جامع المدارك في شرح مختصر النافع - ج3

- السيد أحمد الخونساري المزيد...
492 /
1

-

2

الجزء الثالث

كتاب التّجارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين.

[كتاب التجارة و فيه فصول]

كتاب التجارة و فيه فصول:

[الفصل الأوّل فيما يكتسب به]

الفصل الأوّل فيما يكتسب به،

[و المحرّم منه أنواع]

و المحرّم منه أنواع:

[الأوّل الأعيان النجسة]

الأوّل الأعيان النجسة و الخمر و الأنبذة و الفقّاع و الميتة و الدّم و الأرواث و الأبوال ممّا لا يؤكل لحمه، و قيل بالمنع من الأبوال إلّا أبوال الإبل و الخنزير و الكلاب عدا كلب الصيد، و في كلب الماشية و الحائط و الزّرع قولان.

ادّعي الإجماع على حرمة الاكتساب بالمذكورات و الظاهر أنّ مستند المجمعين ما ورد من النصّ و عدم المنفعة المحلّلة الّتي يكون توجّه العقلاء إليها فإنّ المدار وجوه المنفعة الّتي يتوجّه العقلاء إليها مع حلّيّتها شرعا، فبعض المذكورات لا منفعة لها تكون متوجّها إليها، و بعضها تكون فيها لكن لا حلّيّة شرعا لها، فإذا فرض تحقّق المنفعة المقصودة للعقلاء و لم تكن منهيّا عنها أشكل الحكم بحرمة الاكتساب فيه.

و من هذا القبيل الدّم في هذه الأعصار حيث أنّه يفيد فائدة عظيمة بإدخاله في بدن من يكون قليل الدّم بحيث يكون مشرفا على الموت، و لم يدلّ دليل على تحريم هذا العمل حيث أنّ ما دلّ على حرمة التقليب و التقلّب منصرف عن مثله، فإنّ النصّ في المقام مثل قول الصادق (عليه السّلام) على المحكيّ في خبر تحف العقول «أو شي‌ء من وجوه‌

3

النجس فهذا كلّه حرام و محرّم لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه (1)» فمع الانصراف من جهة عدم معهوديّة مثل ما ذكر كيف يستدلّ به للمنع في المقام، و لعلّ نظر من قال بالجواز في مثل كلب الحائط إلى هذا حيث أنّ كلب الحائط له منفعة قابلة للتوجّه و محلّلة شرعا فليس مشمولا للنصّ إلّا أن يكون نصّ بالخصوص دالّ على عدم الحليّة، و لا مانع من عدم حلّيّة الاكتساب بشي‌ء من جهة عدم المنفعة المحلّلة القابلة للتوجّه في عصر مع الحلّيّة في عصر آخر من جهة العثور بمنفعة محلّلة قابلة للتوجّه فيه كما ترى بعض الأشياء كالماء لا ماليّة له في جنب الشطّ و له ماليّة في القفر.

نعم إذا منع الانصراف في التقلّب توجّه حرمة الاكتساب من جهة عدم الحلّيّة لكن المنع كما ترى، ألا ترى أنّ الخمر إذا صبّت على التراب ليصير طينا ليسد خلل به هل يحتمل حرمة هذا الاستعمال، و من هذا ظهر الإشكال في الاستدلال بما ورد من «أنّ اللّه تعالى إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» (2) فإنّ الثمن إن كان باعتبار المنافع المحرّمة حرم و إن لم يكن بهذا الاعتبار بل باعتبار المنفعة المحلّلة فلا دليل على حرمته، و إلّا لزم عدم صحّة بيع الجارية المغنيّة لا بالنظر إلى هذا الوصف نعم في بعض الأعيان النجسة دلّ الدّليل على حرمة ثمنه مع وجود المنفعة المحلّلة كالميتة و العذرة، و لا بدّ من الالتزام به لخصوص النصّ، و مع ذلك لو كان جهة اختصاص بحيث لم يجوّز تصرّف الغير بدون رضا من له الاختصاص و قلنا بجواز مقابلة بالمال لم يبعد جواز الاكتساب به.

و يدلّ على حرمة ثمن العذرة رواية يعقوب بن شعيب «ثمن العذرة من السحت» (3) و في قبالها رواية محمّد بن المضارب «لا بأس ببيع العذرة» (4).

____________

(1) المصدر ص 333.

(2) لم أجده بهذا اللفظ، نعم روى أبو داود في سننه ج 2 ص 250 هكذا «ان اللّه إذا حرم على قوم أكل شي‌ء حرم عليهم ثمنه».

(3) التهذيب ج 2 ص 112 و الاستبصار ج 3 ص 56.

(4) التهذيب ج 2 ص 112 و الاستبصار ج 3 ص 56.

4

و قد جمع بينهما بحمل الاولى على عذرة الإنسان، و الثانية على عذرة البهائم و قرّب هذا الجمع برواية سماعة قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا حاضر (عن بيع العذرة) فقال: إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها و ثمنها، و قال لا بأس ببيع العذرة (1)» فإنّ الجمع بين الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد يدلّ على أنّ تعارض الأوّلين ليس إلّا من حيث الدّلالة فلا يرجع فيه إلى المرجّحات السنديّة أو الخارجيّة.

و يمكن أن يقال: يبعد هذا الجمع في هذه الرّواية من جهة أنّ الرّاوي إمّا أن يكون بايعا للقسم النجس أو غيره أو القسمين، و على كلّ تقدير لا بدّ من جواب مناسب لحاله و لا نفهم المناسبة، فلا يبعد أن يكون قوله المحكي «لا بأس- إلخ» كلاما آخر غير متّصل بالكلام الأوّل، فإنّ الواو لمطلق الجمع فالتعارض بين الرّوايتين باق بحاله، و على فرض التسليم أيضا يشكل ما ذكر من جهة أنّ المطلق كالعام بمنزلة القانون لا بدّ فيه من الغلبة فمع تساوي أفراد أحد القانونين المختلفين لا غلبة في البين، و مع أكثريّة أفراد أحدهما يخرج الآخر عن القانونيّة، فالتعارض باق بحاله.

و أما الميتة

فاستدلّ على حرمة المعاوضة عليها برواية السكونّي حيث عدّ فيها ثمن الميتة من السحت (2) مضافا إلى ما دلّ من الأخبار على أنّ الميتة لا ينتفع بها منضما إلى اشتراط وجود المنفعة المباحة في المبيع فإن كان استناد الفقهاء (رضوان اللّه تعالى عليهم) إلى الرّواية بحيث تكون الرّواية مجبورة فلا إشكال. و إن كان نظرهم إلى حرمة الانتفاع فمع جواز الانتفاع و كونه قابلا للتوجّه يشكل ما ذكر.

و يظهر من بعض الأخبار جواز الانتفاع مثل رواية الصيقل قال: «كتبوا إلى الرّجل جعلنا اللّه فداك انّا نعمل السيوف و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها و نحن مضطرّون إليها و إنّما غلافها من جلود الميتة من البغال و الحمير الأهليّة لا يجوز في‌

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 112 و الاستبصار ج 3 ص 56.

(2) الكافي ج 5 ص 127، و التهذيب ج 2 ص 126.

5

أعمالنا غيرها فيحلّ لنا عملها و شرائها و بيعها و مسّها بأيدينا و ثيابنا و نحن نصلّي في ثيابنا و نحن محتاجون إلى جوابك في المسئلة يا سيّدنا لضرورتنا إليها. فكتب (عليه السّلام): اجعلوا ثوبا للصلاة- الحديث» (1).

و حكي الجواز عن جماعة فمع جواز بعض الانتفاعات كالاستقاء بجلد الميتة لسقي البساتين و كونه موردا لتوجّه العقلاء يشكل الحكم بحرمة المعاوضة إلّا أن يدّعى الإجماع، و مع احتمال أن يكون نظر المجمعين إلى ما ذكر في وجه المنع يشكل الاعتماد عليه.

و اما الأبوال:

فأبوال ما لا يؤكل لحمه ظهر حكمها، و أبوال ما يؤكل إن قلنا بحرمة شربها للاستخباث و عدم المنفعة فيها فلا إشكال في عدم جواز بيعها، و إن قلنا بجواز الشرب للمداواة بها فليست هذه المنفعة النادرة ممّا يتوجّه إليها العقلاء حتّى تكون مصحّحة لجواز البيع، إلّا أن يقابل بشي‌ء من المال من جهة حقّ الاختصاص.

و أما الكلاب

فالصيود منها لا إشكال في صحّة بيع السلوقي منه لأنّه القدر المتيقّن بين الأخبار، و يدلّ على جواز بيع مطلق الصيود الأخبار المستفيضة منها الصحيح عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن ليث قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الكلب الصيود يباع؟ قال: نعم و يؤكل ثمنه».

و منها رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ثمن كلب الصيد قال:

لا بأس به، و أمّا الآخر فلا تحلّ ثمنه» (2).

و منها مفهوم رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «ثمن الخمر و مهر البغيّ و ثمن الكلب الّذي لا يصطاد من السحت» (3).

و لا مجال لدعوى الانصراف إلى خصوص السلوقي.

و أمّا غير الصيود من الكلاب فكلب الماشية و الحائط و هو البستان و الزّرع فالأشهر‌

____________

(1) التهذيب: ج 2 ص 113.

(2) التهذيب ج 2 ص 155.

(3) المصدر ج 2 ص 155. في حديث

6

بين القدماء على ما قيل المنع و هو مقتضى الأخبار الحاصرة لما يجوز بيعه في الصيود، و المشهور بين الشيخ و من تأخّر عنه (قدس سرهم) الجواز و لا مخصّص للأخبار الحاصرة سوى ما أرسله في المبسوط من أنّه روى ذلك يعنى جواز البيع في كلب الماشية و الحائط المنجبر قصور سنده و دلالته باشتهاره بين المتأخّرين.

و يمكن أن يقال: إن كان المراد من كلب الحائط المعدّ لحراسة الزّرع و البستان و الدّار لا يبقى بعد التخصيص إلّا كلب الهراش، و العقلاء لا يقدمون على بيعه، فحمل المنع في الأخبار على المنع عن بيعه بالخصوص بعيد جدّا فمع حجيّة المرسل المذكور و تماميّة الدّلالة تقع المعارضة بينه و بين تلك الأخبار و الترجيح معها و مع حمل الحائط على خصوص البستان و الزّرع لا يبقى تحت العامّ إلّا كلب الهراش و المعدّ لحراسة الدّور و الخيام، و كلب الهراش خارج لعدم التوجّه إليه، و حمل تلك المانعة على خصوص ما ذكر لا يخلو عن بعد، هذا مضافا إلى أنّ حمل الحائط على ما ذكر أعني خصوص الزّرع و البستان لا وجه له، فالأقوى المنع و إن كان لهذه الكلاب منفعة مقصودة للعقلاء محلّلة لأنّ هذه الجهة مقتضية لصحّة البيع لو لم يمنع مانع و لا يستفاد الجواز ممّا دلّ على حرمة بيع الأعيان النجسة للنهي عن الانتفاع بها لعدم استفادة العلّيّة المنحصرة منها حتّى يقال: إذا انتفت علّة الحرمة انتفت الحرمة و قد ظهر ممّا ذكر وجه المنع في الخمر و الأنبذة و الفقّاع.

و المائعات النجسة عدي الدّهن لفائدة الاستصباح تحت السماء، و لا يباع و لا يستصبح ممّا يذاب من شحوم الميتة و ألياتها.

الظاهر أنّ المائعات خصوص المتنجّسة منها بقرينة استثناء الدّهن للاستصباح، و على هذا فالظاهر أنّها ليست مشمولة لما في خبر تحف العقول «أو شي‌ء من وجوه النجس- إلخ» لظهوره في خصوص الأعيان النجسة دون المتنجّسات لكنّ العلّة المذكورة فيها موجبة للمنع إذا لم تكن لها منفعة محلّلة مقصودة للعقلاء، كما أنّه يشملها ما دلّ على الملازمة بين تحريم الشي‌ء و تحريم الثمن و على هذا فلا بدّ من التفصيل بين ما لا منفعة لها محلّلة مقصودة و ما ليس كذلك، و منه يظهر جواز بيع العصير العنبي بعد‌

7

الغليان و قبل ذهاب الثلثين إن قلنا بنجاسته حيث أنّه و إن قلنا بنجاسته عينا كالخمر لكنّه مال عرفا و قابل للانتفاع المحلّل و يكون معدّا للانتفاع بخلاف الخمر القابلة للتخليل بالعلاج، فالمتشرّعة لا يتوجّهون إلى العصير الخمري و يتوجّهون إلى العصير المذكور و على هذا فلا يبعد الجواز في الدّهن مطلقا، و لو لغير الاستصباح تحت السماء حيث أنّه قابل لأن يصير صابونا، و بعض منه قابل للطّلى في مقام المعالجة بل الظاهر أنّ صبّه على الأرض و الإعراض عنه يعدّ تبذيرا بخلاف صبّ الخمر عليها.

و لعلّ ذكر خصوص الاستصباح في بعض الأخبار من باب التنبّه على القابليّة للانتفاع المحلّل.

فمنها الصحيح عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له: «جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل؟ فقال: أمّا السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و الزّيت يستصبح به» (1) و زاد في المحكيّ عن التهذيب (2) أنّه يبيع ذلك الزّيت و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به. و منها ما عن أبي بصير في الموثّق «عن الفأرة تقع في السمن أو الزّيت فتموت فيه؟ قال: إن كان جامدا فاطرحها (فتطرحها خ ل) و ما حولها و يؤكل ما بقي، و إن كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته» (3).

و أما عدم جواز بيع ما يذاب من شحوم الميتة و ألياتها

و عدم جواز الاستصباح بها فيدلّ عليه خبر السّكونيّ المتقدّم مع أنّ الظّاهر عدم توجّه العقلاء بهذه المنفعة و لا معارض للخبر المذكور.

[الثاني الآلات المحرّمة]

و الثاني الآلات المحرّمة كالعود و الطبل و الزّمر، و هياكل العبادة المبدعة كالصنم و الصليب، و آلات القمار كالنرد و الشطرنج.

الظاهر عدم الخلاف في حرمة التكسّب بالمذكورات و يدلّ عليها مواضع من رواية تحف العقول منها قوله: «أمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء فكلّ أمر يكون فيه الفساد» و قوله: «أو شي‌ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد» و قوله: «و كلّ منهيّ‌

____________

(1) الكافي ج 6 ص 261 تحت رقم 2.

(2) التهذيب ج 2 ص 153.

(3) التهذيب ج 2 ص 153.

8

عنه ممّا يتقرّب به لغير اللّه» و قوله: «إنّما حرّم اللّه الصناعة الّتي هي حرام كلّها ممّا يجي‌ء منه الفساد محضا نظير المزامير و البرابط و كلّ ملهوّ به و الصلبان و الأصنام- إلى أن قال:- فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه، و جميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات- إلخ».

و الظاهر أنّ النظر في التحريم إلى صورة البيع و التكسّب بالمذكورات بالهيئات الموجودة فيها، و أمّا لو كان النظر إلى خصوص المادّة من دون توجّه إلى الهيئة فلا دليل على التحريم نظير بيع الجارية المغنّية باعتبار أنّها مملوكة لا باعتبار كونها واجدة لوصف التغنّي.

[الثالث ما يقصد به المساعدة على المحرّم]

الثالث ما يقصد به المساعدة على المحرّم كبيع السلاح لأعداء الدّين في حال الحرب، و قيل مطلقا، و إجارة المساكن و الحمولات للمحرّمات، و بيع العنب ليعمل خمرا، و الخشب ليعمل صنما و يكره بيعه ممّن يعمله.

المعروف بين الفقهاء- (رضوان اللّه تعالى عليهم)- الحرمة و لو لم يقصد المساعدة و كفاية الشأنيّة بل لا مطلق الشأنيّة حيث فرّق في الأخبار بين حال الحرب و غيرها فإنّ من المعلوم أنّ المسلم لا يقصد بالبيع حال الحرب مساعدة الكفّار على حرب المسلمين كما أنّ بيع السلاح من الكفّار في حال الهدنة معرض لتقويتهم على حرب المسلمين بعد حين و يدلّ أخبار مستفيضة على الحكم.

منها رواية الحضرمي «قال: دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال له حكم السرّاج:

ما تقول فيمن يحمل إلى الشّام من السروج و أداتها قال: لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنتم في هدنة فإذا كانت المباينة حرّم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح و السروج» (1).

و منها رواية هذا السرّاج «قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): أصلحك اللّه إنّي كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم فلمّا عرفني اللّه هذا الأمر ضقت بذلك و قلت لا أحمل إلى أعداء اللّه فقال: احمل إليهم و بعهم فإنّ اللّه يدفع بهم عدوّنا و عدوّكم‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 112.

9

يعني الرّوم فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل إلى عدوّنا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك» (1) و قد يقيّد بهذين الخبرين ما يظهر منه الإطلاق جوازا و منعا مثل مكاتبة الصيقل «أشتري السيوف و أبيعها من السلطان أ جائز لي بيعها؟ فكتب لا بأس به» (2) و رواية عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السّلام) قال: «سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس» (3) و مثله ما في وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعليّ (عليه السّلام) «يا عليّ كفر باللّه العظيم من هذه الأمّة عشر أصناف- و عدّ منها- بائع السلاح من أهل الحرب» (4) و قد سبق الكلام أنّ المطلقات و العمومات بمنزلة القوانين، فالقانونان المختلفان مع تساويهما بحسب الأفراد كيف يجتمعان و مع غلبة أفراد أحدهما كيف يكون ما يكون أقلّ بحسب الأفراد قانونا فالمعارضة بين ما دلّ على الجواز و بين ما دلّ على المنع باق و لعلّ نظر الشهيد فيما عن حواشيه من أنّ بيع السلاح حرام مطلقا في حال الحرب و الصلح و الهدنة لأنّ فيه تقوية الكافر على المسلم فلا يجوز على كلّ حال، إلى المعارضة و ترجيح ما دلّ على المنع من جهة التقوية فليس شبه الاجتهاد في مقابل النصّ، ثمّ إنّه لا بدّ من البحث في أنّ المستفاد الحرمة التكليفيّة فقط أو هي مع الحرمة الوضعيّة لو لم يكن في البين إلّا الأخبار المذكورة لما استفدنا إلّا الحرمة التكليفيّة لكنّ المستفاد من رواية تحف العقول حيث عدّ فيها ما يقوّي به الكفر و الشرك من وجوه الحرمة الوضعيّة و مقتضاها عدم الفرق في حرمة البيع بين ما كان من قبيل السيف و الرّمح و ما كان من قبيل المجن و الدّرع.

و أما حرمة إجارة المساكن و الحمولات للمحرّمات

فقد ادّعي عليها الإجماع و يستفاد من رواية تحف العقول ففيها «و كلّ أمر منهيّ عنه من جهة من الجهات فمحرّم على الإنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شي‌ء منه» و من خبر جابر «سألت أبا عبد اللّه‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 112.

(2) التهذيب ج 2 ص 114.

(3) قرب الاسناد ص 113.

(4) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 8 تحت رقم 7.

10

(عليه السّلام) عن الرّجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر فقال: حرام أجرته» (1) و من فقرة اخرى من رواية تحف العقول «و كلّ من آجر نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من كافر أو مؤمن أو ملك أو سوقة على ما فسّرنا ممّا يجوز الإجارة فيه فحلال محلّل فعله» و المفهوم منها عدم الحلّيّة فيما لا يجوز.

و أما بيع العنب ليعمل خمرا

و الخشب ليعمل صليبا فيدلّ على حرمتهما ما في رواية تحف العقول «و أمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهيّ عنه من جهة أكله أو شربه أو كسبه- إلخ» و قد يستدلّ بخبر جابر المذكور آنفا مضافا إلى كون المعاملة بهذا النحو إعانة على الإثم و العدوان، و إلى أنّ الالتزام و الإلزام بصرف المبيع في المنفعة المحرّمة الساقطة في نظر الشارع أكل و إيكال للمال بالباطل.

و يمكن أن يقال: أمّا انطباق عنوان محرّم كالإعانة على الإثم فالظاهر أنّه لا يوجب الحرمة الوضعيّة، ألا ترى أنّه لو نهى الوالد ولده عن البيع بحيث يكون البيع موجبا للعقوق فهل يلتزم ببطلان البيع، و أمّا الإلزام و الالتزام فليسا إلّا شرطا فاسدا و مفسديّة الشرط الفاسد محلّ الكلام، و أمّا رواية جابر فهي معارضة بمصحّحة ابن أذينة قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرّجل يؤاجر سفينته أو دابّته لمن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير؟ قال: لا بأس» (2) و ما يقال من أنّ رواية الجابر نصّ في صورة الاشتراط ظاهر في غيرها، و المصحّحة بالعكس فيرفع بنصّ كلّ منهما عن ظاهر الآخر مشكل حيث أنّهما بحسب الظهور سيّان، غاية الأمر لكلّ منهما قدر متيقّن و هذا لا يفيد.

نعم لا يبعد الرّجوع بعد المعارضة إلى عموم ما في رواية تحف العقول و قد يستدلّ بمثل مكاتبة ابن أذينة «عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلبان؟ قال: لا» (3) و أورد عليه بأنّ حمل مثلها على صورة اشتراط البائع المسلم على المشتري أو تواطئهما‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 227 تحت رقم 8.

(2) المصدر ج 5 ص 227.

(3) المصدر ج 5 ص 226.

11

على التزام صرف المبيع في الصنم و الصليب بعيد في الغاية و الفرق بين مؤاجرة البيت ليبيع الخمر فيه و بيع الخشب على أن يعمل صليبا أو صنما لا يكاد يخفى.

و لقائل أن يقول: نسلّم أنّ المسلم بما هو مسلم لا داعي له إلى الاشتراط و التواطؤ في المسألتين إلّا أنّه قد يدعو إلى الاشتراط و التواطؤ أمر آخر كزيادة القيمة و رواج المعاملة من غير فرق بين المسألتين.

و أما كراهة ممّن يعمل

فهي مقتضاة الجمع بين أخبار المسألة فيدلّ على الجواز الأخبار المستفيضة منها خبر ابن أذينة «قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أسأله عن رجل له كرم يبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمرا أو مسكرا فقال: إنّما باعه حلالا في الإبّان الّذي يحلّ شربه و أكله فلا بأس ببيعه» (1).

و منها رواية أبي كهمش «قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) إلى أن قال: ثمّ قال:

هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمرا» (2) و في قبالهما مكاتبة ابن أذينة المذكورة و رواية عمرو بن حريث عن التوت أبيعه ممّن يصنع الصليب أو الصنم؟ قال: لا» (3) و يجمع بين الطرفين بحمل ما يظهر منه المنع على الكراهة، و يشهد له رواية الحلبيّ عن بيع العصير ممّن يصنعه خمرا قال: بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلا أحبّ إليّ و لا أرى به بأسا» (4).

و لا مجال للخدشة في سند الأخبار المجوّزة من جهة عمل الأكثر، و قد يستدلّ على حرمة البيع من جهة كونه تعاونا على الإثم و العدوان المنهيّ عنه في الآية الشريفة و استشكل في صدق الإعانة مع عدم القصد إلى وقوع الفعل من المعان و يشهد له عدم الصدق في تجارة التاجر مع علمه بأخذ العشور، و قد يقال بعدم لزوم القصد في جميع الموارد ألا ترى أنّه لو أراد الظالم ضرب أحد ظلما و يطلب العصا فإعطاء أحد يصدق‌

____________

(1) المصدر ج 5 ص 231.

(2) المصدر ج 5 ص 232.

(3) المصدر ج 5 ص 227.

(4) التهذيب ج 2 ص 155 و الاستبصار ج 3 ص 105.

12

الإعانة و الفرق بين تجارة التاجر مع العلم بأخذ العشور و صورة إعطائه العصا بأنّ التاجر لا يقصد إلّا تجارته غاية الأمر أنّه يعلم بترتّب أخذ العشور عليها و في صورة إعطاء العصا قصد المعطي حصول مقدّمة مشتركة مع العلم بصرفها في الحرام، و بيع العنب ممّن يعمله خمرا نظير إعطاء العصا حيث أنّ البائع قصد تملّك المشتري و تملّكه مقدّمة مشتركة بين الحلال و الحرام كما أنّ أخذ العصا مقدّمة مشتركة بين الحلال و هو الاتّكاء و الحرام و هو الضرب ظلما و يمكن الفرق حيث أنّ البائع لا يقصد إلّا تبديل عينه بالثمن و يترتّب عليه تملّك المشتري و هو مقدّمة مشتركة بخلاف معطي العصا فإنّه لا غرض له إلّا قدرة الآخذ.

نعم لو كان غرض البائع أوّلا تملّك المشتري أمكن صدق الإعانة و الحاصل أنّه مع صدق الإعانة يشكل الأخذ بالأخبار المجوّزة للزوم تخصيص الآية الشريفة و الظاهر إبائها عن التخصيص فعلى ما ذكر لا بدّ من التفصيل في صورة عدم الشرط و عدم التواطي بين صورة القصد أوّلا إلى التملّك المشترك بين الحرام و الحلال كإعطاء العصا، و صورة عدم القصد بهذا النحو كصورة تجارة التاجر، و على هذا لا يلزم التخصيص في الآية و لا بدّ من حمل الأخبار المجوّزة على هذه الصورة و لا مجال للآخذ بإطلاقها.

ثمّ إنّ المستفاد ممّا ذكر ليس إلّا الحرمة التكليفيّة لا الحرمة الوضعيّة أعني فساد المعاملة إلّا أن تندرج في رواية تحف العقول من جهة ترتّب الفساد عليها.

[الرابع ما لا ينتفع به]

الرابع ما لا ينتفع به كالمسوخ برّيّة كانت كالدّب و القرد، أو بحريّة كالجرّي و السلاحف و كذا الضفادع و الطافي، و لا بأس بسباع الطير و الهرّة و الفهد، و في بقيّة السباع قولان أشبههما الجواز.

لا إشكال في اعتبار المنفعة القابلة لتوجّه العقلاء في صحّة المعاملة و تحقّق الماليّة و عدم كفاية المنفعة النادرة لأنّ المعاملة بملاحظتها تعدّ سفهيّة و هذا في غير مقام الحاجة مسلّم، و أمّا في مقام الحاجة، فهل تكفي في صحّة المعاملة أم لا؟ لا يبعد أن يقال تصحّ لعدم كون المعاملة سفهيّة حينئذ فمثل العقرب من الحشرات إذا فرض له النفع في حال لدفع مرض بيعه و اشتراؤه لا يكون سفهيا عند العقلاء، و الشاهد على هذا أنّ‌

13

الإمام عليه الصلاة و السلام على ما نقل اشترى الماء للوضوء في السفر بمبلغ لا يكون في غير هذا الحال ثمنا لذلك المقدار من الماء، فإن كان النظر إلى عدم صحّة المعاملة مطلقا حتّى في تلك الصورة، فقيه منع لأنّه لا وجه له إلّا عدم توجّه العقلاء و كون المعاملة سفهيّة و في هذه الحالة ليست سفهيّة و إن كان النظر إلى حال عدم الحاجة فهو مسلّم. و لعلّ ما ورد من جواز بيع الهرّة محمول على صورة الحاجة إليها. و أمّا مع كثرة هذا الحيوان و عدم توجّه إليه فيشكل جواز بيعه. هذا الكلام بحسب الكبرى و أمّا بحسب الصغرى فالكلام فيه خارج عن شأن الفقيه و ربما كان بعض المذكورات لم يلتفت إلى فائدته في عصر و التفت إليها في عصر آخر كالأدوية و العقاقير. و أمّا قوله (عليه السّلام) على المحكي «إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» فالظاهر أنّ النظر إلى صورة وقوع المعاملة باعتبار الجهة المحرّمة كاشتراء الجارية المغنيّة باعتبار وصفها، ألا ترى أنّ الطين حرام أكله و مع ذلك يجوز فيه البيع و الشراء و ظهر ممّا ذكر وجه الجواز في بقيّة السباع فإنّها بعد قابليّتها للتذكية و قابليّتها للانتفاع بجلودها و ريشها لا مانع من بيعها، و يدلّ على الصحّة في بعض المذكورات الخبر عن الفهود و سباع الطير «هل يلتمس بها التجارة فيها قال: نعم (1)» و الخبر عن بيع جلود النمر «فقال: مدبوغة هي؟ قلت نعم قال: لا بأس به» (2) و المرويّ عن قرب الإسناد عن جلود السباع و بيعها و ركوبها أ يصلح ذلك؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها» (3) مضافا إلى النصوص الدّالّة على جواز اتّخاذ جلوده و ركوبها المستلزمة لقبولها التذكية القاضية بطهارتها فتكون قابلة للانتفاع بها نفعا معتدّا به.

[الخامس الأعمال المحرّمة]

الخامس الأعمال المحرّمة كعمل الصور المجسّمات و الغناء عدي المغنيّة لزفّ العرائس إذا لم تتضمّن (تتغنّ خ ل) بالباطل و لم يدخل عليها الرّجال و النوح بالباطل أمّا بالحقّ فجائز.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 226.

(2) المصدر ج 5 ص 227 و التهذيب ج 2 ص 112 و 154.

(3) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 37 تحت رقم 5.

14

أمّا تصوير الصورة إذا كانت مجسّمة فلا خلاف و لا إشكال في حرمته إذا كانت الصورة ذوات الأرواح و كذا مع عدم التجسّم وفاقا لجمع من الأكابر و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة مثل قوله (عليه السّلام) على المحكيّ «نهى أن ينقش شي‌ء من الحيوان على الخاتم» (1) و قوله (عليه السّلام): على المحكيّ «نهى عن تزويق البيوت، قلت: و ما تزويق البيوت؟ قال: تصاوير التماثيل» (2).

و يمكن الخدشة في دلالته بأنّ التماثيل شاملة لغير ذوات الأرواح فمع القطع بعدم الحرمة فيه يدور الأمر بين التخصيص بذوات الأرواح و حفظ العموم و حمل النهي على الكراهة، و يمكن الاستدلال بصحيحة محمّد بن مسلم «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر قال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان» (3) فإنّ ذكر الشمس و القمر قرينة على إرادة مجرّد النقش إلّا أن يقال بعد كون الاستثناء منقطعا من جهة المصوّر حيث أنّ الحيوان خارج يمكن أن يكون منقطعا من جهة التصوير بأن يكون النظر إلى التصوير مع التجسّم بالنسبة إلى الحيوان مضافا إلى أنّ السؤال غير مخصوص بالعمل بل يشمل الاقتناء فإذا جاز الاقتناء بحسب بعض الأخبار يدور الأمر بين التخصيص و الحمل على الكراهة و استدلّ أيضا ممّا في رواية تحف العقول في تفسير الصناعات المحلّلة و تعدادها من قوله (عليه السّلام) على المحكيّ «و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الرّوحاني» لكن ظهور لفظ الرّوحاني في مطلق ذوات الأرواح حتّى مثل الحشرات و الطيور و البهائم غير واضح، و استدلّ أيضا بقوله (عليه السّلام) على المحكيّ «من جدّد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج من الإسلام» (4) بناء على ترادف التمثيل و التصوير على ما حكي عن بعض اللّغة و لا يخلو عن الشبهة لأنّ شأن اللّغويّين بيان موارد الاستعمال لا بيان المعاني الحقيقيّة و معه لا بدّ من اجتماع شرائط الشهادة‌

____________

(1) الفقيه باب ذكر جمل من مناهي النبي ص.

(2) الكافي ج 6 ص 526.

(3) المحاسن ص 619.

(4) الفقيه ط النجف ج 1 ص 120 تحت رقم 579.

15

كما بيّن في الأصول فإنّ تمّ ما ذكر أوّلا من قوله (عليه السّلام): على المحكيّ «نهى أن ينقش شي‌ء من الحيوان- إلخ» سندا و لو من جهة استناد الفقهاء- (قدّس اللّه أسرارهم)- فهو. و إلّا فللاستدلال بسائر ما ذكر لا بدّ من رفع الخدشة و مما يبعّد الحرمة جواز الاقتناء بحسب الأخبار، و في رواية تحف العقول «إنّما حرّم اللّه الصناعة الّتي يجي‌ء منها الفساد محضا فإذا جاز الاقتناء لم يجي‌ء منها الفساد و ما لم يجي‌ء منه الفساد ليس بمحرّم بحسب الرّواية.

و ممّا يدلّ على جواز الاقتناء صحيحة الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «ربما قمت أصلّي و بين يديّ الوسادة فيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا» (1) و رواية عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السّلام) «عن الخاتم فيه نقش تماثيل سبع أو طير أ يصلّى فيه؟ قال: لا بأس» (2) و عنه عن أخيه عن البيت فيه صورة سمكة أو طير يعبث به أهل البيت هل يصلّى فيه قال: لا حتّى يقطع رأسه و يفسد» (3).

و لا يخفى أنّ الأخبار الظاهرة في جواز الاقتناء لا يشمل المجسّمات فيشكل استفادة جواز الاقتناء بالنسبة إلى المجسّمات و هذه الرّواية الأخيرة إن كانت شاملة لما كانت الصورة مجسّمة فلا يستفاد منها جواز الاقتناء لما فيه من عدم الصلاة حتّى يقطع رأسه و يفسد، و ارتباط الحكم بخصوص الصلاة لعلّه من جهة أنّ السؤال كان في الصلاة فلا يدلّ على الاقتناء و عدم قطع الرّأس لولا الصلاة و لا مانع من كون الشي‌ء ممنوعا منه من جهتين، فالقدر المتيقّن حرمة المجسّمات ذوات الأرواح، و يدلّ عليه قوله (عليه السّلام) على المحكيّ في عدّة أخبار «من صوّر صورة كلّفه اللّه يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ» (4) و شمولها لمجرّد النقش يحتاج إلى التكلّف و إنّ الاحتياط طريق النجاة.

و أما الغناء

فلا خلاف في حرمتها و الأخبار بها مستفيضة بل ادّعي تواترها ففي صحيحة الشحّام (5) و مرسلة ابن أبي عمير (6) و موثّقة أبي بصير (7) المرويّات عن‌

____________

(1) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 32 تحت رقم 3 و 10 و 12.

(2) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 32 تحت رقم 3 و 10 و 12.

(3) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 32 تحت رقم 3 و 10 و 12.

(4) الخصال ج 1 ص 53.

(5) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 99 تحت رقم 2 و 8 و 9.

(6) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 99 تحت رقم 2 و 8 و 9.

(7) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 99 تحت رقم 2 و 8 و 9.

16

الكافي، و رواية عبد الأعلى (1) المحكيّة عن معاني الأخبار، و حسنة هشام (2) المحكيّة عن تفسير القميّ (ره) تفسير قول الزّور بالغناء و منها ما ورد مستفيضا في تفسير لهو الحديث كما في صحيحة ابن مسلم (3) و رواية مهران بن محمّد (4) و رواية الوشّاء (5) و رواية عبد الأعلى السابقة.

و منها ما ورد في تفسير الزّور في قوله تعالى «وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» كما في صحيحة ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) (6).

و قد يقال: إنّ ظاهر هذه الأخبار أنّ الغناء نفس الكلام لا الكيفيّة فلا تدلّ على حرمة الكيفيّة إذا لم يكن الكلام باطلا، و يؤيّد هذا أنّ في بعض الأخبار أنّ معنى قول الزّور «أن يقول للّذي يغنّي أحسنت» (7) و يشهد له قول عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) على المحكيّ في مرسلة فقيه «في الجارية الّتي لها صوت لا بأس لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة يعني بقراءة القرآن و الزّهد و الفضائل الّتي ليست بغناء» (8) و لو جعل التفسير من الصدوق دلّ على الاستعمال أيضا و كذا لهو الحديث بناء على أنّه من إضافة الصفة إلى الموصوف فيختصّ الغناء المحرّم بما كان مشتملا على الكلام الباطل فلا يدلّ على حرمة نفس الكيفيّة و لو لم يكن في كلام باطل، و منه يظهر الخدشة في دلالة ما ورد في تفسير الزّور و يمكن أن يقال الغناء معروفة في العرف، و قد ذكر اللّغويّون و ليس معناه سوى الكيفيّة الخاصّة للصوت الّتي من شأنها التطريب الّذي من شأنه أن يوجب خفّة يعتري الإنسان لشدّة حزن أو سرور و لا اختصاص لها بالكلام الباطل نعم الغالب تحقّقها في الكلام الباطل و من جهة اتّحادها مع الكلام يطلق الغناء على الكلام و ما استشهد به‌

____________

(1) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 99 تحت رقم 20 و 26.

(2) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 99 تحت رقم 20 و 26.

(3) المصدر تحت رقم 6 و 11 و 16.

(4) المصدر تحت رقم 6 و 11 و 16.

(5) المصدر تحت رقم 6 و 11 و 16.

(6) المصدر تحت رقم 3.

(7) كما في رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) الذي رواه الصدوق في معاني الأخبار ص 349.

(8) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 16 تحت رقم 2.

17

أو أيّد به لما ذكر لا ينافي ما ذكر فإنّ الظاهر أنّ ما ورد في بعض الأخبار «أنّ من قول الزّور- إلخ» يكون من باب التنزيل كما ورد «أنّ السامع للغيبة أحد المغتابين» حيث لا ريب في أنّ قول أحسنت للمغنّي بمجرّده ليس غناء، و ما حكي من قول عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) لا شهادة له لأنّ مجرّد الصوت و الصوت الحسن ليسا بغناء، بل ما من شأنه التطريب و على هذا فيكون الغناء أخصّ مطلقا من اللّهو، و ممّا استدلّ به على حرمة الغناء من حيث كونه لهوا و باطلا و لغوا رواية عبد الأعلى و فيها ابن فضّال قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الغناء و قلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رخّص في أن يقال جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيّكم (1)، فقال: كذبوا إنّ اللّه تعالى يقول «وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ»، ثمّ ويل لفلان ممّا يصف- رجل لم يحضر المجلس- (2)» فإنّ الكلام المرخّص فيه بزعمهم ليس بالباطل و اللّهو اللّذين يكذّب الإمام (عليه السّلام) على المحكيّ رخصة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فليس الإنكار الشديد إلّا من جهة التغنّي به، و رواية يونس: «قال سألت الخراساني (عليه السّلام) عن الغناء، و قلت إنّ العبّاسيّ زعم أنّك ترخّص في الغناء فقال كذب الزّنديق ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، قلت له: إنّ رجلا أتى أبا جعفر (عليه السّلام) فسأله عن الغناء فقال: إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل فقال:

قد حكمت (3)» و رواية محمّد بن أبي عباد و كان مستهترا بالسماع و بشرب النبيذ قال:

«سألت الرّضا (عليه السّلام) عن السماع قال: لأهل الحجاز فيه رأي و هو في حيّز الباطل و اللّهو أما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول «وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً» (4).

و الغناء من السماع كما نصّ عليه الجوهريّ و قوله (عليه السّلام) على المحكيّ و قد‌

____________

(1) في بعض نسخ الكافي «جيئونا جيئونا نجيئكم»

(2) الكافي ج 6 ص 433.

(3) المصدر ج 6 ص 435.

(4) عيون اخبار الرضا (ع) ص 270.

18

سئل عن شراء الجارية المغنيّة: «قد تكون للرّجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلّا ثمن كلب» (1) و في رواية الأعمش الواردة في تعداد الكبائر قوله «و الملاهيّ الّتي تصدّ عن ذكر اللّه كالغناء و ضرب الأوتار» (2).

و يمكن أن يقال استفادة الحرمة من غير الرّوايتين الأخيرتين منوطة بحرمة مطلق اللّهو و اللّعب و الباطل و اللّغو و إلّا مجرّد عدم الترخيص لا يستفاد منه الحرمة فإنّ الحكيم لا يرخّص في اللّغو و لا يلتزم بحرمة ما هو لغو بمجرّد كونه لغوا، و لا يستفاد من قوله تعالى «وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» الحرمة و كذا الباطل و اللّعب و اللّهو قد اختلف في معناه فيظهر من الصّحاح و القاموس أنّه مطلق اللّعب و القول بحرمته على هذا شاذّ مخالف للمشهور و السيرة، فإنّ اللّعب هي الحركة لا لغرض عقلائيّ.

و لا خلاف ظاهرا في عدم حرمته على الإطلاق و لو خصّ بما يكون من بطر و فسّر بشدّة الفرح. و بعبارة أخرى ما تلتذّ به النفس و ينبعث عن القوى الشهويّة، و يؤيّد هذا العطف في قوله تعالى «أَنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ- الآية» مع إمكان أن يكون مع اللّعب كالمسكين و الفقير إذا افترقا اجتمعا و إذا اجتمعا افترقا، فالمعروف حرمته و يدلّ عليه قوله تعالى «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ- الآية» و يقع الإشكال في هذا التفسير و حرمته عليه على الإطلاق فإنّه عدّ السفر للصيد من اللّهو مع عدم صدق التفسير المذكور عليه، و قد تلتذّ النفس بالنحو المذكور من سماع صوت حسن ليس بغناء، أو من مشاهدة بعض المناظر و لا يلتزم بالحرمة كما أنّ السفر للصيد و إن كان لا يوجب القصر لكن حرمته مشكلة، هذا:

و قد حكي عن بعض تخصيص حرمة الغناء بما اشتمل على محرّم من خارج مثل اللّعب بالآلات اللّهو و دخول الرّجال و الكلام بالباطل و إلّا فهو في نفسه غير محرّم و استدلّ له بما عن الحميريّ بسند لم يبعّد في الكفاية إلحاقه بالصحاح عن عليّ بن‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 120.

(2) الوسائل أبواب جهاد النفس ب 45 تحت رقم 46.

19

جعفر عن أخيه (عليهما السّلام) قال: «سأله عن الغناء في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لا بأس ما لم يعص به (1)» و في كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه «سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال لا بأس ما لم يزمّر به (2)» و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «أجر المغنّية الّتي تزف العرائس ليس به بأس ليست بالّتي يدخل عليها الرّجال (3) «و رواية أبي بصير قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن كسب المغنّيات قال:

الّتي يدخل عليها الرّجال حرام، و الّتي تدعى إلى الأعراس لا بأس به و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (4)».

و نوقش في دلالة الرّواية الأولى بأنّ الظاهر تحقّق المعصية بنفس الغناء فيكون المراد بالغناء مطلق الصوت المشتمل على الترجيح و هو قد يكون مطربا ملهيا فيحرم، و قد لا ينتهي إلى ذلك الحدّ فلا يعصى به و منه يظهر توجيه الرّواية الثانية فإنّ معنى قوله «لم يزمّر به» لم يرجّع فيه ترجيع الزمار، أو أنّ المراد من الزّمر التغنّي على سبيل اللّهو، و نوقش في دلالة رواية أبي بصير الثانية بعد تضعيف السند من جهة على بن أبي حمزة البطائني بأنّها لا تدلّ إلّا على كون غناء المغنّية الّتي يدخل عليها الرّجال داخلا في لهو الحديث في الآية و عدم دخول غناء الّتي تدعى إلى الأعراس فيها و هذا لا يدلّ على دخول ما لم يكن منهما في القسم المباح مع كونه من لهو الحديث قطعا فدخوله أقرب من خروجه. نعم هذه الرّواية و الرّواية الأخرى نصّان في الجواز في جواز الغناء في الأعراس إلّا أنّهما لا يقاومان ما دلّ على الحرمة.

و يمكن أن يقال: أمّا الخدشة في دلالة الرّواية الأولى ففيها إشكال من جهة أنّ الأدلّة السابقة اقتضت حرمة الغناء بقول مطلق و سؤال الرّاويّ عن الغناء المعروفة عند العرف و التوجيه المذكور يوجب صرف الغناء عن معناها و حملها على الصوت الحسن الغير المطرب الغير اللّهوي فما أجيب السائل عن سؤاله، و كذا الكلام في توجيه‌

____________

(1) قرب الاسناد ص 121.

(2) قرب الاسناد ص 121.

(3) الكافي ج 5 ص 120.

(4) الكافي ج 5 ص 119.

20

الرّواية الثانية. و أمّا ما أجيب به عن رواية أبي بصير من جهة الدّلالة ففيه أنّه بعد مدخليّة دخول الرّجال في المشموليّة للاية الشريفة فمع عدم دخول الرّجال و عدم ما يقوم مقام دخول الرّجال يكون خارجة، و لم تكن الآية الشريفة شاملة لها، فالعمدة عدم مقاومة هذه الأخبار لما دلّ على الحرمة و إبائه عن التخصيص.

و أما استثناء غناء المغنيّة في الأعراس

فنسب إلى المشهور و استدلّ له بخبري أبي بصير المذكورين آنفا حيث أنّ إباحة الأجر لازمة لإباحة العمل، و بعد عمل الأكثر بمضمونهما و مضمون خبر آخر عنه أيضا نحوهما لا مجال لتضعيف السند، و منه يظهر أنّه لا يتوجّه ما ذكر آنفا من تضعيف السند لكنّه يشكل الأخذ بمضمونها من جهة إباء أدلّة التحريم بقول مطلق عن التخصيص.

و أما حرمة النوح بالباطل

فالظاهر حرمته من جهة الباطل بمعنى الكذب و إلّا فهو في نفسه ليس بمحرّم، و على هذا التفصيل غير واحد من الأخبار، و ما يظهر منه الإطلاق محمول على المقيّد جمعا.

و هجاء المؤمنين، و حفظ كتب الضّلال و نسخها لغير نقص، و تعلّم السحر و الكهانة و القيافة و الشعبذة.

فسّر الهجاء بذكر المعايب بالشعر من غير قصر على المعايب الّتي في المهجوّ و يظهر من بعض أنّه ذكر المعايب من غير تقيّد بكونه في الشعر، و كيف كان فهو بالنسبة إلى المؤمنين حرمته مجمع عليها مضافا إلى ما دلّ على حرمة إيذاء المؤمن و هتك حرمته و إدخال النقص عليه، ثمّ إنّ ظاهر بعض التعميم بالنسبة إلى الفاسق المتجاهر، بناء على التعميم في معنى الهجاء و اللّازم منه حرمة هجاء المتجاهر بالفسق و لم أفهم وجهه فإنّه على هذا لم يبق مورد لجواز الغيبة بالنسبة إلى المتجاهر بالفسق، فما معنى ما ورد من «أنّ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (1)» إلّا أن يدّعى أنّ الهجو ذكر المعايب خلاف المدح في الشعر بالخصوص، و اختصاص الجواز بغير الشعر. و هو بعيد و لا دليل عليه حيث أنّ الإجماع بالنسبة إلى المتجاهر غير محقّق و الأدلّة العامّة لا تفرق‌

____________

(1) رواه البيهقي في السنن من حديث أنس.

21

بين الشعر و غيره. هذا كلّه في المؤمنين.

و أمّا المشركون فلا إشكال في جواز هجوهم ما لم يكن قذفا أو فحشا و قد أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بهجوهم حسّانا و قال: إنّه أشدّ عليهم من رشق النّبال.

و أما حرمة حفظ كتب الضلال

و نسخها فلا خلاف فيها و يدلّ عليها مضافا إلى حكم العقل بوجوب قطع مادّة الفساد و الذّمّ المستفاد من قوله تعالى «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» قوله (عليه السّلام) على المحكيّ في رواية تحف العقول «إنّما حرّم اللّه الصناعة الّتي يجي‌ء منه الفساد محضا- إلخ» و غير هذه الفقرة من فقراتها و مقتضى التقييد بمجي‌ء الفساد منه محضا عدم الحرمة إذا كان مصلحة في البين كما إذا كان الحفظ للنقص، نعم لا بدّ من غلبة المصلحة و إن كان خلاف ما يستفاد من الفقرة المذكورة لكنّ الظاهر من بعض فقرات الرّواية المذكورة مثل ما فيها «أو ما يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي. أو باب يوهن به الحقّ- إلخ» الحرمة في صورة الغلبة المفسدة، لا يقال: لازم الفقرة المذكورة الحرمة حتّى مع وجود المصلحة الغالبة لأنّ الظاهر الإرشاد إلى حكم العقل بوجوب قطع مادّة الفساد، فالعقل الحاكم بوجوب قطع مادّة الفساد يحكم بالجواز في صورة غلبة المصلحة بل يحكم بالوجوب حفظا للدّين، و لعلّ التقييد بمجي‌ء الفساد منه محضا بالنسبة إلى غير هذا المقام من أبواب المعاملات، و على هذا فالرّواية غير شاملة للمقام و العمدة حكم العقل.

و أما حرمة تعلّم السحر

فلا خلاف فيها، و الأخبار بها مستفيضة، منها قوله (عليه السّلام) على المحكيّ «من تعلّم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا فقد كفر و كان آخر عهده بربّه، و حدّه أن يقتل إلّا أن يتوب (1)» و في رواية السكوني عن الصادق (عليه السّلام) قال:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ساحر المسلمين يقتل و ساحر الكفّار لا يقتل، قيل: يا رسول اللّه: لم لا يقتل ساحر الكفّار؟ قال: لأنّ الشرك أعظم من السحر، لأنّ السحر و الشرك مقرونان (2)» و في نبويّ آخر «ثلاثة لا يدخلون الجنّة مدمن خمر، و مدمن‌

____________

(1) قرب الاسناد ص 71.

(2) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 25 ح 2.

22

سحر، و قاطع رحم» (1) إلى غير ذلك من الأخبار.

ثمّ إنّه لا بدّ من معرفة حقيقة السحر و قد اختلف الكلمات في تعريفه فعن بعض أهل اللّغة أنّه ما لطف مأخذه و دقّ. و عن بعض آخر صرف الشي‌ء عن وجهه. و عن بعض أنّه الخدع. و عن بعض أنّه إخراج الباطل في صورة الحقّ. و عن العلّامة (قدس سره) أنّه كلام يتكلّم به أو يكتبه أو رقيّة أو يعمل شي‌ء يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة، و الشهيدان (قدس سرهما) عدّا من السحر استخدام الملائكة و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب و إحضارهم و تلبيسهم ببدن صبيّ أو امرأة و كشف الغائبات عن لسانه. و قال في الإيضاح إنّه استحداث الخوارق إمّا بمجرّد التأثيرات النفسانيّة و هو السحر أو بالاستعانة بالفلكيّات فقطّ و هو دعوة الكواكب أو بتمزيج القوى السماويّة بالقوّة الأرضيّة و هو الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة و هو العزائم و يدخل فيه النيرنجات و الكلّ حرام في شريعة الإسلام و مستحلّه كافر. و فسّر النيرنجات في الدّروس بإظهار غرائب خواصّ الامتزاجات و أسرار النيّرين، و في الإيضاح أمّا ما كان على سبيل الاستعانة بخواصّ الأجسام السفليّة و هو علم الخواصّ أو الاستعانة بالنسب الرياضيّة فهو علم الحيل و جرّ الأثقال و هذان ليسا من السحر، قد يقال: الأقسام الأربعة أوّلا في كلام فخر المحقّقين صاحب الإيضاح يكفي في حرمتها مضافا إلى شهادة المحدّث المجلسي (قدس سره) بدخولها في المعنى المعروف للسحر عند أهل الشرع فيشملها الإطلاقات دعوى الفخر في الإيضاح كون حرمتها من ضروريّات الدّين و أنّ مستحلّها كافر و هو ظاهر الدّروس لأنّ هذه الدّعوى توجب الاطمئنان في الحكم و اتّفاق العلماء عليه في جميع الأعصار فإن كان دعوى الضرورة في كلامه (قدس سره) بتصريحه في غير العبارة المذكورة فلا كلام و إن كان بملاحظة الكلام المذكور يقع الشبهة من جهة أنّ المراد من قوله و مستحلّه كافر أنّ مستحلّ كلّ واحد من هذه الأقسام كافر من جهة إنكار الضروري من الدّين أو أنّ مستحلّ الكلّ كافر حيث أنّ السحر غير خارج عن الأقسام المذكورة و حرمة السحر‌

____________

(1) الخصال ج 1 ص 85.

23

من الضروريّات و على الاحتمال لا يحصل الاطمئنان، بأنّ كلّ واحد من الأقسام المذكورة داخل في السحر الموضوع في الأخبار. و قد حكي عن شارح النخبة أنّ ما كان من الطلسمات مشتملا على إضرار أو تمويه على المسلمين أو استهانة بشي‌ء من حرمات اللّه كالقرآن و أبعاضه و أسماء اللّه الحسنى و نحو ذلك فهو حرام بلا ريب سواء عدّ من السحر أم لا. و ما كان للأغراض كحضور الغائب و بقاء العمارة و فتح الحصون للمسلمين و نحوه فمقتضى الأصل جوازه، و يحكى عن بعض الأصحاب- إلى أن قال:- و ألحق في الدّروس تحريم عمل الطلسمات في السحر و وجهه غير واضح انتهى.

و التعبير بالإلحاق موهن نعم مع العلم بعدم خروج السحر عن الأربعة المذكورة لزم الاحتياط مع عدم التيقّن بدخول بعضها. و أمّا غير الأقسام المذكورة فإن كان ممّا يضرّ بالنفس المحترمة فلا إشكال أيضا في حرمته. و يكفي في الضرر صرف نفس المسحور عن الجريان على مقتضى إرادته فمثل إحداث حبّ مفرط في الشخص يعدّ سحرا.

روى الصدوق في الفقيه في باب عقاب المرأة على أن تسحر زوجها بسنده عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السّلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لامرأة سألته أنّ لي زوجا و به غلظة عليّ و أنّي صنعت شيئا لأعطفه عليّ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أفّ لك كدرت البحار و كدرت الطين و لعنتك الملائكة الأخيار و ملائكة السماء (السموات خ‌ل) و الأرض قال فصامت المرأة نهارها و قامت ليلها و حلقت رأسها و لبست المسوح فبلغ ذلك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: إنّ ذلك لا يقبل منها» (1) بناء على أنّ الظاهر من قولها صنعت شيئا المعالجة بشي‌ء غير الأدعية و الصلوات.

و أما ما لا يضرّ

فالظاهر جوازه مع الشكّ في صدق اسم السحر عليه للأصل و فحوى ما دلّ على جواز دفع الضرّ بما علم كونه سحرا إلّا أن يدخل في اللّهو أو الشعبذة أو أخذ بمضمون ما ذكره في الاحتجاج إن صحّ السند من حديث الزّنديق الّذي سأل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن مسائل كثيرة منها ما ذكره بقوله «أخبرني عن السحر ما أصله و كيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه و ما يفعل؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ‌

____________

(1) الفقيه ط النجف ج 3 ص 282 تحت رقم 1345.

24

السحر على وجوه شتّى منها بمنزلة الطبّ كما أنّ الأطبّاء و ضعوا لكلّ داء دواء و كذلك علماء السحر احتالوا لكلّ صحّة آفة و لكلّ عافية عاهة و لكلّ معنى حيلة، و نوع آخر منه خطفة و سرعة و مخاريق و خفّة. و نوع منه ما تأخذه أولياء الشياطين منهم.

قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟ قال: من حيث علم الأطبّاء الطبّ، بعضه بتجربة و بعضه بعلاج، قال: فما تقول في الملكين هاروت و ماروت و ما يقول الناس بأنّهما يعلّمان السحر؟ قال: إنّما هما موضع ابتلاء و موقف فتنة تسبيحهما: اليوم لو فعل الإنسان كذا و كذا لكان كذا و لو تعالج بكذا و كذا لصار كذا، فيتعلّمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم إنّما نحن فتنة فلا تأخذوا عنّا ما يضرّكم و لا ينفعكم. قال: أ فيقدر الساحر على أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك؟ قال: هو أعجز من ذلك و أضعف من أن يغيّر خلق اللّه، إنّ من أبطل ما ركّبه اللّه تعالى و صوّر غيره فهو شريك اللّه في خلقه، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، لو قدر الساحر على ما وصف لدفع عن نفسه الهرم و الآفة و الأمراض، و لنفى البياض عن رأسه، و الفقر عن ساحته، و إنّ من أكبر السحر النميمة يفرق بين المتحابّين، و يجلب بها العداوة على المتصافين، و يسفك بها الدّماء، و يهدم بها الدّور، و يكشف بها الستور، و النمّام شرّ من وطئ الأرض بقدم فأقرب أقاويل السحر من الصواب إنّه بمنزلة الطبّ انّ السّاحر عالج الرّجل فامتنع من مجامعة النساء فجاءه الطبيب فعالجه بغير ذلك العلاج فأبرء الحديث (1)».

و يمكن أن يقال: إن صحّ السند في هذه الرّواية أو حصل الاطمئنان بصدورها من المعصوم من جهة أنّه من البعيد جدّا صدور هذا الكلام من غير المعصوم فهو و إلّا ففيما ذكر في غير الأقسام الأربعة المذكورة من التفصيل بين ما يضرّ و ما لا يضرّ و عدّ ما ذكر من الإضرار لا يخلو عن الإشكال فإنّه قد تقع المزاحمة من جهة ضرر آخر فلا بدّ بعد التزاحم من دفع أقوى الضررين إلّا أن يكون النظر إلى غير صورة المزاحمة. و أمّا عدّ صرف نفس المسحور عن الجريان على مقتضى إرادته من الضرر‌

____________

(1) احتجاج الطبرسي ج 2 ص 81 الطبع الحروفى الحديث.

25

فمشكل. ألا ترى أنّه لو كان إرادة الإنسان متعلّقة بما فيه خلاف المصلحة أو بما فيه المفسدة فعمل صديقه عملا أوجب انصرافه فهل يعدّ هذا إضرارا. ثمّ على تقدير الأخذ برواية الاحتجاج المذكورة و صدق السحر على ما ذكر فيها لا بدّ من إثبات حرمة كلّ ما يصدق عليه، و ربما يستفاد من قول الملكين على ما في الخبر «إنّما نحن فتنة فلا تأخذوا عنّا ما يضرّكم و لا ينفعكم» التفصيل فإذا أريد بالسحر دفع السحر الواقع فهو خارج. و ممّا يدلّ عليه ما في الكافي عن القمّي (1) عن أبيه عن شيخ من أصحابنا الكوفيّين قال: «دخل عيسى بن الثقفي على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر و كنت آخذ عليه الأجر و كان معاشي، و قد حججت منه و قد منّ اللّه عليّ بلقائك و قد تبت إلى اللّه من ذلك فهل لي في شي‌ء من ذلك مخرج؟ فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

حلّ و لا تعقد» و الظاهر انّ المراد كون كلّ من الحلّ و العقد بالسحر. و يدلّ عليه غير ما ذكر من الأخبار لكن بعد كون ما دلّ على الجواز غير نقيّة من جهة السند و إباء الأخبار الدّالة على الحرمة بقول مطلق عن التخصيص و كون متعلّم السحر بمنزلة الكافر يشكل القول بالجواز نعم لو شكّ في صدق السحر مقتضى الأصل الجواز.

و أما حرمة تعلّم الكهانة

فالظاهر عدم الخلاف فيها، و عن إيضاح النافع أنّ تعليمها و تعلّمها و استعمالها حرام في شرع الإسلام، و في الخبر «أنّ الكاهن كالساحر. و أنّ تعلّم النجوم يدعو إلى الكهانة» و في خبر مستطرفات السرائر «من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب» و الكهانة قيل هي تعاطي الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزّمان. و عن المغرب أنّ الكهانة في العرب قبل المبعث يروى أنّ الشياطين كانت تسترق السمع فتلقيه إلى الكهنة، و في القواعد إنّ الكاهن هو الّذي له رائد من الجنّ يأتيه بالأخبار، و عند الحكماء أنّ من النفوس ما تقوي على الاطّلاع على ما سيكون من الأمور فإن كانت خيّرة فاضلة فتلك نفوس الأنبياء و الأولياء، و إن كانت شريرة فهي نفوس الكهنة.

و لا يخفى أنّه على ما ذكر من التعريف ليست من الأمور الّتي يحصل بالتعليم و التعلّم بل هي من الأمور الّتي تحصل بالرّياضيات فإن كانت موجبة لتسخير الجنّ‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 115.

26

و الشياطين فلعلّها داخلة في السحر و إن لم تكن كذلك و كانت موجبة للاطّلاع على أمور خفيّة على الناس من دون ارتكاب حرام فصدق الكهانة و حرمته يحتاج إلى الدّليل. و كون النفس شريرة لا توجب حرمة الرّياضة الموجبة للاطّلاع على الأمور الخفيّة، و لعلّ المراد من التعلّم تعلّم الرّياضة الموجبة لما ذكر و في غير السحر تحتاج حرمة التعلّم من دون قصد إلى العمل إلى الدّليل إلّا أن يكون إجماع كما في كلمات بعض الأكابر و إلّا فمقدّمه الحرام ما لم توجب سلب القدرة عنه و لم يقصد بها الوصول إلى الحرام من جهتها لا دليل على حرمتها، نعم روي في مستطرفات السرائر عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) إنّ عندنا بالجزيرة رجلا ربّما أخبر من يأتيه يسأله عن الشي‌ء يسرق أو شبه ذلك فنسأله فقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب فصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب- الخبر» (1) و لازم هذا حرمة التعليم و حرمة التعلّم لظهور الخبر في أنّ الرّجل المخبر كاهن و الكاهن كالساحر و على هذا يشكل إخراج العلم الحاصل من الجفر و غيره خصوصا مع ترك الاستفصال في الخبر.

و مما ذكر ظهر الإشكال في حرمة تعلّم القيافة

نعم الظاهر عدم الإشكال في حرمتها بمعنى ترتيب الأثر عليها و إلحاق الناس بعضهم ببعض و إلّا فمجرّد الاعتقاد العلمي أو الظنّي بنسب شخص لا دليل على تحريمه. نعم لا يبعد حرمة تعلّم ما يوجب العلم أو الظنّ بنسبة بعض إلى بعض مع أنّه قد يكون على خلاف ما حكم به الشرع و لعلّه لذا نهى عن إتيان القائف في بعض الأخبار و الأخذ بقولهم. ففي المحكيّ عن الخصال «ما أحبّ أن تأتيهم» و عن مجمع البحرين أنّ في الحديث «لا آخذ بقول قائف» و قد افترى بعض العامّة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أنّه قضى بقول القافة.

و أما الشعبذة

فلا خلاف في حرمتها و هي الحركة السريعة بحيث يوجب على الحسّ الانتقال من الشي‌ء إلى شبهه، و استدلّ على حرمتها بأنّها من الباطل و اللّهو و داخلة في السحر في الرواية المتقدّمة عن الاحتجاج. أمّا عدّها من اللّهو فلا يخلو عن الاشكال مع ما ذكر سابقا في معنى اللّهو، نعم لو فسّر اللّهو بمعنى ما يشغل الإنسان‌

____________

(1) السرائر ص 473.

27

عمّا يعنيه كما عن بعض صدق عليها اللّه و لكنّ الحرمة بهذا المعنى لا يلتزم بها، و كذا الباطل بهذا المعنى. و أمّا الاستشهاد بالرّواية المذكورة في دخولها في السحر فهو مبنيّ على استناد المشهور في فتاويهم إليها و معه يستفاد حرمة نفسها و تعلّقها.

و القمار و الغشّ بما يخفى و تدليس الماشطة و لا بأس بكسبها مع عدمه، و تزيين الرّجل بما يحرم عليه، و زخرفة المساجد و المصاحف، و معونة الظالم، و اجرة الزّانية

أما القمار فلا شبهة في حرمته و يدلّ عليها الكتاب و السنّة الّتي ادّعي تواترها، و القمار بالكسر كما عن بعض أهل اللّغة الرّهن على اللّعب بشي‌ء من الآلات المعروفة، و حكي عن جماعة أنّه قد يطلق على اللّعب بهذه الأشياء مطلقا و لو من دون رهن، و به صرّح في جامع المقاصد، و عن بعض أنّ أصل المقامرة المغالبة‌

[فهنا مسائل أربع]

فهنا مسائل أربع

لأنّ اللّعب قد يكون بآلات القمار مع الرّهن و قد يكون بدونه و المغالبة بغير آلات القمار قد يكون مع العوض و قد يكون بدونه،

[فالأولى اللّعب بآلات القمار مع الرّهن]

فالأولى اللّعب بآلات القمار مع الرّهن

و لا إشكال في حرمته و حرمة العوض للإجماع و الأخبار،

[الثانية اللّعب بآلات القمار من دون رهن]

الثانية اللّعب بآلات القمار من دون رهن

قد يشكّ في حرمته حتّى مع صدق القمار من جهة الانصراف إلى ما كان مع الرّهن. و قد يستدلّ على الحرمة في هذه الصورة بما في رواية تحف العقول من أنّ ما يجي‌ء منه الفساد محضا لا يجوز التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات. و رواية أبي الرّبيع الشامي (1) عن الشطرنج و النرد قال: «لا تقربوهما، قلت: فالغناء؟ قال: لا خير فيه و لا تقربه» و في تفسير القمّي (2) عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهما السّلام) في قوله تعالى «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ» قال: أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب- إلى أن قال- و أمّا الميسر فالنرد و الشطرنج و كلّ قمار ميسر- إلى أن قال- و كلّ هذا بيعه و شرائه و الانتفاع بشي‌ء من هذا حرام محرّم، و يقال ليس المراد بالقمار هنا المعنى المصدريّ حتّى يرد ما تقدّم من انصرافه إلى اللّعب مع الرّهن بل المراد الآلات بقرينة قوله: بيعه و شرائه، و قوله «أمّا الميسر فهو النرد-

____________

(1) معاني الأخبار ص 224.

(2) المصدر ص 167.

28

إلخ» و يؤيّد الحكم ما عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام في تفسير الميسر من أنّ «كلّما الهي عن ذكر اللّه فهو الميسر» و رواية الفضيل «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن هذه الأشياء الّتي يلعب بها الناس: النرد و الشطرنج حتّى انتهيت إلى السدّر قال: إذا ميزّ اللّه الحقّ من الباطل مع أيّهما يكون؟ قلت: مع الباطل قال: فما لك و للباطل» (1) و في موثّقة زرارة (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «أنّه سئل عن الشطرنج و عن لعبة شبيب الّتي يقال لها: لعبة الأمير و عن لعبة الثلاث؟ فقال: أ رأيتك إذا ميّز الحقّ من الباطل مع أيّهما يكون؟ قلت: مع الباطل، قال: فلا خير فيه» و يمكن أن يقال: أمّا رواية تحف العقول فيشكل شمولها لما نحن فيه لأنّ اللّعب بدون الرّهن يعدّ لغوا و شمول ما يجي‌ء منه الفساد محضا غير ظاهر إلّا أن يقال: غلبة أحد اللّاعبين توجب عداوة المغلوب منهما و عدّ هذه فسادا منهيّا عنه لا تخلو عن إشكال.

و أمّا رواية أبي الجارود (3) فالمستفاد منها حرمة بيع آلات القمار و لا نفهم دلالتها على حرمة اللّعب بدون الرّهن، و أمّا ما عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام فلا يستفاد منه الحرمة و إلّا لزم حرمة كلّ أمر مباح الهي عن ذكر اللّه تعالى. و أمّا رواية الفضيل و الموثّقة فاستفادة الحرمة منهما من جهة الطرفيّة مع الحقّ مشكلة ألا ترى أنّ اللّغو لا يكون حقّا فهو يكون باطلا، و مع ذلك لا يكون محرّما و كذلك تكلّم الإنسان بما لا يعنيه لا يكون حقّا فيكون باطلا لا يعدّ من المحرّمات.

[الثالثة المراهنة على اللّعب بغير الآلات المعدّة للقمار]

الثالثة المراهنة على اللّعب بغير الآلات المعدّة للقمار

كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل و على المصارعة و على الطيور و غيرها ممّا عدّ في باب السبق و الرّماية من أفراد غير ما نصّ على جوازه و الظاهر أنّها ملحقة بالقمار في الحرمة، بل الظاهر نفي الخلاف في تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض و ظاهر هم الحرمة التكليفيّة بقرينة جعل محلّ الخلاف المسابقة بدون العوض. و يدلّ عليه قول الصادق (عليه السّلام) على المحكيّ أنّه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ الملائكة تحضر الرّهان في الخفّ و الحافر و الرّيش و ما سوى ذلك فهو‌

____________

(1) الكافي ج 6 ص 436 تحت رقم 9 و 6.

(2) الكافي ج 6 ص 436 تحت رقم 9 و 6.

(3) قد تقدّم.

29

قمار حرام». في رواية العلاء بن سيابة (1) و عن الصادق (عليه السّلام) «عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ الملائكة لتنفر عند الرّهان و تلعن صاحبه، ما خلا الحافر و الرّيش و النصل» (2) و في مصحّحة معمر بن خلّاد «كلّما قومر عليه فهو ميسر» (3) و في رواية جابر عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قيل: «يا رسول اللّه ما الميسر؟ قال: كلّ ما يقامر به حتّى الكعاب و الجوز» (4).

فبعد كون المراهنة بغير آلات القمار قمارا حقيقة أو تنزيلا لا مجال للشكّ في الحرمة التكليفيّة مضافة إلى الحرمة الوضعيّة، نعم عن الكافي (5) و التهذيب بسندهما عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليهما السّلام) «أنّه قضى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) في رجل أكل و أصحاب له شاة فقال: إن أكلتموها فهي لكم و إن لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا» فقضى فيه أنّ ذلك باطل لا شي‌ء في المؤاكلة من الطعام ما قلّ منه أو كثر، و منع غرامة فيه، و ظاهرها من حيث عدم ردع أنّه ليس بحرام إلّا أنّه لا يترتّب عليه الأثر، و أورد عليه بأنّ هذا وارد على تقدير القول بالبطلان و عدم التحريم لأنّ التصرّف في هذا المال مع فساد المعاملة حرام أيضا.

و يمكن أن يقال: إنّ صاحب الشاة ما جعل في مقابل الشاة شيئا فالشاة بمنزلة العين الموهوبة بالهبة الفاسدة. فبناء على القاعدة المشهورة عند الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» لا ضمان و لا حرمة من جهة التصرّف، و لعلّه لذا أمر بالتأمّل لكنّه لا مجال لدفع اليد عن الأخبار المذكورة بهذا الخبر، ثمّ إنّ حكم العوض المأخوذ حكم سائر المأخوذات بالمعاملة الفاسدة فيجب ردّ العين مع بقائه و مع التلف يردّ المثل أو القيمة، و ما ورد من قي‌ء الامام (عليه السّلام) البيض الّذي قامر به‌

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 86.

(2) الوسائل كتاب السبق و الرماية ب 1 ح 6.

(3) الكافي ج 6 ص 435.

(4) المصدر ج 5 ص 123.

(5) الكافي ج 7 ص 428.

30

الغلام ليس من جهة ردّ المأكول ظاهرا بل من جهة الاحتراز عن صيرورته جزءا لبدنه و الإشكال من جهة أنّ المعصوم منزّه عن مثل هذا خارج عن الفقه و لهم في حركاتهم من أفعالهم و أقوالهم شؤونا لا يعلمها غيرهم، ألا ترى ما في الكتاب العزيز من أعمال الخضر صاحب موسى على نبيّنا و آله و (عليهما السّلام)، فمن الممكن أن يكون البيض حلالا للمعصوم من جهة لا نعلمها و قيئه من جهة رفع توهّم الناس فإنّه كثيرا ما يجتنب الإنسان عن الحلال لهذه الجهة.

[الرابعة المغالبة بغير عوض في غير ما نصّ على جواز المسابقة فيه]

الرابعة المغالبة بغير عوض في غير ما نصّ على جواز المسابقة فيه

و الأكثر على ما حكي على التحريم بل ادّعي الإجماع عليه و الظاهر أنّ مدركهم عموم النهي إلّا في الثلاثة، الخفّ و الحافر و النصل، و لفظ السّبق في الرواية يحتمل أن يكون- محركا بفتح الباء- و أن يكون بالسكون فعلى الأوّل يرجع إلى عدم تملّك العوض و الحرمة الوضعيّة، و على الثاني يرجع إلى الحرمة التكليفيّة بالنسبة إلى نفس الفعل، و مع الاحتمال لا مجال للحكم بالحرمة، بل مع احتمال السكون يمكن دعوى الانصراف إلى صورة المسابقة مع العوض، و لا مجال للاستدلال بحرمة اللّهو و الباطل و قد يتعلّق بهذه الأفعال غرض صحيح مورد لتوجّه العقلاء به كحفظ الصحّة و تقوية البدن في المصارعة.

و أما الغشّ

فلا خلاف و لا شبهة في حرمته و ادّعي تواتر الأخبار على حرمته فعن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأسانيد متعدّدة «ليس من المسلمين من غشّهم» (1).

و في رواية العيون بأسانيد «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ليس منّا من غشّ مسلما أو ضرّه أو ما كره».

و في عقاب الأعمال عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «من غشّ مسلما في بيع أو شراء فليس منّا و يحشر مع اليهود يوم القيامة لأنّه من غشّ الناس فليس بمسلم- إلى أن قال-: و من غشّنا فليس منّا- قالها ثلاثا- و من غشّ أخاه المسلم نزع اللّه بركة رزقه و أفسد عليه‌

____________

(1) راجع الكافي ج 5 ص 160.

31

معيشته و وكله إلى نفسه» (1) إلى غير ما ذكر من الأخبار و لو لا تسلّم الحكم لأمكن أن يقال نمنع دلالة هذه الأخبار على حرمة الغشّ بقول مطلق لاختصاصها بالمسلمين و لفظ الناس في بعضها أمكن أن يرجع إلى المسلمين و كون اللّام للعهد، نعم بعض الأخبار مطلق، ثمّ إنّ الظاهر أنّ الغشّ بما يخفى، و أمّا مع الظهور فلا يتحقّق الغشّ. و يدلّ عليه صحيحة ابن مسلم عن أحدهما «أنّه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض و بعضه أجود من بعض، قال: إذا رئيا جميعا فلا بأس ما لم يغطّ الجيّد الرّديّ» (2) ففي صورة عدم معلوميّة العيب أو الرّداءة إلّا من قبل المائع لا إشكال في تحقّق الغشّ و لزوم الإعلام لدفع الغشّ، و أمّا مع إمكان تفطّن المشتري و عدم إعلام البائع هل يتحقّق الغشّ أم لا، قد يستظهر الأوّل من هذه الصحيحة، و رواية الحلبيّ قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرّجل يكون عنده «لونان من الطعام سعرهما شتّى، و أحدهما أجود من الآخر فيخلطهما جميعا ثمّ يبيعهما بسعر واحد فقال: لا يصلح له أن يفعل ذلك يغشّ به المسلمين حتّى يبيّنه» (3) و رواية داود بن سرحان قال: «كان معي جرابان من مسك أحدهما رطب و الآخر يابس فبدأت بالرّطب فبعته، ثمّ أخذت اليابس أبيعه، فإذا أنا لا اعطي باليابس الثمن الّذي يسوى و لا يزيدوني على ثمن الرّطب فسألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ذلك أ يصلح لي أن أندية؟ قال: لا إلّا أن تعلمهم، قال: فنديته، ثمّ أعلمتهم، قال: لا بأس به إذا أعلمتهم» (4).

أما الرّوايتان الأخيرتان فلا إشكال في ظهورهما في ذلك، و أمّا الصحيحة فظاهرها خلاف ذلك لأنّ ظاهرها كفاية رديّتهما و عدم تغطيه الجيّد الرّديّ و لو كانا بحيث خفيا على خصوص المشتري لمسامحته في الملاحظة فالأظهر المراجعة إلى العرف و حمل‌

____________

(1) المصدر: باب مجمع عقوبات الأعمال.

(2) الكافي ج 5 ص 183.

(3) التهذيب ج 2 ص 127 و الكافي ج 5 ص 183.

(4) التهذيب ج 2 ص 155.

32

ما دلّ على وجوب الإعلام على الاستحباب، أو حمل الإخفاء و عدم الإعلام على الكراهة فإنّ التمييز بين اليابس و الندي ليس يخفى، نعم الاخوّة الدّينيّة تقتضي تنبيه المسلم على ما يكون على خلاف مصلحته و هذا أمر آخر. و يؤيّد ما ذكر قوله (عليه السّلام):

على ما في الخبر «لا يصلح له أن يغشّ المسلمين» فإنّ الغشّ المحرّم لا اختصاص له بالمسلمين، و أمّا احتمال التفرقة بين ما كان بفعله و ما لم يكن بفعله كما ربما يقال فلا يخلو عن الإشكال لعدم الفرق بنظر العرف و كون سؤال الرّاوي عمّا كان بفعله لا يوجب الفرق نعم لو كان ما في الصحيحة من قوله على ما في الخبر «ما لم يغطّ الجيّد» مبنيّا على الفاعل أمكن الفرق لكنّه غير معلوم.

و يؤيّد ما ذكرنا ما في رواية هشام بن الحكم قال: «كنت أبيع السابري في الظلال فمرّ بي أبو الحسن الأوّل موسى (عليه السّلام) فقال لي: يا هشام إنّ البيع في الظلال غشّ و الغشّ لا يحلّ» (1) فإنّ لازم ظاهره حرمة البيع في الظلال و لا يلتزم به فلا بدّ من صرف قوله على ما في الخبر إلى معنى آخر غير الحرمة.

و أما حرمة تدليس الماشطة

فالظاهر عدم الخلاف فيها و ادّعي عليها الإجماع قال: في السرائر على المحكيّ في عداد المحرّمات و عمل المواشط بالتدليس بأن يشمن الخدود و يحمرنّها و ينقش بالأيدي و الأرجل و يصلن شعر النساء بشعر غيرهنّ و ما جرى مجرى ذلك، و لا يخفى أنّ بعض هذه الأفعال ليس تدليسا لأنّ التدليس لا يصدق مع عدم خفاء الأمر، فإنّ نقش الأيدي و الأرجل لا يخفى على أحد أنّه ليس طبيعيّا بخلاف مثل حمرة الوجه و كيف كان فالأخبار المذكورة في المقام استفادة الحرمة منها لا تخلو عن الإشكال.

فمنها ما في مرسلة ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «دخلت ماشطة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت: يا رسول اللّه أنا أعمله إلّا أن تنهاني عنه فأنتهي عنه فقال: افعلي فإذا مشطت فلا تجلي‌

____________

(1) الوسائل أبواب آداب التجارة ب 58 ح 1.

33

الوجه بالخرق فإنّها تذهب بماء الوجه و لا تصلي الشعر بالشعر» (1).

و في مرسلة الفقيه «لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط و قبلت ما تعطى، و لا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و أمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة» (2).

و عن معاني الأخبار بسنده عن عليّ بن غراب، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السّلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) النامصة و المنتمصة، و الواشرة و المستوشرة، و الواصلة و المستوصلة، و الواشمة و المستوشمة». قال الصدوق: قال عليّ بن غراب النامصة الّتي تنتف الشعر، و المنتمصة الّتي يفعل ذلك بها، و الواشرة الّتي تشر أسنان المرأة و تفلجها و تحددها، و المستوشرة الّتي يفعل ذلك بها، و الواصلة الّتي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و المستوصلة الّتي يفعل ذلك بها، و الواشمة الّتي تشمّ وشما في يد المرأة أو في شي‌ء من بدنها و هو أن تغرز بدنها (3) أو ظهر كفّها أو شيئا من بدنها بإبرة حتّى تؤثّر فيه، ثمّ تحشوه بالكحل أو بالنورة فيخضرّ، و المستوشمة الّتي يفعل ذلك بها» (4) فإنّ مرسلة ابن أبي عمير حيث اشتملت على النهي عن تجلية الوجه بالخرقة و لا يلتزم بحرمتها يشكل استفادة حرمة غيرها لوحدة السياق.

و أمّا مرسلة الفقيه فالظاهر حملها على الكراهة في صورة المشارطة فإنّ العمل المباح لا إشكال في حلّيّة أجرته. و المشارطة فيه و أخذ أجرة المثل مع عدم التعيين و وحدة السياق يمنع عن ظهورها بالنسبة إلى وصل الشعر في الحرمة.

و أمّا رواية عليّ بن غراب فعلى تفسيرها بما ذكر محمولة على الكراهة بملاحظة بعض الأخبار ففي رواية سعد الإسكاف قال: «سئل أبو جعفر (عليهما السّلام) عن القرامل الّتي يضعها النساء في رؤوسهنّ يصلن شعورهنّ؟ قال: لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها قال: فقلت له: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعن الواصلة و الموصولة فقال: ليس هناك إنّما‌

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 108 و فيه «الوجه بالخزف خ ل» و في الكافي ج 5 ص 119.

(2) المصدر ط النجف ج 3 ص 98 تحت رقم 378.

(3) في المصدر «يديها» و في نسخة «يدها».

(4) معاني الأخبار ص 250، و في الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 19 ح 7.

34

لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الواصلة الّتي تزني في شبابها فإذا كبرت قادت النساء إلى الرّجال فتلك الواصلة و الموصولة» (1).

و أمّا ما عدا الوصل فمع الحمل على الكراهة في وصل الشعر يحمل على الكراهة من جهة وحدة السياق، و الحاصل أنّ ما في رواية عليّ بن غراب مع تفسير الإمام على ما في هذا الخبر محمول على الحرمة، لكن لا تعرّض فيها لحرمة وصل الشعر، و أمّا بالنسبة إلى غير وصل الشعر فمع حملها على تفسير ابن غراب و الحرمة ليس من باب تدليس الماشطة بل هي محرّمات أخر و كلامنا في التدليس، و إن حمل على ما فسّره ابن غراب و أمكن الجمع بينه و بين تفسير الإمام (عليه السّلام) فعلى تفسير ابن غراب محمول على الكراهة جمعا بينه و بين رواية سعد الإسكاف فإن تمّ الإجماع و إلّا فالإشكال باق بالنسبة إلى مثل وصل الشعر، نعم في مثل تحمير الوجه يصدق التدليس فمع الحرمة يكون عمل الماشطة حراما، و ما هو حرام لا اجرة له، و ما هو حلال لا بأس بكسبها من جهة.

و أما حرمة تزيين الرّجل بما يحرم عليه

فامّا بالنسبة إلى ما يحرم بالخصوص عليه كلبس الحرير و الذّهب فلا كلام فيه و لا محلّ لعنوان التزيين فإنّ لبس الحرير الخالص حرام على الرّجال سواء كان للتزيين أو لرفع الحاجة إلّا مع الاضطرار. و أمّا ما هو مذكور في كلمات الفقهاء- (رضوان اللّه تعالى عليهم)- من حرمة ما يختصّ بالنساء من اللّباس كالسوار و الخلخال و الثياب المختصّة بهنّ في العادات على الرّجال و حرمة ما يختصّ بالرّجال على النساء فاعترف غير واحد بعدم العثور على دليل لهذا الحكم عدا النبويّ المشهور المحكيّ عن الكافي و العلل «لعن اللّه المتشبّهين من الرّجال بالنساء و المتشبّهات من النساء بالرّجال» (2) و استشكل بقصور الدّلالة لأنّ الظاهر من التشبّه تأنث الذّكر و تذكّر الأنثى لا مجرّد لبس أحدهما لباس الآخر مع عدم قصد التشبّه، و أيّد هذا بالمحكيّ عن العلل «أنّ عليّا (عليه السّلام) رأى رجلا به تأنيث في مسجد‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 119، و التهذيب ج 2 ص 108.

(2) راجع الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 1 و 2.

35

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له: اخرج من مسجد رسول اللّه فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول:

لعن اللّه- إلخ».

و في رواية يعقوب بن جعفر الواردة في المساحقة أنّ فيهنّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«لعن اللّه المتشبّهات بالرّجال من النساء» (1) و يمكن أن يقال الأخذ بالعموم و تطبيق العامّ على بعض الأفراد لا يوجب التخصيص و قصور العامّ في دلالته، نعم في رواية سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرّجل يجرّ ثيابه قال: «إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء» (2).

و عنه عن آبائه (عليهم السّلام) «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يزجر الرّجل أن يتشبّه بالنساء و ينهى المرأة أن تتشبّه بالرّجال في لباسها» (3) فإن كان جرّ الثياب غير محرّم مع أنّه تشبّه فمطلق التشبّه ليس بحرام، و يمكن أن يقال إنّ التشبّه مطلقا حرام بقرينة التطبيق السابق خرج هذا الفرد، و ربما يؤيّد اختصاص النبويّ المحكيّ عن الكافي و العلل بما ذكر بما في رواية أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المتشبّهين من الرّجال بالنساء» و المتشبّهات من النساء بالرّجال، و هم المخنّثون و اللّاتي ينكحن بعضهنّ بعضا» (4) و يمكن أن يقال اختصاص هذه الرّواية المذكور فيها لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما ذكر لا يوجب اختصاص ذلك الخبر بما ذكر.

و أما حرمة زخرفة المساجد

بمعنى تزيينها بالذّهب فهي المشهورة في كلمات الفقهاء- (رضوان اللّه تعالى عليهم)- و لم نقف على وجه لها يعتمد عليه، و مخالفة المشهور مشكلة، و الفتوى بلا حجّة أشكل. و قد سبق الكلام فيها في كتاب الصلاة في أحكام المساجد، و قد علّل حرمة الزّخرفة أي تزيين المساجد و نقشها بالذّهب بالبدعة، و بالرّواية عن الصلاة في المساجد المصوّرة فقال: «أكره ذلك، و لكن لا يضرّكم اليوم» (5).

____________

(1) الكافي ج 5 ص 552، في حديث.

(2) الكافي ج 6 ص 457 تحت رقم 12.

(3) الوسائل أبواب أحكام الملابس من كتاب الصلاة ب 13 ح 2 عن مكارم الأخلاق.

(4) الكافي ج 5 ص 550.

(5) الكافي ج 3 ص 369 تحت رقم 6.

36

و أما زخرفة المصاحف

فقد علّل حرمتها بالموثّق «عن رجل يعشر المصاحف بالذّهب فقال: لا يصلح» (1) و الخبر «عرضت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) كتابا فيه قرآن [مختّم] معشّر بالذّهب و كتب في آخره سورة بالذّهب فأريته إيّاه فلم يعب منه شي‌ء إلّا كتابة القرآن بالذّهب فإنّه قال: لا يعجبني أن يكتب القرآن إلّا بالسواد كما كتب أوّل مرّة» (2).

و عن بعض النصوص نفي البأس على الإطلاق كالخبر «ليس بتحلية المصاحف و السيوف بالذّهب و الفضّة بأس» (3) و يشكل استفادة الحرمة و مع هذا يشكل مخالفة المشهور.

و أما حرمة معونة الظالم في ظلمة

فتدلّ عليها الأدلّة الأربعة فعن كتاب الشيخ ورّام بن أبي فراس «قال: قال (عليه السّلام): من مشى إلى ظالم ليعينه و هو يعلم أنّه ظالم فقد خرج عن الإسلام» (4).

قال: «و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الظلمة، أين أعوان الظلمة، و أشباه الظلمة، حتّى من بري لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجتمعون في تابوت من حديد ثمّ يرمى بهم في نار جهنّم» (5) و في النبويّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «من علّق سوطا بين يدي سلطان جائر جعلها اللّه حيّة طولها سبعون ألف ذراع فيسلّطها اللّه عليه في نار جهنّم خالدا فيها مخلّدا فيها» (6).

و أما في غير جهة الظلم

فلا إشكال في أنّه لا حرمة في إعانتهم في حفظ النفس من جهة الإسلام و الإيمان، حيث أنّه لا إشكال في وجوب حفظ النفس المحترمة، و إن كان المستفاد من جملة من الأخبار حرمة إعانتهم حتّى في غير جهة الظلم، قال ابن أبي يعفور‌

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 110، من حديث سماعة مضمرا.

(2) التهذيب ج 2 ص 110، و الكافي ج 2 ص 629.

(3) الوسائل أحكام الملابس ب 64.

(4) تنبيه الخواطر ج 1 ص 54.

(5) تنبيه الخواطر ج 1 ص 54.

(6) رواه الصدوق في الفقيه في حديث المناهي مع اختلاف.

37

على المحكيّ: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فدخل عليه رجل من أصحابنا فقال له:

أصلحك اللّه إنّه ربما أصاب الرّجل منّا الضيق و الشدّة فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، و أنّ لي ما بين لابتيها، لا و لا مدة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم اللّه عزّ و جلّ من العباد» (1).

و لا يبعد التفصيل بين عمل يعدّ عونا للظالم و لو في غير الظلم بحيث يعدّ الإنسان من أعوان الظلمة و بين ما لا يعدّ عونا كعمل الخبّاز و الخيّاط و البنّاء للأخبار و صدق الرّكون إلى الظالم في الأوّل و لزوم حفظ النفس في الثاني بل يكفي عدم صدق العون.

و أما حرمة أجرة الزّانية

فلعلّها من الضروريّات حيث لا مهر لبغيّ، و الفعل الحرام لا اجرة له كما بيّن في محلّه، و ما في رواية تحف العقول من قوله «و كلّ أمر منهيّ عنه من جهة من الجهات فمحرّم على الإنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شي‌ء منه أوله- إلخ».

[السادس الأجرة على الواجبات]

السادس الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات و تكفينهم و حملهم و دفنهم و الرّشا في الحكم و الأجرة على الصلاة بالناس و القضاء و لا بأس بالرّزق من بيت المال و كذا على الأذان.

أما حرمة الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات فهي من جزئيّات مسألة حرمة أخذ الأجرة على الواجبات و ادّعي الإجماع في بعض الكلمات في الجملة. و ليعلم أنّ محلّ الكلام ما لم يكن مانع من الصحّة غير هذه الجهة فلو لم يعد إلى المستأجر نفع من العمل يكون خارجا عن محلّ الكلام و قد مثّل باستئجار المكلّف لمثل أداء الفريضة اليوميّة، و يمكن أن يقال المدار وجود غرض يكون محلّ توجّه العقلاء و من الأغراض إطاعة المكلّفين الأوامر الإلهيّة، و قد يذكر وجه عقليّ لعدم الجواز في خصوص الواجب العبادي العينيّ و هو عدم القدرة على الوفاء حيث إنّه من جهة العباديّة لا بدّ أن يكون العمل خالصا، و مع هذا لا مجال لكونه وفاء للإجارة. لأنّ الوفاء‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 107، و التهذيب ج 2 ص 100.

38

يتحقّق باستحقاق المستأجر و معه لا يتحقّق العمل متقرّبا به إلى اللّه بالنسبة إلى العامل، و المفروض لزومه بالنسبة إليه، و هذا بخلاف العبادات الاستيجاريّة فإنّ الأجرة ما وقعت في قبال العمل بل وقعت في مقابل النيابة و يكون العمل متقرّبا به بالنسبة إلى المنوب عنه، و لا مجال للقول بإمكان أن يأتي العامل بالعمل متقرّبا به من دون نظر إلى الإجارة فيكون خالصا، و يكون العامل مستحقّا للأجرة لأنّ الوفاء بعقد الإجارة بأن يؤتى بالعمل لأجل استحقاق المستأجر، و لا يقاس المقام بالعبادات الّتي يؤتى بها قربة إلى اللّه تعالى و يقصد حصول المقاصد الدّنيويّة كسعة الرّزق و أداء الدّين و غيرهما لأنّ طلب الحاجة من اللّه تعالى محبوب و مؤكّد بخلاف الطلب من غير اللّه كما نحن فيه، و يمكن أن يقال أوّلا لا بدّ من وصول نفع من قبل العمل إلى المستأجر و مع وجوب العمل عينا أيّ نفع يصل إلى المستأجر حتّى نتكلّم في صحّته و فساده. نعم على ما ذكر آنفا من إمكان ذلك كما لو أمر الأب ابنه بالتهجّد اشتياقا إلى كون ابنه متهجّدا لا إشكال، و بعد الفراغ من هذه الجهة نقول: ينتقض ما ذكر بالعبادات الاستيجاريّة، و ما ذكر من الفرق محلّ إشكال لأنّه على فرض تسليم أنّ الأجرة في مقابل النيابة لا في مقابل العمل نقول النيابة مجرّدة عن العمل مقابلة للأجرة أو في صورة تعقّب العمل فعلى الأوّل يلزم استحقاق الأجرة و لو لم يأت بالعمل، و على الثاني لا بدّ من الإتيان بالعمل وفاء لما يستحقّ المستأجر فالفرق المذكور ما أفاد شيئا مضافا إلى عدم الفرق بين الاستيجار للعمل العبادي و الغير العبادي إلّا باعتبار قصد التقرّب في الأوّل دون الثاني، و في كلتا الصورتين تقع الأجرة في مقابل العمل.

و أمّا ما ذكر من الفرق بين طلب الحاجة من اللّه تعالى و بين طلبه من غيره فهو لا يرفع الإشكال من جهة أنّ الإخلاص في العبادات بأن يؤتى بها متقرّبا بها بداعي خصوص أو أمرها ألا ترى أنّه لو اغتسل في الماء لا من جهة الأمر بالغسل بل من جهة التبريد اللّازم عليه من جهة حفظ بدنه بحيث لو لم يحصل يصير مريضا هل يكفي في صحّة الغسل فكون طلب الحاجة محبوبا عند اللّه تعالى لا يؤكّد و لا يوجب الفرق، مضافا إلى أنّه لو تمّ لتمّ فيما لو كان متوجّها إلى أنّه محبوب هذا الطلب من اللّه و‌

39

كان يطلب من جهة المحبوبيّة لا من جهة إصلاح أمر دنياه كما هو الغالب و إن كان التصحيح من جهة أنّ طلب الحاجة وقع في طول إخلاص العمل حيث إنّ العبد يأتي بالعمل متقرّبا إلى اللّه ليصل إلى حاجته من جانب اللّه فلا مانع من التصحيح بهذه الجهة في العبادات الاستيجاريّة و ما نحن فيه بعد فرض وصول نفع إلى المستأجر من هذا القبيل، و قد يجاب في العبادات الاستيجاريّة بل يوجّه كلام الشيخ الأنصاريّ- (قدس سره)- بما حاصله اختلاف متعلّق الأمر الإجاري بل تبرّع المتبرّع يكفي في رفع الإشكال فمتعلّق الإجارة النيابة، و العمل القربي نفس الفعل الّذي توجّه الأمر به إلى المنوب عنه فالأجرة أو التبرّع متوجّه إلى النيابة في الفعل و ما يؤتى به متقرّبا إلى اللّه نفس العمل، و الحاصل أنّ حاصل المصدر مربوط بالمنوب عنه و لم يكن أجره بإزائه و لمّا لم يعتبر المباشرة لا مانع من صدور هذا الحاصل من المتبرّع أو الأجير في قبال الأجرة.

و لقائل أن يقول: هذا العمل المسمّى باسم المصدر و هو الحاصل من المصدر أمر اختياريّ بلا ريب، فيسأل ما وجه تحقّق هذا الأمر الاختياريّ؟ فإن كان الأجرة عاد المحذور و غير الأجرة ليس أمر في البين، فإن قلت: المحرّك نحو اسم المصدر الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه. يسأل لم لم يكن الأجير قبل الإجازة متحرّكا نحو اسم المصدر فهل تحرّكه من غير جهة الأجرة و قد يستنكر ما ذكر في الجواب من طوليّة الدّاعيين بأنّ هذا لتحكيم الشبهة أولى من كونه رافعا لها فإنّ من ائتمر بأمر زيد من جهة أمر عمرو مثلا فهو غير معتن بأمر زيد ففي الحقيقة ممتثل بالنسبة إلى عمرو و يمكن أن يقال؟ لازم ما ذكر أنّ من صلّى مثلا صلاة اللّيل للتّوسعة في رزقه مثلا و صحّح بأنّ طلب الرّزق و التوسعة فيه محبوب فلا ينافي القربة أن يكون هذا الشخص العياذ باللّه غير معتن بالأمر المتعلّق بالصلاة بل معتن بمحبوبيّة طلب الرّزق من اللّه تعالى على فرض كون الدّاعي محبوبيّة الطلب و إلّا فالغالب كون الدّاعي نفس توسعة الرّزق لا محبوبيّة طلبها من اللّه تعالى، ثمّ إنّه على فرض تماميّة الوجه العقليّ المذكور يختصّ بالواجب العيني التعبّديّ دون غيره، كما أنّه يوجب عدم جواز أخذ الأجرة على المندوب التعبّديّ العيني فليس مطّردا و لا منعكسا شكّ و قد حكي الاستدلال‌

40

على المطلب عن بعض الأساطين- (قدس سره)- بوجوه أقويها أنّ التنافي بين صفة الوجوب و التملّك ذاتيّ لأنّ المملوك و المستحقّ لا يملك و لا يستحقّ ثانيا فإذا فرض العمل واجبا للّه تعالى ليس للمكلّف فيصير نظير العمل المملوك للغير فلا يصحّ تملّك غيره، و نوقش فيه بالفرق بين الوجوب الّذي هو طلب الشارع الفعل و بين استحقاق المستأجر له و ليس استحقاق الشارع من قبيل استحقاق الآدميّ. و يمكن أن يقال: استحقاق الآدميّ أيضا إذا كان بنحو الطوليّة يصحّ لشخصين كما إذا شرط في ضمن عقد الخياطة لزيد مع الأجرة، فالخياطة بنفسها مستحقّة لزيد مع الأجرة و الخياطة مع الأجرة مستحقّة للشارط حيث تعلّق الغرض بها مع الأجرة و لا يبعد صحّة الإجارة مع طلب الشارع و لو لم يكن بنحو الطوليّة كما استعار ثوبا متنجّسا للصلاة و استاجره المعير للتطهير فالشارع يطلب من المستعير التطهير للصلاة و المعير يملك عليه التطهير من جهة الإجارة، و بعبارة أخرى المكلّف به التطهير الجامع بين ما كان بلا عوض و ما كان مع العوض فالعمدة فيما ذكر في المتن الإجماع إن تمّ.

و أما الرّشا في الحكم

فلا ريب في حرمتها و في جامع المقاصد و المسالك أنّ على تحريمها إجماع المسلمين و يدلّ عليه الكتاب و السنّة و في المستفيضة «أنّها كفر باللّه العظيم، أو شرك» فعن معاني الأخبار و الخصال في الصحيح، عن عمّار بن مروان قال:

قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت و السحت أنواع كثيرة:

منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، و منها أجور القضاء و أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البيّنة، و أمّا الرّشا في الأحكام يا عمّار فهو الكفر باللّه العظيم» (1) و في رواية الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: «أيّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه عنه يوم القيامة و عن حوائجه و إن أخذ هديّة كان غلولا و إن أخذ رشوة فهو شرك» (2) و في رواية يوسف بن جابر «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له، و رجلا خان أخاه في امرأته، و رجلا‌

____________

(1) معاني الأخبار ص 211 و في الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 12.

(2) عقاب الأعمال للصدوق ص 233 باب عقاب الوالي يحتجب عن حوائج الناس.

41

احتاج الناس إليه لفقه فسألهم الرّشوة (1)» و قد يستظهر من هذه الرّواية حرمة أخذ الرّشوة للحكم بالحقّ أو للنظر في أمر المترافعين ليحكم بعد ذلك بينهما بالحقّ و فيه نظر من جهة أنّ استعمال اللّفظ في معنى معلوم لا يوجب كونه حقيقة فيه حتّى يستكشف المعنى عند عدم القرينة على المشهور خلافا للسيّد المرتضى- (قدس سره)- فنقول المتيقّن من معنى الرّشوة ما كان في قبال الحكم بالباطل، و عن مجمع البحرين قلّ ما يستعمل الرّشوة إلّا فيما يتوسّل به إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل و ظاهر تفسير القاموس بالجعل التعميم و إليه نظر المحقّق الثاني.

و قد يستدلّ على عدم التعميم برواية عمّار المذكورة حيث جعل فيها الرّشا في قبال أجور القضاة خصوصا بكلمة «أمّا» و الإشكال المذكور متوجّه. هذا و لكن لم يظهر ثمرة مهمّة لتعيين مفهوم الرّشوة بعد البناء على حرمة أجور القضاة كما يظهر من رواية عمّار خلافا لظاهر المقنعة و المحكيّ عن القاضي من الجواز و استدلّ بظاهر رواية حمزة بن حمران قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: من استأكل بعلمه افتقر قلت: إنّ في شيعتك قوما يتحمّلون علومكم يبثّونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البرّ و الصلة و الإكرام. فقال (عليه السّلام): ليس أولئك بمستأكلين إنّما ذلك الّذي يفتي بغير علم و لا هدى من اللّه ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدّنيا- الخبر (2)» و اللّام فيه إمّا للغاية أو للعاقبة و على الأوّل يدلّ على حرمة أخذ المال في مقابل الحكم بالباطل و على الثاني يدلّ على حرمة الانتصاب للفتوى من غير علم طمعا في الدّنيا و على كلّ تقدير يظهر منه حصر الاستئكال المذموم فيما كان لأجل الحكم بالباطل أو مع عدم معرفة الحقّ فيجوز الاستئكال مع الحكم بالحقّ.

و يمكن أن يقال: فرق بين القضاء بين النّاس و الفتوى و لذا مع الاختلاف يؤخذ بالقضاء كما لو كان نظر أحد المتخاصمين في الفتوى إلى خروج منجّزات المريض من الأصل و الآخر من الثلث فترافعا عند الحاكم فقضى موافقا لأحدهما لا بدّ من التسليم و يكون‌

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 70.

(2) معاني الأخبار ص 181.

42

المحكوم عليه أخذا به على خلاف نظره ففي مقام القضاء لا يحلّ أخذ شي‌ء مع كون نظر المعطي إلى القضاء سواء كان القضاء بحقّ أو بباطل و في مقام الفتوى فصّل بحسب هذه الرّواية بين الصورتين بل الظاهر أنّ نظر السائل إلى الناقلين لمقالة المعصوم كما هو شأن الرّواية كسائر نقلة فتاوي المجتهدين في هذه الأعصار.

و أما الأجرة على الصلاة جماعة

فالظاهر عدم الخلاف في حرمتها من غير فرق بين الواجب كما في الجمعة و المندوب، و يدلّ عليها النصّ ففي رواية حمران الواردة في فساد الدّنيا و اضمحلال الدّين قوله (عليه السّلام) على المحكيّ: «و رأيت الأذان بالأجرة و الصلاة بالأجر» (1) و هذه الرّواية حسنة على الظاهر بابن هاشم، و قد يضاف إلى موافقة الحرمة للقاعدة من أنّ ما كان انتفاع الغير موقوفا على الإخلاص لا يجوز الأجر عليه و سبق الكلام فيه.

و أما الأجرة على القضاء

فالظاهر حرمتها مع تعيّن القضاء بناء على حرمة أخذ الأجرة على الواجبات العينيّة و قد سبق الكلام فيها، و الظاهر عدم الحاجة إلى ما ذكر بل الدّليل عليها ما في صحيح عمّار حيث عدّ فيها من أنواع السحت أجور القضاء و لم يظهر معارضة رواية حمزة بن حمران معه.

و أما جواز الارتزاق من بيت المال فلا إشكال فيه مع حاجة القاضي بل مطلقا إذا رأى الإمام المصلحة فيه للأخبار الواردة في مصارف الأراضي الخراجيّة و يدلّ عليه ما كتبه أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و على أولاده إلى مالك الأشتر من قوله (عليه السّلام) على ما حكي «و افسح له- أي للقاضي- بالبذل ما يزيح علّته تقلّ معه حاجته إلى الناس» و الظاهر عدم الفرق بين أن يأخذ من السلطان العادل أو من الجائر لما دلّ على حلّيّة بيت المال لأهله و لو خرج من يد الجائر، نعم يظهر من صحيحة ابن سنان المنع قال:

«سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن قاض بين فريقين يأخذ على القضاء الرّزق من السلطان قال:

(عليه السّلام) ذلك السحت» (2).

____________

(1) الكافي ج 8 ص 41 في حديث طويل.

(2) الكافي ج 7 ص 409.

43

و أجيب بأنّ ظاهر الرّواية كون القاضي منصوبا من قبل السلطان الجائر إذ ما يأخذ من السلطان العادل لا يكون سحتا قطعا و المنصوب من قبل ذاك غير قابل للقضاء فما يأخذه سحت من جهة عدم الأهليّة لا من جهة القضاء مع الأهليّة، و لو فرض كونه قابلا للقضاء لم يكن رزقه من بيت المال أو من جائزة السلطان محرّما قطعا، فيجب إخراجه عن العموم. و يمكن أن يقال من أين حصل القطع بعدم الحرمة إن لم يكن في البين إلّا ما ذكر من وجه الجواز إذ حلّيّة جوائز السلطان لا توجب حلّيّة ما يأخذ من جهة القضاء، و ما ذكر من كتاب أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) لا يدلّ على حلّيّة ما يأخذ على القضاء إذ فرقّ بين أن يقول السيّد لعبده أعط المصلّين كذا، و بين أن يقول أعطهم على صلاتهم كذا، مضافا إلى أنّه أخذ من العادل فلا تعميم فالأولى أن يقال: ما دلّ عليه الصحيحة هو حرمة أخذ الرّزق كأجرة الأجير و هذا غير إعطاء الرّزق لا بعنوان المقابلة للعمل و إن كان بلحاظه.

و أما الأذان

فظاهر المتن حرمة أخذ الأجرة عليه لظاهر رواية حمران المتقدّمة ففي رواية زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ (عليه السّلام) «أنّه أتاه رجل- إلى أن قال له- لكنّي أبغضك للّه قال: و لم؟ قال: لأنّك تبغي على الأذان أجرا» (1).

و أما الارتزاق فلا مانع منه كما سبق الكلام في ارتزاق القاضي.

و لا بأس بالأجرة على عقد النكاح

[و المكروه]

و المكروه إمّا لإفضائه إلى المحرّم غالبا كالصرف و بيع الأكفان و الطعام و الرّفيق و الصياغة و الذّباحة و بيع ما يكن من السلاح لأهل الكفر كالخفين و الدّرع.

أما جواز أخذ الأجرة على عقد النكاح فلأنّها من الأعمال المحلّلة الّتي لا مانع من الاستيجار عليها.

و أمّا تعليم أنّ الصيغة الشرعيّة كذا فقيل لا يجوز أخذ الأجرة عليه لكونه من باب بيان الحكم الشرعيّ و فيه نظر و لعلّ وجه المنع ما سبق من كلام بعض الأساطين من أنّ ما وجب للّه لا يملكه الإنسان فلا يستحقّ عليه الأجر، و قد سبق الكلام فيه‌

____________

(1) الوسائل كتاب الصلاة ب 38 ج 2.

44

مضافا إلى عدم الدّليل على وجوب تعليم الأحكام بالنسبة إلى كلّ أحد و إلّا لزم كون جلّ المكلّفين تاركين لأمر الواجب نعم لو انجرّ ترك التعليم و التعلّم إلى ترك واجب أو فعل حرام كتعلّم الصلاة اليوميّة لا إشكال في وجوب التعليم و التعلّم و يمكن الاستدلال للجواز مع عدم الوجوب بما ورد من جواز جعل تعليم القرآن مهرا للزّوجة.

و أما كراهة ما يفضي إلى المحرّم غالبا فهي المعروفة، و استدلّ لها بالأخبار منها خبر إسحاق بن عمّار (1) قال: «دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فخبّرته أنّي ولد لي غلام قال: ألا سمّيته محمّدا؟ قال: قلت: قد فعلت، قال: فلا تضرب محمّدا و لا تشتمه جعله اللّه قرّة عين لك في حياتك، و خلف صدق بعدك، قلت: جعلت فداك في أيّ الأعمال أضعه؟

قال: إذا عزلته (2) عن خمسة أشياء فضعه حيث شئت: لا تسلمه صيرفيّا فإنّ الصيرفيّ لا يسلم من الرّبا، و لا تسلمه بيّاع أكفان فإنّ بيّاع الأكفان يسرّه الوباء إذا كان، و لا تسلمه بيّاع طعام فإنّه لا يسلم من الاحتكار، و لا تسلمه جزّارا فإنّ الجزّار سلبت منه الرّحمة، و لا تسلمه نخّاسا فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: شرّ الناس من باع الناس».

ثمّ إنّ ظاهر الأصحاب- (قدّس اللّه أسرارهم)- أنّ ما ورد من تعليلها بما ذكر جار مجرى الحكم فلا ترتفع الكراهة مع فرض عدمه لكن يستفاد من بعض الأخبار عدمها قال ابن سنان: «سمعت رجلا يسأل أبا الحسن الرّضا (عليه السّلام) فقال: إنّي أعالج الرّقيق فأبيعه و الناس يقولون: لا ينبغي، فقال له الرّضا (عليه السّلام): و ما بأسه كلّ شي‌ء ممّا يباع إذا اتّقى اللّه فيه العبد فلا بأس» (3) و في بعض النسخ إبدال الرّقيق بالدّقيق. و في خبر السدير الصيرفيّ قلت لأبي جعفر (عليهما السّلام): «حديث بلغني عن الحسن البصريّ فإن كان حقّا فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، قال: و ما هو قلت: بلغني أنّ الحسن كان يقول لو غلى دماغه من حرّ الشمس ما استظلّ بحائط صيرفيّ و لو تفتّت كبده عطشا لم يستق من دار صيرفيّ و هو عملي و تجارتي و فيه نبت لحمي و دمي و منه حجّتي و عمرتي، قال:

____________

(1) الكافي ج 5 ص 114 تحت رقم 4، و التهذيب ج 2 ص 109 و اللفظ له.

(2) في المصدرين «إذا عدلته» و في الوسائل كما في المتن.

(3) الكافي ج 5 ص 114، و التهذيب ج 2 ص 109.

45

فجلس (عليه السّلام) ثمّ قال: كذب الحسن خذ سواء و أعط سواء فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك و انهض إلى الصلاة أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا صيارفة» (1) و يمكن أن يقال: يشكل حمل الأخبار الواردة في المقام على الكراهة الشرعيّة من جهة وجوب الأعمال المذكورة في الجملة حفظا للنظام و مع هذا كيف ينهى الشارع نهيا مولويّا، إلّا أن يقال: أصل العمل في الجملة واجب حفظا للنظام و جعله شغلا بحيث يكون العامل مداوما له مكروه لما يترتّب عليه و لا يخلو عن بعد، فلا يبعد أن يقال: مع الأمن ممّا يترتّب عليها غالبا لا كراهة أصلا كما يظهر ممّا ذكر، و لا داعي للحمل على الجواز المجامع للكراهة و مع عدم الأمن نهي إرشادا فالصيرفيّ بيعه الرّبويّ يكون حراما، و الغير الرّبويّ يكون حلالا كما يظهر من الخبر المذكور بلا كراهة شرعيّة و وحدة السياق يقتضي كون كراهة غير العملين المذكورين في الرّوايتين من هذا القبيل، فينبغي لبائع الأكفان تهذيب الخلق و هكذا الجزّار و غيره.

و لم يظهر وجه التعبير بغلبة الوقوع في الحرام في جميع الأعمال المذكورة فإنّ بايع الأكفان حبّه لحدوث الوباء بين الناس مذموم لكنّه لا يعدّ من المحرّمات الشرعيّة.

و أما كراهة ما يكن من السلاح

لأهل الكفر فلا تخلو عن الإشكال لأنّ دليل الجواز رواية محمّد بن قيس قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الفئتين تلتقيان أبيعهما السلاح؟ فقال: بعهما ما يكنّهما الدّرع و الخفّين و نحو هذا» (2) و هي محمولة على فريقين محقوني الدّماء إذ لو كان كلاهما أو أحدهما مهدور الدّم لم يكن وجه للمنع من بيع السلاح من صاحبه فليس راجعا إلى البيع من أهل الكفر و دليل المنع رواية الحضرميّ قال: «دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال له حكم السرّاج: ما تقول فيمن يحمل إلى الشام من السروج و أداتها؟ قال: لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنتم في هدنة فإذا كانت المباينة حرّم عليكم أن تحملوا إليهم السروج و السلاح» (3) و عموم رواية تحف العقول فالقول بالكراهة مشكل.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 113.

(2) الكافي ج 5 و ص 113، التهذيب ج 2 ص 107، و الاستبصار ج 3 ص 58.

(3) الكافي ج 5 و ص 113، التهذيب ج 2 ص 107، و الاستبصار ج 3 ص 58.

46

و أما لضعته كالحياكة و الحجامة إذا شرط الأجرة، و ضراب الفحل، و لا بأس بالختانة و خفض الجواري.

أما كراهة الحياكة فيدلّ عليها النصوص المشتملة على ذمّ هذه الصنعة و النهي عنها، فمنها ما عن إسماعيل بن الصيقل الرّازي قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و معي ثوبان فقال لي: يا أبا إسماعيل تجيئني من قبلكم أثواب كثيرة ليس يجيئني مثل هذين الثوبين اللّذين تحملهما أنت فقلت: جعلت فداك تغزلهما أمّ إسماعيل، و أنسجهما أنا، فقال لي: حائك؟ فقلت: نعم فقال: لا تكن حائكا- الحديث» (1) و لا بدّ من الحمل على صورة اتّخاذها شغلا و إلّا فأصلها ربما تجب حفظا للنظام، و في بعض الأخبار أوّل الحائك بمعنى آخر، ففي مرسل أحمد بن محمّد عن الصادق (عليه السّلام) قال:

ذكر الحائك عنده (عليه السّلام) «أنّه ملعون، فقال: إنّما ذلك الّذي يحوك الكذب على اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (2) لكنّه لا مجال لحمل تلك الأخبار على هذا المعنى لأنّ المتكلّم الحكيم إذا كان في مقام البيان لا يريد غير ما يظهر للمخاطب ممّا هو بعيد عن الأذهان.

و أما كراهة الحجامة

مع الاشتراط فيدلّ عليها قول الصادق (عليه السّلام) على المحكيّ لمّا سأله أبو بصير عن كسب الحجّام فقال: «لا بأس به إذا لم يشارط» (3) و قوله أيضا على المحكيّ في خبر سماعة: «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجّام إذا شارط» (4) و موثّق زرارة «سألت أبا جعفر (عليهما السّلام) عن كسب الحجّام فقال: مكروه له أن يشارط» (5) و الدّليل على الجواز خبر حنان بن سدير قال: «دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و معنا فرقد الحجّام، فقال له: جعلت فداك إنّي أعمل عملا و قد سألت عنه غير واحد فزعموا أنّه عمل مكروه و أنا أحبّ أن أسألك فإن كان مكروها انتهيت عنه و عملت غيره من‌

____________

(1) الكافي ج 5 ص 115، و التهذيب ج 2 ص 109.

(2) الكافي ج 2 ص 340 تحت رقم 10.

(3) الكافي ج 5 ص 115، و التهذيب ص 2 ج 107، و الاستبصار ج 3 ص 58.

(4) الكافي ج 5 ص 127 تحت رقم 3.

(5) المصدر ج 5 ص 116 تحت رقم 4.

47

الأعمال، فإنّي منته في ذلك إلى قولك، قال: فما هو؟ قلت: حجّام، قال: كل من كسبك يا ابن أخي و تصدّق منه و حجّ و تزوّج فإنّ نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد احتجم و أعطى الأجر و لو كان حراما ما أعطاه- الحديث» (1).

و لا يبعد أن يقال نفس العمل بلا اجرة لا كراهة فيه كما أنّه لا كراهة مع عدم الشرط، و هذا لا ينافي احترام العمل فمع عدم الشرط يرجع إلى أجرة المثل لكون العمل مشروعا محترما و الحزازة في الاشتراط و على هذا فعدّ نفس العمل مكروها و لو من جهة الاشتراط بحيث تسري الكراهة إلى نفس العمل مشكل، و يحتمل أن يكون ما في موثّق زرارة قوله: «مكروه له أن يشارط» بفتح الهمزة بحيث يرجع الكراهة إلى نفس الاشتراط لا بالكسر حتّى يصير ما بعد «أن» شرطا للكراهة.

و أما كراهة ضراب الفحل

بأن يأجره لذلك مع رعاية شرائط الإجارة فلا خلاف ظاهرا فيها للمرسل في الفقيه «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن عسيب الفحل و هو اجرة الضراب» (2) و يحتمل أن يكون التفسير من الصدوق (قدّه) و الدّليل على الجواز خبر حنان بن سدير عن الصادق (عليه السّلام) قال فيه: «قلت له: جعلني اللّه فداك إنّ لي تيسا أكريه ما تقول في كسبه؟ قال: كل كسبه فإنّه لك حلال، و النّاس يكرهونه، قال حنان: قلت: لأيّ شي‌ء يكرهونه و هو حلال؟ قال: لتعيير الناس بعضهم بعضا» (3) و صحيح معاوية بن عمّار فإنّ فيه «قلت: فأجر التيوس؟ قال: إن كانت العرب لتعاير به و لا بأس» (4) و قد يقال: التعبير بعدم البأس و حلّيّة الكسب به لا ينافي الكراهة للمرسل المذكور.

و يمكن أن يقال: ظاهر الخبرين أنّه لا حزازة إلّا تعيير الناس لا الكراهة الشرعيّة.

و أما الختانة و خفض الجواري

فلا بأس بهما و حيث إنّهما من الأعمال المشروعة لا مانع من التكسّب بهما و أخذ الأجرة لاحترام العمل.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 116 تحت رقم 3.

(2) الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 12 ح 3.

(3) جزء من الخبر الذي تقدم عنه.

(4) الكافي ج 5 ص 116 تحت رقم 5.

48

و اما لتطرق الشبهة إليه

ككسب الصبيان و من لا يجتنب المحارم.

أما تطرّق الشبهة في كسب الصبيّ من اجترائه على ما لا يحلّ من جهة جهله أو التفاته بكونه مرفوع القلم عنه و مع العلم باكتسابه من محلّل لم يظهر وجه للكراهة كما أنّه مع العلم باكتسابه من محرّم لا بدّ من الاجتناب، لكنّ الإشكال في أنّه مع الالتزام بعدم صحّة معاملاته حتّى مع إذن الوليّ إلّا في مثل حيازة المباحات ما معنى التعرّض لهذه المسألة إلّا أن يقال بجواز معاملاته مع إذن الوليّ و الممنوع استقلاله فيها و هو بعيد عن كلماتهم، بل المشهور عدم الصحّة مع الإذن إلّا بأن يكون من قبيل الآلة، بحيث يكون طرف المعاملة الوليّ. و كذا يقع الإشكال بالنسبة إلى يده من حيث أماريتها على الملكيّة، ثمّ إنّه على القول بالكراهة في كسبه و كذا كسب من لا يجتنب الكراهة بالنسبة إليهما أو بالنسبة إلى غيرهما ممّن يعامل معهما فإن كان النظر بالنسبة إليهما كما هو الظاهر حيث عدّا مع مثل الحائك و الحجّام فالكراهة بالنسبة إلى الصبيّ ما معناها مع أنّه ممّن رفع عنه القلم و هي بالنسبة إلى من لا يجتنب ما معناها حيث إنّه مع الجهل يجب عليه الاجتناب و مع العلم أو الطريق أو الأصل مع اعتبارهما لا شبهة حتّى يكره الكسب، و إن كان النظر إلى الاجتناب عن مواضع الشبهة فالكراهة عقليّة لا الشرعيّة كوجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي.

و يمكن أن يكون الكراهة في كسب الصبيّ راجعة إلى غير وليّه مع وساطة الوليّ فإذا ملك الصبيّ بالاحتطاب و الاصطياد و حيازة المباحات شيئا وجب على الوليّ حفظه لأنّه ماله شرعا و لكنّه يكره لغير الوليّ لتطرّق الشبهة من جهة الجهل أو الالتفات برفع القلم.

و من المكروه الأجرة على تعليم القرآن و نسخه، و كسب القابلة مع الشرط، و لا بأس لو تجرّد، و لا بأس بأجرة تعليم الحكم و الآداب، و قد يكره الاكتساب بأشياء أخر يأتي إن شاء اللّه تعالى.

أما كراهة الأجرة على تعليم القرآن يمكن استفادتها من الجمع بين أخبار المسألة. فمنها ما رواه في التهذيب (1) عن عمرو بن خالد، عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن‌

____________

(1) المصدر ج 2 ص 113.

49

آبائه، عن عليّ (عليه السّلام) و رواه في الفقيه (1) مرسلا عن عليّ (عليه السّلام) أنّه «أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين و اللّه إنّي لأحبّك للّه، فقال: و اللّه إنّي لأبغضك للّه، قال: و لم؟ قال: لأنّك تبغي على الأذان كساء و تأخذ على تعليم القرآن أجرا» و زاد في التهذيب و سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظّه يوم القيامة».

و منها ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عمّار، عن العبد الصالح (عليه السّلام) قال: «قلت له:

إنّ لي جارا يكتب و قد سألني عن أسألك عن عمله قال: مره إذا دفع إليه الغلام أن يقول لأهله: إنّي أعلّمه الكتاب و الحساب و اتّجر عليه بتعليم القرآن حتّى يطيب له كسبه» (2) و منها ما رواه المشايخ الثلاثة عن الفضل بن أبي قرّة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): يقولون: إنّ كسب المعلّم سحت؟ فقال: كذبوا أعداء اللّه إنّما أرادوا أن لا يعلّم القرآن و لو أنّ المعلّم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلّم مباحا» و الأظهر الجمع بحمل ما يظهر منه الحرمة على الكراهة.

و أما كراهة الأجرة على نسخه

فقد يستدلّ عليها بما روي أنّه ما كان المصحف يباع و يأخذ الأجر على كتابته في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بل كان يخلى الورقة في المسجد عند المنبر و كلّ من يجي‌ء يكتب سورة و في دلالته تأمّل فعلى أيّ تقدير يستفاد من خبر آخر جوازها ففي رواية روح «ما ترى أن أعطى على كتابته أجرا؟ قال: لا بأس، و لكن هذا كانوا يصنعون» (3) يعني «يخلى عند المنبر».

و أما كراهة كسب القابلة

مع الشرط فلم نعثر على خبر فيها و لعلّ الدّليل الإجماع و حيث إنّ عملها عمل محلّل بل واجب في بعض المواقع و لم يدلّ دليل على تحريم الأجرة جاز أخذ الأجرة عليه.

و أما جواز أخذ الأجرة على تعليم الحكم

و الآداب فلعلّه عمل محلّل و لم يرد النهي عن التكسّب به، بل ربما يستفاد من الأخبار جوازه كرواية حسّان المعلّم قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن التعليم، فقال: لا تأخذ على التعليم أجرا، قلت: الشعر‌

____________

(1) في الوسائل أبواب ما يكتسب به ب 30 ح 1، و الاستبصار ج 3 ص 65.

(2) التهذيب ج 2 ص 110.

(3) التهذيب ج 2 ص 110.

50

و الرّسائل و ما أشبه ذلك أشارط عليه؟ قال: نعم- الحديث» (1) و حمل التعليم على تعليم القرآن.

[مسائل ستّ]

مسائل ستّ:

[الاولى لا يأخذ ما ينثر في الأعراس]

الاولى لا يأخذ ما ينثر في الأعراس إلّا ما يعلم معه الإباحة.

[الثانية لا بأس ببيع عظام الفيل]

الثانية لا بأس ببيع عظام الفيل و اتّخاذ الأمشاط منها.

أما حرمة أخذ ما ينثر في الأعراس مع عدم العلم بالإباحة أو ما يقوم مقام العلم فهي مقتضاة الأصل و لا إشكال و لا خلاف فيها و مع العلم لا يحرم الأخذ و لكن يكره انتهابا، و يدلّ على ما ذكر ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الإملاك يكون و العرس فينثرون على القوم، فقال: حرام و لكن كل ما أعطوك منه» (2) و في الصحيح عن عليّ بن جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن النثار من السكّر و اللّوز و أشباهه أ يحلّ أكله؟ فقال: يكره أكل ما انتهب» (3) و عن وهب عن جعفر، عن أبيه (عليهما السّلام) قال عليّ (عليه السّلام): «لا بأس بنثر الجوز و السكّر» (4) و لعلّ الصحيح المذكور محمول على صورة شهادة الحال بالإباحة، و أمّا الرّواية الأخيرة فلا دلالة لها على الحلّيّة.

و أما صحّة بيع عظام الفيل و اتّخاذ الأمشاط منها فيدلّ عليها خبر عبد الحميد ابن سعد «سألت أبا إبراهيم (عليه السّلام) عن عظام الفيل أ يحلّ بيعه و شراؤه للّذي يجعل منه الأمشاط؟ فقال: لا بأس، قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط» (5) و في آخر «رأيت أبا الحسن (عليه السّلام) يتمشّط بمشط عاج و اشتريته له (6)» و في ثالث «عن العاج؟ قال:

لا بأس به و إنّ لي منه لمشطا (7)» مضافا إلى ما عن الخلاف من الإجماع على جواز التمشّط به و جواز استعماله.

[الثالثة يجوز أن يشتري من السلطان الجائر ما يأخذه باسم المقاسمة]

الثالثة يجوز أن يشتري من السلطان الجائر ما يأخذه باسم المقاسمة و اسم

____________

(1) الكافي ج 5 ص 121.

(2) التهذيب ج 2 ص 111 و الاستبصار ج 3 ص 66.

(3) التهذيب ج 2 ص 111 و الاستبصار ج 3 ص 66.

(4) التهذيب ج 2 ص 111 و الاستبصار ج 3 ص 66.

(5) الكافي ج 5 ص 226، و التهذيب ج 2 ص 112.

(6) الكافي ج 6 ص 489.

(7) الكافي ج 6 ص 489.