معتمد العروة الوثقى - ج2

- السيد محمد رضا الموسوي الخلخالي المزيد...
576 /
9

[ (فصل: في النيابة)]

(فصل: في النيابة) لا إشكال في صحة النيابة عن الميت في الحج الواجب و المندوب و عن الحي في المندوب مطلقا، و في الواجب في بعض الصور (1)

[ (مسألة 1): يشترط في النائب أمور]

(مسألة 1): يشترط في النائب أمور:

[ (أحدها): البلوغ]

(أحدها): البلوغ على المشهور فلا يصح نيابة الصبي

____________

(1) لا ريب في جواز الاستنابة و مشروعيتها في الحج المندوب عن المسلم ميتا كان أو حيا، و قد استفاضت النصوص في ذلك، و هي مذكورة في باب النيابة من الحج في أبواب متفرقة، كما لا إشكال في ثبوت النيابة في الواجب الأصلي عن الميت بل في المنذور على ما تقدم و إخراجه من الثلث، و أما النيابة عن الحي مع تمكنه من أداء الواجب فلا دليل عليها بل هي على خلاف القاعدة لأن مقتضاها عدم سقوط ما وجب على شخص بفعل شخص آخر، و انما تفرغ ذمته عن الواجب إذا أتى به بنفسه، فسقوطه بفعل الغير يحتاج إلى الدليل، و قد قام الدليل في مخصوص النيابة عن الحي العاجز، و قد تقدم الكلام فيه (1) فيقع الكلام تارة: في النائب، و اخرى: في المنوب عنه، و سنتعرض لهما تبعا المتن.

____________

(1) راجع مسألة 72 من شرائط وجوب الحج:

10

عندهم و ان كان مميزا (1) و هو الأحوط، لا لما قيل: من عدم صحة عباداته.

____________

(1) أما النائب فقد اعتبروا فيه أمورا و هي أولا البلوغ.

و يقع الكلام تارة: في غير المميز، و اخرى: في المميز.

أما غير المميز فلا ريب في عدم صحة نيابته لعدم تحقق القصد منه في أفعاله و اعماله، و حاله من هذه الجهة كالحيوانات.

و أما الصبي المميز: فالمشهور عدم صحة نيابته.

و استدلوا بأمرين.

الأول: عدم صحة عبادته و عدم مشروعيتها، و بتعبير آخر:

عباداته ليست عبادة في الحقيقة لتقع عن الغير و انما هي تمرينية.

و فيه: ما ذكرناه غير مرة من ان عبادة الصبي مشروعة، و لا فرق بينها و بين عبادة البالغين إلا بالوجوب و عدمه.

الثاني: عدم الوثوق بعمله لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه.

و فيه: ان بين الوثوق و البلوغ عموم من وجه، و غير البالغ كالبالغ في حصول الوثوق به و عدمه، فالدليل أخص من المدعي، فلا فرق بين البالغ و غيره من هذه الجهة، و لذا لا ينبغي الريب في استحباب نيابة الصبي في الحج، كما يستحب لغيره من البالغين، نعم لو كانت النيابة بالإجارة فحينئذ تتوقف على اذن الولي من باب توقف معاملاته على اذنه و عدم استقلاله فيها.

و يظهر من المصنف- ره- توقف صحة حجه على اذن الولي مطلقا سواء كان عن إجارة أو تبرع، و ليس الأمر كذلك، لان

11

..........

____________

المتوقف على اذن الولي انما هو معاملاته من العقود و الإيقاعات، لا عباداته و سائر أفعاله غير العقود و الإيقاعات.

و الصحيح ان يقال: ان نيابة الصبي في الحج الواجب بحيث توجب سقوط الواجب عن ذمة المنوب عنه غير ثابتة، و تحتاج إلى الدليل و لا دليل.

بل مقتضى القاعدة اشتغال ذمة المنوب عنه بالواجب و عدم سقوطه عنه بفعل الصبي، و ان كانت عباداته شرعية، فإن عدم فراغ ذمة المنوب عنه لا ينافي شرعية عبادات الصبي، إذ لا ملازمة بين شرعية عباداته و سقوط الوجوب عن ذمة المنوب عنه.

و الحاصل: مقتضى الأصل عدم فراغ ذمة المنوب عنه بفعل الغير إلا إذا ثبت بالدليل، و لا دليل على تفريغ ذمة المكلف بفعل الصبي و ان كان فعله صحيحا في نفسه، نظير ما ذكرناه في صلاة الصبي على الميت فإنها لا توجب سقوط الصلاة عن المكلفين، فلا بد من النظر إلى الأدلة و الروايات الواردة في باب النيابة.

فقد ورد في جملة منها لفظ (الرجل) و هو غير شامل للصبي و لذا استشكلنا في نيابة المرأة عن الرجل الحي.

و دعوى ان ذكر الرجل من باب المثال عهدتها على مدعيها.

و أما في النيابة عن الأموات فقد وردت نيابة المرأة عن الرجل و بالعكس، و كذا نيابة المرأة عن المرأة كما في صحيح حكم ابن حكيم، قال: (ع) (يحج الرجل عن المرأة و المرأة عن الرجل و المرأة عن المرأة) (1) و أما الرجل عن الرجل فلم يذكر فيه لوضوحه، فيعلم من هذه الرواية

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 6.

12

..........

____________

- من جهة استقصاء موارد النيابة فيها- ان النيابة تنحصر في هذه الموارد، فكان المغروس في ذهن السائل شبهة و هي احتمال اتحاد الجنس بين النائب و المنوب عنه و لذا حكم (ع) بجواز النيابة في هذه الموارد المشتبهة المحتملة عند السائل و حيث انه (ع) في مقام البيان ينحصر موارد جواز النيابة في الموارد المذكورة، و لم يذكر الصبي في الرواية.

و أما نيابة المرأة عن الرجل الحي فلا نلتزم بها أيضا للروايات الدالة على ان الحي يبعث رجلا صرورة إلى الحج (1).

و الحاصل: ان النيابة على خلاف القاعدة، و الاكتفاء بفعل النائب على خلاف الأصل، فلا بد من الاقتصار على مقدار ما دل الدليل عليه و في غيره فالمرجع هو الأصل: و لم يقم أي دليل على جواز نيابة الصبي و الاكتفاء بفعله في الواجبات الثابتة على ذمة الغير.

أما عبادات الصبي نفسه، فتارة: في مورد الواجبات، و اخرى:

في مورد المستحبات، أما في مورد الواجبات فشرعيتها بالنسبة إليه في مخصوص الصلاة و الصوم و الحج ثابتة، النصوص الخاصة كقولهم (عليهم السّلام): (انا نأمر صبياننا بالصلاة فمروا صبيانكم بالصلاة) (2) و ذكرنا في محله ان الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء و نحوه ورد في الصوم (فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم) كما في صحيح الحلبي (3) و كذلك الروايات الإمرة باحجاج الصبيان (4).

و أما في موارد المستحبات كصلاة الليل و صلاة جعفر و غيرهما من

____________

(1) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج.

(2) الوسائل: باب 3 من أعداد الفرائض ح 5 و غيره.

(3) الوسائل: باب 29 من أبواب عن يصح منه الصوم ح 3 و غيره.

(4) الوسائل: باب 17 من أبواب أقسام الحج.

13

..........

____________

المستحبات فشرعيتها للصبيان لا تحتاج إلى دليل خاص، بل يكفي نفس إطلاق أدلة المستحبات، فإنه يشمل البالغين و غيرهم و من ذلك إطلاق استحباب النيابة فإنه يشمل الصبي أيضا فإن النيابة عن الغير في نفسها مستحبة كما في جملة من الاخبار.

بل ربما يقال: بأن إطلاق أدلة الواجبات يشمل الصبيان نظير إطلاق أدلة المستحبات، غاية الأمر يرتفع الوجوب لحديث رفع القلم (1) و يبقى أصل المطلوبية و الرجحان.

و يرد: بان الوجوب أمر وجداني بسيط إذا ارتفع يرتفع من أصله و ليس امرا مركبا ليرتفع احد جزئية بحديث رفع القلم و يبقى الآخر.

ثم انه قد ورد في خصوص نيابة الحج عن الميت ما يشمل بإطلاقه الصبي كما في معتبرة معاوية بن عمار، قلت: لأبي عبد اللّه (ع) (ما يلحق الرجل بعد موته فقال. و الولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحج و يتصدق و يعتق عنهما و يصلي و يصوم عنهما) (2) فان الولد يشمل غير البالغ أيضا.

و أما نيابته عن الحي فيدل عليها بالخصوص رواية يحيى الأزرق، قال (ع): (من حج عن انسان اشتركا) (3) فإن إطلاق قوله:

(من حج) يشمل الصبي، و الظاهر من قوله: (عن انسان) هو الحي، و المستفاد من الرواية ان كل من ناب عن إنسان حي سواء كان النائب بالغا أو غيره اشترك في الثواب و الأجر و لكن الكلام في سند هذه الرواية فإن يحيى الأزرق مردد بين يحيى بن عبد الرحيم الثقة الذي هو من مشاهير الرواة و له كتاب، و بين يحيى بن حسان الكوفي

____________

(1) الوسائل: باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 11 و 12.

(2) الوسائل: باب 28 من أبواب الاحتضار ح 6.

(3) الوسائل: باب 1 من أبواب النيابة في الحج ح 7.

14

لكونها تمرينية، لأن الأقوى كونها شرعية، و لا لعدم الوثوق به لعدم الردع له من جهة عدم تكليفه لأنه أخص من المدعي، بل الأصالة عدم فراغ ذمة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلة خصوصا مع اشتمال جملة من الاخبار على لفظ الرجل، و لا فرق بين ان يكون حجة بالإجارة أو بالتبرع بإذن الولي أو عدمه، و ان كان لا يبعد دعوى صحة نيابته في الحج المندوب بإذن الولي.

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل، فلا تصح نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد مطبقا كان جنونه أو أدواريا في دور جنونه (1) و لا بأس

____________

الأزرق الذي لم يوثق.

و ربما يقال: ان يحيى الأزرق المذكور في أسانيد الفقيه منصرف إلى يحيى بن عبد الرحمن لشهرته و يبعده ان الشيخ ذكر يحيى الأزرق مستقلا في قبال يحيى بن عبد الرحمن و يحيى بن حسان فيعلم من ذلك انه شخص ثالث لم يوثق، و لا قرينة على انصرافه إلى يحيى بن عبد الرحمن الثقة فالرواية ضعيفة، و لكن يكفينا في صحة نيابة الصبي عن الحي في المستحبات إطلاق أدلة النيابة (1).

(1) فإنه كالحيوان من هذه الجهة، و اما نيابة السفيه فلا اشكال فيها لإطلاق الأدلة و تحقق القصد منه و الحجر عليه في أمواله و تصرفاته المالية لا يمنع عن الأخذ بالإطلاق لعدم المنافاة بينهما.

____________

(1) الوسائل: باب 21 من أبواب النيابة في الحج ح 2.

15

بنيابة السفيه.

[ (الثالث): الايمان]

(الثالث): الايمان لعدم صحة عمل غير المؤمن و ان كان معتقدا بوجوبه و حصل منه نية القربة (1) و دعوى ان ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى.

____________

(1) إذا كان عمل غير المؤمن فاقدا لجزء أو شرط من الاجزاء و الشرائط المعتبرة عندنا فلا كلام في عدم الاجزاء، لان العمل الباطل في حكم العدم، و انما يقال: باجزاء عمل النائب عن المنوب عنه فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحا و إلا فلا ريب في عدم الاجتزاء به و ان كان النائب مؤمنا.

و لعل الوجه في عدم تعرض الأكثر لذكر الشرط المذكور هو بطلان عمل المخالف في نفسه، و مورد النيابة هو العمل الصحيح، فلا يستفاد من عدم تعرضهم لهذا الشرط عدم اعتبار الايمان في النائب كما توهم.

و اما إذا فرضنا انه اتى بعمل صحيح في نفسه واجد لجميع الشرائط و الاجزاء المعتبرة عندنا و تمشي منه قصد القربة، كما إذا رأى المخالف صحة العمل بمذهب الحق. (و ان كان ذلك بعيدا جدا خصوصا في اعمال الحج المشتمل على أحكام كثيرة إذ لا أقل من بطلان وضوئه) فلا تصح نيابته أيضا للأخبار الكثيرة (1) الدالة على اعتبار الإيمان

____________

(1) الوسائل: باب 29 من أبواب مقدمة العبادات. و باب 19 من أبواب المقدمات من كتاب جامع احاديث الشيعة و باب 27 مقدمات العبادات مستدرك الوسائل.

16

..........

____________

و الولاية في قبول الاعمال و صحتها، و بطلان العبادة بدون الولاية.

و دعوى: ان الاخبار ناظرة إلى اعمال نفسه، و منصرفة عن العمل عن الغير على وجه النيابة. ممنوعة: بما ذكرنا غير مرة ان النائب يتقرب بالأمر المتوجه إلى نفسه، فهو مأمور بالعمل لأجل تفريغ ذمة الغير.

و بعبارة أخرى: العمل الصادر من النائب يوجب فراغ ذمة المنوب عنه فإذا فرضنا ان عمله غير مقبول فكيف يوجب سقوط الأمر عن الغير؟ فان السقوط عن ذمته في طول الأمر المتعلق بالنائب فلا بد ان يكون الأمر المتعلق امرا قريبا و مقبولا في نفسه و إلا فلا يوجب فراغ ذمة المنوب عنه لعدم تحقق موضوعه.

و الحاصل: ان مقتضي القاعدة الأولية عدم سقوط الواجب عن ذمة المكلف إلا بمباشرته، و انما يسقط عن ذمته في بعض الأحيان بإتيان العمل من شخص آخر كالنائب للنصوص.

و موضوع ذلك انما هو العمل القربي الصادر عن النائب، و إلا فلا موجب لسقوط الواجب عن ذمة المكلف.

هذا و قد يستدل لاعتبار الايمان في النائب بما رواه السيد ابن طاوس عن عمار (في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز ان يقضيه غير عارف؟ قال (ع): لا يقضيه إلا مسلم عارف) (1) و لكن الرواية ضعيفة لا للجهل بالوسائط بين السيد و عمار لان السيد لم يرو هذه الرواية عن عمار ابتداء ليقال بجهل الوسائط بينه و بين عمار و انما يرويها عن كتب الشيخ و طريقه إلى كتبه صحيح كما ان طريق الشيخ إلى عمار صحيح أيضا، بل منشأ الضعف ان هذه الرواية

____________

(1) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلاة ح 5.

17

[ (الرابع): العدالة، أو الوثوق بصحة عمله]

(الرابع): العدالة، أو الوثوق بصحة عمله. و هذا الشرط انما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحة عمله (1).

____________

غير مذكورة في كتب الشيخ فطريق السيد إلى الشيخ في خصوص هذه الرواية غير معلوم فتصبح الرواية ضعيفة لأجل ذلك.

(1) لا يخفي ان هذا الشرط- كما ذكره المصنف- انما يعتبر في جواز الاستنابة و صحة إجارته لا في صحة عمله، إذ لا ريب في الاجتزاء و الاكتفاء بعمل النائب إذا أتى به صحيحا و لو كان فاسقا. فالظاهر هو اعتبار الوثوق بصدور العمل منه، و تكفي في إحراز الصحة أصالة الصحة و لا يلزم إحرازها بالوثوق أو بأمارة أخرى.

و بالجملة: لو أحرزنا صدور العمل منه أو حصل لنا الوثوق بصدوره منه و شك في صحته و فساده يجتزى به لأصالة الصحة، فالوثوق انما يعتبر في صدور العمل منه، و هل يكتفي بقوله أم لا؟ وجهان قد يقال: بحجية قوله للسيرة على قبول خبر النائب في أداء العمل و يضعف: بأنه لا يعلم جريان سيرة المتشرعة على ذلك بحيث يسمع اخبار النائب و ان لم يتحقق الوثوق بصدقة، و أما قاعدة (من ملك) المستفادة من السيرة فإنما تجري في الأمور الاعتبارية لا في الأمور التكوينية الخارجية، نظير اخبار الزوج بطلاق زوجته أو بعتق عبده أو ببيع داره و نحو ذلك من الأمور الاعتبارية فلا يطالب بالبينة كما لا يعتبر الوثوق بكلامه، و لا العدالة.

و أما الأمور التكوينية الخارجية فلا تثبت بمجرد اخبار من بيده الأمور كاخبار النائب بإتيان العمل بل لا بد من الإثبات.

18

[ (الخامس): معرفته بأفعال الحج و احكامه]

(الخامس): معرفته بأفعال الحج و احكامه و ان كان بإرشاد معلم حال كل عمل (1).

[ (السادس): عدم اشتغال ذمته بحج واجب عليه في ذلك العام]

(السادس): عدم اشتغال ذمته بحج واجب عليه في ذلك العام فلا تصح نيابة من وجب عليه حجة الإسلام، أو النذر المضيق مع تمكنه من إتيانه (2) و اما مع عدم تمكنه لعدم

____________

و يكفي حصول الوثوق بصدور العمل منه، و حينئذ لو شك في انه هل اتى به صحيحا أم لا يحمل على الصحة لأصالة الصحة.

(1) يقع الكلام تارة: في عمل النائب. و اخرى: في الاستيجار و النيابة.

أما الأول: إذا ناب عن الغير تبرعا و كان جاهلا بالأحكام و لكن نفرض انه يتعلم من مرشد أثناء العمل تدريجا، فلا ريب في صحة عمله كما إذا أتى بالحج عن نفسه بإرشاد عارف بالأحكام تدريجا و تعليم منه- و الحاصل: إذا كان العامل جاهلا بالافعال و الاحكام و نوى العمل إجمالا على ما هو عليه و شرع فيه، و لكن في الأثناء يتعلم من المرشد تدريجا، فلا ريب في صحة عمله سواء كان العمل لنفسه أو عن الغير لعدم نقص في عمله و لا موجب للبطلان بعد كونه واجدا لجميع ما يعتبر فيه.

و أما الثاني: فالظاهر عدم صحة إجارته و استنابته الجهل بمتعلق الإجارة لأن المفروض انه يوجر نفسه للحج و هو جاهل به فتكون الإجارة غررية فلا بد ان يكون عارفا و عالما بمقدار يخرجه عن الغرر كما هو الحال في إجارة سائر الأعمال و الافعال.

(2) هذا الشرط أيضا لصحة الاستنابة و الإجارة لا لصحة الحج

19

المال فلا بأس فلو حج عن غيره مع تمكنه من الحج لنفسه بطل على المشهور، لكن الأقوى ان هذا الشرط انما هو لصحة الاستنابة و الإجارة و إلا فالحج صحيح و ان لم يستحق الأجرة، و تبرء ذمة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، مع ان ذلك على للقول به و إيجابه للبطلان انما يتم مع العلم و العمد و اما الجهل و الغفلة فلا، بل الظاهر صحة الإجارة أيضا على هذا التقدير لان البطلان انما هو من جهة عدم القدرة الشرعية على العمل المستأجر عليه حيث ان المانع الشرعي كالمانع العقلي و مع الجهل أو الغفلة لا مانع لانه قادر شرعا.

____________

الصادر منه، فيقع الكلام في مقامين:

أحدهما: في صحة العمل و الحج الواقع منه. ثانيهما: في صحة الإجارة.

أما الأول: فالحج الصادر منه صحيح لأن هذه المسألة من صغريات باب التزاحم للتضاد بين الحجين، الحج الثابت في ذمته و الحج النيابي و لا يمكن الجمع بينهما في سنة واحدة و حيث انه يجوز الأمر بالضدين على نحو الترتب، بمعنى انه يؤمر أولا بالحج عن نفسه و على تقدير الترك أو العصيان يؤمر ثانيا بالحج عن الغير، فيحكم بصحة الحج الصادر منه على وجه النيابة بالأمر الترتبي.

و اما المقام الثاني: فالظاهر بطلان إجارته و لا يمكن تصحيحها

20

..........

____________

بالترتب لان متعلق الإجارة ان كان مطلقا فالحكم بصحتها و وجوب الوفاء بها يستلزم الأمر بالضدين، إذ المفروض ان الأمر بالحج عن نفسه مطلق و متحقق بالفعل، كما ان الأمر الإجاري على الفرض مطلق فإمضاؤه شرعا يستلزم الأمر باجتماع الضدين، و أما إمضائه معلقا على ترك الحج عن نفسه فهو و ان كان ممكنا إلا انه لم ينشأ فما إنشاء غير قابل للإمضاء و ما هو قابل له لم ينشأ، و ان كان متعلق الإجارة مقيدا و معلقا على ترك الحج عن نفسه فيبطل عقد الإجارة للتعليق المجمع على بطلانه، و عليه فلا يستحق النائب اجرة المسمى، نعم لا ريب في استحقاقه اجرة المثل بناء على القاعدة المعروفة (كل شيء يضمن بصحيحه يضمن بفاسده).

ثم ان بطلان الحج النيابي على القول به لا بد من تخصيصه بحال العلم و العمد، اعني فيما إذا كان الأمر بحج الإسلام منجزا، كما إذا كان عالما بوجوب الحج و كان له مال يتمكن معه من الحج و يتركه، أو كان جاهلا به جهلا غير عذري، و أما إذا كان معذورا فلا مانع من الأمر بالضد الآخر فان الأمر الواقعي غير منجز و المانع انما هو الأمر المنجز، و كذا لو لم يتمكن من الحج عن نفسه أصلا فإن مجرد اشتغال الذمة واقعا غير منجز عن الأمر بالضد الآخر.

و أظهر من ذلك مورد الغفلة الذي يوجب سقوط الأمر بالأهم بالمرة إذ لا مانع من فعلية الأمر بالضد الآخر حينئذ.

و بذلك يظهر الحال في صحة الاستيجار مع عدم تنجز وجوب الحج عليه و لو من جهة الجهل إذا كان معذورا و قد تقدم الكلام في هذه المسألة مفصلا في المسألة العاشرة بعد المائة من شرائط وجوب الحج (1).

____________

(1) راجع المجلد الأول من الكتاب ص 346.

21

[ (مسألة 2): لا يشترط في النائب الحرية]

(مسألة 2): لا يشترط في النائب الحرية، فتصح نيابة المملوك باذن مولاه و لا تصلح استنابته بدونه، و لو حج بدون اذنه بطل (1).

[ (مسألة 3): يشترط في المنوب عنه الإسلام]

(مسألة 3): يشترط في المنوب عنه الإسلام، فلا تصح النيابة عن الكافر (2) لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه، لمنعه و إمكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه، بل لانصراف الأدلة، فلو مات مستطيعا و كان الوارث مسلما لا يجب عليه استئجاره عنه، و يشترط فيه أيضا كونه ميتا أو حيا عاجزا في الحج الواجب فلا تصح النيابة عن الحي في الحج الواجب إلا إذا كان عاجزا، و اما في الحج الندبي فيجوز عن الحي و الميت تبرعا أو بالإجارة.

____________

(1) لا تعتبر الحرية في النائب بعد كونه مؤمنا عارفا بالحق، لإطلاق الأدلة و العبودية غير مانعة، نعم تحتاج نيابته إلى اذن المولى و لا تصح بدونه للحجر عليه المستفاد من قوله تعالى (عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ) (1) و كذلك استئجاره.

نعم لا بأس بالإجازة اللاحقة كما هو الحال في نكاحه، لأنه لم يعص الله و انما عصى سيده كما في النص (2).

(2) يقع الكلام تارة: في المشرك. و اخرى: في غيره من

____________

(1) سورة النحل: 75.

(2) الوسائل: باب 24 نكاح العبيد ح 1.

22

..........

____________

أصناف الكفار، اما المشرك أو من هو أعظم منه كالملحد فلا ريب في عدم جواز النيابة عنهم مطلقا في الواجبات و المندوبات لعدم قابلية التقرب بالنسبة إليهم و قد قال الله تعالى (مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ) فهم غير قابلين للغفران و انما هم كالحيوان بل هم أضل (1) فكما لا تجوز النيابة عن الحيوان كذلك عن المشرك.

و أما غير المشرك من أصناف الكفار كاليهود و النصارى بل المجوس بناء على انهم من أهل الكتاب، فيقع البحث فيه في موردين:

أحدهما: في لزوم النيابة عنه في الحج الواجب إذا كان الوارث مسلما.

ثانيهما: في النيابة عنه في الحج الندبي سواء كان ميتا أو حيا.

اما الأول: فإن قلنا بعدم تكليف الكافر بالفروع كما هو المختار فالأمر واضح لعدم كون الحج واجبا عليه ليستناب عنه، فلا موجب لإخراج الحج من التركة، و ان قلنا بأنهم مكلفون بالفروع كما هو المشهور فأدلة وجوب النيابة منصرفة عن الكافر، لان الظاهر من الأسئلة الواردة في روايات النيابة، انما هو السؤال عمن يتوقع منه الحج و لم يحج فان قول السائل: (مات و لم يحج و لم يوص و نحو ذلك) ينصرف إلى المسلم و لا يشمل الكافر الذي لا يتوقع منه الحج، بل لا يبعد جريان السيرة على عدم الاستنابة الكافر من زمن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السّلام) لان كثيرا من المسلمين كان أبواهم من الكفار خصوصا في أوائل الإسلام و لم يعهد ان النبي (ص) أو أحدا من الأئمة (ع) يأمرهم بالنيابة عن والديهم.

و أما الثاني: و هو النيابة عنه في المندوبات سواء كان حيا أو ميتا

____________

(1) الأعراف: 179. التوبة، 113. النساء: 48.

23

[ (مسألة 4): تجوز النيابة عن الصبي المميز و المجنون]

(مسألة 4): تجوز النيابة عن الصبي المميز و المجنون (1)

____________

فيشكل عدم جواز النيابة عنهم، إذ لا مانع من الإحسان إليهم بالحج كما لا مانع من الإحسان إليهم بالصدقات و الأعمال الخيرية، لإمكان تقرب الكافر و لو بالتخفيف في عقابه و عذابه.

هذا فيما إذا لم يكن معاندا لأهل البيت (ع) كالكثير منهم خصوصا المستضعفين منهم بل بعضهم يوالي أهل البيت (ع). و أما إذا كان معاندا فيدخل في الناصب الذي لا يحج عنه إلا إذا كان أبا للنائب كما في النص (1).

و ربما يتوهم: ان الناصب إذا لم تصح النيابة عنه مع كونه مسلما بحسب الظاهر لاعتقاده النبوة، فلا تصح من الكافر أيضا بطريق أولى لأنه ممن حاد الله و رسوله.

و فيه ان الناصب المعاند لا ريب في كونه أخبث و أشد بعدا من الله تعالى، و قد ورد في النص الصحيح ان الناصب لنا أهل البيت شر اليهود و النصارى و المجوس (2).

و بالجملة: ان تم انصراف أدلة النيابة عن الكافر فهو و الأصل عدم مشروعية النيابة عنه لان الفعل الصادر من النائب على وجه النيابة عن الكافر عبادة نشك في مشروعيتها و الأصل عدمها، و ان لم يتم الانصراف- كما لا يبعد- فلا بأس بجواز النيابة عنه لإمكان انتفاعه و لو بالتخفيف في عقابه في الآخرة.

(1) اما جواز النيابة من الصبي المميز فلعدم قصور في أدلة النيابة

____________

(1) الوسائل: باب: 20 من أبواب النيابة في الحج ح 1.

(2) الوسائل: باب 11 من أبواب الماء المضاف ج 5.

24

بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال إفاقته ثم مات مجنونا.

[ (مسألة 5): لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه في الذكورة و الأنوثة]

(مسألة 5): لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه في الذكورة و الأنوثة، فتصح نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الأولى المماثلة (1).

____________

بالنسبة اليه، و عدم شمول التكليف له لا يمنع من شمول إطلاق أدلة النهاية له، و اما المجنون فان استقر عليه الحج حال إفاقته ثم مات مجنونا، فيجب الاستئجار عنه، لان الحج صار دينا عليه و الجنون لا يسقط دينه، و انما يوجب سقوط مباشرته بنفسه بالأداء.

نعم صحة النيابة عن المجنون في غير فرض الاستقرار لا تخلو عن اشكال.

(1) لا خلاف في الجملة في عدم اعتبار المماثلة بين النائب و المنوب عنه في الجنس و ان وقع الخلاف في الصرورة، و اما النصوص الدالة على عدم اعتبار المماثلة، و جواز الاختلاف في الجنس فكثيرة و فيها روايات معتبرة.

منها: صحيح حكم بن حكيم (يحج الرجل عن المرأة و المرأة عن الرجل و المرأة عن المرأة) (1) و لم يذكر فيه نيابة الرجل عن الرجل لوضوحها.

و منها: صحيحة معاوية بن عمار (الرجل يحج عن المرأة و المرأة

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 6.

25

[ (مسألة 6): لا بأس باستنابة الصرورة رجلا كان أو امرأة عن رجل أو امرأة]

(مسألة 6): لا بأس باستنابة الصرورة رجلا كان أو امرأة عن رجل أو امرأة (1) و القول بعدم جواز استنابة المرأة صرورة مطلقا أو مع كون المنوب عنه رجلا ضعيف، نعم يكره ذلك خصوصا مع كون المنوب عنه رجلا، بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة و لو كان رجلا عن رجل.

____________

تحج عن الرجل قال: لا بأس (1) و بإزائها موثقة عبيد بن زرارة قال: قلت: لأبي عبد الله (ع) (الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه هل يجزي عنه امرأة، قال: لا كيف تجزي امرأة و شهادته شهادتان؟

قال: إنما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة و الرجل عن الرجل، و قال:

لا بأس ان يحج الرجل عن المرأة) (2) و صدرها و ان كان يدل على المنع إلا ان ذيلها يدل على استحباب المماثلة و جواز الاختلاف لقوله:

(إنما ينبغي) فإن كلمة (ينبغي) ان لم ترد عليها حرف النفي تدل على المدح و المحبوبية فيحمل عدم الاجزاء في الصدر على الأفضلية.

و أما الرواية فهي معتبرة سندا و ان كان طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيفا بعلي بن محمد بن الزبير على ما ذكرنا تفصيله في محله.

(1) اما المرأة الصرورة (3) فقد صرح الشيخ في المبسوط بعدم جواز حجها عن الرجال و لا عن النساء كما انه أطلق المنع في النهاية في

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 2.

(2) الوسائل: باب 9 من أبواب النيابة في الحج ح 2.

(3) رجل صرور و صرورة رجل لم يحج و قيل لم يتزوج امرأة صرورة لم تحج. أقرب الموارد.

26

..........

____________

نيابة المرأة الصرورة، لخبر علي بن احمد بن أشيم عن سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (ع) عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة فقال: لا ينبغي) (1) بناء على ان قوله: (لا ينبغي) يدل على المنع كما استظهرنا ذلك لما ذكرنا غير مرة ان (لا ينبغي) معناه انه لا يتيسر له و هو معنى الحرمة و المنع، فإذا كانت نيابتها عن المرأة ممنوعة كما في الخبر فنيابتها عن الرجل أولى بالمنع، و لكن الخبر ضعيف بابن أشيم و كذلك منع عن نيابة المرأة الصرورة عن الرجل في الاستبصار (2) و استدل له بعدة من الروايات كلها ضعيفة.

منها: خبر مصادف (في المرأة تحج عن الرجل الصرورة فقال:

ان كانت قد حجت و كانت مسلمة فقيهة قرب امرأة أفقه من رجل (3) فان مفهومه يدل على المنع عن نيابتها إذا كانت صرورة و لم تحج.

و الخبر ضعيف بمصادف و سهل بن زياد.

منها: خبر آخر لمصادف (أ تحج المرأة عن الرجل؟ فقال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة و كانت قد حجت رب امرأة خير من رجل) (4) و دلالته على المنع أيضا بالمفهوم كالخبر المتقدم و لكنه ضعيف أيضا بمصادف.

ثم انه في الوسائل في الطبعة الحديثة ذكر سند الخبر الثاني هكذا:

و عنه (أي عن موسى بن القاسم) و عن الحسين (الحسن) اللؤلؤي، عن الحسن بن محبوب، عن مصادف.

و لا يخفي ان حرف الواو في قوله: (و عن الحسين) زائدة

____________

(1) الوسائل: باب 9 النيابة في الحج ح 3.

(2) الاستبصار: ج 2 ص 322.

(3) الوسائل: باب 8 النيابة في الحج ح 4 و 7.

(4) الوسائل: باب 8 النيابة في الحج ح 4 و 7.

27

..........

____________

و الصحيح (عن الحسن) بلا تقديم الواو كما في التهذيب الجديد (1) و الاستبصار (2)، و الراوي عن الحسن بن محبوب هو الحسن اللؤلؤي كما في التهذيب و الاستبصار لا الحسين فإنه والد الحسن اللؤلؤي و الحسن اللؤلؤي ضعيف لتضعيف ابن الوليد و ابن نوح و الصدوق له فلا يفيد توثيق النجاشي حينئذ.

و منها: خبر زيد الشحام (يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة و لا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة) (3) و دلالته على المنع واضحة و لكنه ضعيف سندا بمفضل و هو أبو جميلة الكذاب.

فتحصل: انه لا دليل على منع نيابة المرأة الصرورة عن المرأة الصرورة أو الرجل الصرورة، و ما دل على ذلك من الروايات ضعيف.

بل مقتضى إطلاق أدلة النيابة جواز نيابة المرأة مطلقا عن الرجل و لا مقيد في البين إلا في مورد واحد و هو النيابة عن الرجل الحي فإن اللزوم كون النائب عنه رجلا صرورة، و أما نيابة المرأة عنه فمشكلة و كذا نيابة الرجل غير الصرورة و قد استوفينا الكلام في اعتبار ذلك عند شرح المسألة (72) من شرائط وجوب الحج.

ثم لا يخفى: ان بعض الروايات أو أكثرها أخذ الصرورة في النائب و المنوب عنه و في بعضها أخذ الصرورة في المنوب عنه لا النائب، و لا يبعد القول بكراهة نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة أو عن الرجل غير الصرورة كما في خبري مصادف المتقدمين، و كذا كراهة نيابة المرأة الصرورة عن المرأة الصرورة كما في خبر أشيم المتقدم.

____________

(1) التهذيب: ج 5 ص 413.

(2) الاستبصار: ج 2 ص 322.

(3) الوسائل: باب 9 النيابة في الحج ح 1.

28

..........

____________

و أما كراهة نيابة الرجل الصرورة عن رجل فلم يستبعدها في المتن بل استظهرها في الجواهر (1) و استدل بروايتين سنذكرهما قريبا ان شاء الله كما نذكر عدم دلالتها على الكراهة، بل قد تجب استنابة الرجل الصرورة فيما إذا كان المنوب عنه رجلا حيا بل ورد الأمر باستنابة الصرورة إذا كان المنوب عنه ميتا كما في صحيح معاوية بن عمار (في رجل صرورة مات و لم يحج حجة الإسلام و له مال، قال (ع):

يحج عنه صرورة لا مال له) (2). و رواها الشيخ بإسناد آخر صحيح أيضا و لكن في متنها على طريقه تشويشا لانه بعد ما سأل- ع- عن الرجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و يترك مالا قال: عليه ان يحج من ماله رجلا صرورة لا مال له (3). إذا لا معنى لان يكون على الميت شيء، و انما يجب على الوصي أو الوارث الإحجاج من مال الميت لا على نفس الميت.

و كيف كان: لا ريب في ان المستفاد من الرواية لزوم إحجاج الرجل الصرورة إذا كان المنوب عنه الميت صرورة.

و لو لم يكن دليل على الخلاف وجب الالتزام بمضمونها، و بإزائها صحيحة أبي أيوب قال: قلت: لأبي عبد الله (ع) امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة و قد حجت المرأة، فقالت: ان كان يصلح حججت أنا عن أخي، و كنت أنا أحق بها من غيري فقال: أبو عبد الله (ع) لا بأس بأن تحج عن أخيها و ان كان لها مال فلتحج

____________

(1) الجواهر ج 17 ص 365.

(2) الوسائل: باب 5 من أبواب النيابة في الحج ح 2.

(3) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج ح 1.

29

..........

____________

من مالها، فإنه أعظم لأجرها) (1).

فإنها صريحة الدلالة على جواز نيابة غير الصرورة و لو كانت امرأة عن الرجل الميت الذي لم يحج، و مقتضى الجمع العرفي بينها و بين صحيح معاوية بن عمار هو الالتزام باستصحاب نيابة الصرورة.

و أما ما استدل به صاحب الجواهر على الكراهة فهو روايتان.

الأولى: رواية إبراهيم بن عقبة قال: (كتبت إليه أسأله عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط أ يجزي كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام أولا؟ بين لي ذلك يا سيدي ان شاء الله، فكتب (ع) لا يجزي ذلك) (2).

و الرواية معتبرة فإن إبراهيم بن عقبة و ان لم يوثق في كتب الرجال و لكنه من رجال كامل الزيارات، إلا ان دلالتها على الكراهة ضعيفة لأن الرواية ناظرة سؤالا و جوابا إلى الاجزاء و عدمه، و ان العمل الصادر من النائب الصرورة هل يجزي عن حجة الإسلام أم لا، و ليست ناظرة إلى حكم الاستنابة و انها تجوز أم لا، و أما حكمه (ع) بعدم الإجزاء فبالنسبة إلى النائب فواضح لعدم القصد في عمله عن نفسه فان المفروض انه حج عن غيره فلا معنى للاجزاء عن نفسه، سواء في الحج الواجب عليه بالفعل أو الواجب عليه فيما بعد عند حصول الاستطاعة.

و أما عدم الاجزاء عن المنوب عنه فيحمل على كون المنوب عنه حيا فتوافق الروايات الإمرة بتجهيز الصرورة عن الحي العاجز (3)

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة في الحج ح 1.

(2) الوسائل: باب 6 من أبواب النيابة في الحج ح 3.

(3) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج.

30

..........

____________

فان قوله: (عن رجل صرورة لم يحج) ظاهر في كون المنوب عنه حيا، و إلا لو كان ميتا لقال عن ميت لم يحج فيكون الحكم بعدم الاجزاء حينئذ لأجل عدم صدور الحج منه بتسبيب من المنوب عنه، مع ان الظاهر من تلك الروايات اختصاص الاجزاء بصورة التسبيب من الحي دون التبرع عنه و لم يظهر من هذه المعتبرة ان الحج كان بتسبيب من الحي.

و لو فرض إطلاقها و شمولها للحي و الميت تقيد بمورد الحي فتكون النتيجة الاجزاء عن الميت بالتبرع عنه كما هو الحال في الحج المندوب، و عدم الاجزاء في مورد الحج عن الحي لعدم سقوط الحج عنه بالتبرع له و انما يسقط عنه فيما إذا كان بتسبيب و تجهيز من المنوب عنه، و حيث لم يظهر من الرواية كون الحج الصادر منه بتسبيب منه لذا حكم بعدم الاجزاء.

و الحاصل: مقتضى الجمع بين هذه الرواية و الرويات الدالة (1) على سقوط الحج عن الميت تبرعا حمل هذه الرواية على صورة الإتيان عن الحي من دون تسبيب منه.

الرواية الثانية: معتبرة بكر بن صالح قال: كتبت إلى أبي جعفر (ع) ان ابني معي و قد أمرته ان يحج عن أمي أ يجزي عنها حجة الإسلام؟

فكتب لا، و كان ابنه صرورة و كانت امه صرورة) (2) و الرواية كما ذكرنا معتبرة لأن بكر بن صالح و ان لم يوثق في كتب الرجال و لكنه من رجال كامل الزيارات.

و الحكم بعدم الاجزاء المذكور في هذه الرواية انما هو بالنسبة إلى المنوب

____________

(1) الوسائل: باب 25 من أبواب النيابة في الحج.

(2) الوسائل: باب 6 من أبواب النيابة في الحج ح 4.

31

..........

____________

عنه خاصة بخلاف عدم الاجزاء المذكور في الرواية الأولى فإنه بالنسبة إلى النائب و المنوب عنه.

و مما تقدم في الجواب عن الرواية الأولى يظهر الجواب عن هذه من حملها على كون المنوب عنه حيا و لم يكن الحج الصادر بتسبيب منه.

و بالجملة: لا يستفاد من الروايتين كراهة استنابة الصرورة بل المستفاد من الروايات لزوم كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه رجلا حيا، كما ان المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة استحباب كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه ميتا لما عرفت من ان ذلك مقتضى الجمع بينها و بين صحيحة أبي أيوب المتقدمة، فكون النائب صرورة إما واجب أو مستحب فأين الكراهة.

و ربما يقال: بأن صحيحة أبي أيوب المتقدمة غير ظاهرة في حج الإسلام و كلامنا في حج الإسلام.

و فيه: ان الصحيحة و ان لم يقع فيها التصريح بكون الحج الموصى به حج الإسلام، و لكن يظهر من الذيل انه حج الإسلام لظهور قوله: (و ان كان لها مال فلتحج من مالها) في الاجتزاء بالتبرع و لا يكون ذلك إلا في مورد حج الإسلام، لأن الإيصاء بالحج و إخراجه من الثلث لا يسقط بالتبرع لعدم العمل بالوصية و لو تبرع ألف متبرع بخلاف حج الإسلام فإنه يسقط بالتبرع و يوجب فراغ ذمة الميت المتبرع عنه، و لا يبقى مجال للعمل بالوصية حينئذ لارتفاع موضوعها.

و بعبارة واضحة: الصحيحة صريحة في تفريغ ذمة الميت بالتبرع عنه مع ان الوصية لا تسقط به، فيكشف ذلك عن كون الحج الموصى به هو حج الإسلام.

و من جملة الروايات الدالة على جواز نيابة غير الصرورة عن الميت

32

[ (مسألة 7): يشترط في صحة النيابة قصد النيابة و تعيين المنوب عنه في النية]

(مسألة 7): يشترط في صحة النيابة قصد النيابة و تعيين المنوب عنه في النية و لو بالإجمال (1) و لا يشترط ذكر اسمه و ان كان يستحب ذلك في جميع المواطن و المواقف.

____________

صحيحة حكم بن حكيم، (انسان هلك و لم يحج و لم يوص بالحج فأحج عنه بعض اهله رجلا أو امرأة، (إلى ان قال): ان كان الحاج غير صرورة اجزاء عنهما جميعا، و اجزء الذي أحجه) (1) و هي صريحة في الاجزاء مع كون النائب غير صرورة، و معنى الاجزاء عنهما، الاجزاء عن المنوب عنه و تفريغ ذمته و ترتب الثواب على عمل النائب.

و منها: الروايات الدالة على سقوط الحج و الاجتزاء بالتبرع (2) و لا يمكن حملها على الصرورة لأنه إذا كان النائب صرورة ذا مال يجب الحج على نفسه.

فظهر من جميع ما تقدم: استحباب كون النائب صرورة و جواز نيابة غير الصرورة كما يجوز التبرع منه، فما ذكروه من كراهة استنابة الصرورة مما لا أساس له، بل استنابة الصرورة اما واجبة أو مستحبة.

(1) لأن النيابة عنوان قصدي لا يتحقق إلا بالقصد و الواجب على النائب إتيان العمل عن الغير فهو و ان كان يمتثل الأمر المتوجه إلى نفسه إلا ان متعلقة العمل للغير فلا بد ان يقصده فهو مأمور بالقصد

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة في الحج ح 3.

(2) الوسائل: باب 25 من أبواب النيابة في الحج.

33

[ (مسألة 8): كما تصح النيابة بالتبرع و بالإجارة كذا تصح بالجعالة]

(مسألة 8): كما تصح النيابة بالتبرع و بالإجارة كذا تصح بالجعالة (1) و لا تفرغ ذمة المنوب عنه الا بإتيان النائب صحيحا و لا تفرغ بمجرد الإجارة، و ما دل من الاخبار على كون الأجير ضامنا و كفاية الإجارة في فراغها منزلة على ان الله تعالى يعطيه ثواب الحج إذا قصر النائب في الإتيان، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها.

____________

عن الغير، و لا يتعين العمل للمنوب عنه إلا بالقصد عنه.

و هذا نظير إعطاء المال من الأجنبي الدائن من دون قصد تفريغ ذمة المديون فان ذلك لا يحسب من أداء الدين و لا يوجب سقوط ذمة المدين، إلا إذا قصد عند الإعطاء تفريغ ذمة المدين و لو تبرعا.

ثم انه لا بد من تعيين المنوب عنه بالقصد لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لأحدها إلا بالتعيين بالقصد و لو إجمالا، كما إذا قصد العمل عن الشخص الذي سجل اسمه في الدفتر، أو يقصد العمل عمن اشتغلت ذمته له، و نحوه ذلك.

و هل يعتبر ذكر اسمه أم لا؟ في بعض الروايات (1) صرح بذكر الاسم و في بعضها جوز الترك، و الجمع بينهما يقتضي الحمل على الاستحباب، و قد ثبت استحباب التسمية في جميع أفعال الحج و ذلك من مخصصاته.

(1) لإطلاق الأدلة، و الظاهر انه لا خلاف بيننا في ذلك.

____________

(1) الوسائل: باب 16 من أبواب النيابة في الحج.

34

..........

____________

ثم انه قد وقع الكلام: في انه هل تبرء ذمة المنوب عنه بمجرد الإجارة أو انه لا تفرغ ذمته إلا بعد إتيان النائب العمل صحيحا؟

و الحق هو الثاني، و يكون العمل المستأجر عليه حاله حال الدين في عدم سقوطه إلا بعد أداء المال، و كذلك في المقام لا موجب لسقوط العمل عن ذمة المنوب عنه بمجرد الإجارة ما لم يؤد الأجير العمل، فإذا لم يأت النائب بالعمل فذمة المنوب عنه مشغولة به كما ان ذمة النائب مشغولة به أو بمال الإجارة.

و الظاهر انه لا خلاف فيما ذكرنا كما في الجواهر (1) و لم يقل أحد بالاجزاء بمجرد الإجارة إلا صاحب الحدائق (2).

قال: (رحمه الله) لو مات الأجير قبل الإحرام فإن أمكن استعادة الأجرة وجب الاستئجار بها ثانيا، و ان لم يمكن فإنها تجزي عن الميت فإنه لما اوصى بما في ذمته من الحج انتقل الخطاب إلى الوصي و الوصي لما نفذ الوصية و استأجر فقد قضى ما عليه و بقي الخطاب على المستأجر و حيث انه لا مال له سقط الاستئجار مرة أخرى إلى آخر ما ذكره.

ثم قال: ان هذا الحكم و ان لم يوافق قواعد الأصحاب إلا انه مدلول جملة من الاخبار.

أقول: الأخبار التي استشهد بها قاصرة الدلالة و بعضها قاصر السند أيضا.

فمن جملة الأخبار التي استدل بها، مرسلة ابن أبي عمير، (في رجل أخذ من رجل مالا و لم يحج عنه و مات و لم يخلف شيئا فقال:

ان كان حج الأجير أخذت حجته و دفعت إلى صاحب المال و ان لم

____________

(1) الجواهر: ج 17 ص 368.

(2) الحدائق: ج 14 ص 257.

35

..........

____________

يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج) (1) و الرواية ضعيفة سندا بالإرسال و ان كان المرسل ابن أبي عمير لما ذكرنا مرارا ان مراسيله كسائر المراسيل، و اما ما ذكره الشيخ من ان ابن أبي عمير لا يروي إلا عن ثقة فلم يثبت، بل الشيخ بنفسه يضعف أحيانا بعض مراسيله و اما ضعف الدلالة فسنذكره بعد ذكر الاخبار.

و منها: مرسل الصدوق (الرجل يأخذ الحجة من الرجل فيموت فلا يترك شيئا، فقال: اجزئت عن الميت و ان كان له عند الله حجة أثبتت لصاحبه) (2) و هي أيضا ضعيفة بالإرسال.

و منها: معتبرة موسى بن عمار، (عن رجل أخذ دراهم رجل «أخذ دراهم رجل ليحج عنه- التهذيب-» فأنفقها فلما حضر أو ان الحج لم يقدر الرجل على شيء، قال: يحتال و يحج عن صاحبه كما ضمن، سئل ان لم يقدر قال: ان كانت له عند الله حجة أخذها منه فجعلها للذي أخذ منه الحجة) (3) و العمدة هذه الرواية لصحة سندها.

و اما ضعف دلالتها على كفاية الإجارة في فراغ ذمة المنوب عنه فلوجوه:

أحدها: عدم دلالة الروايات على ان الحج المذكور فيها حج الإسلام و كلامنا في حج الإسلام، بل يظهر منها ان الحج الذي ذكر فيها غير حج الإسلام لظهور قوله: (أخذ دراهم رجل) في كون المنوب عنه حيا، و الحج عن الحي لا يكون بحج الإسلام إذ لم يفرض فيه العجز و الهرم.

ثانيها: لو سلمنا إطلاق الروايات من حيث حج الإسلام و غيره

____________

(1) الوسائل: باب 23 من أبواب النيابة في الحج ح 1 و 2.

(2) الوسائل: باب 23 من أبواب النيابة في الحج ح 1 و 2.

(3) الوسائل: باب 23 من أبواب النيابة في الحج ح 3.

36

..........

____________

فتقيد بالروايات (1) الدالة على ان الحي يجهز رجلا للحج، و التجهيز لا يتحقق إلا بإرسال شخص للحج، و مجرد التوكيل و الإيجار لا يوجب صدق عنوان التجهيز و الإرسال.

و ثالثها: انا سنذكر ان الأجير إذا مات في الطريق قبل الإحرام لم يسقط الحج عن ذمة المنوب عنه فكيف إذا مات قبل خروجه، و حينئذ فنحمل هذه الروايات على الحج الاستحبابي لا محالة.

و بالجملة: الروايات المزبورة ضعيفة دلالة مضافا إلى ضعف اسناد بعضها فلا حاجة في عدم الاعتماد عليها إلى التمسك بإعراض الأصحاب عنها هذا.

و قد يستدل لصاحب الحدائق بمعتبرة إسحاق بن عمار (عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج، ثم اعطى الدراهم غيره، فقال: ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه فإنه يجزى عن الأول قلت: فان ابتلى بشيء يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل ا يجزي عن الأول؟

قال: نعم، قلت: لأن الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم) (2) فان المستفاد منها انتقال الحج من ذمة المنوب عنه إلى ذمة الأجير لأنه ضامن.

و فيه: ان المعتبرة غير دالة على الاجزاء قبل الخروج و قبل الشروع في السفر كما هو المدعى، و انما تدل على الاجزاء إذا مات قبل انقضاء المناسك و الانتهاء من الاعمال كما سنوضحه- ان شاء الله تعالى- في المسألة العاشرة.

و اما ضمان الأجير للحج فلأجل إفساده الحج، فإن الأجير إذا

____________

(1) الوسائل: باب 25 من أبواب وجوب الحج.

(2) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 1.

37

[ (مسألة 9): لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الاعمال]

(مسألة 9): لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الاعمال، بل لو تبرع المعذور يشكل الاكتفاء به (1).

____________

أفسد حجه بالجماع يجب عليه الحج ثانيا من قابل، و هذا الحج الذي يأتي به ثانيا أجنبي عن المنوب عنه نظير الكفارة الثابتة على ذمة الأجير إذا اتى بموجبها.

و الحاصل: الروايات التي استدل بها صاحب الحدائق غير ظاهرة فيما ذهب اليه مضافا إلى ضعف أسانيد بعضها، هذا كله في موت النائب في منزله و بلده قبل ان يخرج إلى الحج، و اما إذا مات في الطريق قبل الإحرام أو بعده فسنتعرض إلى ذلك في المسألة العاشرة مفصلا فانتظر.

(1) قد ذكرنا في باب قضاء الصلاة عدم جواز استنابة المعذور بل ذكرنا عدم جواز الاكتفاء بتبرعه، و ذلك لان الذي يجب على المكلف أولا انما هو العمل التام الواجد لجميع الاجزاء و الشرائط، و لا ينتقل الأمر إلى الفاقد إلا بعد العذر عن إتيان الواجد التام.

و هكذا الحال بالنسبة إلى النائب فان الواجب على المكلف استنابة النائب القادر على إتيان الاعمال التامة لا يجوز له استنابة العاجز المعذور الذي لا يتمكن من إتيان العمل التام، لعدم الدليل على جواز استنابة المعذور و جواز الاكتفاء بالناقص بعد فرض تمكنه من استنابة القادر.

و بما قلنا يظهر ان التبرع بالناقص لا يوجب فراغ ذمة المتبرع له لان الواجب عليه هو الحج الكامل التام.

38

[ (مسألة 10): إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك]

(مسألة 10): إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك فان كان قبل الإحرام لم يجزئ عن المنوب عنه، لما مر من كون الأصل عدم فراغ ذمته إلا بالإتيان بعد حمل الأخبار الدالة على ضمان الأجير على ما أشرنا اليه، و ان مات بعد الإحرام و دخول الحرم اجزء عنه (1).

____________

(1) موت النائب قبل الإتيان بالمناسك يتصور على أنحاء.

الأول: ما إذا مات النائب بعد الإحرام و بعد دخول الحرام.

الثاني: ما إذا مات بعد الإحرام و قبل الدخول في الحرم.

الثالث: موته في الطريق بعد الخروج من بيته و بعد الشروع في السفر قبل الإحرام، و اما الموت قبل الخروج من منزله فقد عرفت في المسألة السابقة- بما لا مزيد عليه- عدم الاجزاء جزما خلافا لصاحب الحدائق.

أما الفرض الأول: فلا ريب في الاجزاء فيه لا لكون الحكم في الحاج عن نفسه كذلك لعدم التلازم و الاشتراك في الحكم بين النائب و المنوب عنه، فان الاشتراك بينهما انما هو في أفعال الحج و اعماله لا في اللوازم المترتبة على الحج، إذ يمكن اختصاص كل منهما بحكم أجنبي عن الآخر فالتعدي من أحدهما إلى الآخر يحتاج إلى الدليل.

بل انما نقول: بالاجزاء في النائب أيضا لأنه القدر المتيقن من موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة.

و لكن المصنف (ره) ذكر ان الموثقة مطلقة من حيث الدخول في الحرم و عدمه و تقيد بمرسلة المقنعة (من خرج حاجا فمات في الطريق

39

..........

____________

فإنه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة) (1) الشاملة الحاج عن غيره أيضا و ضعفها سندا بل و دلالة منجبر بالشهرة فالجمع بين موثقة إسحاق بن عمار و المرسلة يقتضي الاجزاء عن المنوب عنه إذا مات النائب بعد الإحرام و دخول الحرم، و لا يعارضها موثقة عمار (2) الدالة على ان النائب إذا مات في الطريق يجب عليه الإيصاء لأنها محمولة على ما إذا مات النائب قبل الإحرام أو على الاستحباب.

و يرد عليه: بأنه لا يمكن التقييد بالمرسلة لضعفها سندا بالإرسال و دلالة لاختصاصها بالحاج عن نفسه بقرينة ذيلها لظهوره في الأصيل و اما ضعف الدلالة فلا ينجبر بالشهرة، و لو قلنا بانجبار ضعف السند بها.

فالأولى بل المتعين ان يقال: ان موثقة إسحاق و ان كانت مطلقة إلا ان القدر المتيقن منها موت النائب بعد الإحرام و دخول الحرم، فلا ينبغي الإشكال في الاجزاء في هذه الصورة.

و اما الثاني: و هو ما إذا مات النائب بعد الإحرام و قبل دخول الحرم ففي الإجزاء قولان.

و الظاهر هو الاجزاء لصدق عنوان انه مات في الطريق قبل ان يقضي مناسكه الذي ذكر في الموثق و لا معارض له سوى موثقة عمار الساباطي (في رجل حج عن آخر و مات في الطريق قال: و قد وقع اجره على الله، و لكن يوصي فإن قدر على رجل يركب في رحله و يأكل زاده فعل) (3) فان المستفاد منها عدم الاجزاء عن المنوب

____________

(1) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 4.

(2) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 5.

(3) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 5.

40

..........

____________

عنه إذا مات النائب في الطريق و ان عليه ان يوصي أن يحج رجل آخر و لكن لا بد من حملها على الموت قبل الإحرام.

بيان ذلك: ان المستفاد من موثقة إسحاق هو الاجزاء إذا شرع في الأعمال و لو بالإحرام، فإن قوله: (قبل ان يقضي مناسكه) معناه قبل الانتهاء من مناسكه و اعماله، فإن القضاء هنا بمعنى الإتمام و الانتهاء و منه إطلاق القاضي على من يحكم بين المتخاصمين لانهائه النزاع بينهما و لا يصدق هذا المعنى إلا بعد الشروع في الأعمال و لا أقل في الإحرام.

و الحاصل: هذه الجملة (ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه) ظاهرة في الاجزاء إذا مات في الطريق قبل الانتهاء من اعماله و لو بالشروع في الإحرام و عدم إتمامه، كما انها ظاهرة فيه إذا دخل مكة و لم يتم مناسكه، هذا بناء على رجوع القيد اعني:

(قبل ان يقضي مناسكه) إلى الأمرين أي الموت في الطريق و الدخول إلى مكة، و اما إذا مات قبل الإحرام فلا يصدق عليه انه مات قبل انتهاء عمله إذ لم يشرع في عمل حتى ينهاه هذا ما يستفاد من موثق إسحاق.

و اما موثق عمار الساباطي الدال على عدم الاجزاء إذا مات في الطريق فمطلق من حيث الإحرام و عدمه، فتكون النسبة بينه و بين موثق إسحاق نسبة العموم و الخصوص، و مقتضى الجمع بينهما هو الاجزاء بعد الإحرام و عدمه قبله فيكون الحكم في النائب أوسع منه في الحاج عن نفسه، لان الحاج عن نفسه إذا مات انما يجزي حجه إذا مات بعد الإحرام و بعد دخول الحرم، و لكن النائب يجزي إذا مات بعد الإحرام و ان لم يدخل الحرم، لما عرفت ان الميزان في الاجزاء في مورد النائب بمجرد الشروع في العمل و لو بالإحرام و ان لم يتمه فتختص موثقة عمار الدالة على عدم الاجزاء بالموت قبل الإحرام.

41

..........

____________

هذا كله بناء على رجوع القيد و هو قوله: (قبل ان يقضي مناسكه) إلى الأمرين و هما الموت في الطريق و الدخول في مكة، كما هو الظاهر نظير ما إذا قيل: (جئني بزيد أو عمرو يوم الجمعة) فإن القيد يرجع إليهما معا.

و اما لو قلنا: بعدم ظهور رجوع القيد إلى الأمرين فتكون الرواية بالنسبة إلى الموت في الطريق مجملة لاحتمال اختصاص رجوع القيد إلى الأخير و هو الدخول إلى مكة، فحينئذ لا بد من الاقتصار على المتيقن و هو الاجزاء بعد الإحرام و دخول الحرم فلا ظهور للموثقة في الاجزاء قبل الإحرام.

و بالجملة لا يظهر من الموثقة الإجزاء قبل الإحرام سواء قلنا: بأنها ظاهرة في الاجزاء بعد الإحرام كما هو الظاهر، أو قلنا: بان القدر المتيقن منها هو الاجزاء بعد الإحرام و بعد دخول الحرم.

و مما بينا: ظهر حال الصورة الثالثة و هي ما إذا مات في الطريق بعد الخروج من بيته و بعد الشروع في السفر و قبل الإحرام.

فتلخص من جميع ما تقدم ان صور المسألة أربع.

الأولى: ما إذا مات النائب في بيته و منزله قبل ان يشرع في السفر و لا إشكال في عدم الاجزاء بذلك، لما عرفت من ان مجرد الاستنابة و الإيجار لا يكفي في تفريغ ذمة الميت بل لا بد من إتيان العمل خارجا خلافا لصاحب الحدائق(رحمه الله) مستشهدا بعدة من الروايات التي تقدمت و ذكرنا ضعفها سندا و دلالة.

الثانية: ما إذا مات بعد الإحرام و دخول الحرم.

الثالثة: إذا مات بعد الإحرام و قبل الدخول في الحرم.

الرابعة: إذا مات بعد الخروج من منزله و بعد الشروع في السفر

42

لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه لاختصاص ما دل عليه به، و كون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الإلحاق بل لموثقة إسحاق بن عمار المؤيدة بمرسلتي حسين بن عثمان و حسين بن يحيى الدالة على ان النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيدة بمرسلة المقنعة (من خرج حاجا فمات في الطريق فإنه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة) الشاملة للحاج عن غيره أيضا و لا يعارضها موثقة عمار الدالة على ان النائب إذا مات في الطريق عليه ان يوصي، لأنها محمولة على ما إذا مات قبل الإحرام أو على الاستحباب مضافا الى الإجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق و ضعفها سندا بل و دلالة منجبر بالشهرة و الإجماعات المنقولة، فلا ينبغي الإشكال في الاجزاء في الصورة المزبورة.

____________

و قبل الإحرام.

و لا يخفى: ان مقتضى القاعدة هو عدم الاجزاء في جميع الصور لعدم صدور العمل المستأجر عليه من الأجير، و يدل عليه مضافا إلى ذلك موثق عمار الساباطي المتقدم للأمر فيه بالإيصاء إذا حصلت امارة الموت النائب في أثناء الطريق.

و اما بحسب الروايات فلا ريب في الاجزاء إذا مات بعد الإحرام و دخول الحرم كما هو المستفاد من موثقة إسحاق بن عمار، و قد عرفت

43

و اما إذا مات بعد الإحرام و قبل دخول الحرم ففي الإجزاء قولان، و لا يبعد الاجزاء و ان لم نقل به في الحاج عن نفسه، لإطلاق الاخبار في المقام و القدر المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الإحرام لكن الأقوى عدمه، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الأمرين في الاجزاء، و الظاهر عدم الفرق بين حجة الإسلام و غيرها من أقسام الحج، و كون النيابة بالأجرة أو بالتبرع.

[ (مسألة 11): إذا مات الأجير بعد الإحرام و دخول الحرم]

(مسألة 11): إذا مات الأجير بعد الإحرام و دخول الحرم يستحق تمام الأجرة إذا كان أجيرا على تفريغ الذمة

____________

ان هذه الصورة هي القدر المتيقن من النص، كما ان الظاهر منه هو الاجزاء إذا مات بعد الإحرام و قبل الدخول في الحرم، لما تقدم ان موضوع الاجزاء هو الشروع في العمل، و ذلك صادق على من أحرم و ان لم يدخل الحرم فإن الإحرام أول أعمال الحج.

و مما ذكرنا ظهر عدم الاجزاء إذا مات في الطريق قبل الإحرام، لعدم صدق الشروع في الأعمال- الذي هو موضوع الاجزاء- بمجرد السفر و الخروج من البيت، فان ذلك من مقدمات الحج للوصول إلى اعماله و أفعاله لا من اعماله فلا ظهور لموثق إسحاق لما قبل الإحرام، فالمرجع حينئذ القاعدة الأولية المقتضية لعدم الاجزاء، مضافا إلى موثقة عمار الساباطي.

و قد ظهر بما ذكرنا أيضا عدم الاجزاء في الصورة الرابعة كالأولى فيختص الاجزاء بالصورة الثانية و الثالثة.

44

و بالنسبة إلى ما اتى به من الأعمال إذا كان أجيرا على الإتيان بالحج بمعنى الاعمال المخصوصة، و ان مات قبل ذلك لا يستحق شيئا سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده و قبل الإحرام أو بعده و قبل الدخول في الحرم، لانه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلا و لا بعضها بعد فرض عدم اجزائه (1) من غير فرق بين ان يكون المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدمات من المشي و نحوه.

____________

(1) يقع الكلام في مقامين:

المقام الأول: إذا مات الأجير بعد الإحرام و دخول الحرم فقد عرفت بما لا مزيد عليه انه لا ينبغي الريب في الاجزاء.

و هل يستحق تمام الأجرة أم لا؟ فيه تفصيل.

و هو ان النائب إذا كان أجيرا على تفريغ ذمة الميت يستحق تمام الأجرة لأن المفروض فراغ ذمة الميت بذلك و قد ذكرنا في محله صحة الإجارة على ذلك فان التفريغ و ان لم يكن مقدورا للنائب و لكنه مقدور له بالواسطة و بأسبابه و هذا المقدار يكفي في صحة الإجارة نظير الاستئجار على التطهير فإنه مقدور بالواسطة و إلا فالتطهير بنفسه غير مقدور له.

و اما إذا كان أجيرا على الاعمال و المناسك نفسها فلا بد من تقسيط الأجرة و توزيعها حسب الإتيان بالأعمال.

نعم إذا مات قبل الإحرام فلا يستحق من الأجرة شيئا و ان اتى

45

نعم لو كان المشي داخلا في الإجارة على وجه الجزئية بأن يكون مطلوبا في الإجارة نفسا استحق مقدار ما يقابله من الأجرة بخلاف ما إذا لم يكن داخلا أصلا، أو كان داخلا فيها لا نفسا بل بوصف المقدمية، فما ذهب اليه بعضهم من توزيع الأجرة عليه أيضا مطلقا لا وجه له، كما انه لا وجه لما ذكره بعضهم من التوزيع على ما اتى به من الاعمال بعد الإحرام

____________

ببعض المقدمات كالسفر و نحوه لعدم تفريغ ذمة الميت بذلك و عدم الإتيان بالاعمال و الأفعال المستأجرة عليها و دعوى: تقسيط الأجرة حتى بالنسبة إلى المقدمات لا شاهد لها.

كما ان دعوى: انه يستحق اجرة المثل لما اتى به من المقدمات لاحترام عمل المسلم نظير استحقاق اجرة المثل في الإجارة الفاسدة.

لا وجه لها لأنه انما اتى بالمقدمات باختياره لأجل الوصول إلى العمل المستأجر عليه و المفروض انه لم يكن مغرورا من قبل المستأجر و لم يكن صدور هذه المقدمات مستندا إلى أمر المستأجر، فلا يقاس المقام بباب الإجارة الفاسدة الموجبة لاستحقاق اجرة المثل لأن إتيان العمل في باب الإجارة الفاسدة مستند إلى أمر المستأجر و ذلك موجب للضمان، بخلاف المقام فإن إتيان المقدمات لم يكن بأمر المستأجر و انما اتى الأجير بها باختياره لغرض الوصول إلى العمل المستأجر عليه فهي أجنبية عن متعلق الإجارة بالمرة نظير ما لو استأجر على الصلاة فتوضأ الأجير أو اغتسل ثم عجز عن أداء الصلاة فإنه لا يستحق اجرة المثل لوضوئه أو غسله.

46

إذ هو نظير ما إذا استؤجر للصلاة فاتى بركعة أو أزيد ثم أبطلت صلاته فإنه لا إشكال في انه لا يستحق الأجرة على ما اتى به.

و دعوى: انه و ان كان لا يستحق من المسمى بالنسبة لكن يستحق اجرة المثل لما اتى به حيث ان عمله محترم.

____________

المقام الثاني: إذا مات الأجير بعد الإحرام و قبل دخول الحرم، فان قلنا بالاجزاء- كما هو المختار- فحكمه حكم ما لو مات بعد دخول الحرم من كون الأجرة في قبال التفريغ أو في قبال الاعمال، و ان قلنا بعدم الاجزاء فحاله حال الموت قبل الإحرام في عدم استحقاق شيء من الأجرة، لأن المستأجر عليه ليس هو الإحرام فقط و انما هو الإحرام المتعقب لسائر الاعمال فالإحرام وحده لا يوجب استحقاق الأجرة، نظير ما إذا استؤجر للصوم فمات الأجير في أثناء النهار فإن إمساك مقدار من النهار لم يكن متعلقا للإجارة، و كذا لو استؤجر للصلاة فاتى بركعة أو أزيد ثم أبطلت صلاته، فإنه لا إشكال في عدم استحقاق الأجرة على ما اتى به لعدم كونه من العمل المستأجر عليه بل لو فرضنا تعلق الإجارة بنفس الإحرام وحده بطل عقد الإجارة لأن الإحرام وحده من دون تعقبه لإعمال الحج عبادة غير مشروعة فإن ذلك نظير الاستئجار لركعة واحدة أو الصوم بمقدار نصف النهار.

و اما استحقاق الأجرة للمقدمات فيجري فيه ما تقدم من ان المقدمات كالمشي و نحوه لو كانت متعلقة للإجارة و داخلة فيها على وجه الجزئية توزع الأجرة عليها و إلا فلا.

47

مدفوعة: بأنه لا وجه له بعد عدم نفع للمستأجر فيه و المفروض انه لم يكن مغرورا من قبله، و حينئذ فتنفسخ الإجارة إذا كانت للحج في سنة معينة و يجب عليه الإتيان به إذا كانت مطلقة (1) من غير استحقاق لشيء على التقديرين.

[ (مسألة 12): يجب في الإجارة تعيين نوع الحج]

(مسألة 12): يجب في الإجارة تعيين نوع الحج من تمتع أو قران أو افراد (2) و لا يجوز للموجر العدول عما عين له و ان كان الى الأفضل كالعدول من أحد الأخيرين إلى الأول

____________

(1) في العبارة تشويش، لان مفروض كلامنا فيما إذا مات الأجير فلا مجال لقوله: (و يجب عليه الإتيان به إذا كانت مطلقة).

و الصحيح ان يقال- كما في التعليقة- ان الإجارة إذا كانت مقيدة بالمباشرة فهي تنفسخ بالموت من غير فرق بين ان يكون الإجارة في سنة معينة أو كانت مطلقة، و اما إذا لم يقيد الإجارة بالمباشرة وجب الاستئجار من تركة الأجير من غير فرق أيضا بين السنة المعينة و غيرها.

(2) ذكر الفقهاء انه لا بد في الإجارة للحج من تعيين نوع الحج من تمتع، أو قران، أو افراد، لان مقتضى قواعد الإجارة اعتبار تعيين النوع الذي يريده المستأجر في صحة الإجارة و إلا يلزم الغرر فإن اعمال الحج غير متساوية و مختلفة حسب الكيفية و الاحكام، و الأجرة و القيمة كما هو كذلك في سائر الأعمال المتعلقة للإجارة، كذا علله في الجواهر (1).

____________

(1) الجواهر: ج 17 ص 373.

48

إلا إذا رضي المستأجر بذلك فيما إذا كان مخيرا بين النوعين أو الأنواع كما في الحج المستحبي و المنذور المطلق، أو كان ذا منزلين في مكة و خارجها، و اما إذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه أيضا بالعدول إلى غيره، و في صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب إسقاط حق الشرط ان كان التعيين بعنوان الشرطية، و من باب الرضا بالوفاء بغير الجنس ان كان بعنوان القيدية، و على اي تقدير يستحق الأجرة المسماة و ان لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني، لأن المستأجر إذا رضي بغير النوع الذي عينه فقد وصل اليه ما له على المؤجر كما في الوفاء بغير الجنس في سائر الديون فكأنه قد اتى بالعمل المستأجر عليه، و لا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الأفضل أو إلى المفضول هذا و يظهر من جماعة جواز العدول إلى الأفضل كالعدول إلى التمتع تعبدا من الشارع لخبر

____________

أقول: لعل نظرهم إلى استيجار العمل المبهم المردد فان ذلك مستلزم للغرر.

و اما إذا وقع عقد الإجارة على الطبيعي الجامع بين الافراد فليس فيه أي غرر و ان اختلفت الأفراد كيفية و قيمة، و للأجير اختيار أي فرد شاء و ليس للمستأجر إلزامه باختيار فرد خاص كالأكثر قيمة أم غيره، لكون المفروض ان المستأجر عليه هو الطبيعي الجامع بين الافراد

49

أبي بصير عن أحدهما (في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها مفردة أ يجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج قال (ع): نعم انما خالف إلى الأفضل) و الأقوى ما ذكرناه و الخبر منزل على صورة العلم برضى المستأجر بذلك مع كونه مخيرا بين النوعين جمعا بينه و بين خبر آخر (في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها حجة مفردة قال (ع): ليس له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج لا يخالف صاحب الدراهم) و على ما ذكرنا من عدم جواز العدول إلا مع العلم بالرضا إذا عدل بدون ذلك لا يستحق الأجرة في صورة التعيين على وجه القيدية و ان كان حجه صحيحا عن المنوب عنه و مفرغا لذمته إذا لم يكن ما في ذمته متعينا فيما عين، و اما إذا كان على وجه الشرطية فيستحق، إلا إذا فسخ المستأجر الإجارة من جهة تخلف الشرط إذ حينئذ لا يستحق المسمى بل اجرة المثل.

____________

نظير استئجار شخص لصيام شهر من شهور السنة، مع ان الصوم في الشتاء تختلف قيمته مع الصوم في الصيف و هكذا الحج البلدي إذا لم يعين له طريقا خاصا فإن الأجرة تختلف حسب اختلاف كيفية السفر و أنواعه من الجو و البحر و البر.

ففي جميع الفروض تصح الإجارة من دون تعيين نوع خاص و كيفية مخصوصة و ليس فيها أي غرر بعد فرض كون الأجير مختارا

50

..........

____________

في إتيان أي فرد شاء، و لم يكن للمستأجر إلزام الأجير باختيار فرد خاص.

نعم لو تعلق عقد الإجارة بالمبهم المردد بين فردين بحيث لم يعلم ان مورد الإجارة هل هو هذا الفرد أو الفرد الآخر فقد يكون الأجير يختار فردا خاصا و المستأجر يختار فردا آخر، تبطل الإجارة حينئذ للغرر.

ثم انه قد صرح جماعة، و منهم المصنف (رحمه الله) انه لو استأجره لما عين له كالقران فليس للأجير العدول عما عين له و لو إلى الأفضل، خلافا للشيخ حيث صرح بأنه لو استأجره للتمتع لم يجزئ غيره و اما لو استأجره للإفراد، أو للقران اجزئه التمتع.

فيقع الكلام في مقامين:

أحدهما: فيما تقتضيه القاعدة.

ثانيهما: فيما يقتضيه النص.

اما الأول: فمقتضى القاعدة عدم جواز العدول مطلقا، لان العمل المستأجر عليه مملوك للمستأجر و على الأجير تسليم العمل المعين إلى المستأجر و ليس للأجير تبديله إلى عمل آخر لم يقع عليه عقد الإجارة و ان كان أفضل.

و بعبارة أخرى: الإجارة انما تعلقت بذلك العمل المعين، فلا يكون الآتي بغيره آتيا بما استؤجر عليه سواء كان مما استؤجر عليه أم لا، كما لو استأجره لزيارة مسلم بن عقيل (ع) فزار الحسين (عليه السّلام) بدلا عن زيارة مسلم (ع) فإنه لم يأت حينئذ بمتعلق الإجارة و بقيت ذمته مشغولة به.

نعم إذا استأجره على الحج المندوب أو المنذور المطلق أو كان المستأجر ذا منزلين متساويين في مكة و خارجها بحيث كان مخيرا بين التمتع و الافراد فللأجير في هذه الصورة التبديل إذا رضي المستأجر بذلك

51

..........

____________

فالتبديل انما لا يجوز له إذا كان نوع خاص من أقسام الحج متعينا على المستأجر كما إذا نذر حجا خاصا، أو كان ممن يتعين عليه حج التمتع (مثلا).

بل ذكر المصنف انه ليس له التبديل و العدول و لو مع رضا المستأجر فلا ينفع رضاه بالعدول إلى غيره.

و لا يخفي ان مراده من عدم جواز العدول حتى مع رضا المستأجر انما هو بالنسبة إلى براءة ذمة المستأجر و تفريغ ذمته، يعني: إذا كان المتعين عليه حجا خاصا فلا ينفع رضاه بالعدول إلى غيره في برأيه ذمته، لان تفريغ ذمته لا يمكن إلا بإتيان ما تعين عليه.

و أما بالنسبة إلى استحقاق الأجير الأجرة لما اتى به فلا مانع منه إذا رضي المستأجر بالعدول، فان التبديل و العدول إذا كان عن رضي المستأجر فهو كالبراء، و المستأجر يجوز له ان يبرء الأجير و يستأجر شخصا آخر لما تعيين عليه كما ان له يرضى بالعدول إلى نوع آخر الذي هو مستحب نفسي و يستأجر شخصا لما وجب عليه بعينه.

فما ذكره المصنف من عدم جواز العدول حتى مع رضا المستأجر انما يتم بالنسبة إلى أداء التكليف و تفريغ الذمة لا انه لا يجوز له العدول حتى مع رضاه بحيث لا يستحق الأجير الأجرة.

ثم ذكر السيد المصنف- ره- انه في صورة جواز التبديل و جواز الرضا به يستحق الأجير الأجرة المسماة من دون فرق بين كون التعيين على الأجير بعنوان الشرطية و يكون رضاه بالتبديل من باب إسقاط حق الشرط، و بين كون التعيين بعنوان القيدية و كان الرضا بالعدول من باب الرضا بالوفاء بغير الجنس.

و ما ذكره واضح بناء على الشرطية لأن الأجير قد اتى بنفس العمل

52

..........

____________

المستأجر عليه، و المفروض ان المستأجر قد رفع اليد عن الشرط، و اما على القيدية فإنه و ان لم يأت بالعمل المستأجر عليه و لكن قد اتى بالبدل بأمر المستأجر، فعلى كلا التقديرين يستحق الأجرة المسماة.

و توضيح المقام يحتاج إلى بيان معنى الاشتراط و الفرق بينه و بين القيد، و هذا البحث و ان تقدم في بعض المباحث السابقة مفصلا (1) فلا مجال للبسط، و لكن لا بأس بالإشارة اليه و لو إجمالا.

فنقول: قد ذكرنا في باب الشرط من بحث المكاسب ان المعروف بينهم ان الشرط هو الالتزام في ضمن التزام آخر من غير ان يكون بالاخر مقيدا، و هذا المعنى مما لا محصل له، لان مجرد الظرفية ما لم يكن بينهما ارتباط لا يترتب عليه شيء، بل هذا الالتزام يكون وعدا ابتدائيا لا اثر لمخالفته، فلا بد من ارتباط أحدهما بالآخر حتى يترتب عليه الأثر، كما هو المتفاهم و من الشرط و منه الشريط فإنه يطلق على الخيط المرابط بين شيئين، فالشرط هو الربط بين شيئين، و يقع الكلام في تحقيق هذا الارتباط، و ليس معناه تعليق المنشأ كالبيع بالشرط و إلا لبطل العقد للتعليق المجمع على بطلانه سواء وقع الشرط في الخارج أم لا، مع انه لا إشكال في جواز البيع المشروط و ثبوت الخيار عند تخلف الشرط.

بل معنى الاشتراط يرجع إلى احد أمرين، تعليق المنشأ بالالتزام أو ان الالتزام بالمنشإ كالبيع معلق على وجود الشرط بحيث إذا لم يكن الشرط موجودا لم يكن ملتزما، فعلى الأول فالعقد و ان كان معلقا إلا ان مثل هذا التعليق لا يضر بصحته إذ المفروض تحقق الالتزام المعلق عليه و حصوله بالفعل من المشتري، و هذا المقدار من التعليق لا يوجب

____________

(1) معتمد العروة: ج 1 ص 169.

53

..........

____________

البطلان، فان التعليق المبطل هو التعليق على أمر متوقع الحصول، و اما التعليق على أمر حاصل موجود بالفعل فغير موجب البطلان.

هذا فيما إذا كان الشرط من قبيل الأفعال التي قابلة للالتزام بها كالخياطة و الخدمة، و نحو ذلك.

و أما الثاني: فمورده ما إذا كان الشرط خارجا عن تحت الاختيار ككتابة العبد أو جماله و نحوهما فان تعليق العقد على الالتزام بذلك مما لا معنى له، لان الالتزام بشيء انما يتعلق بأمر اختياري مقدور للملتزم و اما إذا كان غير مقدور له فلا معنى للالتزام به، ففي أمثال هذه الموارد معنى الاشتراط هو ان الالتزام بالمنشإ و الوفاء به معلق على الكتابة أو الجمال (مثلا)، و مرجع ذلك إلى جعل الخيار بلسان الشرط.

فحقيقة الشرط ليست عبارة عن الالتزام في ضمن التزام آخر بل حقيقته اما تعليق المنشأ بالالتزام في الأمور القابلة للالتزام بها و اما ان الالتزام بالعقد معلق على وجود الشرط، فمرجع الشرط في العقد إلى احد هذين الأمرين و هما قد يجتمعان و قد يفترقان ففي كل مورد غير قابل للخيار كالنكاح بناء على المشهور و خلافا لصاحب الجواهر، أو الطلاق، و العتق و نحوهما من الإيقاعات التي لا يجرى فيها الخيار، يرجع الاشتراط إلى تعليق العقد أو الإيقاع على الالتزام، فلو اشترطت الزوجة على زوجها بان يكون اختيار السكنى بيدها، أو ان ينفق عليها كل شهر كذا مقدارا معناه ان أصل النكاح معلق على التزام الزوج بهذه الأمور و أثره إلزام الشارع المشروط عليه بإتيان الشرط للسيرة، و لقولهم (ع):

(المؤمنون عند شروطهم) (1) و ليس أثره الخيار للمشروط له، فليس في البين إلا حكم تكليفي و هو وجوب الإتيان بالشرط على

____________

(1) الوسائل: باب 20 المهور ح 4 و باب 6 الخيار

54

..........

____________

المشروط عليه.

و في بعض الموارد يرجع الاشتراط إلى جعل الخيار من دون التزام فيه كموارد اشتراط كتابة العبد أو جماله و نحو ذلك مما لا معنى للالتزام به لعدم كونه اختياريا و عدم كونه تحت قدرته، فإن الكتابة و نحوها من الصفات إما موجودة أو معدومة فمرجع الاشتراط إلى جعل الخيار له عند التخلف.

و بعبارة أخرى: التزام البائع بالعقد مشروط و معلق بالكتابة و إذا لم تكن موجودة فهو غير ملتزم به و مرجع ذلك إلى جعل الخيار له عند التخلف.

و قد يجتمع المعنيان في مورد واحد كالبيع المشروط فيه الخياطة (مثلا) فان معنى الاشتراط فيه تعليق البيع على الالتزام بالخياطة، و هذا التعليق بما انه تعليق على أمر حاصل موجود يعلم به المتعاقدان، غير ضائر في صحة البيع، و نتيجته وجوب الوفاء بالشرط على المشروط عليه كما أنه بالدلالة الالتزامية يدل على ان التزامه بالعقد معلق على الخياطة و على تقدير التخلف و عدم تحقق الخياطة يثبت له الخيار. فأمثال هذه الموارد مجمع بين الأمرين، تعليق البيع بالتزام، و تعليق الالتزام بالشرط، و لازم الأول وجوب الوفاء بالشرط و إلزامه بالوفاء. و لازم الثاني جعل الخيار له عند التخلف، و المشروط له يجوز له إلزام المشروط عليه بإتيان الشرط، و له أيضا إعمال الخيار اما في طول إلزامه أو في عرضه على الخلاف محرر في محله.

بقي الكلام في الفرق بين الشرط و القيد فإنهم قد ذكروا ان الوصف إذا كان دخيلا في العقد على نحو الشرطية فلا يوجب تخلفه البطلان و انما له خيار تخلف الشرط، و اما إذا كان دخيلا على نحو

55

..........

____________

القيدية فتخلفه يوجب البطلان.

و الذي ينبغي ان يقال: ان الوصف المأخوذ في العقد ان كان من الاعراض و الصفات الخارجية التي ليست دخيلة في فردية الفرد الطبيعي فإن الفرد فرد الطبيعي سواء كان متصفا بهذا الوصف أم لا، كما إذا باع العبد مع توصيفه بالكتابة، أو باعه بشرط كونه كاتبا، فلا يعقل فيه التقييد و التضييق و يرجع ذكره في العقد إلى الاشتراط، اعني: تعليق الالتزام بالوفاء بالعقد على ان يكون العبد كاتبا، و نتيجته ثبوت الخيار عند التخلف من دون فرق بين التعابير، لان الفرد الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتضييق و التقييد، و لا يتحصص بحصتين.

و ان كان الوصف المأخوذ من الأمور الذاتية الموجبة للاختلاف في الجنس و الماهية، كقول البائع بعت هذا الحيوان على ان يكون فرسا فحينئذ إذا تخلف و ظهر كونه بقرا (مثلا) بطل البيع بالمرة، لأن البيع لم يقع على الجامع بين الحيوانين، و انما وقع على الجنس المعين المعنون بعنوان خاص فاختص البيع بجنس خاص دون جنس آخر، كما إذا باع ذهبا فبان انه نحاس أو حديد و أمثال ذلك، فان هذه العناوين دخيلة في الفردية و تخلفها يوجب بطلان البيع طبعا لعدم انعقاد البيع بالنسبة إليه، فما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، من دون فرق بين ان يعبر و يقول: بعت هذا الحيوان على ان يكون فرسا، أو بعت هذا الفرس، فان عنوان الفرسية عنوان مقوم للمبيع فإذا تخلف و ظهر غيره يبطل البيع بالنسبة إليه جزما.

هذا كله فيما إذا كان المبيع (مثلا) شخصيا، و اما إذا كان كليا ففيه تفصيل بالنسبة إلى الأوصاف المأخوذة في المبيع.

و توضيح ذلك: ان المبيع (مثلا) إذا كان كليا، فان كانت

56

..........

____________

الأوصاف المأخوذة موجبة لاختلاف الجنس و الماهية، فمرجعها إلى التقييد في المبيع، فلو قال: بعتك منا من الطعام في ذمتي على ان يكون حنطة، أو شعيرا، أو أرزا فسلم غير المشروط عليه لم تبرء ذمته عما اشتغلت به للمشتري فإن ما سلم لم يبع و ما بيع لم يسلم.

و ان كانت من الأوصاف التي لا تكون دخيلة في الماهية و الجنس فان كانت من الصفات المصنفة بمعنى وقوع البيع على صنف خاص في قبال صنف آخر، كبيع الحنطة من المزرعة الفلانية، أو ان يستأجره للخياطة الرومية دون العربية فإن ذلك أيضا موجب للتقييد، فان المبيع أو المستأجر عليه و ان كان كليا لكنه مقيد بخصوصية توجب التقييد بحسب ما هو المرتكز في الأذهان، فيختص البيع أو الإجارة بذلك الأمر الخاص و إذا تخلف لا يستحق البيع أو الأجير شيئا من الثمن أو الأجرة، لعدم إتيان العمل المستأجر عليه، و عدم تسليم المبيع لان المفروض ان ما وقع عليه العقد هو الكلي المنطبق على صنف خاص دون غيره.

و أما إذا لم تكن من الصفات المصنفة و كان الشرط أمرا أجنبيا كاشتراط خياطة الثوب في بيع الحنطة، فإنه لا يوجب تقييدا في المبيع ضرورة ان أخذ الأمرين الأجنبي أحدهما عن الآخر لا يكون قيدا له، فلو سلم البائع الحنطة و لم يخط الثوب فقد سلم نفس المبيع إلى المشتري غاية الأمر ان له مطالبة خياطة الثوب، و له الخيار عند التخلف، فالمبيع نفس المبيع سواء خاط الثوب أم لا.

فليست الخياطة و نحوها من الأوصاف المشخصة و المصنفة كالكتابة و نحوها من الأوصاف التي توجب الاختلاف في الصنف، و هكذا الحال بالنسبة إلى الإجارة كما إذا اشترط خياطة الثوب في الاستيجار لحج أو

57

..........

____________

صلاة، فإن الخياطة لا تؤثر في العلم المستأجر عليه من الحج أو الصلاة فإن الخياطة عمل خارجي أجنبي عن العمل المستأجر عليه، و لا يوجب تقييدا في العمل المستأجر عليه، و ان وجب الإتيان به حسب الاشتراط و الالتزام المقرر بينهما.

نعم ربما يمكن إرجاع هذا النحو من الأوصاف إلى القيد و دخله في العمل المستأجر عليه بنحو من العناية، بدعوى ان المستأجر عليه هو الحج الخاص المتعقب بالخياطة أو المقرون بها، أو المسبوق بها، فلو تخلف لم يكن آتيا بالعمل المستأجر عليه.

هذا، و لكن ذلك على خلاف المرتكز، فان المرتكز في أمثال المقام هو الاشتراط لا التقييد.

هذا كله بحسب الكبرى الكلي.

و أما بالنسبة إلى التمتع و الافراد و القران من أنواع الحج.

فالظاهر انها من الصفات المصنفة، فإذا تعلقت الإجارة بواحد منها فلا محالة يكون الأخذ على نحو القيدية فإذا استأجره للحج و اشتراط عليه التمتع و خالف و حج حج الافراد لم يأت بالعمل المستأجر عليه أصلا، فالاشتراط في أمثال المقام يرجع إلى التقييد حسب الارتكاز العرفي.

و أما العدول إلى غير ما عين له فان كان برضى المستأجر و امره فيستحق الأجير الأجرة المسماة- و ان كان المقام من باب تغيير الجنس و الاختلاف في الحقيقة- لأن أمر المستأجر بالعدول و رضاه بذلك يوجب الضمان، و ان لم يرض المستأجر بالعدول فلا يجوز العدول للأجير، و إذا عدل من دون رضاه لا يستحق شيئا حتى إذا عدل إلى الأفضل، هذا تمام الكلام فيما تقتضيه القاعدة.

المقام الثاني: فيما يقتضيه النص.

58

..........

____________

فاعلم أولا ان مقتضى القواعد الأولية في باب الإجارة، عدم جواز العدول للأجير عما عين عليه المستأجر و لو عدل لا يستحق شيئا من الأجرة و لكن مع ذلك وقع الخلاف في جواز العدول إلى حج التمتع لمن استؤجر على حج الافراد أو القران و ان لم يرض المستأجر.

فقد ذهب جماعة منهم الشيخ(قدس سره) إلى جواز العدول إلى الأفضل- كالعدول من الافراد أو القران إلى التمتع- تعبدا من الشارع.

و استدلوا: بصحيحة أبي بصير، عن أحدهما (ع) (في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة فيجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم انما خالف إلى الفضل) (1).

و أما السند فقد ذكر صاحب الوسائل بعد قوله أبي بصير (يعني المرادي) و هو ليث بن البختري الثقة بالاتفاق، إلا انه لم يظهر من أي قرينة ان أبا بصير هذا هو المرادي و لم يذكر المشايخ الثلاثة المرادي في كتبهم، فهذه الزيادة و الاستظهار من صاحب الوسائل، و كان عليه- ره- ان يشير إلى ذلك حتى لا يتوهم احد ان الزيادة من المشايخ و من ثم ذكر السيد في المدارك ان الرواية ضعيفة باشتراك أبي بصير بين الثقة و الضعيف لاشتراك أبي بصير بين ليث المرادي الذي ثقة اتفاقا، و بين يحيى بن القاسم الذي لم تثبت وثاقته عند جماعة و لكن الترديد غير ضائر عندنا لأن يحيى بن القاسم ثقة أيضا كما حقق في محله، فالرواية معتبرة، و مدلولها جواز العدول إلى الأفضل مطلقا

____________

(1) الوسائل: باب 12 من أبواب النيابة في الحج ح 1. و لا يخفي ان متن الرواية يختلف يسيرا مع ما ذكره المصنف، و الصحيح ما ذكرناه كما في الوسائل و كتب المشايخ.