كتاب المكاسب (للشيخ الأنصاري) - ج5

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
417 /
5

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على نبيّه المصطفى و أهل بيته الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد تمّ بعون اللّه و فضله تحقيق القسم الثالث من كتاب المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) الذي تضمّن مباحث الخيارات و النقد و النسيئة و القبض، بعد أن أكملنا القسمين الأوّلين منه، و هما: المكاسب المحرّمة و البيع.

و قد أشرنا في مقدّمة الجزء الأوّل إلى حصولنا على مصوّرة النسخة الأصليّة لقسم الخيارات من مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) بمشهد المقدّسة. و ذكرنا خصوصيّاتها و أنّا رمزنا لها ب«ق».

و بناءً على ما تقدّم كان عملنا في هذا القسم وفقاً للآتي:

أوّلًا: اكتفينا في تحقيق هذا القسم و هو قسم الخيارات و مباحث النقد و النسيئة و القبض بالنسخة الأصليّة «ق» و نسخة «ش»، أمّا سائر النسخ فلم نُشر إليها إلّا عند الضرورة.

ثانياً: رجّحنا نسخة الأصل على غيرها عند الاختلاف إلّا إذا

8

ثبت خطؤها فرجّحنا غيرها مع الإشارة إلى ذلك في الهامش.

ثالثاً: أثبتنا الزيادات الضروريّة من نسخة «ش» أو غيرها في المتن بين معقوفتين، و جعلنا غيرها في الهامش.

رابعاً: لم نذكر الزيادات أو الاختلافات التي ثبت كونها مغلوطة أو كانت خالية من الفائدة.

خامساً: افتقدت نسخة الأصل بعض الصفحات فأبدلناها بنسخة «ف»؛ لأنّها كانت أقرب النسخ إلى الأصل.

و بذلك جاء هذا القسم من كتاب المكاسب بحمد اللّه أقرب إلى الأصل، بل مطابقاً معه.

و أخيراً نودّ أن نوجّه شكرنا لجميع الإخوة الذين بذلوا جهودهم في إصدار الكتاب ضمن مجموعة تراث الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) جامعاً بين الدقّة في التحقيق و الجودة في الإخراج، سواء الذين ذكرناهم في مقدّمة الجزء الأوّل و من اشتركوا معهم بعد ذلك، سيّما حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد حسين الأحمدي الشاهرودي.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

مسؤول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري

9

القول في الخيار و أقسامه و أحكامه

10

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

11

القول في الخيار و أقسامه و أحكامه

مقدّمتان:

الاولى [في معنى الخيار]

الخيار لغةً: اسم مصدرٍ من «الاختيار»، غُلّب في كلمات جماعةٍ من المتأخّرين في «مِلْكِ فسخ العقد» (1) على ما فسّره به في موضعٍ من الإيضاح (2)، فيدخل ملك الفسخ في العقود الجائزة و في عقد الفضولي، و ملك الوارث ردَّ العقد على ما زاد على الثلث، و ملك العمّة و الخالة لفسخ العقد على بنت الأخ و الأُخت، و ملك الأمة المزوّجة من عبدٍ فسخ العقد إذا أُعتقت، و ملك كلٍّ من الزوجين للفسخ بالعيوب.

و لعلّ التعبير ب«المِلْك» للتنبيه على أنّ الخيار من الحقوق لا من

____________

(1) لم نعثر عليه إلّا في كلام فخر المحقّقين (قدّس سرّه) في الإيضاح، الذي ذكره المؤلّف (رحمه اللّه).

(2) إيضاح الفوائد 1: 482.

12

الأحكام، فيخرج ما كان من قبيل الإجازة و الردّ لعقد الفضولي و التسلّط على فسخ العقود الجائزة، فإنّ ذلك من الأحكام الشرعيّة لا من الحقوق؛ و لذا لا تورّث و لا تسقط بالإسقاط.

و قد يعرّف بأنّه: مِلْك إقرار العقد و إزالته (1).

و يمكن الخدشة فيه بأنّه:

إن أُريد من «إقرار العقد» إبقاؤه على حاله بترك الفسخ، فذكره مستدرَكٌ؛ لأنّ القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه؛ إذ القدرة لا تتعلّق بأحد الطرفين.

و إن أُريد منه إلزام العقد و جعله غير قابلٍ لأن يفسخ، ففيه: أنّ مرجعه إلى إسقاط حقّ الخيار، فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار، مع أنّ ظاهر الإلزام في مقابل الفسخ جعله لازماً مطلقاً، فينتقض بالخيار المشترك، فإنّ لكلٍّ منهما إلزامه من طرفه لا مطلقاً.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من معنى الخيار هو المتبادر منه (2) عند الإطلاق في كلمات المتأخّرين، و إلّا فإطلاقه في الأخبار (3) و كلمات الأصحاب على سلطنة الإجازة و الردّ لعقد الفضولي و سلطنة الرجوع في الهبة و غيرهما من أفراد السلطنة شائع.

____________

(1) عرّفه بذلك الفاضل المقداد في التنقيح 2: 43، و السيّد الطباطبائي في الرياض 8: 177، و صاحب الجواهر في الجواهر 23: 3.

(2) في «ش» زيادة: «عرفاً».

(3) راجع الوسائل 17: 527، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 و 2، و 13: 336، الباب 4 من أبواب أحكام الهبات، الحديث 6.

13

الثانية [الأصل في البيع اللزوم]

ذكر غير واحدٍ (1) تبعاً للعلّامة في كتبه (2): أنّ الأصل في البيع اللزوم. قال في التذكرة: الأصل في البيع اللزوم؛ لأنّ الشارع وضعه [مفيداً (3)] لنقل الملك، و الأصل الاستصحاب، و الغرض تمكّن كلٍّ من المتعاقدين من التصرّف فيما صار إليه، و إنّما يتمّ باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه (4)، انتهى.

[معاني الأصل]

أقول: المستفاد من كلمات جماعةٍ أنّ الأصل هنا قابلٌ لإرادة معانٍ

الأوّل: الراجح،

احتمله في جامع المقاصد مستنداً في تصحيحه إلى الغلبة (5).

____________

(1) منهم: الشهيد (قدّس سرّه) في القواعد و الفوائد 2: 242، القاعدة 243، و الفاضل المقداد في التنقيح 2: 44، و المحقّق السبزواري في كفاية الأحكام: 92 بلفظ: «الأصل في العقود اللزوم» و صاحب الجواهر في الجواهر 23: 3.

(2) لم نقف عليه في كتبه، عدا القواعد 2: 64، و التذكرة التي ذكرها المؤلف (قدّس سرّه).

(3) من «ش» و المصدر.

(4) التذكرة 1: 515.

(5) جامع المقاصد 4: 282.

14

و فيه: أنّه إن أراد غلبة الأفراد، فغالبها ينعقد جائزاً لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط، و إن أراد غلبة الأزمان، فهي لا تنفع في الأفراد المشكوكة؛ مع أنّه لا يناسب ما في القواعد من قوله: و إنّما يخرج من الأصل لأمرين: ثبوتِ خيارٍ أو ظهورِ عيب (1).

الثاني: القاعدة المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشكّ في بعض الأفراد أو بعض الأحوال

(2). و هذا حسنٌ، لكن لا يناسب ما ذكره في التذكرة في توجيه الأصل.

الثالث: الاستصحاب

(3)، و مرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرّد فسخ أحدهما.

و هذا حسنٌ.

الرابع: المعنى اللغوي،

بمعنى أنّ وضع البيع و بناءَه عرفاً و شرعاً على اللزوم و صيرورة المالك الأوّل كالأجنبي، و إنّما جعل الخيار فيه حقّا خارجيّاً لأحدهما أو لهما، يسقط بالإسقاط و بغيره. و ليس البيع كالهبة التي حَكَم الشارع فيها بجواز رجوع الواهب، بمعنى كونه حكماً شرعيّاً له أصلًا و بالذات بحيث لا يقبل الإسقاط (4).

____________

(1) القواعد 2: 64.

(2) أشار إليه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 32، و صاحب الجواهر في الجواهر 23: 3 بلفظ: «و يمكن كونه بمعنى القاعدة».

(3) صرّح بذلك العلّامة (قدّس سرّه) في عبارته المتقدّمة عن التذكرة.

(4) قال الشهيدي (قدّس سرّه): «قد حكي هذا الوجه عن السيّد الصدر في مقام توجيه مراد الشهيد (قدّس سرّه) من قوله:" الأصل في البيع اللزوم" كي يندفع عنه إيراد الفاضل التوني عليه بإنكاره الأصل، لأجل خيار المجلس»، (هداية الطالب: 406)، و راجع شرح الوافية (مخطوط): 323.

15

و من هنا ظهر: أنّ ثبوت خيار المجلس في أوّل أزمنة انعقاد البيع لا ينافي كونه في حدّ ذاته مبنيّاً على اللزوم؛ لأنّ الخيار حقٌّ خارجيٌّ قابلٌ للانفكاك. نعم، لو كان في أوّل انعقاده محكوماً شرعاً بجواز الرجوع بحيث يكون حكماً فيه، لا حقّا مجعولًا قابلًا للسقوط، كان منافياً لبنائه على اللزوم. فالأصل هنا كما قيل (1) نظير قولهم: إنّ الأصل في الجسم الاستدارة، فإنّه لا ينافي كون أكثر الأجسام على غير الاستدارة لأجل القاسر الخارجي.

و ممّا ذكرنا ظهر وجه النظر في كلام صاحب الوافية، حيث أنكر هذا الأصل لأجل خيار المجلس (2). إلّا أن يريد أنّ الأصل بعد ثبوت خيار المجلس بقاء عدم اللزوم، و سيأتي ما فيه.

بقي الكلام في معنى قول العلّامة في القواعد و التذكرة:

«إنّه لا يخرج من هذا الأصل إلّا بأمرين: ثبوت خيارٍ، أو ظهور عيب». فإنّ ظاهره أنّ ظهور العيب سببٌ لتزلزل البيع في مقابل الخيار، مع أنّه من أسباب الخيار.

و توجيهه بعطف الخاصّ على العامّ كما في جامع المقاصد (3) غير ظاهر؛ إذ لم يعطف العيب على أسباب الخيار، بل عطف على نفسه، و هو مباينٌ له لا أعمّ.

نعم، قد يساعد عليه ما في التذكرة من قوله: و إنّما يخرج عن

____________

(1) نسبه الشهيدي إلى شارح الوافية، انظر شرح الوافية (مخطوط): 323.

(2) الوافية: 198.

(3) لم يصرّح بذلك، نعم يستفاد من عبارته، انظر جامع المقاصد 4: 282.

16

الأصل بأمرين: أحدهما: ثبوت الخيار لهما أو لأحدهما من غير نقصٍ في أحد العوضين، بل للتروّي خاصّةً. و الثاني: ظهور عيبٍ في أحد العوضين (1)، انتهى.

و حاصل التوجيه على هذا-: أنّ الخروج عن اللزوم لا يكون إلّا بتزلزل العقد لأجل الخيار، و المراد بالخيار في المعطوف عليه ما كان ثابتاً بأصل الشرع أو بجعل المتعاقدين، لا لاقتضاء نقصٍ في أحد العوضين، و بظهور العيب ما كان الخيار لنقص أحد العوضين.

لكنّه مع عدم تمامه تكلّفٌ في عبارة القواعد؛ مع أنّه في التذكرة ذكر في الأمر الأوّل الذي هو الخيار فصولًا سبعة بعدد أسباب الخيار، و جعل السابع منها خيار العيب، و تكلّم فيه كثيراً (2). و مقتضى التوجيه: أن يتكلّم في الأمر الأوّل فيما عدا خيار العيب.

و يمكن توجيه ذلك: بأنّ العيب سببٌ مستقلٌّ لتزلزل العقد في مقابل الخيار، فإنّ نفس ثبوت الأرش بمقتضى العيب و إن لم يثبت خيار الفسخ، موجبٌ لاسترداد جزءٍ من الثمن، فالعقد بالنسبة إلى جزءٍ من الثمن متزلزلٌ قابلٌ لإبقائه في ملك البائع و إخراجه عنه، و يكفي في تزلزل العقد مِلْكُ إخراجِ جزءٍ ممّا مَلِكَه البائع بالعقد عن مِلْكِه. و إن شئت قلت: إنّ مرجع ذلك إلى مِلْك فسخ العقد الواقع على مجموع العوضين من حيث المجموع، و نقض مقتضاه من تملك كلٍّ من مجموع العوضين في مقابل الآخر.

____________

(1) التذكرة 1: 515.

(2) انظر التذكرة 1: 515 و 524.

17

لكنّه مبنيٌّ على كون الأرش جزءاً حقيقيّا من الثمن كما عن بعض العامّة (1) ليتحقّق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده.

و قد صرّح العلّامة في كتبه: بأنّه لا يعتبر في الأرش كونه جزءاً من الثمن، بل له إبداله؛ لأنّ الأرش غرامة (2). و حينئذٍ فثبوت الأرش لا يوجب تزلزلًا في العقد.

ثمّ إنّ «الأصل» بالمعنى الرابع إنّما ينفع مع الشكّ في ثبوت خيارٍ في خصوص البيع؛ لأنّ الخيار حقٌّ خارجيٌّ يحتاج ثبوته إلى الدليل. أمّا لو شكّ في عقدٍ آخر من حيث اللزوم و الجواز فلا يقتضي ذلك الأصل لزومه؛ لأنّ مرجع الشكّ حينئذٍ إلى الشكّ في الحكم الشرعي.

و أمّا الأصل بالمعنى الأوّل فقد عرفت عدم تمامه.

و أمّا بمعنى الاستصحاب فيجري في البيع و غيره إذا شكّ في لزومه و جوازه.

[الأدلة على أصالة اللزوم]

و أمّا بمعنى القاعدة فيجري في البيع و غيره؛ لأنّ أكثر العمومات الدالّة على هذا المطلب يعمّ غير البيع، و قد أشرنا في مسألة المعاطاة إليها، و نذكرها هنا تسهيلًا على الطالب:

[الاستدلال بآية أوفوا بالعقود]

فمنها: قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3) دلّ على وجوب الوفاء بكلّ عقد. و المراد بالعقد: مطلق العهد كما فسّر به في صحيحة ابن سنان المرويّة في تفسير عليّ بن إبراهيم (4) أو ما يسمّى عقداً لغةً

____________

(1) حكاه العلّامة في التذكرة 1: 528.

(2) لم نقف عليه في غير التذكرة 1: 528.

(3) المائدة: 1.

(4) تفسير القمّي 1: 160.

18

و عرفاً. و المراد بوجوب الوفاء: العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب دلالته اللفظيّة، نظير الوفاء بالنذر، فإذا دلّ العقد مثلًا على تمليك العاقد ماله من غيره وجب العمل بما يقتضيه التمليك (1) من ترتيب آثار ملكيّة ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه و التصرّف فيه كذلك نقضٌ لمقتضى ذلك العهد، فهو حرام.

فإذا حرم بإطلاق الآية جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد و منها التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون رضا صاحبه كان هذا لازماً مساوياً للزوم العقد و عدم انفساخه بمجرّد فسخ أحدهما، فيستدلّ بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي أعني فساد الفسخ من أحدهما بغير رضا الآخر، و هو معنى اللزوم (2).

و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما قيل: من أنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد: العملُ بما يقتضيه من لزومٍ و جواز (3)، فلا يتمّ الاستدلال به على اللزوم.

توضيح الضعف: أنّ اللزوم و الجواز من الأحكام الشرعيّة للعقد، و ليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع. نعم، هذا المعنى أعني: وجوب الوفاء بما يقتضيه العقد في نفسه يصير بدلالة الآية حكماً شرعيّاً للعقد، مساوياً للّزوم.

و أضعف من ذلك: ما نشأ من عدم التفطّن لوجه دلالة الآية على

____________

(1) في «ق» كُتب على «التمليك»: «العقد».

(2) في «ش» و هامش «ف» زيادة: «بل قد حُقِّق في الأُصول: أن لا معنى للحكم الوضعي إلّا ما انتزع من الحكم التكليفي».

(3) قاله العلّامة (قدّس سرّه) في المختلف 6: 255.

19

اللزوم مع الاعتراف بأصل الدلالة لمتابعة المشهور و هو (1): أنّ المفهوم من الآية عرفاً حكمان: تكليفيٌّ و وضعيٌّ (2).

و قد عرفت أن ليس المستفاد منها إلّا حكمٌ واحدٌ تكليفيٌّ يستلزم حكماً وضعيّاً (3).

[الاستدلال بآية أحل الله البيع]

و من ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (4) على اللزوم، فإنّ حلّية البيع التي لا يراد منها إلّا حلّية جميع التصرّفات المترتّبة عليه التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر مستلزمةٌ لعدم تأثير ذلك الفسخ و كونه لغواً غير مؤثّر.

[الاستدلال بآية تجارة عن تراض]

و منه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم بإطلاق حلّية أكل المال بالتجارة عن تراضٍ (5)، فإنّه يدلّ على أنّ التجارة سببٌ لحلّية التصرّف بقولٍ مطلق حتّى بعد فسخ أحدهما من دون رضا الآخر.

فدلالة الآيات الثلاث على أصالة اللزوم على نهجٍ واحد، لكن الإنصاف أنّ في دلالة الآيتين بأنفسهما على اللزوم نظراً (6).

____________

(1) يعني: ما نشأ من عدم التفطّن.

(2) لم نقف على قائله.

(3) راجع الصفحة المتقدّمة.

(4) البقرة: 275.

(5) المستفاد من قوله تعالى «إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» النساء: 29.

(6) في «ش» بدل قوله «لكنّ الإنصاف .. إلخ» عبارة: «لكن يمكن أن يقال: إنّه إذا كان المفروض الشكّ في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة بإطلاق الآيتين الأخيرتين لم يمكن التمسّك في رفعه إلّا بالاستصحاب، و لا ينفع الإطلاق». و قد وردت هذه العبارة في «ف» في الهامش.

20

[الاستدلال بآية أكل المال بالباطل]

و منها: قوله تعالى وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ (1) دلّ على حرمة الأكل بكلّ وجهٍ يسمّى باطلًا عرفاً، و موارد ترخيص الشارع ليس من الباطل، فإنّ أكل المارّة من ثمر (2) الأشجار التي يمرّ بها باطلٌ لولا إذن الشارع الكاشف عن عدم بطلانه، و كذلك الأخذ بالشفعة و الخيار؛ فإنّ رخصة الشارع في الأخذ بهما (3) يكشف عن ثبوت حقٍّ لذوي الخيار و الشفعة؛ و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ أخذ مال الغير و تملّكه من دون إذن صاحبه باطلٌ عرفاً.

نعم، لو دلّ الشارع على جوازه كما في العقود الجائزة بالذات أو بالعارض كشف ذلك عن حقٍّ للفاسخ متعلّقٍ بالعين.

[الاستدلال بروايتي لا يحل مال امرئ مسلم و الناس مسلطون]

و ممّا ذكرنا يظهر وجه الاستدلال بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا عن طيب نفسه» (4).

و منها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «الناس مسلّطون على أموالهم» (5) فإنّ مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع: أن لا يجوز أخذه من يده و تملّكه عليه من دون رضاه؛ و لذا استدلّ المحقّق في الشرائع على عدم جواز رجوع المقرض فيما أقرضه: بأنّ فائدة الملك التسلّط (6). و نحوه العلّامة

____________

(1) البقرة: 188.

(2) في «ش»: «ثمرة».

(3) في ظاهر «ق»: «بها»، و لعلّه من سهو القلم.

(4) عوالي اللآلي 2: 113، الحديث 309.

(5) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99، و 457، الحديث 198.

(6) الشرائع 2: 68.

21

في بعض كتبه (1).

و الحاصل: أنّ جواز العقد الراجع إلى تسلّط الفاسخ على تملّك ما انتقل عنه و صار مالًا لغيره و أخذه منه بغير رضاه منافٍ لهذا العموم.

[الاستدلال برواية المؤمنون عند شروطهم]

و منها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «المؤمنون عند شروطهم» (2). و قد استدلّ به على اللزوم غير واحدٍ منهم المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) (3) بناءً على أنّ الشرط مطلق الإلزام و الالتزام و لو ابتداءً من غير ربطٍ بعقدٍ آخر، فإنّ العقد على هذا شرطٌ، فيجب الوقوف عنده و يحرم التعدّي عنه، فيدلّ على اللزوم بالتقريب المتقدّم في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

لكن لا يبعد منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائيّة، بل المتبادر عرفاً هو الإلزام التابع، كما يشهد به موارد استعمال هذا اللفظ حتّى في مثل قوله (عليه السلام) في دعاء التوبة: «و لك يا ربِّ شرطي أن لا أعود في مكروهك، و عهدي أن أهجر جميع معاصيك» (4)، و قوله (عليه السلام) في أوّل دعاء الندبة: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا» (5) كما لا يخفى على من تأمّلها.

مع أنّ كلام بعض أهل اللغة يساعد على ما ادّعينا من الاختصاص،

____________

(1) راجع التذكرة 2: 6، و فيه بعد الحكم بعدم جواز رجوع المقرض بعد قبض المستقرض هكذا: «صيانة لملكه».

(2) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

(3) مجمع الفائدة 8: 383، و منهم المحدّث البحراني في الحدائق 19: 4.

(4) الصحيفة السجّادية: 166، من دعائه (عليه السلام) في ذكر التوبة و طلبها.

(5) مصباح الزائر: 446، و عنه في البحار 102: 104.

22

ففي القاموس: الشرط إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه (1).

و منها: الأخبار المستفيضة

في أنّ «البيّعان (2) بالخيار ما لم يفترقا» (3)، و أنّه «إذا افترقا وجب البيع» (4)، و أنّه «لا خيار لهما بعد الرضا» (5).

فهذه جملةٌ من العمومات الدالّة على لزوم البيع عموماً أو خصوصاً. و قد عرفت أنّ ذلك مقتضى الاستصحاب أيضاً (6).

[مقتضى الاستصحاب أيضا اللزوم]

و ربما يقال: إنّ مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك (7)، فإنّ الظاهر من كلماتهم عدم انقطاع علاقة المالك عن العين التي له فيها الرجوع، و هذا الاستصحاب حاكمٌ على الاستصحاب المتقدّم المقتضي للّزوم. و رُدّ بأنّه:

إن أُريد بقاء علاقة الملك أو علاقةٍ تتفرّع على الملك، فلا ريب

____________

(1) القاموس 2: 368، مادّة (الشرط).

(2) كذا في «ق»، و الوجه فيه الحكاية، و في «ش» و مصحّحة بعض النسخ «ن»: «البيّعين».

(3) الوسائل 12: 345 346، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 3، و 350، الباب 3 من الأبواب، الحديث 6، و المستدرك 13: 297 298، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 4، 6 و 8، و 299، الباب 2 من الأبواب، الحديث 3.

(4) الوسائل 12: 346، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 4، و 348، الباب 2 من الأبواب، الحديث 5.

(5) الوسائل 12: 346، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 3.

(6) تقدّم في الصفحة 14 (المعنى الثالث من معاني الأصل).

(7) في «ش» زيادة: «عن العين».

23

في زوالها بزوال الملك.

و إن أُريد بها سلطنة إعادة العين في ملكه، فهذه علاقة يستحيل اجتماعها مع الملك، و إنّما تحدث بعد زوال الملك لدلالة دليلٍ؛ فإذا فقد الدليل فالأصل عدمها.

و إن أُريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع، فإنّها تستصحب عند الشكّ، فيصير الأصل في البيع بقاء الخيار، كما يقال: الأصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرّف، في مقابل من جعلها لازمةً بالتصرّف، ففيه مع عدم جريانه فيما لا خيار فيه في المجلس، بل مطلقاً بناءً على أنّ الواجب هنا الرجوع في زمان الشكّ إلى عموم أَوْفُوا (1) لا الاستصحاب-: أنّه لا يجدي بعد تواتر الأخبار بانقطاع الخيار مع الافتراق، فيبقى ذلك الاستصحاب سليماً عن الحاكم (2).

[ظاهر المختلف أن الأصل عدم اللزوم و المناقشة فيه]

ثمّ إنّه يظهر من المختلف في مسألة أنّ المسابقة لازمة أو جائزة-: أنّ الأصل عدم اللزوم (3)، و لم يردّه من تأخّر عنه (4) إلّا بعموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5)، و لم يُعلم (6) وجهٌ صحيحٌ لتقرير هذا الأصل. نعم، هو حسنٌ في خصوص عقد المسابقة و شبهه ممّا لا يتضمّن

____________

(1) في «ش»: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

(2) في «ش» و هامش «ف» زيادة: «فتأمّل».

(3) المختلف 6: 255.

(4) راجع جامع المقاصد 8: 326، و الجواهر 28: 223.

(5) المائدة: 1.

(6) في «ش»: «و لم يكن».

24

تمليكاً أو تسليطاً؛ ليكون الأصل بقاء ذلك الأثر و عدم زواله بدون رضا الطرفين.

[إذا شك في عقد أنه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز]

ثمّ إنّ ما ذكرنا من العمومات المثبتة لأصالة اللزوم إنّما هو في الشكّ في حكم الشارع باللزوم، و يجري أيضاً فيما إذا شكّ في عقدٍ خارجيٍّ أنّه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز (1)، بناءً على أنّ المرجع في الفرد المردّد بين عنواني العامّ و المخصّص إلى العموم. و أمّا بناءً على خلاف ذلك، فالواجب الرجوع عند الشكّ في اللزوم إلى الأصل، بمعنى استصحاب الأثر و عدم زواله بمجرّد فسخ أحد المتعاقدين، إلّا أن يكون هنا أصلٌ موضوعيٌّ يثبت العقد الجائز، كما إذا شكّ في أنّ الواقع هبةٌ أو صدقةٌ، فإنّ الأصل عدم قصد القربة، فيحكم بالهبة الجائزة.

لكن الاستصحاب المذكور إنّما ينفع في إثبات صفة اللزوم، و أمّا تعيين العقد اللازم حتّى يترتّب عليه سائر آثار العقد اللازم كما إذا أُريد تعيين البيع عند الشكّ فيه و في الهبة فلا، بل يُرجع في أثر كلّ عقدٍ إلى ما يقتضيه الأصل بالنسبة إليه، فإذا شكّ في اشتغال الذمّة بالعوض حكم بالبراءة التي هي من آثار الهبة، و إذا شكّ في الضمان مع فساد العقد حكم بالضمان؛ لعموم «على اليد» إن كان هو المستند في الضمان بالعقود الفاسدة، و إن كان المستند دخوله في «ضمان العين» أو قلنا بأنّ خروج الهبة من ذلك العموم مانعٌ عن الرجوع إليه فيما احتمل كونه مصداقاً لها، كان الأصل البراءة أيضاً.

____________

(1) أو الجائز» مشطوب عليها في «ق».

25

في أقسام الخيار

و هي كثيرةٌ إلّا أنّ أكثرها متفرّقةٌ، و المجتمع منها في كلِّ كتابٍ سبعةٌ، و قد أنهاها بعضهم إلى أزيد من ذلك، حتّى أنّ المذكور في اللمعة مجتمعاً أربعة عشر (1)، مع عدم ذكره لبعضها، و نحن نقتفي أثَر المقتصِر على السبعة كالمحقّق (2) و العلّامة (3) (قدّس سرّهما) لأنّ ما عداها لا يستحقّ عنواناً مستقلا، إذ ليس له أحكامٌ مغايرةٌ لسائر أنواع الخيار، فنقول و باللّه التوفيق

____________

(1) اللمعة الدمشقيّة: 127.

(2) قال في الشرائع (2: 21): «أمّا أقسامه فخمسة»، و قال في المختصر النافع (121): «و أقسامه ستّة». و لم نقف على قولٍ له بالسبعة.

(3) القواعد 2: 64، التذكرة 1: 515، و الإرشاد 1: 374.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الأوّل في خيار المجلس

و المراد ب«المجلس» مطلق مكان المتبايعين حين البيع، و إنّما عبّر بفرده الغالب، و إضافة الخيار إليه لاختصاصه به و ارتفاعه بانقضائه الذي هو الافتراق.

و لا خلاف بين الإماميّة في ثبوت هذا الخيار، و النصوص به مستفيضة (1).

و الموثّق الحاكي لقول عليّ (عليه السلام): «إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب» (2) مطروحٌ أو مؤوّلٌ.

و لا فرق بين أقسام البيع و أنواع المبيع. نعم، سيجيء استثناء بعض أشخاص المبيع كالمنعتق على المشتري.

و تنقيح مباحث هذا الخيار و مسقطاته يحصل برسم مسائل:

____________

(1) راجع الوسائل 12: 345، الباب الأوّل من أبواب الخيار.

(2) الوسائل 12: 347، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 7.

28

[مسائل في خيار المجلس]

مسألة لا إشكال في ثبوته للمتبايعين إذا كانا أصيلين،

و لا في ثبوته للوكيلين في الجملة. و هل يثبت لهما مطلقاً؟ خلاف.

قال في التذكرة: لو اشترى الوكيل أو باع أو تعاقد الوكيلان تعلّق الخيار بهما و بالموكّلين مع حضورهما في المجلس، و إلّا فبالوكيلين، فلو مات الوكيل في المجلس و الموكّل غائبٌ انتقل الخيار إليه؛ لأنّ ملكه أقوى من ملك الوارث. و للشافعيّة قولان: أحدهما: أنّه يتعلّق بالموكّل، و الآخر: أنّه يتعلّق بالوكيل (1)، انتهى.

[أقسام الوكيل]

[1- أن يكون وكيلا في مجرد إجراء العقد]

أقول: و الأولى أن يقال: إنّ الوكيل إن كان وكيلًا في مجرّد إجراء العقد، فالظاهر عدم ثبوت الخيار لهما وفاقاً لجماعةٍ منهم المحقّق و الشهيد الثانيان (2) لأنّ المتبادر من النصّ غيرهما و إن عمّمناه لبعض أفراد الوكيل (3) و لم نقل بما قيل (4) تبعاً لجامع المقاصد (5) بانصرافه

____________

(1) التذكرة 1: 518.

(2) جامع المقاصد 4: 285، و المسالك 3: 194 195.

(3) المراد بهذا «البعض» هو الوكيل في التصرّف المالي، غاية الآمال: 488.

(4) قاله المحقّق التستري في مقابس الأنوار: 241.

(5) جامع المقاصد 4: 286.

29

بحكم الغلبة إلى خصوص العاقد المالك؛ مضافاً إلى أنّ مفاد أدلّة الخيار إثبات حقٍّ و سلطنةٍ لكلٍّ من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر بعد الفراغ عن تسلّطه على ما انتقل إليه، فلا يثبت بها هذا التسلّط لو لم يكن مفروغاً عنه في الخارج.

أ لا ترى: أنّه لو شكّ المشتري في كون المبيع ممّن ينعتق عليه لقرابةٍ أو يجب صرفه لنفقةٍ أو إعتاقه لنذرٍ، فلا يمكن الحكم بعدم وجوبه لأدلّة الخيار، بزعم إثباتها للخيار المستلزم لجواز ردّه على البائع و عدم وجوب عتقه.

هذا مضافاً إلى ملاحظة بعض أخبار هذا الخيار المقرون فيه بينه و بين خيار الحيوان (1)، الذي لا يرضى الفقيه بالتزام ثبوته للوكيل في إجراء الصيغة، فإنّ المقام و إن لم يكن من تعارض المطلق و المقيّد إلّا أنّ سياق الجميع يشهد باتّحاد المراد من لفظ «المتبايعين»، مع أنّ ملاحظة حكمة الخيار تبعّد ثبوته للوكيل المذكور؛ مضافاً إلى أدلّة سائر الخيارات، فإنّ القول بثبوتها لمُوقع الصيغة لا ينبغي من الفقيه.

و الظاهر عدم دخوله في إطلاق العبارة المتقدّمة عن التذكرة (2)، فإنّ الظاهر من قوله: «اشترى الوكيل أو باع» تصرّف الوكيل بالبيع و الشراء، لا مجرّد إيقاع الصيغة.

و من جميع ذلك يظهر ضعف القول بثبوته للوكيلين المذكورين، كما

____________

(1) الوسائل 12: 345، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الأحاديث 1، 5 و 350، الباب 3 من الأبواب نفسها، الحديث 6.

(2) تقدّمت في الصفحة 28.

30

هو ظاهر الحدائق (1).

و أضعف منه تعميم الحكم لصورة منع الموكّل من الفسخ بزعم: أنّ الخيار حقٌّ ثبت للعاقد بمجرّد إجرائه للعقد، فلا يبطل بمنع الموكّل.

و على المختار، فهل يثبت للموكِّلَين؟ فيه إشكالٌ:

من أنّ الظاهر من «البيّعين» في النصّ المتعاقدان، فلا يعمّ الموكّلين؛ و ذكروا: أنّه لو حلف على عدم البيع لم يحنث ببيع وكيله.

و من أنّ الوكيلين فيما نحن فيه كالآلة للمالكين، و نسبة الفعل إليهما شائعة، و لذا لا يتبادر من قوله: «باع فلان ملكه الكذائي» كونه مباشراً للصيغة. و عدم الحِنث بمجرّد التوكيل في إجراء الصيغة ممنوعٌ.

فالأقوى ثبوته لهما و لكن مع حضورهما في مجلس العقد، و المراد به مجلسهما المضاف عرفاً إلى العقد، فلو جلس هذا في مكانٍ و ذاك في مكانٍ آخر فاطّلعا على عقد الوكيلين، فمجرّد ذلك لا يوجب الخيار لهما، إلّا إذا صدق كون مكانيهما مجلساً لذلك العقد، بحيث يكون الوكيلان ك: لساني الموكّلين، و العبرة بافتراق الموكّلين عن هذا المجلس لا بالوكيلين.

هذا كلّه إن كان وكيلًا في مجرّد إيقاع العقد.

[2- أن يكون وكيلا مستقلا في التصرف المالي]

و إن كان وكيلًا في التصرّف المالي كأكثر الوكلاء، فإن كان مستقلا في التصرّف في مال الموكّل بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحقّقها نظير العامل في القراض و أولياء القاصرين فالظاهر ثبوت الخيار له،

____________

(1) الحدائق 19: 7.

31

لعموم النصّ.

و دعوى تبادر المالكين ممنوعةٌ، خصوصاً إذا استندت إلى الغلبة، فإنّ معاملة الوكلاء و الأولياء لا تحصى.

و هل يثبت للموكّلين أيضاً مع حضورهما كما تقدّم عن التذكرة (1)؟ إشكالٌ:

من تبادر المتعاقدين من النصّ، و قد تقدّم عدم حِنث الحالف على ترك البيع ببيع وكيله.

و من أنّ المستفاد من أدلّة سائر الخيارات و خيار الحيوان المقرون بهذا الخيار في بعض النصوص (2): كون الخيار حقّا لصاحب المال، شُرّع (3) إرفاقاً له، و أنّ ثبوته للوكيل لكونه نائباً عنه يستلزم ثبوته للمنوب عنه، إلّا أن يدّعى مدخليّة المباشرة للعقد، فلا يثبت لغير المباشر.

و لكن الوجه الأخير لا يخلو عن قوّةٍ.

و حينئذٍ فقد يتحقّق في عقدٍ واحدٍ الخيار لأشخاصٍ كثيرةٍ من طرفٍ واحدٍ أو من الطرفين، فكلّ من سبق من أهل الطرف الواحد إلى إعماله نفذ و سقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بانفساخه، و ليس المقام من تقديم الفاسخ على المجيز (4).

____________

(1) تقدّم في الصفحة 28.

(2) راجع الصفحة 29، الهامش الأوّل.

(3) في «ش»: «شرعاً».

(4) في «ش» زيادة: «فإنّ تلك المسألة فيما إذا ثبت للجانبين، و هذا فرض من جانب واحد».

32

ثمّ على المختار من ثبوته للموكِّلين، فهل العبرة فيه بتفرّقهما عن مجلسهما حال العقد، أو عن مجلس العقد، أو بتفرّق المتعاقدين، أو بتفرّق الكلّ، فيكفي بقاء أصيلٍ مع وكيل الآخر (1) في مجلس العقد؟ وجوهٌ، أقواها الأخير.

[3- أن لا يكون مستقلا في التصرف]

و إن لم يكن مستقلا في التصرّف في مال الموكّل قبل العقد و بعده، بل كان وكيلًا في التصرّف على وجه المعاوضة كما إذا قال له: اشتر لي عبداً فالظاهر حينئذٍ عدم الخيار للوكيل، لا لانصراف الإطلاق إلى غير ذلك، بل لما ذكرنا في القسم الأوّل (2): من أنّ إطلاق أدلّة الخيار مسوقٌ لإفادة سلطنة كلٍّ من العاقدين على ما نقله عنه بعد الفراغ عن تمكّنه من ردّ ما انتقل إليه، فلا تنهض لإثبات هذا التمكّن عند الشكّ فيه، و لا لتخصيص ما دلّ على سلطنة الموكّل على ما انتقل إليه المستلزمة لعدم جواز تصرّف الوكيل فيه بردّه إلى مالكه الأصلي.

و في ثبوته للموكّلين ما تقدّم (3).

و الأقوى اعتبار الافتراق عن مجلس العقد كما عرفت في سابقه (4).

[هل للموكل تفويض حق الخيار إلى الوكيل؟]

ثمّ هل للموكّل بناءً على ثبوت الخيار له تفويض الأمر إلى الوكيل بحيث يصير ذا حقٍّ خياري؟ الأقوى العدم؛ لأنّ المتيقّن من

____________

(1) في «ش»: «آخر».

(2) و هو الوكيل في إجراء لفظ العقد فقط، راجع الصفحة 28 29.

(3) راجع الصفحة المتقدّمة.

(4) آنفاً.

33

الدليل ثبوت الخيار للعاقد في صورة القول به عند العقد لا لحوقه له بعده. نعم، يمكن توكيله في الفسخ أو في مطلق التصرّف فسخاً أو التزاماً.

[عدم ثبوت الخيار للفضولي]

و ممّا ذكرنا اتّضح عدم ثبوت الخيار للفضوليّين و إن جعلنا الإجازة كاشفةً، لا لعدم صدق «المتبايعين»؛ لأنّ البيع النقل و لا نقل هنا كما قيل (1) لاندفاعه بأنّ البيع النقل العرفي، و هو موجودٌ هنا. نعم، ربما كان ظاهر الأخبار حصول الملك شرعاً بالبيع، و هذا المعنى منتفٍ في الفضولي قبل الإجازة.

و يندفع أيضاً: بأنّ مقتضى ذلك عدم الخيار في الصرف و السلم قبل القبض، مع أنّ هذا المعنى لا يصحّ على مذهب الشيخ القائل بتوقّف الملك على انقضاء الخيار (2).

فالوجه في عدم ثبوته للفضوليّين فحوى ما تقدّم: من عدم ثبوته للوكيلين الغير المستقلّين (3). نعم، في ثبوته للمالكين بعد الإجازة مع حضورهما في مجلس العقد وجهٌ. و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل، له وجهٌ. خصوصاً على القول بأنّ الإجازة عقدٌ مستأنف، على ما تقدّم توضيحه في مسألة عقد الفضولي (4). و يكفي حينئذٍ الإنشاء أصالةً من أحدهما، و الإجازة من الآخر إذا جمعهما مجلسٌ

____________

(1) قاله صاحب الجواهر 23: 9.

(2) الخلاف 3: 22، المسألة 29 من كتاب البيوع.

(3) راجع الصفحة المتقدّمة.

(4) راجع الجزء الثالث: 399.

34

عرفاً. نعم، يحتمل في أصل [المسألة (1)] أن تكون الإجازة من المجيز التزاماً بالعقد، فلا خيار بعدها خصوصاً إذا كانت بلفظ «التزمت»، فتأمّل.

و لا فرق في الفضوليّين بين الغاصب و غيره، فلو تبايع غاصبان ثمّ تفاسخا لم يزُل العقد عن قابليّة لحوق الإجازة، بخلاف ما لو ردّ الموجب منهما قبل قبول الآخر، لاختلال صورة المعاقدة، و اللّه العالم.

____________

(1) لم ترد في «ق».

35

مسألة [هل يثبت الخيار إذا كان العاقد واحدا؟]

لو كان العاقد واحداً لنفسه أو غيره عن نفسه أو غيره ولايةً أو وكالةً على وجهٍ يثبت له الخيار مع التعدّد بأن كان وليّاً أو وكيلًا مستقلا في التصرّف فالمحكيّ عن ظاهر الخلاف و القاضي و المحقّق (1) و العلّامة (2) و الشهيدين (3) و المحقّق الثاني (4) و المحقّق الميسي (5) و الصيمري (6) و غيرهم، ثبوتُ هذا الخيار له عن الاثنين؛ لأنّه بائعٌ و مشترٍ، فله ما لكلٍّ منهما كسائر أحكامهما الثابتة لهما من حيث كونهما متبايعين.

____________

(1) حكاه عن ظاهرهم المحقّق التستري في المقابس: 240.

(2) التذكرة 1: 515 516.

(3) الدروس 3: 265، و المسالك 3: 197 198.

(4) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 545، و المحقّق التستري في المقابس: 241، و راجع تعليقة المحقّق على الإرشاد (مخطوط): 253 254.

(5) لا يوجد لدينا كتابه، نعم حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 545، و المحقّق التستري في المقابس: 241.

(6) حكى عنه ذلك في مفتاح الكرامة 4: 545، و المقابس: 241. و راجع غاية المرام (مخطوط): 288.

36

و احتمال كون الخيار لكلٍّ منهما بشرط انفراده بإنشائه فلا يثبت مع قيام العنوانين بشخصٍ واحد، مندفعٌ باستقرار سائر أحكام المتبايعين، و جعل الغاية التفرّق المستلزم للتعدّد مبنيٌّ على الغالب.

خلافاً للمحكيّ في التحرير من القول بالعدم (1)، و استقربه فخر الدين قدّس اللّه سرّه (2)، و مال إليه المحقّق الأردبيلي (3) و الفاضل الخراساني (4) و المحدّث البحراني (5)، و استظهره بعض الأفاضل ممّن عاصرناهم (6).

و لا يخلو عن قوّةٍ بالنظر إلى ظاهر النصّ؛ لأنّ الموضوع فيه صورة التعدّد، و الغاية فيه الافتراق المستلزم للتعدّد، و لولاها لأمكن استظهار كون التعدّد في الموضوع لبيان حكم كلٍّ من البائع و المشتري كسائر أحكامهما؛ إذ لا يفرِّق العرف بين قوله: «المتبايعان كذا» و قوله: «لكلٍّ من البائع و المشتري»، إلّا أنّ التقييد بقوله: «حتّى يفترقا» ظاهرٌ في اختصاص الحكم بصورة إمكان فرض الغاية، و لا يمكن فرض التفرّق في غير المتعدّد.

و منه يظهر سقوط القول بأنّ كلمة «حتّى» تدخل على الممكن و المستحيل، إلّا أن يدّعى أنّ التفرّق غايةٌ مختصّةٌ بصورة التعدّد،

____________

(1) التحرير 1: 165.

(2) إيضاح الفوائد 1: 481، و فيه: «و الأولى عدم الخيار هنا».

(3) مجمع الفائدة 8: 389.

(4) كفاية الأحكام: 91، و فيه: «لا يخلو عن قوّة».

(5) الحدائق 19: 13 و 16.

(6) و هو المحقّق التستري في المقابس: 241، و فيه: «و لعلّ القول الثاني أقوى».

37

لا مخصّصةٌ للحكم بها.

و بالجملة، فحكم المشهور بالنظر إلى ظاهر اللفظ مشكلٌ. نعم، لا يبعد بَعد تنقيح المناط، لكن الإشكال فيه. و الأولى التوقّف، تبعاً للتحرير و جامع المقاصد (1).

ثمّ لو قلنا بالخيار، فالظاهر بقاؤه إلى أن يسقط بأحد المسقطات غير التفرّق.

____________

(1) التحرير 1: 165، و جامع المقاصد 4: 287.

38

مسألة قد يستثني بعض أشخاص المبيع عن عموم ثبوت هذا الخيار:

منها: من ينعتق على أحد المتبايعين،

و المشهور كما قيل (1)-: عدم الخيار مطلقاً، بل عن ظاهر المسالك أنّه محلّ وفاق (2). و احتمل في الدروس ثبوت الخيار للبائع (3). و الكلام فيه مبنيٌّ على قول المشهور: من عدم توقّف الملك على انقضاء الخيار، و إلّا فلا إشكال في ثبوت الخيار.

و الظاهر أنّه لا إشكال في عدم ثبوت الخيار بالنسبة إلى نفس العين؛ لأنّ مقتضى الأدلّة الانعتاق بمجرّد الملك، و الفسخ بالخيار من حينه لا من أصله، و لا دليل على زواله بالفسخ مع قيام الدليل على عدم

____________

(1) قاله المحدّث البحراني في الحدائق 19: 16.

(2) نسبه إلى ظاهر المسالك المحقّق التستري في المقابس: 240، و انظر المسالك 3: 212.

(3) الدروس 3: 266.

39

زوال الحرّية بعد تحقّقها إلّا على احتمالٍ ضعّفه في التحرير فيما لو ظهر من ينعتق عليه معيباً (1) مبنيٍّ على تزلزل العتق.

و أمّا الخيار بالنسبة إلى أخذ القيمة، فقد يقال (2): [إنّه (3)] مقتضى الجمع بين أدلّة الخيار و دليل عدم عود الحرّ إلى الرقّية، فيفرض المنعتق كالتالف، فلمن انتقل إليه أن يدفع القيمة و يستردّ الثمن. و ما في التذكرة: من أنّه وطّن نفسه على الغبن المالي، و المقصود من الخيار أن ينظر و يتروّى لدفع الغبن عن نفسه ممنوعٌ؛ لأنّ التوطين على شرائه عالماً بانعتاقه عليه ليس توطيناً على الغبن من حيث المعاملة، و كذا لمن انتقل عنه أن يدفع الثمن و يأخذ القيمة. و ما في التذكرة: من تغليب جانب العتق (4) إنّما يجدي مانعاً عن دفع العين.

لكنّ الإنصاف: أنّه لا وجه للخيار لمن انتقل إليه؛ لأنّ شراءه إتلافٌ له في الحقيقة و إخراجٌ له عن الماليّة، و سيجيء سقوط الخيار بالإتلاف بل بأدنى تصرّف (5)، فعدم ثبوته به أولى. و منه يظهر عدم ثبوت الخيار لمن انتقل عنه؛ لأنّ بيعه ممّن ينعتق عليه إقدامٌ على إتلافه و إخراجه عن الماليّة.

____________

(1) لم نعثر فيه إلّا على هذه العبارة: «و لو اشترى من يعتق عليه ثمّ ظهر على عيب سابق فالوجه أنّ له الأرش خاصّة» انظر التحرير 1: 184.

(2) احتمله الشهيد في الدروس 3: 266.

(3) الزيادة اقتضاها السياق.

(4) التذكرة 1: 516، و فيه: «لكن النظر إلى جانب العتق أقوى».

(5) يجيء في الصفحة 81 و 97.

40

و الحاصل: أنّا إذا قلنا: إنّ الملك في من ينعتق عليه تقديريٌّ لا تحقيقي، فالمعاملة عليه من المتبايعين مواطاةٌ على إخراجه عن الماليّة، و سلكه في سلك ما لا يتموّل. لكنّه حسنٌ مع علمهما، فتأمّل.

و قد يقال (1): إنّ ثبوت الخيار لمن انتقل عنه مبنيٌّ على أنّ الخيار و الانعتاق هل يحصلان بمجرّد البيع أو بعد ثبوت الملك آناً ما، أو الأوّل بالأوّل و الثاني بالثاني، أو العكس؟

فعلى الأوّلين و الأخير يقوى القول بالعدم؛ لأنصيّة أخبار العتق و كون القيمة بدل العين، فيمتنع استحقاقها من دون المبدل، و لسبق تعلّقه على الأخير. و يحتمل قريباً الثبوت؛ جمعاً بين الحقّين و دفعاً للمنافاة من البين، و عملًا بالنصّين و بالإجماع على عدم إمكان زوال يد البائع عن العوضين، و تنزيلًا للفسخ منزلة الأرش مع ظهور عيبٍ في أحدهما، و للعتق منزلة تلف العين، و لأنهم حكموا بجواز الفسخ و الرجوع إلى القيمة فيما إذا باع بشرط العتق فظهر كونه ممّن ينعتق على المشتري، أو تعيّب بما يوجب ذلك. و الظاهر عدم الفرق بينه و بين المقام.

و على الثالث يتّجه الثاني؛ لما مرّ، و لسبق تعلّق حقّ الخيار و عروض العتق.

ثمّ قال: و حيث كان المختار في الخيار: أنّه بمجرّد العقد، و في العتق: أنّه بعد الملك، و دلّ ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب على أنّ أحكام العقود و الإيقاعات تتبعها بمجرّد حصولها إذا لم يمنع عنها مانعٌ، من غير فرقٍ بين الخيار و غيره، بل قد صرّحوا بأنّ الخيار يثبت بعد

____________

(1) القائل هو صاحب المقابس (قدّس سرّه)، كما سيأتي.

41

العقد و أنّه علّةٌ و المعلول لا يتخلّف عن علّته، كما أنّ الانعتاق لا يتخلّف عن الملك، فالأقرب هو الأخير، كما هو ظاهر المختلف و التحرير (1) و مال إليه الشهيد (2) إن لم يثبت الإجماع على خلافه، و يؤيّده إطلاق الأكثر و دعوى ابن زهرة الإجماع على ثبوت خيار المجلس في جميع ضروب البيع (3) من غير استثناءٍ (4). انتهى كلامه (5)، رفع مقامه.

أقول: إن قلنا: إنّه يعتبر في فسخ العقد بالخيار أو بالتقايل خروج الملك عن ملك مَن انتقل إليه إلى ملك مَن انتقل عنه نظراً إلى أنّ خروج أحد العوضين عن ملك أحدهما يستلزم دخول الآخر فيه و لو تقديراً لم يكن وجهٌ للخيار فيما نحن فيه و لو قلنا بكون الخيار بمجرّد العقد و الانعتاق عقيب الملك آناً ما، إذ برفع العقد لا يقبل المنعتق عليه لأن يخرج من ملك المشتري إلى ملك البائع و لو تقديراً؛ إذ ملكيّة المشتري لمن ينعتق عليه ليس على وجهٍ يترتّب عليه سوى الانعتاق، و لا يجوز تقديره بعد الفسخ قبل الانعتاق خارجاً عن ملك المشتري إلى ملك البائع ثمّ انعتاقه مضموناً على المشتري، كما لو فرض بيع المشتري للمبيع في زمن الخيار ثمّ فسخ البائع.

و الحاصل: أنّ الفاسخ يتلقّى الملك من المفسوخ عليه، و هذا غير

____________

(1) راجع المختلف 8: 23 25، و التحرير 1: 165، و 2: 77.

(2) انظر الدروس 3: 266، و القواعد و الفوائد 2: 247، القاعدة 244.

(3) كذا في ظاهر «ق»، و لعلّ الأصحّ: «المبيع»، كما في «ش».

(4) راجع الغنية: 217.

(5) يعني: كلام المحقّق التستري في المقابس: 240.

42

حاصلٍ فيما نحن فيه.

و إن قلنا: إنّ الفسخ لا يقتضي أزيد من ردّ العين إن كان موجوداً و بدله إن كان تالفاً أو كالتالف، و لا يعتبر في صورة التلف إمكان تقدير تلقّي الفاسخ الملك من المفسوخ عليه و تملّكه منه، بل يكفي أن تكون العين المضمونةُ قبل الفسخ بثمنها مضمونةً بعد الفسخ بقيمتها مع التلف كما يشهد به الحكم بجواز الفسخ و الرجوع إلى القيمة فيما (1) تقدّم من (2) مسألة البيع بشرط العتق ثمّ ظهور المبيع منعتقاً على المشتري (3)، و حكمهم برجوع الفاسخ إلى القيمة لو وجد العين منتقلةً بعقدٍ لازمٍ مع عدم إمكان تقدير عود الملك قبل الانتقال الذي هو بمنزلة التلف إلى الفاسخ كان الأوفق بعمومات الخيار القول به هنا و الرجوع إلى القيمة، إلّا مع إقدام المتبايعين على المعاملة مع العلم بكونه ممّن ينعتق عليه، فالأقوى العدم؛ لأنّهما قد تواطئا على إخراجه عن الماليّة الذي هو بمنزلة إتلافه.

و بالجملة، فإنّ الخيار حقٌّ في العين، و إنّما يتعلّق بالبدل بعد تعذّره لا ابتداءً، فإذا كان نقل العين إبطالًا لماليّته و تفويتاً لمحلّ الخيار و (4) كان كتفويت نفس الخيار باشتراط سقوطه، فلم يحدث حقٌّ في العين حتّى يتعلّق ببدله.

____________

(1) في ظاهر «ق»: «فما»، و لعلّه من سهو القلم.

(2) في «ش»: «في».

(3) تقدّم في كلام صاحب المقابس، راجع الصفحة 40.

(4) لم ترد «و» في «ش».

43

و قد صرّح بعضهم بارتفاع خيار البائع بإتلاف المبيع (1) و نقله إلى من ينعتق عليه كالإتلاف له من حيث الماليّة، فدفع الخيار به أولى و أهون من رفعه، فتأمّل.

و منها: العبد المسلم المشترى من الكافر

بناءً على عدم تملّك الكافر للمسلم اختياراً، فإنّه قد يقال بعدم ثبوت الخيار لأحدهما. أمّا بالنسبة إلى العين فلفرض عدم جواز تملّك الكافر للمسلم و تمليكه إيّاه، و أمّا بالنسبة إلى القيمة فلما تقدّم: من أنّ الفسخ يتوقّف على رجوع العين إلى مالكه الأصلي و لو تقديراً (2) لتكون مضمونةً له بقيمته على من انتقل إليه، و رجوع المسلم إلى الكافر غير جائزٍ، و هذا هو المحكيّ عن حواشي الشهيد (رحمه اللّه) حيث قال: إنّه يباع و لا يثبت له خيار المجلس و لا الشرط (3).

و يمكن أن يريد بذلك عدم ثبوت الخيار للكافر فقط و إن ثبت للمشتري، فيوافق مقتضى كلام فخر الدين (قدّس سرّه) في الإيضاح: من أنّ البيع بالنسبة إلى الكافر استنقاذٌ، و بالنسبة إلى المشتري كالبيع (4)؛ بناءً منه على عدم تملّك السيّد الكافر له؛ لأنّ الملك سبيلٌ، و إنّما له حقّ استيفاء

____________

(1) لم نظفر على مصرّحٍ بذلك بعد التتبّع في الكتب الفقهيّة المتداولة، انظر مفتاح الكرامة 4: 599.

(2) تقدّم في الصفحة 41.

(3) لا يوجد لدينا «حواشي الشهيد» لكن حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 180.

(4) إيضاح الفوائد 1: 414.

44

ثمنه منه.

لكنّ الإنصاف: أنّه على هذا التقدير لا دليل على ثبوت الخيار للمشتري أيضاً؛ لأنّ الظاهر من قوله: «البيّعان بالخيار» (1) اختصاص الخيار بصورة تحقّق البيع من الطرفين؛ مع أنّه لا معنى لتحقّق العقد البيعي من طرفٍ واحد، فإنّ شروط البيع إن كانت موجودة تحقّق من الطرفين و إلّا لم يتحقّق أصلًا، كما اعترف به بعضهم (2) في مسألة بيع الكافر الحربي من ينعتق عليه.

و الأقوى في المسألة وفاقاً لظاهر الأكثر (3) و صريح كثيرٍ (4) ثبوت الخيار في المقام، و إن تردّد في القواعد بين استرداد العين و (5) القيمة (6).

و ما ذكرنا: من أنّ الرجوع بالقيمة مبنيٌّ على إمكان تقدير الملك في ملك المالك الأصلي، لو أغمضنا عن منعه كما تقدّم في المسألة السابقة (7) غير قادحٍ هنا؛ لأنّ تقدير المسلم في ملك الكافر بمقدارٍ يثبت عليه بدله ليس سبيلًا للكافر على المسلم، و لذا جوّزنا له شراء من

____________

(1) الوسائل 12: 345، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 3.

(2) راجع جامع المقاصد 4: 133، و مفتاح الكرامة 4: 319 و 549.

(3) ثبوت الخيار ظاهر من أطلق عليه البيع و لم يصرّح بعدم سقوط الخيار.

(4) ممّن صرّح بثبوت الخيار في المسألة الشهيد في الدروس 3: 199، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 4: 65.

(5) في «ش»: «أو».

(6) القواعد 2: 18.

(7) تقدّم في الصفحة 41.

45

ينعتق عليه. و قد مرّ بعض الكلام في ذلك في شروط المتعاقدين (1).

و منها: شراء العبد نفسه بناءً على جوازه

فإنّ الظاهر عدم الخيار فيه و لو بالنسبة إلى القيمة؛ لعدم شمول أدلّة الخيار له، و اختاره في التذكرة (2). و فيها أيضاً: أنّه لو اشترى جَمَداً في شدّة الحرّ ففي الخيار إشكالٌ (3). و لعلّه من جهة احتمال اعتبار قابليّة العين للبقاء بعد العقد ليتعلّق بها الخيار، فلا يندفع الإشكال بما في جامع المقاصد: من أنّ الخيار لا يسقط بالتلف (4) لأنّه لا يسقط به إذا ثبت قبله، فتأمّل.

____________

(1) راجع الجزء الثالث: 598.

(2) التذكرة 1: 516.

(3) التذكرة 1: 516.

(4) جامع المقاصد 4: 287.

46

مسألة لا يثبت خيار المجلس في شيءٍ من العقود سوى البيع عند علمائنا،

كما في التذكرة (1)، و عن تعليق الإرشاد (2) و غيرهما (3). و عن الغنية: الإجماع عليه (4). و صرّح الشيخ في غير موضعٍ من المبسوط بذلك أيضاً (5)، بل عن الخلاف: الإجماع على عدم دخوله في الوكالة و العارية و القراض و الحوالة و الوديعة (6). إلّا أنّه في المبسوط بعد ذكر جملةٍ من العقود التي يدخلها الخيار و التي لا يدخلها قال: و أمّا الوكالة و الوديعة و العارية

____________

(1) التذكرة 1: 516.

(2) حاشية الإرشاد (مخطوط): 254، ذيل قول المصنّف: «و يثبت في البيع خاصّة».

(3) مثل مجمع الفائدة 8: 388، بلفظ «عند الأصحاب»، و المسالك 3: 211، بلفظ «لا خلاف فيه بين علمائنا».

(4) الغنية: 220.

(5) راجع المبسوط 2: 80 82، و فيه بعد الحكم بعدم دخوله في الحوالة و الإجارة و العتق هكذا: «لأنّه يختصّ البيع» و «لأنّه ليس ببيع» و «لأنّ خيار المجلس يختصّ البيع».

(6) الخلاف 3: 13 14، المسألة 12 من البيوع، و فيه بدل «الحوالة»: الجعالة.

47

و القراض و الجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانعٌ (1)، انتهى.

و مراده خيار المجلس و الشرط. و حكي نحوه عن القاضي (2).

و لم يُعلم معنى الخيار في هذه العقود (3)، بل جزم في التذكرة: بأنّه لا معنى للخيار فيها؛ لأنّ الخيار فيها أبداً (4).

و احتمل في الدروس: أن يراد بذلك عدم جواز التصرّف قبل انقضاء الخيار (5). و لعلّ مراده التصرّف المرخّص فيه شرعاً للقابل في هذه العقود، لا الموجب؛ إذ لا معنى لتوقّف جواز تصرّف المالك في هذه العقود على انقضاء الخيار، و (6) لأنّ أثر هذه العقود تمكّن غير المالك من التصرّف، فهو الذي يمكن توقّفه على انقضاء الخيار الذي جعل الشيخ (قدّس سرّه) أثر البيع متوقّفاً عليه (7).

لكن الإنصاف: أنّ تتبّع كلام الشيخ في المبسوط في هذا المقام يشهد بعدم إرادته هذا المعنى، فإنّه صرّح في مواضع قبل هذا الكلام و بعده باختصاص خيار المجلس بالبيع (8).

____________

(1) المبسوط 2: 82.

(2) المهذّب 1: 356.

(3) يعني العقود المذكورة في كلام الشيخ بقوله: «و أمّا الوكالة و الوديعة و ..».

(4) التذكرة 1: 516.

(5) الدروس 3: 268.

(6) لم ترد «و» في «ش».

(7) راجع الخلاف 3: 22، المسألة 29 من كتاب البيوع.

(8) انظر المبسوط 2: 80، 81 و 82.

48

و الذي يخطر بالبال: أنّ مراده دخول الخيارين في هذه العقود إذا وقعت في ضمن عقد البيع، فتنفسخ بفسخه في المجلس؛ و هذا المعنى و إن كان بعيداً في نفسه، إلّا أنّ ملاحظة كلام الشيخ في المقام يقرّبه إلى الذهن، و قد ذكر نظير ذلك في جريان الخيارين في الرهن و الضمان (1) (2).

و كيف كان، فلا إشكال في أصل هذه المسألة.

____________

(1) راجع المبسوط 2: 79 و 80.

(2) في «ش» زيادة: «و صرّح في السرائر بدخول الخيارين في هذه العقود، لأنّها جائزة فيجوز الفسخ في كلّ وقت، و هو محتمل كلام الشيخ، فتأمّل». و قد وردت هذه الزيادة في «ف» في الهامش. و انظر السرائر 2: 246.

49

مسألة مبدأ هذا الخيار من حين العقد؛

لأنّ ظاهر النصّ (1) كون البيع علّةً تامّة، و مقتضاه كظاهر الفتاوى شمول الحكم للصرف و السلم قبل القبض. و لا إشكال فيه لو قلنا بوجوب التقابض في المجلس في الصرف و السلم وجوباً تكليفيّاً، إمّا للزوم الربا كما صرّح به في صرف التذكرة (2) و إمّا لوجوب الوفاء بالعقد و إن لم يكن بنفسه مملّكاً؛ لأنّ ثمرة الخيار حينئذٍ جواز الفسخ، فلا يجب التقابض.

أمّا لو قلنا بعدم وجوب التقابض و جواز تركه إلى التفرّق المبطل للعقد، ففي أثر الخيار خفاءٌ، لأنّ المفروض بقاء سلطنة كلٍّ من المتعاقدين على ملكه و عدم حقٍّ لأحدهما في مال الآخر. و يمكن أن يكون أثر الخيار خروج العقد بفسخ ذي الخيار عن قابليّة لحوق القبض المملّك، فلو فرض اشتراط سقوط الخيار في العقد لم يخرج العقد بفسخ المشروط

____________

(1) يعني: «البيّعان بالخيار حتّى يفترقا»، الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1 3.

(2) التذكرة 1: 511.

50

عليه عن قابليّة التأثير.

قال في التذكرة: لو تقابضا في عقد الصرف ثمّ أجازا في المجلس لزم العقد، و إن أجازا قبل التقابض فكذلك، و عليهما التقابض، فإن تفرّقا قبله انفسخ العقد، ثمّ إن تفرّقا عن تراضٍ لم يحكم بعصيانهما، فإن انفرد أحدهما بالمفارقة عصى (1)، انتهى.

و في الدروس: يثبت يعني خيار المجلس في الصرف، تقابضا أو لا، فإن التزما به قبل القبض وجب التقابض، فلو هرب أحدهما عصى و انفسخ العقد، و لو هرب قبل الالتزام فلا معصية. و يحتمل قويّاً عدم العصيان مطلقاً؛ لأنّ للقبض مدخلًا في اللزوم فله تركه (2)، انتهى.

و صرّح الشيخ أيضاً في المبسوط بثبوت التخاير في الصرف قبل التقابض (3).

و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في كون مبدأ الخيار للمالكين الحاضرين في مجلس عقد الفضوليّين على القول بثبوت الخيار لهما من زمان إجازتهما على القول بالنقل، و كذا على الكشف، مع احتمال كونه من زمان العقد.

____________

(1) التذكرة 1: 518 519.

(2) الدروس 3: 267.

(3) راجع المبسوط 2: 79، و لكن لم يصرّح به. و فيه: «و أمّا الصرف فيدخله خيار المجلس».

51

القول في مسقطات الخيار

و هي أربعة على ما ذكرها في التذكرة (1)-: اشتراط سقوطه في ضمن العقد، و إسقاطه بعد العقد، و التفرّق، و التصرّف.

فيقع الكلام في مسائل:

مسألة [المسقط الأول اشتراط السقوط في ضمن العقد]

لا خلاف ظاهراً في سقوط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد، و عن الغنية: الإجماع عليه (2). و يدلّ عليه قبل ذلك عموم المستفيض: «المؤمنون (3) أو المسلمون (4) عند شروطهم».

[توهم معارضة اشتراط السقوط لعموم أدلة الخيار و دفعه]

و قد يتخيّل معارضته لعموم (5) أدلّة الخيار، و يرجّح على تلك الأدلّة

____________

(1) التذكرة 1: 517.

(2) الغنية: 217.

(3) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، ذيل الحديث 4.

(4) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2 و 5.

(5) في «ش»: «بعموم».

52

بالمرجّحات (1) و هو ضعيفٌ؛ لأنّ الترجيح من حيث الدلالة و السند مفقودٌ، و موافقة عمل الأصحاب لا يصير مرجّحاً بعد العلم بانحصار مستندهم في عموم أدلّة الشروط، كما يظهر من كتبهم.

و نحوه في الضعف التمسّك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) بناءً على صيرورة شرط عدم الخيار كالجزء من العقد الذي يجب الوفاء به؛ إذ فيه: أنّ أدلّة الخيار أخصّ، فيخصّص بها العموم.

بل الوجه مع انحصار المستند في عموم دليل الشروط عدم نهوض أدلّة الخيار للمعارضة؛ لأنّها مسوقةٌ لبيان ثبوت الخيار بأصل الشرع، فلا ينافي سقوطه بالمسقط الخارجي و هو الشرط؛ لوجوب العمل به شرعاً. بل التأمّل في دليل الشرط يقضي بأنّ المقصود منه رفع اليد عن الأحكام الأصليّة الثابتة للمشروطات قبل وقوعها في حيّز الاشتراط، فلا تعارضه أدلّة تلك الأحكام، فحاله حال أدلّة وجوب الوفاء بالنذر و العهد في عدم مزاحمتها بأدلّة أحكام الأفعال المنذورة لولا النذر.

و يشهد لما ذكرنا من حكومة أدلّة الشرط و عدم معارضتها للأحكام الأصليّة حتّى يحتاج إلى المرجّح استشهاد الإمام في كثيرٍ من الأخبار بهذا العموم على مخالفة كثيرٍ من الأحكام الأصليّة.

____________

(1) قال المامقاني (قدّس سرّه): «هذا الكلام و ما بعده من تضعيف التمسّك بعموم: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» إشارة إلى دفع ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه اللّه)». غاية الآمال: 490، و راجع الجواهر 23: 12.

(2) تمسّك به صاحب الجواهر، انظر الجواهر 23: 12، و الآية من سورة المائدة: 1.

53

منها: صحيحة مالك بن عطيّة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلٍ كان له أبٌ مملوك و كان تحت أبيه جاريةٌ مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لكِ أن أُعينك في مكاتبتك حتّى تؤدّي ما عليكِ بشرط أن لا يكون لك الخيار (1) على أبي إذا أنت ملكت نفسكِ؟ قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار بعد ذلك. قال (عليه السلام): لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم» (2).

و الرواية محمولةٌ بقرينة الإجماع على عدم لزوم الشروط الابتدائيّة على صورة وقوع الاشتراط في ضمن عقدٍ لازم، أو المصالحة على إسقاط الخيار المتحقّق سببه بالمكاتبة بذلك المال.

و كيف كان، فالاستدلال فيها بقاعدة الشروط على نفي الخيار الثابت بالعمومات دليلٌ على حكومتها عليها، لا معارضتها المحوجة إلى التماس المرجّح.

نعم، قد يستشكل التمسّك بدليل الشروط في المقام من وجوه:

الأوّل: أنّ الشرط يجب الوفاء به إذا كان العقد المشروط فيه لازماً؛ لأنّ الشرط (3) في ضمن العقد الجائز لا يزيد حكمه على أصل العقد، بل هو كالوعد، فلزوم الشرط يتوقّف على لزوم العقد، فلو ثبت لزوم العقد بلزوم الشرط لزم الدور.

____________

(1) في «ش» زيادة: «بعد ذلك».

(2) الوسائل 16: 95، الباب 11 من أبواب المكاتبة، الحديث الأوّل.

(3) في «ق»: «الشروط».

54

الثاني: أنّ هذا الشرط مخالفٌ لمقتضى العقد على ما هو ظاهر قوله: «البيّعان بالخيار» فاشتراط عدم كونهما بالخيار اشتراطٌ لعدم بعض مقتضيات العقد.

الثالث: ما استدلّ به بعض الشافعيّة على عدم جواز اشتراط السقوط: من أنّ إسقاط الخيار في ضمن العقد إسقاطٌ لما لم يجب؛ لأنّ الخيار لا يحدث إلّا بعد البيع، فإسقاطه فيه كإسقاطه قبله (1).

هذا، و لكن شيءٌ من هذه الوجوه لا يصلح للاستشكال.

أمّا الأوّل؛ فلأنّ الخارج من عموم الشروط (2): الشروط الابتدائيّة، لأنّها كالوعد، و الواقعة في ضمن العقود الجائزة بالذات أو بالخيار مع بقائها على الجواز؛ لأنّ الحكم بلزوم الشرط مع فرض جواز العقد المشروط به ممّا لا يجتمعان؛ لأنّ الشرط تابعٌ و كالتقييد للعقد المشروط به. أمّا إذا كان نفس مؤدّى الشرط لزوم ذلك العقد المشروط به كما فيما نحن فيه لا التزاماً آخر مغايراً لالتزام أصل العقد، فلزومه الثابت بمقتضى عموم وجوب الوفاء بالشرط عين لزوم العقد، فلا يلزم تفكيكٌ بين التابع و المتبوع في اللزوم و الجواز.

و أمّا الثاني؛ فلأنّ الخيار حقٌّ للمتعاقدين اقتضاه العقد لو خُلّي و نفسه، فلا ينافي سقوطه بالشرط.

و بعبارةٍ أُخرى: المقتضي للخيار العقد بشرط لا، لا طبيعة العقد من حيث هي حتّى لا يوجد بدونه. و قوله: «البيّعان بالخيار» و إن كان

____________

(1) حكاه في التذكرة 1: 517، و راجع المغني لابن قدامة 3: 568.

(2) في «ش»: «الشرط».