أنوار الفقاهة (كتاب الحوالة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
9 /
1

القول في الحوالة:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و هي شرعاً نقل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله أو العقد الدال على ذلك بالصيغة المشروعة لذلك فلا يدخل في حدها الصلح بما في ذمة المديون بما في ذمته لغريمه مع رضاه و هي من العقود اللازمة لو صححنا الحوالة على البريء و لم نقل أنها من أفراد الضمان افتقر إلى تقييد الذمة الأولى بالشغل و إطلاق الثانية و لا يرد نقل الضمان لأن المضمون له غير ناقل بل الناقل الضامن و هو بريء و الظاهر أن المماثلة مقومة لمعنى الحوالة كشغل الذمة للأصل و عدم إطلاق شامل للمشكوك في صحة الحوالة بالنسبة إلى أفراد المحال به و الكلام في أمور:

أحدها رضا المحيل و المحتال من شروط الحوالة:

الأول الحوالة عقد لازم بين المحيل و المحتال فيشترط رضاهما لما دل على اشتراط الرضا في العقود و لان المحيل مخير في جهات القضاء فلا يتعين عليه شيء و المحتال حقه ثابت في ذمته فلا يلزمه نقله إلى ذمة أخرى و للإجماع المنقول قيل و يستثنى من رضا المحيل ما لو تبرع المحال عليه بالوفاء فقال أحلتك على نفس فقال المحتال قبلت و فيه أن صحته بصيغته الحوالة محل إشكال نعم و لو لم تعتبر في الضمان صيغة خاصة كان ضماناً و الظاهر أن هذا ليس من العقود المتعارفة لا للحوالة و لا للضمان و يشترط مع الرضا أيضا اللفظ العربي مع الإمكان و الصيغة الخاصة المرتبة المتواصلة و تكفي الإشارة للأخرس و في الاكتفاء بالإشارة لغيره لمن لم يتمكن أو لزوم التوكيل عليه

2

وجهان و أما من لم يتمكن من التوكيل فالأظهر الاكتفاء بإشارته و لا يبعد الاكتفاء بالإيجاب بالجملة الاسمية المقصود بها الإنشاء على إشكال و هل يشترط رضا المحال عليه لاختلاف الناس في الاقتضاء و الاستيفاء سهولة و صعوبة و للمشهور نقلًا بل تحصيلًا و للإجماع المنقول و لاستصحاب بقاء الحق أو لا يشترط للأصل و الشك في ثبوت الإجماع المنقول لأن منه ما هو منقول على صحة الحوالة مع رضا الثلاثة كإجماع الشيخ (رحمه الله) فلا يدل على عدمه عند عدمه و منه ما هو بلفظ أصحابنا و عندنا و هو غير صريح في الإجماع و لان المحيل أقام المحتال مقام نفسه فلا وجه لرضاه كالتوكيل عليه أو بيع ما في ذمته للآخر و الاستصحاب مقطوع و الاستدلال باختلاف الناس ممنوع أو يشترط مع اختلاف الحقين جنساً لأنه بمنزلة المعاوضة الجديدة و لا يشترط مع الاتفاق وجوه و أقوال أوجهها الوسط إلا أن التعدي من فتوى المشهور و ظاهر الإجماع المنقول مما لا ينبغي هذا إن كانت الحوالة على مشغول و إن كانت على بريء فلا بد من رضاه قطعاً و على كل حال فلا يعتبر مع رضاه قبول لفظي و لا إيجاب يوجه إليه للأصل و العموم و ظاهر الفتاوى.

ثانيها تحقق نقل المال من المحيل إلى المحال بالحوالة:

الثاني مع تحقق أن الحوالة ينتقل المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه من غير افتقار إلى إبراء من المحتال للمحيل و في رواية أنه إذا لم يبرئه له أن يرجع على من أحاله و أفتى بمضمونها جمع و عمومات الأدلة مع فتوى الأصحاب مما يوهنها لحملها على الندب أو على إرادة رضا المحتال بالحوالة من لفظ الإبراء كناية عن الملزوم باللازم أو على ما إذا ظهر إفلاس المحال عليه بعد ذلك حين الحوالة فإنه لا يرجع عليه بعد الإبراء أو على اشتراط المحيل على المحتال البراءة من الرجوع إذا ظهر ذلك أولى و الحوالة من البريء على المشغول توكيل للبريء في الاستيفاء فهو من باب عقد الوكالة الجائزة و الحوالة من المشغول ضمان و إن كان بصيغة الحوالة لجوازه بها على الأظهر و دعوى صحتها حوالة لأصالة عدم الاشتراط منظور فيه لفقدان الإطلاق الشامل لهذه

3

الصورة في باب الحوالة و عدم شمول عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لها لأنه لم يسبق لبيان أفراد المعقود عليه نعم لو قيل أنه عقد جديد غير الضمان و الحوالة لاتّجه ذلك أن كان من الأفراد المتعارفة و لكنه لا يخلو من مناقشة و استند بعض المتأخرين للصحة بإطلاق بعض أخبار الحوالة الدالة على أن من أحال شخصاً على آخر لا يرجع إليه إلا إذا تبين إعساره و هو ضعيف لان الإطلاق موقوف على تحقق صدقه و صدقه مع عدم شغل ذمة المحال عليه مشكوك فيه فلا يصح الاستناد إليه و بنى المسألة بعض آخر على أن الحوالة هل هي اعتياض بعقد مستقل أو لدخولها في البيع أو هي استيفاء فعلى الأول لا تجوز على البريء لعدم المقابل لأحد العوضين و على الثاني تجوز و فيه أن هذا البناء لم يثبت اصله إذ ليس في الأخبار و لا في إجماع الأخيار منه عين و لا اثر و ليس في الروايات إلا أن مشغول الذمة لشخص له أن يحيله على آخر مشغول الذمة له و لا يدري انه كان على جهة العوضية و الاستيفائية و لو تبين إعسار المحال عليه حين الحوالة كان للمحتال الخيار للفتوى و الأخبار إلّا إذا كان عالما بذلك حين الحوالة فلا ضرر و لا ضرار و لو ايسر قبل الفسخ احتمل سقوط الخيار لاندفاع الضرر و احتمل بقاءه للاستصحاب و الإعسار المتجدد لا يثبت خيارا و يصح ترامي الحوالة و يصح دورها فترجع للمحيل الأول إذا كان مديونا للمحال عليه و أن تبرع المحيل بوفاء المحال عليه برأ المحتال و لا رجوع و إن سأله ذلك رجع على المحتال سواء قال له و أرجع عليَّ أولا على الأظهر و لا يصح التحويل بالأعيان للشك في شمول دليل الحوالة لها و لا على ما لم يستقر في الذمة و إن ثبت سببه كمال الجعالة و نحوه و يقبل عقد الحوالة الشروط و يقبل شرط الخيار كل ذلك لعموم أدلة الشروط و يشترط فيها ما يشترط في المتعاقدين في سائر العقود و لو جوزنا الحوالة على البريء فقال أحلتك على بيت المال فقبل الحاكم صح حوالة و ضماناً و على القول باشتراط رضا المحال فهل رده فاسخ من الأصل و لا يجدي رضاه بعد ذلك أم لا إلا إذا استمر على الرد وجهان و الحوالة من البريء على البريء توكيل على القرض أو السؤال و لو قصد بالحوالة على البريء نفس الحوالة لا الضمان و قلنا بعدم صحتها حوالة ففي صحته ضماناً لعدم تأثير النية أو فساده وجهان

4

أوجههما الأول و لو شرط المحيل عدم الخيار عند الإعسار قوي القول بسقوط الخيار و المدار في الإعسار على حالة العقد بين المحيل و المحتال و لا عبرة بعدم رضا المحال عليه فلو ايسر المحال عليه فرضي بالحوالة و كان من قبل حالته معسراً بقي الخيار بناء على استصحابه و هل يصح اشتراط التأدية من مال معين من أموال المحال عليه لا يبعد ذلك فيلتزم المحال عليه بذلك و حينئذ فلو اشترط عليه التأدية من الدار جاز بيعها عند الإعسار و لم يكن للمحتال الخيار.

ثالثها عدم صحة الترديد و التعلق في الحوالة:

الثالث لا يصح الترديد في المحتال و لا في المحال عليه و لا في المال المحول و لا يجوز التحويل على مجهول بالجنس أو الوصف عند المحتال و لا بالقدر إذا لم يؤول إلى العلم كان يقول أحلتك على شيء و الرجوع إلى أقل شيء ليس بشيء و هل يجوز التحويل على ما يمكن استعلامه بالكتاب و الحساب كأن يقول أحلتك على ما في ذمته لي و لم يكن المحتال و لا المحال عليه عالمين به بل و لا المحيل ساعة التحويل لعموم الأدلة و إطلاق أدلة الحوالة و لأن الأصل عدم اشتراط المعلومية إلا إذا دل عليها الدليل و لا يجوز إذا كان المحتال غير عالم بالفعل للغرر و الضرر و لأن الأصل المنع من الغرر في المعاوضة إلا إذا دل الدليل على الخلاف و سيما لو كان المحيل جاهلًا أيضا وجهان و قد تبنى المسألة على أن الحوالة هل هي اعتياض أو استيفاء أو عقد مستقل غير معلوم حاله فإن كان الأخير أو الوسط فالأصل عدم اشتراط المعلومية و إن كان الأول فإن كانت بيعا فلا كلام في الاشتراط و إلا فتبنى المسألة على أن الأصل في المعاوضات اشتراط العلم إلا ما أخرجه الدليل أو العكس و الأظهر وجوب تساوي المالين جنسا و وصفا و قدرا بمعنى انه لا يجوز التحويل على الناقص أو الزائد على أن يكون هو حقه للشك في شمول إطلاقات الحوالة لمثل هذه الأفراد لأن نقل ما في ذمة المحيل للمحتال من المخالف أو انتقال ما في ذمة المحال عليه المخالف قهرا من دون رضاهما لا قائل به مع رضاهما من دون عقد يوجب ذلك لا وجه له و لا يتفاوت الحال بين القول بأن الحوالة اعتياض أو استيفاء أوامر آخر نعم لو قلنا بجواز الحوالة على البريء صح ذلك لان جوازها على

5

من لا حق له يؤدي إلى جوازها على من عليه حق مخالف بطريق أولى و يكون ما عليه من المال مقابلا لما تحول به عليه و لا يتفاوت الحال بين كون الحوالة استيفاء لان الاستيفاء يكون بالجنس و غيره مع الرضا من الجانبين و إن كانت اعتياضاً فلجواز المعاوضة بالجنسين المختلفين و لا بد حينئذ من اشتراط الرضا من المحال عليه و التفاوت بالحلول و التأجيل و الزيادة في الأجل و النقصان لا باس به و هذا فيما إذا حال بما هو مشغول الذمة للمحتال على المحال عليه بغير الجنس الذي له على المحال عليه و أما لو أحال المختال بغير الجنس المشغول الذمة له به فذلك لا ينعقد حوالة لعدم دليل صالح على صحة ذلك و لو أحال شخص على آخر فأدى المال فرجع إليه بما أدى مدعياً عليه براءة ذمته و إن الحوالة على بريء فإن قلنا بجواز الحوالة على البريء فالقول قوله بيمينه و إلا احتمل تقديم قول المحال عليه لأصالة براءة ذمته و احتمل تقديم قول المحيل لأصالة صحة العقد الموقوفة على شغل ذمته و قد يقال أن الأصلين متعارضان فيتساقطا و بقى أن المحال عليه قد أدى عنه مالًا بإذنه فيلتزم به و لا يتفاوت الإذن بين كونه في عقد فاسد أو صحيح و الإذن العقدية في العقد الفاسد و إن انتفت تبعا له لكن التسليط على تأدية المال عنه و التسبيب الواقع عنه لم ينتف و الضمان تابع لهما الرابع تصح الحوالة من المكاتب لسيده و لغيره و إذا أحال سيده تحرر لأنه إيصال فلو باعه سيده مالًا و باعه أجنبي فأحالهما على من له في ذمته مال صحت الحوالة و تصح الحوالة على المكاتب من سيده و من غيره لانه ذو ذمة قد استقر فيها مال فتصح الحوالة عليه به و لو قلنا بجواز تعجيز نفسه لان جواز التعجيز لا ينافي ثبوت الشغل الذي تدور مداره الحوالة و هل إحالة السيد عليه بمال نوع إيصال فيتحرر بها كإحالته للسيد على غيره أم لا لأنها كالوكالة في القبض وجهان و الأقوى الأول.

رابعها تداعي المحيل و المحتال:

الرابع لو تداعى المحيل و المحتال فقال المحتال حولتني فأنت مشغول الذمة و قال المحيل وكلت فلست بمشغول الذمة فإن لم يتصادقا على وقوع عقد الحوالة كان القول قول المحيل و احتمال التداعي فتسقط الدعويان باليمين فيرجع إلى أصالة براءة ذمة

6

المحيل وجه و إن تصادقا على وقوع عقد الحوالة و اختلفا فقال المحتال حولتني فأنت مشغول الذمة و قال المحيل وكلتك بصيغة الحوالة فلست بمشغول الذمة احتمل هاهنا تقديم قول المحيل لأصالة براءة ذمته من الشغل و لأصالة عدم التحويل و احتمل التداعي و احتمل تقديم قول المحتال لموافقته الظاهر لاقتضاء عقد الحوالة التحويل و النقل من مشغول الذمة على مشغولها فهي في الوكالة أما مجاز أو أخفى فردي القدر المشترك أو فردي المشترك اللفظي ان قلنا بالاشتراك اللفظي أو المعنوي بينهما و القول قول من يوافق قوله الظاهر و مدعى القصد بخلافه مدعي لان الظاهر أن القصد تابع لظاهر الخطاب فلا بد له من بينة أو يحلف من أنكر ذلك على نفي العلم و الاطلاع على قصده لعدم إمكان تحليفه على نفي الفعل عن الغير سيما فيما لم يعلم إلا من قبله فيسمع قوله فيه بيمينه قوي لاعتضاده بأصل البراءة من الشغل واصل عدم التحويل و النقل و لو تصادقا على شغل ذمة المحيل و على وقوع عقد الحوالة و اختلفا في أن العقد هل كان حوالة أو وكالة احتمل تقديم قول المحيل في كونها وكالة لأصالة عدم النقل و الانتقال و استصحاب بقاء المال في ذمة كل منهما و لأنه أمر يتعلق بقصده فلا يعرف إلا من قبله و تكليفه البينة أمر عسير عليه فالقول قوله بيمينه و احتمل تقديم قول المحتال لموافقته لظاهر الخطاب من لفظ صبغة الحوالة لكونها مجازا في الوكالة و أخفى فردي المشترك المعنوي أو اللفظي و القول قول من يوافق قوله الظاهر لغةً أو عرفا أو شرعاً للزوم العمل على ظاهر الألفاظ و هذا الأخير قوي و احتمال التداعي ضعيف و لا يتفاوت الحال هنا بين أن يكون النزاع قبل قبض المحتال أو بعده و إن كان قبض المحتال للمال مما يؤيد قوله في الحوالة لصيرورته بمنزلة ذي اليد و دعوى بعض القطع بتقديم قول المحيل مع عدم قبض المحتال بعيد و توجيهه بأن الحوالة استيفاء و لا يثمر المالك إلا بعد القبض فالنزاع قبله نزاع فيما هو مملوك للمحيل حين الاختلاف ضعيف لانا قلنا أن الحوالة استيفاء بعقدها إلا أنها بسبب الاستيفاء و بمنزلة التوكيل فيه و على كل تقدير فإن قدمنا قول المحتال مع يمينه فحلف فإن قبض المال برأت ذمة المحال عليه قطعا لان المال قد دفعه أما بالحوالة أو الوكالة و ذمة المحيل أيضاً لأنه رضي بما في يده عوضاً عنه

7

فيكون ما في ذمة المحيل عوضاً عنه قهرا أو مقاصة ببينتها أو بغير بينة و إن لم يقبض بقيت ذمة المحيل مشغولة باعترافه و ذمة المحال عليه مشغول للمحتال أن صدقه و للمحيل إن كذبه فإن قبض بعد ذلك عاد الحكم الأول فإن تعسر عليه القبض لم يجز له الرجوع للمحيل لاعترافه بفراغ ذمته بالحوالة و بقي المال في ذمة المحيل يدسه في أمواله أو يجري عليه حكم مجهول المالك و للمحيل إذا تمكن أن يأخذ ماله من المحال عليه إذا صدقه و إن نكل المحتال من اليمين حلف المحيل و بطلت الحوالة و بقي المال أمانة في يد المحتال إن قبضه و إن قدمنا قول المحيل بطلت حوالته بيمين المحيل و وكالته بإنكاره لها فإن لم يكن قد قبض المال احتمل انه له مطالبة المحيل بماله لاعتراف المحيل بأن ماله باق في ذمته و احتمل عدمه لاعترافه هو بان ماله صار في ذمة المحال عليه و هذا أوجه إلا إذا أخذ المحيل من المحال عليه المال فإنه يتوجه جواز رجوعه على المحيل لأن المحيل قد أخذ من المحال عليه مالا أما هو للمحتال و أما هو باق على ملك المحال عليه الذي هو مشغول الذمة للمحتال فيأخذ المحتال منه مالا مقاصة على ذلك على إشكال و إن قبض و كان المقبوض باقيا لزم تسليمه للمحيل و يطالبه بقدره لأنه أما وكيل كما هو دعوى المحيل فله عليه الرجوع لبقاء المال في ذمته أو محتال فله أن يأخذ عوض ماله المأخوذ منه ظلما بعد قبضه فإن تلف المقبوض من المحتال فإن كان تلفه منه بتفريطه بذل للمحيل المثل أو القيمة و رجع على نحو ما ذكرنا و إن كان من غير تفريط لم يكن للمحيل الرجوع عليه لاعترافه بأنه وكيل فهو أمين لا يضمن من دون تفريط و ليس له الرجوع أيضاً على المحيل لاعترافه بوصول حقه إليه نعم على المحيل أن يدسه في أمواله و يبقى مجهول المالك في وجه و يحتمل أن للمحيل الرجوع عليه لانه لم يقبضه بالوكالة بل قبضه لنفسه باعترافه فهو ضامن لان ذلك تعد هذا كله لو أنكر المحيل الحوالة أما لو أنكرها المحتال لإفلاس المحال عليه أو لذهاب ما قبضه منه فادعى الوكالة كان الكلام فيه على ما تقدم من تقديم قوله لأصالة بقاء الحقين و أصالة عدم الحوالة أو تقديم قول المحيل لموافقته ظاهر الخطاب الحقيقي دون المجازي أو للفرد الظاهر من معاني اللفظ الحقيقية دون الخفي فيقدم قوله على من ادعى خلاف ذلك فإن قدمنا قول المحتال

8

بيمينه لم يكن له قبض المال أن لم يكن قبضه لان إنكار المحيل الوكالة عزله و له مطالبة المحيل بماله في ذمته فإن اخذه منه فهل للمحيل الرجوع على المحال عليه بالمال لاعتراف المحتال بأنه حق المحيل و لإعراضه عنه فكأنه رضي بكونه للمحيل لو كان محتالا حقيقة و لان المحيل مظلوم على دعواه و ما في ذمة المحال عليه للمحتال بزعمه فيأخذه مقاصة له عما أخذه منه أو ليس له لاعترافه بفراغ ذمة المحال عليه من ماله و اشتغالها للمحتال فلا يجوز له أن يأخذ منه ما ليس له الأول اوجه و إن كان قبضه فقد برت ذمة المحال عليه يأخذه المحتال مقاصة من ماله في ذمة المحيل و إن تلف فإن كان بتفريطه ضمنه و وقع التهاتر قهرا أو أرجع المثل أو القيمة و طالبه بحقه فإن قبلهما و دفع إليه الحق فلا كلام و إلا أخذهما مقاصة و إن كان من دون تفريط لم يضمن لان يده يد أمانة لثبوت وكالته مع احتمال الضمان لان الثابت كونه غير محتال لا كونه وكيلًا و العام لا يدل على الخاص و إن قدمنا قول المحيل بيمينه برأ دين المحتال و كان للمحتال مطالبة المحتال عليه لا لكونه محتالًا لإنكار الحوالة و لا لكونه وكيلا لانفساخ الوكالة بإنكار المحيل بل لامتناع اخذ حقه من المحيل و للمحيل على المحال عليه مال فيأخذه مقاصة أو لرضاه بكون ما في ذمة المحال عليه لا صريحا أو فحوى.

خامسها هل تبطل الحوالة و تنفسخ بانفساخ عقد البيع:

إذا أحال المشتري للبائع بالثمن ثمّ ردَّ المبيع بخيار عيب أو غيره من الخيارات سواء كان خيار العيب لحدوثه قبل القبض أو بعده في زمن الخيار أو قبل العقد أو رده بإقالة أو نحو ذلك مما يفسخ البيع من حينه فهل تبطل الحوالة أو تنفسخ بانفساخ عقد البيع سواء قبض البائع المال من المحال عليه أم لا لأنها تابعة و التابع حكمه حكم المتبوع أو لأنها استيفاء مبني على الأوفاق كدفع الصحيح عوض دين من ثمن مبيع مكسر فإنه لو انفسخ البيع أخذ صاحب الثمن المدفوع من الصحاح دون ما وقع عليه العقد من المكسر و هاهنا قد جعل المحيل نفس ذمة المحال عليه وفاء فإذا فسخ البيع اخذ ما وفى به الثمن و هو الذمة فتعود إليه الذمة نفسها فإن لم يقبض المحتال فلا كلام و إلا عاد إليه ما تشخص به الكلي الذي في الذمة فيأخذه إن كان موجودا و يأخذ مثله أو قيمته إن كان

9

تالفاً أو كان قد صالح عليه بمال أو كان قد أحال عليه آخر على الأظهر من ذلك مع احتمال جواز فسخ العقود المتأخرة أو انفساخها أو لا تبطل للاستصحاب و لانتقال المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يبطله الفسخ الطارئ المتعلق بغيره لأنه فسخ من حينه لا من اصله أو لأنها اعتياض كما هو أحد الوجهين و المعاوضة على ثمن المبيع لا تنفسخ بانفساخ البيع بل يرجع على المشتري بالمثل أو القيمة و حينئذ فعلى البائع أداء الثمن و ليس للمشتري الرجوع على المحال عليه قبل قبض المحتال و بعده و لا الرجوع على المحتال و بعده بنفس ما قبضه من المحال عليه و لا بمثله و قيمته مع التلف و ليس له إلا الثمن الكلي الذي قد وقع العقد عليه و لو أحال البائع أجنبيا بالثمن على المشتري فانفسخ البيع من حينه لم تبطل الحوالة للإجماع المنقول و الاستصحاب و فتوى الأصحاب و لان حوالة الأجنبي لم تتعلق بالمتبايعين كي تسبب عن البيع فإذا بطل السبب بطل المسبب بل تعلقت بالخارج عنهما و قد ملك ما في ذمة المحال عليه و انفساخه محتاج إلى دليل و ليس فليس و احتمال البطلان لأن استحقاق المحتال فرع استحقاق المحيل فإذا بطل حق المحيل بطل تابعه ضعيف لان التابعية حين العقد لا تستلزم دوامها و لو وقعت الحوالة فتبين فساد البيع من اصله بطلت الحوالة قطعا من غير إشكال فإن لم يقبض المحتال حرم عليه القبض و لا إشكال و إن قبض فليس للمشتري الرجوع على المحال عليه في المسألة الأولى لأدائه المال للمحتال بإذنه حتى لو علم بالفساد و له الرجوع على المحتال بما قبض و للمشتري الرجوع في المسألة الثانية على البائع لأنه وفاء دينه بإذنه أو دفع شخص مالا بإذنه فعليه ضمانه و له الرجوع على الأجنبي لدفعه إليه المال بعقد فاسد فيكون مضمونا عليه و الفرق بين علم المحال عليه بالفساد فيرجع على المحتال خاصة و بين جهله فله حق الرجوع عليهما وجه.