الفقه على المذاهب الأربعة و مذهب أهل البيت(ع) - ج2

- عبد الرحمن الجزيري المزيد...
440 /
9

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الكتاب (1)

أحمد اللّٰه تعالى حمدا كثيرا، و أصلي و أسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء و المرسلين، و على آله و صحبه أجمعين.

و بعد: فإنني لما وفقني اللّٰه لصوغ الجزء الأول من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة «قسم العبادات» بالعبارة التي ظهر بها، رأيت من الجمهور إقبالا عليه لسهولة وقوفهم على ما يريدونه من أحكام الفقه في مذاهبهم، و جمعه كثيرا من تلك الأحكام المبعثرة التي يستنفد الوقوف عليها مجهود أهل العلم الإخصائيين، فضلا عن غيرهم من عامة المسلمين، فبعثي ذلك الإقبال إلى التفكير في تأليف سائر أبواب الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة «قسم المعاملات، و قسم الأحوال الشخصية». و صوغه بمثل هذه العبارات أو أوضح منها، كي ينشط الناس إلى معرفة أحكام دينهم في المعاملات و الأحوال الشخصية، و يعملوا بها إذا عرفوا أحكام دينهم الحنيف في بيعهم و شرائهم، و أقضيتهم، و أنكحتهم، و ما يتعلق بذلك، و استبان لهم سماحة الإسلام مع دقته في التشريع، و إحاطته بكل صغير و كبير مما يجري في المعاملات بين جميع طوائف البشر مما يتضاءل بإزائه تشريع المشرعين، و تقنين المقنين، من غريبين و شرقيين، فرنسيين و رومانيين، دعتهم عظمته، و حملتهم ذقته و سماحته إلى الأخذ به، و التعويل عليه، فيعيشوا عيشة راضية مرضية، إذ ترتفع من بينهم أسباب الشقاق المفضية إلى ضياع الأموال و الأنفس، و توفر عليهم ما ينفقونه من الأموال في المواضع التي نهاهم اللّٰه عن الإنفاق فيها، كالإنفاق في الخصومات الباطلة و ما إليها قال تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ الآية.

ذلك بعض ما ينتجه العلم بأحكام الدين و العمل بها في دار الدنيا، أما في الآخرة فإن اللّٰه قد وعد العامل بدينه نعيما خالدا و ملكا مقيما، على أنني رأيت في أول الأمر أن ذلك العمل خطير بالنسبة لرجل ضعيف مثلي، قد تطغى عليه مظاهر الحياة و تفتنه شواغلها، و لكن ثقتي باللّه الذي هداني

____________

(1) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.

10

إلى إتمام العمل في الجزء الأول و أعانني عليه، جعلني أقدم على تنفيذ ما فكرت فيه لا إهاب صعوبة و لا أخشى مللا، لأنني لا أريد غير مرضاة ربي الذي بيده ملكوت كل شي‌ء و إليه يرجع كل شي‌ء، و لا أبتغي إلا أن أكون مقبولا لديه في يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون، و من استعان بربه وحده فإن اللّٰه كفيل بمعونته. و هو نعم المولى و نعم النصير. فهو وحده المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، و أن يقيني شر الافتتان بمظاهر الحياة الدنيا، و أن يحفظني من شر السعي وراء المغانم الدنيوية بوسائل الآخرة، و إن ينفع به المسلمين كما نفع بالجزء الأول منه.

هذا، و قد قسمت ما بقي من الأحكام إلى ثلاثة أجزاء: منها جزآن في المعاملات، و جزء في الأحوال الشخصية و الفرائض، و ستظهر كلها في زمن قريب إن شاء اللّٰه. و هذا هو الجزء الثاني نموذجا للجزء الثالث و الرابع في ترتيبه و عبارته، فإن كنت قد هديت إلى ما أردت، فإنني أكرر الثناء على ربي الذي هداني، و إن كانت الأخرى فإنني إنسان ضعيف قد فعلت ما أقدرني عليه العليم القدير.

و بعد: فقد كنت عزمت على أن أذكر حكمة التشريع بإزاء أحكامها، كما أذكر أدلة الأئمة، و لكني أعرضت عن ذلك لأنني رأيت في مناقشة الأدلة دقة لا تتناسب مع ما أردته من تسهيل للعبارات، و رأيت في ذكر حكم التشريع تطويلا قد يعوق عن الحصول على الأحكام فوضعت حكمة التشريع في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق.

أما الأدلة: فقد أفردها كثير من كبار علماء المسلمين بالذكر و كتبوا فيها أسفارا مطولة، و لكن مما لا شك فيه أن الحاجة ماسة إلى وضع كتاب فيها يبين فيه اختلاف وجهة نظر كل واحد منهم بعبارة سهلة، و ترتيب يقرب إدراك معانيها، فلهذا قد عزمت على وضع كتاب في ذلك مستعينا باللّٰه وحده، و بذلك تتم الفائدة من جميع جهاتها، و يعلم الناس أن أئمة المسلمين قد فهموا الشريعة الإسلامية السمحة حق الفهم، و يدرك الباحثون في التشريع أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بما فيه مصلحة الناس جميعا، و أنها لم تترك صغيرة و لا كبيرة من دقائق التشريع و عجائب الأحكام إلا و قد أشارت إليه، و أنها صالحة لكل زمان و مكان، فهي خالدة قائمة مدى الدهور و الأزمان، لأنها من لدن حكيم عليم.

المؤلف

11

كتاب الحظر و الإباحة

13

مبحث ما يمنع أكله و ما يباح أو ما يحل، و ما لا يحل

يحرم (1) من الطير أكل كل ذي مخلب «ظفر» يصطاد به، كالصقر و الباز و الشاهين و النسر و العقاب و نحوها، بخلاف ما له ظفر لا يصطاد به كالحمام فإنه حلال.

و يحرم (2) أكل كل ذي ناب من سباع البهائم، يسطو به على غيره، كالأسد و النمر و الذئب و الدب و الفيل و القرد (3) و الفهد و النمس «و يسمى ابن

____________

(1) المالكية- قالوا: يحل أكل كل حيوان طاهر غير ضار لم يتعلق به حق الغير، فيجوز أكل الطير الذي له مخلب كالباز و النسر، إلخ ما ذكر.

أهل البيت (ع): يحرم من الطيور أصناف:

الأول: ما كان ذا مخالب قوي يعدو به على الطير كالبازي و الصقر و العقاب و الشاهين و الباشق أو ضعيف كالنسر و الرخمة و البغاث.

الثاني: ما كان صفيفه أكثر من دفيفه فإنه يحرم و لو تساويا أو كان دفيفه أكثر لم يحرم.

الثالث: ما ليس له قانصة و لا حوصلة و لا صيصية فهو حرام و ما له أحدهما فهو حلال ما لم ينص على تحريمه.

1- القانصة: قطعة صلبة تجتمع فيها الحصاة الدقاق التي يأكلها الطير.

2- الحوصلة: ما يجتمع فيه الحب و غيره من المأكول عند الحلق.

3- الصيصية: هي الشوكة التي في رجل الطير موضع العقب.

الرابع: ما نص على تحريمه عينا كما سيأتي (1).

(2) المالكية- قالوا: يكره أكل سباع البهائم المفترسة كالأسد و النمر، إلى آخر ما ذكر، إلا أن في القرد قولين: قول بالحرمة، و قول بالكراهة، و المعتمد الكراهة، و مثل القرد النسناس عندهم.

(3) أهل البيت (ع): إن حرمة أكل لحم الدب و الفيل و القرد ليست من جهة كونه ذا ناب يسطو به على غيره بل من جهة كونها من المسوخ (2) و الأدلة المعتبرة قد دلت على حرمة أكل لحمها.

____________

(1) شرائع الإسلام ص 746.

(2) تحرير الوسيلة 2/ 146.

14

آوى» (1) و الهرة أهلية كانت أو وحشية، فخرج ما له ناب لا يسطو به على غيره كالجمل فإنه حلال.

و من الطير (2) المحرم الهدهد و الخطاف (3) «طائر أسود معروف» و الصرد بفتح الراء «طائر عظيم الرأس يصطاد الطيور، و لا يأكل إلا اللحم» و البوم و الخفاش «الوطواط» و الرخم و العقعق (4) «و هو غراب فيه بياض و سواد تتشاءم العرب منه» و الأبقع «و هو غراب فيه سواد و بياض و لا يأكل إلا الجيف» أما غراب الزرع فحلال» (5) و هو أسود له منقار أحمر و رجلاه أحمران» و يحرم أيضا الغداف «و هو غراب كبير وافي الجناحين» و يسم «غراب القيظ، بالقاف، لأنه يجي‌ء في زمن الحر.

____________

(1) أهل البيت (ع): قسم فقهائنا السباع من البهائم الى قوي و ضعيف و ابن آوى من السباع الضعيفة و كذلك الثعلب و الضبع (3). و عليه يكون أكل هذه الحيوانات المفترسة محرما.

(2) المالكية- قالوا: يحل أكل الهدهد مع الكراهة، و كذلك يحل أكل الخطاف و الرخم و سائر الطيور إلا الوطواط فإنه مكروه، و قيل حرام، و القولان مشهوران.

الحنفية- قالوا: يحل أكل الخطاف و البوم، و يكره في الصرد و الهدهد، و في الخفاش قولان: الكراهة و الحرمة.

(3) أهل البيت (ع): يكره أكل لحم الخطاف و الهدهد و الصرد (طائر ضخم الرأس و النقار يصيد العصافير ابقع نصفه اسود و نصفه أبيض) و الصوام: (و هو طائر غبر اللون طويل الرقبة أكثر ما يبيت في النخل) و الشقراق (و هو طائر اخضر مليح بقدر الحمام خضرته حسنة مشبعة في أجنحته سواد يكون مخططا بحمرة و خضرة و سواد). و الفاختة و القبرة (4).

(4) الحنفية- قالوا: إن أكل العقعق مكروه فقط، لأنه يأكل الحب تارة، و الجيف تارة أخرى.

المالكية- قالوا: يحل أكل الغراب بجميع أنواعه.

أهل البيت (ع): اختلف فقهاء مذهب أهل البيت (ع) على قولين في أصناف الغراب منهم من قال بحلية الزاغ و هو غراب الزرع و الغداق و هو أصغر منه أغبر اللون كالرماد و يتأكد الاحتياط في الأبقع الذي فيه سواد و بياض و يقال له: العقعق و الأسود الكبير الذي يسكن الجبال و هما يأكلان الجيف و يحتمل قويا كونهما من سباع الطير فتقوى فيهما الحرمة بل الحرمة في مطلق الغراب لا تخلو من قرب (5).

(5) أهل البيت (ع): ذكرنا أنه يحرم الغراب على أشكال في بعض اقسامه و إن كان الأظهر الحرمة في الجميع (6).

____________

(3) شرائع الإسلام ص 746

(4) منهاج الصالحين 2/ 379

(5) تحرير الوسيلة 2/ 146

(6) منهاج الصالحين 2/ 379

15

و يحرم من البهائم أكل الحمر (1) الأهلية بخلاف حمر الوحش فإنها حلال، و كذا يحرم أكل البغل الذي أمه حمارة، أما البغل (2) الذي أمه بقرة أو أبوه حمار وحشي و أمه فرس فأكله حلال، لتولده من مأكولين. و كذلك يحرم (3) أكل ابن عرس «العرسة»، و يحل منها أكل الخيل (4) و الزرافة (5) و الظبي، و بقر الوحش بأنواعه و القنفذ (6) صغيره و كبيره، و الأرنب (7) و اليربوع (8) و تسميه العامة الجربوع «و هو حيوان صغير مثل الفأر» إلا أن ذنبه و أذنيه أطول و رجلاه أطول من يده عكس الزرافة و الضب (9)

____________

(1) المالكية- قالوا: في الحمر الأهلية و الخيل و البغال قولان، المشهور منهما التحريم، و الثاني الكراهة في البغال و الحمير، و الكراهة و الإباحة في الخيل.

أهل البيت (ع): يكره أكل لحم البغال و الخيل و الحمير (7).

(2) أهل البيت (ع): البغال مطلقا محللة على كراهية كما تقدم.

(3) الشافعية- قالوا: يحل أكل العرسة.

(4) الحنفية- قالوا: أكل الخيل مكروه كراهة تنزيه على المفتي به.

(5) الشافعية- قالوا: يحرم أكل الزرافة على المعتمد.

أهل البيت (ع): البهائم البرية من الحيوان صنفان إنسية و وحشية اما الإنسية فيحل منها جميع أصناف الغنم و البقر و الإبل و يكره الخيل و البغال و الحمير أخفها كراهة الأول و تحرم منها غير ذلك كالكلب و السنور و غيرها و إما الوحشية فتحل منها الظبي و الغزلان و البقر و الكباش الجبلية و اليحمور و الحمير الوحشية (8) و الزرافة ليست من محلل الأكل.

(6) الحنفية و الحنابلة- قالوا: يحرم أكل القنفذ صغيرة و كبيره.

أهل البيت (ع): يحرم أكل لحم القنفذ.

(7) أهل البيت (ع): يحرم أكل لحم الأرنب لما ورد في الأحاديث الموثوقة الدالة على حرمة لحم الأرنب منها ما عن الامام الرضا (عليه السلام). و حرم الأرنب لأنها بمنزلة السنور و لها مخاليب كمخاليب السنور و سباع الوحش فجرت مجراها مع قذرها في نفسها و ما يكون منها من الدم كما يكون من النساء لأنها مسخ (9).

(8) الحنفية- قالوا: يحرم أكل اليربوع.

أهل البيت (ع): يحرم أكل لحم اليربوع.

(9) الحنفية- قالوا: يحرم أكل الضب لأنه من الخبائث، و ما ورد من حله فهو محمول على أنه كان قبل نزول آية وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ.

أهل البيت (ع): و هي صغار دواب الأرض التي تأوي ثقب الأرض و يكون اكله حراما.

____________

(7) تحرير الوسيلة 2/ 146

(8) تحرير الوسيلة 2/ 146

(9) وسائل الشيعة 16/ 316

16

و الضبع (1) و الثعلب (2) و السمور و السنجاب (3) و هما نوعان من ثعالب الترك، و الفنك « (4) و هو حيوان يؤخذ من جلده الفرو لنعومته» و يحل من الطير أكل العصافير بأنواعها و السمان و القبر (5) و الزرزور و القطا و الكروان و البلبل و الببغاء (6) و النعامة و الطاوس (7) و الكركي و البط و الإوز و غير ذلك من الطيور المعروفة، و الجراد (8) حلال أكله، و أكل الفاكهة بدودها و الجبن بدودة (9) و مثله المش، و نحو ذلك. و كذا يحل أكل الفول و البر الذي به سوس (10) بدون أن يخرج منه السوس، و في ذلك تفصيل في المذاهب (11).

____________

(1) الحنفية- قالوا: يحرم أكل الضبع لأنه ذو ناب يفترس به.

(2) الحنابلة و الحنفية- قالوا: يحرم أكل الثعلب.

أهل البيت (ع): يحرم أكل لحم الضبع و الثعلب لأنهما من الحيوانات المفترسة ذات أنياب.

(3) الحنفية و الحنابلة- قالوا: يحرم أكل السنجاب و السمور و الفنك «بفتح الفاء و النون».

أهل البيت (ع): يحرم أكل اليربوع و القنفذ و الوبر و الخز و الفنك و السمّور و السنجاب و العضاء و اللحكة (10).

(4) أهل البيت (ع): يحرم أكل لحم الفنك كما ذكرنا.

(5) أهل البيت (ع): القبّر هو القبرة التي ذكرنا كراهية أكل لحمها.

(6) الشافعية- قالوا: لا يحل أكل الببغاء.

(7) الشافعية- قالوا: لا يحل أكل الطاوس.

أهل البيت (ع): يحرم أكل لحم الطاوس لفقدان الدليل على جواز أكل لحمه.

(8) المالكية- قالوا: لا يحل أكل الجراد إلا إذا نوى ذكاته، و قد تقدم أن ذكاة مثله فعل ما يميته مع النية، فإذا وجد جرادة ميتة لا يحل له أكلها.

(9) أهل البيت (ع): الحشار كلها حرام أكلها من دون فرق بين أن تكون الحشرة ضمن فاكهة أو جبنة و ما شابه ذلك أو كانت مستقلة لوحدها.

(10) أهل البيت (ع): ذكرنا حرمة أكل الحشرات مطلقا.

(11) الحنفية- قالوا: يباح أكل الدود الذي لا ينفخ فيه الروح سواء كان مستقلا أو مع غيره، و أما الدود الذي تنفخ فيه الروح فإن أكله لا يجوز سواء كان حيا أو ميتا، مستقلا أو مع غيره، و مثله السوس.

الشافعية- قالوا: دود الجبن و الفاكهة إن كان منشؤه منهما يباح أكله معهما، بخلاف النحل إذا اختلط بالعسل، فإنه لا يجوز أكله مع العسل إلا إذا تهرى «تقطع بشدة» و لا فرق في جواز أكله بين الحي منه و الميت، و بين ما يعسر تمييزه و ما لا يعسر. نعم، إذا تنحى عن موضع أو نحاه غيره عنه ثم عاد بعد إمكان صونه عنه فإنه في هذه الحالة لا يجوز أكله، كما لا يجوز أكله على أي حال.

____________

(10) الشرائع ص 746.

17

و يحرم (1) أكل حشرات الأرض «صغار دوابها» كعقرب و ثعبان و فأرة و ضفدع و نمل، و نحو ذلك.

و يحرم (2) أكل السلحفاة برية كانت أو بحرية و هي المعروفة بالترسة لأنها تعيش في البر و البحر.

و يحرم أكل الخنزير و الكلب (3) و الميتة و هي التي زالت حياتها بغير ذبح شرعي، و الدم ما عدا الكبد و الطحال (4): و المنخنقة و هي التي ماتت بالخنق:

____________

الحنابلة- قالوا: يباح أكل الدود و السوس تبعا لما يؤكل؛ فيجوز أكل الفاكهة بدودها و كذلك الجبن و الخل بما فيه، و لا يباح أكل دود و سوس استقلالا.

المالكية- قالوا: الدود المتولد في الطعام كدود الفاكهة و المش يؤكل مطلقا بلا تفصيل، سواء كان حيا أو ميتا، و إن كان غير متولد من الطعام فإن كان حيا وجبت نية ذكاته بما يموت به، و إن كان ميتا فإن تميز يطرح من الطعام، و إن لم يتميز يؤكل إن كان الطعام أكثر منه، فإن كان الطعام أقل أو مساو لا يجوز أكله، فإن شك في الأغلب منهما يؤكل لأن الطعام لا يطرح بالشك و محل ذلك كله ما لم يضر و قبلته النفس، و إلا فلا يجوز أكله كما يأتي.

(1) المالكية- لا نزاع عندهم في تحريم كل ما يضر، فلا يجوز أكل الحشرات الضارة قولا واحدا. أما إذا اعتاد قوم أكلها و لم تضرهم و قبلتها أنفسهم فالمشهور عندهم أنها لا تحرم، فإذا أمكن مثلا تذكية الثعبان بقطع جزء من عند رأسه و مثله من عند ذنبه بحالة لا يبقى معها سم و قبلت النفس أكله بدون أن يلحق منه ضرر حل أكله، و مثله سائر الحشرات. و نقل عن بعض المالكية تحريم الحشرات مطلقا لأنها من الخبائث و هو وجيه.

و على القول المشهور من حلها فلا تحل إلا إذا قصدت تذكيتها، و تذكيتها فعل ما يميتها بالنار أو بالماء الساخن أو بالأسنان، أو غير ذلك كما تقدم.

(2) الحنابلة و المالكية- قالوا: يحل أكل السلحفاة البحرية «الترسة» بعد ذبحها أما السلحفاة البرية فالراجح عند الحنابلة حرمتها.

(3) المالكية- لهم في الكلب قولان: قول بالكراهة و قول بالتحريم، و الثاني هو المشهور و لم يقل بحل أكله أحد، و قالوا: يؤدب من نسب حله إلى مالك.

(4) أهل البيت (ع): يحرم من الذبيحة على المشهور الطحال و القضيب و الأنثيان (بيضتان) و الفرث و الدم و المثانة و المرارة و المشيمة و الفرج و العلباء (و يقال علبئان و هي عصبان أبيضان في طرفي فقار الظهر) و النخاع و الغدد و خرزة الدماغ (غدة صغيرة في المخ) و الحدق (خرزة بيضاء صلبة داخل سواد العين). هذا في ذبيحة غير الطيور. و أما الطيور فالظاهر عدم وجود شي‌ء من الأمور المذكورة فيها عدى الرجيع و الدم و المرارة و الطحال و البيضتين في بعضها. و يكره الكلى و أذنا القلب (11).

____________

(11) منهاج الصالحين 2/ 380

18

و الموقوذة و هي المضروبة بآلة أماتتها و المتردية و هي الواقعة من علو فتموت.

و النطيحة و هي التي نطحها حيوان آخر فماتت إلا إذا ذبحت هذه الأشياء كلها و فيها حياة، و في بيانها تفصيل في المذاهب (1).

____________

(1) المالكية- قالوا: يشترط في حلّ المنخنقة و الموقوذة و ما معها أن لا يصل إلى حال لا ترجى لها الحياة بعدها و ذلك بأن ينفذ الحنق أو التردي مقتلها بأن يقطع نخاعها «و هو المخ في عظام الظهر أو العنق» فإن كسر العظم و لم يقطع النخاع تحل بالذبح لأنه يمكن حياتها:

و كذا إذا نثر دماغها بأن خرج شي‌ء من المخ أو مما تحويه الجمجمة، فإنها في هذه الحالة لا ترجى لها حياة و كذا إذا نثرت خشوتها بأن خرج شي‌ء مما حوته البطن من كبد و قلب و طحال و نحو ذلك بحيث لا يمكن إعادته إلى موضعه، و كذا إذا خرج أحد الأمعاء أو قطع فإنها في هذه الحالة تكون كالميتة لا تعمل فيها الذكاة و إن بقيت فيها حركة.

و إذا ذبح غير هذه الأشياء من الحيوانات التي تؤكل فلا يخلو، إما أن يكون مريضا أو صحيحا فإن كان مريضا لا يرجى منه برء صحت ذكاته بشرطين:

الأول: أن لا يكون منفوذ المقاتل بأن نثر دماغه أو قطع نخاعه إلى آخر ما تقدم.

الثاني: أن يتحرك بعد الذبح حركة قوية أو يشخب دما و على كل حال لا يحل أكله إلا إذا كان غير ضار. أما إذا كان صحيحا فلا يشترط فيه شخب الدم بل يكفي سيلانه مع الحركة القوية، كمد رجل و ضمها أما مدها فقط أو ضمها فقط فإنه لا يكفي كما لا يكفي ارتعاش أو فتح عين أو ضمها أو نحو ذلك.

الحنفية- قالوا: المنخنقة و ما معها إذا ذبحت و فيها حياة و لو خفية حل أكلها و إذا ذبح شاة مريضة فلا يخلو، إما أن تعلم حياتها قبل الذبح أو لا، فإذا علمت حياتها حلت مطلقا و لو لم تتحرك أو يخرج الدم، و إذا لم تعلم حياتها وقت الذبح تحل إن تحركت أو خرج منها الدم. فإن لم تتحرك أو يخرج الدم، فإن فتحت فاها لا تؤكل، و إن ضمته أكلت، و إن فتحت عينها لا تؤكل، و إن ضمتها أكلت، و إن مدت رجلها لا تؤكل، و إن قبضتها أكلت، و إن نام شعرها لا تؤكل، و إن قام أكلت، و إنما يحل أكلها إذا كانت لا تضر، و إلا حرم على أي حال.

الشافعية- قالوا: الشرط لحل الحيوان وجود الحياة المستقرة و لو ظنا قبل الذبح و قد تقدم تفصيل مذهبهم في الشرط الثالث من شروط الذكاة في الجزء الأول.

الحنابلة- قالوا: المنخنقة و ما معها يحل أكلها إذا ذبحت و فيها حياة مستقرة، و لو وصلت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه إن تحركت بيد أو برجل أو طرف عين، أو حركت ذنبها و لو حركة يسيرة بشرط أن تكون هذه الحركة زائدة عن حركة المذبوح، فإن وصلت إلى حركة المذبوح فإن ذكاتها لا تنفع حينئذ و كذا إذا قطع حلقومها أو انفصلت حشوة ما في داخل بطنها من كبد أو طحال و نحوهما لأنها في هذه الحالة تكون في حكم الميتة.

أهل البيت (ع): ذهب جماعة كثيرة الى انه يشترط في حلّ الذبيحة استقرار الحياة بمعنى إمكان أن يعيش مثلها اليوم و الأيام و ذهب آخرون الى عدم اشتراط ذلك و هو الأقوى نعم‌

19

و يحرم تعاطي كل ما يضر (1) بالبدن و العقل حرمة شديدة كالأفيون و الحشيش و الكوكايين و جميع أنواع المخدرات الضارة و السموم.

و يحل (2) أكل حيوان البحر الذي يعيش فيه و لو لم يكن على صورة السمك

____________

يشترط الحياة حال قطع الأعضاء بالمعنى المقابل للموت فلا تحل الذبيحة بالذبح إذا كانت ميتة و هذا مما لا إشكال فيه و على هذا فلو قطعت رقبة الذبيحة من فوق و بقيت فيها الحياة فقطعت الأعضاء على الوجه المشروع حلّت و كذا إذا شق بطنها و انتزعت أمعاؤها فلم تمت بذلك فإنها إذا ذبحت حلّت و كذا إذا عقرها سبع أو ذئب أو ضربت بسيف أو بندقية و أشرفت على الموت فذبحت قبل أن تموت فإنها تحلّ (12). و هكذا إذا تردّى حيوان مأكول اللحم في البئر أو وقع في مكان ضيق و خيف موته جاز أن يعقره بسيف أو سكين أو رمح أو غيرها مما يجرحه و يقتله و يحل أكله و أن لم يصادف العقر موضع التذكية و سقطت شرطية الذبح و النحر و كذلك الاستقبال نعم سائر الشرائط من التسمية و شرائط الذابح و الناحر تجب مراعاتها و اما الآلة فيعتبر فيها ما مر في آلة الصيد الجمادية (13).

(1) أهل البيت (ع): يحرم تناول كل ما يضر بالبدن سواء كان موجبا للهلاك كشرب السموم القاتلة و شرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين أو سببا لانحراف المزاج أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة أو لفقد بعض القوى كالرجل يشرب ما يقطع به قوى الباه و التناسل أو المرأة تشرب ما به تصير عقيما لا تلد.

مسألة: لا فرق في حرمة تناول المضر على الأقوى فيما يوجب التهلكة و على الأحوط في غيره بين معلوم الضرر و مظنونه بل و محتملة أيضا إذا كان احتماله معتدا به عند العقلاء بحيث أوجب الخوف عندهم و كذا لا فرق بين أن يكون الضرر المترتب عليه عاجلا أو بعد مدة.

مسألة: يجوز التداوي و المعالجة بما يحتمل فيه الخطر و يؤدي إليه أحيانا إذا كان النفع المترتب عليه حسب ما ساعدت عليه التجربة و حكم به الحذاق و أهل الخبرة غالبيا بل يجوز المعالجة بالمضر العاجل الفعلي المقطوع به إذا كان يدفع ما هو أعظم ضررا و أشد خطرا و من هذا القبيل قطع بعض الأعضاء دفعا للسراية المؤدية إلى الهلاك و بسط الجرح و الكي بالنار و بعض العمليات المعمولة في هذه الأعصار بشرط أن يكون الاقدام على ذلك جاريا مجرى العقلاء بأن يكون المباشر للعمل حاذقا محتاطا مباليا غير مسامح و لا متهور.

مسألة: ما كان يضر كثيره دون قليله يحرم كثيره المضر دون قليله غير المضر و لو فرض العكس كان بالعكس و كذا ما يضر منفردا لا منضما مع غيره يحرم منفردا و ما كان بالعكس كان بالعكس (14).

(2) الحنفية- قالوا: لا يحل أكل حيوان البحر الذي ليس على صورة السمك، فلا يحل‌

____________

(12) منهاج الصالحين 2/ 369

(13) تحرير الوسيلة 2/ 141

(14) تحرير الوسيلة 2/ 152

20

كأن كان على صورة خنزير أو آدمي كما يحل أكل الجريث «و هو السمك الذي على صورة (1) الثعبان» و سائر أنواع السمك ما عدا التمساح فإنه حرام.

و يحل (2) أكل الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة (3) «يسمى الجلالة» و لكن يكره أكله إذا أنتنت رائحته بالنجاسة التي تغذى بها أو تغير طعم لحمه بها، و مثل

____________

أكل إنسان البحر و خنزيره و فرسه و نحوها إلا الجريث و المارماهي «سمك في صورة الحية» فإنه يحل. و كذا جميع أنواع السمك إلا الطافي «و هو الذي مات حتف أنفه في الماء ثم انقلب بأن صارت بطنه من فوق و ظهره من تحت» فإنه لا يحل أكله.

المالكية- قالوا: جميع حيوانات البحر يباح أكلها و لم يستثنوا منها شيئا أبدا.

أهل البيت (ع): لا يؤكل من حيوان البحر الا سمك له فلس و إذا شك في وجود الفلس بني على حرمته و يحرم الميت الطافي على وجه الماء و الجلّال منه حتى يزول الجلل منه عرفا و الجرّي و المارماهي و الزمير و السلحفاة و الضفدع و السرطان و لا بأس بالكنعت و الربيشا و الطمر و الطيراني و الإبلامي و الإربيان.

مسألة: يؤكل من السمك ما يوجد في جوف السمكة المباحة إذا كان مباحا و لا يؤكل من السمك ما تقذفه الحية الا أن يضطرب و يؤخذ حيا خارج الماء و الأحوط الأولى اعتبار عدم انسلاخ فلسه أيضا.

مسألة: البيض تابع لحيوانه و مع الاشتباه قيل يؤكل الخشن المسمى في عرفنا (ثروب) و لا يؤكل الأملس المسمى في عرفنا (حلبلاب) و فيها تأمل بل الأظهر حرمة كل ما يشتبه منه (15).

(1) الحنابلة- قالوا: لا يحل أكل حية السمك لأنها من الخبائث عندهم.

(2) الحنابلة- قالوا: تحرم الجلالة و هي التي أكثر علفها النجاسة، يحرم لبنها و يكره ركوبها لأجل عرقها، و تحبس ثلاثة أيام بلياليها لا تطعم فيها إلا الطاهر حتى يحل أكلها.

المالكية- المشهور عندهم إباحة أكل الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة بخلاف لبنه فإنه مكروه.

(3) أهل البيت (ع): يحرم الجلال من المباح و هو ما يأكل عذرة الإنسان خاصة إلا مع الاستبراء و زوال الجلل و الأحوط مع ذلك أن تطعم الناقة بل مطلق الإبل علفا طاهرا أربعين يوما و البقر عشرين و الشاة عشرة و البطة خمسة أو سبعة و الدجاجة ثلاثة (16).

مسألة: لو رضع الجدي لبن خنزيرة و اشتد لحمه حرم هو و نسله و لو لم يشتد استبرأ سبعة أيام فيلقى على ضرع شاة و إذا كان مستغنيا عن الرضاع علف و يحلّ بعد ذلك (17).

____________

(15) منهاج الصالحين 2/ 377

(16) منهاج الصالحين 2/ 378

(17) منهاج الصالحين 2/ 378

21

اللحم اللبن و البيض (1) و يسن أن تحبس حتى تزول رائحة نتنها قبل ذبحها.

و تزول الكراهة (2) بحبسها و علفها أربعين يوما في الإبل، و ثلاثين في البقر، و سبعة في الشياه، و ثلاثة في الدجاج لحديث ابن عمر في الإبل، و غيره في غير الإبل (3).

____________

(1) أهل البيت (ع): كما يحرم لحم الحيوان بالجلل يحرم لبنه و بيضه و يحلّان بما يحلّ به لحمه و بالجملة هذا الحيوان المحرم بالعارض كالحيوان المحرم بالأصل في جميع الأحكام قبل أن يستبرأ و يزول حكمه (18).

مسألة: يحرم أكل لحم موطوء الإنسان من الحيوانات المحللة الأكل و لحم نسله و لبنهما و لا فرق في الواطئ بين الصغير و الكبير و لا بين العاقل و المجنون و لا بين الحر و العبد و لا بين العالم و الجاهل و المختار و المكره و لا فرق في الموطوء بين الذكر و الأنثى (19) و يحرم كل ما أبين من حي مأكول اللحم فهو ميتة لا يحل اكله و يمنع استعماله. و كذا ما يقطع من أليات الغنم فإنه لا يؤكل و لا يجوز الاستصباح به (20).

(2) أهل البيت (ع): تزول حرمة الجلال بالاستبراء بترك التغذي بالعذرة و يغذّى بغيرها حتى يزول عنه اسم الجلل و لا يترك الاحتياط مع زوال الاسم بمضي المدة المنصوصة في كل حيوان و هي في الإبل أربعون يوما و في البقر عشرون يوما و الأحوط ثلاثون و في الغنم عشرة أيام و في البطة خمسة أيام و في الدجاجة ثلاثة أيام و في السمك يوم و ليلة و في غير ما ذكر المدار هو زوال اسم الجلل بحيث لم يصدق أنه يتغذى بالعذرة بل صدق أن غذاءه غيرها.

(3) أهل البيت (ع): خاتمة: لو اشتبه اللحم فلم يعلم أنه مذكى و لم يكن عليه يد مسلم تشعر بالتذكية اجتنب و لو اشتبه فلم يعلم أنه من نوع الحلال أو الحرام حكم بحله.

مسألة: يجوز للإنسان أن يأكل من بيت من تضمنته الآية الشريفة المذكورة في سورة النور و هم: الآباء و الأمهات و الاخوان و الأخوات و الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات و الأصدقاء و الموكل المفوض إليه الأمر و تلحق بهم الزوجة و الولد فيجوز الأكل من بيوت من ذكر على النحو المتعارف مع عدم العلم بالكراهية بل مع عدم الظن بها أيضا على الأحوط بل مع الشك فيها و إن كان الأظهر الجواز حينئذ (21).

مسألة: يحرم الميتات إجماعا نعم قد يحل منها ما لا تحلّه الحياة فلا يصدق عليه الموت و هو: الصوف و الشعر و الوبر و الريش و القرن و الظلف و السن و البيض إذا اكتست القشر الأعلى و الانفحة و في اللبن روايتان إحديهما الحل و هي أصحها طريقا و الأشبه التحريم لنجاسته بملاقاة الميتة.

مسألة: و إذا اختلط الذكي بالميتة (الميتة: هي الحيوان الذي يموت حتف أنفه أو يذبح من‌

____________

(18) تحرير الوسيلة 2/ 148

(19) منهاج الصالحين 2/ 378

(20) شرائع الإسلام ص 748

(21) منهاج الصالحين 2/ 318

22

مبحث ما يحرم شربه و ما يحل

يحرم شرب الخمر (1) حرمة مغلظة فهو من أخبث الكبائر و أشد الجرائم في نظر الشريعة الإسلامية لما فيه من المضار الخلقية و البدنية و الاجتماعية، و قد ثبت تحريمه بكتاب اللّٰه تعالى و سنة نبيه صلى اللّٰه عليه و سلم، و إجماع المسلمين.

قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ و في هذه الآية الكريمة عشر دلائل على حرمة الخمر، فهي من أبلغ الزواجر و أشدها و إليك بيانها، أولا: قد نظمت في سلك الميسر و الأنصاب و الأزلام فتكون مثلها في الحرمة. ثانيا: سميت رجسا و الرجس معناه المحرم.

ثالثا: عدها من عمل الشيطان. رابعا: أمر باجتنابها. خامسا: علق الفلاح باجتنابها. سادسا: إرادة الشيطان إيقاع العداوة بها. سابعا: إرادته إيقاع البغضاء.

ثامنا: إرادته إيقاع الصد عن ذكر اللّٰه. تاسعا: إرادته إيقاع الصد عن الصلاة.

عاشرا: النهي البليغ بصورة الاستفهام في قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ و هو مؤذن بالتهديد.

____________

دون توفر شروط التذكية) وجب الامتناع منه حتى يعلم الذكي بعينه (22) ثم إنّ من المحرمات الأعيان النجسة كالعذرات النجسة و كذا كل طعام مزج بالخمر و النبيذ أو المسكر أو الفقاع و إن قلّ أو وقعت فيه نجاسة و هو مائع كالبول و الطين فلا يحل شي‌ء منه عدا تربة الحسين (ع) فإنه يجوز للاستشفاء و لا يتجاوز قدر الحمصة. و الدم المسفوح يكون نجسا فلا يحلّ تناوله و أما الدم من غير ذي النفس كدم الضفادع و القراد و إن لم يكن نجسا فهو حرام لاستخباثه و ما لا يدفعه الحيوان المذبوح و يستخلف في اللحم طاهر و حلال (23) على اشكال فيما يجتمع منه في القلب و الكبد (24). ثم إنّ بيض الطيور المحللة الأكل ملحقة بها كما أن بيض المحرمة الأكل ملحقة بها (25).

مسألة: تحرم الأبوال مما لا يؤكل لحمه بل مما يؤكل لحمه على الأحوط عدى بول الإبل للاستشفاء و كذا يحرم لبن حيوان المحرم دون الإنسان فإنه يحل لبنه (26).

(1) أهل البيت (ع): يحرم الخمر بالضرورة من الدين بحيث يكون مستحلها في زمرة الكافرين مع الالتفات الى لازمه أي تكذيب النبي (ص) و العياذ بالله و قد ورد في الاخبار‌

____________

(22) شرائع الإسلام ص 748.

(23) شرائع الإسلام 749- 750.

(24) تحرير الوسيلة 2/ 151.

(25) تحرير الوسيلة 2/ 148.

(26) منهاج الصالحين 2/ 381.

23

أما السنة فهي مملوءة بالأحاديث الدالة على تحريم شرب الخمر و التنفير من القرب منه و كفى فيه قوله صلّى اللّٰه عليه و سلم: «لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن، و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو مؤمن» و قد أجمع المسلمون و أئمتهم على تحريم الخمر و أنها من أرذل الكبائر و أشد الجرائم.

و الخمر: ما خامر العقل أي خالطه فأسكره و غيبه فكل ما غيب العقل فهو خمر، سواء كان مأخوذا من العنب المغلي على النار، أو من التمر، أو من العسل أو الحنطة أو الشعير، حتى و لو كان مأخوذا من اللبن أو الطعام أو أي شي‌ء وصل إلى حد الإسكار. و قد بين النبي صلّى اللّٰه عليه و سلم أن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام و لو لم يسكر، و لفظ الحديث «ما أسكر كثيره فقليله حرام» رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و البيهقي.

و المسكر المأخوذ من العنب يطلق على أنواع، النوع الأول: الخمر و هي المأخوذ من عصير العنب إذا غلا و اشتد و صار مسكرا.

النوع الثاني: الباذق، و هو أن يطبخ العنب حتى يذهب أقل من ثلثيه و يصير مسكرا.

الثالث: المنصف، و هو أن يطبخ العنب حتى يذهب نصفه و يشتد و يصير مسكرا.

الرابع: المثلث، و هو أن يطبخ العنب حتى يذهب ثلثاه (1) و يبقى ثلثه و يشتد

____________

التشديد العظيم في تركها و التوعيد الشديد في ارتكابها و عن الصادق (ع): «أن الخمر أم الخبائث و رأس كل شر يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه فلا يعرف ربه و لا يترك معصية الا ركبها و لا يترك حرمة إلا انتهكها و لا رحما ماسة إلا قطعها و لا فاحشة إلا أتاها» و قد ورد: «أن رسول اللّٰه (ص) لعن فيها عشرة: غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمول اليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها» بل نص في بعض الاخبار أنه أكبر الكبائر و في اخبار كثيرة أن «مدمن الخمر كعابد وثن» و قد فسر المدمن في بعض الاخبار بأنه ليس الذي يشربها كل يوم و لكنه الموطن نفسه أنه إذا وجدها شربها هذا مع كثرة المضار في شربها التي اكتشفها حذاق الأطباء في هذه الأزمنة و أذعن بها المنصفون من غير ملتنا (27).

(1) أهل البيت (ع): العصير من العنب إذا غلى بالنار أو بغيرها أو نش حرم حتى يذهب ثلثاه بالنار (28) أو ينقلب خلا فيحل شربه و يطهر مسّه.

____________

(27) تحرير الوسيلة 2/ 158

(28) منهاج الصالحين 2/ 382

24

و يسكر كثيره (1) لا قليلة.

و كذلك المأخوذ من التمر فإنه على أنواع:

الأول: السكر- بفتحتين- و هو أن يوضع التمر الرطب في الماء حتى تذهب حلاوة و يشتد و يسكر بدون غلي على النار.

الثاني: الفضيخ- بالضاد و الخاء المعجمتين بينهما ياء ساكنة- و هو أن يوضع التمر اليابس في الماء حتى تذهب حلاوته و يشتد و يسكر، و الفضخ: الكسر، لأنهم كانوا يكسرون التمر و يضعونه في الماء.

الثالث: نبيذ التمر، و هو ما يطبخ طبخا يسيرا و يشتد و يسكر كثيره لا قليله.

و جميع هذه الأنواع محرمة كثيرها و قليلها، و لو قطرة واحدة منها. و كذلك نقيع الزبيب إذا غلا و اشتد و صار مسكرا، و كذلك الخليطان من الزبيب و التمر «الخشاف» إذا اشتد و صار مسكرا، و نبيذ العسل و التين و الشعير فكلها حرام إذا وصلت إلى حد الإسكار، و قليلها (2) مثل كثيرها، و إنما تحرم على المكلف العاقل غير المكره و المضطر (3).

____________

(1) أهل البيت (ع): عند ما يذهب ثلثا عصير العنب بالنار يتحول الى دبس فلا يكون مسكرا و لو كان مسكرا فهو حرام لأن كل مسكر حرام.

(2) الحنفية- يظن بعض شاربي البيرة و نحوها أن قليلها حلال في مذهب الحنفية، و الواقع أن قليلها و كثيرها حرام في مذهب الحنفية كسائر المذاهب على الصحيح المفتي به، بل هي حرام عند الحنفية بإجماع آرائهم، و ذلك لأن الخلاف وقع في ثلاثة أمور، أولا:

المثلث، و هو ما يطبخ من العنب حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، و يسكر كثيره لا قليله و يسمى «طلا»، ثانيا: نبيذ التمر، و هو ما يطبخ طبخا يسيرا و يسكر كثيره لا قليله. ثالثا: ما يؤخذ من الشعير و الحنطة و نحوهما مما ذكر إذا أسكر كثيره لا قليله. فأبو حنيفة و أبو يوسف يقولون إن الذي يحرم هو كثير هذا لا قليله. و محمد يقول: إن كثير هذا و قليله حرام كغيره، و هو قول الأئمة الثلاثة، و قول محمد هو الصحيح المفتي به في المذهب، فمذهب الحنفية هو مذهب محمد حينئذ، على أنهم أجمعوا على أن القليل الذي لا يسكر إذا كان يؤخذ للهو و التسلية، كما يفعل هؤلاء الشاربون، لا لتقوية البدن الضعيف فهو حرام كالكثير تماما و لو قطرة واحدة.

فالبيرة و جميع أنواع الخمر محرمة، قليلها و كثيرها، على الوجه المشروع عند جميع أئمة الدين و جميع المسلمين.

(3) أهل البيت (ع): تباح جميع المحرمات المزبورة حال الضرورة إما لتوقف حفظ نفسه و سدّ رمقه على تناوله أو لعروض المرض الشديد الذي لا يتحمل عادة بتركه أو لأداء تركه الى لحوق الضعف المفرط المؤدي إلى المرض الذي لا يتحمل عادة أو الى التلف أو المؤدي الى‌

25

و كما يحرم شرب الخمر يحرم بيعها لقول النبي صلّى اللّٰه عليه و سلم «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» و في حديث آخر عن أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه قال: «لعن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم في الخمر عشرة: عاصرها و معتصرها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه و ساقيها و بائعها و آكل ثمنها و المشتري لها و المشترى له» رواه ابن ماجة و الترمذي.

و كذلك يحرم التداوي (1) بها على المعتمد لقول النبي صلى اللّٰه عليه و سلم لمن قال له: إن الخمر دواء «ليست بدواء إنما هي داء» رواه مسلم. و قال صلى اللّٰه عليه و سلم: «إن اللّٰه عز و جل أنزل الداء و الدواء، و جعل لكل داء دواء

____________

التخلف عن الرفقة مع ظهور أمارة العطب و منها ما إذا ادى الى الجوع و العطش اللذين لا يتحملان عادة و منها ما إذا خيف بتركه على نفس اخرى محترمة كالحامل تخاف على جنينها و المرضعة على طفلها بل و منها خوف طول المرض الذي لا يحتمل عادة أو عسر علاجه بترك التناول و المدار في الكل هو الخوف الحاصل من العلم أو الظن بالترتب بل الاحتمال الذي يكون له منشأ عقلائي لا مجرد الوهم و الاحتمال. و من الضرورات المبيحة للمحرمات الإكراه و التقية عمن يخاف منه على نفسه أو نفس محترمة أو على عرضه أو عرض محترم أو مال محترم منه معتد به مما يكون تحمله حرجيا أو من غيره كذلك.

مسألة: في كل مورد يتوقف حفظ النفس على ارتكاب محرم يجب الارتكاب فلا يجوز التنزه و الحال هذه و لا فرق بين الخمر و الطين و بين سائر المحرمات فإذا أصابه عطش حتى خاف على نفسه جاز شرب الخمر بل وجب و كذا إذا اضطر الى غيرها من المحرمات.

مسألة: لو اضطر الى محرم فليقتصر على ذلك و لا يجوز له الزيادة فإذا اقتضت الضرورة أن يشرب الخمر أو يأكل الميتة لدفع الخوف عن نفسه فليقتصر على ذلك و لا يجوز له الزيادة (29).

(1) أهل البيت (ع): يجوز التداوي لمعالجة الأمراض بكل محرم إذا انحصر به العلاج و لو بحكم الحذاق من الأطباء الثقات و المدار هو انحصاره بحسب تشخيصهم مما بين أيدي الناس مما يعالج به لا الواقع الذي لا يحيط به إدراك البشر.

مسألة: المشهور على ما حكي عدم جواز التداوي بالخمر بل بكل مسكر حتى مع الانحصار لكن الجواز لا يخلو من قوة بشرط العلم بكون المرض قابلًا للعلاج و العلم بأن تركه يؤدي إلى الهلاك أو الى ما يدانيه و العلم بانحصار العلاج به بالمعنى الذي ذكرناه و لا يخفي شدة أمر الخمر فلا يبادر الى تناولها و المعالجة بها إلا إذا رأى من نفسه الهلاك أو نحوه لو ترك التداوي بها و لو بسبب توافق جماعة من الحذاق و اولي الديانة و الدراية من الأطباء و الا فليصطبر على المشقة فلعل الباري تعالى شأنه يعافيه لما رأى منه التحفظ على دينه أو يعطيه الثواب الجزيل على صبره (30).

____________

(29) تحرير الوسيلة 2/ 158.

(30) تحرير الوسيلة 2/ 158.

26

و لا تتداووا بحرام» (1).

أما ما يحل شرابه ففيه تفصيل المذاهب (2).

____________

(1) الشافعية- قالوا: يحرم التداوي بالخمر إذا كانت صرفا غير ممزوجة بشي‌ء آخر تستهلك فيه كالترياق الكبير و نحوه، و كذا إذا كانت صرفا قليلة غير مسكرة، فيجوز بمرجوحية التداوي بها بشرط أن تتعين للدواء و لا يوجد ما يقوم مقامها من الطاهرات بشرط أن يكون ذلك بوصف الطبيب المسلم العدل، و كذا يجوز في مواضع أخرى كإساغة اللقمة، و قد تجب في هذه الحالة، و كذا التداوي بغير الخمر من الأشياء النجسة، فإنه يجوز إذا خلط بشي‌ء غيره يستهلك فيه، و لم يوجد شي‌ء طاهر يقوم مقامه، و إلا حرم التداوي به.

(2) المالكية- قالوا: يباح شرب ماء العنب المعصور أول عصرة دون أن يشتد أو يسكر و كذا شرب الفقاع- بضم الفاء و تشديد القاف- و هو شراب يتخذ من قمح و تمر، و قيل:

ماء جعل فيه زبيب و نحوه حتى انحل فيه.

كما يباح شرب السوبيا، و هي ما يتخذ من الأرز بطبخه طبخا شديدا حتى يذوب في الماء، و يصفي و يوضع فيه السكر ليحلو به، و عقيدة و هو ماء العنب المغلي حتى يعقد و يذهب إسكاره الذي حصل في ابتداء غليانه، و يسمى الرب الصامت «المربة» و لا يحد غليانه بذهاب ثلثيه مثلا و إنما المعتبر زوال إسكاره.

و لا تباح هذه الأشياء إلا إذا أمن سكرها، فإذا لم يأمن حرم الأخذ منها.

الحنابلة- قالوا: يباح شرب عصير العنب و نحوه بشرط أن لا يشتد و يسكر و أن لا تمضي عليه ثلاثة أيام و إن لم يشتد و يغلي «يفور» فإذا قذف بزبده «و فار» قبل ثلاثة أيام حرم و لو لم يسكر، فإذا طبخ قبل التحريم حل إن ذهب ثلثاه بشرط أن لا يسكر، فإن أسكر فكثيرة و قليله حرام كما تقدم، و قال بعضهم: ذهاب الثلثين ليس بشرط بل المعول على ذهاب الإسكار.

و يباح الخشاف، و يسمى النبيذ، و هو ما يلقى من التمر أو الزبيب في الماء ليحلو. بشرط أن لا يمضي عليه ثلاثة أيام و لو لم يشتد و يغلي، أو يغلي و يشتد قبل ذلك و إلا حرم إن مضت عليه ثلاث و إن لم يسكر، فإذا طبخ قبل أن يفور و يغلي أو تمضي عليه ثلاثة أيام حتى صار غير مسكر كشراب الخروب و غيره و المربة فلا بأس به و إن لم يذهب بالطبخ ثلثاه:

و إذا اشتد العنب قبل عصيره و غلا لم يسكر و لم يضر فيحل أكله.

الحنفية- قالوا: تباح هذه الأشياء المذكورة عند المالكية و الحنابلة بشرط عدم الإسكار و قد علمت أن المعتمد قول محمد في تحريم قليل المسكر و كثيره.

الشافعية- قالوا: يباح من الأشربة ما أخذ من التمر أو الرطب أو الشعير أو الذرة أو غيرها ذلك إذا أمن سكره و لم تكن فيه شدة مطربة، فإن كان فيه شدة مطربة، بأن أرغى و أزبد و لو «الكشك» المعروف فإنه يحرم و يحد به و يصير نجسا.

أهل البيت (ع): ذكر فقهاء مذهب أهل البيت (ع) المحرمات من المائعات و ما عداها يكون مباحا و المحرمات هي: يحرم كل مسكر من خمر و غيره حتى الجامد و الفقاع و الدم و العلقة‌

27

و مما يحل: الانتباذ في الدباء (1) و هو القرع، و المزفت و هو الإناء المطلي بالزفت، و النقير و هو الخشبة المنقورة، أو هو أصل النخلة، أي ما بقي منها بعد قطعها، ينقر و يوضع فيه التمر و العنب و الزبيب أو نحو ذلك.

____________

و إن كانت في البيضة و كل ما ينجس من المائع و غيره.

مسألة: إذا وقعت النجاسة في الجسم كالسمن و العسل الجامدين لزم إلقاء النجاسة و ما يكنفها من الملاقي و يحل الباقي و إذا كان المائع غليظا ثخينا فهو كالجامد و لا تسري النجاسة إلى تمام اجزائه إذا لاقت بعضها بل تختص النجاسة بالبعض الملاقي لها و يبقى الباقي على طهارته.

الدهن المتنجس بملاقاة النجاسة يجوز بيعه و الانتفاع به فيما لا يشترط فيه الطهارة و الأولى الاقتصار على الاستصباح به تحت السماء.

تحرم الأبوال مما لا يؤكل لحمه بل مما يؤكل لحمه أيضا على الأحوط عدا بول الإبل للاستشفاء و كذا يحرم لبن الحيوان المحرم دون الإنسان فإنه يحل لبنه.

مسألة: العصير من العنب إذا غلى أو نشّ حرم حتى يذهب ثلثاه بالنار أو ينقلب خلًّا (31).

(1) أهل البيت (ع): يحرم شرب النبيذ لما ورد في الأحاديث الشريفة منها: عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: يا جارية اسقيني ماء فقال لها: اسقيه من نبيذي فجاءت بنبيذ مريس في قدح من صفر قلت: لكن أهل الكوفة لا يرضون بهذا قال: فما نبيذهم؟ قلت: يجعلون فيه القعوة قال: و ما القعوة؟ قلت:

الزازي [اللاذي] قال: و ما الزازي؟ قلت ثفل التمر يضرى به الإناء حتى يهدر النبيذ فيغلي ثم يسكن فيشرب قال: ذاك حرام. و عن محمد بن جعفر، عن أبيه في حديث إن وفد اليمن بعثوا وفدا لهم يسألون عن النبيذ فقال لهم رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: و ما النبيذ؟ صفوه لي قال: يؤخذ التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ثم يوقد تحته حتى ينطبخ فاذا انطبخ أخرجوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم مرس ثم صفّوه بثوب ثم ألقى في إناء ثم صب عليه من عكر ما كان قبله ثم هدر و غلا ثم سكن على عكرة فقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله: يا هذا قد أكثرت عليّ أ فيسكر؟ قال: نعم فقال: كلّ مسكر حرام، فرجع القوم فقالوا: يا رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله إنّ أرضنا أرض دويّة و نحن قوم نعمل الزرع و لا نقوى على ذلك العمل إلا بالنبيذ فقال صفوه لي، فوصفوه كما وصفه أصحابهم فقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله: فيسكر؟ قالوا: نعم قال: كلّ مسكر حرام و حق على اللّٰه أن يسقى كل شارب مسكر من طينة خبال، أ تدرون ما طينة خبال؟ قالوا: لا، قال: صديد أهل النار (32).

كما أن النبيذ نجس لأنه بحكم الخمر و كل خمر نجس و ينجس ما يلاقيه و عليه تكون‌

____________

(31) منهاج الصالحين 2/ 381- 382

(32) الروايتان في وسائل الشيعة 17/ 282- 284

28

و قد نهى النبي (1) صلّى اللّٰه عليه و سلم عن الانتباذ فيها أولا، ثم

____________

أواني الخمر من الخشب و القرع و الخزف غير المغضور (الوعاء الملطخ بالقار أو الشمع و نحوهما مما يمنع نفوذ الخمر فيها) لا يجوز استعماله لاستبعاد تخلصه و الأقرب الجواز بعد ازلة عين النجاسة و غسلها ثلاثا.

(1) أهل البيت (ع): إنّ هذه المسألة تابعة للقواعد العامة من حرمة أكل و شرب النجس و المتنجس و هذه الأواني التي تتسرب فيها النجاسة لا يجوز استعمالها طبقا للقواعد العامة إلا بعد زوال عين النجاسة منها و تطهيرها. و لم يثبت النسخ عندنا فإن القاعدة العامة المذكورة هي الحاكمة.

مسألة: إذا انقلبت الخمر خلا طهرت و حلّت بعلاج كان أو غيره على تفصيل قد مر في بحث المطهرات:

مسألة: لا يحرم شي‌ء من المربيات و إن شم منه رائحة المسكر.

مسألة: العصير من العنب إذا غلى بالنار أو بغيرها أو نش حرم حتى يذهب ثلثاه بالنار أو ينقلب خلا.

مسألة: يحرم الأكل بل الجلوس على مائدة فيها المسكر (33).

تنبيه: قد عدّ من آداب أكل الطعام أمور:

(1) غسل اليدين معا قبل الطعام. (2) غسل اليدين بعد الطعام، و التنشف بعده بالمنديل. (3) أن يبدأ صاحب الطعام قبل الجميع و يمتنع بعد الجميع و أن يبدأ الغسل قبل الطعام بصاحب الطعام ثم بمن على يمينه إلى أن يتم الدور على من في يساره و أن يبدأ في الغسل بعد الطعام بمن على يسار صاحب الطعام إلى أن يتم الدور على صاحب الطعام.

(4) التسمية عند الشروع في الطعام و لو كانت على المائدة ألوان من الطعام استحبت التسمية على كل لون بانفراده. (5) الأكل باليمين. (6) أن يأكل بثلاث أصابع أو أكثر و لا يأكل بإصبعين. (7) الأكل مما يليه إذا كانت على المائدة جماعة و لا يتناول من قدام الآخرين. (8)

تصغير اللقم. (9) أن يطيل الأكل و الجلوس على المائدة. (10) أن يجيد المضغ. (11) أن يحمد اللّٰه بعد الطعام. (12) أن يلعق الأصابع و يمصها. (13) التخلل بعد الطعام و أن لا يكون التخلل بعودة الريحان و قضيب الرمان و الخوص و القصب. (14) أن يلتقط ما يتساقط خارج السفرة و يأكله إلّا في البراري و الصحاري فإنه يستحب فيها أن يدع المتساقط عن السفرة للحيوانات و الطيور. (15) أن يكون أكله غداة و عشيا و يترك الأكل بينهما. (16) الاستلقاء بعد الأكل على القفا و جعل الرجل اليمنى على اليسرى. (17) الافتتاح و الاختتام بالملح.

(18) أن يغسل الثمار بالماء قبل أكلها. (19) أن لا يأكل على الشبع. (20) أن لا يمتلى‌ء من الطعام. (21) أن لا ينظر في وجوه الناس لدى الأكل. (22) أن لا يأكل الطعام الحار.

(23) أن لا ينفخ في الطعام و الشراب. (24) أن لا ينتظر بعد وضع الخبز في السفرة غيره.

____________

(33) منهاج الصالحين 2/ 382

29

نسخ (1) هذا النهي.

مبحث ما يحل لبسه أو استعماله و ما لا يحل

يحرم أن يلبس أحد ثوبا من مال حرام أو مأخوذا بطريق الغش أو الخيانة أو الغصب، فقد قال صلّى اللّٰه عليه و سلم: «لا يقبل اللّٰه صلاة أو صيام من يلبس جلبابا «قميصا» من حرام حتى ينحي «يبعد ذلك الجلباب عنه». و كذلك يحرم اللباس (2) بقصد الفخر و العجب، و في الأنواع التي يحل لباسها و التي لا يحل تفصيل المذاهب (3).

____________

(25) أن لا يقطع الخبز بالسكين. (26) أن لا يضع الخبز تحت الإناء. (27) أن لا ينظف العظم من اللحم الملصق به على نحو لا يبقى عليه شي‌ء من اللحم. (28) أن لا يقشر الثمار التي تؤكل بقشورها. (29) أن لا يرمي الثمرة قبل أن يستقصي أكلها.

تتمة: قد عد من آداب شرب الماء أمور:

(1) شرب الماء مصا لا عبا. (2) شرب الماء قائماً بالنهار. (3) التسمية قبل الشرب و التحميد بعده. (4) شرب الماء بثلاثة أنفاس. (5) شرب الماء عن رغبة و تلذذ. (6) ذكر الحسين و أهل بيته (عليهم السلام) و اللعن على قتلته بعد الشرب. (7) أن لا يكثر من شرب الماء. (8) أن لا يشرب الماء على الأغذية الدسمة. (9) أن لا يشرب الماء قائماً بالليل.

(10) أن لا يشرب من محل كسر الكوز و من محل عروته. (11) أن لا يشرب بيساره (34).

المالكية- قالوا: لم ينسخ النهي عن الانتباذ في هذه الأشياء، إلا أن المعتمد عندهم أنه نهى كراهة فيكره الانتباذ فيها سواء كان الانتباذ فيها بصنف واحد، أو بصنفين كوضع الزبيب مع التمر، أما في غيرها في الأواني فيكره انتباذ شيئين فيها و يسمى بالخليطين، و ذلك أن يكسر التمر و العنب مثلا و بعد هرسهما أو دقهما معا يصب عليهما الماء، و محل النهي عن ذلك إذا طال زمن الانتباذ لا إن قصر بحيث لا يتصور وقوع إسكار منهما، و إلا جاز بلا كراهة فيه و يدخل فيه ما ينبذ للمريض من الزبيب و القراصية و المشمش في إناء واحد فإنه لا كراهة فيه ما لم يطل حتى يتوقع منه إسكار.

(2) أهل البيت (ع): لا يحرم اللبس بقصد الفخر و العجب لأنهما أمران اخلاقيان نفسيان نعم يحرمان إذا بلغا حدّ التكبر و مع ذلك لا توجب حرمة التكبر حرمة اللباس. و قد وردت روايات كثيرة في كتب الأخلاق تذم الفخر و العجب منها ما عن النبي (ص) ثلاث مهلكات شحّ مطاع و هوى متّبع و إعجاب المرء بنفسه (35).

(3) الشافعية- قالوا: يحرم على الرجال لباس الحرير و هو نوعان نوع يسمى إبريسما‌

____________

(34) المسائل المنتخبة ص 471- 473.

(35) المحجة البيضاء 6/ 272

30

..........

____________

و هو الحرير الذي يخرج من الدودة بعد أن تموت فيه. و نوع يسمى قزا و هو ما يؤخذ من الدودة و تخرج منه حية فالحرير يعم الاثنين و هما محرمان على الرجال لبسا و استعمالا إلا في أحوال ستذكر بعد، فلا يجوز للرجال أن يجلسوا على الحرير و لا أن يستندوا إليه من غير حائل، أما إذا كان بحائل كأن فرش فوق الحرير ملاءة من قطن و نحوه فإنه يحل الجلوس عليه و لو لم تخلط به، أما لبسه إذا كان مبطنا بقطن أو صوف و نحوهما فإنه يحل إذا كانت البطانة محيطة به، و كذلك إذا كان الحرير بطانة لغيره فإنه يحل لبسه إذا كان مخيطا به، و إنما جاز ذلك لأن الحرير في هذه الحالة يكون حشوا لغيره و حشو الحرير جائز.

و لا يحل أن يلبس حريرا لأجل أن يدفأ به أو يجلس عليه أو يستند إليه إلا إذا كان ببطانة مخيطة في الأول و حائل و لو غير مخيط في الثاني، و يحرم أيضا على الرجل أن ينام في «ناموسية» مأخوذة من الحرير بدون بطانة و لو مع امرأته، كما يحرم عليه أن يدخل تحت خيمة مأخوذة من الحرير، و أن يدخل مع امرأته في ثوبها الحرير، أما مخالطتها و هي لابسة ثوبها الحرير فجائزة، و يحرم أن يكتب الرجل على الحرير أو يرسم عليه أي نقش، كما يحرم ستر الجدران به في أيام الفرح و الزينة إلا لعذر، نعم يحل ستر الكعبة بالحرير إن خلا عن الذهب و الفضة، و لا يحل على الراجح إلباس الدواب الحرير كما يجوز إلباسه للصبي و المجنون قولا واحدا.

و يحرم على الرجل أن يتخذ منديلا من الحرير و يستعمله، أما إذا استعملته امرأة في مسح شي‌ء على بدنه فإنه يجوز.

و يستثني من استعمال الحرير أمور: منها كيس المصحف بخلاف كيس الدراهم فإنه يحرم على المعتمد و منها علاقة المصحف «و هي ما يعلق به» و علاقة السكين و السيف. و خيط الميزان و المفتاح و خيط السبحة و شراريبها إن كان من أصل خيطها و إلا حرمت الشرابة إن كانت خارجة عن الخيط على المعتمد، و منها غطاء القلل و الأباريق و الكيزان فإن اتخاذها من الحرير جائز، و أما غطاء عمامة الرجل فإنه لا يجوز اتخاذه من الحرير لكن إذا استعملته المرأة جاز و منها ليقة الدواة، و منها تكة اللباس، و منها زر الطوبوش.

و يحل للرجل أن يلبس الحرير للضرورة أو الحاجة، فيجوز لبسه لدفع جرب و دفع قمل و ستر عورة في الصلاة و ستر عورة عن أعين الناس و نحو ذلك إذا لم يجد غيره، و كذلك في الخلوة إذا لم يجد غيره، فإن وجد غيره حرم عليه استعماله. و يحل للرجل أن يلبس ثوبا بعضه حرير و بعضه قطن أو كتان أو صوف أو نحو ذلك، بشرط أن يكون الحرير مساويا أو أقل أما إن كان أكثر فلا يحل، و كذا يحل للرجل السجاف و هو التطريف و الطراز من الحرير على ألا يزيد الطراز عرضا عن أربعة أصابع و أن لا يزيد التطريف عن العادة لحديثين رواهما مسلم بالإباحة و استعمال النبي صلى اللّٰه عليه و سلم اللباس المشتمل عليهما، أما النساء فيحل لهن لبس الحرير و فرشه و استعماله بسائر أوجه الاستعمال. و كذلك الصبي الذي لم يبلغ و المجنون، أما الخنثى المشكل فهو ملحق بالرجل.

و أيضا يحرم لبس مصبوغ بالزعفران بشرط أن يكون مصبوغا كله أو جزءا كبيرا منه‌

31

..........

____________

بحيث يصح إطلاق المزعفر عليه عرفا، بخلاف ما فيه نقط الزعفران فإنه يحل، و يكره الثوب المعصفر و هو المصبوغ بالعصفر «نبت أصفر معروف» بشرط أن يكون مصبوغا به كله أو جزءا منه بالقيد المتقدم بخلاف ما فيه نقط من العصفر فإنه لا يكره، و ما بعد ذلك من الألوان لا يحرم و لا يكره. سواء كان أسود أو أبيض أو أصفر أو أحمر أو مخططا أو غير ذلك.

و يحرم أيضا لبس نجس أو متنجس بغير معفو عنه في الصلاة و نحوها من كل عبادة يشترط لها طهارة الثوب.

الحنابلة- قالوا: يحرم على الرجل استعمال الحرير من لبس و غيره و لو كان الحرير بطانة لغيره أو مبطنا بغيره، و كذا يحرم اتخاذه تكة سراويل أو خيط سبحة أو نحو ذلك إلا الزر أو الشرابة التي تكون تابعة لغيرها فإنها تحل.

و كذا يحرم الجلوس عليه و الاستناد إليه و توسده و تعليقه و ستر الجدران به إلا الكعبة فإنه لا يحرم سترها بالحرير.

و يحل للرجل أن يلبس ثوبا بعضه حرير و بعضه صوف أو قطن أو كتان أو غير ذلك بشرط أن يكون الحرير أقل أو مساويا، أما إذا كان غالبا فإنه لا يحل إلا إذا كان الحرير أكثر وزنا و غيره أكثر ظهورا منه في الثوب فإنه يحل حينئذ، و أما إذا كانت السدوة حريرا و اللحام غيره فالمشهور أنه حرام عندهم أيضا و أجازه بعضهم، و مثل الحرير الديباج.

و مثل الرجل في ذلك الخنثى و كذلك الصبي و المجنون فيحرم إلباسهما الحرير، و يباح لبس الحرير للرجل لحاجة كإزالة القمل و لمرض ينفع فيه لبس الحرير، و في حرب مباح و لو لغير حاجة و لبطانة خوذة و درع، و يباح لبسه لاتقاء حر أو برد أو تحصن من عدو و نحو ذلك و يباح للرجل أن يكون طراز ثوبه حريرا بشرط أن لا يزيد عن أربع أصابع و يباح له أن يرقع ثوبه بالحرير إذا كانت الرقعة لا تتجاوز أربع أصابع معتدلة مضمومة لا متفرقة «أربعة قراريط» و كذلك لبة الطوق الذي يخرج منه العنق. و اللبة هي الزيق المحيط بالعنق فإن اتخاذها من الحرير جائز إذا كانت لا تتجاوز أربع أصابع. و كذلك يباح اتخاذ كيس المصحف من الحرير و أن يخاط بالحرير و اتخاذ الأزرار منه.

و يباح حشو الجباب به و كذا حشو الفرش، لأنه ليس لبسا له و لا فرشا و هو بالحشو يكون خفيا عن الأعين فلا فخر فيه و لا خيلاء.

و يكره للرجل لبس المزعفر و الأحمر المصمت «الخالص الحمرة» أما الأحمر الذي يخالطه لون آخر فلا كراهية فيه و لو كان الأحمر المصمت بطانة، و يكره له أيضا لبس المعصفر و الطيلسان و هو المقور الذي على شكل الطرحة يرسل من فوق الرأس، أما المرأة فيباح لها لبس الحرير و استعماله بجميع أنواع الاستعمال، و كذا لبس المصبوغ بأي لون بدون كراهة.

الحنفية- قالوا: يحرم على الرجال لبس الحرير المأخوذ من الدودة إلا لضرورة، أما فرشه و النوم عليه و اتخاذه و سادة أي مخدة فالمشهور أنه جائز كما يجوز أن يستعمل من الحرير قدر‌

32

..........

____________

أربع أصابع عرضا و إن كانت أطول من الأصابع فيحل أن يكون طراز الثوب من الحرير وزر الطربوش من الحرير إذا لم يزد عرضه على أربع أصابع، و كذا يجوز وضع قدر عرض أربع أصابع في أطراف الثوب و يسمى بالطرف، و كذا ما يجعل في طوق الجبة أو ذيل القفطان فإنه يحل إذا لم يزد عن أربع أصابع، و مثله بيت تكة السراويل إذا صنعت من الحرير و كانت لا تتجاوز أربع أصابع فإنها تحل، أما التكة فإنه يحل أخذها من الحرير مع الكراهة على الصحيح و إذا جعل الحرير حشوا للرداء فلا بأس به و لو جعل بطانة فهو مكروه.

و المشهور من المذهب أن الحرير حرام على الرجال و لو لبسوه بحائل على البدن، و نقل عن أبي حنيفة أنه إنما يحرم إذا لامس البدن، أما إن كان بحائل فإنه لا يحرم و هذه رخصة عظيمة. و يحل للرجال اتخاذ الناموسية من الحرير الخالص و يسمى الديباج فيحل النوم فيها.

و يكره اتخاذ القلنسوة «و هي ما يلبس على الرأس» و كذلك «الطاقية» المأخوذة من الحرير أو المنقوش عليها أكثر من أربع فإنها مكروهة.

و يحل اتخاذ كيس النقود من الحرير، أما كيس التمائم و نحوها الذي يعلقه الرجل فإنه يكره اتخاذه من الحرير.

و تحل الصلاة على سجادة مصنوعة من الحرير بلا كراهة كما يحل خيط السبحة و خيط الساعة الذي تعلق به و خيط الميزان و المفاتيح و ليقة الدواة فإن كل هذا جائز.

و كذا تحل الكتابة في ورق الحرير و أن يتخذ منه كيس المصحف، و كذا يحل اتخاذ الستر التي توضع على الأبواب و النوافذ من الحرير على المشهور و كذا لا يكره وضع ملاءة الحرير على سرير الصبي أو محل نومه، أما اتخاذ اللحاف من الحرير فإنه مكروه.

المالكية- قالوا: يحرم على الذكور البالغين الحرير أما الصغار فقيل يحل إلباسهم الحرير و قيل يحرم، و قيل يكره.

و لا يباح عندهم لبس الحرير للجرب أو القمل أو الحكة و نحو ذلك. كما لا يباح في الحرب، و كذلك يحرم الجلوس عليه على المعتمد و لو كان زوجا جالسا على فرش امرأته تبعا له و هي معه، و قيل يجوز للزوج أن يجلس تبعا لزوجه و هي معه، و لا ترفع حرمة الجلوس على الحرير فرش ملاءة و نحوها عليه.

و لا يحل لبس المبطن بالحرير و المحشو بالحرير و لا المرقوم بالحرير إلا إذا كان يسيرا أقل من قدر الإصبع، فإن زاد على ذلك بأن كان في عرض إصبع إلى أربع أصابع كان مكروها و قيل يجوز إلى الأربع، و ما زاد على عرض الأربع أصابع فهو حرام. و يحل تعليق الحرير بدون جلوس كالستارة التي توضع على الأبواب و النوافذ بدون كراهة.

و يحل كتابة المصحف على الحرير بدون كراهة.

أما ما سداه حرير و لحمته قطن أو صوف أو كتان فالتحقيق أنه مكروه.

33

..........

____________

أما النساء فيحل لهن لباس الحرير و استعماله.

و يحل اتخاذ الخرقة التي يمسح بها أعضاؤه من الحرير «المنديل» بلا تكبر، أما «البشكير» الخرقة التي توضع على الحجر عند الأكل فيكره اتخاذها من الحرير.

و يحل لبس ما سداه حرير و لحمته قطن أو كتان أو صوف أو غير ذلك، أما ما لحمته حرير و سداه قطن فإنه يحل في حالة الحرب فقط، و كذا ما لحمته و سداه حرير فإنه يحل في حالة الحرب إلا أنه لا يصلي فيه إلا إذا خاف هجوم العدو، و إنما يحل لبس الحرير في الحرب لأمرين: الأول أن يكون صفيقا «ثخينا» يدفع مضرة السلاح. الثاني أن يوجب الهيبة في نفس العدو فإن لم يتحقق شرط من هذين لا يحل لبسه في حال الحرب كما لا يحل في حال السلم.

و يكره للرجل أن يلبس الثوب المزعفر الأحمر و الأصفر على المشهور، و قيل لا كراهة في الأحمر و الأصفر كما لا كراهة في سائر الألوان.

أما النساء فيحل لهن لباس الحرير و استعماله بجميع أنواع الاستعمال كما يحل لهن لباس أي لون.

أهل البيت (ع): لا يحلّ للرجال لبس الحرير الخالص و لا تجوز الصلاة فيه الا في الحرب و عند الضرورة كالبرد المانع من نزعه و يجوز للنساء مطلقا في الصلاة و في غيرها و فيما لا يتم الصلاة فيه منفردا كالتكة و القلنسوة و الأحوط وجوبا تركه كما لا بأس بحمله في حال الصلاة و غيرها و كذا افتراشه و التغطي به و نحو ذلك مما لا يعد لبسا له و لا بأس بكفّ الثوب به و الأحوط أن لا يزيد على أربعة أصابع كما لا بأس بالأزرار منه و الشفائف و إن تعددت و كثرت و لا بأس بالحرير الممتزج بالقطن أو الصوف أو غيرهما مما يجوز لبسه في الصلاة لكن بشرط أن يكون الخلط بحيث يخرج اللباس به عن صدق الحرير الخالص فلا يكفي الخلط بالمقدار اليسير المستهلك عرفا (36). و لا يجوز جعل البطانة من الحرير و إن كانت الى النصف (37). و لا يحل للرجل أن يلبس الذهب في الصلاة و في غيرها و فاعل ذلك آثم و الظاهر عدم حرمة التزين بالذهب فيما لا يصدق اللبس مثل جعل مقدم الأسنان من الذهب و اما شدّ الأسنان به أو جعل الأسنان الداخلة منه فلا بأس به بلا إشكال اما إذا كان مذهبا بالتمويه و الطلي على نحو يعدّ عند العرف لونا فلا بأس به (38) و يجوز ذلك كله للنساء (39).

و يجوز للولي إلباس الصبي الحرير أو الذهب و لكن لا تصح صلاة الصبي فيه (40). و يحرم‌

____________

(36) منهاج الصالحين 1/ 143، 144

(37) منهاج الصالحين 1/ 144

(38) منهاج الصالحين 1/ 143

(39) منهاج الصالحين 1/ 143

(40) منهاج الصالحين 1/ 144

34

مبحث ما يحل لبسه و استعماله من الذهب و الفضة و ما لا يحل

يحرم (1) على الرجل و المرأة استعمال

____________

لباس الشهرة بأن يلبس خلاف زيّه من حيث جنس اللباس أو من حيث لونه أو من حيث وضعه و تفصيله و خياطته كأن يلبس العالم لباس الجندي أو بالعكس مثلا و كذا يحرم على الأحوط لبس الرجال ما يختصّ بالنساء و بالعكس و الأحوط ترك الصلاة فيها و إن كان الأقوى عدم البطلان (41)، و قد تقدم في كتاب الصلاة ذكر ما يشترط في لباس المصلي.

(1) الحنفية- قالوا: يجوز له أن يجمل بيته بأواني الذهب و الفضة بدون استعمالهما بشرط عدم التفاخر، كما يجوز له أن يجلس على الحرير و يتوسد به إذا لم يكن للتفاخر كما تقدم.

المالكية- قالوا: لا بأس بتحلية سيف الرجل بالفضة و الذهب، سواء اتصلت الحلية به كأن جعلت قبضة له أو انفصلت عنه كغمده. أما سيف المرأة فيحرم تحليته إذ لا يباح للمرأة إلا الملبوس من الذهب و الفضة، و كذلك يحرم تحلية باقي آلات الحرب.

و لا بأس بتحلية جلد المصحف بالذهب أو الفضة تعظيما له بشرط أن تكون من الخارج، أما تحليته من الداخل أو كتابته أو تجزئته فمكروهة، و أما سائر الكتب سوى المصحف فيحرم تحليتها بهما مطلقا.

و يجوز لمن سقطت أسنانه أن يتخذ بدلها من الذهب و الفضة. و كذلك يجوز لمن قطعت أنفه أن يتخذ بدلها من الفضة و الذهب.

و يجوز للرجل أن يلبس خاتما من الفضة زنة درهمين لأن النبي صلّى اللّٰه عليه و سلم اتخذ خاتما من فضة وزن درهمين، فيجوز لنا اتخاذه بشرط. قصد الاقتداء به عليه الصلاة و السلام، و بشرط أن يكون واحدا فلا يجوز تعدده و إن كان الجميع درهمين. أما ما زاد عن الدرهمين فإنه محرم. و كذلك ما كان بعضه ذهبا و بعضه فضة و لو كان الذهب قليلا.

و يستحب وضعه في خنصر اليسار و يكره في اليمين. و أما المموه و هو المتخذ من معدن غير الذهب و الفضة يطلي بهما ففيه قولان: قول بالمنع، و قول بالإباحة. و القولان متساويان. و أما المغشي و هو ما صنع من فضة أو ذهب ثم طلي بالنحاس أو الرصاص عكس المموه ففيه قولان أيضا: قول بالمنع و قول بالإباحة، و المعتمد المنع. و أما المطبب و هو إناء مأخوذ من خشب و نحوه يكسر فيلحم بسلك من فضة أو ذهب ففيه قولان: قول بالمنع و قول بالكراهة، و القولان متساويان.

و مثله ذو الحلقة- بسكون اللام- إناء يوضع له حلقة ليعلق بها. و أما الآنية المتخذة من الجوهر كالدر و الياقوت ففيها قولان أيضا المنع و الجواز، و القولان متساويان. فإذا طلي السرج أو السكين أو الخنجر أو اللجام أو نحوها بالذهب أو الفضة ففيها الخلاف المتقدم أما صنع‌

____________

(41) العروة الوثقى 1/ 429

35

..........

____________

يد السكين و نحوها من الذهب أو الفضة فحرام قولا واحدا.

و يكره التختم بالحديد و الرصاص و النحاس للرجل و المرأة، و يجوز التختم بالعقيق و غيره.

الشافعية- قالوا: يحل للرجل و المرأة اتخاذ أنف من ذهب أو فضة و كذا يجوز لمن سقطت أسنانه أن يتخذ بدلها من الذهب أو الفضة و اتخاذ أنملة من الذهب، و يجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل و المرأة. و أما بالذهب فلا يجوز إلا للمرأة. و التحلية وضع قطع رقيقة، أما تمويهه بالذهب و الفضة فلا يجوز، و التمويه هو الطلي بهما بعد إذا بتهما، و يجوز كتابة المصحف بالذهب و الفضة للرجل و المرأة بلا فرق على المعتمد. و يجوز استعمال إناء الذهب و الفضة المطلي بنحاس و نحوه طلاء سميكا بحيث لا يحصل بعرضه على النار شي‌ء منه. و كذا يجوز تحلية آلة الحرب للرجل دون المرأة بفضة و كذا طلاؤها بها، و يجوز إصلاح الإناء بسلسلة أو صفيحة من فضة بشرط أن تكون صغيرة، أما الكبيرة فمكروهة إذا كان استعمالها للضرورة، و إلا حرمت، و الكبيرة ما تستوعب جانبا من الإناء، و الصغيرة ما كانت دون ذلك، و قيل المرجع في الصغر و الكبر للعرف، و يجوز للرجل اقتناء حلي الذهب و الفضة لتأجيرها لمن تحل له بلا خلاف في المذهب.

و يحل للرجل التختم بالفضة بل يسن ما لم يسرف فيه عرفا مع اعتبار عادة أمثاله وزنا وعدا و محلا، فإذا زاد على عادة أمثاله حرم، و الأفضل أن يلبسه في خنصر يده اليمنى و يسن أن يكون فصه من داخل كفه.

أما التختم بالذهب فحرام مطلقا، و أما خاتم الحديد و النحاس و الرصاص فجائز بلا كراهة على الأصح.

الحنفية- قالوا: إذا وضع الطعام و نحوه في آنية الذهب و الفضة فلا بأس أن يضع الآكل يده مباشرة أو بملعقة فيه لتناول اللقمة و نحوها. و إنما المكروه تحريما هو أن يمسك الإناء المأخوذ من الذهب و الفضة بيده ثم يستعمله، كما إذا استعمل كوزا مأخوذا من الفضة مثلا في الحمام بأن يغرف به الماء و يصبه على رأسه، و لا بأس بالأكل و الشرب من إناء مذهب أو مفضض كالآنية المطعمة بالذهب و الفضة» بشرط أن يضع الجزء الذي فيه ذهب أو فضة على فيه و كذلك لا بأس باستعمال المضبب من الأواني و الكراسي و الأسرة و نحوها بالذهب و الفضة إذا لم يباشر الجزء الموضوع فيه الذهب و الفضة، و المضبب: هو المكسور الذي يجبر بالذهب و الفضة كاللحام، و لا بأس أيضا باتخاذ حلقة المرآة و نحوها من الذهب و الفضة، و لا بأس أيضا أن يوضع في لجام الفرس و نحوها أو سرجها فضة أو ذهب بشرط أن لا يجلس على الجزء الذي فيه الذهب و الفضة.

و يجوز ليس الثياب المنقوشة بالذهب و الفضة، و كذلك استعمال كل مموه «مطلي» بالذهب و الفضة إذا كان بعد ذوبانه لا يخلص منه شي‌ء له قيمة. و لا يكره وضع الذهب و الفضة في نصل السكين أو قبضة السيف بشرط أن لا يضع يده عند استعمالها على موضع الذهب و الفضة. و لا بأس بحلية السيف و حمائله «العلاقة التي يعلق بها» و مثله المنطقة، لكن بالفضة فقط، فيكره تحريما تحليه ذلك بالذهب. أما تحليه السكين و المقراض «المقص» و المقلمة‌

36

الذهب (1) و الفضة،

____________

و الدواة و المرآة بالذهب فإنه يكره تحريما، أما بالفضة ففيه و جهان و لا بأس باتخاذ مسامير الساعة و الباب و نحوهما من الذهب و الفضة، أما اتخاذ الباب من الذهب أو الفضة فمكروه تحريما. و لا بأس بوضع الذهب و الفضة في آلة الحرب، و كذا لا بأس بتمويه السلاح «طليه» بالذهب و الفضة. و كذلك لا بأس بالانتفاع بالأواني المموهة بالذهب و الفضة، و لا بأس باتخاذ الآنية من العقيق و البلور و الزجاج و الزبرجد و الرصاص و باستعمالها أيضا.

و يجوز للرجل أن يلبس خاتما من فضة بشرط أن يصنع على الصفة التي اعتاد أن يلبسه عليها الرجال. أما إذا صنع على هيئة خواتم النساء كأن يكون له فصان و نحو ذلك فإنه يكره تحريما، و يكره أيضا التختم بما سوى الفضة كالتختم بالحديد و النحاس و الرصاص، و هو مكروه للرجال و النساء جميعا. و أما التختم بالعقيق ففيه خلاف، و الأصح أن يجوز. و لا بأس بسد ثقب فص الخاتم بمسمار من الذهب. و لا يصح أن يزيد الخاتم من الفضة على مثقال، و يسن التختم بها للرجل إذا كانت الحاجة ماسة لذلك كالقاضي و الحاكم الذي يجعل خاتمه منقوشا فيه اسمه «ختم» و يلبس خاتمه في خنصر يده اليسرى، و يجوز أن يلبسه في يده اليمنى. و يجوز شد الأسنان بالفضة بلا خلاف، أما بالذهب ففي جوازه خلاف. و كذا يجوز إعادة السن إذا خلعت من فضة أو ذهب على الخلاف المذكور.

الحنابلة- قالوا: يباح اتخاذ الآنية من المعادن الطاهرة كما يباح استعمالها و لو كانت ثمينة كالجوهر و البلور و الياقوت و الزمرد، و كذلك إذا كانت غير ثمينة كالآنية المأخوذة من الخشب و الحديد و النحاس، و إنما الذي يحرم من ذلك اتخاد الآنية من الذهب و الفضة. و كذلك يحرم استعمالها إن كانت مأخوذ منهما، و يحرم أيضا استعمال الأنية المضببة بالذهب و الفضة على الذكر و الأنثى، و كذا اتخاذ ميل المكحلة منهما. و يحرم استعمال الإناء المموه بالذهب و الفضة «المطلي» و كذا استعمال المطعم بهما، و استعمال الآنية المنقوشة بهما، و يحرم استعمال الذهب و لو يسيرا في الثياب و غيرها، و إنما الذي يجوز من ذلك فص الخاتم من الذهب.

(1) أهل البيت (ع): يحرم استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب و سائر الاستعمالات نحو التطهير من الحدث و الخبث و غيرها و المحرم هو الأكل و الشرب فيها أو منها لا تناول المأكول و المشروب منها و لا نفس المأكول و المشروب فلو أكل منها طعاما مباحا في نهار رمضان لا يكون مفطرا بالحرام و إن ارتكب الحرام من جهة الشرب منها هذا في الأكل و الشرب و اما في غيرهما فالمحرم استعمالها فإذا اغترف منها للوضوء يكون الاغتراف محرما دون الوضوء و هل التناول الذي هو مقدمة للأكل و الشرب أيضا محرم من باب حرمته مطلق الاستعمال حتى يكون في الأكل و الشرب محرمان: هما و الاستعمال بالتناول؟ فيه تأمل و إشكال و إن كان عدم حرمة الثاني لا يخلو من قوة و يدخل في استعمالها المحرم على الأحوط وضعها على الرفوف للتزيين و إن كان عدم الحرمة لا يخلو من قرب و الأحوط الأولى ترك تزيين المساجد و المشاهد بها أيضا و الأقوى عدم حرمة اقتنائها من غير استعمال و الأحوط حرمة استعمال الملبّس بأحدهما إن كان على وجه لو انفصل كان إناء مستقلا دون ما إذا لم يكن كذلك و دون المفضض و المموه بأحدهما و الممتزج منهما بحكم أحدهما و إن لم يصدق عليه اسم أحدهما.

37

و علة النهي (1) عن استعمال الذهب و الفضة للرجال و النساء واضحة، لأن في استعمالها تقليلا لما يتعامل الناس به من النقدين، و كسرا لقلوب الفقراء الذين لا يجدون منهما ما يحصلون به على قوتهم الضروري إلا بجهد عظيم بينما يرون غيرهم يسرف فيها غاية الإسراف و يحبسها عنده بدون مبالاة فيشعر ذلك قلوبهم و يترك في أنفسهم أسوأ الأثر، لذلك حرمت الشريعة الإسلامية استعمالها على الرجال و النساء إلا في أحوال تقتضيها، فأباحت للنساء ما تتزين به منها، لأن المرأة في حاجة ضرورية إلى الزينة، فلها أن تتحلى بما شاءت من الذهب و الفضة، و كذلك أباحت للرجال التختم بالفضة لأنه قد يحتاج إلى أن ينقش عليه اسمه، فيسهل عليه استعماله و يكون آمنا عليه بلبسه في يده كذلك أباحت اليسير الذي لا يضيق النقدين بما سيأتي بيانه.

فيحرم اتخاذ الآنية من الذهب و الفضة، فلا يحل لرجل أو امرأة أن يأكل أو يشرب فيها لقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم: «لا تشربوا في آنية الذهب و الفضة،

____________

مسألة: الظاهر أن المراد بالأواني ما يستعمل في الأكل و الشرب و الطبخ و الغسل و العجن مثل الكأس و الكوز و القصاع و القدور و الجفان و الأقداح و الطشت و السماور و القوري و الفنجان بل و كوز القليان و النعلبكي بل و الملعقة على الأحوط فلا يشمل مثل رأس القليان و رأس الشطب و غلاف السيف و الخنجر و السكين و الصندوق و ما يصنع بيتا للتعويذ و قاب الساعة و القنديل و الخلخال و إن كان مجوفا و في شمولها للهاون و المجامر و المباخر و ظروف الغالية و المعجون و الترياك و نحو ذلك تردد و إشكال فلا يترك الاحتياط.

مسألة: كما يحرم الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة بوضعهما على فمه و أخذ اللقمة منها مثلا يحرم تفريغ ما فيها في إناء آخر بقصد الأكل و الشرب نعم لو كان التفريغ في إناء آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به و لا يحرم الأكل و الشرب من ذلك الإناء بعد ذلك بل يبعد أن يكون المحرم في الصورة الأولى أيضا نفس التفريغ في الآخر بذلك القصد دون الآكل و الشرب منه فلو كان الصاب منها في إناء آخر بقصد أكل الآخر أو شربه كان الصاب مرتكبا للحرام بصبه دون الآكل و الشارب نعم لو كان الصب بأمره و استدعائه لا يبعد أن يكون كلاهما مرتكبا للحرام: المأمور باستعمال الآنية و الآمر بالأمر بالمنكر بناءا على حرمته كما لا تبعد.

مسألة: الظاهر أن الوضوء من آنية الذهب و الفضة كالوضوء من الآنية المغصوبة يبطل إن كان بنحو الرمس و كذا بنحو الاغتراف مع الانحصار و يصح مع عدمه كما تقدم في بحث الوضوء (42).

(1) أهل البيت (ع): الأصح أن ما ذكر هو حكمة تشريع هذا الحكم و ليس بعلته فإنّ العلة يدور الحكم معها وجودا و عدما اما الحكمة فتكون من المصالح و المفاسد التي استدعت تشريع الحكم.

____________

(42) تحرير الوسيلة 1/ 120- 121

38

و لا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة»، و كذلك لا يحل التطيب (1) أو الأدهان أو غير ذلك. و كما يحرم استعمالها يحرم اقتناؤها (2) بدون استعمال، و يستثني ما إذا قصد (3) باقتنائها تأجيرها لمن يباح له استعمالها و كذلك يحرم الأكل بملعقة (4) الذهب و الفضة و اتخاذ ميل المكحلة (5) منهما و المرآة (6) و قلم الدواة و المشط و المبخرة و القمقم، و كذا يحرم اتخاذ فنجان القهوة من الذهب و الفضة و ظرف الساعة (7) و قدرة التمباك «الشيشة» و نحوها. أما ما يباح من ذلك ففيه تفصيل المذاهب (8).

مباحث الصيد و الذبائح

و من الحلال الطيب الذي أباح اللّٰه لنا أكله: الصيد، و هو ما يصطاد من حيوان مأكول اللحم بالشرائط الآتي بيانها، و هو مباح إذا لم يترتب عليه (9) ضرر الناس بإتلاف مزارعهم أو إزعاجهم في منازلهم أو كان الغرض منه اللهو (10) و اللعب، و إلا فيحرم.

____________

(1) أهل البيت (ع): ذكرنا أنه لا يحل من ظروف الغالية المتخذة من الذهب أو الفضة التطيب أو الأدهان أو غير ذلك من باب الاحتياط (43).

(2) أهل البيت (ع): لا يحرم اقتناء آنية الذهب و الفضة من دون استعمال و إن كان الأفضل عدم اقتنائها.

(3) أهل البيت (ع): قلنا إنه يجوز اقتنائها مطلقا.

(4) أهل البيت (ع): يجوز الأكل بملعقة الشاي إن كان من الذهب و الفضة لأنها ليست من الأواني و اما الملعقة الكبيرة فإن كانت لدى العرف من الأواني لكان الأكل بها حراما.

(5) أهل البيت (ع): ذكرنا إنه لا يترك الاحتياط في مثل الهاون و المجامر و المباخر و ظروف الغالية (منها المكحلة واواني الطيب و الأصباغ و. التي تجعلها أواني ما تزين بها المرأة).

(6) أهل البيت (ع): بيت المرآة و قلم الدواة و المشط و المبخرة و القمقم ليست من الأواني كما أشرنا الى ذلك.

(7) أهل البيت (ع): ظرف الساعة خارج عن كونه آنية و لا يترك الاحتياط في قدرة التنباك كما قدمنا.

(8) أهل البيت (ع): أشرنا إلى تفصيل ذلك.

(9) أهل البيت (ع): يأثم على إضراره للآخرين من إتلاف مزارعهم و نحوها و يضمن عوض ما يتلفه و لكن الصيد يكون حلالا.

(10) أهل البيت (ع): يأثم إذا كان غرضه ذلك و لكن الصيد إذا استوفى الشروط يكون محللا.

____________

(43) تحرير الوسيلة 1/ 120

39

دليله

و قد ثبت أكله بالكتاب و السنة و الإجماع. فأما الكتاب فقول اللّٰه تعالى:

يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ وَ مٰا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوٰارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّٰا عَلَّمَكُمُ اللّٰهُ، فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهِ، و قوله تعالى وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا فالأمر في الآية الكريمة بالاصطياد يفيد حل المصيد.

أما السنة فكثيرة (1)، و منها ما رواه البخاري و مسلم أن أبا ثعلبة قال: قلت يا

____________

أهل البيت (ع): عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) انه قال: في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول اللّٰه عز و جل وَ مٰا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوٰارِحِ مُكَلِّبِينَ قال: هي الكلاب و عن أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يسرح كلبه المعلم و يسمي إذا سرحه، قال: يأكل مما أمسك عليه فاذا أدركه قبل قتله ذكاه و ان وجد معه كلبا غير معلم فلا يأكل منه الحديث. و عن أبي عبد اللّٰه (ع) انه سأله عن صيد البزاة و الصقورة و الكلب و الفهد، فقال: لا تأكل صيد شي‌ء من هذه إلا ما ذكيتموه الا الكلب المكلب، قلت: فان قتله؟ قال: كل لان اللّٰه عز و جل يقول وَ مٰا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوٰارِحِ مُكَلِّبِينَ. فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهِ. و رواه على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن فضالة بن أيوب عن سيف بن عميرة مثله و زاد ثم قال: كل شي‌ء من السباع تمسك الصيد على نفسها الا الكلاب المعلمة فإنها تمسك على صاحبها، و قال: إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم اللّٰه عليه فهو ذكاته (44).

(1) أهل البيت (ع): عن ابى عبد اللّٰه (ع) إنه سأله عن صيد البزاة و الصقورة و الكلب و الفهد فقال لا تأكل صيد شي‌ء من هذه إلا ما ذكيتموه إلا الكلب المكلب قلت فإن قتله قال كل لأن اللّٰه عز و جل يقول وَ مٰا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوٰارِحِ مُكَلِّبِينَ. فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهِ (45).

و عن ابي عبد اللّٰه (ع) أنه سأله عن الرجل يسرح كلبه المعلم و يسمي إذا سرحه قال يأكل مما أمسك عليه فاذا أدركه قبل قتله ذكاه (46).

و عنه (ع) قال سألته قوم أرسلوا كلابهم و هي معلمة كلها و قد سموا عليها فلما أن مضت الكلاب دخل فيها كلب غريب لا يعرفون له صاحبا فاشتركت جميعها في الصيد فقال لا يؤكل منه لأنك لا تدري أخذه معلم أم لا (47).

و عن أبي جعفر (ع) قال من جرح صيدا بسلاح و ذكر اسم اللّٰه عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع و قد علم أن سلاحه هو الذي قتله فيأكل منه أن شاء. و عنه (ع) قال:

كل من الصيد ما قتل السيف و الرمح و السهم (48).

____________

(44) وسائل الشيعة 16/ 208

(45) وسائل الشيعة 16/ 207

(46) وسائل الشيعة 16/ 208

(47) وسائل الشيعة 16/ 215

(48) وسائل الشيعة 16/ 228

40

رسول اللّٰه، أنا بأرض صيد، أصيد بقوسي أو بكلبي الذي ليس بمعلم أو بكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ فقال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم: «ما صدت بقوسك فذكرت اسم اللّٰه عليه فكل، و ما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم اللّٰه عليه فكل، و ما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل». و روى البخاري و مسلم عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم عن صيد المعراض- و المعراض (كمحراب) سهم لا ريش له دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده- قال: «إذا أصبحت بحده فكل، و إذا أصبحت بعرضه فلا تأكل، فإنه وقيذ». و روى مسلم عن عدي بن حاتم أن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم قال: «إذا رميت بسهمك فاذكر اسم اللّٰه فإذا وجدته ميتا فكل، إلا أن تجده قد وقع في الماء فمات، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك»، ذلك بعض ما ورد في السنة الكريمة في شأن الصيد. و هو كما ترى يشتمل على معظم أحكام الصيد الآتي بيانها.

و قد أجمع المسلمون على حل أكل الصيد بالشرائط الآتية.

شروطه

يشترط لحل أكل ما يصطاد من الحيوان شروط، بعضها يتعلق بالحيوان الذي يحل صيده و بعضها يتعلق بالصائد، و بعضها يتعلق بآلة الصيد من كلب و نحوه، أو سهم و نحوه.

الشروط المتعلقة بالحيوان الذي يحل صيده و أكله بالصيد

الحيوان الذي يحل صيده إما أن يكون مأكول اللحم أو غير مأكولة، فإن كان غير مأكول اللحم فإن صيده يحل (1) دفعا لشره كما يحل قتله لذلك، و كذلك يحل صيده للانتفاع بما يباح الانتفاع به كالسن و الشعر. و إن كان مأكول اللحم فيحل صيده بشروط.

منها: أن يكون متوحشا بطبيعته (2) لا يألف الناس ليلا و لا نهارا كالظباء

____________

(1) أهل البيت (ع): يحلّ صيد ما لا يؤكل لحمه و الانتفاع بما يباح الانتفاع منه إلّا في الكلب و الخنزير.

(2) أهل البيت (ع): الحيوان الذي يحل مقتوله بالكلب و الآلة مع اجتماع الشرائط هو كل حيوان ممتنع مستوحش من طير أو غيره سواء كان كذلك بالأصل كالحمام و الظبي و البقر‌

41

و حمر الوحش و بقرة و أرنبة (1) و نحوها فيحل صيدها و لو تأنست إذا عادت لتوحشها، فإن استمرت متأنسة فإنها لا تحل إلا بالذبح؛ أما الحيوانات المتأنسة بطبيعتها كالجمال و البقر و الغنم (2) و نحوها فلا تحل بالصيد، بل لا بد في حل أكلها من ذكاتها الذكاة الشرعية، و لو توحش واحد منها كأن نفر البعير أو الثور أو شردت الشاة و عجز عن إمساكه فإنه يحل (3) بالعقر، و هو الجرح بسهم و نحوه في أي موضع من بدنه بشرط أن يريق دمه، و أن يقتله بهذا الجرح، و أن يقصد تذكيته، و أن يكون أهلا للتذكية، و مثل هذا ما إذا سقط حيوان في بئر (4)

____________

الوحشي أو كان إنسيا فتوحش أو استعصى كالبقر المستعصي و البعير كذلك و كذلك الصائل من البهائم كالجاموس الصائل و نحوه و بالجملة كل ما يجي‌ء تحت اليد و لا يقدر عليه غالبا الا بالعلاج، فلا تقع التذكية الصيدية على الحيوان الأهلي المستأنس سواء كان استيناسه أصليا كالدجاج و الشاة و البعير و البقر أو عارضيا كالظبي و الطير المستأنسين و كذا ولد الوحش قبل أن يقدر على العدو و فرخ الطير قبل نهوضه للطيران فلو رمى طائرا و فرخه الذي لم ينهض فقتلهما حلّ الطائر دون الفرخ (49).

(1) أهل البيت (ع): لا يحل أكل لحم الأرنب مطلقا بالصيد أو التذكية كما تقدم.

(2) الحنفية- قالوا: إذا نفرت الشاة في الصحراء يكون حكمها ما ذكر في غيرها من الجمال و البقر، أما إذا نفرت في المصر فإنها لا تحل بالعقر، لأنها لا يتعسر إمساكها بخلافهما، و لا يلزمه الاستعانة في إمساك المتوحش بجماعة، بل متى ند البعير و نحوه و لم يقدر عليه إلا بجماعة فله أن يرميه.

(3) المالكية- قالوا: الحيوان المتأنس أصالة لا يؤكل إلا بالذبح، سواء توحش ثم عاد فتأنس أو استمر على توحشه، فلو ند بعير أو ثور أو نحوهما فرماه أحد بسهم فعقره بأن جرحه فقتله بذلك فإنه لا يحل، و كذلك لو تردى حيوان في بئر فإنه لا يحل إلا بالذكاة الشرعية، و بعضهم يستثني البقر إذا توحش فيقول إنه يحل بالعقر لأن له نظيرا يحل صيده هو بقر الوحش، فإذا توحش البقر الأهلي فعقر فإنه يحل أكله نظير البقر الوحشي الذي يحل صيده، و لو توحش الحمام البيتي فقيل يحل بالصيد و قيل لا يحل، و المعتمد أنه لا يحل.

أهل البيت (ع): ذكرنا أن الثور المستعصي و البعير العاصي و الصائل من البهائم يحلّ لحمه بالاصطياد كالوحشي بالأصل و كذلك كل ما تردّى من البهائم في بئر و نحوها و تعذّر ذبحه أو نحره فإن تذكيته تحصل بعقره في أي موضع كان من جسده و إن لم يكن في موضع النحر أو الذبح و يحل لحمه حينئذ و لكن في عموم الحكم للعقر بالكلب إشكال فالأحوط الاقتصار في تذكيته بذلك على العقر بالآلة الجمادية (5).

(4) أهل البيت (ع): يسمى هذا بالمتردي فإذا تعذر ذبحه أو نحره فإن تذكيته تحصل‌

____________

(49) تحرير الوسيلة 2/ 131

(5) منهاج الصالحين 2/ 362

42

و نحوها و لم يمكن ذبحه في محل الذبح، فإنه يحل برميه في أي موضع من بدنه كما ذكر، و يسمى هذا ذكاة الضرورة.

و منها: أن يكون ممتنعا (1) غير مقدور عليه، فلا يحل الحيوان المقدور عليه بالصيد كالدجاج و البط الأهلي و الإوز و الحمام البيتي لأنه مستأنس مقدور عليه، بخلاف الحمام الجبلي لأنه متوحش غير مقدور عليه فيحل بالصيد.

و منها: ألا يكون مملوكا للغير (2)، فيحرم صيد المملوك للغير و لا يحل بالصيد.

____________

بعقره في أي موضع كان من جسده و إن لم يكن في موضع النحر أو الذبح و يحل لحمه حينئذ و لكن في عموم الحكم للعقر بالكلب إشكال فالأحوط الاقتصار في تذكية ذلك على العقر بالآلة الجمادية (51).

(1) أهل البيت (ع): الامتناع هو التوحش المتقدم و ليس بعنوان آخر مستقل بذاته.

(2) أهل البيت (ع): لا يجوز اصطياد ما كان مملوكا للغير لأنه تصرف في مال الغير من دون اذن صاحبه و لكنه إذا اصطاده أثم و يكون المصيد حلال الأكل حتى للغاصب بعد الاستئذان من صاحبه و يحل الأكل للغاصب أيضا حتى إذا لم يأذن له صاحبه و لكنه يكون مأثوما لأنه اصطاد و أكل من دون رضي مالكه و إن لم يعرف صاحبه يكون بحكم اللقطة (52).

مسألة: يملك الحيوان الوحشي سواء كان من الطيور أو غيره بأحد أمور ثلاثة: أحدها- أخذه حقيقة بأن يأخذ رجله أو قرنه أو جناحه أو شدّه بحبل و نحوه بشرط أن يكون بقصد الاصطياد و التملك و أما مع عدم القصد ففيه إشكال كما أنه مع قصد الخلاف لا يملك. ثانيها- وقوعه في آلة معتادة للاصطياد بها كالحبالة و الشرك و الشبكة و نحوها إذا نصبها لذلك.

ثالثها- أن يصيّره غير ممتنع بآلة كما لو رماه فجرحه جراحة منعته عن العدو أو كسر جناحه فمنعه عن الطيران سواء كانت الآلة من الآلات المحللة للصيد كالسهم و الكلب المعلم أو من غيرها كالحجارة و الخشب و الفهد و الباز و الشاهين و غيرها و يعتبر في هذا أيضا أن يكون إعمال الآلة بقصد الاصطياد و التملك فلو رماه عبثا أو هدفا أو لغرض أخر لم يملكه فلو أخذه شخص أخر بقصد التملك ملكه.

مسألة: الظاهر أنه يلحق بآلة الاصطياد كل ما جعل وسيلة لإثبات الحيوان و زوال امتناعه و لو بحفر حفيرة في طريقه ليقع فيها فوقع أو باتخاذ ارض و إجراء الماء عليها لتصير موحلة فيتوحل فيها فتوحل أو فتح باب شي‌ء ضيق و إلقاء الحبوب فيه ليدخل فيه العصافير فأغلق عليها و زال امتناعها و أما لو فتح باب البيت لذلك فدخل فيه مع بقائها على امتناعها في البيت فالظاهر عدم تملكه به مع إغلاق الباب كما أنه لو عشش الطير في داره لم يملكه بمجرده و كذا لو توحل حيوان في أرضه الموحلة ما لم يجعلها كذلك لأجل الاصطياد فلو‌

____________

(51) منهاج الصالحين 2/ 362

(52) تحرير الوسيلة 2/ 132

43

و منها: أن لا يكون متقويا (1) بنابه أو مخلبه كالذئب و السبع و النسر و غير ذلك مما لا يحل أكله.

____________

أخذه شخص بعد ذلك ملكه و إن عصى لو دخل داره أو أرضه بغير إذنه.

مسألة: لو سعى خلف حيوان حتى أعياه و وقف عن العدو لم يملكه ما لم يأخذه فلو أخذه غيره قبل أن يأخذه ملكه.

مسألة: لو وقع حيوان في شبكة منصوبة للاصطياد و لم تمسكه الشبكة لضعفها و قوته فانفلت منها لم يملكه ناصبها و كذا إن أخذ الشبكة و انفلت بها دون أن يزول عنه الامتناع فإن صاده غيره ملكه و ردّ الشبكة إلى صاحبها نعم لو أمسكته الشبكة و أثبتته ثم انفلت منها بسبب من الأسباب الخارجية لم يخرج بذلك عن ملكه كما لو أمسكه بيده ثم انفلت منها و كذا لو مشى بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فإنه لناصبها فلو أخذه غيره يجب أن يرده إليه.

مسألة: لو رماه فجرحه لكن لم يخرج عن الامتناع فدخل دارا فأخذه صاحبها ملكه بأخذه لا بدخول الدار كما أنه لو رماه و لم يثبته فرماه شخص آخر فأثبته فهو للثاني.

مسألة: لو أطلق الصائد صيده فإن لم يقصد الاعراض عنه لم يخرج عن ملكه و لا يملكه غيره باصطياده و إن قصد الاعراض و زوال ملكه عنه فالظاهر أنه يصير كالمباح جاز اصطياده لغيره و يملكه و ليس للأول الرجوع اليه بعد تملكه على الأقوى.

مسألة: إنما يملك غير الطير بالاصطياد إذا لم يعلم كونه ملكا للغير و لو من جهة آثار اليد التي هي امارة على الملك فيه كما إذا كان طوق في عنقه أو قرط في أذنه أو شد حبل في أحد قوائمه و لو علم ذلك لم يملكه الصائد بل يردّ الى صاحبه إن عرفه و إن لم يعرفه يكون بحكم اللقطة و اما الطير فإن كان مقصوص الجناحين كان بحكم ما علم أنّ له مالكا فيرد الى صاحبه إن عرف و إن لم يعرف كان لقطة و أما إن ملك جناحيه يمتلك بالاصطياد إلا إذا كان له مالك معلوم فيجب ردّه اليه و الأحوط فيما إذا علم أن له مالكا و لو من جهة وجود آثار اليد فيه و لم يعرفه أن يعامل معه معاملة اللقطة كغير الطير.

مسألة: لو صنع برجا لتعشيش الحمام فعشش فيه لم يملكه خصوصا لو كان الغرض حيازة ذرقه مثلا فيجوز لغيره صيده و يملك ما صاده بل لو أخذ حمامة من البرج ملكها و إن أثم من جهة الدخول فيه بغير إذن صاحبه و كذلك لو عشش في بئر مملوكة و نحوها فإنه لا يملكه مالكها.

مسألة: الظاهر أنه يكفي في تملك النحل غير المملوكة أخذ أميرها فمن أخذه من الجبال مثلا و استولى عليه يملكه و يملك كل ما تتبعه من النحل مما تسير بسيرة و تقف بوقوفه و تدخل الكن و تخرج منه بدخوله و خروجه (53).

(1) أهل البيت (ع): ذكرنا أنّ الصيد لا يختص بمأكول اللحم فيجوز اصطياد غير مأكول اللحم للانتفاع بجلده. لأنه كما يقع التذكية الصيدية على الحيوان المأكول اللحم‌

____________

(53) تحرير الوسيلة 2/ 132- 133- 134.

44

و منها: أن لا يدركه و هو حي فإن أدركه و فيه حياة فإنه لا يباح إلا بالذبح، على تفصيل في المذاهب (1).

____________

فيحل بها أكله و يطهر جلده تقع على غير مأكول اللحم القابل للتذكية أيضا فيطهر بها جلده و يجوز الانتفاع به هذا إذا كانت بالآلة الجمادية و اما الحيوانية ففيها تأمل و إشكال (54).

(1) الحنابلة- قالوا: إذا أدرك الصيد و فيه حياة غير مستقرة بل وجده متحركا حركة المذبوح فقط فإنه لا يحتاج إلى تذكية، لأن عقره تذكية له، فيحل أكله بشرائط الصيد، و كذا لو أدركه و فيه حياة مستقرة زيادة على حركة المذبوح و لكن لم يتسع الوقت لذبحه، فإنه يحل بالشروط أيضا. أما إذا أدركه و فيه حياة مستقرة و اتسع الوقت لذبحه فإنه لا يحل إلا بالذبح لأنه يكون في هذه الحالة مقدورا عليه، فهو كغيره من الحيوانات المقدور عليها، و إذا لم يجد معه آلة لذبحه و مات فإنه لا يحل لأنه أصبح كغيره من الحيوانات التي لا تباح إلّا بالتذكية، و لو كان معه كلب فأرسله عليه في هذه الحالة فأجهز عليه و قتله فإنه يحل.

الحنفية- قالوا: إذا أدرك الصيد و فيه حياة فوق حركة المذبوح بأن يعيش يوما أو بعض يوم فإنه لا يحل إلا إذا ذبحه، أما لو أدركه و ليس فيه غير حركة المذبوح كأن أخرج الكلب بطنه أو أصمى السهم قلبه فإنه يحل بلا ذبح، حتى و لو وقع في الماء بعد هذه الحالة فإنه يحل، لأنه لا يمكن أن يضاف قتله إلى الماء بعد أن لم يبق فيه غير حركة المذبوح كما تأتي، و لا فرق أن يكون متمكنا من ذبحه في هذه الحالة أو لا، بخالف المتردية فإنها لو ذبحت و فيها حركة المذبوح فإنها تحل لأن الحياة فيها لا يشترط أن تكون بينة بل يكتفي فيها بمطلق الحياة، و بعضهم يقول إن الصيد كذلك لا بد من تذكيته و لو كانت فيه الحياة خفيفة بحيث لم يبق فيها غير حركة المذبوح، و هذا كله إذا أدركه و أخذه، أما إذا أدركه و لم يأخذه فإن تركه وقتا يمكنه أن يذبحه فيه و مات فإنه لا يؤكل و إن لا فإنه يؤكل.

الشافعية- قالوا: إذا أدرك صيده حيا فإن لم يجد فيه غير حركة المذبوح بأن قطع حلقومه أو خرجت أمعاؤه فإنه يحل بدون ذبح، و يكون موته بالة الصيد تذكية له، و لكن يندب إمرار السكين على حلقه ليريحه، أما لو أدركه و فيه حياة مستقرة فوق حركة المذبوح فإنه لا يخلو إما أن يتعذر عليه ذبحه بغير تقصير منه أو لا، فإن تعذر و لم يقصر حتى مات فإنه يحل، الثاني أن لا يتعذر ذبحه فيتركه حتى يموت أو يتعذر بسب إهماله و تقصيره فيموت فإنه لا يحل، مثال ما يتعذر بغير تقصير أن يشغل بأخذ الآلة ليذبحه بها فيموت قبل إمكان ذبحه، أو يفر الصيد من بين يديه مما فيه من قوة باقية فيموت قبل أن يتمكن من ذبحه، و كذا لو لم يجد من الزمن ما يمكن أن يذبح فيه. و مثال ما يتعذر بسبب تقصيره أن لا يكون معه آلة الذبح أو تضيع منه، فإنه في هذه الحالة لا يحل، و كذا إذا اشتغل بتحديد السكين حتى مات الصيد لأنه أهمل تحديدها أولا، و لو وجده منكسا فعدله ليذبحه فمات فإنه يحل، كما إذا أراد أن يوجهه إلى القبلة فمات قبل ذبحه.

المالكية- قالوا: إذا أدرك الصيد حيا فإن كان قد نفذ من مقاتله كأن خرجت حشوته من كبد أو كلية أو طحال، أو ثقبت أمعاؤه، أو خرج شي‌ء من مخه و نحو ذلك مما يفضي إلى‌

____________

(54) تحرير الوسيلة 2/ 131

45

و زاد بعضهم على ذلك شرطا آخر (1).

____________

الموت حتما فإنه يؤكل بدون تذكية، أما لو أدركه و لم ينفذ مقتل من مقاتلة فإنه لا يباح أكله إلا بالذكاة فلو أهمل في تذكيته كأن وضع السكين في المخرج و اشتغل بإخراجها فمات الصيد قبل أن يدرك تذكيته فإنه يحرم، و كذا إذا أعطاها لغيره ليسبقه بها فجاء و لم يجده، و مات الصيد قبل تذكيته، و أيضا لو أطلق كلبا و تراخي في أتباعه ثم وجد الصيد ميتا فيحرم لاحتمال أنه لو جد في طلبه لوجده حيا فيذكيه إلا إذا تحقق أنه إذا جد لا يلحقه حيا.

أهل البيت (ع): إذا أرسل الكلب الى الصيد فلحق فأدركه ميتا بعد إصابة الكلب حلّ أكله و كذا إذا أدركه حيا بعد اصابته و لكن لم يسع الزمان لتذكيته فمات، أما إذا كان الزمان يسع لتذكيته فتركه حتى مات لم يحل و كذا الحال إذا أدركه بعد عقر الكلب له حيا لكنه كان ممتنعا بأن بقي منهزما يعدو فإنّه إذا تبعه فوقف فإن أدركه ميتا حلّ و كذا إذا أدركه حيا و لكنه لم يسع الزمان لتذكيته أما إذا كان يسع لتذكيته فتركه حتى مات لم يحل (55).

مسألة: ادنى زمان تدرك فيه ذكاته أن يجده تطرف عينه أو تركض رجله أو يتحرك ذنبه أو يده فإنه إذا أدركه كذلك و لم يذكه و الزمان متسع لتذكيته لم يحل إلا بالتذكية (56).

مسألة: إذا اشتغل عن تذكيته بمقدمات التذكية من سلّ السكين و رفع الحائل من شعر و نحوه عن موضع الذبح و نحو ذلك فمات قبل أن يذبحه حلّ كما إذا لم يسع الوقت للتذكية. أما إذا لم تكن عنده آلة الذبح فلم يذبحه حتى مات لم يحل نعم لو أغرى الكلب به حينئذ حتى يقتله فقتله حل أكله على الأقوى (57).

(1) الحنفية- زادوا شرطا خامسا و هو أن لا يكون من دواب الماء، كإنسان البحر و فرسه و خنزيره و نحوه مما ليس على صورة السمك. فإن ذلك يحرم أكله عندهم، فلا يجوز صيده للأكل إلا ثعبان الماء، فإنه و إن كان على صورة الثعبان البري غير أنه حلال صيده و أكله، فالشروط المتعلقة بالحيوان الذي يحل أكله بالصيد خمسة: أن لا يكون من الحشرات، و أن يكون ممتنعا بأن يكون له قوائم أو جناحان يمنع نفسه بهما، و أن يكون ذا ناب أو مخلب، و أن يموت بالجارحة أو السهم قبل أن يدركه حيا و إلا وجب ذبحه.

أهل البيت (ع): ذكرنا كلّ الشروط التي تتعلق بصيد الطيور و الدوابّ نعم هناك شروط خاصة بصيد السمك و ذكاته و كذلك لصيد الجراد و ذكاته و هي:

ذكاة السمك تحصل بالاستيلاء عليه حيا خارج الماء إما بأخذه من داخل الماء الى خارجه حيا باليد أو من شبكة و (شص) و (فالة) و غيرها أو بأخذه خارج الماء باليد أو بالآلة بعد ما خرج بنفسه أو بنضوب الماء عنه أو غير ذلك فإذا وثب في سفينة أو على الأرض فأخذ حيا صار ذكيا و إذا لم يؤخذ حتى صار ميتة حرم اكله و إن كان قد نظر اليه و هو حي يضطرب و إذا ضربها و هي في الماء بآلة فقسمها نصفين ثم أخرجهما حيين فإن صدق على أحدهما أنه‌

____________

(55) منهاج الصالحين 2/ 358

(56) منهاج الصالحين 2/ 359

(57) منهاج الصالحين 2/ 359

46

..........

____________

سمكة ناقصة كما لو كان فيه الرأس حل هو دون غيره و إذا لم يصدق على أحدهما أنه سمكة ففي حلها اشكال و الأظهر العدم.

مسألة: لا يشترط في تذكية السمك الإسلام و لا التسمية فلو أخرجه الكافر حيا من الماء أو أخذه بعد أن خرج فمات صار ذكيا كما في المسلم و لا فرق في الكافر بين الكتابي و غيره.

مسألة: إذا وجد السمك في يد الكافر و لم يعلم أنه ذكاة أم لا بنى على العدم و إذا أخبره بأنه ذكاه لم يقبل خبره و إذا وجده في يد مسلم يتصرف فيه يدل على التذكية أو أخبر بتذكيته بنى على ذلك.

مسألة: إذا وثبت السمكة في سفينة لم يملكها السفان و لا صاحب السفينة حتى تؤخذ فيملكها آخذها و إن كان غيرهما نعم إذا قصد صاحب السفينة الاصطياد بها و عمل بعض الأعمال المستوجبة لذلك كما إذا وضعها في مجتمع السمك و ضرب الماء بنحو يوجب وثوب السمك فيها كان ذلك بمنزلة إخراجه من الماء حيا في صيرورته ذكيا و في تحقق الملك بمجرد ذلك ما لم يؤخذ باليد و نحوها اشكال و تقدم أنّه هو الأظهر.

مسألة: إذا وضع شبكة في الماء فدخل فيها السمك ثم أخرجها من الماء و وجد ما فيها ميتا كله أو بعضه فالظاهر حليته.

مسألة: إذا نصب شبكة أو صنع حضيرة لاصطياد السمك فدخلها ثم نضب الماء بسبب الجزر أو غيره فمات بعد نضوب الماء صار ذكيا و حل أكله اما إذا مات قبل نضوب الماء فقولان أقواهما الحلية.

مسألة: إذا أخرج السمك من الماء حيا ثم ربطه بحبل مثلا و أرجعه اليه فمات فالظاهر الحرمة و إذا أخرجه ثم وجده ميتا و شك في أنّ موته كان في الماء أو في خارجه حكم بحليته سواء علم تاريخ الإخراج أو الموت أو جهل التأريخان و إذا اضطر السمّاك إلى إرجاعه إلى الماء و خاف موته فيه فليكن ذلك بعد موته و لو بأن يقتله هو بضرب أو غيره.

مسألة: إذا طفا السمك على وجه الماء بسبب ابتلاعه ما يسمى بالزهر (السم) أو عض حيوان له أو غير ذلك مما يوجب عجزه عن السباحة فإن أخذ حيا صار ذكيا و حل اكله و إن مات قبل ذلك حرم.

مسألة: إذا القى إنسان الزهر (السم) في الماء لا بقصد اصطياد السمك فابتلعه السمك و طفا لم يملكه إلا إذا أخذه فإن أخذه غيره ملكه و أما إذا كان بقصد الاصطياد فالظاهر أيضا أنّه لا يملكه به من دون فرق بين أن يقصد سمكة معينة أو بعضا غير معين نعم لو رماه بالبندقية أو بسهم أو طعنة برمح فعجز عن السباحة و طفا على وجه الماء لم يبعد كونه ملكا للرامي و الطاعن.

مسألة: لا يعتبر في حل السمك إذا خرج من الماء حيا أن يموت بنفسه فلو مات بالتقطيع أو بشق بطنه أو بالضرب على رأسه فمات حل أيضا بل لو شواه في النار حيا فمات حل أكله بل الأقوى جواز أكله حيا.

47

الشروط المتعلقة بالصائد

أما الصائد فيشترط له شروط، منها: أن يكون مسلما أو كتابيا (1)، فلا يحل صيد المجوسي (2)، و الوثني، و المرتد (3)، و كل من لا يدين بكتاب، كما لا تحل ذبيحتهم، و إنما يحل صيد الكتابي (4) و ذبيحته بشروط مفصلة في المذاهب (5).

____________

مسألة: إذا أخرج السمك من الماء حيا فقطع منه قطعة و هو حي و القى الباقي في الماء فمات فيه حلت القطعة المبانة منه و حرم الباقي و إذا قطعت منه قطعة و هو في الماء قبل إخراجه ثم أخرج حيا فمات خارج الماء حرمت القطعة المبانة منه و هو في الماء و حل الباقي.

ذكاة الجراد:

مسألة: ذكاة الجراد أخذه حيا سواء أ كان الأخذ باليد أو بالآلة فما مات قبل أخذه حرم و لا يعتبر في تذكيته التسمية و الإسلام فما يأخذه الكافر حيا فهو أيضا ذكي حلال نعم لا يحكم بتذكية ما في يده الا أن يعلم بها و إن أخبر بأنه ذكاه لا يقبل خبره.

مسألة: لا يحل الدبا من الجراد و هو الذي لم يستقل بالطيران.

مسألة: إذا اشتعلت النار في موضع فيه الجراد فمات قبل أن يؤخذ حيا حرم أكله و إذا اشتعلت النار في موضع فجاء الجراد الذي كان في المواضع المجاورة لذلك و القى نفسه فيه فمات ففي حله بذلك إشكال (58).

(1) أهل البيت (ع): لا فرق في حرمة أكل صيد الكتابي و الوثني و المجوسي و المرتد لأنهم جميعا كفّار (59).

(2) أهل البيت (ع): إنّ المجوسي ملحق بأهل الكتاب (60). فترتب عليه أحكامهم.

(3) أهل البيت (ع): يلحق المرتد بالدين الذي يدين به. بعد ارتداده.

(4) أهل البيت (ع): ذكرنا عدم حلية صيد الكافر و ذبيحته كتابيا كان أم غيره. إلا في السمك إذا علم اشتماله على شروط التذكية الأخرى.

(5) المالكية- قالوا: يحل أكل ذبيحة الكتابي، أما صيده فإنه لا يباح إذا مات الصيد من جرحه أو أصابه إصابة أنفذت مقتله. أما إذا أصابه إصابة جرحته و لم تنفذ مقتله ثم أدرك حيا و ذكي فإنه يؤكل و لو بذكاة كتابي، و بعضهم يقول: يحل صيد الكتابي كذبحه سواء أماته أو لم يمته، و إنما تحل ذبيحة الكتابي بشروط ثلاثة، الشرط الأول: أن لا يهل بها لغير اللّٰه فإذا أهل بها لغير اللّٰه بأن ذكر اسم معبود من دون اللّٰه كالصليب و الصنم و عيسى و جعل ذلك محللا كاسم اللّٰه أو تبرك بذكره كما يتبرك بذكر الإله فإنها لا تؤكل، سواء ذبحها قربانا للآلهة أو ذبحها ليأكلها، أما إذا ذكر اسم اللّٰه عليها و قصد إهداء ثوابها للصنم كما يذبح بعض المسلمين للأولياء فإنها تؤكل مع الكراهة. و إذا ذبحها و لم يذكر عليها اسم اللّٰه و لا غيره فإنها تؤكل بدون كراهة، لأن التسمية ليست شرطا في الكتابي. و بعضهم يقول‌

____________

(58) منهاج الصالحين 2/ 365/ 366/ 367

(59) منهاج الصالحين 2/ 258

(60) فقه الامام جعفر الصادق (ع) 1/ 32

48

..........

____________

إن الذي يحرم أكله من ذبيحة الكتاب هو ما ذبح قربانا للآلهة، و هذا ليس من طعامهم المباح لنا بالآية الكريمة وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ لأنهم لا يأكلونه بل يتركونه لآلهتهم، أما الذي يذبحونه ليأكلوا منه فإنه يحل لنا أكله و لو ذكر عليه اسم غير اللّٰه تعالى و لكن مع الكراهة. الشرط الثاني أن يذبح الكتابي ما يملكه لنفسه. فإذا ذبح حيوانا يملكه مسلم فإنه و إن كان يحل لكن مع الكراهة، على الراجح. الشرط الثالث أن لا يذبح ما ثبت تحريمه عليه في شريعتنا، فلا يحل أكل ذي ظفر ذبحه اليهودي كالإبل و البط و الإوز و الزرافة و نحوها من كل ما ليس بمنفرج الأصابع لأنهم يحرمون أكله، و قد أخبر القرآن بأن اللّٰه حرمه عليهم. أما الذي لم يثبت تحريمه عليهم في شريعتنا كالحمام و الدجاج و نحوهما فإنه يحل لنا أكله إذا ذبحوه، و إذا أخبروا بأن هذا الحيوان محرم عليهم و لم يخبرنا شرعنا بتحريمه عليهم فإنه يحل مع الكراهة، فإذا كان الكتابي يستحل أكل الميتة و ذبح حيوانا فإنه يحل أكله إذا كان بحضرة مسلم عارف بأحكام الذبح، أما إذا ذبحه وحده فإنه لا يحل أكله، و يستثني من حل ذبيحة الكتابي المستكملة لشروط الأضحية فإنه يشترط فيها أن يكون الذابح مسلما تصح منه القربة، فإن استناب عنه رجلا لا يعرفه ثم تبين له أنه غير مسلم فإنها لا تجزئه، و الشرط أن يتولى المسلم الذبح، أما السلخ و القطع و نحوهما فإنه لا يشترط له ذلك، هذا و مما يجمل ذكره هنا أن الذين لا تحل ذبيحتهم عند المالكية يمكن حصرهم في ستة: و هم الصبي الذي لا يميز، و المجنون حال جنونه، و السكران غير المميز، و المجوسي، و المرتد و الزنديق. و كذا من تحل ذبيحتهم مع الكراهة فإنهم ستة أيضا و هم: الصبي المميز، و الخنثى، و المرأة، و الخصي، و الأغلف، و الفاسق. و هناك ستة مختلف فيهم، بعضهم يقول بالكراهة، و بعضهم يقول بعدمها و هم: تارك الصلاة، و السكران الذي يخطئ و يصيب، و البدعي المختلف في كفره، و العربي النصراني، و النصراني يذبح للمسلم بإذنه، و الأعجمي يجيب للإسلام قبل بلوغه.

و لكن المشهور في ذبيحة الصبي المميز و المرأة عدم الكراهة، و ما يكره ذبيحته يكره صيده على الظاهر.

الحنفية- قالوا: يشترط لحل ذبيحة الكتابي يهوديا أو نصرانيا أن لا يهل بها لغير اللّٰه بأن يذكر عليها اسم المسيح أو الصليب أو العزيز أو نحو ذلك، فإذا حضره المسلم وقت الذبح و سمع منه ذكر المسيح وحده أو ذكره مع اسم اللّٰه فإنه يحرم عليه أن يأكل منها، و إذا لم يسمع منه شيئا فإنه يحل له الأكل على تقدير أن الكتابي ذكر اسم اللّٰه في سره تحسينا للظن به، أما إذا لم يحضره و لم يسمع منه شيئا؛ فإن التحقيق أن ذبيحته تحل، سواء كان يقول اللّٰه ثالث ثلاثة أو لا، يعتقد أن العزيز ابن اللّٰه أولا. و لكن يستحسن عدم الأكل لغير ضرورة. و لا فرق في النصراني بين أن يكون عربيا أو تغلبيا أو افرنجيا أو أرمينيا أو صابئيا إذا كان يقر بعيسى (عليه السلام)، و لا فرق في اليهودي بين أن يكون سامريا أو غيره. و يكره أكل ما يذبحونه لكنائسهم.

الشافعية- قالوا: ذبيحة أهل الكتاب حلال، سواء ذكروا اسم اللّٰه عليها أو لا بشرط أن لا يذكروا عليها اسم غير اللّٰه كأسم الصليب أو المسيح أو العزيز أو غير ذلك فإنها لا تحل حينئذ و يحرم أكل ما ذبح لكنائسهم.

49

و منها: أن يكون الصائد مميزا (1) عاقلا (2) فلا يحل (3) صيد الصبي الذي لا يميز، و مثله المجنون و السكران (4) كما لا تحل ذبيحتهم. و منها أن يذكر (5) اسم اللّٰه عند

____________

الحنابلة- قالوا: يشترط في حل ذبيحة الكتابي أن يذكر اسم اللّٰه تعالى عليها كالمسلم، فإذا تعمد ترك التسمية أو ذكر اسم غير اللّٰه تعالى كالمسيح فإن ذبيحته لا تؤكل، و إذا لم يعلم أنه سمى أو لا فإن ذبيحته تحل، ذبح لعيده أو لكنيسته فان ذبحها مسلم و ذكر اسم اللّٰه عليها فإنها تحل مع الكراهة، و كذا إن ذبحها كتابي و ذكر اسم اللّٰه، أما إذا ذكر غيره أو ترك التسمية عمدا فإنها لا تحل.

(1) أهل البيت (ع): لم يشترط بعض فقهائنا في حلية صيد المسلم كونه مميزا فيحل صيد المسلم حتى الصبي (61) و شرط بعض فقهائنا في الصبي التمييز (62).

(2) أهل البيت (ع): لا يشترط في الصائد للطير أو السمك أو الحيوان الوحشي العقل نعم يشترط العقل في الذابح و الناحر و لا يجوز ذبح غير الشاعر (المدرك) بفعله كالمجنون و النائم و السكران نعم الظاهر جواز ذبح المجنون و نحوه إذا كان مميزا في الجملة مع تحقيق سائر الشرائط (63).

(3) الحنفية و الشافعية- قالوا: يحل صيد الصبي غير المميز و المجنون و السكران بشرط أن يكون للجميع نوع قصد كما تحل ذبيحتهم إذا كانوا يعرفون الذبح، الا أن الحنفية اشترطوا أن يعرف هؤلاء التسمية. و إن لم يعرفوا أنها شرط في حل الذبح فلم يذكروها، و يجوز ذبح الأعمى مع الكراهة دون صيده.

أما الشافعية فإنهم لم يشترطوا ذلك، لأن التسمية ليست بشرط عندهم و قالوا: إن ذبيحتهم مكروهة.

(4) أهل البيت (ع): يحل صيد السكران للطير و السمك و الوحش و لا تحل ذبيحته إلا إذا كان واعيا و شاعرا لعمليّة الذبح و النحر بعد توفر بقية شروط الذباحة كما ذكرنا.

(5) الشافعية- قالوا: التسمية ليست شرطا عند إرسال الجارحة أو إرسال السهم، كما أنها ليست شرطا في الذبيحة، و إنما تستحب التسمية عند ذلك استحبابا مؤكدا، فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا حل الصيد و الذبح بلا خلاف عندهم.

الحنفية- قالوا: لا تشترط التسمية في حق الصبي و المجنون و السكران.

أهل البيت (ع): تشترط في حلية صيد الكلب التسمية عند إرساله و الأقوى الاجتزاء بها بعد الإرسال قبل الإصابة فإذا ترك التسمية عمدا لم يحل الصيد اما إذا كان نسيانا حل.

و كذلك تشترط في حلية الصيد بالآلة الجمادية كالسهم. و لا تشترط في صيد السمك (64) أو الجراد (65) و تشترط في الذبيحة و النحر فلو تركها عمدا حرمت الذبيحة و لو تركها نسيانا لم‌

____________

(61) منهاج الصالحين 2/ 358

(62) تحرير الوسيلة 2/ 128

(63) منهاج الصالحين 2/ 368

(64) منهاج الصالحين 2/ 365

(65) منهاج الصالحين 2/ 367

50

إرسال ما يصيد به من كلب و نحوه، فإذا ترك التسمية عمدا أو جهلا فان صيده لا يحل و كذلك ذبيحته. أما إذا ترك التسمية ناسيا فإن صيده يؤكل كذبيحته، و يشترط للتسمية (1) شروط مبينة في المذاهب (2).

____________

تحرم و الأحوط استحبابا الإتيان بها عند الذكر و لو تركها جهلا بالحكم فالظاهر الحرمة (66).

مسألة: يكفي الاقتصار في التسمية في الصيد و الذبح و النحر على ذكر اللّٰه مقترنا بالتعظيم مثل اللّٰه أكبر و الحمد لله و بسم اللّٰه و في الإكتفاء بذكر الاسم الشريف مجرد إشكال (67) كما لا تجزي التسمية الاتفاقية أو المقصود منها عنوان آخر (68) بل لا بد منها عند الصيد و الذبح و النحر.

(1) أهل البيت (ع): يعتبر في التسمية الأمور التالية: الأول: أن تكون التسمية عند إرسال الكلب للصيد و الأقوى الاجتزاء بها بعد الإرسال و قبل الإصابة (69) و عند الرمي (70) ولدي الاشتغال بالذبح و النحر متصلا به عرفا أو قبيله المتصل به (71) الثاني: أن تكون التسمية من نفس الصائد (72) و الذابح (73) و الناحر. الثالث: أن تكون التسمية بقصد الصيد و الذبح و لا تجزي التسمية الاتفاقية الصادرة لغرض آخر (74). و لا يعتبر في التسمية كيفية خاصة و أن تكون في ضمن البسملة بل المدار صدق ذكر اسم اللّٰه عليها فيكفي أن يقول:

«بسم اللّٰه» أو «اللّٰه أكبر» أو «الحمد لله» أو «لا إله إلا اللّٰه» و نحوها و في الاكتفاء بلفظ «اللّٰه» من دون أن يقرن بما يصير به كلاما تاما دالا على صفة كمال أو ثناء أو تمجيد إشكال نعم التعدي من لفظ «اللّٰه» الى سائر أسمائه الحسنى كالرحمن و الباري و الخالق و غيرها من أسمائه الخاصة غير بعيد لكن لا يترك الاحتياط فيه كما أن التعدي الى ما يرادف لفظ الجلالة في لغة أخرى كلفظة «يزدان» في الفارسية و غيرها في غيرها لا يخلو من وجه و قوة لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بمراعاة العربية (75).

مسألة: يجوز ذبح الأخرس و تسميته تحريك لسانه و إشارته بإصبعه (76).

(2) الحنفية- قالوا: يشترط للتسمية شروط بعضها يتعلق بالصيد و بعضها يتعلق بالذبح، فيشترط لها في الصيد ثلاثة شروط: أحدها أن تكون من نفس الصائد؛ فإذا سمى غيره فإن‌

____________

(66) منهاج الصالحين 2/ 371

(67) منهاج الصالحين 2/ 358

(68) منهاج الصالحين 2/ 371

(69) منهاج الصالحين 2/ 358

(70) منهاج الصالحين 2/ 361

(71) تحرير الوسيلة 2/ 139

(72) تحرير الوسيلة 2/ 128

(73) تحرير الوسيلة 2/ 138

(74) تحرير الوسيلة 2/ 139

(75) تحرير الوسيلة 2/ 139

(76) منهاج الصالحين 2/ 371

51

..........

____________

صيده لا يحل. ثانيها: أن تكون مقترنة بإرسال الجارحة أو رمي السهم و ما أشبه، فإذا ترك التسمية عامدا عند الإرسال فإن صيده لا يؤكل، و لو سمى بعد ذلك و زجره مع السهم فانزجر، و متى سمى عند رمي السهم أو إرسال الجارحة فقد حل له ما أصابه من صيد، سواء أصاب ما قصد صيده أو أصاب غيره لأن التسمية في الصيد إنما تكون على الآلة و قد وجدت، فالذي تصيبه بعد ذلك يكون حلالا، فإذا أرسل كلبه و سمى عليه ليصيد له غزالا فاصطاد له أرنبا فإنه يحل له أكله بخلاف الذبح فإن التسمية فيه إنما تكون على الحيوان المذبوح، فإذا أضجع شاة ليذبحها و سمى ثم أطلقها و أضجع شاة أخرى فإنها لا تحل بالتسمية الأولى، بل لا بد من أن يسمي عليها، و إذا سمى و ألقى السكين التي بيده و أخذ غيرها فإن ذبيحته تحل بدون تسمية، لأن التسمية على الحيوان لا على الآلة أما إذا سمى على سهم فتركه و أخذ سهما غيره و لم يسم فإن صيده لا يحل. ثالثها: أن تكون من نفس الصائد فلو سمى غيره لا يحل صيده، و يشترط للتسمية في الذبح أن تكون من نفس الذابح، و يجزئ التسبيح، و التهليل، و أن تكون ذكرا خالصا بأن تكون بأي اسم من أسمائه سواء كان مقرونا بصفة نحو: اللّٰه أكبر، اللّٰه أعظم، أو غير مقرون بصفة نحو: اللّٰه الرحمن. و يستحب أن يقول بسم اللّٰه اللّٰه أكبر، و أن تكون التسمية من نفس الذابح حال الذبح و أن يكون الذبح عقب التسمية قبل تبدل المجلس، فإن اشتغلوا بأكل أو شراب فإن طال لم يحل الذبح، «و حد الطول ما يستكثره الناظر»، و أن لا يقصد بالتسمية شيئا آخر كالتبرك في ابتداء الفعل، فإن فعل ذلك فإن ذبيحته لا تحل، و قد تقدم ذلك في كتاب الذكاة.

الشافعية- قالوا: إن التسمية ليست شرطا كما تقدم و إنما هي سنة، و يشترط أن يذكر مع اسم اللّٰه تعالى بدون أن يقرن به اسم غيره، فإن قال بسم اللّٰه و اسم محمد مثلا فإن أراد أن يشرك مع اللّٰه غيره فقد كفر و حرمت ذبيحته، و إن لم يرد أن يشرك مع اللّٰه غيره حلت الذبيحة و لكن يكره إن قصد التبرك بذكر غير اللّٰه، و يحرم إن أطلق و لم يقصد شيئا لإيهام التشريك بالله كما تقدم في باب الذكاة.

المالكية- قالوا: يشترط التسمية عند إرسال الجارحة و نحوها، و عند تذكية الحيوان في الذبح و النحر، و إنما تشترط في حق المسلم؛ أما الكتابي فلا تشترط التسمية في حقه، و المراد بالتسمية ذكر اللّٰه تعالى لا خصوص بسم اللّٰه، و لكن الأفضل أن يقول: بسم اللّٰه و اللّٰه أكبر.

الحنابلة- قالوا: يشترط أن يقول بسم اللّٰه عند إرسال السهم و الجارحة، و عند حركة يده بالذبح أو النحر أو العقر، و لا يقوم مقام التسمية شي‌ء بل لا بد من ذكرها بخصوصها، و الأفضل أن يقول: بسم اللّٰه و اللّٰه أكبر كما تقدم، و لا يضر أن يقدمها أو يؤخرها بزمن يسير، و إذا أرسل الجارحة و لم يسم عند إرسالها و تأخر كثيرا ثم سمى و زجر الجارحة فانزجرت؛ فإن صيده يحل، و لا يضر هذا التأخير، و إذا ترك التسمية عمدا حرم صيده و ذبيحته، أما إذا تركها سهوا أو جهلا فإن ذبيحته تحل دون صيده، لأن الذبيحة تكثر و يكثر فيها النسيان، بخلاف الصيد فإنه لا يتسامح فيه، و إذا سمى على صيد و أصاب غيره حل،

52

و منها: أن يرسل الكلب و نحوه ليصيد له بكيفية مفصلة في المذاهب (1) و منها أن

____________

أما إذا ترك رمي السهم عليه و رمى سهما آخر لم يسم عليه فإن صيده لا يؤكل؛ لأن التسمية في الذبيحة على الحيوان، و في الصيد على الآلة.

(1) المالكية- لهم رأيان قويان في كيفية إرسال الجارحة للصيد. أحدهما أن يكون الصائد ماسكا لها بيده أو متعلقة به؛ كأن كانت تحت قدمه أو في حزامة أما إذا لم تكن معلقة بل مفلوتة فأرسلها فإن صيدها لا يؤكل. ثانيهما أنه لا يشترط ذلك بل لو كانت الجارحة مفلوتة فأرسلها فإن صيدها يؤكل و إذا كانت الجارحة في يد خادمه فأمره بإرسالها فأرسلها فإن صيدها يؤكل لأن يد الخادم كيد سيده في ذلك، و تكفي نية الآمر و تسميته في ذلك، و لا يشترط في الخادم أن يكون مسلما حينئذ لأن نيته غير لازمة اكتفاء بنية الآمر و هو سيده، فالإرسال منه حكما، و سيأتي الكلام على النية قريبا.

الحنفية- قالوا: يشترط أن يوجد الإرسال للجارحة من الصائد و لو كانت مفلوتة، فإذا انفلت منه الكلب و نحوه من صاحبه بدون أن يرسله فأخذ صيدا أو قتله فإنه لا يؤكل، أما إذا انفلت منه فزجره بصوته فانزجر به بأن اشتد عدوه و طلبه للصيد فان صيده يؤكل. أما إذا لم يزجره أو زجره فلم ينزجر فان صيده لا يؤكل لعدم تحقق شرط الإرسال؛ و كذا إذا انبعث وحده و لم يزجره صاحبه بل زجره مسلم فانزجر بصوته فان صيده يحل استحسانا؛ أما إذا لم ينزجر أو زجره مجوسي فان صيده لا يحل.

الحنابلة- قالوا: يشترط أن يوجد الإرسال من الصائد؛ فإذا انبعث الكلب و نحوه بنفسه فقتل صيدا لم يحل.

الشافعية- قالوا: إذا انبعثت الجارحة وحدها بدون أن يرسلها صاحبها فقتلت صيدا فإنه لا يحل؛ و إذا انبعثت وحدها فزجرها ليستوقفها فوقفت ثم أغراها بعد الوقوف فانطلقت و قتلت صيدا فإنه يحل بلا خلاف، أما إذا استرسلت و لم تقف فان صيدها لا يؤكل؛ سواء زاد عدوها بزجره أولا؛ و كذا إذا لم يزجرها لتقف بل أغراها فان لم يزد عدوها بإغرائه فان صيدها لا يحل قطعا؛ و إن زاد عدوها بإغرائه فقولان: و الصحيح أنه لا يحل؛ و إذا زجرها لتقف فلم تطعه فأغراها فإنه لا يحل.

أهل البيت (ع): يشترط في حلية الصيد إرسال الكلب بقصد الاصطياد (77) و استعمال آلة الصيد بقصد الاصطياد أيضا فلو رمى لا بقصد شي‌ء أو بقصد هدف أو عدو أو خنزير فأصاب غزالا فقتله لم يحل و كذا إذا أفلت من يده فأصاب غزالا فقتله (78). و لا حاجة الى قصد زائدا على الإرسال و الاستعمال بقصد الاصطياد.

مسألة: إذا شك في أن موت الصيد كان مستندا إلى جناية الكلب أو الى سبب آخر لم يحل نعم إذا كانت هناك أمارة عرفية على استناده إليها حل و إن لم يحصل منها العلم (79).

____________

(77) منهاج الصالحين 2/ 357

(78) منهاج الصالحين 2/ 361

(79) منهاج الصالحين 2/ 360

53

ينوي الصائد أو الذابح حل الحيوان، فإذا لم ينو كأن ضرب حيوانا بآلة

____________

مسألة: لا يعتبر في حل الصيد وحدة المرسل فإذا أرسل جماعة كلبا واحدا مع اجتماع الشرائط في الجميع أو في واحد منهم مع كفاية اغرائه في ذهاب الكلب لو كان هو المغري وحده حل صيده و كذا لا يتعبر وحدة الكلب فإذا أرسل شخص واحد كلابا فاصطادت على الاشتراك حيوانا حل نعم يعتبر في المتعدد اجتماع الشرائط فلو أرسل مسلم و كافر كلبين فاصطاد حيوانا لم يحل و كذا إذا كانا مسلمين فسمى أحدهما و لم يسم الآخر أو كان كلب أحدهما معلما دون كلب الآخر هذا إذا استند القتل إليهما معا اما إذا استند إلى أحدهما كما إذا سبق أحدهما فأثخنه و أشرف على الموت ثم جاءه الآخر فأصابه يسيرا بحيث استند الموت الى السابق اعتبر اجتماع الشروط في السابق لا غير و إذا أجهز عليه اللاحق بعد أن أصابه السابق و لم يوقفه بل بقي على امتناعه بحيث استند موته الى اللاحق لا غير اعتبر اجتماع الشروط في اللاحق (80).

خاتمة: يشترط في حلية صيد الكلب أمور:

(الأول): أن يكون معلما للاصطياد و يتحقق ذلك بأمرين.

أحدهما استرساله إذا أرسل بمعنى أنّه متى أغراه صاحبه بالصيد هاج عليه و انبعث إليه، ثانيهما أن ينزجر إذا زجره. و هل يعتبر فيه الانزجار بالزجر حتى إذا كان بعد إرساله؟ و جهان أقواهما العدم، و الأحوط اعتبار أن لا يأكل مما يمسكه في معتاد الأكل، و لا بأس بأكله اتفاقا إذا لم يكن معتادا.

(الثاني): أن يكون بإرساله للاصطياد فلو استرسل بنفسه من دون إرسال لم يحل مقتوله و كذا إذا أرسله لأمر غير الاصطياد من طرد عدو أو سبع فاصطاد حيوانا فإنه لا يحل و إذا استرسل بنفسه فأغراه صاحبه لم يحل صيده و ان أثر الإغراء فيه أثرا كشدة العدو على الأحوط و إذا استرسل لنفسه فزجره صاحبه فوقف ثم أغراه و أرسله فاسترسل كفي ذلك في حل مقتوله و إذا أرسله لصيد غزال بعينه فصاد غيره حل و كذا إذا صاده و صاد غيره معه فإنهما يحلان فالشرط قصد الجنس لا قصد الشخص.

(الثالث): أن يكون المرسل مسلما فإذا أرسله كافر فاصطاد لم يحل صيده و لا فرق في المسلم بين المؤمن و المخالف حتى الصبي كما لا فرق في الكافر بين الوثني و غيره و الحربي و الذمي.

(الرابع): أن يسمي عند إرساله و الأقوى الاجتزاء بها بعد الإرسال قبل الإصابة فإذا ترك التسمية عمدا لم يحل الصيد أما إذا كان نسيانا حل و كذلك حكم الصيد بالآلة الجمادية كالسهم.

(الخامس): أن يستند موت الحيوان الى جرح الكلب و عقره أما إذا استند الى سبب آخر من صدمة أو اختناق أو إتعاب في العدو أو نحو ذلك لم يحل (81).

____________

(80) منهاج الصالحين 2/ 359- 360

(81) منهاج الصالحين 2/ 357- 358

54

فأصابت منحره فمات فإنه لا يحل لأنه لم يقصد حله بهذه الضربة، و في ذلك تفصيل المذاهب (1).

الشروط المتعلقة بآلة الصيد

تنقسم آلة الصيد إلى قسمين: جماد، و حيوان، فالأول كالسهم الذي يرمي به

____________

(1) المالكية- قالوا: إن كان الصائد أو الذابح مسلما فإنه يشترط في حقه أن ينوي حل أكل الحيوان الذي يذبحه أو يصيده إما حقيقة و إما حكما، و النية الحكمية: هي أن يقصد الذكاة الشرعية و إن لم يلاحظ حل الأكل؛ فإن هذا القصد في حكم قصد حل الأكل، إذ لا معنى لكون الذكاة شرعية إلا كونها سببا لحل أكل الحيوان، و هذا كاف في الجزم بنية التحليل حتى لو شك في إباحة الصيد فإنه لا يحل. أما إذا كان كتابيا فإنه يكفي منه قصد الفعل و إن ينو التحليل في قلبه، لأنه إذا اعتقد حل الميتة أكلت ذبيحته إذا كانت بحضرة مسلم عارف بأحكام الذبح كما تقدم، و ذلك لأن النية بمعنى اعتقاد الحل بالذبح لا تشترط في الكتابي. و يحرم على المكلف أن يصطاد بغير نية الذكاة كأن لم ينو شيئا أصلا أو ينو اللهو و اللعب، أما إذا نوى اقتناء الصيد لغرض شرعي كتعليمه إرسال الكلب أو الاتجار فيه توسعة على نفسه و عياله و لو في الأمور الكمالية كأكل الفاكهة فإنه جائز. أما صيد الحيوان للفرجة عليه و اتخاذ ذلك حرفة يعيش منها فقولان: فبعضهم يقول بالجواز، و بعضهم يقول بالمنع.

الحنفية- قالوا: التسمية شرط بالنص، و انما تتحقق بالقصد فلا بد من النية. و لذا لا تصح ذكاة المجنون المستغرق الذي لا قصد له، أما المعتوه الذي يتأتى منه القصد و يعقل لفظ التسمية و يضبط فعل الذبح الشرعي فإن ذبيحته تحل و لو لم يأت بالتسمية لعدم علمه بشرطيتها، فان الجاهل بها كالناسي، و مثل المعتوه الصبي و السكران في ذلك، و إذا قال بسم اللّٰه و لم تحضره النية فإن ذبيحته تحل حملا على ظاهر حالة من أنه قصد التسمية على الذبيحة، أما إذا قال الحمد لله أو سبحان اللّٰه أو لا إله إلا اللّٰه فإنه لا بد من قصد التسمية، لأن هذا كنى به عن التسمية، و الكناية لا بد فيها من النية.

الشافعية- قالوا: يشترط أن يقصد الصائد أو الذابح إيقاع الفعل على العين التي يريدها و إن أخطأ في ظنه أو يقصد إيقاع الفعل على واحد من الجنس و إن أخطأ الإصابة، مثال الأول أن يرمي شيئا يظنه جمادا فيظهر أنه حيوان مات برميته فإنه يؤكل، لأنه كان يقصد عينا و إن أخطأ في ظنه. و مثال الثاني أن يرمي قطيع ضباء فيصيب واحدة فإن أكلها يحل لأنه قصد الجنس فأخطأ الإصابة، و كذا إذا قصد واحدة فأصاب غيرها، فإذا لم يقصد العين أو الجنس لا يحل الحيوان، كما إذا وقعت منه السكين فأصابت حيوانا فذبح فإنه لا يحل، و لا يشترط قصد الذبح بل الشرط قصد الفعل كما ذكر، فإذا صال حيوان على شخص فضربه بسيفه فقتله فإنه يحل، و إن لم يقصد ذبحه لأن المعتبر قصد الفعل و قد حصل.

الحنابلة- قالوا: يجب قصد التذكية، فإذا وقع سيف على مذبح حيوان فأماته لا يؤكل لعدم القصد، و لا تشرط إرادة الأكل اكتفاء بإرادة التذكية.

55

الصائد صيده و الثاني الجوارح و هي كلاب الصيد و نحوها من الحيوانات (1) المفترسة كالنمر و الفهد و الأسد إذا تعلمت الصيد، و مثلها سباع الطير كالشواهين.

فأما القسم الأول فإنه يشترط له شروط: منها أن يصيب الحيوان بحدة (2) أو بنصله، فادا رماه بسكين أو سيف أو حربة أو سهم فأصابه بحدها أو نصلها فقتله فإنه يحل، أما إذا أصابه بعرضها فقتله ثقلها و لم يدركه حيا و يذبحه فإنه لا يحل، و مثل ذلك ما إذا رماه بعصا أو خشبة أو حجر لأحد له فأماته فإنه لا يحل، و كذلك إن نصب له شبكة أو شركا فاختنق بها و مات قبل أن يذبحه فإنه لا يحل (3)، و كذا إذا رماه برصاص البنادق أو رشها فأماته فإنه لا يحل (4)

____________

(1) أهل البيت (ع): لا يحل حيوان إذا اصطاده غير الكلب من أنواع الحيوان كالعقاب و الباشق و الصقر و البازي و الفهد و النمر و غيرها و يحل إذا اصطاده الكلب من دون فرق بين السلوقي و غيره و الأسود و غيره فكل حيوان حلال اللحم قد قتله الكلب بعقره و جرحه فهو ذكي و يحل اكله كما إذا ذبح (82) دون غيره من الحيوانات المفترسة. و قد تقدم شروط حلية صيد الكلب قبل قليل فراجعها.

(2) أهل البيت (ع): لا يحل الصيد المقتول بالآلة الجمادية إلا إذا كانت الآلة سلاحا قاطعاً كان كالسيف و السكين و الخنجر و نحوها أو شائكا كالرمح و السهم و العصا و إن لم يكن في طرفهما حديدة بل كانا محددين بنفسهما نعم يعتبر الجرح فيما لا حديدة له دون ما فيه حديدة فإنّه إذا قتل بوقوعه على الحيوان حلّ و إن لم يجرحه بخلاف ما لا حديدة له فإنه لا يحل إذا وقع معترضا فالمعراض- و هو كما قيل خشبة غليظة الوسط محددة الطرفين- إن قتل معترضا لم يحل ما يقتله و إن قتل بالخرق حل (83).

(3) أهل البيت (ع): لا يحل الصيد المقتول بالحجارة و المقمعة و العمود و الشبكة و الشرك و الحبالة و نحوها من آلات الصيد مما ليست قاطعة و لا شائكة (84).

مسألة: في الاجتزاء بمثل المخيط و الشك و نحوهما مما لا يصدق عليه السلاح عرفا و إن كان شائكا اشكال و اما ما يصدق عليه السلاح فلا اشكال فيه و إن لم يكن معتادا (85).

مسألة: و الظاهر أنه يجزي عن الحديد غيره من الفلزات كالذهب و الفضة و النحاس و غيرها فيحل الحيوان المقتول بالسيف أو الرمح المصنوعين منها (86).

(4) المالكية- قالوا: إنه لم يوجد نص من المتقدمين في الصيد برصاص البنادق و لكن كثيرا من المتأخرين يوثق بهم قالوا: يحل أكل ما يصطاد به و يميته لأنه يريق الدم و يسرع في‌

____________

(82) منهاج الصالحين 2/ 357

(83) منهاج الصالحين 2/ 360

(84) منهاج الصالحين 2/ 360

(85) منهاج الصالحين 2/ 360

(86) منهاج الصالحين 2/ 360

56

فإذا احتمل الحيوان الرمية كأن كان كبيرا و أدركه و فيه حياة مستقرة و ذبحه فإنه يحل. فالاصطياد بالبنادق جائز إذا كان الرامي حاذقا و كان الحيوان يحتمل الضربة فيقع بها حيا.

و منها أن تجرح آلة الصيد الحيوان و تريق دمه (1) في أي موضع من بدنه و لو أذنه. و منها أن يتحقق من أن السهم و نحو هو الذي قتل الحيوان وحده بدون أن يشترك معه سبب آخر فاذا رمى الصيد بسهم فأصابه إصابة يمكن أن يعيش بعدها

____________

القتل أكثر من غيره، و الغرض من الذكاة الشرعية إنما هو الإجهاز السريع على الحيوان كي يستريح من التعذيب فكلما كان أسرع في الإجهاز عليه كان استعماله أحسن، و لا يشترط أن يكون الجرح بالشق بل يصح أن يكون بالخرق أيضا.

الحنفية- قالوا: إن الأصل في ذلك أن يكون شك في أن موت الصيد كان بسبب الجرح لا بسبب الثقل فإذا تحقق أنه مات بالثقل أو شك في ذلك، فإنه لا يحل أكله ما لم يدركه و فيه حياة مستقرة و يذبحه كما تقدم بيانه.

فالصيد الذي يرمي برصاص البنادق فإنه و إن كان الرصاص يريق الدم و يخرق الجسم و لكنه يشك في أن الحيوان هل مات بثقل اندفاع الرصاص أو بالجرح الناشئ من الإصابة فإذا وجد هذا الشك فإنه لا يحل، أما إذا تحقق أنه مات بالجرح لا بالثقل فإنه يحل.

و مثل الرصاص الرش، فإنه إذا رمى به حيوان كبير لا يتصور أن يموت بثقل اندفاع الرش فإنه يحل، لأن موته بسبب الجرح من غير شك، أما إذا رمى به حيوان صغير ضعيف كالعصافير الضعيفة التي يتصور أن تموت بثقل اندفاع الرش فإنها لا تحل إلا بتحقق أنها ماتت بسبب الجرح لا بسبب الثقل.

أهل البيت (ع): لا يبعد حل الصيد بالبنادق المتعارفة في هذه الأزمنة إذا كانت محددة مخروطة سواء أ كانت من الحديد أو الرصاص أم غيرهما نعم إذا كانت البنادق صغيرة الحجم المعبر عنها في عرفنا بالصجم (أو الخردق) ففيه إشكال (87).

(1) الحنفية- اختلفوا في إراقة دم الصيد فقال بعضهم: إنها تشترط مطلقا سواء أ كان الجرح صغيرا أم كبيرا، و قال بعضهم: إن إراقة الدم لا تشترط مطلقا و يكفي الجرح و لو صغيرا و فصل بعضهم فقال: إن كان الجرح كبيرا لا تشترط إراقة الدم، و إن كان صغيرا فلا بد من الإراقة.

أهل البيت (ع): يعتبر الجرح فيما لا حديدة له دون ما فيه حديدة فإنه إذا قتل بوقوعه على الحيوان حل و إن لم يجرحه بخلاف ما لا حديدة له فإنه لا يحل إذا وقع معترضا فالمعراض- خشبة غليظة الوسط- إن قتل معترضا لم يحل ما يقتله و إن قتل بالخرق حل (88).

____________

(87) منهاج الصالحين 2/ 361

(88) منهاج الصالحين 2/ 360

57

ثم وقع و هو حي في ماء يغرقه و يميته عادة و مات فإنه لا يحل لاحتمال أن يكون قد مات بسبب الماء، فقد اجتمع على قتله سببان: مبيح لأكله و هو الجراحة بالسهم، و مانع و هو الغرق بالماء، فيقدم السبب المانع احتياطا (1)، و مثل ذلك ما إذا رماه فوقع على جبل أو ربوة ثم تردى من فوقها و كان يقتل مثله بذلك عادة فإنه لا يحل، أما إذا نفذ السهم في عضو عن أعضائه الرئيسية و مزقه و ثبت قتله بهذه الرمية بحيث لم يبق فيه بعدها سوى حركة المذبوح ثم سقط بعد ذلك في الماء» أو تردى من مرتفع يميته عادة فإنّه يحل (2).

و يستثني من ذلك (3) ما لا يمكن الاحتراز عنه إذا رماه و هو يطير في الهواء فسقط على الأرض أو على آجرة مطروحة على الأرض فإنه يحل بدون نظر الى احتمال أن سقوطه كان سببا في قتله، إذ لو اعتبر ذلك لما حل صيد أبدا، و مثل ذلك ما كان يطير في هواء البحر أو على وجه الماء و رمى فوقع في الماء فإنه يحل (4) ما لم يغمس في الماء و تكون الرمية غير قاضية على حياته وحدها لاحتمال أن يكون قد مات بالغرق حينئذ.

____________

(1) أهل البيت (ع): يعتبر في الحلية أن تستقل الآلة المحللة في القتل فلو شاركها غيرها لم يحل كما إذا سقط في الماء أو سقط من أعلى الجدار إلى الأرض بعد ما اصابه السهم فاستند الموت إليهما و كذا إذا رماه مسلم و كافر و من سمّى و من لم يسمّ أو من قصد و من لم يقصد و استند القتل إليهما معا و إذا شك في الاستقلال في الاستناد الى المحلل بنى على الحرمة (89).

(2) المالكية- قالوا: إن إراقة الدم شرط في حل الصيد حتى و لو لم يشق الجلد إلا إذا كان الحيوان مريضا، فإن إراقة الدم لا تشترط، و إنما الذي يشترط فيه هو شق الجلد، فإذا لم يشق جلده فإنه لا يحل.

(3) أهل البيت (ع): ذكرنا أن القاعدة العامة في حلية الصيد استقلالية الآلة المحللة في القتل فلو شاركها غيرها لم يحل مطلقا و لا يستثني من ذلك شي‌ء نعم إذا كانت هناك أمارة عرفية على استناده إليها حلّ و إن لم يحصل منها العلم (90).

(4) الحنابلة- قالوا: إذا رمى الصيد فوقع في ماء يغرقه و يميته عادة ثم مات فإنه لا يحل على أي حال، و لو كانت الرمية قد مزقت أعضاءه الرئيسية إلا إذا كان يطير على الماء فإنه يعفي عن سقوطه حينئذ كما يعفي عن سقوطه على الأرض من الهواء، و كذا إذا سقط في الماء بجسمه و كانت رأسه خارج الماء فإنه يحل على أي حال.

____________

(89) منهاج الصالحين 2/ 361

(90) منهاج الصالحين 2/ 360

58

و إذا رمى صيد فقطعه نصفين فإنه (1) يؤكل بجميع أجزائه، و كذا لو رماه فقطع رأسه وحدها أو قطع نصفها أو قطعها مع جزء من جسمه لا يتصور أن يعيش معه الحيوان فإنه يحل أكله و أكل ما قطع منه، أما إذا قطع منه عضوا يتصور أن يعيش بدونه كاليد و الرجل و الفخذ و الثلث الذي يلي العجز ثم مات الحيوان (2) بذلك أو أدركه حيا و ذكاه فإنه يحل أكل الحيوان و يحرم أكل ذلك العضو الذي قطع منه لأن الجزء الذي ينفصل من الحي ميتة إلا أن يكون قد قطع و لكنه لم ينفصل منه تمام الانفصال، بأن كان متعلقا بلحمه بحيث يمكن التئامه و رجوعه إلى حالته لو كان حيا فإنه في هذه الحالة تصبح تذكية الحيوان تذكية لذلك العضو المتصل به، بخلاف ما إذا كان متعلقا به تعلقا يسيرا، كأن يكون متصلا بجلده (3) أو بعرق منه بحيث لا يتصور التئامة و رجوعه إلى هيئته الأولى.

و أما الشروط المتعلقة بالجوارح (4) فهي مفصلة في المذاهب (5).

____________

(1) أهل البيت (ع): إذا قطعت آلة الصيد حيوانا قطعتين فإن كانت الآلة مما يجوز الاصطياد بها مثل السيف و الكلب فإن زالت الحياة عنهما معا حلتا جميعا مع اجتماع سائر شرائط التذكية و كذا إن بقيت الحياة و لم يتسع الزمن لتذكيته و ان وسع الزمان لتذكيته حرم الجزء الذي ليس فيه الرأس و حل ما فيه الرأس بالتذكية فإن مات و لم يذك حرم هو أيضا و إن كانت الآلة مما لا يجوز الاصطياد به كالحبال و الشبك حرم ما ليس فيه الرأس و حل ما فيه الرأس بالتذكية فإن لم يذك حتى مات حرم أيضا (91).

(2) الشافعية- قالوا: إذا قطع يده أو رجله أو جزءا منه يمكنه أن يعيش بدونه و لكنه قد مات الحيوان بهذه الرمية فإنه يؤكل هو و ما انفصل منه من يد أو رجل بشرط أن يكون الجرح مسرعا للموت و لم يدركه و به حياة مستقرة و لم يجرحه جرحا آخر مات بسببه إلخ- أما إذا لم يمت بهذه الرمية فقتله برمية أخرى أكل ما بقي ثابتا من أعضائه، و لم يؤكل العضو الذي انفصل منه و فيه الحياة و كذا لو أدركه و فيه حياة مستقرة و ذبحه.

(3) الحنابلة- قالوا: إذا بقي العضو متعلقا بجلده فيباح أكله بإباحة أكل الحيوان الذي تعلق به، و يصبح كسائر أجزائه.

(4) أهل البيت (ع): لا يحل الصيد الا بالكلب المعلم نعم لا بأس بالاصطياد بغير الكلب كالفهد و النمر و الباز و غيرها بمعنى جعل الحيوان الممتنع غير ممتنع بها و لكنه لا يحل ما يصطاد بها إلا إذا أدركه و ذكّاه (92).

(5) الحنابلة- قالوا: الجوارح نوعان، أحدهما: ما يصيد بنابه كالكلب و الفهد و كلما أمكن الاصطياد به. ثانيهما: ذو المخلب- بكسر الميم- كالبازي و الصقر و العقاب و الشاهين‌

____________

(91) منهاج الصالحين 2/ 362

(92) تحرير الوسيلة 2/ 130

59

..........

____________

و غيرها، و يشترط في إباحة الصيد بالنوعين كونها متعلمة، كما قال تعالى وَ مٰا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوٰارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّٰا عَلَّمَكُمُ اللّٰهُ، فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ و تعليم النوع الأول منها أي الكلب و غيره يكون بثلاثة أشياء، الأول: أن يطيع صاحبه إذا أرسله، و الثاني: أن ينزجر إذا زجره صاحبه، سواء في حال مشاهدته الصيد أو لا، الثالث: أن لا يأكل مما يصيد.

على أن هذه الشروط إنما هي في الكلب خاصة، أما الفهد و غيره فيكفي فيه ترك الأكل لتعذر انزجاره بزجر صاحبه، و لا يلزم تكرار ترك الأكل، بل يجزئ تركه مرة واحدة، فإذا تناول من صيد فيحرم أكل هذا الصيد الذي تناول منه، و لا يخرج بذلك عن كونه متعلما، فلو اصطاد بعدها و لم يأكل حل صيده. و إن شرب الكلب دم الصيد و لم يأكل منه فلا يحرم. أما تعليم النوع الثاني فهو بأمرين أحدهما: أن يطيع إذا أرسل، و يرجع إذا دعي؛ أما ترك الأكل فليس شرطا في حقه، فما اصطاده حلال و لو أكل منه، و يشترط في ذي المخلب أن يجرح الصيد فلو قتله بعد رميه أو خنقه لم يبح.

و هم يقولون بحرمة صيد الكلب الأسود البهيم كما يحرم اقتناؤه لحديث صحيح عملوا بظاهره كما لا يحل صيد الخنزير.

الشافعية- قالوا: يشترط لتحقق كونه معلما أربعة شروط، أحدهما: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء إرساله، فلو زجره فلم يطعه فلا يعد معلما، و كذا زجره بعد أن يعدو و يشتد عدوه فلو لم يطعه فلا يعد معلما على الصحيح. الثاني: أن يسترسل بإرساله بأن يهيج لو أغراه بالصيد. الثالث: أن يمسك الصيد فيحبسه على صاحبه و لا يخليه. الرابع:

أن لا يأكل منه. و هذه الشروط الأربعة في الكلب و ما في معناه من جوارح السباع. و أما جوارح الطير فيشترط. فيها أن تهيج لو أغراها بالصيد، و أن تترك الأكل من الصيد على المعتمد، أما انزجارها بعد أن تطير فليس بشرط، و كذلك منعها عن الطيران في ابتداء أمرها فليس بشرط، و يشترط تكرار حصول هذه الشروط حتى يغلب على الظن إن الجارحة صارت معلمة، و يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح، فمتى قالوا إنها صارت معلمة فإن صيدها يؤكل، فلا يقدر حصولها بمرة أو مرتين على المعتمد، فلو فقد شرط من هذه الشروط فإن الصيد يحرم إلا إذا أدركه حيا فذبحه فيحل حينئذ، و لا يشترط في الجارحة أن تجرح الصيد الذي تصطاده، فلو قتلته بثقلها عليه، أو ضربته في جدار فأماتته، أو صدمته في حجر، أو ضربته بالأرض و نحو ذلك فيحل؛ و لو ظهر كون الكلب معلما ثم أكل صيدا لم يحل ذلك الصيد على أظهر قولي الشافعي، و يشترط تعليم جديد، و لا يضر في كونها معلمة لعق الدم، و محل عض الكلب يجب غسله بماء و تراب- على الراجح- كجميع النجاسات الكلبية، و قيل يجب تقويره و طرحه، و قيل يعفى عنه فلا يجب غسله، و قيل بطهارته.

الحنفية- قالوا: يشترط لتحقق كون الجارح معلما أن يمسك الصيد و يحبسه على المالك، و أن يترك الأكل منه، و أن يجيبه إذا دعاه، و أن يجيبه إذا أرسله إلى الصيد، و لا يصبح معلما إلا إذا حصل ذلك منه ثلاث مرات على الصحيح، ثم يباح الأكل في الرابعة، و قيل يباح في الثالثة أيضا، هذا في الكلب و نحوه من جوارح السباع. و أما جوارح الطير كالشاهين‌