القواعد الفقهية - ج4

- السيد حسن الموسوي البجنوردي المزيد...
410 /
7

36- قاعدة الإحسان

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمد و أهل بيته الطيبين لطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

قاعدة الإحسان (1) و من جملة القواعد الفقهيّة المشهورة «قاعدة الإحسان».

و فيها جهات من البحث:

الجهة الأولى في مدركها

و هو أمور:

الأوّل: قوله تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (2) و الآية و إن كانت واردة في مورد قعود العاجزين عن الجهاد لفقرهم، و عدم تمكّنهم من تحصيل الزاد و الراحلة

____________

(1). «الحق المبين» ص 125، «عناوين الأصول» عنوان 64، «مجموعه رسائل» ص 479، «دلائل السداد و قواعد فقه و اجتهاد» ص 170، «مجموعه قواعد فقه» ص 9، «قواعد فقه» ص 264، «القواعد» ص 27، «قواعد فقه» ج 2، ص 264، «قواعد فقهي» ص 41، «قواعد فقهية» ص 273، «القواعد الفقهيّة» (فاضل اللنكرانى) ج 1، ص 281، «القواعد الفقهية» (مكارم الشيرازي) ج 4

(2). التوبة (9): 91.

10

للسفر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غزوة تبوك، حتّى أنّ بعضهم لم يجدوا نعلا، فسألوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، و النعال المخصوفة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا و هم يبكون، و هم ثلاثة إخوة: معقل، و سويد، و النعمان بنو مقرن، فأنزل اللّه تعالى في حقّهم لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).

فظاهر الآية بناء على هذا نفي السبيل، أي العقاب الأخروي، و العتاب من المجاهدين عليهم لتخلّفهم عن الجهاد عن هؤلاء المتخلّفين العاجزين، مقيّدا بنصحهم للّه و رسوله، و لكنّ العبرة بعموم الآية من حيث المفاد لفظا، و لا اعتبار بخصوصيّة المورد.

و كثير من الآيات القرآنيّة واردة في موارد خاصّة، و لكنّ الفقهاء يستدلّون بعمومها فيما هو خارج عن المورد. نعم لا بدّ و أن يكون العموم يشمل المورد، لأنّ تخصيص المورد مستهجن.

فلا بدّ لنا من شرح هذا الكلام الشريف و الجملة المباركة، أي قوله تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ و أنّه ما هو الظاهر و المتفاهم العرفي منها.

فنقول: أما كلمة «المحسنين» فهو جمع معرّف باللام يفيد العموم، و أمّا «الإحسان» هو صدور الجميل من قول أو فعل بالنسبة إلى غيره، و ذلك قد يكون بإيصال نفع إليه مالي أو اعتباري، و قد يكون بدفع ضرر مالي أو اعتباري عنه.

و السبيل المنفي حيث أنّه نكرة واقعة في سياق النفي يفيد العموم، لأنّ انتفاء الطبيعة لا يتحقّق إلّا بانتفاء جميع أفرادها، و إلّا يلزم اجتماع النقيضين. فإذا كان مفاد الآية عموم النفي، أي كون السبيل منفيّا بطور العموم، و يكون السلب كليّا لا

____________

(1). التوبة (9): 91.

11

المسلوب فقط، فوجوده و لو كان في مورد واحد نقيضه، لأنّ الموجبة الجزئيّة نقيض السالبة الكليّة.

فالآية بظاهرها تدلّ على نفي كلّ ما يصدق عليه أنّه سبيل عن كلّ من هو محسن، فهذه كبرى ثابتة من الآية الشريفة تكون دليلا و حجّة لجميع مواردها في الفقه، و لا يزال الفقهاء يستدلون بها على نفي الضمان في موارد الإحسان.

و السبيل جاء بمعنى: السبّ، و الشتم، و الحرج، و الحجّة، و الطريق. و الظاهر أنّه في الآية بمعنى الحجّة و الحرج.

و إن شئت قلت: بمعنى المؤاخذة، أي ليس على المحسن مؤاخذة فيما تسبب عن إحسانه.

و لا شكّ في أنّ الضمان سبيل بأيّ معنى كان من المعاني المذكورة، فتدلّ الآية على أنّ الفعل الذي صدر من المحسن و إن كان ذلك الفعل في حدّ نفسه سبب و موجب للضمان، و لكن إذا كان محسنا فلا يوجب الضمان.

مثلا لو كان حيوانا جائعا صاحبه غائب، و ليس من يعلفه، فأخذه و علفه، فصار سببا لتلفه من باب الاتّفاق، فلا ضمان على المحسن. أو أدخله في اصطبله لحفظه عن البرد أو السبع، ثمَّ وقع عليه البناء و تلف، فليس عليه سبيل، لأنّه محسن. أو الطبيب الذي أخذ المريض الفقير إلى داره ليعالجه و يعطيه الدواء و الغذاء، و لكن من باب الاتّفاق لدغته حيّة أو عقرب فمات فلا سبيل عليه، لأنّه محسن.

و خلاصة الكلام: أنّ هذه الجملة كبرى كلّية تنطبق على جميع موارده، إلّا أن يأتي دليل مخصّص و يخصّصه، فهو عامّ شرعي، كسائر العمومات الشرعيّة قابلة لورود التخصيص عليه، و ما لم يكن مخصّصا في البين يؤخذ بعمومه.

و ان شئت قلت: إنّ هذه الجملة تنحلّ من ناحية الموضوع إلى قضايا متعدّدة بعد أفراد الموضوع، فيكون مفادها أنّ كلّ واحد من أفراد المحسنين ليس عليه كلّ ما

12

يصدق عليه السبيل.

نعم بقي شيء: و هو أنّه موضوع الحكم هل هو الإحسان في قصده و اعتقاده و إن كان إساءة في الواقع؟ أو هو الإحسان واقعا و إن لم يعلم أنّه إحسان، بل و إن قصد به الإساءة، أو كلاهما؟ أي يكون إحسانا واقعا و هو أيضا يكون قاصدا للإحسان؟

وجوه.

و الظاهر أنّه دائر مدار الإحسان الواقعي و إن لم يقصد به الإحسان، لأنّ الظاهر من العناوين و المفاهيم- الذي أخذ موضوعا للحكم الشرعي- هو واقعها و المعنى الحقيقي لها، إلّا أن يكون المتفاهم العرفي معنى آخر غير المعنى الحقيقي، و لا شكّ في أنّ العرف لا يفهم من لفظ «الإحسان» غير ما هو المعنى الحقيقي له. نعم هذا بحسب ما يستفاد من هذه الجملة.

و أمّا الدليل العقلي و الإجماع فسترى ما يكون مفادهما.

الثاني: حكم العقل بقبح مؤاخذة المحسن على إحسانه و لعلّ إلى هذا يشير بطور الاستفهام الإنكاري قوله تعالى هَلْ جَزٰاءُ الْإِحْسٰانِ إِلَّا الْإِحْسٰانُ (1) أي مكافاة الإحسان يكون بالإحسان إلي المحسن، لا الإساءة إليه.

و بعبارة أخرى: شكر المنعم حسن بحكم العقل و عند العقلاء، و لا شكّ في أنّ المحسن منعم، فشكره، أي جزاءه بالإحسان إليه قولا أو عملا حسن، كما أنّ كفران نعمته قبيح.

و معلوم أنّ تغريم المحسن و تضمينه فيما أحسن إليه كفران لما أنعم عليه، و ذلك كما في المثال الذي ذكرنا أنّه لو رأى غنم شخص صاحبه غائب عنه، فأدخله في داره للحفظ عن التلف و أن لا يفترسه السباع، فانهدم البناء و تلف، فتغريم هذا الشخص و تضمينه قبيح بحكم العقل، و يكون إساءة في مقابل جميلة و إحسانه، لأنّه و إن وضع

____________

(1). الرّحمن (55): 60.

13

يده عليه بدون إذن صاحبه، إلّا أنّه كان بقصد الإحسان و حفظ ذلك الحيوان عن التلف، و في الواقع كان إحسانا من جهة حفظه عن السباع، لا أنّه صرف قصد الإحسان، و إنّما وقع عليه التلف بجهة أخرى غير جهة إحسانه، و هو انهدام البناء من باب الاتّفاق.

فتغريمه في مثل هذه الصورة قبيح، فيستكشف من هذا الحكم العقلي ملاك حرمة تغريم المحسن و تضمينه في الفعل الذي صدر عنه بقصد الإحسان و كان واقعا إحسانا، و إن تضرّر صاحب الحيوان من ناحية أخرى و تلف ماله.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب حكم العقل بقبح تغريم المحسن و تضمينه.

و لكن أنت خبير بأنّ هذا صرف استحسان، و إثبات الحكم الشرعي أو نفيه عن موضوعه لا يجوز بالظنون الاستحسانيّة، بل لا بدّ من قيام دليل و حجّة ثبت حجّيته بالحجّة القطعيّة على ثبوته أو نفيه، فلو وجد سبب الضمان من إتلاف، أو يد غير مأذونه، أو تعدّ، أو تفريط من الأمين، أو غير ذلك من أسباب الضمان لا يصحّ الحكم بعدم الضمان بصرف هذا الاستحسان.

الثالث: من أدلّة هذه القاعدة هو الإجماع، فإنّ الفقهاء يستدلّون بها في كتبهم و فتاويهم على عدم ضمان المحسن من نكير منهم، مثلا إذا كان المال الذي أودعه المودع عند شخص، و كان ذلك الشخص غيّر مكان الوديعة لاعتقاده أنّه أحفظ، و كان ذلك المكان واقعا أحفظ، و كانت الوديعة من الأحجار الكريمة فانكسر، فلا ضمان على الودعي، لأنّه محسن في هذا النقل، و إن كان بغير إذن المودع.

حتّى قال بعضهم: أنّه يجوز النقل إلى مكان أحرز و لو مع نهي المالك المودع عن النقل، بل ادّعى الإجماع على عدم الضمان فيما نقل مع خوف التلف، معلّلا بأنّه محسن في هذا الفعل و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.

و الحاصل: أنّ استدلالهم على عدم الضمان بهذه القاعدة و إن كان من المسلّمات،

14

فهذا صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)- يستدلّ على قبول قول الودعي إن ادّعى التلف بالإجماع، و بأنّه محسن قابض لمصلحة المالك (1). و لكن استدلالهم بهذه القاعدة في عدم الضمان لعلّه مستند إلى الآية الشريفة، بل الظاهر أنّه كذلك، لا أنّه صرف الاحتمال، و مع هذا كيف يمكن أن يكون من الإجماع المصطلح الذي بنينا في الأصول على حجّيته.

فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ عمدة المدرك لهذه القاعدة هو عموم الآية الشريفة (2) بناء على إلقاء خصوصيّة المورد، كما بيّنّا و تقدّم مفصّلا.

الجهة الثانية في بيان المراد من هذه القاعدة

فنقول: المراد منها- و إن ظهر ممّا بيّنّا في شرح أدلّتها، خصوصا ما ذكرنا في شرح الآية المباركة، و لكن نبيّن توضيحا لما سبق- أنّ الذي يفعل فعلا يكون موجبا للضمان و التغريم في حدّ نفسه، كما أنّ الولي أو القيّم على الصغير لو صدر فعل عنه في مال الصغير من باب الإحسان إليه، و كان ذلك الفعل في الواقع إحسانا، لا أنّه اعتقد أنّه إحسان و في الواقع لم يكن إحسانا، لأنّ موضوع القاعدة هو الإحسان الواقعي لا تخيّل الإحسان، و لكن اتّفق أنّه ترتّب على ذلك الفعل ضرر. كما أنّه لو نقل متاعه في البحر لانتفاع أكثر فغرق، أو في البرّ فسرق، فليس عليه الضمان، لأنّه كان محسنا في هذه الفعل، و هذا الفعل في حدّ نفسه إحسان إليه، و الغرق و الحرق و السرقة أمر اتّفاقي.

و وجود هذه الأمور من باب الاتّفاق لا يمنع التجّار عن تجاراتهم و مكاسبهم، كما أنّه لا يمنع عن صدق الإحسان إلى القصر إذا صدر عن الأولياء.

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 27، ص 147.

(2). التوبة (9): 91.

15

و خلاصة الكلام: أنّ مفاد هذه القاعدة ففي السبيل مطلقا على كلّ واحد من أفراد المحسنين، فهذه قضيّة حقيقيّة تنحلّ إلى قضايا متعدّدة، مثل قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ (1) حيث أنّه تنحلّ إلى قضايا متعدّدة بعدد أفراد الموضوع، أي اجتنبوا عن هذا الخمر و ذاك و هكذا.

و حاصل معناها: أنّ كلّ ما وجد في الخارج و صدق عليه أنّه خمر يجب الاجتناب عنه، و هذا هو معنى الانحلال، و فيما نحن فيه أيضا معنى الانحلال هو أنّ كلّ من وجد في الخارج و كان محسنا فلا سبيل عليه، و لا شك أنّ الضمان و التغريم سبيل عليه، فيرجع المعنى إلى أنّه لا ضمان و لا غرامة في الفعل الذي صدر عن كلّ محسن بجهة الإحسان و كان في الواقع إحسانا، لا ما تخيّل أنّه إحسان مع أنّه ليس بإحسان.

و بعبارة أخرى: نفي السبيل على المحسن باعتبار إحسانه، فإنّ تعليق الحكم على الوصف و جعله موضوعا مشعر بهذا المعنى، فيفيد أنّ الفعل الذي صدر بعنوان الإحسان و كان إحسانا واقعا، و لكن من باب الاتّفاق ترتّب عليه ما يوجب الضمان لا يضمن و لا يغرم، لأنّه محسن.

ثمَّ إنّه لا فرق في صدق الإحسان بين أن يكون فعل المحسن لجلب المنفعة لذلك الذي يريد الإحسان إليه، أو يكون لدفع المضرّة عنه، فكلاهما إحسان، فكما أنّ جلب المنفعة له إحسان إليه، كذلك دفع الضرر عن نفسه أو عن ماله إحسان إليه، و ربما يكون صدق الإحسان على دفع الضرر في بعض المصاديق و الموارد أولى بنظر العرف من صدقه على جلب المنفعة، خصوصا إذا كان دفع الضرر لحفظ النفس عن الهلاك، فأيّ إحسان أعظم من هذا.

____________

(1). المائدة (5): 90.

16

الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة

فنقول: تارة: يكون إحسانه إلى صاحب المال باعتبار دفع الضرر المالي أو النفسي عنه، و أخرى: باعتبار جلب المنفعة له.

فمن الأوّل: لو رأى اشتعال النار في لباسه بحيث لا طريق إلى حفظ نفس ذلك الشخص عن الاحتراق إلّا بتمزيق ألبسته، فمزّقها، فحيث أنّه محسن إليه في هذا الفعل فلا يضمن.

و كذلك لو كان البزّاز اشتعل النار في دكّانه، فهو لدفع الضرر عنه و عدم احتراق أجناسه الغالية القيّمة هدم مقدارا من الدكّان، لعدم وصول النار إلى تلك الأجناس، فلا ضمان عليه، لأجل أنّه محسن إليه في هذا الفعل فلا سبيل عليه.

أو أخرج الأجناس من دكّانه مع العجلة و السرعة خوفا من احتراقها في أثناء اشتغاله بتفريق المحلّ عن الأجناس، و وقع التلف على بعضها فلا يضمن، لأنّه محسن في هذا الفعل.

و كذلك الأمر لو أشرف شخص على الغرق، و لم يمكن نجاته إلّا بأن يتلف بعض ما معه من الأموال من الألبسة و غيرها، فأتلفها لاستخلاصه فلا ضمان عليه، لأنّه محسن في هذا الفعل الذي صدر عنه لدفع الضرر عن صاحب المال التالف.

و كذلك لو رأى ربّان السفينة أنّ السفينة مع الأموال الكثيرة التي فيها أشرفت على الغرق لثقلها، و المفروض أنّ السفينة و جميع الأموال لمالك واحد، فألقى مقدارا من تلك الأموال في البحر لحفظ السفينة و باقي الأموال فلا يضمن، لأنّه محسن في هذا الفعل.

و كذلك لو كان السيل متوجّها إلى داره، أو خانه الذي محلّ تجارته و فيهما أموال كثيرة، فسدّ السيل عنهما ببعض فروش داره أو أثاث بيته من الأجناس و الأنواع

17

الآخر، أو غيّر مجرى السيل منهما إلى مزرعته، فوقع التلف على فروشه و أثاث بيته أو على زرعه فلا يضمن، لأنّه محسن في هذا الفعل.

و لا يخفى أنّ ما قلنا من عدم الضمان، يصحّ فيما إذا كان الضرر الذي يرد عليه أقلّ من الضرر الذي يدفع عنه إذا كان الذي يدفع عنه ماليّا، لأنّه لو كان أكثر بل و لو كان مساويا لا يعدّ هذا الفعل إحسانا إليه، بل إذا كان الضرر الذي يدفع عنه أقلّ من الضرر الذي يرد عليه يكون هذا إساءة لا إحسانا، و إذا كان مساويا يكون لغوا لا إحسانا، إلّا أن يكون جهة أخرى غير الماليّة، فيخرج عن اللغويّة، بل ربما يوجب صيرورته إحسانا و إن كان مساويا مع الضرر الذي يدفعه عنه من حيث الماليّة.

و كذلك الودعي لو أراد المسافرة التي لا يمكن له تركها، و لا يمكن له الوصول إلى مالك الوديعة كي يردّها، فيجوز له دفنها في محلّ الأمن إن لم يأمن- مع كونه ظاهرا بارزا- عن سرقته أو غصبه أو تلفه بشكل. فلو دفنه مع هذا الخوف، فوقع عليه التلف من باب الاتّفاق فلا يضمن، لأنّه محسن في هذا الفعل.

قال في الجواهر: كما أنّه لو خشي المعاجلة، أو خاف عليها من معاجلة السارق أو الظالم لم يضمن حينئذ بالدفن المراعى مقدار ما يتمكّن منه من الحرزيّة و الأعلام و نحوهما، لانحصار طريق حفظها حينئذ بذلك، و كذا لو كان السفر ضروريّا له، و خاف معاجلة الرفقة، فدفنها مراعيا ما سمعت بعد تعذّر ما وجب عليه من الردّ على الوجه المزبور (1). انتهى كلامه.

و الحاصل أنّ موارد تطبيق على قاعدة الإحسان في هذا القسم- أي: فيما إذا كان الإحسان باعتبار دفع الضرر عمّن يحسن إليه- كثيرة لا يمكن في هذا المختصر استيفاؤها و استقصاؤها.

و أمّا موارد تطبيق هذه القاعدة في القسم الثاني، أي فيما إذا كان الإحسان باعتبار

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 27، ص 145.

18

جلب المنفعة و إيصالها إلى الذي يريد أن يحسن إليه فكثيرة أيضا.

فمنها: الأفعال الكثيرة التي تصدر من الأولياء لإيصال النفع إلى المولّين عليهم، فاتّفق ترتّب الضرر على تلك الأفعال، فلا ضمان لهم، لأنّهم محسنون في تلك الأفعال إليهم. مثلا أحد الأولياء هو الحاكم، فلو تصرّف في مال المولّى عليه لإيصال النفع إليه، كما أنّه اشتغل في قناة له بالحفر و الإصلاح لازدياد الماء، فصار سببا لانهدام القناة، فلا ضمان عليه، لأنّه كان محسنا إليه. أو فتح طريق السيل إلى مزرعته أو بستانه لشرب الماء و نموّ زرعها، أو نموّ أشجار البستان فاتّفق أنّ ذلك السيل أفسد تلك المزرعة و ذلك البستان، فلا ضمان عليه.

و كذلك لو أعطى الحاكم النقود التي عنده لأجرة العبادات للأجير الذي ثقة عنده فاتّفق أنّه لم يأت بتلك العبادة و مرض و مات، و لم يترك مالا كي يؤخذ ما أعطاه الحاكم عن تركته، فلا ضمان على الحاكم، لأنّه محسن إلى صاحب المال.

و كذلك الحال في الأب و الجدّ من طرف الأب بالنسبة إلى أموال صغيرهما، فلو حبسوا طعامه و متاعه و لم يبيعاه التماس زيادة الثمن، فنزل السعر أو فسد الطعام و المتاع، فلا ضمان عليهما، لأنّهما محسنان في تأخير البيع.

و هذا فيما إذا كان نزول السعر أو فساد المتاع من باب الاتّفاق، و إلّا لو كان النزول أو فساد المتاع غالبيّا، فتأخير البيع ليس إحسانا، بل ربما يكون إساءة، و ذلك كالمنسوجات التي مادّتها صوف أو وبر، فإبقاؤها و تأخير بيعها خصوصا في الصيف يوجب غالبا فسادها و إتلافها، بواسطة أنّه غالبا تلك المنسوجات في الصيف في معرض أكل العثة.

و هكذا تأخير بيع الفواكه التماس زيادة الثمن، لأنّ إبقاء الفواكه و تأخير بيعها غالبا ممّا يوجب فسادها، فالتأخير في أمثال هذه لطلب زيادة الثمن و إيصال النفع ليس إحسانا، بل يكون في بعض الصور إساءة.

19

و كذلك الأمر فيما لو زرع زرعا للمولّى عليه لإيصال النفع إليه، و لكن من باب الاتّفاق بواسطة حوادث الجوّ فسد ذلك الزرع، أو صار حاصل ذلك الزرع رخيصا و قليل الفائدة، بحيث لم يف بنصف ما صرف في ذلك الزرع، فلا ضمان على الوليّ، لأنّه كان محسنا في ذلك الفعل.

و كذلك لو أجر سفينته أو أباعرة و جماله للركوب أو للحمل و نقل المتاع من مكان إلى مكان آخر، فغرقت السفينة، أو تلفت الأباعر و الجمال، فلا ضمان على الوليّ، كما ذكرنا من أنّه محسن في هذا الفعل، و قد نفى اللّه سبحانه و تعالى السبيل على المحسنين، و قد تقدّم أنّ موارد تطبيق هذه القاعدة كثيرة، و لا يمكن استقصاؤها و استيفاؤها تماما.

و قد أورد بعضهم ها هنا إيرادا، و هو أنّ الفقهاء- قدّس اللّه أسرارهم- ذكروا في باب اللقطة أنّ الملتقط بعد اليأس عن إيصال المال إلى صاحبه يتصدّق بذلك المال عن طرف صاحبه المجهول، لأنّ هذا أيضا نحو إيصال إلى المالك و إحسان إليه، و مع ذلك حكموا بأنّه ضامن للمالك إن ظهر و علم به بعد أن تصدّق، و هذا الحكم منهم مناف لعموم هذه القاعدة.

و لكن يمكن أن يجاب عنه بأنّ الشارع حكم بجواز التصدّق مع الضمان إن ظهر صاحبه، و التصدّق إحسان بهذا القيد، و إلّا فصرف التصدّق بدون أن يكون في البين ضمان- على تقدير ظهور صاحبه و تبيّنه- يكون إحسانا مشكل.

و هذا الحكم ليس مختصّا باللقطة، بل قالوا به في كلّ ما هو مجهول المالك، كما لو وقعت في يده الأموال المسروقة أو المغصوبة التي لا يعلم صاحبها، فبعد اليأس عن الإيصال إلى صاحبها يجب عليه أن يعطيها صدقة بشرط ضمانها لو ظهر صاحبها أو أصحابها.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

37- قاعدة الفراش

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

قاعدة الفراش (1) و من جملة القواعد الفقهيّة المعروفة قاعدة «الولد للفراش».

و فيها جهات من البحث:

[الجهة] الأولى في مدركها

فنقول: و هو الحديث المشهور المعروف بين جميع الفرق و الطوائف الإسلاميّة، و لم ينكره أحد من المسلمين، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (2).

و قد روى هذا الحديث في الصحاح المعتبرة عندهم هكذا عن عائشة، قالت: كان عتبة بن أبي وقّاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقّاص أنّ ابن وليدة زمعة مني فأقبضه. قالت: فلمّا كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقّاص، و قال ابن أخي قد عهد إلىّ فيه، فقام عبد بن زمعة، فقال: أخي و ابن وليدة أبي ولد على فراشه، فتساوقا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال سعد: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابن أخي كان قد عهد إلىّ فيه، فقال عبد بن زمعة أخي و ابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «هو لك يا عبد بن

____________

(1). «القواعد» ص 189.

(2). «الكافي» ج 5، ص 492، باب الرجل يكون له جارية.، ح 3، «الكافي» ج 7، ص 163، باب ميراث ولد الزنا، ح 1 و 3، «الفقيه» ج 4، ص 380، ح 5812، باب النوادر (من ألفاظ النبي (صلّى اللّه عليه و آله))، ح 50، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 565، أبواب نكاح العبيد و الإماء، باب 56، ح 1، «سنن ابن ماجه» ج 1، ص 647، ح 2006 و 2007، باب الولد للفراش و للعاهر الحجر.

24

زمعة» ثمَّ قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش و للعاهر الحجر». ثمَّ قال (صلّى اللّه عليه و آله) لسودة- بنت زمعة زوج النّبي (صلّى اللّه عليه و آله)- «احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة: فما رآها حتّى لقي اللّه تعالى» (1).

و قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) في جواب معاوية: «و أمّا ما ذكرت من نفي زياد، فإنّي لم أنفه بل نفاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر» (2).

و كتب الحسن (عليه السّلام) في جواب زياد- لمّا كتب زياد إليه (عليه السّلام): من زياد بن أبي سفيان إلى حسن بن فاطمة (عليه السّلام) يريد بذلك إهانته (عليه السّلام)-: من حسن بن فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى زياد بن سميّة، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (3).

و رواية حسن الصيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته و يسأل عن رجل اشترى جارية، ثمَّ وقع عليها قبل أن يستبرأ رحمها، قال (عليه السّلام): «بئس ما صنع يستغفر اللّه و لا يعد» قلت: فإن باعها من آخر و لم يستبرئ رحمها، ثمَّ باعها الثاني من رجل آخر، فوقع عليها و لم يستبرء رحمها فاستبان حملها عند الثالث؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

«الولد للفراش و للعاهر الحجر» (4).

و رواية سعيد الأعرج عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال: سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، لمن يكن الولد؟ قال: «للذي عند الجارية، لقول رسول

____________

(1). «صحيح البخاري» ج 3، ص 70، باب تفسير المشبّهات، و: (يا سودة) غير موجودة في نص البخاري، «صحيح مسلم» ج 2، ص 1080، ح 1457، كتاب الرضاع، ح 36، باب الولد للفراش، و توقي الشبهات، «سنن ابن ماجه» ج 1، ص 646، ح 2004، باب الولد للفراش و للعاهر الحجر.

(2). «الخصال» ص 213، باب: الأربعة، عن ابن عباس.

(3). «شرح نهج البلاغة» لابن أبى الحديد، ج 16، ص 194، باب نسب زياد بن أبيه ..

(4). «الكافي» ج 5، ص 491، باب الرجل يكون له جارية.، ح 1، «الفقيه» ج 3، ص 450، ح 4557، باب أحكام المماليك و الإماء، ح 2، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 168، ح 587، باب لحوق الأولاد بالآباء، ح 11، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 568، أبواب نكاح العبيد و الإماء، باب 58، ح 2.

25

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الولد للفراش و للعاهر الحجر» (1).

و لا ينبغي البحث عن صدور هذا الحديث الشريف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّ صدوره قطعيّ.

و ذلك من جهة أنّ إلحاق معاوية زياد بن سميّة بأبي سفيان صار سببا لاشتهار هذا الحديث بين المحدّثين و المؤرّخين، إذ هذه القضية العجيبة التي كانت خلاف نصّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) وقعت في زمان وجود جمع كثير من الصحابة الكرام، و أنكروا كلّهم هذا الأمر على معاوية لمّا سمعوا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذا النصّ الصريح، و لذلك اشتهر و نقله المحدّثون و أغلب المؤرّخين، و ذكروا له المطاعن الأربعة المعروفة عند جميع المسلمين: بغيه على أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و قتله حجر بن عدي الذي كان من خيار أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إلحاق زياد، و نصبه يزيد ابنه خليفة من بعده و أميرا على المسلمين.

و لما ذكرنا فمدّعى القطع بصدور هذا الحديث ليس بمجازف، و على كلّ حال ثبوته و صدوره من المسلّمات بين المسلمين.

[الجهة] الثانية في بيان مدلول هذا الحديث و المتفاهم العرفي منه

فنقول: أوّلا: أنّ ألفاظ الحديث الشريف: ف«الولد» عبارة عن أنّ النطفة بعد استقرارها في الرحم و نمائها إلى أن بلغ إلى قابليّتها لولوج الروح فيها، أي بعد تكميل خلقتها البدنيّة، فإذا ولج فيها الروح يسمّى ولدا، سواء أ كان وقت خروجه حيّا سويّا

____________

(1). «الكافي» ج 5، ص 491، باب الرجل يكون له جارية.، ح 3، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 169، ح 589، باب لحوق الأولاد بالآباء، ح 13، «الاستبصار» ج 3، ص 368، ح 1317، باب القوم يتبايعون الجارية.، ح 3، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 568، أبواب نكاح العبيد و الإماء، باب 58، ح 4.

26

أم لا.

نعم بعض الآثار الشرعيّة يترتّب عليها بشرط خروجها حيّا، و هذا الذي يسمّى بالولد له إضافة إلى من تولّدت النطفة منه، و هذه الإضافة و النسبة خارجيّة، لا أنّها صرف اعتبار تشريعي أو عرفي.

و هذه النسبة المكررة بين الوالد و الولد، و كذا بين الوالدة تكون من المحمولات بالضمائم و من مقولة الإضافة، و حالها حال سائر الأعراض التسعة الخارجيّة المقوليّة، و هذه النسبة حيث أنّه لها طرفان، بمعنى أنّه لكلّ واحد من الطرفين نسبة مقوليّة إلى الطرف الآخر.

و تسمّى هذه النسبة من الطرف الذي خرجت هذه النطفة من صلبه ب«الأبوّة»، و يسمّى ذلك الشخص باعتبار تولّد هذه النطفة منه ب«الوالد»، و تسمّى بالنسبة إلى نفس هذه النطفة بعد تكميلها و ولوج الروح فيها ب«البنوّة» إن كان ذكرا و «البنتيّة» إن كانت أنثى، و موصوف هذه الإضافة و النسبة يسمّى بالابن إن كان ذكرا، و بالبنت إن كانت أنثى.

كما أنّ الموصوف لتلك النسبة التي في الطرف يسمّى بالوالد أو الأب كما ذكرنا.

و أيضا لهذه النطفة نسبة مكرّرة إلى من استقرّت هي في رحمها، و هي أيضا نسبة خارجيّة مقوليّة مكرّرة لها طرفان، و ليس فرق بين هذه النسبة و بين النسبة السابقة، إلّا أنّها من طرف من استقرّت في رحمها تسمّى بالأمومة، و موصوفها تسمّى بالأمّ أو الوالدة، فهذا هو معنى الولد، و الوالد، و الوالدة.

و أمّا «الفراش» فهي عبارة عمّا يفرش لنوم أو لغيره، و ها هنا كناية عن الزوج الشرعي أو المالك، باعتبار أنّ من هو زوج شرعا أو كان مالكا لها له حقّ أن ينام معها فيه شرعا و يستمتع منها، و أمثال هذه الكنايات كثيرة في لغة العرب و تعابيرهم و في القرآن الكريم.

27

و أمّا «العاهر» هو الزاني، و «الحجر» معناه واضح.

و هذا الذي ذكرنا كان معنى مفردات الحديث.

و أمّا المتفاهم العرفي من هاتين الجملتين:

أمّا الجملة الأولى، فهي عبارة عن أنّ الولد مخصوص بالزوج، و ليس لأحد غيره حقّ و نصيب فيه، و هذا المعنى نتيجة حصر المبتدأ في الخبر الذي يقولون به في علم البلاغة إذا كان المبتدأ معرّفا بالألف و اللام، كقولهم: الكرم و الفصاحة في العرب.

و لا شكّ في أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مقام بيان الحكم الشرعي، لا في مقام الإخبار عن أمر خارجي، و ظاهر القضايا الشرعيّة التي بصورة الأخبار كلّها من هذا القبيل، أي و إن كانت بحسب الصورة جمل خبريّة، لكنّها في الحقيقة إنشاءات بصورة الإخبار عن وقوعها في أحد الأزمنة الثلاثة.

مضافا إلى أنّها لو كانت إخبارات عن الأمور الخارجيّة تكون غير مطابق مع الواقع في كثير من الأحيان، فقوله (عليه السّلام): «يغتسل» و «يعيد» و أمثال هذين في مقام بيان الأحكام الشرعيّة، فربما لا يغتسل و لا يعيد.

و في نفس محلّ الكلام لو كان قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش» إخبارا عن أمر واقع، ربما لا يكون كذلك، أي يكون الولد واقعا لغير الفراش، خصوصا في الأزمنة التي تشيع فيها الفجور، و لا يمكن أن يصدر الكذب منه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) معصوم، فهذا وجه آخر لأنّها إنشاءات لا إخبارات.

فإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ من القول بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مقام جعل الفراش أمارة معتبرة في مقام الإثبات لإثبات أنّ المولود في فراش شخص يكون له، و ليس لآخر نصيب فيه. و من المعلوم أنّ جميع الأمارات الشرعيّة كالعرفيّة- بل هي أيضا عرفية في الأغلب أمضاها الشارع- قد تخطّى، لكنّها غالب المطابقة، و هذا مناط جعلها أمارة.

28

و أيضا معلوم أنّ أماريّة الأمارة منوطة بعدم القطع على خلافها و على وفاقها أيضا، إذ مع القطع بأحد الطرفين لا يبقى مجال للتعبّد.

أمّا في صورة كون القطع على وفاقها، فحجّية الأمارة تكون من قبيل تحصيل ما هو حاصل بالوجدان بالتعبّد، الذي هو أسوء من تحصيل الحاصل المحال.

و أمّا في صورة كونه على خلافها، فمن جهة عدم إمكان جعل الطريق و المثبت للذي خلافه ثابت لديه، فالأمارة المعتبرة حجّة لمن يكن شاكّا في مؤدّاها، فإذن قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش» يكون أمارة في مورد الشكّ في أنّ الولد هل لصاحب الفراش أو لغيره، و إلّا فمع أنّه له أو لغيره لا يبقى مجال للتمسّك به في مقام الإثبات.

نعم حيث أنّه بناء على ما ذكرنا أمارة معتبرة لا يعتنى بالظنون غير المعتبرة على خلافها، كما هو الحال في كلّ أمارة، مثلا لو شهدت البيّنة العادلة على أنّ فلانة زوجة فلان مع عدم نفيه، فالظنّ غير المعتبر على أنّها ليس زوجة له لا أثر له.

و فيما نحن فيه بعد ما جعل الشارع الفراش أمارة على أنّ الولد لصاحب الفراش، فكونه شبيها بالزاني و إن كان يوجب الظنّ بأنّه له، و لكنّ الشارع لم يعتبر هذا الظنّ، فلا أثر له في مقابل الحجّة المعتبرة، و لذلك هو (صلّى اللّه عليه و آله) لم يعتبر و لم يعتن بالشبه الذي كان بين الولد و عتبة بن أبي وقّاص، و ردّ دعوى سعد بن أبي وقّاص، و حكم بكون الولد لزمعة، معلّلا بأنّه صاحب الفراش. و أمّا أمره (صلّى اللّه عليه و آله) زوجته سودة أمّ المؤمنين بالاحتجاب عن ذلك الولد للشباهة التي كانت بينه و بين عتبة- مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم بأنّه أخوها- فمن باب الاحتياط، و قد تقرّر في الأصول أنّ الاحتياط حسن عقلا و شرعا، حتّى مع وجود الحجّة المعتبرة على أحد الاحتمالين. و هذا الحديث أيضا أحد الأدلّة على حسنه شرعا، بل استحبابه إن كان أمره (صلّى اللّه عليه و آله) باحتجابها منه مولويّا، لا إرشاديّا إلى حسن الاحتياط.

و من جملة الظنون غير المعتبرة التي لا تقاوهم هذه الأمارة قول القافة بواسطة

29

الأمارات التي عندهم، و لا شكّ في أنّ قولهم يوجب الظنّ، و لكنّ الشارع لم يعتبره.

و أمّا سرور النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من قول القائف حينما رأى رجلي أسامة و زيد و عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما و بدت إقدامها، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض.

و قد روى هذا الحديث عن أمّ المؤمنين عائشة بعدّة طرق، و متن الحديث على ما رواه سفيان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم مسرورا، فقال: «يا عائشة ألم ترى أنّ مجزز السلمي المدلجي دخل علىّ فرأى أسامة و زيدا و عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما و بدت إقدامهما، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض» (1) فلا يدلّ على حجّية قول القائف و اعتباره.

و ذلك أنّ سروره (صلّى اللّه عليه و آله)- على تقدير صحّة الرواية- كان من جهة أنّ أسامة كان أسود شديد السواد، و كان زيد أبيض، و كانوا يقدحون في نسب أسامة و يطعنون من هذه الجهة، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحبّ زيدا و كذلك أسامة، فلمّا أخبر القائف بصحّة نسبه و أن زيدا أبوه فرح (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك.

و لا شكّ في أنّ الظنّ بوجود ما هو المطلوب و المحبوب يوجب السرور و الفرح و إن لم يكن ذلك الظنّ حجّة شرعا، فلو أخبر معلّم كافر مشرك بأنّ ابنك فلان ذكيّ، سريع الفهم، و فوق ذلك أنّه مشغول جدّا بالمطالعة و الحفظ يسرّ الأب، و ان كان قول المعلّم ليس حجّة، لأنّ قول المؤمن العادل الواحد ليس بحجة في الموضوعات، فضلا عن قول الكافر المشرك.

هذا أوّلا.

و ثانيا: في الجاهلية كانت العرب تعتبر قول القائفين، و كانوا يرتّبون عليه الآثار،

____________

(1). «صحيح البخاري» ج 8، ص 195، باب: القائف، «صحيح مسلم» ج 2، ص 1082، ح 1459، كتاب الرضاع، ح 39، باب العمل بإلحاق القائف الولد، «سنن النسائي» ج 6، ص 184، باب: القافة. في المصادر أعلاه: «أنّ مجزّزا المدلجي.».

30

فأخبار القائف بصحّة نسب أسامة كان موجبا لارتداع القادحين عن قدحهم و طعنهم، و لذلك سرّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لحبّه زيدا و ولده أسامة.

و أمّا وجه سواد أسامة فهو من ناحية أمّه أمّ أيمن، فإنّها كانت امرأة حبشيّة تزوّجها زيد بعد زوجها الأوّل، و هو عبيد بن زيد من بني الحارث بن خزرج، و كانت أمّ أيمن حاضنة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و ورثها من أبيه مع خمس جمال و قطيعة من غنم، فأعتقها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «من سرّه أن يتزوج امرأة من أهل الجنّة فليتزوّج أمّ أيمن، فتزوّجها زيد ابن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد (1)، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يحبّ أسامة حبّا شديدا، و قد صرّح بذلك حين أمره على الجيش المعروف بجيش أسامة.

و من جملة الظنون التي لا تقاوم هذا الأمارة المعتبرة، الأمارات الظنيّة غير المعتبرة شرعا و لكنّ العرف يعتمدون عليها، من قبيل تحليل الدم و أمثاله الشائعة في هذه الأعصار عند الأطبّاء، و لكن كلّ ما ذكرنا من عدم مقاومتها لهذه الأمارة المعتبرة يكون فيما إذا يوجب الظنّ.

و أمّا إذا أوجب القطع بأنّ الولد لغير صاحب الفراش، فلا يبقى مجال لإجراء هذه القاعدة، لأنّها أمارة عند الشكّ.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ نفي النسب عن الزاني أو عن غيره ممّن هو ليس بصاحب الفراش في صورة إمكان الانتساب إلى صاحب الفراش.

و أمّا إذا لم يكن- كما إذا كان الزوج في سفر طويل، أو كان غيبته عنها لسبب آخر كالسجن الطويل مثلا و أمثال ذلك- فلا تجرى هذه القاعدة، و بناء على هذا لو ولدت بعد الزواج بمدّة أقلّ من أقلّ الحمل، أو ولدت بعد غياب الزوج بمدّة أكثر من أكثر الحمل فلا يجوز الإلحاق بهذه القاعدة.

هذا هو شرح الجملة الأولى من الحديث الشريف.

____________

(1). «الطبقات الكبرى» ج 8، ص 224، باب تسمية النساء المسلمات المبايعات.

31

و أمّا الجملة الثانية: فالعاهر هو الزاني، و الحجر معناه معلوم. و قيل في معنى هذه الجملة: أنّها كناية عن طرد الزاني و ردّه عن دعواه الولد، كما أنّ الكلب يطرد بالحجارة، و قيل: بأنّ المراد من الزاني هو المحصن و هو لا يعطى له الولد، بل يرمى بالحجارة حتّى يهلك، أي يحدّ بهذا الحدّ الذي عيّنه الشارع للزاني المحصن.

و الأوّل أولى، و إن كان الذي يتبادر إلى الذهن أوّلا هو الثاني.

وجه الأولويّة: هو أنّ ظاهر الحديث الشريف أنّ أماريّة الفراش ليست مخصوصة بكونها في مقابل الزاني المحصن، بل تكون أماريّته عامّة في قبال كلّ زان، بل في قبال كلّ واطئ ليس بصاحب الفراش و إن لم يكن زانيا، فحمله على المعنى الثاني خروج عمّا هو المتفاهم العرفي من ظاهر الحديث، و يكون من قبيل التخصيص بلا مخصّص.

[الجهة] الثالثة في بيان جملة من موارد تطبيقها

فنقول:

الأوّل: أن يكون في مقابل الفراش زناء فقط، و يمكن الإلحاق بكلّ واحد منهما خارجا أي ليس شيء يمنع المنع عن إلحاقه بأحدهما لا شرعا و لا تكوينا لو لا معارضة أحدهما بالآخر و لو لا هذه القاعدة.

و هذا القسم هو القدر المتيقّن من موارد هذه القاعدة، و كان هذا هو مورد الحديث الشريف في دعوى سعد بن أبي وقّاص، و دعوى عبد بن زمعة، حيث أنّ عبد بن زمعة يدّعى الولد لزمعة الذي هو صاحب الفراش، لأنّه كان مالكا للجارية.

و الفراش يتحقّق بأحد أمرين: إمّا أن يكون زوجا لها بالعقد الدائم أو الموقّت

32

المسمّى بالمتعة في اصطلاح الفقهاء و عند العرف أيضا، أو يكون مالكا لها. و أمّا التحليل سنتكلّم فيها، و سعد بن أبي وقّاص يدّعيه لأخيه بالزنا و قد عرفت أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم لزمعة: «الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و إلحاق الولد بصاحب الفراش قد عرفت أنّه فيما أن يكون له عقلا و شرعا. أمّا الإمكان العقلي العادي هو أنّه لا يلزم من الانتساب إليه محال بحسب العادة، كأن يكون الزوج مسافرا مدّة طويلة لا يمكن وصوله إليها عادة، أو كان غائبا لجهة أخرى غير المسافرة لا يمكن له الوصول إليها، أو لا يكون للزوج أو المالك أمناء لمرض، أو لشيخوخة، أو لأيّ علّة أخرى.

و خلاصة الكلام: أنّه لا يكون الانتساب إلى صاحب الفراش- سواء أ كان زوجا لها بالعقد الدائم أو المنقطع، أو كان مالكا لها، أو كان مالكها حلّلها له بناء على أنّ التحليل أيضا يوجب صيرورة المحلّلة له صاحب فراش كما أنّه ليس ببعيد- من قبيل وجود المعلول بدون العلّة.

و أمّا الإمكان شرعا فذكر الفقهاء- قدّس اللّه أسرارهم- له شروط ثلاثة:

الأوّل: الدخول و لو دبرا، و قال: بعضهم و إن لم ينزل، فإن كان المراد عدم العلم بالإنزال مع احتماله فله وجه، و أمّا إن كان مرادهم من عدم الإنزال هو العلم بعدمه فهذا عجيب، لأنّ مرجعه إلى وجود المسبّب بدون السبب.

و أمّا ما أفاده صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)- في هذا المقام بقوله: و لعلّه لتحرّك نطفة الامرأة و اكتسابها العلوق من نطفة الرجل في محلّها، أو غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلّا ربّ العزّة (1)، فهذا الذي قال من تحرّك النطفة إلى قوله «في محلّها» يشبه أن يكون أمرا خياليّا لا واقعيّا. و أمّا قوله- (قدّس سرّه)- أو غير ذلك من الحكم إلى آخره.

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 31، ص 223.

33

ففيه: أنّه حقّ لو جاء دليل قطعي على أنّه بدون إنزال صاحب الفراش يلحق به، و لكنّ الأمر ليس كذلك، بل هنا قاعدة و أمارة شرعيّة، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» و بيّنّا أنّها أمارة لكون الولد لصاحب الفراش في ظرف إمكان ذلك عادة، و بدون الإنزال لا يمكن، و لذلك قال في الرياض ما خلاصته أنّ إلحاق الولد بصاحب الفراش مشروط بما إذا كان تولّده من مائه محتملا و لو باحتمال بعيد، و في غيره إشكال (1). و ان حكى الإطلاق عن الأصحاب و احتمل الإجماع، فاعتبار الدخول ليس لموضوعيّة فيه، بل من جهة كونه مقدّمة لوصول الماء إلى رحمها، و لذلك لو وصل الماء إلى رحمها من غير الدخول، كما إذا لاعبها و أنزل على الفرج و وصل الماء إليها من غير الدخول يلحق بصاحب الفراش الملاعب قطعا، و قد شاهدنا في عصرنا مواليد تكونوا من ماء أبيهم مع عدم زوال بكارة أمّهم، و أولدتهم القوابل بالعلاج.

و روى في قرب الإسناد بإسناده عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد (عليه السّلام) عن أبيه (عليه السّلام) أنّ رجلا أتى عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال: إنّ امرأتي هذه حامل و هي جارية حدثة، و هي عذراء، و هي حامل في تسعة أشهر، و لا أعلم إلّا خيرا و أنا شيخ كبير ما افترعتها، و أنّها لعلى حالها، فقال له عليّ (عليه السّلام): «نشدتك اللّه هل كنت تهريق على فرجها؟» إلى أن قال (عليه السّلام): «و قد ألحقت بك ولدها فشقّ عنها القوابل، فجاءت بغلام فعاش» (2).

و رواية أخرى بهذا المضمون نقلها في الوسائل عن المفيد- (قدّس سرّه)- في الإرشاد (3).

و ظهر ممّا ذكرنا أنّ إدخال ماء الرجل بتوسّط الإبر في الرحم- كما يقولون لو

____________

(1). «رياض المسائل» ج 2، ص 154.

(2). «قرب الإسناد» ص 149، ح 541، أحاديث متفرقة.

(3). «الإرشاد» للمفيد، ص 112 و 113، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 114، أبواب أحكام الأولاد، باب 16، ح 2.

34

صحّ هذا- أيضا يوجب أن يلحق الولد بصاحب الماء، و إن قلنا بأنّ هذا الفعل حرام، و كذلك لو انجذب الماء إلى الفرج في الحمّام و دخل في الرحم، و تكون الولد يلحق بصاحب الماء لو كان معلوما.

و حاصل الكلام: أنّ كون الولد لصاحب الماء أمر تكويني، لأنّه هو نفس الماء، غاية الأمر نما إلى أن جعله اللّه ولدا سويّا، فهو في سياق الزرع، كما أنّ البذر إذا وقع في الأرض ينمو إلى أن يصير سنبلا بإرادة اللّه و جعله، كذلك النطفة بعد ما وصل إلى الرحم القابل ينمو إلى أن يجعله اللّه ولدا و ينشأه خلقا آخر، فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ. نعم في خصوص الزنا ألغى الشارع هذا الانتساب التكويني من حيث بعض الآثار لبعض المصالح، و لعلّ عمدتها حفظ الجامعة عن الفجور.

و ممّا ذكرنا ظهر الإشكال في كفاية الدخول في الدبر إلّا مع الإمناء و احتمال السبق و عدم الشعور به، و لذلك حكى عن ابن إدريس في السرائر (1) و عن العلّامة في التحرير (2)- قدّس اللّه اسرارهما- عدم العبرة بالوطي دبرا، و عدم اعتبارهما بالوطي في الدبر. إمّا في صورة عدم احتمال السبق، أو لكون الاحتمال ضعيفا بدرجة يكون عند العقلاء بحكم العدم.

الثاني: مضىّ ستّة أشهر هلاليّة من زمان الوطي، فلو كان أقلّ من ذلك و ولدت تامّ الخلقة حيّا لا يلحق بصاحب الفراش، و ذلك من جهة أنّها أقلّ الحمل كتابا و سنّة، مستفيضة بل متواترة، و لا خلاف في ذلك بين الأصحاب، بل نسب الاتّفاق إلى علماء الإسلام، و قد نسب في الجواهر (3) إلى المفيد (4) و الشيخ (5)- (قدّس سرّهما)- التخيير

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 31، ص 223.

(2). «جواهر الكلام» ج 31، ص 223.

(3). «جواهر الكلام» ج 31، ص 230.

(4). «المقنعة» ص 538.

(5). «النهاية» ص 505.

35

بين النفي و الإقرار به.

و هذه الفتوى من هذين الشيخين الجليلين لا يخلو عن غرابة، مع استفاضة الروايات و اتّفاق الفقهاء على خلافهما.

و لكنّ الذي يظهر من عبارة المقنعة أنّه لو نفاه الزوج و خاصمته المرأة و ادّعت أنّه منه و اختلفا في زمان الحمل (1)، لا أنّ المرأة مع اعترافها بأنّها وضعت لأقلّ من ستّة أشهر تدّعي أنّه له، فيكون هذا من فروع اختلافهما في مدّة الحمل، و يكون خارجا عن محلّ بحثنا، و هو أن يكون معلوما مدّة الحمل و أنّها أقلّ من ستّة أشهر.

و الشاهد على ذلك أنّه- (قدّس سرّه)- يصرّح قبل هذا العبارة، بأنّها إن ولدته حيّا تامّا لأقلّ من ستّة أشهر من يوم لامسها، فليس له بولد بحكم العادة (2).

و عبارة المبسوط أيضا صريح في أنّها إذا وضعت لأقلّ من ستّة أشهر من حين لامسها فالولد لا يلحق به، و هذا عين عبارته: كما لو أتت بولد لدون ستّة أشهر، فإنّه ينفي عن الزوج بلا لعان، لأنّه لا يمكن أن يكون منه (3).

فهذا الشرط أيضا مقدّمة لإثبات مورد القاعدة، و هو احتمال أن يكون الولد لصاحب الفراش، لأنّه قبل انقضاء ستّة أشهر من حين الوطي لو ولدت نفى الشارع كونه له، فيكون احتمال كونه منه ملغى بحكم الشارع، و يكون معلوم العدم، فلا يبقى موضوع للقاعدة.

الثالث: أن لا يكون الوضع في أكثر من أكثر مدّة الحمل.

و في تعيين أكثر مدّة الحمل خلاف، فالمشهور يقولون بأنّه عبارة عن تسعة أشهر، و بناء على هذا لو تجاوز مدّة الحمل- أي من زمان الوطي تسعة أشهر إلى

____________

(1). «المقنعة» ص 538.

(2). «المقنعة» ص 538.

(3). «المبسوط» ج 5، ص 185.

36

زمان الوضع- فلا يلحق. و الأخبار التي تدلّ على أنّ أكثر مدّة الحمل تسعة أشهر كثيرة.

و قول آخر بأنّه عشرة أشهر، و هو الذي استحسنه في الشرائع (1)، و حكى عن الشيخ- (قدّس سرّه)- في المبسوط (2) أيضا، و نسب إلى العلّامة (3)- (قدّس سرّه)- أيضا، و صرّح العلّامة في التبصرة بذلك (4). و قول آخر بأنّه سنة، و إليه ذهب المرتضى- (قدّس سرّه)- في الانتصار مدّعيا عليه الإجماع (5)، و أبو الصلاح (6)، و مال إليه في المختلف (7) على نقل صاحب الجواهر (8)- (قدّس سرّه).

و قال الشهيد الثاني- (قدّس سرّه)- إنّه أقرب إلى الصواب (9). و لكن المحقق قال في الشرائع: إنّه متروك (10)، و هناك رواية على أنّه سنتين (11)، و لكن لم يقل به أحد من الأصحاب، و حملوها على التقيّة.

أقول: أمّا القول الأوّل الذي هو المشهور بين أصحابنا الإماميّة- قدّس اللّه أسرارهم- فمستنده قبل الإجماع روايات مستفيضة ذكر سبعة منها في الجواهر (12)، و دلالة بعضها واضحة لا يمكن المناقشة فيها، و ذلك كمرسل عبد الرحمن ابن سيابة:

____________

(1). «شرائع الإسلام» ج 2، ص 340.

(2). «جواهر الكلام» ج 31، ص 226.

(3). «تحرير الأحكام» ج 2، ص 44.

(4). «تبصرة المتعلمين» ص 143.

(5). «الانتصار» ص 154.

(6). «الكافي في الفقه» ص 314.

(7). «مختلف الشيعة» ج 7، ص 316.

(8). «جواهر الكلام» ج 31، ص 226.

(9). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 458.

(10). «شرائع الإسلام» ج 2، ص 340.

(11). «الفقيه» ج 3، ص 511، ح 4793، باب: طلاق الحامل، ح 8، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 118، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 15.

(12). «جواهر الكلام» ج 31، ص 225.

37

«أقصى مدّة الحمل تسعة أشهر و لا يزيد لحظة، و لو زاد لحظة لقتل أمّه قبل أن يخرج» (1).

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مضمون هذا الخبر معلوم البطلان بالوجدان، فلا يمكن صدوره عن الامام (عليه السّلام).

و لكن يمكن أن يقال: إنّ معلوميّة بطلانه بالوجدان غير معلوم، لأنّ هذه أمور لا يعرفها غير ربّ العزّة جلّ جلاله، هذا أوّلا.

و ثانيا: صدر الرواية جملة مستقلّة لا إشكال في مضمونه، و هو قوله (عليه السّلام): «أقصى مدّة الحمل تسعة أشهر» فلا مانع من التعبّد بصدوره، و هو كاف في إثبات المطلوب.

و كرواية محمّد بن حكيم، عن أبي الحسن (عليه السّلام) في حديث قال: قلت: فإنّها ادّعت الحمل بعد تسعة أشهر، قال (عليه السّلام): «إنّما الحمل تسعة أشهر» (2).

و أمّا رواية أبان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال (عليه السّلام): «إنّ مريم حملت بعيسى تسع ساعات كلّ ساعة شهر» (3). فدلالتها على أنّ الحمل لا يزيد على تسعة أشهر غير واضحة، و لا يخلو عن المناقشة.

و على كلّ حال هذا القول- أي: أنّ أكثر الحمل لا يزيد على تسعة أشهر- بحسب المدرك قويّ، للروايات المستفيضة، و ادّعاء الإجماع فيه، و الشهرة المحقّقة.

و أمّا القول الثاني- أي كون أكثر الحمل عشرة أشهر الذي استحسنه المحقق في الشرائع و قال: يعضده الوجدان (4)- فلا إجماع و لا رواية تدلّ عليه.

____________

(1). «الكافي» ج 6، ص 52، باب النوادر (من كتاب العقيقة)، ح 3، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 115، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 115، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 3.

(2). «الكافي» ج 6، ص 101، باب المسترابة بالجميل، ح 2، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 116، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 5.

(3). «الكافي» ج 8، ص 332، ح 516، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 116، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 7.

(4). «شرائع الإسلام» ج 2، ص 340.

38

و عمدة الوجه هو ادّعاؤهم الوجدان، و أنّه كثيرا ما يزيد على تسعة أشهر.

و لكن فيه أنّ مبدأ الحقيقي للحمل غالبا غير معلوم، و إن كان انتهاؤه بالولادة أمر محسوس، و حكم القوابل أو النساء بالحمل إمّا بواسطة احتباس الحيض، و إمّا بواسطة ظهور علامات الحمل. و الأوّل ربما يكون لجهة أخرى غير الحمل، بل يكون لعلّة و مرض فيها. و الثاني غالبا يكون بعد مضيّ زمان من شهر أو شهرين بعد الحمل.

و أمّا القول الثالث- أي كون أكثر الحمل سنة- فادّعى المرتضى- (قدّس سرّه)- عليه الإجماع (1)، و قرّبه المسالك إلى الصواب (2).

و لكن ليس في الروايات ما يدلّ على ذلك، إلّا ما نقل من خبر غياث، عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) عن أبيه (عليه السّلام) قال: «أدنى ما تحمل المرأة لستّة أشهر، و أكثر ما تحمل لسنة» (3). لكن في الوسائل روى هذه الرواية عن غياث «و أكثر ما تحمل سنتين» (4).

و قلنا إنّه لم يقل به أحد من الأصحاب، و لذلك حمله في الوسائل على التقيّة. و مع هذا الاختلاف في النقل لا يبقى مجال للاستدلال بها على السنة.

و أيضا ممّا يمكن أن يستدلّ به على هذا القول ما هو المروي عن نوادر المعجزات للراوندي عن سيّدة النساء (عليها السّلام) أنّها ولدت الحسين (عليه السّلام) عند تمام السنة (5) لكنّه معارض بما هو المعروف و المشهور أنّها ولدته لستّة أشهر (6).

____________

(1). «الانتصار» ص 154.

(2). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 458.

(3). «الفقيه» ج 3، ص 511، ح 4793، باب طلاق الحامل، ح 7، و فيه: لسنتين بدل لسنة.

(4). «وسائل الشيعة» ج 15، ص 118، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 15.

(5). الراوندي في «الخرائج و الجرائح» ج 2، ص 840، الباب (16): في نوادر المعجزات، و فيه: في تمام الستّة، و في نسخة «بحار الأنوار» ج 43، ص 273، فيه: فنزل تمام السنة.

(6). «الكافي» ج 1، ص 385، باب مولد الحسين بن علي (عليهما السّلام)، ح 2، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 116، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 4.

39

ففي الوسائل عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «حمل الحسين (عليه السّلام) ستّة أشهر، و أرضع سنتين، و هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً (1)» (2). هذا، مضافا إلى أنّه معارض بما ورد من أنّ ولادته (عليه السّلام) في ثالث شعبان، و ولادة الحسن (عليه السّلام) في النصف من رمضان، و معلوم أنّ الفصل بينهما أقلّ من السنة بما لا يتسامح.

و أيضا ربما يستدلّ لهذا القول بما رواه حريز عمّن ذكره، عن أحدهما (عليهما السّلام) في قول اللّه عز و جل يَعْلَمُ مٰا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثىٰ وَ مٰا تَغِيضُ الْأَرْحٰامُ وَ مٰا تَزْدٰادُ (3) قال (عليه السّلام):

«الغيض: كلّ حمل دون تسعة أشهر. و ما تزداد: كلّ شيء يزداد على تسعة أشهر، فلمّا رأت المرأة الدم الخالص في حملها فإنّها تزداد بعدد الأيّام التي رأت في حملها من الدم» (4).

و ظاهر هذه الرواية- على تقدير صحّة سندها و الإغماض عن إرسالها، و مع الإغماض عن معارضاتها الأقوى منها سندا و دلالة- هو أنّ المراد من الزيادة مقدار ما رأت الدم في حال حملها يزيد في مقدار الحمل، فإن رأت الدم في حال الحمل خمسة أيّام يزيد في مدّة الحمل خمسة أيّام، فلا تدلّ على المقصود أي كون مدّة أكثر الحمل سنة إلّا على تقدير شاذّ في غاية الشذوذ.

بل يمكن أن يقال بأنّه حال عادة، و هو أن ترى الدم في كلّ شهر عشرة أيّام كي يصير في مجموع تسعة أشهر الذي هو مدّة الحمل تسعين يوما، فيزيد هذا المقدار على تسعة أشهر، فيكون المجموع سنة كاملة.

____________

(1). الأحقاف (46): 15.

(2). «وسائل الشيعة» ج 15، ص 118، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 14.

(3). الرعد (13): 8.

(4). «الكافي» ج 6، ص 12، باب بدء خلق الإنسان و تقلبه في بطن أمه، ح 2، «تفسير العياشي» ج 2، ص 204، ح 10، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 116، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 6.

40

هذا حال الأخبار التي استدلّوا بها على هذا القول.

و لكن الشهيد الثاني- (قدّس سرّه)- تمسّك لإثبات هذا القول بوجوه:

الأوّل: عدم دليل معتبر على الأقلّ من السنة (1).

و فيه: ما عرفت من وضوح دلالة بعض الروايات على أنّ أكثر الحمل تسعة أشهر (2)، و قلنا لو كان ضعف في سندها فهو منجبر بعمل الأصحاب و الشهرة المحقّقة، و قد حكينا من جماعة الإجماع. و أمّا إجماع المرتضى- (قدّس سرّه) (3)- فوجّهه في الجواهر على أنّ مراده منه نفي أكثر من السنة، لإثبات السنة به (4). و هو توجيه حسن فلا يعارض هذا الإجماع.

الثاني: الوجدان، و هو ما إذا سافر الزوج بعد الوطي مثلا إلى مكان بعيد لا يمكن وصوله عادة إليها، و أيضا علم من الخارج من الأمارات الموجبة لليقين و المفيدة للعلم أنّه لم يصل إليها أجنبيّ، و مع ذلك وضعت بعد مضيّ سنة من زمان الوطي.

و فيه: على فرض تسليم ما قيل ليس سبب الحمل منحصرا بوصول الزوج أو أجنبي إليها، بل هناك احتمالات أخر معلومة لا يحتاج إلى الذكر.

الثالث: أمره بالاحتياط بعد انقضاء تسعة أشهر من حين الوطي في بعض الأخبار التي مفادها أنّ أكثر الحمل تسعة أشهر:

منها: خبر محمّد بن الحكيم، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قلت له: المرأة الشابّة التي مثلها تحيض يطلّقها زوجها و يرتفع حيضها كم عدّتها؟ قال: «ثلاثة أشهر». قلت: فإنّها ادّعت الحبل بعد الثلاثة أشهر، قال (عليه السّلام): «عدّتها تسعة أشهر». قلت: فإنّها ادّعت

____________

(1). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 408.

(2). تقدم راجع ص 37، هامش رقم (1).

(3). «الانتصار» ص 154.

(4). «جواهر الكلام» ج 31، ص 227.

41

الحبل بعد تسعة أشهر، قال (عليه السّلام): «إنّما الحبل تسعة أشهر». قلت: تتزوّج؟ قال (عليه السّلام):

«تحتاط بثلاثة أشهر». قلت: فإنّها ادّعت بعد ثلاثة أشهر، قال (عليه السّلام): «لا ريبة عليها تزوّجت إن شاءت» (1).

و هذه الرواية لها ظهور جليّ في أنّ من تدّعي الحبل بعد مضيّ تسعة أشهر من طلاقها أيضا يجب عليها أن تحتاط بثلاثة أشهر إن ادّعت بقاء الحبل بعد ذلك أيضا، و هذا مرجعه إلى أنّ احتمال بقاء الحمل إلى سنة موجود، و يجب ترتيب الأثر بعدم جواز التزويج قبل انقضاء السنة.

و منها: خبر عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سمعت أبا إبراهيم (عليه السّلام) يقول: «إذا طلّق الرجل امرأته فادّعت حبلا، انتظر بها تسعة أشهر، فإن ولدت و إلّا اعتدّت بثلاثة أشهر، ثمَّ قد بانت منه» (2).

و منها: خبر أبان عن ابن حكيم، عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) أو ابنه (عليهما السّلام) قال (عليه السّلام) في المطلّقة يطلّقها زوجها، فتقول: أنا حبلى، فتمكث سنة، فقال (عليه السّلام): «إن جاءت به لأكثر من سنة لم تصدق، و لو ساعة واحدة في دعواها» (3).

فمن هذه الروايات يستكشف أنّ الشارع لم يلغ احتمال كونها أكثر من تسعة إلى السنة و إن كان نادرا.

نعم يستظهر منها أنّ احتمال الزائد على السنة ملغى في نظره، و لذلك أجمعت

____________

(1). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 408، في أحكام الأولاد، «الكافي» ج 6، ص 101، باب المسترابة بالحمل، ح 2، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 129، ح 445، في عدد النساء، ح 44.

(2). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 408، في أحكام الأولاد، «الكافي» ج 6، ص 101، باب المسترابة بالحمل، ح 1، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 129، ح 444، في عدد النساء، ح 43.

(3). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 408، في أحكام الأولاد، «الكافي» ج 6، ص 101، باب المسترابة بالحمل، ح 3، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 129، ح 446، في عدد النساء ح 45، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 442، أبواب العدد، باب 25، ح 3.

42

الإماميّة الاثنتي عشريّة على نفي الزائد عنها، و لم يقل به أحد، و قلنا إنّ صاحب الجواهر وجّه إجماع المرتضى- (قدّس سرّه)- بأنّ مراده نفي الزائد على السنة، و قلنا:

إنّه حسن.

أقول: لا شكّ في أنّ الغالب في أكثر الحمل هو تسعة أشهر كما نراه بالوجدان. نعم قد يزيد أو ينقص أيّام قلائل، و لا شكّ في أنّ لكلّ أمر من الأمور الخارجيّة مصاديق و أفراد غالبيّة، و مصاديق نادرة شاذّة، و ذلك كما أنّ البلوغ و اليأس في المرأة أفرادها الغالبية في البلوغ يكون بإكمال تسع سنين هلاليّة، و في اليأس بإكمال خمسين أو ستّين، و الشارع لاحظ في الحكم بحيضيّة الدم الخارج عن المرأة الأفراد الغالبيّة إذ لم ير محذورا في ذلك، فحكم بعدم الحيضيّة في أقلّ من تسع و أكثر من خمسين أو ستّين، مع أنّ النساء يختلفن في ذلك قطعا حسب اختلاف امزجتهنّ، إذ لا محذور مهمّ في عدم مراعاة الأفراد النادرة، فأيّة مفسدة مهمّة في الحكم بحيضيّة دم ليس بحيض في الواقع، أو بالعكس في الأفراد النادرة.

و أمّا إذا كان في عدم ملاحظة الأفراد النادرة مفاسد عظيمة- كما في ما نحن فيه، لأنّ نفي النسب مع ثبوته واقعا ربما ينجرّ إلى مفاسد عظيمة، كنكاح العمّ لبنت أخيه، و الأخ للأخت، أو حرمان شخص عن ثروته الكثيرة، أو عن شرف أسرته الجليلة- فحينئذ يجب مراعاة الأفراد النادرة. فمكث الحمل و بقاؤه في الرحم إلى السنة و إن كان في غاية القلّة و الندرة، و لكن مع ذلك مراعاته لازم لما ذكرنا، و لذلك أمر بالاحتياط بثلاثة أشهر بعد مضيّ تسعة أشهر كما تقدّم.

و الإنصاف أنّ قول المشهور و إن كان قويّا بحسب المدرك، مضافا إلى اشتهاره بين أرباب الفتوى. و لكن مراعاة هذا الاحتياط لا ينبغي أن يترك، لما ذكرنا من المفاسد العظيمة في تركه، و لعلّه لذلك ذهب جماعة من أعاظم أساطين الفنّ

43

كالمرتضى (1) و العلّامة في المختلف (2) و الشهيد الثاني في المسالك (3)- قدّس اللّه أسرارهم- إلى هذا القول، مع ما رأوا من القوّة في مدرك القول المشهور. و قد ذهب إلى هذا القول أيضا الفقيه المتتبّع السيّد الطباطبائي اليزدي- (قدّس سرّه)- في حواشيه على التبصرة.

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول:

تارة: يكون الزاني مدّعيا للفراش يدّعى الولد في مقابله، فهذا هو القدر المتيقّن من مورد القاعدة إن كان صاحب الفراش- أي: الزوج دواما أو انقطاعا، أو المالك- واجد للشرائط المذكورة التي كانت نتيجتها إمكان تكون ذلك الولد من مائه عادة، و إن كان الفقهاء اشترطوا الدخول قبلا أو دبرا، و عدم كون مدّة الحمل أقلّ من أقلّ الحمل و الأكثر من أكثره، لكن المقصود هو ما ذكرناه، أو الحقّ ما ذكرناه و إن لم يكن مقصودا لهم.

و أخرى: يكون الواطئ بالشبهة يدّعي الولد في مقابل الفراش بالمعنى الذي ذكرنا للفراش.

و ظاهر الأصحاب أنّه يقرع بينهما.

و لكن عندي في هذا تأمّل، لأنّه بناء على ما ذكرنا من أنّ الشارع جعل الفراش أمارة لكون الولد لصاحب الفراش فيما يمكن أن يكون له تكوينا و شرعا. أمّا تكوينا فبوصول نطفة صاحب الفراش إلى رحمها، و أمّا شرعا فبأن لا يكون حمله أقلّ من أقلّ الحمل و لا أكثر من أكثره، فلصاحب الفراش أمارة على أنّ الولد له و هي الفراش، فلا تصل النوبة إلى القرعة.

كما حقّقناه في قاعدة القرعة أنّها تستعمل في الشبهة الموضوعيّة التي لا يجوز فيها

____________

(1). «الانتصار» ص 154.

(2). «مختلف الشيعة» ج 7، ص 316، المسألة: 222.

(3). «مسالك الأفهام» ج 1، ص 458.

44

الاحتياط و لا يجب، و تكون من المعضلات و المشكلات، و مع وجود الأمارة في بعض أطراف العلم الإجمالي ينحلّ العلم، و لا يبقى إجمال في البين.

و بعبارة أخرى: قلنا إنّ القرعة أمارة حيث لا أمارة في البين، اللهمّ إلّا أن يقال:

إنّ أماريّة الفراش مخصوصة بما إذا كان في قبال الزناء، لا في قبال الوطي بالشبهة.

و هذا الاحتمال أبطلناه فيما تقدّم، و قلنا إنّ أماريّته مطلقة، فقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش» كلام مستقلّ، و مفاده أنّ الفراش- أي كون الرجل له حقّ المضاجعة في ذلك الفراش مع المرأة التي تنام فيه، و يكون لها نحو اختصاص به- أمارة شرعيّة على أنّ الولد الذي ولد في ذلك الفراش ملحق بصاحب الفراش عند الشكّ، فيكون حال الفراش حال البيّنة.

نعم الفرق هو أنّ البيّنة أمارة في جميع الموضوعات، و الفراش أمارة في خصوص إلحاق الولد بصاحب الفراش فيما أمكن الإلحاق به.

و أمّا الجملة الأخرى، أي: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و للعاهر الحجر» فلا ربط له بالجملة الأولى، بل ذكره لطرد المدّعي المقابل لصاحب الفراش، لأنّ المدّعي المقابل لصاحب الفراش في مورد الحديث كان زانيا، فطرده بهذا الكلام.

و أمّا فيما إذا لم يمكن، كما إذا كان صاحب الفراش لم يمسّه لا قبلا و لا دبرا، أو لم يمض من حين وطئه مدّة أقلّ الحمل، أو تجاوز من زمان وطئه إلى الوضع أكثر مدّة الحمل، فلا يكون الفراش أمارة، القطع بالعدم شرعا. و في مثل هذه الصورة يعطي الولد الواطئ بالشبهة، لأنّه مدّع بلا معارض، أو للقطع بأنّه منه.

و أمّا لو كان المدّعي المقابل للفراش هو أيضا صاحب الفراش، ففيه صور أربع:

الأولى: أن لا يمكن لحوقه بالثاني و أمكن لحوقه بالأوّل، كما إذا طلّق الأوّل زوجته و بعد انقضاء عدّتها تزوّجها الثاني، فوضعت لأقلّ من ستّة أشهر من زمان

45

وطئ الثاني، و لم يتجاوز أقصى الحمل من زمان وطئ الأوّل، فالولد ملحق بالأوّل لكونه ذا أمارة و فراش، و الثاني لا يمكن أن يكون أمارة لكونه ولدت في زمان يكون أقلّ من أقلّ الحمل، فيستكشف بطلان نكاح الثاني لوقوعه في العدّة، لأنّ انقضاء عدّة الأوّل بالوضع، و المفروض أنّه تزوّجها قبل الوضع و تصير تلك المرأة محرمة على الثاني أبدا، لأنّه وطأها في العدّة بعد العقد عليها.

الثانية: عكس الصورة الأولى، و هو عدم إمكان لحوقه بالأوّل و إمكان لحوقه بالثاني، كما إذا كانت الولادة بعد مضيّ أكثر الحمل من الوطي الأوّل، و لا يكون أقلّ من أقلّ الحمل، و لا أكثر من أكثره من حين وطئ الثاني، ألحق بالثاني، لعدم أماريّة فراش الأوّل، لعدم الشكّ و عدم إمكان الإلحاق، فيكون الفراش الثاني أمارة بلا معارض لها.

الثالثة: عدم إمكان الإلحاق بكلّ واحد منهما، فيسقط أماريّة كليهما و ينفي عنهما لما ذكرنا أنّ أماريّة الفراش في ظرف إمكان الإلحاق.

الرابعة: إمكان الإلحاق بكليهما، فمقتضى القاعدة سقوط كليهما بالتعارض، و لكن بناء الأصحاب على الإلحاق بالثاني، لإحدى جهتين:

إمّا من جهة أنّ المراد من الفراش هو الفراش الفعلي، و لا شكّ أنّ الفراش الفعلي هو الثاني، دون الأوّل.

و فيه: أنّ لزوم الفعليّة في الفراش أمر مسلّم، و لكن في زمان الوطي لا في زمان الوضع، و المفروض أنّه في زمان الوطي كان كلاهما فعليّين.

و إمّا من جهة الأخبار، و قد وردت روايات مستفيضة (1) في أنّ الولد يلحق

____________

(1). «الفقيه» ج 3، ص 470، ح 4639، باب النوادر (من كتاب النكاح) ح 23، «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 168، ح 584، في لحوق الأولاد بالآباء.، ح 8، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 118، أبواب أحكام الأولاد، باب 17، ح 13.

46

بالفراش الثاني إن أمكن، و إن كان لحوقه بالأوّل أيضا ممكنا.

و هو صحيح لا إشكال فيه.

و أمّا التمسّك بالإجماع مع وجود هذه الأخبار فلا وجه له، لما ذكرنا مرارا فلا نعيد.

و قد عرفت أنّ المراد من الفراش في الحديث الشريف من له حقّ المضاجعة شرعا مع المرأة و أن يلامسها، فالفراش كناية عن هذا الأمر، و قد عرفت أنّ الزوج بكلا قسميه- الدوام و الانقطاع- حيث أنّ له هذا الحقّ فيكون صاحب الفراش، و كذلك مالك الجارية حيث له هذا الحقّ فيكون صاحب الفراش.

هذا، مضافا إلى تطبيقه (صلّى اللّه عليه و آله) هذه القاعدة على زمعة، و هو كان مالكا لا زوجا.

و أمّا الواطئ بالشبهة، فليس له هذه الحقّ قطعا، بل هو متعدّ و متجاوز على عرض الغير، غاية الأمر لا يعاقب لجهله، فهو معذور بالنسبة إلى العقاب و المؤاخذة، لا أنّ له هذا الحقّ شرعا. و جواز الوطي له حكم ظاهري، لا أنّه واقعا له جائز، إلّا على القول بالتصويب الباطل، فلا فرق بين الزاني و الواطئ بالشبهة في حرمة الوطي واقعا.

نعم هناك فروق آخر بينهما، و هو أنّ الشارع جعل الزناء موضوعا لأحكام لا تجري و لا تترتّب تلك الأحكام على الوطي بالشبهة، من الحدّ، و عدم إلحاق الولد به بالنسبة إلى بعض الأحكام، كتوريثه من أبيه، فادّعاء أنّ الواطئ بالشبهة صاحب الفراش عجيب.

و أمّا التحليل فكون المحلّل له صاحب الفراش فله وجه، لأنّه بالتحليل يوجد له هذا الحقّ، خصوصا إذا قلنا بأنّ التحليل عقد محتاج إلى الإيجاب و القبول، فيمكن أن يقال بأنّه تزويج لها من المولى، فيكون كالمتعة تزويجا موقّتا، فهو أيضا صاحب

47

الفراش كالزوج في عقد الانقطاع.

و الحاصل: أنّ الفراش عبارة عن كونه مالكا شرعا للوطي، و له حقّ أن يفعل، و المشتبه ليس له ذلك، و إنّما يرتكب محرّما معفوا عنه، لجهله. نعم فعله ليس زناء، لأنّه أخذ في مفهوم الزناء الالتفات و العلم أو العلمي بالحكم و الموضوع جميعا، فلا يترتّب على عمله آثار المترتّبة على الزناء، من عدم إرث الولد و الحدّ و غيره.

فلو كان هناك واطئان بالشبهة و أمكن الإلحاق بكلّ واحد منهما يقرع بينهما، أمّا لو اجتمع الزناء مع الوطي بالشبهة و أمكن الإلحاق بكلّ واحد منهما، كما إذا وطيا في طهر واحد، و الوضع صار بعد التجاوز عن أقلّ الحمل، و عدم التجاوز عن أكثر الحمل من زمان وطئ كلّ واحد منهما.

فإن قلنا: إنّ الزاني مطرود و لا نسب له مطلقا، فلا شكّ أنّ الولد للواطئ شبهة، و ليس للزاني إلّا الحجر.

و أمّا إن قلنا: إنّ طرده فيما إذا ادّعى في قبال الفراش- كما هو مورد الحديث لا مطلقا و نفي النسب بملاحظة الإرث لا مطلقا، و لذلك يحرم على الزاني تزويج بنته من الزناء إجماعا بل ضرورة- فمقتضى القواعد الأوّليّة هو أن يقرع بينهما، و لكن الظاهر اتّفاق الأصحاب عن أنّه للواطئ بالشبهة، و يطرد الزاني، لأنّه (عليه السّلام) عبّر من الولد المخلوق من ماء الزاني «أنّه لغية».

محمّد ابن الحسن القمّي، قال: كتب بعض أصحابنا على يدي إلى أبي جعفر (عليه السّلام):

ما تقول في رجل فجر بامرأة فحبلت، ثمَّ أنّه تزوّجها بعد الحمل، فجاءت بولد هو أشبه خلق اللّه به؟ فكتب (عليه السّلام) بخطّه و خاتمه: «الولد لغية لا يورث» (1) و الغية ظاهرها أنّه باطل و خائب و لا يعتنى به، فمفاد هذه الرواية هو أنّ الولد لا يلحق بالزاني و إن لم

____________

(1). «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 182، ح 637، في لحوق الأولاد بالآباء.» ح 61، «وسائل الشيعة» ج 15، ص 214، أبواب أحكام الأولاد، باب 101، ح 1.

48

يكن مدّع في مقابله، فضلا عمّا إذا كان مثل الواطئ بالشبهة الذي لم يلغ الشارع نسبه، حتّى أنّ بعضهم ادّعى صدق الفراش على وطئ الشبهة.

و لكن مع ذلك كلّه ظاهر الرواية أنّه لغية من ناحية الإرث، لا أنّه لغية بقول مطلق حتّى من ناحية نكاح المحارم.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لو زنى الاثنان بامرأة في طهر واحد فجاءت بولد يمكن القول بالاقتراع بالنسبة إلى الآثار غير الإرث.

تنبيه

ثمَّ إنّه من المعلوم و الواضح الجلي أنّ الزناء قد يكون بالنسبة إلى الرجل و المرأة، فيكونان زانيا و زانية، و الولد لا يرث من كلّ واحد منهما و يكون لغية من الطرفين.

و قد يكون الزناء من طرف واحد، و ذلك بأن يكون أحدهما متعمّدا ملتفتا، و الطرف الآخر مشتبها، فيرث الولد من المشتبه دون الزاني و الزانية.

و أمّا في غير الإرث فقد بيّنّا أنّه يلحق بهما بالنسبة إلى بعض الآثار، كحرمة نكاح المحارم حتّى في الزناء من الطرفين، بحيث يكونان باغ و بغيا، فضلا عن أن يكون من طرف واحد.

هذا هو الذي اخترناه.

و لكن ظاهر المشهور و بعض الروايات هو أنّ الشارع ألغى النسب في الزناء.

و لكن الالتزام بذلك مشكل جدّا، خصوصا بالنسبة إلى نكاح المحارم، كتزويج البنت من الزناء، و الأخت من الزناء.

و بناء على ما اخترناه فلو كان الولد الأكبر من الزناء لا يرث الحبوة، و لكن يجب عليه قضاء صلوات أبيه.

49

هذا إذا كان الزناء من الطرفين، و أمّا إذا كان أحد الطرفين مشتبها، فيلحق الولد بالمشتبه قطعا، و يترتّب عليه جميع آثار النسب الصحيح. و الله هو العالم بحقائق الأمور و الأحكام.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

38- قاعدة و على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

قاعدة و على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه (1) و من جملة القواعد الفقهيّة المشهورة قاعدة «و على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه».

و البحث فيها من جهات:

الجهة الأولى الفرق بين هذه القاعدة و قاعدة اليد

التي ذكرناها و شرحناها في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب.

فنقول: عمدة البحث و النظر في تلك القاعدة كان في أماريّة اليد، و أنّها مثل البيّنة و السوق تثبت الملكيّة و التذكية و الطهارة، و أنّ هذه المرأة التي تحت يده زوجته، و أنّ هذه العين الموقوفة التي تحت يده هو المتولّي و الناظر عليها أم لا؟

و موضع البحث أيضا هناك عامّ، لا اختصاص له باليد الغاصبة أو غير المأذونة من قبل المالك، بمعنى أنّ المراد من اليد هناك سيطرة الشخص و استيلائه على شيء، و لم

____________

(1). «الحقّ المبين» ص 128، «عوائد الأيّام» ص 108، «خزائن الأحكام» ش 24، «بلغة الفقيه» ج 3، ص 291، «مجموعه رسائل» ص 472، «دلائل السداد و قواعد فقه و اجتهاد» ص 62، «مجموعة قواعد فقه» ص 25، قواعد فقه» ص 91، «قواعد» ص 181، «قواعد فقه» ص 75، «قواعد الفقه» ص 84، «قواعد الفقه» ص 111، «القواعد الفقهية» (فاضل اللنكراني) ج 1، ص 83، «القواعد الفقهيّة» (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 231، «قواعد الفقيه» ش 34، ص 63 «ضمان يد غير قانونى» عباس كريمى، ماچستير جامعه الشهيد بهشتى، 1368، «موجبات ضمان قهري و أسباب آن» غلامعلى پيراسته، ماچستير، جامعه طهران، «يد مالكي و يد ضماني» أبو القاسم گرجى، فصليّة «حقّ» دفتر 9 سال 1366، «قاعدة على اليد» سيد على محمد مدرس الأصفهاني، «كانون وكلاء» العام 15، ش 84.

54

يكن حالها معلومة، و أنّها يد المالك، أو يد الغاصب، أو يد المأذونة من قبل المالك، أو يد الأمين شرعا، كلّ ذلك غير معلوم، فيبحث في أنّ مثل هذه اليد هل هي أمارة الملكيّة أو سائر ما ذكرناها أم لا؟ فالبحث دائما هناك عن جهة أماريّتها.

و ها هنا موضوع البحث هو أنّ اليد المعلومة أنّها يد غير المالك، و أنّها غير مأذونة من قبل المالك، هل توجب الضمان، أم لا بل يجب تكليفا ردّ ما في يده من مال الغير إلى صاحبه، ففرق واضح بين موضوع البحث ها هنا، و بينه هناك.

و نحن و إن تكلّمنا هناك قليلا من جهة كونها هل توجب الضمان أم لا، و عن تعاقب الأيدي على مال الغير، و لكن كان ذكرا تبعيّا و لم نستوف البحث، و لذلك نذكر القاعدة ها هنا، و نستوفي البحث عنها بمقدار وسعنا إن شاء اللّه تعالى.

الجهة الثانية في مدرك هذه القاعد

فنقول: مدرك هذه القاعدة هو الحديث المعروف المشهور بين جميع الطوائف الإسلاميّة، و الذي رواه العامّة و الخاصّة، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» (1).

فالبحث عن سنده و أنّه صحيح أو ضعيف لا وجه له، لأنّه بعد هذا الاشتهار بين الفقهاء و قبولهم له و العمل به فيكون موثوق الصدور، الذي هو موضوع الحجّية، بل لا يبعد أن يكون من مقطوع الصدور.

____________

(1). «الخلاف» ج 3، ص 409، المسألة: 22، «عوالي اللئالي» ج 2، ص 345، باب القضاء، ح 10، «مستدرك الوسائل» ج 17، ص 88، أبواب الغصب، باب 1، ح 4، «سنن أبي داود» ج 3، ص 296، ح 3561، باب في تضمين العارية، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 802، ح 2400، أبواب الصدقات، باب العارية، «سنن الترمذي» ج 3، ص 566، ح 1266، باب ما جاء في أنّ العارية مؤداة.

55

و على كلّ حال لا كلام في حجيّته، إنّما الكلام في دلالته، و بيان المراد منه. و طريق كشف المراد منه هو معرفة ما هو المتفاهم العرفي منه.

فنقول: من المعلوم أنّ كلمة «على اليد» خبر مقدّم للموصول، أي كلمة «ما» في «ما أخذت» فتقدير الكلام عبارة عن أنّ الذي أخذته اليد ثابت أو مستقرّ على اليد، و ذلك من جهة أنّ الظرف أي «على اليد» يحتاج إلى عامل و متعلّق مقدّر ها هنا، لأنّه ليس في الكلام، أي جملة «على اليد ما أخذت» فعل أو شبه فعل يكون قابلا لأن يتعلّق به الظرف، فلا بدّ من تقديره.

و المقدّر العامل للظرف إن كان من أفعال العموم- ك«استقرّ» أو «ثبت» أو «كان» أو «حصل» يسمّى بأفعال العموم، لأنّ كلّ فعل و حدث صدر عن الفاعل يصدق أنّه استقرّ وجوده، و كان، و ثبت، و حصل- يسمّى الظرف بظرف المستقرّ. و وجه التسمية واضح.

و إن كان من أفعال الخصوص- ك«ضرب» و «أكل» و «شرب» إلى غير ذلك من الأفعال الخاصّة، التي هي عبارة عن الأحداث الخاصّة، كلّ واحد منها لا ينطبق على الآخر، بل شيء مقابل أو مخالف له- يسمّى الظرف بظرف اللغو، لأنّه ملغى عن الضمير المستتر فيه يرجع إلى العامل.

و ظاهر الكلام حسب المتفاهم العرفي أنّ الظرف ظرف مستقرّ، لا ظرف لغو، فيكون المعنى أنّ الذي أخذته اليد ثابت و مستقرّ على اليد، و هذا الثبوت و الاستقرار باق على اليد و لا يرتفع عنها إلّا بالأداء، فنفس ما أخذت على عهدته و ثابت على اليد إلى غاية ذلك الثبوت، و غايته هي أداء ما أخذته.

و أمّا وجه أنّ الظاهر و المتفاهم العرفي من الحديث هو أنّ الظرف مستقرّ لا لغو فلجهات:

الأولى: أنّ الظاهر أنّ نفس ما أخذت يكون على اليد، من دون إضمار في البين،

56

لأنّ التقدير و الإضمار خلاف الأصل، و لا يصار إليه إلّا بعد عدم استقامة الكلام بدونه. و فيما نحن فيه الكلام بدون الإضمار في غاية الاستقامة، لما ذكرنا من أنّ معنى الحديث- إذا كان الظرف ظرف مستقرّ- أنّ نفس المال الذي مثلا أخذت بدون الإذن يكون مستقرّا على ذلك اليد أي عهدته مشغولة به، كما سنبيّن معنى «اليد» في المقام، و لا يفرغ ذمّته إلّا بأداء ذلك الذي أخذه إلى صاحبه.

و أمّا احتمال أن يكون العامل المقدّر «يجب» أو «يلزم» فيبعده، بل ينفيه أنّ الأحكام التكليفيّة لا تتعلّق بالذوات و الأعيان الخارجيّة، بل لا بدّ و أن يكون متعلّقها فعل المكلّف، فيحتاج في المقام إلى التقدير. و الفعل المناسب لان يكون متعلّقا ليجب أو ليلزم في المقام هو الأداء و الردّ، ليكون معنى الحديث أنّه يجب أو يلزم ردّ ما أخذه من الغير و أداؤه إليه.

و لكن أنت خبير بأنّه مضافا إلى كونه خلاف الأصل، ركيك إلى أقصى الغاية، لأنّه يجب أن يكون الفعل مع غايته واحدا، أي يكون معنى الحديث: يجب ردّ ما أخذ إلى أن يردّ.

و أمّا احتمال أن يكون المتعلّق ليجب أو ليلزم المقدّر هو «الحفظ» كي يكون المعنى: يجب أو يلزم حفظ ما أخذ حتّى يؤدّيه، فبعيد جدا.

أمّا أوّلا: فلما قلنا إنّ التقدير خلاف الأصل، لا يصار إليه إلّا لضرورة. و ليس ها هنا ضرورة إلى التقدير، لأنّ ظاهر الكلام بدون التقدير في كمال الاستقامة، لأنّه عبارة عن أنّ نفس ما أخذته اليد ثابت في ذمّة اليد، و لا يمكن الخروج عنه إلّا بأداء ما هو ثابت في العهدة إلى من هو صاحب المال المأخوذ. و هذا معنى لطيف، له كمال الملائمة مع الأخذ بالقوّة و القهر، و مع الأخذ بدون إذن المالك، و يشبه لما هو مفاد سائر أدلّة باب الغصب من قوله (عليه السّلام): «لأنّ الغصب كلّه مردود» (1) و غيره (2).

____________

(1). «الكافي» ج 1، ص 542، باب الأنفال، ح 4، «وسائل الشيعة» ج 17، ص 309، أبواب الغصب، باب 1، ح 3.

(2). «وسائل الشيعة» ج 17، ص 308، أبواب الغصب، باب 1 و 7.