بحوث في شرح مناسك الحج - ج7

- الشيخ أمجد رياض المزيد...
645 /
1

بحوث

في شرح مناسك الحج

2

-

3

بحوث

في شرح مناسك الحج



تقرير أبحاث السيد محمد رضا السيستاني

بقلم: امجد رياض ونزار يوسف



الجزء السابع

4

-

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين

محمد وآله الطيبين الطاهرين

6

-

7

(مسألة 82): من مات وعليه حجة الإسلام وتبرع متبرع عنه بالحج لم يجب على الورثة الاستئجار عنه، بل يرجع بدل الاستئجار إلى الورثة.

نعم إذا أوصى الميت بإخراج حجة الإسلام من ثلثه لم يرجع بدله إلى الورثة، بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدق به عنه (1).

________________________

(1) هنا عدة فروع ..

(الفرع الأول): أن من مات وعليه حجة الإسلام وله تركة تفي بأداء الحج عنه ولكن تبرع عنه أحد بالحج قبل أن يؤتى به عنه من تركته يكون الحج المتبرع به صحيحاً وموجباً لبراءة ذمته، أي أنه كما يجزي الحج المتبرع به عمن ليس له تركة تفي بأداء الحج عنه كذلك يجزي عمن له تركة تفي به.

وهذا ما تقدم البحث عنه مفصلاً في شرح المقطع الأخير من (المسألة 72).

ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أمر، وهو أن السيد الحكيم (1) والسيد الأستاذ (2) (رضوان الله عليهما) قد استدلا في المقام بصحيحة معاوية بن عمار (3) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات ولم يكن له مال ولم يحج حجة الإسلام، فأحج عنه بعض أخوانه هل يجزي ذلك عنه؟ أو هل هي ناقصة؟ قال (عليه السلام) : ((بل هي حجة تامة)).

إلا أن الملاحظ أن مورد هذه الصحيحة هو من مات وليس له مال، وصحة التبرع عن مثله لا تقتضي صحة التبرع عمن له مال، كما هو محل الكلام.

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى ج:10 ص:257.

(2) معتمد العروة الوثقى ج:1 ص:317.

(3) تهذيب الأحكام ج:5 ص:404.

8

وكأن الاستدلال بها مبني على القطع بعدم الخصوصية لكون الميت ممن لا مال له، ولكن لا يمكن القطع بذلك، فالاستدلال بهذه الصحيحة في هذا المقام في غير محله.

واستدل السيد الأستاذ (قدس سره) لهذا المدعى في موضع آخر (1) بروايتين أخريين..

الأولى: رواية عامر بن عميرة (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : بلغني عنك أنك قلت: لو أن رجلاً مات ولم يحج حجة الإسلام فحج عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه، فقال: ((نعم أشهد بها عن أبي، حدثني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه رجل فقال يا رسول الله: إن أبي مات ولم يحج، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : حُجّ عنه فإن ذلك يجزي عنه)).

ومبنى الاستدلال بهذه الرواية هو أنها مطلقة من حيث كون الميت ممن له مال أو لا، والمنساق منها كون الحج بمال النائب نفسه لا بمال الميت إن كان له مال، ولا أقل من إطلاقها من هذه الجهة أيضاً.

وعلى ذلك فهي تدل على الاجتزاء بحج النائب وإن كان للميت مال يفي بأداء الحج عنه.

ولكن يمكن التشكيك في انعقاد الإطلاق لها من حيث ما ذكر، فإنه لا يبعد كونها في مقام بيان أصل مشروعية الحج عن الميت، فإنها كانت موضع خلاف بين فقهاء المسلمين، ولذلك لم يكتفِ الإمام (عليه السلام) في الجواب بقوله: ((نعم)) حتى أضاف إليه نقل ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه عن أبيه (عليهما السلام) ، فتأمل.

هذا من حيث دلالة الرواية، وأما سندها فمخدوش من حيث عدم ثبوت وثاقة راويها الأخير وهو (عامر بن عميرة) كما في الكافي، أو (عمار بن عمير) كما في التهذيب، ولا يبعد أن يكون (عمار) محرّف (عامر) لأن هذا هو المذكور

____________

(1) معتمد العروة الوثقى ج:2 ص:100.

(2) الكافي ج:4 ص:277. وقريب منه في تهذيب الأحكام ج:5 ص:404.

9

في كتب الرجال وأسانيد الروايات الأخرى ولا ذكر للأول أصلاً.

كما لا يبعد أن يكون (عميرة) محرف (عمير) فإن الأخير هو المذكور في رجال الشيخ (1) وفي بعض أسانيد كامل الزيارات (2) والأصول الستة عشر (3) ، وإن كان المذكور في رجال البرقي (4) هو الأول.

وكيفما كان فالرجل مجهول الحال. وكان السيد الأستاذ (قدس سره) بنى على وثاقته من حيث كونه من رجال كامل الزيارات، ولكن مرَّ مراراً الخدش في هذا المبنى الذي عدل عنه لاحقاً.

الرواية الثانية: صحيحة الحكم بن حكيم (5) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج، فأحج عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة، هل يجزئ ذلك ويكون قضاءً عنه؟ أو يكون الحج لمن حج ويؤجر من أحج عنه؟ فقال: ((إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً، وأُجر الذي أحجه)).

قال السيد الأستاذ (قدس سره) في وجه الاستدلال بهذه الرواية: أنها واضحة الدلالة على أن الميت له مال لقوله: (ولم يحج ولم يوص بالحج)، إذ يُعلم من ذلك أن الميت له مال ولكن لم يوصِ بالحج، ولو لم يكن له مال لا أثر للوصية وعدمها، فمورد الرواية الميت الذي له مال ولم يحج من ماله وأحج عنه بعض أهله، فحكم (عليه السلام) بالإجزاء ولم يوجب صرف المال من تركته.

فيلاحظ أنه (قدس سره) استشهد بقول السائل: (ولم يوص بالحج) على أن الميت كان له مال يفي بأداء الحج عنه، من جهة أنه لو لم يكن له مال كذلك فأيّ مورد للوصية بالحج ليتصدى السائل لنفي صدورها منه؟!

ولكن هذا الاستشهاد ضعيف، لأن الوصية بالحج كما تصدر ممن له مال كذلك تصدر ممن لا مال له إذا احتمل تصدي بعض أهله أو غيرهم لأداء الحج

____________

(1) رجال الطوسي ص:256.

(2) كامل الزيارات ص:490.

(3) الأصول الستة عشر ص:115.

(4) رجال البرقي ص:36، وفي الهامش: أن في بعض النسخ (عمير).

(5) الكافي ج:4 ص:277.

10

عنه إحساناً إليه، بل مرَّ وجوب الوصية بذلك على من استقر الحج في ذمته.

ولا يبعد أن يكون قول السائل: (ولم يوصِ بالحج) ناظراً إلى الخلاف الذي كان سائداً بين فقهاء المسلمين، حيث ذهب عدد من فقهاء الجمهور ــ منهم أبو حنيفة ومالك ــ إلى أن من لم يوصِ بأداء الحج عنه لا يحج عنه ويسقط فرضه بالموت (1) . فأراد السائل معرفة أنه هل تصح النيابة عن الميت في حجة الإسلام مع أنه لم يوصِ بأدائها أو لا. فلا مجال لجعل القيد المذكور شاهداً على أن مورد الرواية خصوص من كان له مال كما أفاده (قدس سره) .

والحاصل: أن هذه الرواية لا تختص بما إذا كان للميت مال يفي بأداء الحج عنه، نعم هي مطلقة من هذه الجهة كما مرَّ تقريب ذلك في البحث المشار إليه آنفاً، فلا مانع من التمسك بإطلاقها فيما هو محل الكلام.

(الفرع الثاني): أن من مات وعليه حجة الإسلام وله تركة تفي بأدائها عنه، وتبرع عنه متبرع وبرأت ذمته منها، ولم يكن قد أوصى بإخراج الحج عنه، يعدُّ كمن لم يكن عليه حجة الإسلام، من حيث إن ما يقابل الحج يكون للورثة وفق السهام المعينة لهم في الشريعة المقدسة.

هذا إذا لم تكن له وصية، وإلا فإن ما يقابل الحج يكون مشمولاً لما تنفذ فيه وصيته بشرط عدم تجاوزها عن الثلث إلا مع موافقة الورثة عليها في الزائد.

ولو كان عليه دين للناس بالإضافة إلى الحج وكانت تركته قاصرة عن الوفاء بهما معاً وبُني على تقديم الحج على الدين في مثل ذلك ــ كما هو مبنى السيد الأستاذ (قدس سره) ــ ولكن تبرع عنه بالحج شخص قبل أدائه من تركته يلزم صرفها في أداء الدين ولا تكون للورثة.

وكذلك إذا كان عليه مع الحج دين شرعي ــ كالخمس والزكاة ــ ولم تفِ تركته بهما جميعاً وبني على تقديم الحج على الدين الشرعي لا مطلق الدين ــ كما هو المختار ــ وقبل أن يُخرج الحج منها تبرع به آخر لزم صرف التركة في أداء ما عليه من الدين الشرعي ولا تصير إلى الورثة.

____________

(1) لاحظ فتح العزيز ج:7 ص:43.

11

والحاصل: أنه مع تبرع الغير عن الميت بالحج وبراءة ذمته منه يعدّ كمن لم يكن عليه الحج فيتعامل مع تركته على هذا الأساس وفق الترتيب المعروف من تقدم الدين على الوصية وتقدمها ــ بمقدار الثلث ــ على الإرث.

وهذا هو مراد السيد الأستاذ (قدس سره) بقوله: (بل يرجع بدل الاستئجار إلى الورثة)، وليس مقصوده رجوعه إليهم مطلقاً وإن كان عليه دين مثلاً. وعلى ذلك ففي عبارته (قدس سره) نوع قصور، وهي مقتبسة من عبارة السيد صاحب العروة (قدس سره) في (المسألة 87).

وكيفما كان فالوجه في ما ذكر من أنه مع أداء الحج عن الميت يعدُّ كمن لم يكن عليه حجة الإسلام واضح، فإن ما دلَّ على وجوب إخراجها من أصل التركة ــ الذي مرَّ أنه إرشاد إلى بقاء مقدار أجرتها على ملك الميت متعلقة لحق الحج، أو تعلق حق الحج بها بعد الانتقال إلى الورثة على الخلاف بين مسلكي الملك والحق ــ مورده هو ما إذا بقيت ذمة الميت مشغولة بحجة الإسلام. وأما مع براءتها منها فلا موضوع لبقاء مقدار من التركة على ملك الميت متعلقة لحق الحج، كما لا موضوع لتعلق حق الحج بالتركة المنتقلة إلى الورثة، نظير ما هو الحكم في مورد الدين.

وأما ما قد يقال من أن العبرة في استثناء كلفة الحج وقيمة الدين بزمن الوفاة، فإذا كان الميت مديناً أو عليه حجة الإسلام يستثنى له من التركة بمقدار أجرة الحج أو قيمة الدين، وهذا المقدار يبقى على ملكه، ولا تكون للورثة ــ مثلاً ــ وإن تبرع عنه متبرع بالحج أو الدين.

فهو مخدوش من جهة ما مرَّ مراراً من أنه بناءً على القول بالملك فإن ما يستفاد من النصوص ليس سوى بقاء مقدار من التركة على ملك الميت متعلقاً لحق الحج أو الدين لا مطلقاً، وهذا حكم وحداني، ولا موضوع له في الزمان الثاني، فلا محيص من الالتزام بعدم ثبوته، ومقتضى ذلك انتقال تمام التركة إلى الورثة.

هذا على مسلك الملك، وأما على مسلك الحق فالأمر واضح لأنه ليس

12

للميت في التركة المنتقلة إلى الورثة إلا حق أن يؤدى بها ما اشتغلت ذمته به من الدين أو الحج، والمفروض براءة ذمته منه بفعل المتبرع، فلا يعقل بقاء ذلك الحق في التركة، وأما استبداله بغيره ــ بأن يكون له حق صرف ما يوازي كلفة الحج أو قيمة الدين في شأن آخر من شؤونه ــ فهو فاقد للدليل فلا يبنى عليه.

وبالجملة: إذا بُني على صحة التبرع فلا محيص من الالتزام في مفروض الكلام بأن الميت يعتبر كمن لم تشتغل ذمته بحجة الإسلام ويتم التصرف في تركته على هذا الأساس.

(الفرع الثالث): أن من مات وقد أوصى بإخراج حجة الإسلام عنه من تركته إذا تبرع شخص بأدائها عنه فبرأت ذمته منها، فما هو حكم ما كان مقرراً إخراجه من التركة، وهو أجرة الاستئجار عنه؟

ذكر السيد صاحب العروة (قدس سره) (1) أن هنا صورتين ..

الأولى: ما إذا كان الميت قد عيّن مقداراً من المال لأداء حجة الإسلام عنه.

الثانية: ما إذا لم يكن قد عيّن ذلك، وإنما اكتفى بمجرد الوصية بأداء الحج عنه.

وقد أفتى في الصورتين برجوع الأجرة إلى الورثة، ولكنه احتاط استحباباً ــ ولا سيما في الصورة الأولى ــ بصرف أجرة الحج في وجوه البر أو التصدق بها عن الميت لخبر علي بن مزيد السابري الذي تقدم البحث عنه مفصلاً.

ولكن جمعاً من المعلّقين (2) كالمحقق النائيني والسيد الأصفهاني (قُدِّس سرُّهما) قالوا: إن لزوم ذلك مما لا يخلو عن قوة في الصورة الأولى، وبعضهم احتاط بذلك احتياطاً وجوبياً كالمحقق العراقي والسيد الخوانساري (قُدِّس سرُّهما).

والأولى أن يقال إن صور المسألة ثلاثة ..

____________

(1) العروة الوثقى ج:4 ص:463 المسألة: 87.

(2) العروة الوثقى ج:4 ص:463 التعليقة: 2، 3.

13

الصورة الأولى: ما إذا أوصى بإخراج الحج عنه من ثلثه مع تعيين مبلغ لذلك أو بدون تعيينه.

وفي هذه الصورة قد يقال (1) : إنه يجب العمل بالوصية حتى مع تبرع الغير بالحج عن الميت، أي أنه يجب على الوصي استئجار من يحج عنه عملاً بالوصية، بدعوى أن عمل المتبرع لا يكون موجباً لسقوط الوجوب إلا فيما تكون قرينة على عدمها في فرض التبرع، وأما إذا لم تكن قرينة فلا بد من إخراج الحج من الثلث حسب ما أوصى.

ولكن الصحيح أن يعكس الأمر فيقال: إنه إذا كانت هناك قرينة على إرادة الموصي الاستئجار حتى مع تبرع الغير بالحج عنه يلزم القيام بذلك، كما إذا أوصى بأن يستأجر زيد ليؤدي عنه حجة الإسلام من ثلثه، لثقته التامة بأدائه للعمل على الوجه الصحيح وعدم ثقته بالآخرين كذلك، فتبرع شخص بأداء الحج عنه قبل أن يستأجر زيد لذلك. فإن في مثله لا يكون عمل المتبرع موجباً لسقوط وجوب العمل بالوصية، بل يجب العمل بها وإن كان الحج الذي يأتي به زيد عندئذٍ حجاً احتياطياً لاحتمال براءة ذمة الموصي بالحج المتبرع به.

وأما إذا لم تكن هناك قرينة على إرادة الاستئجار حتى مع تبرع الغير بالحج، كما لو اقتصر على الوصية بأداء الحج عنه من ثلثه، فتبرع شخص بأداء الحج عنه وكان حجه محكوماً بالصحة، فحينئذٍ يسقط وجوب العمل بالوصية، لأن ظاهرها إرادة إبراء ذمته من حجة الإسلام، وقد تحقق ذلك من خلال عمل المتبرع، فلا يبقى موضوع للوصية، فلا وجه لأداء الحج عنه مرة أخرى من ثلثه.

وعلى ذلك فماذا يصنع بأجرة الاستئجار؟

ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) في المتن أنها تصرف في وجوه الخير أو يتصدق بها عن الميت.

وقد يستشكل (2) على ما أفاده بأن مدرك هذا الحكم إن كان هو دلالة

____________

(1) مصباح الناسك في شرح المناسك ج:1 ص:114 (النسخة الأولى).

(2) مصباح الناسك في شرح المناسك ج:1 ص:113 (النسخة الأولى).

14

الوصية على تعدد المطلوب ففيه ..

أولاً: أن استفادة التعدد من الوصية أول الكلام.

وثانياً: أنه على فرض التسليم إنما نلتزم به فيما يكون مانع من حصول المطلوب الأول فتصل النوبة إلى الثاني، لا في مثل المقام حيث فرض تحقق الحج بالتبرع.

وبعبارة أخرى: غاية ما يمكن أن يستفاد من وصية الميت تحصيل خير بعد وفاته، والمفروض حصوله، فكيف يمكن الالتزام بصرفه في التصدق أو غيره خصوصاً إذا كان في الورثة الصغير أو مثله في المحجورية؟!

أقول: إن مورد الكلام هو فيما إذا أوصى بأداء الحج عنه من ثلثه، وتقدم أن إضافة الثلث إلى النفس ظاهرة في إرادة إبقائه على ملكه، ومقتضى ذلك أن أجرة الاستئجار للحج لا ترجع إلى الورثة على كل حال، بل تبقى على ملك الميت وتصرف في شؤونه.

ولا فرق فيما ذكر بين عدم استظهار تعدد المطلوب من الوصية كما في الوصية بأداء حجة الإسلام، أو استظهار ذلك منها كما في الوصية بأداء الحج التطوعي. نعم في الحالة الثانية إذا لم يمكن تنفيذ الوصية لمانع خارجي يلزم صرف أجرة الاستئجار للفعل الموصى به في خصوص ما هو الأقرب إليه في نظر الموصي لا في مطلق موارد الثلث.

وأما ما ذُكر من أنه لو سلّم استظهار تعدد المطلوب من الوصية فإنما هو فيما إذا لم يحصل المطلوب الأول للموصي ــ وهو حجة الإسلام في المقام ــ وأما مع تحققه ولو بفعل المتبرع فلا تصل النوبة إلى الصرف في مطلق وجوه البرّ.

ففيه أن مبنى استظهار تعدد المطلوب من الوصية هو كون المتفاهم العرفي منها إرادة الموصي صرف ماله في مصلحته مهما أمكن ذلك، وهذا ما لا يفرق فيه بين كون تعذر صرفه في الاستئجار للفعل الموصى به لمانع خارجي أو لمبادرة الغير إلى الإتيان به بحيث لم يبقَ محل لتنفيذ الوصية بشأنه، فتدبر.

والحاصل: أن ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في مفروض هذه الصورة من أن

15

المال لا يرجع إلى الورثة بل يصرف في وجوه البر أو يتصدق به عن الميت صحيح في أصله، وإن كانت عبارته ليست كما ينبغي ــ كما أن عبارة السيد صاحب العروة (قدس سره) كذلك ــ فإن التصدق وجه من وجوه البر، فلا يناسب عدّه في مقابلها.

هذا مضافاً إلى أنه مع تصدي الموصي لتعيين مصارف الثلث لا يحق للوصي صرف بدل الاستئجار في مطلق وجوه البر أو التصدق به عنه، كما لو قال: (اصرفوا ثلثي في أداء حجة الإسلام عني وفي قضاء الصلاة والصيام ورد المظالم والكفارات) فتبرع أحدهم بأداء الحج عنه، فإنه يجب أن يصرف بدل الحج في الموارد الأخرى إلا إذا زاد فيصرف الزائد في سائر ما ينفع الميت مع تقديم الأهم فالأهم من الواجبات إن كان عليه شيء منها وإلا فمن المستحبات والخيرات.

الصورة الثانية: ما إذا أوصى بإخراج الحج عنه بمبلغ معين من دون تحديده من الثلث.

وفي هذه الصورة إذا بني على أن المستظهر من الوصية هو إرادة إبقاء ذلك المبلغ في ملكه وصرفه في أداء الحج عنه، أو استظهر منها تعدد المطلوب، أي إرادة صرفه في أداء الحج إن أمكن وإلا ففي ما هو الأقرب إليه من وجوه البر، فاللازم ــ مع تبرع الغير بالحج ــ أن يصرف المبلغ في سائر شؤون الموصي إذا لم يكن يتجاوز ثلث تركته، وإلا فلا بد من موافقة الورثة في الزائد عليه.

ولكن قد تقدم في شرح بعض المسائل السابقة عدم تمامية أي من الاستظهارين، أي أن الوصية بأداء عمل بمبلغ معين غير ظاهرة في إرادة إبقاء ذلك المبلغ على ملك الموصي، كما أنها غير ظاهرة في إرادة تعدد المطلوب إذا كان العمل الموصى به من قبيل الواجب كما هو مورد الكلام.

وأما ما ذكره جمع من الأعلام (رضوان الله عليهم) ــ كالمحقق النائيني والسيد الأصفهاني ــ في مورد الإيصاء بصرف مال في مورد معين، من أن المستفاد من النصوص كرواية علي بن مزيد وغيرها جريان حكم تعدد المطلوب

16

عليه وإن لم يكن ظاهراً في ذلك، فقد مرَّ الخدش فيه، وبيان عدم تماميته، ولا حاجة إلى الإعادة.

الصورة الثالثة: ما إذا أوصى بإخراج حجة الإسلام من تركته من غير تعيين مبلغ لها ولا تحديد إخراجها من الثلث.

ويظهر حكم هذه الصورة مما مرَّ في الصورة السابقة، فإنه إذا لم يلتزم فيها بصرف بدل أجرة الحج في سائر شؤون الميت، فالأمر هاهنا أوضح.

وبذلك يظهر أن ما أفاده المحقق النائيني والسيد الأصفهاني (قُدِّس سرُّهما) وآخرون من أنه مع تبرع الغير بالحج لا ترجع أجرة الاستئجار إلى الورثة إذا كانت معينة من قبل الموصي إنما يتم في صورة الوصية بإخراجها من الثلث لا مطلقاً.

كما أن ما ذكروه من رجوعها إلى الورثة إذا لم تكن معينة من قبل الموصي إنما يتم في غير تلك الصورة.

17

(مسألة 83): من مات وعليه حجة الإسلام وأوصى بالاستئجار من البلد وجب ذلك، ولكن الزائد على أجرة الميقات يُخرج من الثلث، ولو أوصى بالحج ولم يعين شيئاً اكتفى بالاستئجار من الميقات، إلا إذا كانت هناك قرينة على إرادة الاستئجار من البلد، كما إذا عيّن مقداراً يناسب الحج البلدي (1).

________________________

(1) تقدم في شرح (المسألة 78) حكم من مات وعليه حجة الإسلام ولم يوصِ بأدائها عنه وله تركة تفي بأداء الحج البلدي.

وأما مع وصيته بإخراج الحج عنه ــ من غير تحديد ذلك من الثلث ــ فهنا عدة صور ..

الأولى: أن يوصي بأداء حجة الإسلام عنه من غير تعيين مكان الشروع فيه.

الثانية: أن يوصي بأدائها عنه مع تحديد أن تكون بلدية.

الثالثة: أن يوصي بأدائها عنه مع تحديد أن تكون ميقاتية.

الرابعة: أن يوصي بأدائها عنه مع تحديد بلد آخر غير بلده لأداء الحج منه.

وقد تعرض (قدس سره) لحكم الصورة الأولى والثانية في هذه المسألة ولحكم الصورة الأخيرة في (المسألة 85)، وأما الصورة الثالثة فلم يتعرض لها، ولعل ذلك من جهة وضوح حكمها على مبناه.

وكيفما كان فلا بد من البحث عن حكم الصور المذكورة ..

(الصورة الأولى): ما إذا أوصى بأداء الحج عنه من غير تعيين مكان الشروع فيه.

18

والمقصود عدم تعيينه لا صريحاً ولا بقرينة تدل عليه، كتحديد مال لأداء الحج عنه يغطي عادة كلفة الحج البلدي، أو تعيين شخص من أبناء بلده للنيابة عنه مما يشير إلى إرادته كون الحج عنه من بلده.

وحكم هذه الصورة هو وجوب إخراج الحج البلدي بناءً على القول بوجوب إخراجه مع عدم الوصية بأداء الحج.

وأما بناءً على القولين الآخرَين أي القول بتعيّن الحج الميقاتي إلا مع موافقة كبار الورثة على إخراج الحج البلدي ودفع الفرق من حصصهم، والقول بالتخيير بين الميقاتي والبلدي، فقد يقال بوجوب إخراج الحج البلدي في مفروض هذه الصورة.

وهذا هو اختيار جمع من أعلام المعلقين على العروة منهم المحقق النائيني والسيد الأصفهاني (قُدِّس سرُّهما) (1) .

وقد يستدل لهذا القول بوجهين ..

الوجه الأول: ما ذكره السيد صاحب المدارك (قدس سره) ووافقه عليه جمع من استظهار ذلك من الوصية بالحج نفسها، بدعوى أنه هو المنصرف من الوصية عند الإطلاق في هذه الأزمان.

ولكن مرت المناقشة في هذه الدعوى في شرح (المسألة 78) ولا حاجة إلى الإعادة.

الوجه الثاني: طائفة من النصوص، وقد مرَّ التعرض لجملة منها في شرح (المسألة 78) ..

الرواية الأولى: معتبرة علي بن رئاب (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أوصى أن يُحج عنه حجة الإسلام، فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهماً قال: ((يحج عنه من بعض الأوقات التي وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قرب)).

____________

(1) العروة الوثقى ج:4 ص:464، التعليقة:3، 4.

(2) الكافي ج:4 ص:308. تهذيب الأحكام ج:5 ص:405. قرب الإسناد ص:166. وغيرها من المصادر.

19

ومبنى الاستدلال بها ــ كما مرّ ــ هو أن السؤال يدل على ارتكاز لزوم إخراج الحج البلدي مع وفاء التركة به في ذهن السائل، والإمام (عليه السلام) قد أقرّه عليه حيث لم يتعرض له بالنفي، ومورد الرواية هو الوصية بأداء حجة الإسلام التي هي محل الكلام.

ولكن قد مرّت المناقشة في استفادة المعنى المذكور من السؤال، وفي دلالة الجواب على التقرير، فليراجع.

الرواية الثانية: موثقة عبد الله بن بكير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل أوصى بمال في الحج فكان لا يبلغ ما يحج به من بلاده قال: ((فيعطى في الموضع الذي يبلغ أن يحج به عنه)).

ومبنى الاستدلال بها هو ما مرَّ في سابقتها، وقد سبق الخدش فيه بأنها قد تضمنت التعبير بـ(أوصى بمال) أي بمال معين، فلو سلّمت دلالة السؤال على ارتكاز وجوب أداء الحج البلدي مع وفاء المال به في ذهن السائل فيمكن أن تكون مستندة إلى ظهور الوصية بمال معين يفي بنفقة الحج البلدي في إرادة ذلك، لا أن هذا هو حكم الوصية بالحج شرعاً كما هو المدعى.

ويضاف إلى ذلك عدم تمامية دعوى دلالة الجواب على التقرير كما مرّ آنفاً.

الرواية الثالثة: خبر عمر بن يزيد، قال (2) : قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل أوصي بحجة فلم تكفه من الكوفة: ((أنها تُجزئ حجته من دون الوقت)).

ومبنى الاستدلال بها هو ما مرَّ في الروايتين السابقتين. وتقدم الجواب عنه بما يقرب مما مرَّ آنفاً بشأن موثقة ابن بكير، وهو أن مورد هذه الرواية الوصية بالحج مع تعيين المال والنائب، فلو سلّم ظهور السؤال في ارتكاز وجوب إخراج الحج البلدي مع وفاء المال به في ذهن السائل فيمكن أن يكون من جهة ظهور الوصية بمال معين يفي بأداء الحج البلدي أو تعيين بعض أبناء البلد لأدائه في

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:9 ص:227.

(2) الكافي ج:4 ص:308.

20

إرادة الحج من البلد.

مضافاً إلى ما مرَّ الإيعاز إليه من عدم دلالة الجواب على التقرير.

الرواية الرابعة: معتبرة محمد بن عبد الله قال (1) : سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحج من أين يُحج عنه؟ قال (عليه السلام) : ((على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، وإن لم يسعه ماله من منزله فمن الكوفة، فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة)).

وهذه الرواية هي العمدة فيما تقدمت من الروايات، ولعله لذلك اقتصر السيد الأستاذ (قدس سره) (2) على ذكرها.

وتقريب الاستدلال بها: أنها بإطلاقها تشمل حجة الإسلام، كما أنها مطلقة من حيث تحديد الموصي مالاً لأداء الحج وعدمه، وقد دلت على أنه مع الوصية بإخراج الحج يجب أن يلاحظ مقدار مال الميت، فإن كان وافياً بأداء الحج البلدي لزم إخراجه، وإلا فمن الأقرب فالأقرب إلى بلده.

وتقدم التعرض لهذه الرواية وما نوقش به في دلالتها مفصلاً، ومرَّ ما هو المختار بشأنها، وهو أنه يدور الأمر بين حملها على خصوص حجة الإسلام وحملها على مورد الوصية بأداء الحج من مال معين.

والاحتمال الثاني أقرب، فلا يتم الاستدلال بها في محل الكلام، بل لو سلّم تساوي الاحتمالين لا يصح الاستدلال بها أيضاً كما هو واضح.

هذه هي الروايات التي تقدم البحث عنها، وهناك روايات أخرى ذكرت في المقام، وهي ثلاثة ..

الرواية الأولى: صحيحة معاوية بن عمار قال (3) : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات فأوصى أن يُحج عنه. قال: ((إن كان صرورة فمن جميع المال وإن كان تطوعاً فمن ثلثه)).

____________

(1) الكافي ج:4 ص:308.

(2) معتمد العروة الوثقى ج:1 ص:321.

(3) تهذيب الأحكام ج:5 ص:404.

21

وقد قيل (1) في تقريب الاستدلال بها أنها تدل على: (أن الحج الموصى به إن كان حجة الإسلام فهي من جميع المال، وإن كان تطوعاً فمن الثلث. وبما أن نفقات حج التطوع التي جعلتها من الثلث بلدية فيكون ذلك قرينة بملاك المقابلة بينهما أن نفقات حجة الإسلام التي جعلتها من الأصل بلدية أيضاً، وإلا لكان اللازم تقييدها بالميقات).

وبعبارة أخرى: إنه قد دلت الرواية على أن الحج الموصى به إن كان حجاً تطوعياً يُخرج من الثلث وهو يُخرج منه بلدياً لا ميقاتياً، ومقتضى المقابلة أن حجة الإسلام إذا أوصى بإخراجها تُخرج بلدية أيضاً ولكن من الأصل، وهذا هو المطلوب.

وهذا الكلام ضعيف، فإن الحجة التطوعية الموصى بها لا تُخرج بلدية من الثلث إلا مع القرينة على إرادة الموصي ذلك، أي أن مجرد الوصية بإخراج حجة تطوعية لا تقتضي إخراجها بلدية، بل يُكتفى بالميقاتية أيضاً. فلا أساس لما ذُكر من أن مقتضى المقابلة بين التطوعية وحجة الإسلام هو لزوم إخراج حجة الإسلام بلدية من الأصل مع الوصية بها.

الرواية الثانية: صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) : عن رجل مات فأوصى أن يُحج عنه، قال: ((إن كان صرورة فمن جميع المال، وإن كان تطوعاً فمن ثلثه، فإن أوصى أن يحجّ عنه رجل فليحج ذلك الرجل)).

وقد ذُكر (3) : (أن ذيل هذه الصحيحة يدل على أن الواجب هو أن يحج عن الموصي من يعيّنه لأداء الحج عنه، فإن كان الحج تطوعاً فمن ثلثه، وإن كان واجباً فمن الأصل، ومن المعلوم أن الظاهر منه هو أن جميع مصارفه من الأصل لا خصوص مصارفه من الميقات فحسب، تطبيقاً لقرينة المقابلة بينهما، وإلا لبيَّن ذلك).

____________

(1) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:8 ص:229.

(2) تهذيب الأحكام ج:5 ص:405.

(3) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:8 ص:230 (بتصرف).

22

وبعبارة أخرى: أن قول الإمام (عليه السلام) : ((فإن أوصى أن يحجّ عنه رجل فليحج ذلك الرجل)) يدل على أنه مع تعيين الموصي رجلاً لأداء الحج عنه ــ وهو من يكون في الغالب من أبناء بلد الموصي ــ يتعيّن تنفيذ وصيته بشأنه وإخراج تمام تكاليف حجّه من التركة، وحيث إنه (عليه السلام) بيّن في أول كلامه أن الحج التطوعي يُخرج من الثلث وحجة الإسلام تُخرج من الأصل فمقتضى ذلك إخراج تكاليف الحج البلدي إن كان حجة الإسلام من الأصل لا خصوص تكاليفه من الميقات إلى آخر الأعمال.

وهذا الاستدلال ضعيف أيضاً، فإنه مبني على افتراض أن الرجل الموصى بأدائه للحج عن الميت يكون من أبناء بلد الموصي، إلا أنه على هذا التقدير يكون وجوب إخراج الحج البلدي من جهة ظهور الوصية في إرادة ذلك لا من جهة أن هذا هو حكم الوصية بالحج في حدَّ ذاتها كما هو المدعى.

وعلى ذلك فإن أقصى ما يمكن أن يدّعى دلالة الرواية عليه ــ لو تمت قرينة المقابلة والإطلاق المزعوم ــ هو أن تمام نفقة الحج البلدي مع الوصية به يخرج من الأصل، لا أن الزائد على أجرة الحج الميقاتي يُخرج من الثلث، كما هو مبنى السيد الأستاذ (قدس سره) وآخرين.

مع أنه يمكن أن يقال: إن الإمام (عليه السلام) إنما أراد بما ذكره ــ من أنه إن أوصى أن يحج عنه رجل فليحج ذلك الرجل ــ بيان وجوب العمل بوصية الميت عند تعيين شخص للنيابة عنه في الحج، ولم يكن (عليه السلام) في مقام بيان أن أجرة حج ذلك الرجل تُخرج بتمامها من الأصل في حجة الإسلام، وإلا لاقتضى الالتزام بأن ذلك الرجل إذا كان يطلب ما يزيد على أجرة المثل أو أنه كان من أهل بلد غير بلد الموصي وكانت نفقة حجه أزيد من أجرة الحج البلدي يجب أيضاً أن تُخرج بتمامها من الأصل، وهذا غير صحيح بوضوح.

الرواية الثالثة: خبر أحمد بن محمد (1) قال: حدثني عدة من أصحابنا قال:

____________

(1) مستطرفات السرائر ج:3 ص:581. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج:8 ص:118. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ج:96 ص:116.

23

قلنا لأبي الحسن (عليه السلام) في السنة الثانية من موت أبي جعفر (عليه السلام) : إن رجلاً مات في الطريق وأوصى بحجة، وما بقي فهو لك، فاختلف أصحابنا، وقال بعضهم: يُحج عنه من الوقت فهو أوفر للشيء أن يُبقي عليه، وقال بعضهم: يُحج عنه من حيث مات، فقال (عليه السلام) : ((يُحج عنه من حيث مات)).

والكلام في هذه الرواية يقع تارة من حيث السند، وأخرى من حيث الدلالة.

1 ــ أما من حيث السند فالملاحظ أن مصدر هذا الخبر كما قال ابن إدريس (رحمه الله) هو: (كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، والأجوبة عن ذلك، روايةَ أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيـد الله بن حسن بن عيّاش الجوهري، ورواية عبد الله بن جعفر الحميري ().

هكذا ورد في آخر السرائر، وكأنّ هناك كتاباً اسمه مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى الإمام الهادي (عليه السلام) برواية الرجلين أبي عبد الله الجوهري وعبد الله بن جعفر الحميري.

ولكن الصحيح أن الكتاب هو لعبد الله بن جعفر الحميري، وقد ذكره النجاشي (1) في عداد مؤلفاته، وهو من الكتب المعتمدة لدى الأصحاب، ومؤلفه ثقة جليل القدر من رجال الطبقة الثامنة.

والظاهر أن كتابه هذا كان من مصادر الكليني أو من مصادر بعض مشايخه كمحمد بن يحيى أو محمد بن عبد الله بن جعفر ــ ولد المؤلف ــ، وقد أورد في الكافي العديد من الروايات مما يناسب أن تكون مقتبسة من هذا الكتاب.

فعلى سبيل المثال روى عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر ــ أي

____________

(1) رجال النجاشي ص:220.

24

الحميري ــ عن محمد بن جزك (1) : (قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) ..)، وروى عن محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله ــ وهو ابن عبد الله بن جعفر الحميري ــ عن عبد الله بن جعفـر عن أحمد بن حمزة (2) : (قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ..) أي أبو الحسن الثالث (عليه السلام) ، وروى عن محمد بن يحيى ((عن)) (3) محمد بن عبد الله عن عبد الله بن جعفـر عن أيّـوب بن نـوح (4) : (قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) ..)، وروى عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن أحمد بن مطهّر (5) عن الإمام أبي الحسن صاحب العسكر، وروى عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن الحسن بن علي بن كيّسان (6) ، وعن الحسين بن مالك (7) ، وعن موسى بن محمد (8) عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) .

ويبدو أن نسخة من هذا الكتاب وقعت بيد ابن إدريس، وعليها ثبت رواية الجوهري (9) لها.

ولكنه لم يكن هو الراوي المباشر عن الحميري لاختلاف الطبقة، فإنه من الطبقة العاشرة أو الحادية عشرة والحميري من الطبقة الثامنة ــ كما مرّ ــ فهو لا يروي عنه إلا مع الواسطة.

وعلى ذلك فليس ذكر اسم الجوهري في هذه النسخة من سهو القلم كما

____________

(1) لاحظ الكافي ج:3 ص:438، ج:5 ص:413.

(2) لاحظ الكافي ج:3 ص:552.

(3) هكذا في المصدر وهو غلط، والصحيح بـ(الواو) أي: (ومحمد بن عبد الله).

(4) لاحظ الكافي ج:4 ص:174. ونظيره في ج:4 ص:521، ج:5 ص:563.

(5) لاحظ الكافي ج:7 ص:114.

(6) لاحظ الكافي ج:6 ص:97.

(7) لاحظ الكافي ج:7 ص:60.

(8) لاحظ الكافي ج:7 ص:158.

(9) قد ترجم النجاشي للجوهري، فقال هو: (أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن عياش .. كان سمع الحديث وأكثر واضطرب في آخر عمره).

ثم قال: (رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أروِ منه شيئاً وتجنبته) رجال النجاشي ص:85ــ86.

25

قيل (1) بل من حيث كونه راوياً لها، وإن كان حق العبارة عندئذٍ أن تكون هكذا: رواية أبي عبد الله الجوهري تصنيفَ عبد الله بن جعفر الحميري. وليس كما ذكرها ابن إدريس: (رواية أبي عبد الله .. الجوهري ورواية عبد الله بن جعفر الحميري) حيث إنها ظاهرة في كون كلا الرجلين مؤلفاً أو راوياً للكتاب (2) .

وكيفما كان فإن ما انتزعه ابن إدريس من روايات هذا الكتاب هو ما يأتي: أولاً روايتان من (مسائل أيوب بن نوح)، ثم رواية لأحمد بن محمد ــ وهي روايتنا محل البحث ــ ثم رواية من (مسائل علي بن الريّان)، ثم ستّ روايات من (مسائل داود الصرمي) ثم رواية لعلي بن مهزيار، ثم سبع روايات من (مسائل محمد بن علي بن عيسى).

والملاحظ أن من عبّر الحميري عند إيراد رواياتهم بـ(مسائل فلان) هم من أصحاب نسخ عن الإمام الهادي (عليه السلام) ، فأيوب بن نوح ذكر الشيخ (3) أن له مسائل عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) ، وعلي بن الريّان قال النجاشي (4) : له عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) نسخة، وداود الصرمي قال النجاشي (5) : بقي إلى أيام أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) وله مسائل إليه، ومحمد بن علي بن عيسى

____________

(1) لاحظ السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي (المطبوع ضمن موسوعة ابن إدريس) ج:7 ص:119.

(2) ذكر بعض الأعلام (دامت بركاته) في التعليق على السرائر (ج:3 ص:620 ط:الخامسة/ مؤسسة النشر الإسلامي): أنه يحتمل أن يكون ابن إدريس قد خلط أحمد بن محمد العطار الذي هو من رواة كتب عبد الله بن جعفر الحميري بأحمد بن محمد الجوهري، كما خلط ظاهراً أبان البجلي بأبان بن تغلب.

أقول: احتمال الخلط إنما يتجه في مثل ما إذا كان المذكور على النسخة: (كتاب أبان) فحُمل على كون المراد به أبان بن تغلب لانصراف هذا الاسم إلى أشهر من كان يسمى به من أصحابنا. ومن البعيد جداً كون محل الكلام من هذا القبيل، أي أنه كان المذكور على نسخة كتاب عبد الله بن جعفر: (رواية أحمد بن محمد) فحمله ابن إدريس على الجوهري وذكره بكنيته ونسبه ولقبه، بل الظاهر أنه وجده كذلك على النسخة، فتدبر. (المقرّر)

(3) فهرست الشيخ الطوسي ص:56.

(4) رجال النجاشي ص:278.

(5) رجال النجاشي ص:161.

26

وهو الطلحي القمي قال النجاشي (1) : له مسائل لأبي محمد العسكري (عليه السلام) ، ثم رواها بإسناده عن محمد بن أحمد بن زياد، وهو الذي روى الحميري مسائل محمد بن علي بن عيسى إلى الإمام الهادي (عليه السلام) عن طريقه.

والظاهر أن ما ذكره النجاشي من كون مسائل محمد بن علي بن عيسى عن أبي محمد العسكري (عليه السلام) سهو، والصحيح كونها عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) كما نبّه على ذلك المحقق التستري (2) ، والقرينة عليه أن الشيخ (3) والبرقي (4) قد عدّا محمد بن علي بن عيسى في أصحاب الإمام الهادي دون ولده العسكري (عليهما السلام) ، وأيضاً إيراد الحميري مسائله في الكتاب المخصص لذكر المسائل المرفوعـة إلى الإمام الهادي (عليه السلام) ، فإنه قرينة واضحة على أن تلك المسائل كانت إليه (عليه السلام) لا إلى الإمام العسكري (عليه السلام) .

وكيفما كان فأحمد بن محمد المذكور في سند الرواية المبحوث عنها هو أحمد بن محمد بن عيسى بقرينة رواية الحميري عنـه كثيـراً.

وأما قوله: (حدثني عدة من أصحابنا) فهو لا يضر باعتبار الرواية وإن لم يصرح بأسماء أولئك العدة، للوثوق بعدم تواطئهم على الكذب وعدم اشتباههم جميعاً. فإذاً ليس هناك إشكال من ناحية طريق الحميري إلى الإمام (عليه السلام) .

وبذلك يظهر النظر فيما قيل (5) من أن: (هذه المسائل ــ أي التي وردت فيما انتزعه ابن إدريس من كتاب الحميري ــ لم نعرف طريق روايتها عن أصحابها، وأغلب الظن أنها كانت وجادة في كتبهم فنقلها الحميري في كتابه مسائل الرجال، ووثاقة الحميري في نفسه لا تضفي الوثاقة على الطريق المجهول).

وجه النظر: أن من روى عنهم الحميري مسائلهم ورواياتهم هم كلهم من

____________

(1) رجال النجاشي ص:371.

(2) قاموس الرجال ج:9 ص:452.

(3) رجال الشيخ الطوسي ص:391.

(4) معجم رجال الحديث ج:17 ص:360.

(5) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي (المطبوع ضمن موسوعة ابن إدريس) ج:7 ص:121.

27

طبقة مشايخه، فروايته عنهم لا تحتاج إلى واسطة ليقال إنها مجهولة أو يقال إن أغلب الظن أنه رواها على سبيل الوجادة، فالإشكال من هذه الجهة في اعتبار ما أورده ابن إدريس من كتاب الحميري في غير محله جداً.

نعم يبقى الإشكال من ناحية اعتبار نسخة ابن إدريس من ذلك الكتاب، لأنها ــ كما تقدم ــ إنما كانت برواية ابن عيّاش الجوهري، والرجل ممن ضعفه شيوخ الأصحاب، فلهذا لم يروِ عنه النجاشي، فكيف يعتمد على مروياته؟!

اللهم إلا أن يقال: إن عدم رواية النجاشي عنه وتضعيف الأصحاب له إنما كان لما أصابه من الاضطراب في أواخر عمره، فهو لا يضر باعتبار مروياته قبل ذلك.

ولكن لو سُلم كون هذا هو الوجه في تضعيف الأصحاب له وعدم رواية النجاشي عنه، إلا أنه ليس هناك ما يُؤكد كون النسخة التي وصلت إلى ابن إدريس من كتاب الحميري كانت من مروياته قبل أن يصاب بالاضطراب.

مضافاً إلى أن صدور التضعيف بحقه في أواخر عمره لا يقتضي كونه ثقة قبل ذلك كما هو واضح.

فالنتيجة: أنه لا سبيل إلى الوثوق باعتبار نسخة الجوهري من كتاب الحميري التي روى عنها ابن إدريس.

هذا على تقدير حصول الاطمئنان بكون تلك النسخة هي بالفعل نسخة الجوهري، وإلا فالإشكال من جهة مجهولية طريق ابن إدريس إلى الكتاب، فتدبر.

هذا فيما يتعلق بالرواية المذكورة من حيث سندها.

2 ــ وأما من حيث الدلالـة فقد يقـال: إنها ظاهرة في لزوم إخراج الحج البلدي ــ أي من بلد الموت ــ من جهة أنه لم يُذكر في السؤال الموجّه فيها إلى الإمام (عليه السلام) سوى أن الرجل أوصى بحجة من دون تحديد مكان الشروع فيها، ومع ذلك فقد أفتى (عليه السلام) بأن يُحج عنه من مكان الموت، فيُعلم بذلك أنه يلزم الإتيان بالحج الموصى به من مكان الموت ولا يجزي أن يكون من الميقات، وهذا

28

هو المطلوب.

ولكن يمكن أن يُناقش هذا الاستدلال بوجوه ..

(الأول): ما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) (1) من أن الظاهر أن مورد الرواية هو من مات في طريق الحج، فيمكن أن يُفهم من الوصية نفسها إرادة أداء الحج من مكان الموت بقرينة الحال.

ثم قال (قدس سره) : ولعل الخبر (أوصى بحجته) أي بإتمام حجته.

وظاهر هذه العبارة أن متن الرواية في المصدر الذي اعتمده في نقلها كان مشتملاً على جملة (أوصى بحجة) كما هو الموجود في المصادر المتوفرة بأيدينا، ولكنه (قدس سره) احتمل أن تكون مصحفة عن (أوصى بحجته) ليكون المعنى هو الوصية بإتمام الحجّة، أي أن يقوم شخص آخر مقامه في طي الطريق من مكان موته إلى الميقات فيحرم عنه ويأتي بالأعمال.

ولكن الملاحظ أن الموجود في الجواهر المطبوع عند إيراد الرواية هو جملة (أوصى بحجته) كما هو الحال في المستمسك، ويبدو أنه اعتمد على الجواهر في نقل الرواية.

وقد بنى السيد الحكيم (قدس سره) (2) على كون الرواية بهذا اللفظ فقال: (لا يبعد أن يكون الظاهر من قوله: (بحجته) إتمام حجته، فلا يكون مما نحن فيه كما ذكر ذلك في الجواهر).

أقول: أما ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من أن المستفاد من الرواية أن موت الموصي كان في طريق الحج فهو ليس ببعيد.

وأما قوله بأن قرينة الحال تقتضي أن يكون المراد من الوصية بالحجة هو أن يأتي النائب بالحج عنه من مكان الموت فهو ليس بتام، ولا قرينة في الموت في أثناء طريق الحج في كون المراد بالوصية ذلك.

وأما ما احتمله من أن تكون الرواية بلفظ (أوصى بحجته) فهو مجرد

____________

(1) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ج:17 ص:325.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج:10 ص:263.

29

احتمال لا شاهد عليه، بل هي في جميع المصادر ــ كالسرائر بطبعاته المختلفة والبحار والوسائل ــ بلفظ (أوصى بحجة).

وبذلك يظهر الإشكال في اعتماد السيد الحكيم (قدس سره) على الجواهر في نقل متن الرواية.

مع أنه لو فرض كونها بلفظ (أوصى بحجته) لم يكن ظاهراً أيضاً في إرادة إتمام الحج كما ذكره صاحب الجواهر وبنى عليه السيد الحكيم (قُدِّس سرُّهما)، بل يمكن أن يقال: إنه لم يبق محل للإتمام بعد فرض تجاوز الرفقة لمكان الموت والوصول إلى المدينة وسؤال الإمام (عليه السلام) عن حكم تلك الواقعة، فتأمل.

(الثاني): ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (1) من أنه يمكن حمل الرواية على إذن الإمام (عليه السلام) ، حيث إن باقي المال لـه.

أي أنه لما كان الميت قد أوصى للإمام (عليه السلام) بالزائد من ماله على نفقة الحج فيحتمل أنه (عليه السلام) قد ارتأى الإحسان إليه بأن يؤدى عنه الحج من مكان الموت ليصل إليه مزيد من الثواب وإن لم يكن ذلك لازماً.

ولكن استبعد بعض الأعلام (طاب ثراه) (2) هذا الاحتمال قائلاً: إنه (خلاف الظاهر جداً، لكونه (عليه السلام) بصدد بيان الحكم الشرعي لا الإحسان والتفضّل).

ويلاحظ عليه بأن الرواية تحكي حكم الإمام (عليه السلام) في واقعة جزئية، وقد مرَّ مراراً أن في مثلها لا مجال لاستبعاد كون الحكم الصادر منه (عليه السلام) مبتنياً على بعض الجوانب المختصة بتلك الواقعة ــ كالإذن الشخصي منه (عليه السلام) ــ إلا مع توفر قرينة تقتضي ذلك وهي مفقودة في المقام.

(الثالث): ما أفاده السيد الشاهرودي (قدس سره) (3) من أن مورد الرواية من مات في أثناء الطريق.

____________

(1) كتاب الحج ص:115.

(2) كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:1 ص:16.

(3) كتاب الحج ج:1 ص:295.

30

أي أن أقصى ما تدل عليه هذه الرواية هو أن من مات في أثناء طريقه إلى الحج يجب أن يُستناب عنه من مكان الموت، والتعدي من مورد هذا الحكم إلى من مات قبل الخروج إلى الحج يحتاج إلى القطع بعدم الخصوصية، وهو في حيز المنع، ولا سيما مع ثبوت الخصوصية للمورد المذكور من بعض الجوانب الأخرى، وهو ما ورد في بعض النصوص ــ وقد مرَّ البحث عنه مفصلاً ــ من أن من خرج لأداء الحج ومات في الطريق قبل دخول الحرم يُجعل جمله وزاده في أداء الحج عنه، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين كون خروجه لأداء حجة الإسلام في عام استطاعته أو بعد استقرار وجوبها عليه. ومقتضى القاعدة في الصورة الأولى عدم وجوب الاستنابة عنه. ولكن التزم الفقهاء (رضوان الله عليهم) بوجوب الاستنابة حتى في هذه الصورة عملاً بإطلاق النص.

فيلاحظ التزامهم بثبوت الخصوصية لهذا المورد من الجهة المذكورة، فيمكن الالتزام بثبوت الخصوصية له من جهة أخرى أيضاً وهي ما ورد في الرواية المبحوث عنها من لزوم كون الاستنابة من مكان الموت.

وهذا الاحتمال وارد لا دافع له، وعلى ذلك فلا سبيل إلى استفادة وجوب إخراج الحج البلدي عمن مات وهو في بلده.

(الرابع): أن مورد الرواية هو ما إذا أوصى بأداء الحج عنه بمال معين بقرينة قوله: (وما بقي فهو لك)، وقد مر سابقاً أن من أوصى بأداء الحج بمال معيّن يفي بنفقة الحج البلدي تكون وصيته ظاهرة في إرادة ذلك، فيلزم إخراجه من هذه الجهة، وهو خارج عما نحن فيه، إذ مورد الكلام ما إذا لم تكن هناك قرينة على إرادة الحج البلدي، كما هو واضح.

ولكن هذا الوجه ليس بصحيح، لأن ظهور الوصية في إرادة الحج البلدي مع تعيين مال يفي بنفقته إنما هو فيما إذا لم يخصص الزائد على نفقته لأمر آخر كأن يقول: (الزائد لفلان) وإلا لم ينعقد للوصية ظهور في ذلك.

مثلاً: إذا كانت كلفة الحج البلدي ثلاثة ملايين دينار فأوصى بالحج وعيّن لأدائه مالاً بمقدار المبلغ المذكور كانت وصيته ظاهرة في إرادة الحج البلدي. ولو

31

كان له من المال ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف دينار فقال: (أدّوا به حجاً عني والزائد لزيد) لم يكن ظاهراً في إرادة الحج البلدي، ومورد الرواية من هذا القبيل، فلا سبيل إلى القول بظهور الوصية فيه في إرادة ذلك.

هذه هي الوجوه الأربعة في مناقشة الاستدلال برواية أحمد بن محمد، وقد ظهر تمامية بعضها، ولذلك فإن هذه الرواية لا تصلح دليلاً على المدعى.

فالنتيجة: أنه لا توجد رواية تامة السند والدلالة على أن من أوصى بأداء ما عليه من حجة الإسلام لا بد أن يُؤدى عنه الحج البلدي وإن لم يعيّن ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أنه لو فرض قيام الدليل على وجوب إخراج الحج البلدي من مورد الوصية المطلقة بحجة الإسلام فلا بد أن يجعل ذلك دليلاً على ثبوت الحكم المذكور حتى مع عدم الوصية بأدائها، لما مرَّ سابقاً من أن التعبد الشرعي في مورد الوصية بعيد عن الفهم العرفي. أي أنه إذا دار الأمر بين أن يكون وجوب إخراج الحج البلدي حكماً تعبدياً بشأن كل من مات وعليه حجة الإسلام وله تركة تفي بنفقتها وإن لم يوصِ بإخراجها وبين أن يكون حكماً تعبدياً مختصاً بمن أوصى بإخراج الحج عنه وإن لم يعيّن كونه بلدياً فالأقرب إلى الفهم العرفي هو الأول.

وبذلك يظهر: أنه لا مجال للالتزام بما أفتى به جمع من الأعلام ــ كالمحقق النائيني والسيد الأصفهاني (قُدِّس سرُّهما) ــ من أنه يكتفى بإخراج الحج الميقاتي، وأما مع الوصية به وإن كانت غير مشتملة على ما يشير إلى إرادة الحج البلدي فلا بد من إخراج الحج البلدي، فإن هذا على خلاف المتفاهم العرفي من النصوص، فتدبر.

تكميل: إذا بُني على وجوب إخراج الحج البلدي مع الوصية بأداء حجة الإسلام من غير تعيين كونها من البلد، فإن كان ذلك من جهة انصراف الوصية إلى الحج البلدي ــ كما ادعاه السيد صاحب المدارك (قدس سره) وآخرون ــ لزم احتساب الفارق بين أجرة الحج الميقاتي والحج البلدي من الثلث، وإن كان من جهة دلالة بعض النصوص على ذلك ــ كما زعمه البعض ــ أي ثبوت الحكم المذكور تعبداً

32

فيمكن أن يقال: إن المستظهر من تلكم النصوص هو إخراج كامل كلفة الحج البلدي من الأصل، فتدبر.

هذا تمام الكلام في الصورة الأولى.

(الصورة الثانية): ما إذا أوصى بأن يؤدى عنه الحج البلدي.

وحكم هذه الصورة هو وجوب إخراج الحج بلدياً وفق معظم الأقوال المتقدمة: أي على القول بوجوب إخراج الحج البلدي حتى مع عدم الوصية بالحج. وعلى القول بوجوب إخراج الحج البلدي مع الوصية بأداء الحج من دون تعيين كونه بلدياً. وعلى القول بتخيير الولي بين البلدي والميقاتي سواء مع عدم الوصية بالحج أو الوصية به من غير تعيين كونه بلدياً.

وعلى القولين الأول والأخير يُخرج كامل نفقة الحج البلدي من الأصل كما هو ظاهر. وأما على القول الثاني ففيه تفصيل ظهر مما تقدم آنفاً.

وأما بناءً على ما ذهب إليه السيد الأستاذ (قدس سره) وآخرون من أنه مع عدم الوصية بأداء الحج أو مع الوصية به من غير تعيين كونه بلدياً يلزم إخراج الحج الميقاتي ــ إلا مع موافقة كبار الورثة على إخراج الحج البلدي واحتساب الفارق من حصصهم ــ فما هو الحكم في مفروض الصورة المذكورة؟

ذكر (قدس سره) في المتن أنه يجب فيها تنفيذ الوصية بإخراج الحج البلدي، ولكن الزائد على أجرة الحج الميقاتي يُخرج من الثلث.

أقول: أما أصل وجوب العمل بالوصية فواضح، لأدلة نفوذها ما لم يكن فيها حيف وظلم بالنسبة إلى الورثة، والمفروض هنا أنه لا حيف فيها عليهم لكون الفارق محسوباً على الثلث.

وأما إن الزائد يُخرج من الثلث فهو مقتضى القول المذكور من أن ما يُخرج من الأصل هو أجرة الحج الميقاتي لا غير.

وبذلك يُعلم: أنه لو كان الثلث لا يفي بالفارق بين أجرة الحج الميقاتي والحج البلدي لا يجب تنفيذ الوصية المذكورة إلا مع موافقة الورثة في الزائد على الثلث، كما لو كانت تركته ثلاثة ملايين دينار وكلفة الحج الميقاتي مليونين

33

والبلدي مليونين ونصف المليون فإن ثلث المليون ــ الذي يزيد على كلفة الحج الميقاتي ــ لا يفي بالفارق بينها وبين الحج البلدي.

وبالجملة: إن مقتضى القول المذكور هو احتساب الزائد على أجرة الحج الميقاتي من الثلث كما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) .

نعم هنا صورة واحدة قد تقع محلاً للإشكال وهي ما إذا لم يمكن إخراج الحج الميقاتي عن الميت في العام الأول بعد الوفاة ــ بناءً على وجوب المبادرة إليه كما هو مسلك السيد الأستاذ (قدس سره) ــ أو لم يمكن ذلك حتى في السنوات اللاحقة ــ بناءً على جواز التأخير بشرط أن لا يُعد إهمالاً وتسامحاً ــ وفرض أن الميت قد أوصى بإخراج الحج البلدي عنه، فإنه يقع السؤال في هذه الصورة هل أنه يُخرج تمام كلفة الحج البلدي من الأصل أو أن الزائد يُخرج من الثلث؟

والصحيح أنه يُخرج من الأصل، كما هو الحال فيما إذا لم يوصِ الميت بأداء الحج عنه ولم يمكن أداؤه إلا بلدياً، فإنه يُخرج تمام نفقته من الأصل كما صرح بذلك السيد صاحب العروة في (المسألة 89) ووافقه المعلقون عليها (1) .

ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) قد ذكر ما أفاده صاحب المدارك (قدس سره) من أنه لو أوصى بالحج من البلد فإن قلنا إن الواجب هو الحج من الميقات كان ما زاد على أجرة ذلك محسوباً من الثلث إن أمكن الاستئجار من الميقات وإلا وجب الإخراج من حيث يمكن وكانت أجرة الجميع خارجة من الأصل كما هو واضح (2) .

وأشكل (قدس سره) (3) عليه بأنه: (متى كان الواجب عليه إنما هو الحج من الميقات فالذي يتعلق بالذمة من المال إنما هو مثل أجرة هذه المسافة، وهذا لا يتفاوت بين إمكان الاستئجار منه وعدمه).

وقد وافق بعض الأعلام (طاب ثراه) (4) على مقالة صاحب الحدائق،

____________

(1) العروة الوثقى ج:4 ص:464.

(2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام ج:7 ص:88.

(3) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج:14 ص:194.

(4) كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:1 ص:22.

34

وقال: إن مقتضى القاعدة هو ما أفاده (قدس سره) ، لأن الحج بمنزلة الدين فكما أن أداءه عنه إذا استلزم مؤنة لا تُخرج من الأصل، كذلك لو استلزم قضاء الحج عنه مؤنة زائدة عما هو الواجب وهو كونه من الميقات لا غيره.

ثم قال: إنه يمكن أن يستفاد خلاف ما تقتضيه القاعدة من بعض النصوص، وهي صحيحة بريد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل استودعني مالاً وهلك، وليس لولده شيء، ولم يحج حجة الإسلام، قال (عليه السلام) : ((حُجّ عنه وما فضل فأعطهم))، فإن ظاهر قوله (عليه السلام) : ((حُجّ عنه)) لزوم إتيانه من البلد سواء أكان دالاً على المباشرة أم لا، وحيث إن الحكم بصرف ماله في الحج من البلد كما هو المفروض يستلزم تفويت حق الوارث مع أنه لا شيء له يُحمل على خصوص صورة التوقف على البلد، وإلا لم يكن وجه لصرف الجميع في المقدمات التي لا تكليف بها.

ثم أضاف (قدس سره) : (إن أمكن استفادة شيء من هذا الحديث وإلغاء الخصوصية فهو، وإلا فالحق هو مختار صاحب الحدائق).

ويلاحظ على ما أفاده ..

أولاً: أن ما ذكره في مورد الدين غير مسلّم، أي أنه إذا استلزم أداء دين الميت صرف مؤونة زائدة ــ كما إذا كان الدائن قد اشترط الأداء في بلد آخر لا يتيسر إلا بدفع مبلغ إضافي ــ فالصحيح إخراجها من الأصل، ولا سيما بناءً على ما هو المختار من استفادة البعدية الرتبية من الآية الكريمة بمعنى أن الإرث لا يزاحم أداء الدين.

بل الظاهر أنه لا محيص من الالتزام بذلك على جميع المسالك، وإلا فماذا يكون مصير أداء دين الميت في مثل ذلك إذا لم تكن له وصية بأدائه؟ أي من أين تؤمّن مؤنة الأداء مع أن المفروض أنه لا وصية له لتحسب من الثلث؟!

وثانياً: أنه لو سلّم كون الحكم في مورد الدين هو ما ذكر من عدم إخراج المؤنة الزائدة لأدائه من الأصل بل من الثلث، إلا أنه لا وجه للالتزام بمثله في مورد الحج، للفرق بين الموردين، وهو أن الدين مقدار من المال المملوك في

____________

(1) الكافي ج:3 ص:547.

35

الذمة، وأما الحج فهو عمل أقصى الأمر أن الإتيان به يتوقف عادة على صرف المال، وكون الإرث بعد الدين يمكن أن يقال: إنه بمعنى استثناء مقداره فقط من التركة، وأما الحج فكلفته المالية مما تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإذا كان الإرث بعد الحج ــ كما هو مقتضى تنزيله منزلة الدين ــ ولم يمكن الحج إلا بالاستئجار من البلد فمقتضى إطلاق دليل بعدية الإرث هو إخراج كامل كلفة الحج من الأصل، لا خصوص كلفة الحج من الميقات.

وأما صحيحة بريد فما أفاده (قدس سره) من حملها على صورة عدم إمكان الاستئجار من الميقات بعيد جداً، فإن الاستئجار من الميقات ومما دونه كان أمراً ممكناً، ويظهر هذا بوضوح من النصوص التي سبق ذكرها، ومنها صحيح معاوية بن عمار (1) الواردة في من أوصى بالحج وأداء الزكاة وكان ماله لا يفي بالأمرين، فحكم (عليه السلام) بإخراج الحج عنه من أقرب ما يمكن وجعل الباقي في أداء زكاته.

وكلام الإمام (عليه السلام) في صحيحة بريد هو ــ كما مرَّ مفصلاً ــ جواب عن سؤال يتعلق بواقعة كانت محلاً لابتلاء السائل فلا يجوز الاعتماد فيه على القرينة المنفصلة إلا لضرورة، ولو كان جواز إخراج الحج البلدي مقيداً بما إذا لم يمكن إخراج الحج الميقاتي ــ كما ذكر (قدس سره) ــ لكان على الإمام (عليه السلام) أن يبيّن ذلك.

فالصحيح ما تقدم من أن المستفاد من النص جواز إخراج الحج البلدي حتى مع إمكان إخراج الحج الميقاتي، لأنه الفرد المتعارف من الحج، فهذه الرواية دليل على القول المختار ــ المتقدم بيانه ــ وليس دليلاً على جواز إخراج الحج البلدي مع عدم إمكان إخراج الحج الميقاتي.

فتحصل مما سبق: أن ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) في المتن من أن الزائد على أجرة الحج البلدي الموصى به يُخرج من الثلث ليس على إطلاقه، فإنه إذا لم يمكن إخراج الحج الميقاتي وتعيّن الحج البلدي جاز إخراج تمام كلفته من الأصل.

تبقى الإشارة إلى ما يتوجه من الإشكال على ظاهر عبارة السيد صاحب

36

المدارك (قدس سره) المتقدم نقلها، حيث ذكر في مورد الوصية بالحج البلدي أنه لو قلنا بأن الواجب هو الحج من الميقات كان ما زاد على أجرة ذلك محسوباً من الثلث إن أمكن الاستئجار من الميقات، وإلا وجب الإخراج من حيث يمكن وكانت أجرة الجميع خارجة من الأصل.

وموضع الإشكال قوله: (وإلا وجب الإخراج من حيث يمكن ..) فإن المفروض وصية الميت بأداء الحج البلدي فكيف يجوز إخراج الحج من حيث يمكن ــ أي الأقرب فالأقرب إلى الميقات ــ مع عدم إمكان الاستئجار من الميقات، بل لا بد في مثل ذلك من إخراج الحج من البلد، ويحسب ما به التفاوت بين أجرة الحج منه وأجرة الحج من أقرب نقطة إلى الميقات يمكن الاستئجار للحج منها على الثلث، وما عداها من الأصل.

ولعل إلى هذا أشار صاحب الحدائق (قدس سره) (1) بما أورده عليه من (أن الوصية تعلقت بالحج من البلد فالواجب حينئذٍ هو الاستئجار من البلد ولا يجزي غيره).

(الصورة الثالثة): ما إذا أوصى بأن يؤدى عنه الحج من الميقات.

وفي هذه الصورة لا إشكال في جواز إخراج الحج الميقاتي بناءً على القول بالاكتفاء به حتى مع عدم الوصية بأداء الحج، وكذلك على القول بتخيير الولي بين البلدي والميقاتي.

ولكن هل يتعين على القولين إخراج الحج الميقاتي عملاً بالوصية أم يجوز للورثة (2) أن يخرجوا الحج البلدي إن شاؤوا ذلك؟

والجواب: أنه إذا فهم من الوصية بالحج الميقاتي كونها من باب التخفيف على الورثة فلا إشكال في أن لهم إخراج الحج البلدي، وإن لم يفهم ذلك واحتمل وجود غرض للموصي في أداء الحج الميقاتي عنه فيمكن أن يقال: إن هذه الوصية غير ملزمة للورثة لأن إخراج الحج البلدي إنما يستلزم صرف مبلغ

____________

(1) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج:14 ص:195.

(2) وأما الولي فليس له ــ على القول بالتخيير ــ أن يختار إخراج الحج البلدي لتحسب كلفته من الأصل، لأن دليل التخيير قاصر عن الشمول لما هو محل الكلام من وصية الميت بإخراج الحج الميقاتي عنه، كما لا يخفى.

37

إضافي من حصص الورثة في التركة وليس للميت منعهم من صرف مالهم في كلفة طي الطريق من البلد إلى الميقات.

نعم لو كان قد أوصى بالثلث أيضاً فحيث إن إخراج البلدي من الأصل يوجب التنقيص في حصة الثلث، فإن أراد الورثة ذلك فلا بد أن يحسبوا الفارق من حصصهم لا من تمام التركة.

وكذلك إذا كان قد أوصى بما يمكن تنفيذه ولا يتجاوز الثلث إذا أخرج الميقاتي، بخلاف ما إذا أخرج البلدي، فإنه لا بد أن يحسبوا الفارق على حصصهم خاصة.

وكيفما كان فلا إشكال في الاكتفاء بالحج الميقاتي في هذه الصورة بناءً على القولين المتقدمين.

وأما بناءً على القول بوجوب إخراج الحج البلدي حتى مع عدم الوصية بأداء الحج من جهة أن طيّ الطريق هو الحج مقيداً بالأعمال الخاصة ــ كما ذهب إليه بعض الأعلام (طاب ثراه) (1) ــ أو من جهة دلالة بعض النصوص على لزوم إخراج الحج البلدي فلا محيص من الالتزام بكون الوصية بإخراج الحج الميقاتي باطلة لأنها خلاف الشرع.

وأما بناءً على القول بوجوب إخراج الحج البلدي مع الوصية بالحج وإن لم تكن مقيدة بكونه بلدياً فالصحيح هو الاكتفاء بالحج الميقاتي في هذه الصورة، لأنه لو كان الدليل على تعيّن الحج البلدي مع الوصية غير المقيدة هو الانصراف فمن المعلوم أنه لا انصراف مع التصريح بالخلاف، وإن كان هو بعض النصوص فهي مما ليس لها إطلاق يشمل مورد الوصية بإخراج الحج الميقاتي

ولعله لذلك قال المحقق النائيني (قدس سره) في تعليقته الشريفة على العروة (2) : (لو لم تكن قرينة على إرادة الميقاتية وجبت البلدية على الأقوى).

(الصورة الرابعة): ما إذا أوصى بإخراج الحج عنه من بلد آخر.

____________

(1) المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:1 ص:195.

(2) العروة الوثقى ج:4 ص:463 التعليقة:3.

38

ويُعرف حكم هذه الصورة مما تقدم، فإنه إن بني على أن الواجب مع عدم الوصية بأداء الحج هو إخراج الحج الميقاتي ــ كما عليه السيد الأستاذ (قدس سره) ــ فالحكم كما لو أوصى بأن يُخرج عنه الحج البلدي، ويجري فيها ما تقدم في الصورة الثانية بناءً على هذا القول.

وقد تعرض السيد الأستاذ (قدس سره) لحكم هذه الصورة في (المسألة 85) وأفتى فيها بما أشير إليه.

وإن بني على أن الولي مخيّر بين البلدي وغيره من الأفراد المتعارفة للحج مع عدم الوصية بأدائه، فإن كان البلد الآخر الذي أوصى بأن يحج منه يقع في الطريق بين بلده والميقات جاز أن يخرج الحج عنه من ذلك البلد، ويكون تمام الأجرة من الأصل.

وهل يتعين ذلك عملاً بالوصية أم يجوز للورثة إخراج الحج عنه من البلد؟

الصحيح أنه يجوز لهم ذلك، ويظهر وجهه مما مرَّ في الصورة الثالثة.

وإن كان البلد الذي عيّنه الموصي ليس في الطريق بين بلده والميقات، كما لو كان من سكنة الكوفة وأوصى بأن يحج عنه من اليمن، لزم تنفيذ وصيته ولكن الفارق بين الحج البلدي والحج من اليمن ــ إن وجد ــ يحسب من الثلث كما هو ظاهر.

وإن بني على أن الحج الواجب إخراجه عن الميت هو الحج البلدي، فإن قيل بذلك حتى مع عدم وصيته بالحج فلا محيص من البناء على بطلان الوصية بالحج من بلد آخر، لأنها خلاف الشرع.

وإن قيل به مع الوصية بالحج من غير تحديد مكان الشروع فيه فحيث إن المفروض هاهنا تحديده من قبل الموصي فلا وجه لوجوب إخراج الحج البلدي بل يعمل بوصيته في الحج من بلد آخر، ولكن إذا كانت أجرة الحج منه تزيد على أجرة الحج الميقاتي ولا تزيد على أجرة الحج البلدي فهل يحسب الزائد من الثلث أو من الأصل؟

39

فيه تفصيل ..

فإنه إن كان الوجه في لزوم إخراج الحج البلدي مع الوصية غير المحددة من حيث المكان هو الانصراف فالزائد على أجرة الحج الميقاتي يحسب من الثلث.

وأما إن كان الوجه فيه هو دلالة بعض النصوص على ذلك فيمكن الالتزام باحتسابه من الأصل إذا كان ذلك البلد يقع بين بلد الميت والميقات، وإلا ففيه إشكال، والله العالم.

40

(مسألة 84): إذا أوصى بالحج البلدي ولكن الوصي أو الوارث استأجر من الميقات بطلت الإجارة إن كانت الإجارة من مال الميت، ولكن ذمة الميت تفرغ من الحج بعمل الأجير (1).

________________________

(1) إذا أوصى من اشتغلت ذمته بحجة الإسلام بالحج البلدي، فإذا لم تكن وصيته نافذة شرعاً ــ كما لو لم يترك إلا بمقدار نفقة الحج الميقاتي مع عدم وجود متبرع بالزائد ــ فلا إشكال في أنه يجوز ــ تكليفاً ووضعاً ــ أن يستأجر عنه لأداء الحج من الميقات، ولو حج الأجير عنه كذلك كان مبرئاً لذمته.

وأما إذا كانت وصيته نافذة شرعاً وهذا ما يختلف باختلاف الأقوال المتقدمة ..

فإنه بناءً على قول من يرى أن الحج يُخرج بلدياً من أصل التركة مع سعتها حتى مع عدم الوصية بذلك، فيكفي في نفوذ وصيته سعة التركة لأداء الحج البلدي.

وكذا على قول من يرى أن الحج يُخرج بلدياً مع الوصية بدلالة النصوص على ذلك، فإنه يكفي في نفوذ الوصية أيضاً كون التركة واسعة لأداء الحج البلدي.

وأما على قول من يرى أن الحج يُخرج ميقاتياً من الأصل، وإنما يُخرج بلدياً بعد موافقة الورثة، أو مع سعـة الثلث للفارق بين الحج الميقاتي والحج البلدي ــ كما هو مبنى السيد الأستاذ (قدس سره) ــ فلا تكون الوصية بإخراج الحج البلدي نافذة إلا مع رضا الورثة أو وفاء مقدار الثلث بذلك.

وبالجملة: إذا فرض أنـه أوصى بأداء الحج البلدي عنـه وكانت وصيته نافـذة ولكنها خولفت واستؤجر عنه للحج الميقاتي فهاهنا عدة أمور وقع البحث عنها ..

41

الأمر الأول: أنه مع أداء الأجير للحج الميقاتي هل تبرأ ذمة الميت من حجة الإسلام أو لا؟

وقد ظهر مما تقدم في البحوث السابقة لزوم التفصيل في ذلك حسب اختلاف الأقوال ..

فإنه بناءً على مسلك بعض الأعلام (طاب ثراه) (1) ــ الذي ذهب إلى أن الحج هو قصد مكة مقيّـداً بالأعمال الخاصة، أي الذهاب إليها مقيّـداً بأداء تلك الأعمال ــ ينبغي الالتزام بعدم الإجزاء، للإخلال بجزء مما هو معتبر في الحج، وهو طيّ الطريق من البلد إلى الميقات.

وكذلك وفق ما ربما يظهر من صاحب المدارك (قدس سره) ــ من أن المستفاد من نصوص وجوب قضاء حجة الإسلام عن الميت كون إخراجه بلدياً وجهاً للمأمور به ــ لا بد من الالتزام بعدم الإجزاء.

وأما على سائر الأقوال والمسالك فالصحيح هو الإجزاء، حتى على قول من التزم بدلالة النصوص على وجوب إخراج الحج البلدي ولو من دون الوصية بذلك، فإنه إنما يلتزم بكون الوجوب على سبيل الحكم التكليفي ــ كما مر مشروحاً ــ أي أنه يجب على الورثة إخراج الحج البلدي، ولكن لو تخلّفوا وأخرجوا الحج الميقاتي كان مجزئاً.

الأمر الثاني: هل أن الإجارة للحج الميقاتي تكون صحيحة أو فاسدة؟

ذهب بعض الأعلام (طاب ثراه) (2) إلى فساد الإجارة، وعلّل ذلك بأن وجوب الوفاء بهذه الإجارة لا يجتمع مع وجوب الوفاء بالوصية.

وكأنه (قدس سره) يريد أن الوصي المكلف بتنفيـذ الوصية ــ وذلك باستئجـار من يأتي بالحج البلدي عن الميت ــ لا يمكن أن يكون مكلفاً في الوقت نفسه بالوفاء بما أبرمه من عقـد الإجارة ــ أي إجارة من يأتي بالحج الميقاتي ــ لأنه مع الوفاء بهذا العقد لا يبقى مجال لتنفيذ الوصية، إذ تبرأ ذمة الميت من حجة الإسلام كما

____________

(1) المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:1 ص:195.

(2) التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:1 ص:155.

42

تقدم، فكيف يكلّف من جهة بتنفيذ الوصية ويكلف من جهة أخرى بالتسبيب في انتفاء موضوعها؟!

وحيث إن وجوب تنفيذ الوصية ثابت في حقه فلا محيص من الالتزام بأنه لا يجب عليه الوفاء بعقد الإجارة، ولازمه البناء على فساده، لوضوح أنه لا يمكن الجمع بين الحكم بصحة العقد وعدم وجوب الوفاء به، أي لا يمكن التفكيك بين الحكمين الوضعي والتكليفي بالالتزام بصيرورة العمل مملوكاً على ذمة الأجير للمستأجر وصيرورة الأجرة مملوكة للأجير، ومع ذلك لا يجب على المستأجر الوفاء بمقتضى الإجارة، لما مرَّ مراراً من تقوّم كل حكم وضعي ببعض الأحكام التكليفية المندمجة فيه بحيث إنه لو جُرّد عنها لعدّ لغواً عند العقلاء، وصحة العقد ووجوب الوفاء به من هذا القبيل.

وعلى ذلك فاستئجار الوصي بأداء الحج البلدي عن الميت من يأتي بالحج الميقاتي فاسد لا أثر له.

هكذا يمكن أن يقال في المقام، ولكنه غير واضح، فإن ما يوجب انتفاء موضوع الوصية فيسقط وجوب تنفيذها عن الوصي هو إتيان الأجير بالحج الميقاتي خارجاً، سواء أصحت الإجارة أم لم تصح. وأما وجوب الوفاء بعقد الإجارة فليس مقتضاه بالنسبة إلى الوصي المستأجر إلا عدم التخلف عن أداء أجرة الأجير مع استحقاقه لها بعد العمل أو قبله وفق الشرط المتفق عليه بينهما.

وأيّ منافاة بين هذا وبين وجوب تنفيذ الوصية بالاستئجار للحج البلدي مع بقاء موضوعها، أي قبل إتيان الأجير بالحج الميقاتي؟!

وببيان آخر: إن الاستئجار للحج الميقاتي وما يترتب عليه من وجوب الوفاء به على الوصي لا يوجب عدم إمكان تنفيذ الوصية بالاستئجار للحج البلدي، بل بإمكان الوصي أن يستأجر للحج البلدي أيضاً، ولو أكمل الأجير البلدي حجه قبل أن يكمل الأجير الميقاتي يكون الذي وقع عن الميت مصداقاً لحجة الإسلام هو الذي أتى به الأجير البلدي، ويكون الوصي قد نفّذ الوصية.

إذاً صحة الإجارة للحج الميقاتي ووجوب الوفاء بها لا تنافي بوجه وجوب

43

العمل بالوصية.

والأولى أن يقال: إنه إذا كانت الإجارة من خارج التركة فلا ينبغي الإشكال في صحتها، إذ لا موجب للبطلان عندئذٍ، وأما إذا كانت الإجارة من التركة نفسها فحينئذٍ ينبغي التفصيل حسبما يأتي، فإن هاهنا صورتين ..

الصورة الأولى: أن تكون الإجارة للحج الميقاتي من ثلث الميت، كما إذا أوصى بأن يؤدى عنه الحج البلدي من ثلثه، فتسلّم الوصي الثلث ثم قام باستئجار من يؤدي عن الميت الحج من الميقات وجعل الأجرة من الثلث.

وفي حكمه ما إذا استأجر من يؤدي الحج ميقاتياً بأجرة على ذمته بصفته ولي الثلث، لأن الولي سواء أكان ولي القاصر أم ولي الوقف أم ولي الثلث يجوز له مثل ذلك، فإنه كما يجوز له أن يشتري بعين مال القاصر أو الوقف أو الثلث كذلك يجوز له أن يشتري بثمن كلي على ذمته بصفته ولي القاصر أو الوقف أو الثلث، فيكون مديناً بصفته ولياً لا بصفته الشخصية، ويؤدي بعد ذلك من مال القاصر أو الوقف أو الثلث لا من ماله الشخصي.

وكيفما كان فإذا استأجر على أحد النحوين المذكورين فحكمه هو البطلان، لأنه ليس له الولاية على الاستئجار كذلك، أي أنه ليس مأذوناً في أن يصرف مال الميت في استئجار شخص لأداء الحج الميقاتي عنه، بل هو مأذون في الاستئجار لأداء الحج البلدي عنه، فعلى أي من النحوين استأجر يكون عقداً فضولياً، فيحكم ببطلانه لا محالة.

ولكن قد يقال بصحته من حيث عدم مخالفته للوصية بل كونه تنفيذاً لها جزئياً، نظير ما إذا أوصى بأن يعطى زيد مبلغ مليون دينار ــ مثلاً ــ هديةً، فأعطى الوصي لزيد بمقدار خمسمائة ألف دينار وامتنـع عن دفـع الباقي، فإنه لا إشكال في صحة الإعطاء، بمعنى أن زيداً يملك الخمسمائة وإن كان الوصي آثماً بامتناعه عن دفع الباقي إليه.

وكذلك إذا أوصى بأن يستأجر من يصلي عنه سنة، فاستأجر الوصي من يصلي عنه ثمانية أشهر وامتنع عن استئجار من يصلي عنه سنة كاملة، فإنه لا

44

إشكال في صحة تلك الإجارة، لكونها تمثل تنفيذ الوصية ولو جزئياً.

وهكذا الحال في المقام فإن الميت لما أوصى بأن يحج عنه بلدياً فاستأجر الوصي من يحج عنه من الميقات فهو في الحقيقة يكون قد نفّذ جزءاً من الوصية، حيث إن النائب في الحج البلدي يطوي الطريق من البلد إلى الميقات بقصد أداء الحج عن الميت، وفي الميقات يُحرم عن الميت، ثم يذهب إلى المشاعر المقدسة لأداء الأعمال، وأما في الحج الميقاتي فما يأتي به عن الميت يبدأ من إحرامه عنه في الميقـات ثم يقوم بالأعمال في الأماكن المقدسة، فالاستئجار للحج الميقاتي لا يعدّ مخالفاً للوصية بل تنفيذاً لجزء منها، فينبغي الحكم بصحته، مع الحكم على الوصي بكونه آثماً لتخلّفه عن تنفيذ الوصية بالنسبة إلى الجزء الآخر.

ولكن هذا الكلام ليس بتام، والفرق واضح بين الموردين، فإن متعلق الوصية في مورد الوصية بالهبة أو الاستئجار للصلاة سنة يكون من قبيل العام الاستغراقي، فبمقدار ما يُعطي الوصي للموصى له أو يستأجر للصلاة عن الموصي يكون منفّذاً لوصيته، وأما في مورد الوصية بالحج البلدي فهو من قبيل العام المجموعي، أي أن متعلق الوصية في مثل ذلك هو استئجار من يُحرم عن الموصي للحج من الميقات مقيّـداً ــ مع الإمكان ــ بكونه قد طوى الطريق من البلد إلى الميقات بقصد أداء الحج عنه، فلو استأجر الوصي من لا يكون كذلك ــ أي استأجر من يُحرم للحج عن الموصي من الميقات من غير أن يطوي الطريق من البلد إلى الميقات بنية أداء الحج عنه ــ لا يكون منفّذاً لشيء من الوصية بل مخالفاً لها، فلا محيص من الحكم ببطلان تصرفه.

الصورة الثانية: أن تكون الإجارة للحج الميقاتي من أصل التركة، وهذا قد يكون مع وصية الميت بأن يحج عنه بلدياً من ثلثه، وقد يكون مع وصيته بأن يحج عنه بلدياً من غير تعيين المخرج له.

أما في الحالة الأولى أي إذا أوصى الميت بأن يُخرج عنه الحج بلدياً من ثلثـه، ولكن الوارث أخرج عنه الحج الميقاتي من أصل التركة، كما إذا كانت تركته ثلاثين مليون دينار وأوصى بأن يحج عنه بلدياً من ثلثه البالغ عشرة ملايين

45

دينار ولكن الورثة أخرجوا الثلث ودفعوه إلى الوصي، ثم قاموا باستئجار من يأتي بالحج ميقاتياً عنه من باقي التركة، فالحكم في هذه الصورة هو صحة الإجارة إذ لا موجب لبطلانها، فإنه وإن وجب تنفيذ وصية الميت بإخراج الحج من ثلثه بلدياً، ولكن هذا مجرد وجوب تكليفي من باب وجوب تنفيذ الوصية المشروعة ما لم ينتفِ موضوعها، والمفروض أن مبلغ العشرين مليون دينار كان عائداً للورثة، ولهم الحق في التصرف فيه كيف ما يرون، وقد تصرفوا فيه بالاستئجار للحج الميقاتي عن الميت، فلا وجه للحكم ببطلانه، كما لو استأجر الأجنبي من يحج عن الميت من الميقات فإنه يصح بلا إشكال، أقصى الأمر أنه مع إتيان الأجير بالحج الميقاتي ينتفي موضوع الوصية فيسقط وجوب تنفيذها، وهذا مما لا مانع من التسبيب فيه من قبل الوارث أو الأجنبي، وعلى كل تقدير فهو لا يمنع من صحة الإجارة.

وأما في الحالة الثانية أي فيما إذا أوصى بأن يُخرج عنه الحج بلدياً ولم يعيّن المخرج فاستأجر الورثة لأداء الحج عنه من الميقات، فهنا صورتان ..

1 ــ ما إذا كانت التركة واسعة لأداء الحج البلدي وإن صرف قسم منها في أداء الحج الميقاتي.

وفي هذه الصورة لا بد من البناء على صحة الإجارة، لأن الوصية بأداء الحج البلدي وإن كانت واجبة التنفيذ ــ سواء أقلنا بأن استحقاق الميت هو الحج الميقاتي ويحسب الزائد على أجرته من الثلث أم قلنا بأنه يستحق الحج البلدي بتمام كلفته من الأصل ــ إلا أنه على كل تقدير لا يمنع من جواز تصرف الورثة في التركة بإخراج الحج الميقاتي منها لأنها مالهم ومملوك الميت من التركة وما هو مورد حقه منها بمقدار أجرة الحج البلدي إنما هو على سبيل الكلي في المعين كما مرَّ مراراً، وعلى ذلك فإذا استأجر الورثة لأداء الحج ميقاتياً عن الميت صحت الإجارة، غاية الأمر أنه مع أداء الأجير للحج الميقاتي ينتفي موضوع تنفيذ الوصية بإخراج الحج البلدي، لفرض فراغ ذمة الميت من الحج، ولكن هذا لا يضر بصحة الإجارة.

46

نعم مخالفة الوصية النافذة ممن يجب العمل بها تستتبع الإثم واستحقاق العقوبة إذا كانت عن علمٍ وعمد إلا أن هذا أمر آخر، كما هو ظاهر.

2 ــ ما إذا كانت التركة ضيقة بحيث لو أخرج منها الحج الميقاتي لم يتسع الباقي لإخراج الحج البلدي، كما لو كانت بمقدار أربعة ملايين دينار وكلفة الحج الميقاتي بمقدار مليونين وخمسمائة ألف دينار والحج البلدي بمقدار ثلاثة ملايين دينار.

وفي هذه الصورة لا بد من البناء على بطلان الإجارة للحج الميقاتي سواء أقلنا بأن استحقاق الميت من أصل التركة هو بمقدار الحج الميقاتي ويحسب الزائد على أجرته من الثلث أم قلنا بأنه يستحق الحج البلدي بتمام نفقته من الأصل، فإن الإجارة للحج الميقاتي يُعدّ في مفروض هذه الصورة من قبيل التصرف المنافي لإخراج الحج البلدي الذي هو مستحق للميت في تركته فتكون محكومة بالبطلان لا محالة.

وأوضح منها حالاً ــ على مسلك الملك الذي هو اختيار السيد الأستاذ (قدس سره) ــ ما إذا فرض أن أجرة الحج البلدي والميقاتي بمقدار واحد والتركة لا تزيد عليها.

فإنها عندئذٍ تكون على المسلك المذكور باقية على ملك الميت، والتصرف فيها بجعلها أجرة للحج الميقاتي باطل لكونه تصرفاً في ملك الميت بغير ما أذن فيه.

وبهذا البيان يظهر الوجه في ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في المتن من الحكم ببطلان الإجارة للحج الميقاتي إذا كانت بمال الميت، وهو على مسلكه يشمل الثلث والتركة التي لا تزيد على نفقة الحج.

ولكن ينبغي أن يلحق به ما إذا كانت الإجارة للحج الميقاتي من التركة منافية لإخراج الحج البلدي منها كما تقدم آنفاً، فإنها وإن لم تكن إجارة بمال الميت ــ لأن مملوك الميت إنما هو على سبيل الكلي في المعين ــ إلا أنه مع ذلك يحكم بفسادها لما مرّ.

47

هذا هو التفصيل المختار في المقام، وقد يفصل فيه بوجه آخر وهو (1) : (أن الوصية بالحجة البلدية إن كان معناها وقوع الإجارة على مقدمات الحج وأعماله معاً فالإجارة فاسدة، لأن ما وقعت الإجارة عليه وهو نفس الأعمال فقط لم يكن مورداً للوصية، وما هو مورد لها لم تقع الإجارة عليه، فمن أجل ذلك تكون باطلة.

وإن كان الغرض منها أن الحجة البلدية أكثر ثواباً وأجراً من الحجة الميقاتية، باعتبار أنها تتوقف على مقدمات متعبة من دون كون تلك المقدمات مورداً للإجارة، بل هي شرط خارجي، فالإجارة صحيحة، لأن موردها نفس الأعمال، غاية الأمر أنها مشروطة بكونها مسبوقة بالمقدمات.

وعلى هذا فإذا أوقع الوصي أو الوارث الإجارة على الحجة الميقاتية فقد خالف الشرط، وهو لا يوجب البطلان).

ولم يظهر الوجه في هذا التفصيل وما حكم به في كل من الفرضين ..

أما في الفرض الأول فلأن مجرد عدم كون الإجارة الواقعة مطابقة للوصية لا يوجب بطلانها، أقصى الأمر هو عدم تنفيذ الوصية بها وكونها كأن لم تقع من هذه الجهة، فيبقى التكليف على الوصي بأن يستأجر من يأتي بالحج البلدي عن الميت، فإذا أكمله قبل أن يكمل الأجير الميقاتي حجة تبرأ به ذمة الميت من حجة الإسلام، وأما الحجة الميقاتية فتقع مستحبة أو باطلة حسب اختلاف الأقوال في مثل ذلك.

وبالجملة عدم كون الاستئجار من الميقات مطابقاً للوصية لا يقتضي بطلانه، نعم إذا كان بثلث الميت فحيث إنه تصرف فضولي يحكم عليه بالبطلان، وأما إذا كان من الأصل فلا وجه للبطلان إلا في بعض الصور، كما ظهر مما سبق.

أما تخلّف من يجب عليه تنفيذ الوصية عن العمل بموجبها من غير عذر حتى ينتفي موضوعها ــ بإتيان الأجير الميقاتي بالحج ــ فقد مرّ أنه إنما يوجب

____________

(1) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:8 ص:231.

48

الإثم ولا يقتضي بطلان الإجارة.

وأما في الفرض الثاني فلأن مبناه أن الميت قد طلب أن يكون مورد الإجارة هو أعمال الحج نفسها بدءاً من الإحرام في الميقات، وأما طيّ الطريق من البلد إلى الميقات فإنما طلب اشتراطه على الأجير، فإذا أوقع الوصي أو الوارث الإجارة على الحجة الميقاتية فقد خالف الشرط وهو لا يوجب البطلان.

ولكن هذا الكلام ضعيف بل مستغرب، فإنه يكفي في وقوع العقد فضولياً تخلف الوكيل أو من هو بمنزلته كالوصي عن بعض ما اعتبره الموكل أو الموصي في إجراء المعاملة بلا فرق بين تعلقه بموردها أو بالشرط المعتبر فيها.

أي أنه كما إذا كلّف شخصٌ آخرَ بأن يبيع عيناً معينة ويجعل الكتاب الفلاني الذي يعود للمشتري جزءاً من الثمن، فباع تلك العين بثمن لا يتضمن ذلك الكتاب يكون تصرفه فضولياً ويحكم ببطلانه.

كذلك إذا كلّفه قائلاً: (بع العين المعيّنة على فلان واشترط عليه أن يهب ذلك الكتاب لي) فباع العين ولم يشترط على المشتري هبة الكتاب، فإنه يكون تصرفه فضولياً ويحكم ببطلانه.

وفي المقام لا فرق بين أن يطلب الموصي استئجار شخص لأداء الحج على أن يكون طي الطريق جزءاً من العمل المستأجر عليه، وبين أن يطلب استئجار شخص لأداء الحج مع جعل طي الطريق إلى الميقات بقصد أداء الحج شرطاً في الإجارة، ففي كلتا الحالتين إذا تخلّف الوصي ــ مثلاً ــ فاقتصر على استئجار من يأتي بالأعمال من الميقات يعدّ تصرفه فضولياً وباطلاً، ولا محل للقول بأن تخلّف الشرط لا يوجب البطلان فإن مورد ذلك فيما إذا اشترط أحد المتعاملين على الآخر أمراً فحصل التخلف عنه فيقال في مثله إن التخلف عن الشرط لا يؤدي إلى بطلان المعاملة بل يثبت الخيار لذي الشرط.

وأما التخلّف عن اشترط ما طلبه الموكل مثلاً في ضمن العقد فهو يوجب وقوعه فضولياً، فمع عدم الإجازة يحكم عليه بالبطلان، وهذا واضح.

49

ثم إنه قد ذكر (1) وجه آخر لتصحيح الإجارة حتى في الفرض الأول، وهو: (أن الوصية لو كانت بالحجة البلدية فمن المحتمل أن يكون ذلك بنحـو تعدد المطلوب، فإن مطلوبه الأصلي هو فراغ ذمته عن الحجة، وأما الإتيان بالمقدمات بقصد الحج فهو مطلوب آخر، باعتبار ما فيه من الثواب والأجر. وعلى هذا فإذا أوقع الإجارة على المطلوب الأول صحت، وإن كان آثماً بالنسبة إلى عدم العمل بالوصية في المطلوب الثاني).

وهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه أيضاً، لأن تعدد المطلوب وإن كان لا يستبعد استظهاره في ما إذا أوصى بإخراج الحج عنه بلدياً من ثلثه، ولكن معنى تعدد المطلوب فيه هو أن مطلوب الموصي إخراج الحج عنه بلدياً من ثلثه فإن لم يمكن فميقاتياً، أي أنه إذا لم يتيسر للوصي إخراج الحج من البلد يلزمه أن يخرجه من الميقات، لا أنه يسقط إخراجه من الثلث وتبطل وصية الموصي فيخرج من الأصل، بل يخرج من الثلث على كل حال فإن أمكن بلدياً فهو وإلا يُخرج ميقاتياً، هذا معنى تعدد المطلوب، وليس معناه أن إخراج الحج الميقاتي مطلوب للموصي ولو مع التمكن من إخراج الحج البلدي.

وبالجملة: إنه لو لم يمكن الاستئجار للحج البلدي فمقتضى ذلك أن جانباً من الوصية ــ وهو كون الحجة بلدية ــ غير قابل للتنفيذ، فتصل النوبة إلى الإجارة للحج الميقاتي، فلو استأجر له يقع صحيحاً، وأما الحكم بصحته بالرغم من أن بإمكان الوصي أن يستأجر لأداء الحج البلدي فهذا ليس من مقتضيـات تعدد المطلوب في الوصية، فتدبر.

ثم إن هنا بحثاً آخر، وهو أنه مع الالتزام ببطلان الإجارة للحج الميقاتي فلا إشكال في ثبوت أجرة المثل للأجير مع أدائه للحج جاهلاً بالحال، لأنه قام بعمل محترم بطلب من المستأجر من دون الإقدام عليه مجاناً، فهو يستحق الأجرة عليه، إلا أنه بما لا يزيد على الأجرة المسماة.

ولكن هل تُخرج أجرة المثل من مال المستأجر أو من تركة الميت؟

____________

(1) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:8 ص:232.

50

ظاهر السيد الأستاذ (قدس سره) (1) أنها تكون على المستأجـر. ولكن ذكر بعض الأعلام (طاب ثراه) (2) أنها تؤدى من تركة الميت، معللاً ذلك بأن الحج دين للميت.

والصحيح أن يفصّل بين صورتين ..

الأولى: ما إذا لم يكن للمستأجر للحج الميقاتي ــ المفروض كونه محكوماً بالفساد ــ الولاية لإخراج الحج من التركة، كما في الوصي المكلف بإخراج الحج البلدي من الثلث فإنه لا ولاية له في إخراج الحج الميقاتي من الأصل. فلو استأجر من الثلث شخصاً لأداء الحج من الميقات فأتى الأجير بالحج ضمن له أجرة المثل في ماله، وليس له إخراجها من أصل التركة لفرض اختصاص ولايته بالثلث وكونه كالأجنبي بالنسبة إلى ما عداه من التركة.

ومجرد كون الحج ديناً على الميت لا يبرر للوصي المطالبة بدفع ما ضمنه للأجير من تركته، كما هو الحال في الموارد المشابهة.

مثلاً: لو كان الميت مديناً بمبلغ لأحد ولزم إخراجه من أصل التركة وكان له وصي في صرف ثلثه في الخيرات فتصدى فضولاً بتكليف أحد بأداء دين الميت من دون التنسيق في ذلك مع الورثة، فإنه ليس له أن يرجع ببدل الدين الذي ضمنه للدافع إلى الورثة ومطالبتهم بإخراجه من الأصل، بل يكون كالمتبرع بأداء دين الميت فتتحرر التركة منه.

الثانية: ما إذا كان للمستأجر للحج الميقاتي الولاية على إخراج الحج من التركة، كما إذا أوصى الميت بإخراج الحج البلدي عنه وأوصى أيضاً بثلثه، وقلنـا أن الحج البلدي في مثل ذلك يُخرج من الأصل، ولكن قام الوارث المكلف بإخراج الحج البلدي بالاستئجار للحج الميقاتي من الثلث ــ فكانت الإجارة فاسدة إذ ليس له التصرف في الثلث بذلك ــ ففي مثله إذا أتى الأجير بالحج الميقاتي فضمن له الوارث أجرة المثل لعمله يجوز له إخراجه من أصل التركة،

____________

(1) معتمد العروة الوثقى ج:1 ص:324.

(2) التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:1 ص:155.