجواهر: كما لعله الظاهر عرفاً، بل ولغة، كما قيل‏. ولعل عليه اتفاق العامة.

لكن الظاهر عموم إطلاقها لكل فائدة، كما ذكره غير واحد منّا، ويناسبه كلام اللغويين في تفسير مادة الغنم وملاحظة استعمالاتها في اشتقاقاتها المختلفة.

وليس شيوع استعمال الغنيمة في خصوص غنائم الحرب إلا متأخراً بعد شيوع‏

-

____________

(1) الكافي ج: 1 باب: فرض طاعة الأئمة حديث: 10 ص: 187 طبعة دار الكتب الإسلامية

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1، 4 من أبواب الأنفال، والكافي ج: 1 باب: أن الأرض كلها للإمام ص: 407 طبعة دار الكتب الإسلامية

(3) سورة الأنفال الآية: 41

9

ابتلاء المسلمين بها، والتعبير عنها بذلك ونحوه في بعض الآيات الشريفة وجملة من النصوص، ولا مجال لحمل الآية الشريفة عليها بعد صدورها في أوائل أزمنة التشريع. ولاسيما مع عدم التعبير في الآية الكريمة بالغنيمة والغنائم، بل بالموصول، الظاهر جداً في الجري على المعنى اللغوي.

مضافاً إلى ما في صحيح علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) في كتاب له: فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام. قال الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء ... فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر ... (1)، وخبر حكيم مؤذن بني عبس [ابن عيسى‏] عن أبي عبد الله (عليه السلام): قلت له: واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه وللرسول‏. قال: هي والله الإفادة يوماً بيوم إلا أن جعل شيعتنا في حلّ ليزكوا (2).

وما عن الإمام الصادق في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام): قال: يا علي إن عبد المطلب سنّ في الجاهلية سنناً أجراها الله له في الإسلام ... ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله: واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه ... الآية (3). وفي حديث آخر: قرأت عليه آية الخمس، فقال: ما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا. والله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحداً، وأكلوا أربعة أحلاء (4).

وعن القرطبي الاعتراف بذلك، لكنه ادعى اتفاق العلماء على اختصاصها بغنائم الحرب، ونظره إلى علمائهم. ويأتي بعض الكلام في ذلك في الأمر السابع مما يجب فيه الخمس، إن شاء الله تعالى.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 5

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال حديث: 8

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 3

(4) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 6

10

المأخوذة (1)

-

(1) قد يشعر باختصاص الحكم بالمنقولة، فلا يجب الخمس في الأراضي، كما هو ظاهر الحدائق، وقد يشعر به أو يظهر فيه كلام المقنعة.

خلافاً لصريح الشرايع والمعتبرة والتذكرة والقواعد وعن غيرها وظاهر آخرين من عمومه لها، بل قيل: إنه المشهور، ونسبه في الحدائق والجواهر لظاهر الأصحاب. وفي الجواهر: بل كأنه من المسلمات عندهم‏. بل ذكر أنه داخل في محكي إجماع المدارك المتقدم. لكنه بعيد، لعدم معروفية الحكم بين العامة.

وكيف كان فقد استدل أو يستدل للعموم بإطلاق الآية الشريفة والنصوص الكثيرة المتضمنة ثبوت الخمس في الغنائم‏ (1)، ومعتبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: كل شي‏ء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإن لنا خمسه. ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا (2). والوجه في اعتباره مع اشتمال سنده على علي بن أبي حمزة البطائني الكذاب المنحرف هو أن الظاهر أن روايتهم عنه كانت في عهد استقامته ووثاقته، لأنهم تجنبوه بعد خروجه عن الحق وفريته. كما ذكرنا ذلك في غير موضع من هذا الشرح.

ويشكل الاستدلال المذكور بأن إطلاق الآية الكريمة يقصر عن الأراضي المفتوحة عنوة، لأن نسبة الغنم للمخاطبين في المنقول مبنية على ملكية المقاتلين للمغنم بأشخاصهم، وفي الأراضي المفتوحة عنوة مبنية على ملكية المسلمين وغنمهم له بعنوانهم، لأنها مملوكة للمسلمين عامة تبقى لهم، نظير الوقف، وليس المقاتل إلا سبباً لغنم العنوان من دون خصوصية له فيه. ومن الظاهر اختلاف نحو النسبتين وموضوعهما فلا مجال لحمل الآية عليهما معاً، وحيث لا إشكال في إرادة المنقول منها تعين قصورها عن الأراضي.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس‏

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 5

11

كما أنه حيث كان إطلاق الغنيمة على خصوص غنائم الحرب في عرف المسلمين متفرعاً على استعماله في الآية الشريفة ونحوها، فالمتيقن منه المنقول مما كان غنيمة لأشخاص مخصوصين. ومن هنا لا مجال للبناء على شمول إطلاق النصوص المتضمنة ثبوت الخمس في الغنائم للأراضي.

نعم قد يتجه شمول إطلاق معتبر أبي بصير لها. وإن كان التعرض في ذيله لحرمة الشراء قبل دفع الخمس قد يصلح للقرينية على إرادة المنقول الذي يمكن شراؤه، بنحو يمنع من الجزم بظهور الإطلاق في العموم لغيره.

ويؤيد الاختصاص بالمنقول خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الغنيمة. قال: يخرج منها الخمس، ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولي ذلك‏ (1)، ونحوه مرسل العياشي عنه‏ (2).

كما قد يدل عليه صحيح ربعي بن عبد الله عنه (عليه السلام): قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه، وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس، ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه‏ (3)، لقرب ظهوره في أن المراد بالمغنم هو الغنيمة المعهودة التي شرع فيها الخمس، لا قسم منها وهو خصوص ما ينقل ويؤتى به إليه. وقريب منه في ذلك صحيح معاوية بن وهب‏ (4) الآتي عند الكلام في اعتبار إذن الإمام.

مضافاً إلى إطلاق ما تضمن من النصوص الكثيرة أن الأرض المفتوحة عنوة ملك المسلمين يصالح زارعها على دفع طسقها. وحملها على ما عدا الخمس مخالف لإطلاقها، وهو مقدم على إطلاق ما تضمن ثبوت الخمس في الغنيمة لو تم، لأن إطلاق الخاص مقدم على إطلاق العام.

بل هو كالصريح من مرسل حماد عن أبي الحسن (عليه السلام): قال: الخمس من‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 10

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب قسمة الخمس حديث: 14، 3

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب قسمة الخمس حديث: 14، 3

(4) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال حديث: 3

12

بالقتال (1) من الكفار الذين يحل قتالهم (2) إذا كان بإذن الإمام (عليه السلام).

-

خمسة أشياء من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعل الله له، ويقسم الأربعة الأخماس بين قاتل عليه وولي ذلك .. وليس لمن قاتل شي‏ء من الأرضين .. والأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق الخراج .. فإذا أخرج منها العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتها، فيدفع إليهم أنصباؤهم على ما صالحهم عليه، ويؤخذ الباقي، فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله .. ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير (1). والظاهر انجباره بعمل الأصحاب، كما يأتي في أوائل الكلام في مستحق الخمس إن شاء الله تعالى.

وذلك هو المناسب لما ورد من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وغيرهما في أرض الخراج، ومنها أرض خيبر، حيث لم يعرف منهم إخراج الخمس منها ولا من ريعها، كما كانوا يخرجونه من الغنائم المنقولة.

(1) فلو أخذت من غير قتال لم تكن من هذا القسم، بل دخلت في القسم السابع، وهو فاضل المؤنة من مطلق الفائدة، على ما يأتي منه (قدس سره) التعرض له في المسألة الأولى.

نعم لا يراد بالقتال فعلية التقاتل، بل يكفي تهيؤ الجيش له وإن كان الاغتنام بنحو الهجوم المباغت الموجب لرعب الطرف المقابل وفراره، أو بنحو الخديعة والإغفال، أو غير ذلك، كما لعله ظاهر.

(2) أما إذا لم يحل قتالهم فإن كان لاعتصامهم بذمة أو هدنة فلا غنيمة منهم، بل يجب ردّ ما أخذ منهم عليهم. وإن كان لعدم المصلحة في قتالهم فلا يتضح الوجه‏

____________

(1) صدره في وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب قسمة الخمس حديث: 8 وذيله باب: 41 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 2

13

أما إذا لم يكن بإذنه فالغنيمة كلها للإمام (1)،

-

في عدم وجوب الخمس إذا جاز أخذ أموالهم. إلا أن يرجع إلى العلم بعدم إذن الإمام في قتالهم، فيجري فيه ما يأتي.

هذا وقد اعتبر في الجواهر- مع ذلك- أن يكون الكفر موجباً لاستحلال المال في قبال مثل كفر الارتداد عن فطرة أو ملة، حيث يوجب الأول انتقال المال إلى وارثهم ولو كان هو الإمام، والثاني لزوم استتابتهم مع احترام أموالهم وبقائها لهم إن عادوا للإسلام، وانتقالها إلى وارثهم إن ماتوا أو قتلوا قبل ذلك.

وهو متجه في الارتداد الفطري، لخروج أموالهم بالكفر عن ملكهم، وصيرورتها للوارث المسلم، فهي كسائر أموال المسلمين الموجودة عند الكفار التي يجب إرجاعها لأصحابها، كما يأتي.

أما في الارتداد الملي إذا فرض قوتهم واعتصامهم بحيث يحتاج لقتالهم، فحيث تبقى أموالهم ملكاً لهم إلى حين القتال فالمتعين دخولها في عمومات الغنيمة وجريان حكمها عليها، لأنها أخص من العمومات الأولية المقتضية للميراث. نظير ما يملكه الكافر الأصلي إذا كان له وارث مسلم، فإنه إذا قوتل عليه لا يكون لوارثه المسلم، بل يجري عليه حكم الغنيمة.

وهو المناسب لما هو المنقول تاريخياً من سيرة المسلمين- حتى في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)- في قتال المرتدين المليين، حيث لم ينقل الخروج في أموالهم عما هو المعهود في حكم الغنائم، وإنما نقل ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قتال البغاة لا غير.

(1) كما هو المعروف من مذهب الأصحاب ونفي الخلاف فيه في الروضة، بل في الخلاف وعن الحلي الإجماع عليه. وعن المنتهى: كل من غزا بغير إذن الإمام إذا غنم كانت غنيمته للإمام عندنا.

واستدل لذلك بمرسلة العباس الوراق عن رجل سماه عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلها للإمام، وإذا غزوا بأمر

14

الإمام فغنموا، كان للإمام الخمس‏ (1). وضعفها منجبر بعمل الأصحاب.

هذا وقد منع بعض مشايخنا من انجبارها بالعمل صغروياً لاحتمال استنادهم في الحكم لتسالمهم لا إليها، وكبروياً لعدم جبر الشهرة للسند عنده.

لكن الثاني ممنوع، على ما أوضحناه في محله من الأصول. والأول غريب بعد مخالفة الحكم للأصل والعموم، واستدلالهم له بالرواية خلفاً عن سلف، بنحو يظهر منهم التعويل عليها. على أنه لو تم تسالمهم بنحو يعتمد عليه قدماء الأصحاب، كفى دليلًا في مثل هذا الحكم المخالف للعموم والأصل، لكشفه عن رأي الأئمة (عليهم السلام).

ثم إنه قد يستدل لذلك بصحيح معاوية بن وهب: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): السرية يبعثها الإمام، فيصيبون غنائم كيف يقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول، وقسم بينهم أربعة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحب‏ (2).

بدعوى: أن مقتضى الشرطية الأولى اعتبار القتال بإذن الإمام في وجوب التخميس، وحيث كانت الشرطية الثانية تصريحاً بمفهوم الأولى لزم حمل عدم القتال فيها على القتال المذكور في الأولى، فيشمل صورتي عدم القتال رأساً، والقتال بغير إذنه.

ويشكل بأن حمل عدم القتال في الشرطية الثانية على عدم القتال الخاص المذكور في الشرطية الأولى، ليعم الصورتين المذكورتين بعيد جداً، بل هو كالصريح في عدم القتال رأساً، والإشارة لحكم ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وهي حينئذٍ إما أن تكون قرينة على أن ذكر إذن الإمام في الشرطية الأولى لتأكيد مفاد المورد من دون أن يكون دخيلًا في الحكم، ويكون مرجع الشرطيتين التفصيل بين القتال وعدمه، وإما أن تكون تصريحاً بإحدى صورتي مفهوم الأولى، وتكون الصورة الثانية- وهي صورة القتال بغير إذنه- مسكوتاً عنها ولعله الأظهر.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال حديث: 16

(2) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 41 من أبواب جهاد العدو حديث: 1، وذكره محرفاً في ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال حديث: 3

15

نعم قد يقال: التأكيد في الشرطية الأولى على كون القتال بأمير أمره الإمام وعدم الاكتفاء بذكره في السؤال ظاهر في الاهتمام به، لدخله في الحكم الذي تضمنته، وهو الاكتفاء بالخمس وعدم ثبوت الحكم المذكور بدونه. ولا أقل من قوة الإشعار فيه بذلك، فيصلح للتأييد.

لكن لو تم ذلك فهو إنما يقتضي عدم اختصاص الإمام بالخمس، لا أن الغنيمة كلها للإمام. اللهم إلا أن يتمم دلالتها بعدم الفصل. وإن كان الحديث مع ذلك لا يخلو عن اضطراب.

هذا ويظهر من النافع التوقف في كون الغنيمة بتمامها للإمام مع عدم الإذن، بل عن المنتهى قوة الاكتفاء بالخمس كما لو أذن، وفي المدارك أنه جيد، لإطلاق الآية الشريفة، وخصوص صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم، ويكون معهم فيصيب غنيمة. قال: يؤدي خمسها ويطيب له‏ (1).

وفيه أنه إن تمت دلالة الصحيح وكان معارضاً للمرسلة سقط عن الحجية بإعراض الأصحاب، ولزم العمل بالمرسلة وتقييد الآية الشريفة بها كما تقدم. لأن إطلاق الكتاب إنما يكون مرجحاً للخبرين المتعارضين مع بلوغهما مرتبة الحجية. على أن الآية الشريفة بناءً على ما سبق منّا من عمومها لكل فائدة لا تدل على ملكية غنائم الحرب، لأن الكبرى لا تنهض بإحراز موضوعها، وإنما تستفاد ملكية الغنائم إما من المفروغية عن ذلك، أو مما تضمن عدم احترام ملك الكافر غير المعتصم بذمة أو عهد. وعلى الأول فالمتيقن ما كان بإذن الإمام، وعلى الثاني فالآية إنما تقتضي ثبوت الخمس في الجملة ولو بعد استثناء المؤنة. لا خصوص خمس غنائم الحرب الذي هو محل الكلام.

كما أنه بناءً على اختصاصها بغنائم الحرب فهي كسائر مطلقات خمس غنائم الحرب تدل على المفروغية عن ملكيتها للمقاتلين من دون أن تكون مسوقة لذلك،

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 8

16

ليكون لها إطلاق فيه. بل لو كان لها إطلاق فيه فمن القريب جداً انصرافه لما إذا كانت الحرب بإذن الإمام، لأنها هي الحرب المشروعة المعهودة بين المسلمين، وإن وقع الخلاف بين المسلمين في تعيين الإمام الذي هو المرجع فيها.

وكيف كان فعن المستند وغيره الجمع بين المرسلة والصحيح بحمل الصحيح على أن ذلك منه (عليه السلام) تحليل للباقي بعد الخمس، مع كون الجميع له (عليه السلام) بمقتضى إطلاق المرسلة، واحتمله في الجواهر.

ويشكل بظهور الصحيح في أن طيب الباقي له بعد الخمس حكم شرعي لا تحليل مالكي، لأن الأصل في البيانات الصادرة منهم (عليهم السلام) ذلك ولا سيما مع الحكم في المقام بالخمس، حيث ينسبق منه تطبيق عموم وجوبه في الغنيمة.

وذكر سيدنا المصنف (قدس سره) أن الصحيح غير ظاهر في كون الغزو- ولو من الرجل- كان بغير إذن من الإمام (عليه السلام). ويشكل بأن ظاهر الصحيح ليس هو السؤال عن قضية خارجية لرجل خاص معهود وقع منه القتال، بل عن قضية حقيقية عامة. وحينئذٍ فمقتضى عدم الاستفصال في الجواب عدم اعتبار إذن الإمام في مفروض السؤال.

على أنه حيث كان وجوب الخمس لا غير في الغنيمة مع مشروعية القتال من الواضحات، فمن البعيد جداً أن يكون منشأ السؤال هو الجهل بالحكم المذكور مع إحراز موضوعه، بل الظاهر أن منشأه الجهل بحكم الغنيمة مع عدم مشروعية القتال، المناسبة للتنبيه لكون الرجل في لواء حكام الجور، لأن ذلك من سنخ المقتضي لعدم المشروعية، وإذن الإمام من سنخ المانع منه، والتنبيه في السؤال للمقتضي دون المانع ظاهر جداً في فرض عدم المانع. ومن هنا كان حمل الصحيح على صورة الإذن بعيد جداً لا يناسب مساق السؤال فيه.

وبذلك يظهر أنه لا مجال أيضاً لما في الجواهر من احتمال الحمل على ذلك للجمع بين النصوص ورفع التنافي بينها.

ومن الغريب ما ذكره بعض مشايخنا من احتمال المفروغية عن الإذن، لما ثبت‏

17

من إمضائهم (عليهم السلام) ما صدر من حكام الجور في عصورهم من الغزو والجهاد مع الكفار وإذنهم العام في ذلك.

إذ فيه: أنه لا مجال لاحتمال الإذن العام منهم (عليهم السلام) في القتال مع حكام الجور بعد النصوص الكثيرة المانعة منه‏ (1)، وفي بعضها أنه مثل الميتة ولحم الخنزير (2)، وفي آخر: فإنه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدونا في حبس حقنا والاشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية (3)، وعلى ذلك جرت سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم. وغاية ما يدعى إذن أمير المؤمنين (عليه السلام) في القتال في حروب الإسلام الأولى في الجملة، كما قد يستظهر من بعض النصوص‏ (4)، ويشهد به اشتراك بعض خواص أصحابه فيها.

ومثله ما احتمله في الجواهر من حمل الصحيح على التقية. إذ فيه: أن ظهور الصحيح في المفروغية عن عدم شرعية حكم أهل الجور لا يناسب حمل الجواب فيه على التقية جداً، خصوصاً بعد كون توقف حلّ الغنيمة للرجل بدفع الخمس لهم (عليهم السلام) أمراً لا يتناسب مع طريقة العامة ومبانيهم.

وعلى ذلك فالأظهر حمل مرسلة العباس على صورة بسط يد الإمام وتصديه للجهاد، كما هو الظاهر من صحيح معاوية بن وهب بناء على الاستدلال به في المقام. وحمل صحيح الحلبي على صورة كف يده في دولة الظالمين وحال مهادنتهم، كما هو مورده، وذلك هو المناسب للنصوص الظاهرة في غصب الظالمين لخمسهم من الفي‏ء وتحليله لشيعتهم ولآبائهم.

ففي حديث الفضيل: قال أبو عبدالله (عليه السلام) قال: أمير المؤمنين لفاطمة (عليها السلام): أحلي نصيبك من الفي‏ء لآباء شيعتنا ليطيبوا (5)، فإن الظاهر أن المراد من نصيبها من الفي‏ء هو الخمس أو بعض سهامه، فلا يناسب كون الفي‏ء كله للإمام.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 6، 7 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه‏

(2) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 12 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 1، 8

(3) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 12 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 1، 8

(4) الخصال باب السبعة حديث: 58 ص: 344 طبع النجف الأشرف‏

(5) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال حديث: 10

18

وفي موثق الحارث بن المغيرة: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فجلست عنده، فإذا بخية قد استأذن عليه ... قال: جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان؟ قال: يا بخية إن لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله .. (1).

وفي حديث أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: إن الله جعل لنا سهاماً ثلاثة في جميع الفي‏ء، فقال تبارك وتعالى: واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏. فنحن أصحاب الخمس والفي‏ء، وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا. والله يا أبا حمزة ما من أرض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شي‏ء منه إلا كان حراماً على من يصيبه، فرجاً كان أو مالًا (2).

وعن تفسير العسكري: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): قد علمت يا رسول الله أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر، فيستولى على خمسي من السبي والغنائم‏ (3). وفي مرسل العياشي عن أحدهما (عليه السلام): قال: فرض الله في الخمس نصيباً لآل محمد، فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم‏ (4).

وقريب منها في ذلك معتبر أبي بصير المتقدم عند الكلام في خروج الخمس من الأرض، لظهور قوله (عليه السلام): ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس‏ في بيان حكم ابتلائي، لا حكم فرضي يختص موضوعه بظهور دولة الحق، ووقوع القتال بإذن الإمام.

وهذه النصوص- كما ترى- لا تناسب عموم مرسلة العباس لصورة كف يد الإمام في دول الظالمين. بل يتعين حملها على صورة بسط يد الإمام، وجمعها مع صحيح الحلبي بالوجه المذكور.

ودعوى: أن صحيح الحلبي لا يناسب نصوص تحليل الخمس وتحليل‏

____________

(1 و 2 و 3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال حديث: 14، 19، 20

(4) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب قسمة الخمس حديث: 16

19

سواءً كان للدعاء للإسلام أو لغيره (1).

-

حقهم (عليهم السلام) للشيعة، ولاسيما وأن المتيقن من بعض نصوصه غنائم الحرب. مدفوعة بأن صحيح الحلبي أخص من النصوص المذكورة، لوروده في خصوص المشارك في الحرب بوجه غير مشروع، فيتعين الخروج به عن إطلاق تلك النصوص.

نعم، في خبر النهاوندي: أتيت سيدي سنة تسع ومائتين، فقلت: جعلت فداك إني رويت عن آبائك أن كل فتح فتح بضلالة فهو للإمام (عليه السلام). فقال: نعم. قلت: جعلت فداك فإنه أتوا بي من بعض الفتوح التي فتحت على الضلالة، وقد تخلصت من الذين ملكوني بسبب من الأسباب، وقد أتيتك مسترقاً مستعبداً. فقال: قد قبلت ... فلما كانت سنة ثلاث عشرة ومائتين أتيته (عليه السلام) وذكرته العبودية التي التزمتها، فقال: أنت حرّ لوجه الله .. (1). وهو صريح في خلاف ما ذكرنا.

لكنه: أولًا: ضعيف في نفسه من دون ظهور انجباره بعمل الأصحاب، لعدم ذكرهم لمضمونه، وعدم استدلالهم به للحكم بأن تمام الغنيمة للإمام مع عدم إذنه في الحرب، وإنما ذكروا مرسل العباس لا غير.

وثانياً: معارض بصحيح الحلبي وبنصوص تحليل الخمس المتقدمة. بجميع ما تضمن تحليل حقهم (عليهم السلام) للشيعة، لأن مقتضاها حرية الشخص المذكور من دون حاجة إلى عتق خاص منهم (عليهم السلام).

فلابد من حمله على بيان مقتضى الحكم الأولي الذي لا يكون مورداً للتطبيق عملًا. نظير الأحكام التي يظهرها الحجة المنتظر بظهوره. أو التوقف فيه ورد علمه لقائله (عليه السلام).

(1) كما قواه في محكي الجواهر لإطلاق مرسلة العباس المتقدمة. خلافاً لما حكي عن الحدائق من التفصيل بين ما إذا كانت الحرب للدعاء للإسلام فالغنيمة للإمام،

____________

(1) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 20. ورجال الكشي ج: 2 ص: 839 حديث: 1076

20

وإذا لم يكن بنحو الغزو- كما إذا كان دفاعاً لهم عند هجومهم على المسلمين‏

وجب فيها الخمس (1).

-

وما إذا كانت للقهر والغلبة فيجب الخمس. لدعوى: ظهور المرسلة في خصوص الأول، وعملًا في الثاني بعموم الآية الشريفة.

وفيه: أنه لا وجه لظهور المرسلة في خصوص الأول، لأنه لو تم عدم تصدي الإمام للغزو من أجل الغلبة والقهر، وانحصار غرضه منه بالدعاء للإسلام إلا أنه مع فرض غزوهم بغير إذنه لا وجه لظهور حالهم في عدم الغزو للغلبة والقهر، بل للدعاء للإسلام، ليكون هو ظاهر المرسلة.

ولاسيما وأن المنساق من المرسلة كون الحكم بملكية الإمام للغنيمة بتمامها مع القتال بغير إذنه من سنخ العقوبة للمقاتلين، وهو لا يناسب اختصاصه بما إذا كان قتالهم للدعاء للإسلام وعدم ثبوته مع كون قتالهم لمجرد الغلبة، فإنه أولى بالحرمان.

وأما عموم الآية الشريفة فهو ممنوع، كإطلاق نصوص ثبوت الخمس في غنائم الحرب، كما يظهر مما سبق في أوائل الكلام في التفصيل بين إذن الإمام وعدمه. فراجع.

نعم لا يظهر من الحدائق التفصيل المذكور في المأخوذ بالقتال، بل تعميم ما يأتي من أن يؤخذ بغير قتال فلا خمس فيه لما إذا أخذ جهداً وغلبة وغصباً في قبال ما قد يوهمه كلام الشهيد (قدس سره) من اختصاصه بما يؤخذ سراً على وجه السرقة أو الغيلة. فراجع.

(1) اقتصاراً في الحكم بملك الإمام لتمام الغنيمة على مورد المرسلة وهو الغزو، ورجوعاً في غيره إلى عموم الآية وإطلاق نصوص ثبوت الخمس في الغنيمة.

وفيه- مع ما ذكرنا من قصور عموم الآية وإطلاق نصوص ثبوت الخمس في غنائم الحرب-: أن خصوصية الغزو ملغية عرفاً، لأن المستفاد من المرسلة الاهتمام بمقام الإمام، الذي لا يفرق فيه بين الموارد.

ومن هنا كان المتعين عموم الحكم بملكية الإمام (عليه السلام) لتمام الغنيمة مع عدم‏

21

إذنه في القتال في كل مورد يجب الرجوع إليه فيه مع بسط يده.

نعم لو لم يجب الرجوع إليه، لوجوب القتال وتعذر الاستئذان منه أو لغير ذلك، فانصراف المرسلة عن ذلك قريب جداً، كقصورها عن صورة عدم بسط يده، لما تقدم.

ومنه يظهر حكم القتال دفاعاً عن بيضة الإسلام، وأنه يكتفى فيه بالخمس مع عدم بسط يد الإمام أو عدم وجوب الاستئذان منه للتعذر أو غيره. كما يظهر حال ما في العروة الوثقى من التفصيل بين زمان الحضور وإمكان الاستئذان وزمان الغيبة، فيكفي الخمس في الثاني دون الأول.

هذا ولو كان القتال بإذن الفقيه، وقلنا بعموم نيابته عن الإمام في ذلك، كان بحكم الاستئذان من الإمام في الاكتفاء بالخمس، وخرج عن محل كلامهم موضوعاً. كما يكون عدم الاستئذان منه حينئذٍ مع وجوبه بحكم عدم الاستئذان من الإمام مع بسط اليد مستلزماً لكون تمام الغنيمة للإمام. لكن الإشكال في ثبوت النيابة بالوجه المذكور. فلاحظ.

بقي في المقام أمران:

الأول: يستثنى من ثبوت الخمس أمور للإمام أخذها قبل القسمة.

منها: صفو المال وقطائع الملوك، فإنها كلها للإمام، على ما يأتي في ذيل كتاب الخمس عند الكلام في الأنفال.

ومنها: ما يرى الإمام صلاحاً في دفعه من أصل الغنيمة قبل التخميس،، ففي صحيحة زرارة: قال: الإمام يجري وينفل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام. وقد قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقوم لم يجعل لهم في الفي‏ء نصيباً. وإن شاء قسم ذلك بينهم‏ (1)، وقريب منه مرسل حماد (2). وربما قيل باستثناء أمور أخر ذكرها الأصحاب في كتاب الجهاد لا مجال لإطالة الكلام فيها.

____________

(1 و 2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال حديث: 2، 4

22

(مسألة 1): ما يؤخذ منهم بغير القتال- من غيلة أو سرقة أو ربا (1) أو دعوى باطلة- فليس فيه خمس الغنيمة (2)،

-

الثاني: قال في العروة: إذا غار المسلمون على الكفار، فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة، ولو في زمن الغيبة. وقال سيدنا المصنف (قدس سره): وقد تقدم أن مقتضى الجمع بين النصوص اختصاص ذلك بصورة إذن الإمام، وإلا فهي له وإن كان في زمن الغيبة.

أقول: تقدم أن الاختصاص بإذن الإمام موقوف على وجوب الرجوع إليه في الحرب. على أن منصرف نصوص الغنيمة الجهاد من المسلمين بما أنهم مسلمون للكفار بما هم كفار. أما إذا كانت الإغارة من أفراد المسلمين على الكفار من أجل السلب والنهب لا بعنوان الجهاد- كما قد يغير بعض أهل دين على أهل دينهم- أشكل صدق الغنيمة بالمعنى الأخص، وإن صدق الغنم بالمعنى الأعم الذي هو مفاد الآية الشريفة كما سبق. ويظهر الأثر في استثناء مؤنة السنة وعدمه.

وعليه يلزم التفصيل في الفرض المتقدم من العروة الوثقى. فإن كانت الإغارة بعنوان الجهاد في مورد يجب الرجوع له (عليه السلام) أو لنائبه، فمع الإذن يجب خمس الغنيمة من دون استثناء المؤنة، ومع عدم الإذن تكون الغنيمة كلها للإمام. وإن لم تكن الإغارة بعنوان الجهاد وجب خمس الغنيمة بعد استثناء المؤنة. فلاحظ.

(1) بناءً على حرمة المعاملة الربوية معهم مطلقاً. لأن حرمة إيقاع العقد معهم وفساده لا ينافي جواز أخذ المال المترتب عليه لا بسبب العقد، بل لقاعدة الإلزام، أو لعدم احترام أموالهم وحينئذٍ فقد يتوهم أنه بحكم الغنيمة على ما يأتي. وأما بناءً على جواز المعاملة الربوية معهم إذا تضمنت أخذ الربا منهم، فهو خارج عن الغنيمة قطعاً، بل هو من أرباح التجارات.

(2) وفاقاً للدروس في الأولين وللعروة الوثقى في الأخيرين. والوجه فيه: أن الأمور المذكورة وإن كانت داخلة في عموم الآية ونحوها مما تضمن وجوب الخمس‏

23

في الغنيمة بالمعنى الأعم والفائدة، إلا أن مقتضى إطلاق ما تضمن أن الخمس بعد المؤنة استثناء المؤنة منه. ويؤيده إطلاق ما في صحيح ابن مهزيار من قوله (عليه السلام) في كتابه له في تعداد الفوائد المذكورة: ومثل عدّو يصطلم فيؤخذ ماله ... وما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة (1).

وأما ما تضمن وجوب الخمس في الغنيمة بالمعنى الأخص، وهو الذي لا تستثنى منه المؤنة، فلا يتضح شموله للأمور المذكورة، لعدم كون موضوعه كلما يغنم من الكافر، بل هو ظاهر في خصوص ما يؤخذ منهم بالقتال مطلقاً أو بعنوان الجهاد- على ما سبق منا الكلام فيه قريباً- ولا أقل من كونه المتيقن، كما يظهر بملاحظة النصوص المتقدمة عند الكلام في ثبوت الخمس في الأرض وغيرها.

ومنه يظهر عدم صيرورة المأخوذ منهم للإمام لو أخذ بغير إذنه، بل هو لآخذه مطلقاً، كما في الروضة. لاختصاص ما دل على اعتبار إذنه في الاكتفاء بالخمس بما يؤخذ بالقتال مطلقاً أو إذا كان بعنوان الجهاد، على ما سبق.

هذا وقد يستدل على وجوب الخمس في الموارد المذكورة بما يأتي في مال الناصب، إما لحمل الناصب على من نصب الحرب من الكفار، وإما لدعوى أولوية الكافر من الناصب في الحكم المذكور، أو مساواته له فيه.

لكن الأول مخالف للظاهر بعد شيوع إطلاق الناصب على من نصب العداء لأهل البيت (عليهم السلام) ولشيعتهم تبعاً لهم (عليهم السلام). وأما ما عن الحلي من أن الناصب المعني في النص الآتي أهل الحرب، لأنهم ينصبون الحرب للمسلمين. وإلا فلا يجوز أخذ مال مسلم ولا ذمي على وجه من الوجوه. فهو غريب.

وأما الثاني فيشكل بأن أولوية الكافر من الناصب أو مساواته له- لو تمت- فهي في عدم حرمة المال، لا في وجوب الخمس في المال المأخوذ منه. كما لعله ظاهر.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 5

24

بل خمس الفائدة كما سبق. كما سيأتي إن شاء الله تعالى (1).

(مسألة 2): لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنيمة بلوغها عشرين ديناراً (2) على الأصح. نعم يعتبر أن لا تكون غصباً من مسلم أو غيره ممن هو محترم المال، وإلا وجب ردها على مالكها (3).

-

(1) حيث يأتي منه (قدس سره) ثبوت الخمس في كل فائدة، وأنه يمتاز عن بقية أنواع الخمس باستثناء مؤنة السنة قبل الخمس.

(2) قال في الجواهر: وفاقاً لصريح جماعة وظاهر آخرين. بل لا أعرف فيه خلافاً سوى ما يحكى عن ظاهر غرية المفيد من اشتراط بلوغ مقدار عشرين ديناراً. وهو ضعيف جداً لا نعرف له موافقاً ولا دليلًا، بل هو على خلافه متحقق‏. وهو متين جداً، إذ لم يرد النصاب المذكور إلا في المعدن وفي الكنز. والتعدي منهما للغنيمة قياس، فلا مخرج عن إطلاق أدلة ثبوت الخمس في الغنيمة.

(3) كما عن المشهور. ويقتضيه- مضافاً إلى استصحاب ملكيته له، القاضي بوجوب تسليمه له بمقتضى عموم السلطنة واحترام المال- صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل عن الترك يغزون على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم، أيرد عليهم؟ قال: نعم والمسلم أخو المسلم. والمسلم أحق بماله أينما وجده‏ (1). لوضوح أن الرد عليهم بعد أخذ الترك منهم لا يكون إلا بقتال المسلمين للترك واسترجاعهم منهم ما أخذوه فيكون مما نحن فيه.

وخبر طربال عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن رجل كان له جارية، فأغار عليه المشركون فأخذوها منه، ثم إن المسلمين بعد غزوهم فأخذوها فيما غنموا منهم. فقال: إن كانت في الغنائم وأقام البينة أن المشركين أغاروا عليهم فأخذوها منه ردت عليه، وإن كانت قد اشتريت وخرجت من الغنم فأصابها ردت عليه برمتها وأعطى‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 35 من أبواب جهاد العدو حديث: 5

25

الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه. قيل له: فإن لم يصبها حتى تفرق الناس وقسموا جميع الغنائم فأصابها بعد؟ قال: يأخذها من الذي هي في يده إذا أقام البينة، ويرجع الذي هي في يده إذا أقام البينة على أمير الجيش بالثمن‏ (1).

نعم لم ينسب للأصحاب العمل به في رجوع من اشتراها بالثمن على المغنم ورجوع من هي في يده على أمير الجيش. لكن قد يكون عدم تصريحهم به اتكالًا منهم على ظهوره، لمطابقته للقاعدة من رجوع المشتري بالثمن بعد ظهور فساد البيع، ورجوع من هي في يده من المقاتلين على أمير الجيش، ليدفع له حصته من المغنم بعد ظهور عدم كون ما أخذه من الغنيمة، بحمل الثمن على ذلك.

وإن تعذر الأخير فعدم العمل بالخبر فيه لا يقتضي إهماله في تمام مدلوله مما عملوا به أو اقتضته القاعدة، على أنه يكفي في المقام صحيح هشام، والأصل المشار إليه آنفاً.

هذا وعن الشيخ في النهاية والقاضي في بعض كتبه دخول المال المذكور في الغنائم مع غرامة الإمام قيمته لأربابه من بيت المال. ويستدل له بمرسل هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في السبي يأخذ العدو من المسلمين في القتال من أولاد المسلمين أو من مماليكهم فيحوزونه، ثم إن المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم وسبوهم، وأخذوا منهم ما أخذوا من أولاد المسلمين ومماليكهم. قال: فقال: أما أولاد المسلمين فلا يقامون في سهام المسلمين، ولكن يردون إلى أبيهم وأخيهم وإلى وليهم بشهود، وأما المماليك فإنهم يقامون في سهام المسلمين فيباعون، وتعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين‏ (2)، بإلغاء خصوصية المماليك، وتعميم الحكم لجميع الأموال، لفهم عدم الخصوصية.

لكن لو غض النظر عن ضعف سند الرواية بالإرسال- لدعوى انجبارها بعمل الشيخ والقاضي بها، وظهور حال الكليني في تصحيحه لها بنحو تصلح للعمل‏

____________

(1 و 2) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 35 من أبواب جهاد العدو حديث: 5، 1

26

فهي معارضة بالصحيح والخبر المتقدمين المعول عليهما عند الأصحاب، فإن لم يكن الترجيح لهما فلا أقل من التساقط والرجوع للأصل المتقدم.

ودعوى: ترجيح المرسل بموافقته الكتاب والسنة القاضية بأن الغنيمة بعد إخراج الخمس للمقاتلين. مدفوعة بما سبق- عند الكلام في اعتبار إذن الإمام- من أن الآية الشريفة بناءً على عمومها لكل فائدة- كما هو الظاهر- لا تنهض ببيان ملكية الغنيمة للمقاتلين. وأما بناءً على اختصاصها بغنائم الحرب فهي كسائر ما تضمن ثبوت الخمس في غنائم الحرب تدل على المفروغية عن ملكية المقاتلين للغنيمة من دون أن تكون مسوقة لذلك، ليكون لها إطلاق فيه.

بل من القريب جداً ابتناء المفروغية المذكورة على عدم احترام مال الكافر الحربي، فتقصر عن المال المحترم، وحيث كان مقتضى الأصل والحديثين المتقدمين ملكية المسلم لماله حتى بعد حيازة المقاتلين له كانت واردة على الأدلة المذكورة، فلا تنهض الأدلة المذكورة بالترجيح.

ومن ذلك يظهر عموم الحكم لمال الذمي، لمشاركته لمال المسلم في جريان الأصل المذكور، وإن قصر عنه الحديثان المتقدمان.

نعم قد يجمع بين الحديثين المتقدمين ومرسل هشام بحملهما على ما إذا عرف المالك قبل القسمة وحمله على ما إذا عرف بعدها، لصحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): سألته عن رجل لقيه العدو وأصاب منه مالًا أو متاعاً. ثم إن المسلمين أصابوا ذلك، كيف يصنع بمتاع الرجل؟ فقال: إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزا متاع الرجل ردّ عليه، وإن كانوا أصابوه بعد ما حازوه فهو في‏ء المسلمين، فهو أحق بالشفعة (1). بناءً على ما عن الجواهر من حمل الحيازة على القسمة، وإرجاع ضمير (أصابوه) إلى الرجل.

ومرسل جميل عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل كان له عبد [عبيد. خ. ل‏] فأدخل دار الشرك ثم أخذ سبياً إلى دار الإسلام؟ قال: إن وقع عليه قبل القسمة فهو أحق به،

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 35 من أبواب جهاد العدو حديث: 2

27

وإن جرى عليه القسم فهو أحق به بالثمن‏ (1).

وفيه: أن حمل صحيح الحلبي على ما سبق من الجواهر بعيد جداً، لأن إرجاع ضمير (أصابوه) للرجل لا يناسب قوله في السؤال: أصابوا ذلك‏، حيث لا إشكال في عدم إرادة الرجل من اسم الإشارة، كما لا يناسب قوله (عليه السلام) في الجواب: قبل أن يحوزوا متاع الرجل‏ إذا المناسب حينئذٍ أن يقال: قبل أن يحوزوا متاعه‏. كما أن حمل الحيازة على القسمة بعيد في نفسه، ولا يناسب قوله في ذيله: وإن كانوا أصابوه بعدما حازوه فهو في‏ء للمسلمين‏، لظهور نسبته للمسلمين في كونه ملكاً لمجموعهم المناسب لما قبل القسمة، إذ هو بعد القسمة ملك لمن وقع في سهمه لا غير.

مضافاً إلى أن حمل قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي: فهو أحق بالشفعة على أنه يستحق ثمنه بعيد جداً، بل قد يكون ظاهراً في أنه يستحق المتاع بنفسه، لكن بعد دفع ثمنه للمسلمين الذين صار فيئاً لهم، كما هو حال من يأخذ بالشفعة في البيع.

فلم يبق إلا المرسل. وهو لا ينهض دليلًا في نفسه، ليصلح شاهد جمع بين النصوص المتقدمة. مضافاً إلى أن قوله (عليه السلام) فيه: فهو أحق به بالثمن‏ أن له أن يأخذه بعد دفع ثمنه للمسلمين، لا أن له أن يأخذ ثمنه من المسلمين، كما هو المدعى. ومن ثم كان الحديثان من المشكل.

على أن التفصيل المذكور لم يعرف قائل به من أصحابنا، وإنما نسب في الجملة لبعض العامة، كأبي حنيفة والثوري والأوزاعي، حيث نسب لهم أنه لو عرف المالك بعد القسمة كان المال للمقاتلين.

هذا وربما يستدل للشيخ والقاضي بصحيح الحلبي: تارة: بإرجاع ضمير (أصابوه) إلى الرجل مع حمل الحيازة على الاستيلاء على المال، فيكون المعنى أنهم إن عرفوا صاحب المال قبل استيلائهم على المال واغتنامهم له فهو له، وإن لم يعرفوه إلا بعد ما غنموا المال فهو في‏ء للمسلمين. ويظهر ضعفه مما سبق من الإشكال في إرجاع‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 35 من أبواب جهاد العدو حديث: 4

28

أما إذا كان في أيديهم مال للحربي بطريق الغصب أو الأمانة أو نحوهما جرى عليه حكم مالهم (1).

-

الضمير للرجل.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا من مناسبة الحكم المذكور لحكم مجهول المالك، حيث لا يكون مضموناً لو عرف صاحبه بعد القيام فيه بالوظيفة المطلوبة شرعاً من صدقة ونحوها. فهو غريب، إذ لو تم عدم الضمان مع التصدق بمجهول المالك فالاستيلاء على المال في المقام واغتنامه ليس وظيفة شرعية، بل عمل خارجي، فهو نظير الاستيلاء على مجهول المالك، أو أخذه بنية التملك لتخيل كونه مباحاً أصلياً لا نظير التصدق به.

وأخرى: بحمل الحيازة فيه على المقاتلة، ليكون المعنى أن إصابتهم المال إن كانت قبل القتال ردّ لصاحبه، وإن كانت بعده فهو في‏ء للمسلمين. وهو- مع بعده في نفسه- لا يناسب تعدية الحيازة لمتاع الرجل، لا للعدو.

وثالثة: بحمل قوله في السؤال: أصابوا ذلك‏ وقوله في الجواب: أصابوه‏ على إرادة إصابة المسلمين للعدو، فيرجع إلى أن المسلمين إن أصابوا العدو في أول أزمنة استيلائهم على المال قبل أن يحوزوه ويستقر في أيديهم بقي ملكاً للرجل ولزم إرجاعه إليه، وإن أصابوه بعد ما حازوا المال واستقر في أيديهم فإذا أخذه المسلمون منهم كان فيئاً لهم، وليس للرجل فيه إلا حق الشفعة بأن يأخذه منهم بالثمن. لكن احتمال ذلك في الصحيح لا يبلغ حدّ ظهوره فيه، ليصلح للاستدلال عليه.

على أن ما نسب للشيخ والقاضي لا يطابق أحد هذه الوجوه، ليكون دليلًا عليه بعد حمله عليه. ومن هنا كان الصحيح- مع اضطراب متنه- لا يصلح للاستدلال على شي‏ء. فلا معدل عما عليه المشهور.

(1) فيتملكه المقاتلون لعدم حرمة صاحبه، ويجب فيه الخمس لإطلاق الأدلة

29

(مسألة 3): يجوز أخذ مال الناصب (1) أين ما وجد (2). والأحوط وجوباً إلحاقه بالحربي (3) في وجوب خمس الغنيمة (4)، لا خمس الفائدة.

-

المتقدمة بعد صدق الغنيمة عليه بسبب ملكيتهم له بالقتال والاستيلاء. ولاسيما مع شيوع ابتلاء الكفار بذلك، بنحو يعلم به ولو إجمالًا، فلو كان البناء على تجنبه لظهر وبان.

(1) قال سيدنا المصنف (قدس سره): كما هو المشهور، بل في محكي الحدائق نسبته إلى الطائفة المحقة سلفاً وخلفاً، ويشهد له النصوص الآتية وغيرها (1).

(2) الظاهر استثناء الأمانة من ذلك. للنصوص الكثيرة المتضمنة وجوب أداء الأمانة للبر والفاجر (2). وفي معتبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أدوا الأمانة [الأمانات‏] ولو إلى قاتل ولد الأنبياء (3).

(3) ظاهره ثبوت خمس الغنيمة فيما يؤخذ من الحربي، وهو لا يناسب ما تقدم منه (قدس سره) في المسألة الأولى من عدم ثبوت خمس الغنيمة إلا فيما يؤخذ بالقتال من الكفار، وأن ما يؤخذ منهم بغير قتال لا يثبت فيه إلا خمس الفائدة الذي هو بعد المؤنة.

(4) يعني: فلا تستثنى منه مؤنة الإنسان الحياتية. ويقتضيه صحيح حفص ابن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته، وادفع إلينا الخمس‏ (4)، ونحوه خبر المعلى بن خنيس أو صحيحه‏ (5)، فإن ظاهرهما عدم استثناء المؤنة.

هذا وقد يستدل على استثنائها بإطلاق ما تضمن أن الخمس بعد المؤنة، كصحيح البزنطي: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): الخمس أخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة: فكتب: بعد المؤنة (6)، ونحوه حديث إبراهيم بن محمد الهمداني‏ (7)، وحديث محمد بن الحسن‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 26 من أبواب جهاد العدو حديث: 2، 12

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب كتاب الوديعة

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب كتاب الوديعة حديث: 6

(4) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 6، 7

(5) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 6، 7

(6) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1، 2

(7) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1، 2

30

الأشعري، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى جميع الصناع [الضياع خ. ل‏]؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: الخمس بعد المؤنة (1).

وصحيح علي بن مهزيار: كتب إليه إبراهيم بن محمد الهمداني: أقرأني عليّ كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع أنه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة، وأنه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤنته نصف السدس ولا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤنة مؤنة الضيعة وخراجها، لا مؤنة الرجل وعياله، فكتب وقرأه علي بن مهزيار: عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنة عياله وبعد خراج السلطان‏ (2). وصريح الأخير أن المراد بالمؤنة هي المؤنة الحياتية، لا مؤنة تحصيل الربح.

وهو الظاهر من صحيح أبي علي بن راشد: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك، فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شي‏ء حقه؟ فلم أدر ما أجيبه. فقال: يجب عليهم الخمس. فقلت: ففي أي شي‏ء؟ فقال: في أمتعتهم وصنايعهم [ضياعهم‏]. قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤنتهم‏ (3)، لأن المؤنة التي تضاف للإنسان هي مؤنته الحياتية.

بل هو الظاهر من بقية النصوص المتقدمة، لأن المؤنة الحياتية حيث كانت لازمة نوعاً للإنسان كانت هي المنصرفة من العهد المستفاد من اللام، بخلاف مؤنة تحصيل الربح، لأن كثيراً من الفوائد والأرباح لا مؤنة في تحصيلها، فلا منشأ للعهد فيها. ولاسيما مع شيوع التعبير في الاستعمالات الشرعية والعرفية بالمؤنة عن المؤنة الحياتية، حتى كانت هي المنصرفة من إطلاقها، دون مؤنة تحصيل الربح.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل في ظهور النصوص في المقام في استثناء المؤنة الحياتية قبل إخراج الخمس. وحينئذ يكون من مقتضى إطلاقها استثناؤها في المقام.

____________

(1 و 2 و 3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1، 4، 3

31

فالعمدة في الخروج عن ذلك قوة ظهور أدلة ثبوت الخمس في العناوين الخاصة من الكنز والغنيمة والمعدن ومال الناصب وغيرها في خصوصيتها من بين الفوائد، وصعوبة تنزيلها على استثناء المؤنة التي كثيراً ما لا يفي بها المال المأخوذ بهذه العناوين. ولاسيما ما حدد فيه وجوب الخمس بالنصاب.

بل هو المقطوع به في أظهر أفراد ما يجب فيه الخمس، وهو غنائم الحرب. وكذا الأرض الذي اشتراها الذمي من مسلم، والمال الحلال المختلط بالحرام.

وذلك بمجموعه يوهن الإطلاق المذكور، ويقرب حمله على خصوص خمس الفائدة الذي هو مورد بعض النصوص المتقدمة وغيرها. ومن هنا يتعين العمل بإطلاق حديثي الخمس في مال الناصب المتقدمين القاضي بعدم استثناء المؤنة.

هذا ولو فرض عدم وضوح ذلك تعين البناء على استثناء المؤنة في ثبوت الخمس في مال الناصب عملًا بإطلاق نصوص استثناء المؤنة المتقدمة. ولا أقل من كونه مقتضى أصالة عدم ثبوت الخمس في مقدار المؤنة.

لكن ذكر بعض مشايخنا أن مقتضى الأصل لزوم إخراج الخمس وعدم استثناء المؤنة، للعلم بتعلق الخمس بالمال، المقتضي لوجوب دفعه، والشك في شمول ما دل على ترخيصهم (عليهم السلام) لشيعتهم إرفاقاً بهم في تأخير دفعه إلى نهاية السنة وفي التصرف بالمال في أثنائها وفي عدم ثبوت الخمس في مقدار المؤنة، ومقتضى الأصل عدم ثبوت الحكم المذكور.

وفيه: أن ذلك إنما يتم في التصرف بالمال في أثناء السنة مع العلم بزيادته على المؤنة، وفي تأخير دفعه إلى نهاية السنة لوجوب إحراز إذن صاحب الحق في جواز التصرف في موضوع حقه، وفي حبسه عنه. ولا مجال له في استثناء المؤنة من الخمس، لرجوع الشك في ذلك للشك في ثبوت الخمس في مقدار المؤنة، ومقتضى الأصل عدمه بعد وضوح أن ثبوت الخمس في المال متفرع على تملكه بتمامه، بحيث يكون بتمامه غنماً وفائدة، فهو راجع إلى خروج مقدار الخمس عن الملك بعد دخوله فيه،

32

الثاني: المعدن (1)،

-

وهو حادث مسبوق بالعدم.

نعم لو قلنا بأن استثناء المؤنة في مورده من سنخ العفو والتخفيف من قبل الأئمة (عليهم السلام) رفقاً بشيعتهم، مع ثبوت الخمس شرعاً في تمام الربح بمجرد ظهوره- كما هو غير بعيد- رجع الشك في المقام للشك في سقوط الخمس في مقدار المؤنة بعد ثبوته، ومن الظاهر أم مقتضى الأصل عدم سقوطه، وعدم حصول التخفيف فيه. ويأتي الكلام في المبنى المذكور في المسألة الثامنة والأربعين إن شاء الله تعالى.

(1) قال في الجواهر: إجماعاً محصلًا ومنقولًا صريحاً في الخلاف والسرائر والمنتهى والتذكرة والمدارك وغيرها، وظاهراً في كنز العرفان وعن مجمع البحرين والبيان. بل في ظاهر الغنية نفي الخلاف بين المسلمين عن معدن الذهب والفضة. كما أن ظاهره فيها أو صريحه الإجماع على غيرهما من أفراده أيضاً.

ويقتضيه- بعد إطلاق الآية الشريفة، بناء على ما سبق في أول هذا المبحث من عدم اختصاصها بغنائم الحرب- النصوص الكثيرة التي تعد المعدن في ضمن الأربعة أو الخمسة التي يجب فيها الخمس‏ (1)، وغيرها مما يأتي التعرض لبعضه.

نعم في صحيح عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة (2)، ونحوه مرسل سماعة (3)، ولابد من حملهما على ما لا ينافي الأدلة القطعية المتواترة إجمالًا الواردة في المعدن وغيره. بحمل الغنائم على الغنيمة بالمعنى الأعم، أو تخصيص العموم المستفاد من الحصر فيهما بالأدلة المتضمنة لوجوب الخمس في غير الغنائم، أو بحمله على الحصر بالإضافة إلى الأنواع التي لا يجب فيها الخمس، أو بحمل الخمس فيهما على الخمس الواجب بظاهر القرآن المجيد- بناءً على اختصاص الآية الشريفة بغنائم الحرب- في مقابل بقية الأقسام التي استفيد

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2، 3 من أبواب ما يجب في الخمس‏

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1، 15

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1، 15

33

كالذهب والفضة والرصاص والنحاس (1)

-

وجوب الخمس فيها من السنة. وإن كان الكل بعيداً جداً.

والأقرب استحكام التعارض بينهما وبين غيرهما، ثم تركهما ورد علمهما إلى قائلهما (عليه السلام)، للعلم بعدم إرادة ظاهرهما بعد النصوص المتواترة إجمالًا المتضمنة ثبوت الخمس في غير الغنائم، وبعد إجماع الطائفة، بل المسلمين على ذلك في الجملة.

(1) ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص، فقال: عليها الخمس جميعاً (1). وفي صحيحه الآخر: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة، فقال: وما الملاحة؟ فقال [فقلت‏]: أرض سبخة مالحة يجتمع فيه الماء فيصير [ويصير] ملحاً، فقال: هذا [مثل. فقيه‏] المعدن فيه الخمس. فقلت: والكبريت والنفط يخرج من الأرض. قال: فقال: هذا وأشباهه فيه الخمس‏ (2).

وفي صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكنز كم فيه؟ قال: الخمس. وعن المعادن كم فيها؟ قال: الخمس. وعن الرصاص والصفر والحديد وما كان من المعادن كم فيها؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة (3). وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: كل ما كان ركازاً ففيه الخمس. وقال: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه من حجارته مصفى الخمس‏ (4).

والظاهر أن الركاز هو القطعة المدفونة في الأرض من المعادن كما صرح به بعض اللغويين، أو مطلق الموجود فيها، وهو مأخوذ من الركز، أي: الثبات، في مقابل ما يمتزج بغيره من رمل أو غيره ويحتاج إلى التصفية.

وفي مرسل حماد عن أبي الحسن الأول (عليه السلام): قال: الخمس من خمسة أشياء،

____________

(1 و 2 و 3 و 4) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1، 4، 2، 3

34

من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن والملاحة (1).

هذا ولا يخفى أن الأمور المذكورة في المتن على أقسام ثلاثة:

الأول: الفلزات.

الثاني: غيرها من الأمور المبانية للأرض سنخاً والمستخرجة منها للانتفاع بها، كالنفط والكبريت والملح.

الثالث: الأحجار الكريمة التي هي لو لم تكن من الأرض حقيقة وعرفاً فلا أقل من مسانختها لها.

أما القسم الأول فهو المتيقن من المعدن لغة وعرفاً، وما عن المغرب من تخصيصه بالذهب والفضة لا ينبغي أن يلتفت فيه. ولعله ناشئ من اختصاص وجوب الخمس بها عند العامة. كما أنه المتيقن من النصوص وكلمات الأصحاب.

ولا ينبغي التأمل في تعميمه لغير ما ذكر في المتن مما تضمنته النصوص- كالصفر والحديد- أو لم تتضمنه من الفلزات المعروفة في عصر صدور الروايات- كالزئبق- أو المكتشفة حديثاً- كالألمنيوم- لإطلاق ما تضمن وجوب الخمس في المعدن. ولخصوص صحيح الحلبي الصريح في وجوبه في المعادن من غير المنصوص عليه فيه، بضميمة ما سبق من صدق المعدن على جميع الفلزات.

وأما الثاني فلا ينبغي التأمل في وجوب الخمس فيه بعد النصوص المتقدمة. ولا يهم مع ذلك تحقيق أنه داخل في المعدن حقيقة أو ملحق به حكماً. وإن كان مقتضى مرسل حماد هو الثاني، مع إجمال صحيح محمد بن مسلم الثاني بسبب اختلاف روايته. كما أن الظاهر عدم الاقتصار فيه على العناوين المذكورة في النصوص بعد قوله (عليه السلام) في الصحيح المذكور: هذا وأشباهه فيه الخمس‏، لأن معيار المشابهة أو المتيقن منها ما ذكرنا من كون الشي‏ء مبايناً للأرض مستخرجاً منها للانتفاع به.

وأما الثالث فالمعروف بين الأصحاب وجوب الخمس فيه، حيث حكي عن‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 9

35

الشيخ وبني حمزة وزهرة وإدريس والعلامة والشهيدين وكشف الغطاء، بل لم يعرف الخلاف فيه صريحاً. وحيث لم تتعرض النصوص لشي‏ء منه بالخصوص فلابد أن يكون ذلك منهم للبناء على دخوله في المعدن، كما هو مقتضى تعريفه في محكي التذكرة ومحكي المنتهى بأنه ما يخرج من الأرض ويخلق فيها من غيرها مما له قيمة، بناء على ما هو ظاهرهم من خروجه عن اسم الأرض.

بل قال في الروضة في تعريف المعدن: بكسر الدال وهو ما استخرج من الأرض مما كانت أصله ثم اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها، كالملح والجص وطين الغسل وحجارة الرحى والجواهر من الزبرجد والعقيق والفيروزج وغيرها. وإليه يرجع ما في الدروس، حيث قال في بيان ما يجب فيه الخمس: السادس: المعادن على اختلاف أنواعها حتى المغرة والجص والنورة وطين الغسل والعلاج وحجارة الرحى والملح والكبريت‏. واستظهر سيدنا المصنف (قدس سره) موافقته للعرف العام.

ومقتضاه دخول هذا القسم في المعدن وإن قلنا بصدق اسم الأرض عليه، كما جزم به بعض مشايخنا وحكم لذلك بجواز السجود عليه. بل لا إشكال ظاهراً في عدم خروج بعض ما سبق في الدروس والروضة عن الأرض، كالجص وطين الغسل وحجر الرحى. كما أنه استظهر في الجواهر العموم عرفاً لغير الفلزات.

لكن لفظ المعدن غير شايع الاستعمال عند العامة، ليتسنى لنا تحديد مفهومه عرفاً، وإنما يستعمل: تارة: بمعنى محل الشي‏ء ومنبته وموضعه. ولعله هو مقتضى أصل اشتقاقه اللغوي، كما يناسبه ما في لسان العرب والمسالك من أنه مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام به. وفي مفردات الراغب: وعدن بمكان كذا: استقر. ومنه المعدن لمستقر الجواهر.

وأخرى: بمعنى الحقيقة والماهية. وهو المراد به في عرف علم الكيمياء الحديث، على ما حكاه بعض أهل الاختصاص فيه.

وثالثة: في خصوص الفلزات، كما جرى عليه في القاموس، وقد يستفاد مم‏

36

في نهاية ابن الأثير حيث قال: المعادن المواضع التي يستخرج منها جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك‏ حيث اقتصر في الأمثلة على الفلزات، ونحوه كلام غيره. وفي الرياض: لعله المفهوم المتبادر منه عرفاً وعادة. وإن كان في الاعتماد على مثل ذلك في تحديد المفهوم العرفي إشكال بعدما ذكرناه من عدم شيوع استعمال لفظ المعدن عند العرف.

هذا مضافاً إلى الإشكال فيما تقدم من الروضة بأن المعيار إن كان على وجود الخصوصية التي يعظم الانتفاع بها واقعاً لزم وجوب تدارك الخمس فيما كان يؤخذ بما أنه أرض عادية وانكشف بعد ذلك اشتماله على خصوصية يعظم الانتفاع بها، كجبل سناباد الذي اهتدى الناس لنحت القدور منه ببركة الإمام الرضا (عليه السلام) (1)، والنوع الخاص من الأرض الذي انكشف متأخراً صلوحه لأن يصنع منه الاسمنت وغير ذلك. وإن كان على العلم بها لزم اختلاف ثبوت الخمس واقعاً باختلاف الأشخاص من حيثية العلم والجهل بتلك الخصوصية. وإن كان على فعلية الانتفاع نوعاً لزم اختلاف مصاديق المعدن باختلاف البيئات والبلاد في استغلال الخصوصية والقدرة على الانتفاع بها وتيسر طرقه، ومن الصعب جداً الالتزام بشي‏ء من ذلك.

ومن هنا كان الظاهر أن المعدن الذي هو موضوع الحكم أمر واقعي، والاشتمال على الخصوصية التي يعظم الانتفاع بها أمر لازم له، لا مقوم لمفهومه، فلابد من تحديد ذلك الأمر الواقعي من غير طريق الخصوصية المذكورة، وهو محل الكلام في المقام.

وأما ما سبق من التذكرة والمنتهى فيشكل الاعتماد عليه، لعدم وضوح حجية مثل هذه التعاريف كأكثر تعاريف اللغويين. ولاسيما مع احتمال الاهتمام فيها بتحديد موضوع الحكم الشرعي حسب اجتهاد المعرف، من دون اهتمام بضبط المفهوم العرفي المجرد، كما احتمله في الجواهر، قال: خصوصاً مع ما وقع لهم في غير المقام من عدم التوسعة في المعدن‏. بل هو كالصريح مما في المسالك، حيث قال عن المعادن:

____________

(1) عيون أخبار الرضا ج: 2 ص: 135 طبعة النجف الأشرف‏

37

جمع معدن بكسر الدال، وهو هنا كل ما استخرج من الأرض مما كان منها، بحيث يشمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها، ومنها الملح والجص وطين الغسل وحجارة الرحى والمغرة.

مضافاً إلى أن التعريف المذكور معارض بما في القاموس وغيره مما سبقت الإشارة إليه. على أنه لم يتضح خروج هذه الأمور عن الأرض عرفاً. بل سبق عدم الإشكال في عدم خروج بعض ما سبق من الشهيدين عنها.

فلم يبق إلا ذهاب المشهور من الشيخ (قدس سره) إلى عصورنا إلى العموم، بنحو يظهر منهم دخوله في المعدن حقيقة. وفي كفاية ذلك في الحكم إشكال، ولاسيما مع احتمال استناد الشيخ لاجتهاده الشخصي في تحديد المعدن ومتابعة من بعده له لحسن ظنهم به وقناعتهم بفهمه من دون وضوح المفهوم عرفاً بالوجه الصالح للإثبات.

ومن ثم لا يتسنى لنا الجزم بدخول هذا القسم في المعدن ووجوب الخمس فيه. ولاسيما مع عدم الإشارة لشي‏ء منه في النصوص، مع التعرض فيها لكثير من أفراد القسمين الأولين التي هي ليست مورداً للابتلاء أكثر منه، بينما وقع التعرض فيها لبعض أفراده في الغوص‏ (1) مع أنه غير شايع فيه. وأولى منه بالمنع مثل طين الغسل والجص وحجر الرحى.

هذا ومع الشك فمقتضى إطلاق ما دلّ على أن الخمس بعد المؤنة البناء على ذلك إلا فيما أحرز كونه معدناً، لما ذكرناه عند الكلام في مال الناصب من ظهور أدلة ثبوت الخمس في العناوين الخاصة في خصوصيتها بنحو يثبت فيها الخمس من دون استثناء المؤنة، فلابد من إحراز تلك الخصوصية في البناء على عدم الاستثناء.

ولو غضّ النظر عن ذلك فمقتضى عموم ما دل على الملك بالحيازة ملكية المخرج لتمام ما أخرجه، ومقتضى الأصل عدم ثبوت الخمس فيه بتمامه رأساً، لأن ثبوته فيه بعد تملكه لتمامه حادث مسبوق بالعدم، ويتعين الاقتصار في الخروج عنه على‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 5

38

والعقيق والفيروزج والياقوت، والكحل (1) والملح والقير والكبريت ونحوها. والأحوط وجوباً إلحاق مثل الجصّ والنورة وحجر الرحى وطين الغسل ونحوها مما يصدق عليه اسم الأرض وكان له خصوصية في الانتفاع به (2).

-

المتيقن المستفاد مما دل على وجوب الخمس في الفوائد بعد استثناء المؤنة.

نعم بناءً على أن استثناء المؤنة في الفوائد ليس حكماً شرعياً، بل هو تخفيف من الأئمة (عليهم السلام) يتعين عدم استثنائها في مورد الشك، نظير ما تقدم في آخر الكلام في مال الناصب. فراجع.

(1) الكلام فيه يبتني على دخوله في القسم الثاني أو الثالث.

(2) لدخوله في تعريف المعدن المتقدم من الروضة. بل عن كشف الغطاء أن لوجوب الخمس فيما يحتاج إلى العمل من التراب- كالتربة الحسينية والظروف وآلات البناء- وجهاً. وكأنه لعموم التعريف المتقدم.

قال في الجواهر: لكنه كما ترى للقطع بعدم إرادة نحو ذلك من الخصوصية المذكورة، كالقطع بعدم عدّ قابلية الأرض للظروف والآلات من الخصوصية المعدنية أو الملحق بها، ضرورة قبول أكثر الأرض لذلك. وإن أريد بالخصوصية المعنى الحاصل بعد العمل من حيث العمل نفسه- كما هو ظاهر العبارة- فهو أوضح نظراً.

ومرجع ما ذكره (قدس سره) أخيراً إلى قصور التعريف عن الخصوصية الناشئة من العمل، كما هو الظاهر من الأمثلة التي اشتمل عليها، لظهور أن جميع ما ذكر فيه تثبت فيه الخصوصية بذاته مع قطع النظر عن العمل. على أنه سبق منّا الإشكال في التعريف المذكور.

وأما ما يظهر من الشهيد (قدس سره) في محكي البيان من إلحاق هذه الأمور بالمعدن حكماً وإن لم تكن منه حقيقة وعرفاً. فهو خال عن الدليل. بل مقتضى عموم ما تضمن أن الخمس بعد المؤنة عدمه، نظير ما سبق عند الكلام في الشك عموم مفهوم المعدن.

39

(مسألة 4): لا فرق في المعدن بين أن يكون في أرض مباحة ومملوكة (1)، ولا بين أن يكون المخرج مسلماً عاقلًا وغيره (2).

-

مؤيداً ذلك أو معتضداً بإشعار بعض النصوص أو ظهورها في الحصر، كمرسل حماد المتقدم. وأما الأصل فيظهر الكلام فيه مما سبق في مال الناصب. فراجع.

(1) لإطلاق الأدلة. ويأتي في المسألة الثامنة التعرض لحكم الموجود في الأرض المملوكة للغير إن شاء الله تعالى.

كما لا فرق بين كونه على وجه الأرض وكونه في باطنها. لإطلاق الأدلة، ويناسبه ما تقدم في الملح. بل حتى النفط، لأن الظاهر أنه كان سابقاً يظهر على وجه الأرض.

ودعوى: ظهور النصوص في اعتبار الإخراج. ممنوعة: لا تناسب صحيح محمد بن مسلم المتقدم في الملح. إلا أن ترجع إلى دعوى ظهورها في اعتبار العمل. لكنها أيضاً ممنوعة.

هذا وعن كشف الغطاء: لو وجد شيئاً من المعدن مطروحاً فأخذه فلا خمس‏. وقد استشكل فيه في الجواهر بما سبق منّا، لكن لا يبعد أن يكون مراد كاشف الغطاء ما إذا كان طرحه من الغير بعد إخراجه إعراضاً منه عنه. حيث لا وجه لوجوب تخميسه على واجده بعد ثبوت خمسه على آخذه، لأن المنساق من الأدلة وجوب خمس واحد في المعدن على من يأخذه أولًا.

نعم لو علم بعدم إخراج آخذه للخمس دخل في المسألة الثامنة والسبعين، لعموم ملاكها وأدلتها لذلك، كما سوف يظهر إن شاء الله تعالى. وكذا الحال لو شك في إخراج آخذه للخمس، لأن مقتضى الأصل عدمه.

وأظهر من ذلك ما لو احتمل كون آخذه الأول حيواناً لا يكون أخذه سبباً لثبوت الخمس فيه، حيث يتعين حينئذٍ ثبوته بأخذ من يأخذه بعده.

(2) فيجب فيما يخرجه الكافر والصبي والمجنون. أما وجوبه فيما يخرجه الكافر

40

(مسألة 5): يشترط في وجوب الخمس في المعدن النصاب، وهو قيمة عشرين ديناراً (1)

-

فهو ظاهر إطلاق الأصحاب، بل لا يظهر الخلاف منهم في ثبوت الخمس فيه لو ملكه. وإنما حكي عن الشيخ وظاهر البيان منع الذمي من العمل في المعدن. بل عن الشيخ أنه لو خالف وعمل ملك وعليه الخمس.

ويقتضيه إطلاق نصوص الخمس في المعدن. بل قد يستفاد من إطلاق الآية الشريفة- بناءً على ما تقدم في أول المبحث من عدم اختصاصها بغنائم دار الحرب- لأنها وإن كانت ظاهرة في خطاب المسلمين به، إلا أنه لا يبعد إلغاء خصوصيتهم لو لم يكن ثبوته في حق غيرهم أولى عرفاً، مع كون وجه تخصيص الخطاب بهم كونهم مظنة العمل عليه والانتفاع به. والأمر سهل.

نعم قد يبتني الكلام في ذلك على ما هو المعروف عندنا من تكليف الكافر بالفروع وللكلام فيه مقام آخر.

وأما منع الكافر من العمل في المعدن فيأتي الكلام فيه في المسألة الثامنة إن شاء الله تعالى. وأما وجوبه فيما يخرجه الصبي والمجنون فيأتي الكلام فيه في المسألة الثامنة والخمسين إن شاء الله تعالى.

(1) كما في النهاية والمبسوط والوسيلة والمختلف وعن الشهيد وجماعة من المتأخرين، بل نسبه في المدارك لعامتهم، وعن غيره نسبته لهم قاطبة. لصحيح البزنطي: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شي‏ء؟ فقال: ليس فيه شي‏ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة، عشرين ديناراً (1).

ودعوى: وهنه بإعراض قدماء الأصحاب عنه، لأن المشهور بينهم- كما قيل- عدم اعتبار النصاب، وفي الخلاف والسرائر الإجماع عليه. ممنوعة بعد

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1

41

عمل من عرفت به. ولاسيما مع احتمال كون عدم ذكر جملة من القدماء للنصاب ليس لبنائهم على عدم اعتباره، بل لأنهم بصدد بيان أصل وجوب الخمس في المعدن.

ومثلها دعوى: عدم التعرض فيه للخمس، بل قد يكون ناظراً لاعتبار النصاب في الزكاة، وحيث لا زكاة في الذهب غير المسكوك فليحمل على التقية، لموافقته للمحكي عن الشافعي. لاندفاعها بقوة ظهور النكرة في سياق النفي في العموم. بل حمل المعدن في السؤال على خصوص الذهب- لأنه هو الذي تجب فيه الزكاة ببلوغ النصاب المذكور- بعيد. كما أن قوله (عليه السلام): ما يكون في مثله الزكاة ظاهر في أن المراد بيان اعتبار النصاب في غير الزكاة.

إن قلت: لا مجال لتقييد مثل صحيح محمد بن مسلم الوارد في الملح ببلوغ عشرين ديناراً، لندرة ذلك. قلت: لا تتضح ندرته بنحو تمنع من تقييد الصحيح به. ولاسيما ممن يتكسب بذلك ويتسع عمله فيه.

هذا وعن أبي الصلاح الحلبي أن النصاب دينار واحد، وجعله الصدوق في الأمالي من دين الإمامية ويشهد له صحيح البزنطي عن محمد بن علي بن أبي عبد الله عن أبي الحسن (عليه السلام): سألته عما يخرج من البحر من الؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس‏ (1). ويظهر من رواية الصدوق له في الفقيه عمله به. بل قد يظهر من الكليني أيضاً.

وقد استشكل فيه بضعف سنده، لجهالة محمد بن علي راوي الحديث. بل ذكر بعض مشايخنا أنه لم يرد عنه في الفقيه إلا روايتان، إحداهما هذه، والأخرى رواها عن علي بن أسباط.

لكنه يندفع بما ذكره الشيخ في العدة من أن البزنطي لا يروي إلا عن ثقة. ولاسيما مع اعتماد المشهور عليه في الغوص بل ادعى الإجماع هناك.

فالمتعين الجمع بينه وبين الصحيح الأول بحمله على الاستحباب كما في‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 5

42

سواءً كان المعدن ذهباً أم فضة أم غيرهما (1). والأحوط إن لم يكن أقوى كفاية بلوغ المقدار المذكور، ولو قبل استثناء مؤنة الإخراج في التصفية، فإذا بلغ ذلك أخرج الخمس من الباقي بعد استثناء المؤنة (2).

-

المدارك. وربما حمل الجواب فيه على الغوص، مع إهمال حكم المعادن، كما في الوسائل وعن الشيخ، وقد يناسبه تذكير ضمير (قيمته). لكنه بعيد جداً، كما في المدارك.

هذا وفي الخلاف والسرائر وظاهر غيرهما عدم اعتبار النصاب في المعدن، وفي الدروس نسبته للأكثر، بل تقدم نسبته لمشهور القدماء. لإطلاق أدلة ثبوت الخمس. وللإجماع المشار إليه آنفاً.

لكن لابد من الخروج عن الإطلاق بالصحيح. والإجماع ليس بنحو ينهض بالحجية، كما يظهر مما يذكر في نظائره في غير المقام. ولاسيما وأنه لم يدعه إلا الشيخ الذي قد خرج عنه في المبسوط والنهاية، وابن إدريس الذي هو مسبوق بالخلاف.

ثم إن ظاهر التحديد بعشرين ديناراً ملاحظة قيمة العشرين ديناراً حين إخراج المعدن، لأن منصرف الإطلاق في الأمور التي تختلف باختلاف الأزمنة هو زمان تحقق موضوع الحكم. خلافاً لما عن الشهيد وجماعة من الاجتزاء بقيمتها التي كانت في صدر الإسلام، والتي قيل إنها مائتا درهم.

كما أن الظاهر ملاحظة مكان الإخراج، لأنه المنصرف من الإطلاق، لنظير الوجه المتقدم.

(1) لأن العشرين ديناراً وإن كانت نصاب زكاة الذهب لا غير، ونصاب زكاة الفضة مائتا درهم، إلا أنه لم يقتصر في الصحيح على التحديد بنصاب الزكاة، بل خصص النصاب فيه بالعشرين ديناراً لا غير، فتكون هي نصاب الخمس في جميع المعادن بمقتضى الإطلاق.

(3) الكلام: تارة: في أصل استثناء مؤنة الإخراج. وأخرى: في أنه لو تم الدليل‏

43

على استثنائها فهل يعتبر النصاب بعد استثنائها أو قبله. فالبحث في مقامين.

المقام الأول: في أصل استثناء المؤنة. وقد صرح باستثنائها غير واحد، وقال سيدنا المصنف (قدس سره): وادعى غير واحد عدم ظهور الخلاف فيه، وعن المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، وعن الخلاف في ظاهر المنتهى الإجماع عليه‏.

وقد استدل عليه: تارة: بإطلاق ما تضمن أن الخمس بعد المؤنة، كما في الحدائق. وأخرى: بقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم في أول الكلام في وجوب الخمس في المعدن: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه من حجارته مصفى الخمس‏، كما في الحدائق أيضاً. وثالثة: بما تضمن استثناء مؤنة تحصيل الربح في خمس أرباح التجارات ونحوها من الفوائد، بإلغاء خصوصية مورده، أو بضميمة عدم القول بالفصل، كما في الجواهر.

ويندفع الأول بما سبق في تخميس مال الناصب من قوة ظهور الإطلاق المذكور في استثناء مؤنة الإنسان الحياتية، دون مؤنة تحصيل الربح والفائدة. ولا أقل من التردد والإجمال المانع من الاستدلال. وما في الجواهر من احتمال حمله على الأعم، لا قرينة عليه، بل هو بعيد، لعدم الجامع العرفي بين المؤنتين.

والثاني بظهور الصحيح في وجوب الخمس في المعدن الموجود في الحجارة بعد تصفيته من الشوائب، لا في الصافي من ربح المعدن بعد إخراج مؤنة تحصيله.

والثالث بأنه لو تم الدليل الخاص على ذلك، فلا وجه لإلغاء خصوصية مورده بعد كون ثبوت الخمس فيه بعنوان مطلق الفائدة، وفي المقام وأمثاله لخصوصية عنوانه، ولاسيما مع افتراقهما في استثناء مؤنة الإنسان الحياتية وعدمه. وعدم القول بالفصل- لو تم- لا ينفع ما لم يرجع للإجماع الحجة على القول بعدم الفصل، وهو غير ثابت. ولو ثبت كان الاستدلال هنا بالإجماع البسيط على استثناء مؤنة تحصيل المعدن أولى، للإجماع هناك على استثنائها.

فلعل الأولى في المقام ما أشار إليه في الجواهر من أن المناسبات الارتكازية

44

قاضية بأن وجوب الخمس في المعدن والكنز والغوص ليس إلا كوجوبه في غنائم الحرب، وأرباح المكاسب ونحوها من الفوائد، بلحاظ دخولها في عموم الغنيمة والفائدة، فهي من صغريات كبرى الخمس التي تضمنتها الآية الشريفة، لا كبريات مستقلة في قبالها، كما يناسبه ظهور النصوص في المفروغية عن كون مصرف الخمس فيها هو مصرفه الذي تضمنته الآية الشريفة.

بل هو كالصريح من رواية الخصال- المتقدمة في أول البحث عند الكلام في عموم الآية- المتضمنة أن الخمس في الكنز إمضاء لسنة عبد المطلب، ومما عن تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين في بيان أوجه معايش الخلق المذكورة في القرآن، قال (عليه السلام): فأما وجه الأمارة فقوله: واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه ... فجعل الله خمس الغنائم. والخمس يخرج [يجري. خ. ل‏] من أربعة وجوه من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، ومن الغوص ... ويجري هذا الخمس على ستة أجزاء ... (1).

وحينئذٍ فمن الظاهر عدم صدق الغنيمة والفائدة عرفاً على المعدن وغيره إلا بعد استثناء مؤنة إخراجه وتحصيله، وبذلك يكون مستغنياً عن الدليل. ولعل هذا هو منشأ التسالم عليه بين الأصحاب مع عدم وجود دليل معتد به عليه، حتى ذكر سيدنا المصنف (قدس سره): أن الدليل في المسألة هو الإجماع.

نعم الظاهر اختصاص المؤنة المستثناة بمؤنة الإخراج والتحصيل، دون مؤنة الفحص عن وجود المعدن في موضعه، لعدم دخلها في الاسترباح. ولعله ظاهر.

المقام الثاني: في أن النصاب هل يعتبر بعد استثناء المؤنة، فإذا حصل من المعدن مقدار خمسة وعشرين ديناراً مثلًا، أو كانت المؤنة عشرة دنانير فلا خمس، أو يعتبر قبلها وإن كان الذي يخمس هو الباقي بعدها، ففي الفرض المتقدم يجب تخميس الخمسة عشر الباقية بعد المؤنة؟ وجهان أختار أولهما في الجواهر، قال: وفاقاً للمنتهى‏

____________

(1) صدره في وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث: 12، وذيله باب: 1 من أبواب قسمة الخمس حديث: 12

45

والتذكرة والدروس، بل ظاهر الأولين كونه مجمعاً عليه بيننا، حيث نسب الخلاف فيه فيهما إلى الشافعي وأحمد، بل في المسالك نسبته إلى تصريح الأصحاب أيضاً. بل قال إنهم لم يتعرضوا فيه لخلاف كما ذكروه في مؤنة زكاة الغلات‏.

وقرب في المدارك الثاني، وتبعه بعض المتأخرين، وعليه جرى سيدنا المصنف (قدس سره) وبعض مشايخنا، واستدل له بإطلاق صحيح البزنطي المتضمن ثبوت شي‏ء فيه إذا بلغ عشرين ديناراً، والمتيقن من دليل استثناء المؤنة استثناؤها من وجوب إخراج الخمس، ومرجع ذلك إلى أنه إذا بلغ المعدن عشرين ديناراً وجب إخراج الخمس مما بقي منه بعد استثناء المؤنة.

وفيه: أولًا: أن مرجع ذلك إلى دعوى أن استثناء المؤنة لتحديد موضوع الخمس الثابت مع إطلاق موضوع ثبوته، لا لتحديد موضوع ثبوته، وهو خلاف الدليل المتقدم للاستثناء المذكور، حيث كان المدعى عدم صدق الغنيمة والفائدة التي هي موضوع ثبوت الخمس إلا على الباقي بعد استثناء المؤنة من المعدن.

كما أن ذلك هو الظاهر من الأدلة التي سبق منهم الاستدلال بها وسبق منا الإشكال فيها، وهي صحيح زرارة وإطلاق ما تضمن أن الخمس بعد المؤنة، وإلحاق المقام بأرباح التجارات ونحوها من الفوائد التي يثبت استثناء المؤنة منها، فإنها بأجمعها تقتضي كون استثناء المؤنة لتحديد موضوع ثبوت الخمس، لا لتحديد موضوع الخمس الثابت من دون أن يكون دخيلًا في موضوع ثبوته.

بل لو كان الدليل على أصل استثناء المؤنة هو الإجماع- كما سبق من سيدنا المصنف (قدس سره)- فالظاهر أنه دليل في المقام على كون استثناء المؤنة بالوجه الذي ذكرنا، إذ لا يظهر الخلاف ممن حكم باستثناء المؤنة في كون النصاب بعدها إلا من صاحب المدارك ومن تبعه، ولا ريب في عدم قدح خلافهم في انعقاد الإجماع.

وثانياً: أن مقتضى الجمع بين صحيح البزنطي ونصوص الخمس كون المراد بالشي‏ء فيه هو الخمس، مع أنه إذا كان موضوعه تمام المعدن، لا خصوص ما يبقى‏

46

(مسألة 6): إذا أخرجه دفعات كفى بلوغ المجموع النصاب وإن أعرض في الأثناء ثم رجع. نعم إذا أهمله مدة طويلة على نحو يتعدد الإخراج عرفاً، لا يضم اللاحق إلى السابق (1).

-

منه بعد المؤنة، فالثابت فيما يبلغ النصاب منه أقل من خمس المعدن، بل قد لا يثبت شي‏ء، لاستغراق المؤنة للمعدن، وهذا بخلاف ما إذا كان موضوعه المعدن الصافي بعد المؤنة، حيث يثبت خمسه فيه مطلقاً.

ومنه يظهر حال ما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره) من أنه مع فرض إجمال الصحيح من هذه الجهة فالمرجع إطلاق ما تضمن وجوب الخمس في المعدن، ويقتصر في تقييده على المتيقن، وهو صورة عدم بلوغ النصاب.

إذ فيه: أن الإطلاق إنما تضمن وجوب الخمس في المعدن، لا وجوب شي‏ء مطلقاً ولو كان دون الخمس، فبعد فرض استثناء المؤنة لا يكون الثابت بعد النصاب في المعدن الخمس إلا بحمل المعدن الذي هو موضوع ثبوت الخمس على الصافي بعد المؤنة، كما ذكرنا. فلاحظ.

هذا ولو فرض الإجمال- وعدم وضوح كيفية الجمع بين الإطلاق ودليلي النصاب واستثناء المؤنة- يكون المرجع الأصل، المقتضي لعدم وجوب شي‏ء لو كان الباقي بعد استثنائها دون النصاب، كما أشرنا إليه في آخر الكلام في تحديد المعدن. ولا يجري هنا ما ذكرناه هناك في استثناء المؤنة الحياتية من احتمال كونه تخفيفاً من الأئمة (عليهم السلام)، لا حكماً شرعياً.

ولعله لهذا ونحوه ذكر في الجواهر أن المنساق من الأدلة هو اعتبار النصاب بعد استثناء المؤن، كما جرى عليه الأصحاب قبل صاحب المدارك من دون خلاف يعرف، وهو المتعين بعد ما سبق.

(1) قال في التذكرة: ويعتبر النصاب فيما أخرجه دفعة أو دفعات لا يترك‏

47

العمل بينها على سبيل الإهمال، فلو عمل ثم أهم ثم عمل لم يضم أحدهما إلى الآخر. ولو ترك للاستراحة أو لإصلاح آلة أو لقضاء حاجة ضم الثاني إلى الأول‏. ونحوه عن المنتهى ومحكي التحرير وحاشية الشرايع وشرح المفاتيح والروض.

لكن في الدروس عدم الفرق بين الدفعة والدفعات، وفي المسالك: ولا يشترط اتحاد زمان الإخراج، ولا اتصال النية، بل لو أعرض عنه ثم تجدد له العزم ضم بعضه إلى بعض، خلافاً للفاضل‏، ونحوه في الروضة والمدارك وعن الأردبيلي والذخيرة.

وكأن مرجع الخلاف إلى الخلاف في اعتبار الوحدة في موضوع النصاب وعدم اعتبارها. ولا يخفى أن مقتضى الإطلاق وإن كان هو عدم اعتبار الوحدة إلا أن لازم ذلك كفاية تتميم النصاب مع تباعد الفترات كثيراً، وغرابة ذلك تصلح قرينة على إرادة وحدة الإخراج عرفاً لتقارب الفترات بحيث يصلح عرفاً نسبة مقدار النصاب فما زاد للعمل الواحد، ولو مع تخلل الإعراض، بحيث يكون العود رجوعاً للعمل عرفاً، لا شروعاً في عمل جديد.

هذا وقد صرح السيد الطباطبائي باعتبار وحدة محل تكوّن المعدن واستخراجه في النصاب، وعليه جرى سيدنا المصنف (قدس سره) وبعض مشايخنا، ومال إليه في الجواهر، مدعياً أنه المنساق من الأدلة، وإن استظهر أولًا عدم اعتبار الوحدة المذكورة، تبعاً لما حكاه عن صريح كشف الغطاء وظاهر الدروس. والوجه في اعتبارها قوله في الصحيح المتقدم: عما أخرج المعدن‏، لظهوره في أن المراد بالمعدن محل الشي‏ء ومنبته- الذي تقدم في أول مبحث وجوب الخمس في المعدن أنه قد يراد من لفظه- ومقتضى إفراده إرادة الواحد منه.

نعم هذا هو الموجود في التهذيب والوسائل المطبوعين حديثاً والمختلف المطبوع قديماً. والموجود في نسخة سيدنا المصنف (قدس سره) المصححة من الوسائل: عما يخرج من المعدن‏، وفي المدارك والحدائق المطبوعين حديثاً: عما أخرج من المعدن‏. ولا يخلو مضمونهما عن إجمال، لأن (من) فيهما إن كانت ابتدائية- نظيرها في قولنا: خرج الماء

48

من البئر- رجعت إلى النسخة الأولى مفاداً، وإن كانت بيانية- نظيرها في قولنا: ما شربته من الماء- كان المعدن فيهما بمعنى نفس الشي‏ء المستخرج، وحيث كان يصدق على القليل والكثير- كالماء- فمقتضى إطلاقه عدم اعتبار وحدة المحل، وحيث كان الإجمال مسقطاً للنسخة المذكورة عن الحجية، لزم التعويل على النسخة الأولى. بل قد تصلح قرينة على حمل النسخة الأخرى على ما يطابقها، بأن يكون منشأ الاختلاف بينهما النقل بالمعنى.

اللهم إلا أن يقال: لا مجال لاحتمال النقل بالمعنى في موارد اختلاف نسخ الحديث الواحد، لما هو المعلوم من ابتناء تدوين الحديث ونسخه على الحفاظ على اللفظ، وليس هو كحكايته شفاهاً قد تبتني على النقل بالمعنى. ومن ثم يتعين كون الاختلاف في المقام ناشئاً عن الخطأ في النقل، الراجع لتكاذب النسختين وتعارضهما.

كما أن سقوط أحد النقلين بالإجمال وتعين الآخر للحجية إنما يتم مع اختلاف الحديثين، لتمامية موضوع الحجية في المبين، والشك في معارضة المجمل له، ولا ترفع اليد عن الحجية باحتمال وجود المعارض. أما مع اختلاف نسخ الحديث الواحد أو روايته فلا يحرز صدور المبين بسبب التكاذب المذكور، ليكون حجة في مضمونه، بل يتعين التوقف.

نعم اختلاف النسخ إنما هو في الوسائل، وهو موجب لسقوط روايته عن الشيخ (قدس سره) عن الحجية. أما التهذيب فلم يثبت اختلاف النسخ فيه. غاية الأمر أن النقل عنه في المدارك والحدائق يختلف عما هو المثبت فيه، وهو- مع معارضته بالنقل عنه في المختلف- لا يوجب وهن ما هو المثبت في التهذيب، لشيوع الخطأ في كتب الفقه في النقل عن كتب الحديث، بنحو يرتفع الوثوق بالنقل في كتب الفقه مع اختلافه عما هو المثبت في كتب الحديث، ومن ثم لا مسقط لرواية التهذيب عن الحجية. فلاحظ.

ومنه يظهر عدم اعتبار وحدة الخارج جنساً إذا كان الخروج من معدن واحد، كما في الدروس والمسالك والمدارك، وعن المنتهى وجماعة، ونفى الإشكال‏

49

(مسألة 7): إذا اشترك جماعة كفى بلوغ مجموع الحصص النصاب (1).

(مسألة 8): المعدن في الأرض المملوكة (2)

-

فيه في الجواهر، لإطلاق الصحيح، بناءً على ما عرفت من حمل المعدن فيه على المحل لا على الخارج. خلافاً لما عن بعض الجمهور، فلا يضم مطلقاً أو في الذهب والفضة خاصة.

(1) قال سيدنا المصنف (قدس سره): كما مال إليه في الجواهر وشيخنا الأعظم (رحمه الله) وحكي عن الحدائق والمستند. لإطلاق الصحيح‏.

لكن الجمود على الإطلاق المذكور يقتضي الاكتفاء بتعدد المخرج ولو مع عدم الشركة. ومن ثم كان من القريب جداً انصراف الصحيح إلى فرض وحدة المالك. ولاسيما مع اشتماله على تحديد النصاب بنصاب الزكاة، فإنه وإن كان المراد به التحديد من حيثية المقدار لا غير، إلا أن ذكر عنوان الزكاة قد يشير إلى أن اعتبار النصاب هنا على نحو اعتباره هناك. ولعله لذا صرح بذلك في المسالك والمدارك، وحكي غير واحد، وفي الجواهر: بل لا أعرف من صرح بخلافه‏.

اللهم إلا أن يفرق بين تعدد المالك مع الشركة وتعدده بدونها بصدق وحدة الإخراج عرفاً في الأول دون الثاني. وأما ما ذكر أخيراً من إشارة التحديد بنصاب الزكاة إلى ذلك. فهو لا يبلغ مرتبة القرينة الصالحة لتقييد الإطلاق.

(2) اعلم أن الأصحاب قد اختلفوا في المعادن على أقوال:

الأول: أنها من الأنفال- التي هي لله والرسول، وللإمام من بعده- مطلقاً، كما في الكافي- للكليني- والمقنعة والنهاية والمراسم، وعن القاضي والكفاية والذخيرة وظاهر كشف الغطاء. وقد يظهر من تفسير القمي.

الثاني: أنها تابعة للأرض التي هي فيها، فإن كانت من الأنفال- كالأرض الموات، والخربة التي انجلى أهلها ورؤوس الجبال- كانت منها، وإلا فلا، كما في‏

50

الروضة وعن الحلي والعلامة في المنتهى والتحرير وغيرهما.

الثالث: أن الناس فيها شرع سواء، كما هو مقتضى إطلاق المحقق والشهيد في النافع، واللمعة ومحكي البيان، وحكي عن جماعة، وعن الدروس أنه الأشبه.

والثاني وإن كان هو الأقرب بدواً، لمناسبته لما هو المرتكز من تبعية ما في الأرض لها. إلا أنه يستدل للأول بموثق إسحاق بن عمار: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأنفال، فقال: هي القرى التي قد خربت وانجلى عنها أهلها، فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام، وما كان من الأرض بخربة [الخربة] لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا ربّ لها، والمعادن منها. ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال‏ (1)، المعتضد بمرسل العياشي عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: لنا الأنفال. قلت: وما الأنفال؟ قال: منها المعادن والآجام وكل أرض لا رب لها وكل أرض باد أهلها، فهو لنا (2)، ومرسله الآخر عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت: وما الأنفال؟ قال: بطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام والمعادن، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض ميتة قد جلا أهلها وقطائع الملوك‏ (3).

وقد استشكل فيه- بعد ضعف الأخيرين بالإرسال- بأن دلالة الموثق موقوفة على رجوع ضمير (منها) إلى الأنفال، وهو غير ظاهر، لاحتمال رجوعه إلى الأرض. بل لعله الأنسب بالسياق، لأنها أقرب. بل إرادة الأنفال من الضمير لا تناسب التصريح بها في الفقرة الأخيرة، بل كان الأولى إبدال الضمير بالظاهر والاكتفاء بالضمير في الفقرة الأخيرة، فيقال: والمعادن من الأنفال، ومن مات وليس له مولى فماله منها. ولاسيما وأن بعض النسخ (فيها) بدل (منها). وحينئذٍ لا يدل الموثق إلا على أن المعادن التي في الأرض المذكورة من الأنفال تبعاً لها، فيناسب القول الثاني.

ويندفع بأن السياق لا يقتضي رجوع الضمير إلى الأرض، وإن كانت أقرب،

____________

(1 و 2 و 3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 20 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 2، 28، 32

51

لأنها مذكورة بالتبع، والأنفال مذكورة بالأصل، لأنها المسؤول عنها والتي سيقت الفقرات في الجواب لبيانها، فهي الأولى برجوع الضمير. بل الضمير مسبوق بأرضَين الأرض الخربة والأرض التي لا رب لها، فإن أريد رجوعه لهما معاً كان اللازم تثنية الضمير، وإن أريد رجوعه للثانية فقط فمن المعلوم أنه لا خصوصية فيها تقتضي التنبيه على أن المعادن التي فيها من الأنفال بعد كونهما معاً من الأنفال.

على أن رجوع الضمير إلى الأرض يبتني على أن الواو استئنافية والجملة سيقت لبيان أن المعادن تخرج من هذه الأرض، وهو أمر مبتذل خارج عن مساق السؤال والجواب.

وأما حمل الواو معه على العطف لبيان أن المعادن المذكورة من الأنفال، فهو موقوف على كون (منها) حال من المعادن، لا خبراً، بل ولا صفة، لأن الظرف- كالجملة- لا يقع صفة للمعرفة، ومن الظاهر أن حمل الظرف هنا على الحال بعيد جداً، لأنه أمر ثابت لا طارئ.

ومن ثم لا ينبغي التأمل في قوة ظهور الكلام في رجوع الضمير للأنفال. ومعه لا يهم كون الأنسب إبدال الضمير بالظاهر، مع الاكتفاء بالضمير في الفقرة الأخيرة. على أنه لا يخلو عن إشكال بعد كون الفقرة الأخيرة جملة مستأنفة.

وأما النسخة المتضمنة (فيها) بدل (منها) فهي غير متحصلة لنا بعد كون الموجود في تفسير القمي وفي الوسائل عنه هو النسخة المعروفة، وإنما ذكر في الجواهر أن ذلك محكي عن بعض النسخ. على أنها تشكل في نفسها بما سبق من الإشكال في رجوع ضمير (منها) للأرض. ولاسيما مع اعتضاد الموثق بمرسلتي العياشي.

هذا وقد استدل للقول الثالث- مضافاً إلى السيرة- بإشعار أخبار ثبوت الخمس في المعادن بعدم ملكية الإمام لها، إذ لا معنى لوجوب الخمس على غيره مع كونها ملكاً له. مع أن ظاهر الأخبار المذكورة أن ملك المخرج للباقي بعد الخمس بأصل الشرع لا بتحليل الإمام. ولاسيما بملاحظة ما سبق عند الكلام في وجه استثناء مؤنة إخراج المعدن من أن المنساق من الأدلة المذكورة كونه من صغريات كبرى ثبوت الخمس في‏

52

الفائدة والغنيمة التي تضمنتها الآية الشريفة.

لكنه يندفع بأن كون المعادن للإمام لا ينافي وجوب الخمس منها على غيره إذا ملكها بالإخراج والحيازة. وتنزيل أدلة وجوب الخمس في المعادن على ملكية المخرج للباقي بتحليل الإمام لا بأصل الشرع جمعاً مع نصوص المقام غير عزيز.

على أنه لا ملزم بذلك، إذ لا مانع من كونها ملكاً للإمام مع ملكية المخرج لها بأصل الشرع، ولو لأجل الحث على استخراج المعادن، لينتفع بها ولا تتعطل، نظير ما دلّ على أنه إذا غرقت السفينة وترك صاحبها إخراج ما فيها فمن أخرج شيئاً منه ملكه‏ (1). نعم قد ينافي ذلك ظهور نصوص تحليل الأنفال في أن ملكيتها لمن استولى عليها ليس بأصل الشرع، والأمر سهل.

ومثله ما قيل من أن اللازم حينئذٍ اختصاص الخمس بالإمام، لأنه عوض ملكه، ولا يوزع على الأصناف. إذ فيه: أنه حينئذٍ ليس عوضاً عن ملكه، بل جزء منه، وكما أمكن ملكية المخرج للباقي بعد الخمس بأصل الشرع أو بتحليل الإمام أمكن اختصاص الأصناف بحصصها من الخمس بعد الإخراج.

ومنه يظهر وهن الاستدلال لعدم كونها من الأنفال بالسيرة. إذ السيرة إنما تقتضي ملكيتها بالإخراج والحيازة، وقد عرفت عدم منافاة ذلك لكونها من الأنفال. ولذا قامت السيرة على ذلك في كثير مما ثبت كونه من الأنفال، كالأرض الموات، وقصب الآجام وغيرهما.

إذا عرفت هذا فلا إشكال في جواز استخراج المعدن للشيعة، من دون فرق بين القول بكونه مباحاً أصلياً وكونه من الأنفال، لنصوص تحليل الأنفال لهم، ففي معتبر الحارث بن المغيرة النضري عن أبي جعفر (عليه السلام): إن لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال ولنا صفوا المال .. اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا (2)، ونحوه غيره.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 17 باب: 11 من أبواب كتاب اللقطة

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 14

53

بل يظهر من الأصحاب المفروغية عن جواز استخراج المخالفين له وملكيتهم لما يستخرجون مطلقاً، حيث اقتصروا على حكايتهم عن الشيخ وظاهر البيان منع الذمي من العمل في المعدن.

وهو متجه بناء على كونه مباحاً أصلياً. أما بناء على كونه من الأنفال- مطلقاً، أو في الجملة- فيشكل بظهور نصوص التحليل في اختصاصه بالشيعة لتطيب ولادتهم، فإن رفع اليد عن ذلك وتعميمه لغيرهم صعب جداً. ولاسيما ما هو المعلوم من شدة موقف الأئمة (عليهم السلام) مع غير شيعتهم.

بل هو خلاف ظاهر مثل صحيح أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا. ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّ‏ (1)، وموثق الحارث بن المغيرة النضري عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنه قال: إن لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال، ولنا صفوا الأموال .. وإن الناس يتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت .. اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا .. (2).

كما أن تنزيل أدلة الحيازة على خصوص الشيعة صعب جداً، لمخالفته للسيرة، حيث لا إشكال في إجراء المتشرعة أحكام الملك على ما يحوزه المسلمون من غير الشيعة، بل حتى الكفار، حيث لا إشكال في بناء المتشرعة على ملكية الحائز لما يحوزه من المعادن وإن كان مخالفاً، بل وإن كان كافراً، فيحرم اختلاسه ممن هو محترم المال منهم، كما يحرم اختلاسه ممن تترتب ملكيته من الشيعة على ملكيتهم- كالوارث والمشتري- ولو قبل القبض.

والإشكال المذكور لا يختص بالمعادن، بل يجري في غيرها من الأنفال التي تملك بالحيازة أو الأحياء، كخشب الآجام، والأرض الموات وغيرها، مع صراحة غير

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 1

(2) التهذيب ج: 4 ص: 145، وذكر بعض الحديث مقطعاً في وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 14

54

ملك لمالكها (1) وإن أخرجه غيره بدون إذنه فهو لمالك الأرض،

-

واحد من النصوص في عدم حلية الأرض لغير الشيعة، ففي صحيح أبي سيار عن أبي عبد الله (عليه السلام): وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا، فيجيبهم طسق ما كان في أيديهم وترك الأرض في أيديهم. وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة (1). وقريب منه غيره.

ومن هنا كان المتعين الجمع بين السيرة والنصوص المذكورة بالبناء على أن الملك بالحيازة والإحياء ليس حقيقياً، بل حكمياً من أجل تنظيم أمور الشيعة في حال الهدنة التي لزمتهم، فتترتب في حقهم أحكام ملكية غيرهم لما تحت أيديهم، مثل حرمة تصرف الشيعة بغير إذن من يكون المال تحت يده، وميراثهم منهم ونفوذ معاملاتهم معهم. ولا تترتب تلك الأحكام في حق من يكون المال تحت يده من غير الشيعة، فيحرم عليهم التصرف في المال، ولا تنفذ معاملاتهم عليه فيما بينهم، بل ولا مع الشيعة، فإذا باعوا للشيعي شيئاً من الأنفال ملكه الشيعي بمقتضى ملكيتهم الحكمية وإن لم يملكوا هم الثمن، نظير الغاصب إذا باع لنفسه.

ومن ذلك يظهر الحال في الكافر، لعدم الفرق بينه وبين المخالف. خلافاً لما سبق عن الشيخ وظاهر البيان. ولذا قال في محكي المدارك: لم أقف له على دليل يقتضي منع الذمي عن العمل في المعدن‏.

وأشكل من ذلك ما حكي عن الشيخ أيضاً من أنه لو خالف وعمل ملك وكان عليه الخمس. إذ فيه: أن دليل مملكية الحيازة إن عمه فلا وجه لمنعه من العمل، وإن قصر عنه فلا وجه لتملكه لما أخرج.

(1) كما في التذكرة وجامع المقاصد والمدارك، وعن الجواهر: لا خلاف‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 12