رياض المسائل - ج6

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
497 /
5

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

و به نستعين و به ثقتي و عليه توكّلي الحمد للّٰه رب العالمين و صلىٰ اللّٰه علىٰ محمد و آله الطاهرين

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[كتاب الحج]

كتاب الحج و تتبعه العمرة، أو تدخل فيه؛ لما ورد أنّها الحجّ الأصغر (1).

و أُدخلت فيه الزيارة حثّا عليها، و تنبيهاً علىٰ نقصه بدونها، كما ورد في الأثر (2).

و النظر في الكتاب يقع تارةً في المقدمات و أُخرى في المقاصد.

____________

(1) الوسائل 14: 295 أبواب العمرة ب 1.

(2) علل الشرائع: 459/ 1، عيون الأخبار 2: 265/ 28، الوسائل 14: 324 أبواب المزار و ما يناسبه ب 2 ح 7.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[المقدمات]

[المقدمة الاولىٰ في بيان حقيقة الحجّ]

المقدمة الاولىٰ في بيان حقيقته و حكمه اعلم أنّ الحجّ بالفتح في لغة، و بالكسر في أُخرى. و قيل: بالأول مصدر، و بالثاني اسم (1). يأتي في اللغة لمعان كما في القاموس (2)، أشهرها:

القصد، أو المكرّر منه خاصّة، حتى أن جماعة لم يذكروا غيرهما (3).

و في الشرع اسم لمجموع المناسك المؤداة في المشاعر المخصوصة عند الماتن و جماعة؛ للتبادر، و كذلك عند المتشرعة.

و عند الشيخ و جملة ممن تبعه (4): القصد إلىٰ مكّة شرّفها اللّٰه تعالىٰ لأدائها عندها، متعلقة بزمان مخصوص. و ربما قيل: مطلقاً (5).

و قد أُورد علىٰ كلٍّ من الفريقين إيرادات لا فائدة مهمة للتعرض لها، بل ينبغي صرف الهمّة بعون اللّٰه سبحانه إلىٰ ما هو أهمّ منها و أولى.

فنقول و هو فرض علىٰ المستطيع للسبيل إليه من الرجال و الخناثي مطلقاً و النساء؛ بالكتاب (6)، و السنّة (7)، و الإجماع.

____________

(1) قال به الفيومي في المصباح المنير: 121.

(2) القاموس المحيط 1: 188.

(3) لسان العرب 2: 226، النهاية لابن الأثير 1: 340.

(4) الشيخ في المبسوط 1: 196، و تبعه الحلبي في الكافي: 190، و ابن حمزة في الوسيلة: 155.

(5) انظر الدروس 1: 306، و المسالك 1: 86.

(6) آل عمران: 97.

(7) الوسائل 11: 16 أبواب وجوب الحج ب 2.

10

و إنّما يجب بأصل الشرع أي من غير جهة المكلّف مرة واحدة في مدة العمر؛ للأصل، و النصوص المستفيضة من طرق العامة و الخاصة (1).

و لا خلاف فيه أجده، إلّا من الصدوق في العلل (2)، فأوجبه علىٰ المستطيع في كلّ عام، كما في المستفيضة المتضمنة للصحيح و غيرها (3).

لكنها كقوله شاذة، مخالفة لإجماع المسلمين كافّة، كما صرّح به الشيخ في التهذيبين و الفاضلان في المعتبر و المنتهىٰ (4)، فلتكن مطرحة، أو محمولة علىٰ الاستحباب، أو علىٰ أن المراد بكلّ عام يعني علىٰ البدل، كما ذكرهما الشيخ و الفاضل في التذكرة (5).

و زاد جماعة، فاحتملوا حملها علىٰ إرادة الوجوب كفايةً (6)، بمعنى لزوم أن لا يخلو بيت اللّٰه تعالىٰ عن طائف أبداً، كما يستفاد من النصوص المستفيضة، المتضمنة للصحيحة و غيرها (7).

و خير المحامل أوسطها؛ لمنافاة ما عداه لما في بعض تلك الأخبار من التنصيص بأن اللّٰه تعالىٰ فرض الحج علىٰ أهل الجِدَة في كلّ عام، و أن

____________

(1) الوسائل 11: 19 أبواب وجوب الحج ب 3؛ و انظر مسند أحمد 1: 352، و سنن ابن ماجة 2: 963/ 2886، و سنن أبي داود 2: 139/ 1721.

(2) علل الشرائع: 405.

(3) الوسائل 11: 16 أبواب وجوب الحج ب 2.

(4) التهذيب 5: 16، الاستبصار 2: 148، المحقق في المعتبر 2: 747، العلامة في المنتهىٰ 2: 643.

(5) التذكرة 1: 296.

(6) منهم: السبزواري في الذخيرة: 549، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 275.

(7) الوسائل 11: 20 أبواب وجوب الحج ب 4.

11

ذلك قول اللّٰه عز و جل: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ الآية (1) فإنّ مفاد الآية الوجوب عيناً إجماعاً.

و الثاني بالخصوص لما في بعض النصوص الشاهدة عليه من تعميم ذلك للغني و الفقير، و ذكر مثل ذلك في زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) (2)، مع أنّ ظاهر تلك النصوص الاختصاص بأهل الجِدَة، و لم أر قائلًا بالوجوب مطلقاً فيهما، و يمكن جعله دليلًا علىٰ إرادة الاستحباب فيما عداه.

و يجب وجوباً مضيّقاً بأخبارنا و إجماعنا، كما صرّح به جماعة منّا مستفيضاً، كالناصريات و الخلاف و المنتهىٰ و الروضة (3)، و غيرها (4).

و المراد بالفورية: وجوب المبادرة إليه في أول عام الاستطاعة مع الإمكان، و إلّا ففيما يليه، و هكذا.

و لو توقف علىٰ مقدّماتٍ من سفرٍ و غيره وجب الفور بها علىٰ وجهٍ يدركه كذلك.

و لو تعدّدت الرفقة في العام الواحد قيل: وجب السير مع أولها، فإن أخّر عنها و أدركه مع التالية، و إلّا كان كمؤخّره عمداً في استقراره، و اختاره في الروضة (5).

____________

(1) الكافي 4: 265/ 5، التهذيب 5: 16/ 48، الإستبصار 2: 149/ 488، الوسائل 11: 16 أبواب وجوب الحج ب 2 ح 1.

(2) الكافي 4: 272/ 1، الفقيه 2: 259/ 1259، التهذيب 5: 411/ 1532، الوسائل 11: 24 أبواب وجوب الحج ب 5 ح 2.

(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 208، الخلاف 2: 257، المنتهىٰ 2: 642، الروضة 2: 161.

(4) إيضاح الفوائد 1: 259، مجمع الفائدة 6: 5.

(5) الروضة 2: 161.

12

و في إطلاقه نظر، و لذا خصّه الشهيد في الدروس بما إذا لم يثق بسفر الثانية (1)، و فيه أيضاً إشكال.

و الأوفق بالأصل جواز التأخير بمجرّد احتمال سفرها، كما احتمله بعض، قال: لانتفاء الدليل علىٰ فورية السير بهذا المعنىٰ (2). انتهىٰ.

و هو حسن، إلّا أنّ الأول ثم الثاني أحوط.

ثم إنّ هذا بالإضافة إلىٰ أصل وجوب المبادرة إلىٰ الخروج، بحيث يكون بالترك آثماً.

و أمّا بالإضافة إلىٰ ثبوت الاستقرار الموجب للقضاء فما ذكره في الروضة متعيّن جدّاً؛ لعموم ما دلّ علىٰ وجوبه السليم عن المعارض أصلًا.

و قد يجب بالنذر و شبهه من العهد و اليمين و بالاستيجار للنيابة، وجب علىٰ المنوب عنه أم لا و الإفساد و لو للمندوب؛ بناءً علىٰ وجوبه و لو بالشروع.

و يستحب لفاقد الشرائط للوجوب مطلقاً كالفقير أي الذي لم يستطع و لو كان غنياً و المملوك مع إذن مولاه لعموم الترغيب فيه عموماً و خصوصاً، كما ستقف عليه. إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

____________

(1) الدروس 1: 314.

(2) المدارك 7: 18.

13

[المقدمة الثانية في شرائط حجة الإسلام]

المقدمة الثانية في بيان شرائط حجة الإسلام و وجوبها.

و هي ستة: البلوغ، و العقل، و الحرّية و الاستطاعة، بلا خلاف في هذه الأربعة، بل عليها إجماع علماء الإسلام، كما في عبائر جماعة (1)، و النصوص بها مضافة إلىٰ الكتاب العزيز في الأخير- (2) عموماً و خصوصاً مستفيضة (3).

و المراد بالاستطاعة عندنا: الزاد و الراحلة إن لم يكن من أهل مكة، و لا بها، بالإجماع كما في الناصريات و الخلاف و الغنية و المنتهىٰ و التذكرة و السرائر (4)، بل فيه إجماع المسلمين عدا مالك، ثم فيه: و لو لا إجماع المسلمين علىٰ إبطال قوله لكان .. إلىٰ آخره.

و هو الحجة؛ مضافاً إلىٰ النصوص المستفيضة:

منها الموثق (5) و الصحيح (6) المروي عن توحيد الصدوق في تفسير

____________

(1) منهم: ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 573، و العلامة في المنتهىٰ 2: 648، 650، 652، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 6: 51، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 1: 296، و صاحب الحدائق 14: 59، 80.

(2) آل عمران: 97.

(3) الوسائل 11: أبواب وجوب الحج الأبواب 12، 15، 19.

(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 207، الخلاف 2: 245، الغنية (الجوامع الفقهية): 573، المنتهىٰ 2: 652، التذكرة 1: 301، السرائر 1: 508.

(5) الكافي 4: 267/ 2، التهذيب 5: 3/ 2، الإستبصار 2: 139/ 454، الوسائل 11: 34 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 4.

(6) التوحيد: 350/ 14، الوسائل 11: 35 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 7.

14

الآية: مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سَرْبه، له زاد و راحلة، فهو ممن يستطيع الحَج». و نحوهما المروي عن تفسير العيّاشي (1).

و عن خبران آخران، في أحدهما أنها: «الصحة في بدنه و القدرة في ماله» (2).

و الثاني: «القوة في البدن و اليسار في المال» (3).

و منها: «إنما يعني بالاستطاعة الزاد و الراحلة، ليس استطاعة البدن» (4).

و منها: المروي عن العلل: «إنّ السبيل الزاد و الراحلة، مع الصحة» (5).

و قصور السند أو ضعفه حيث كان مجبور بعمل الأصحاب و ظاهر الكتاب، بناءً علىٰ عدم انصراف إطلاق الأمر إلّا إلىٰ المستطيع ببدنه، فاعتبار الاستطاعة بعده ليس إلّا لاعتبار شيء آخر وراءه و ليس إلّا الزاد و الراحلة بإجماع الأُمة، و حمله علىٰ التأكيد خلاف الظاهر، بل الظاهر التأسيس.

____________

(1) تفسير العياشي 1: 192/ 111، الوسائل 11: 36 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 10.

(2) تفسير العياشي 1: 193/ 117، الوسائل 11: 36 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 12.

(3) تفسير العياشي 1: 193/ 118، الوسائل 11: 36 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 13.

(4) الكافي 4: 268/ 5، الوسائل 11: 34 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 5.

(5) عيون الأخبار 2: 122/ ضمن الحديث 1، الوسائل 11: 35 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 6.

15

و ما ورد في الصحاح و غيرها من الوجوب علىٰ من أطاق المشي من المسلمين (1) فلشذوذها و ندرتها محمولة علىٰ من استقرّ عليه فأخّره، أو التقية عن رأي مالك القائل به (2) كما مرّت إليه الإشارة أو الاستحباب، كما ذكره شيخ الطائفة (3)، و لا يخلو عن مناقشة.

و الجمع بين هذه النصوص و السابقة، بحملها علىٰ الغالب من توقف الاستطاعة علىٰ الزاد و الراحلة، دون هذه، فتحمل علىٰ المتمكن و لو من دونهما كما اتّفق لبعض المتأخّرين- (4) و إن كان في حدّ ذاته حسناً، إلّا أنّه فرع التكافؤ المفقود بما عرفت من شذوذ الأخبار الأخيرة، و مخالفتها الإجماعات المحكية حدّ الاستفاضة، المعتضدة بالأصل، و الشهرة العظيمة بين الخاصة و العامة، و ظاهر الآية الكريمة علىٰ ما عرفته.

نعم، يجب الاقتصار فيما خالف الأخبار الأخيرة علىٰ قدر ما اجتمعت فيه المرجحات المزبورة، و هو البعيد المحتاج في قطع المسافة إلىٰ راحلة خاصة، و أما غيره من القريب و المكّي الغير المحتاجين إليها، فينبغي العمل فيهما بما تضمنته الأخبار الأخيرة، و به أفتىٰ أيضاً جماعة و منهم الشيخ في المبسوط و الفاضل في المنتهىٰ و التذكرة (5) كما قيل (6).

و يمكن تنزيلها كإطلاق الأكثر عليه أيضاً، زيادةً علىٰ ما عرفته، جمعاً.

____________

(1) الوسائل 11: 43 أبواب وجوب الحج ب 11.

(2) بداية المجتهد 1: 231.

(3) انظر التهذيب 5: 11.

(4) المدارك 7: 37.

(5) المبسوط 1: 298، المنتهىٰ 2: 652، التذكرة 1: 301.

(6) المدارك 7: 36.

16

و يستفاد من الأخبار المتقدمة اعتبار الشرط السادس: و هو التمكن من المسير. و يدخل فيه الصحة من المرض المانع من الركوب و السفر و إمكان الركوب، و تخلية السرب بفتح السين المهملة و إسكان الراء أي: الطريق، و سعة الوقت.

مع أن في المنتهىٰ إجماعنا عليه (1)، بل عن المعتبر: إنّ عليه إجماع العلماء (2).

و يدلُّ عليه و علىٰ أكثر الشروط المتقدمة بل كلّها عدم صدق الاستطاعة في العرف بدونها غالباً.

و نحو الصحيح: «من مات و لم يحجّ حجة الإسلام لم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً» (3).

و هل يعتبر الاستطاعة من البلد، كما عن شيخنا الشهيد الثاني (4)، أو يكفي حصولها في أيّ موضع اتّفق و لو قبل التلبس بالإحرام، كما هو خيرة جماعة (5)؟ قولان:

ظاهر إطلاق الأدلة، بل عمومها: الثاني.

____________

(1) المنتهىٰ 2: 654.

(2) المعتبر 2: 754.

(3) الكافي 4: 268/ 1، الفقيه 2: 273/ 1333، التهذيب 5: 17/ 49، المقنعة: 386، المحاسن: 88/ 31، عقاب الأعمال: 281/ 2، الوسائل 11: 29 أبواب وجوب الحج ب 7 ح 1.

(4) كما في المسالك 1: 102.

(5) منهم: صاحب المدارك 7: 41، و السبزواري في الذخيرة: 559، و صاحب الحدائق 14: 87.

17

و نحوها الصحيح: في الرجل يمرّ مجتازاً يريد اليمن أو غيرها من البلدان و طريقه بمكة، فيدرك الناس و هم يخرجون إلىٰ الحج، فيخرج معهم إلىٰ المشاهد، أ يجزيه ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: «نعم» (1).

و حيث قد ثبت هذه الشروط و أعلم أنّها لا يجب علىٰ الصبي مطلقاً و لا علىٰ المجنون.

و يصح الإحرام من الصبي المميّز بإذن الولي بإجماعنا، كما عن ظاهر الخلاف (2)، بل قيل (3): بالإجماع و الصحاح (4)، و في ظاهر المنتهىٰ و التذكرة، كما في المدارك و الذخيرة (5) أنه لا خلاف فيه بين العلماء. مع أنه قد حكي عن أبي حنيفة أنّه قد أبطله (6).

و في اشتراط إذن الولي وجهان، أوجههما نعم، كما عليه الأكثر كالفاضلين و الشهيدين و من تأخّر عنهما (7)، تبعاً للمحكي عن ظاهر المبسوط و الخلاف (8).

لا لما ذكروه من تضمّنه غرامة مال، و لا يجوز له التصرف في ماله بدون إذن الولي؛ فإنّه لا يخلو عن نظر، بل ورود المنع عليه ظاهر، كما

____________

(1) الكافي 4: 275/ 6، الفقيه 2: 264/ 1283، الوسائل 11: 58 أبواب وجوب الحج ب 22 ح 2.

(2) الخلاف 2: 378.

(3) المفاتيح 1: 296.

(4) انظر الوسائل 11: 286 أبواب أقسام الحج ب 17.

(5) المنتهىٰ 2: 648، التذكرة 1: 297، المدارك 7: 23، الذخيرة: 558.

(6) حكاه عنه في بداية المجتهد 1: 319.

(7) المحقق في المعتبر 2: 747، العلامة في التحرير 1: 90، الشهيد الأول في الدروس 1: 306، الشهيد الثاني في الروضة 2: 163؛ و انظر الذخيرة: 558، و كشف اللثام 1: 276.

(8) المبسوط 1: 328، الخلاف 2: 432.

18

صرّح به بعض من تأخّر (1).

بل للاقتصار فيما خالف الأصل علىٰ المتيقن من مورد الفتوىٰ و النص، و هو الصبي المأذون؛ و ذلك لأنّ الإحرام عبادة متلقّاة من الشرع، يجب الاقتصار فيها علىٰ النص، و ليس إلّا من مرّ.

مضافاً إلىٰ أنّ الصحة هنا بمعنى ترتب الكفارات عليه أو علىٰ الولي، و الهدي أو بدله، و لم يجز له التصرف بشيء من ذلك في المال، إلّا بإذن الولي، أو لورود نصّ من الشرع بذلك جليّ، و ليس، كما مرّ.

و لعلّ هذا مراد القوم مما مرّ من الدليل، و إن قصرت عبارتهم عن التعبير، و إلّا فلو ورد النص الجليّ بلزوم الكفارات عليه في ماله بإحرامه و لو من غير إذن الولي كيف يمكنهم المنع عنه بمثل ذلك الدليل؟! و بالجملة: فالظاهر أنّ مقصودهم وجوب الاقتصار فيما خالف الأصل علىٰ مورد الدليل، و ليس فيه كما عرفت تعميم.

و كذا يصح الإحرام بالصبي غير المميز بأن يجعله الولي مُحرماً و يأتي بالمناسك عنه، قيل: بلا خلاف (2)؛ للصحاح (3).

قالوا: و كذا يصح الإحرام بالمجنون قيل: لأنّه ليس أخفض منه (4). و هو قياس مع الفارق.

و لو حُجّ بهما لم يجزئهما عن الفرض بل يجب عليهما مع الكمال و تحقق باقي الشروط الاستئناف، بلا خلاف، بل في ظاهر المنتهىٰ

____________

(1) المدارك 7: 23.

(2) أشار إليه في الحدائق 14: 64، و انظر المفاتيح 1: 296.

(3) الوسائل 11: 286 أبواب أقسام الحج ب 17.

(4) قال به العلامة في المنتهىٰ 2: 649، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 1: 296.

19

و صريح غيره (1) الإجماع؛ للأصل، و النصوص:

منها، الموثق كالصحيح: عن ابن عشر سنين يحجّ، قال: «عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية إذا طمثت» (2) و نحوه الخبر (3).

و يستفاد منهما استحباب الحجّ بالصبية أو حجها كالصبي، و به قطع بعض الأصحاب، فقال: و لا ريب أنّ الصبية في معناه، مع أنّه اعترف بأنّ ما وقفت عليه في هذه المسألة و أشار بها إلىٰ المسألة السابقة مختص بالصبي (4).

و لعلّه غفل عن هذه الروايات، مع أنّه قُبَيل ذلك رواها في هذه المسألة، أو أراد اختصاص الروايات بالحجّ بالصبي لا حجّه، و ليس في هذه الروايات إشعار بأحد الأمرين، بل ظاهرها الثاني.

و يصح الحجّ من العبد بل المملوك مطلقاً مع إذن المولى و إن لم يجب عليه لما مضى لكن لا يجزئه عن الفرض يعني حجّة الإسلام بعد انعتاقه و استكماله الشرائط، بل يجب عليه إعادتها.

إلّا أن يدرك أحد الموقفين معتقاً فيجزئه عنها.

بلا خلاف في شيء من ذلك بيننا أجده، بل علىٰ جميعه الإجماع في عبائر جماعة، كالخلاف و المنتهىٰ و غيرهما (5)، بل علىٰ الصحّة و عدم

____________

(1) المنتهىٰ 2: 649؛ المفاتيح 1: 296.

(2) الفقيه 2: 266/ 1296، الوسائل 11: 44 أبواب وجوب الحج ب 12 ح 1.

(3) الكافي 4: 276/ 8، التهذيب 5: 6/ 14، الإستبصار 2: 146/ 476، الوسائل 11: 45 أبواب وجوب الحج ب 12 ح 2.

(4) المدارك 7: 26.

(5) الخلاف 2: 379، المنتهىٰ 2: 650؛ و انظر مجمع الفائدة 6: 51، و المدارك 7: 30، و كشف اللثام 1: 287 288.

20

الاجزاء قبل إدراك الموقفين معتقاً إجماع العلماء في المنتهىٰ.

كلّ ذلك للصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة.

ففي الصحيح: «المملوك إن حجّ و هو مملوك أجزأه إذا مات قبل [أن يعتق] فإن أعتق فعليه الحجّ» (1).

و فيه: مملوك أُعتق يوم عرفة، قال: «إذا أدرك أحد الوقوفين فقد أدرك الحجّ» (2).

و أمّا الموثق أو الصحيح: «أيّما عبد حجّ به مواليه فقد قضىٰ حجّة الإسلام» (3) فمحمول علىٰ ما إذا أدرك الموقف، أو علىٰ أنّ المراد إدراك ثواب حجّة الإسلام ما دام مملوكاً، كما ربّما يستأنس له بملاحظة الصحيح السابق و غيره، و فيه: «الصبي إذا حجّ به فقد قضىٰ حجّة الإسلام حتى يكبر، و العبد إذا حجّ به فقد قضىٰ حجّة الإسلام حتّى يعتق» (4).

و هل يشترط في الإجزاء حيث ثبت تقّدم الاستطاعة و بقاؤها؟

قال الشهيدان نعم (5)، و لكن استشكله ثانيهما إن أحلنا ملكه.

و لذا اعترض الأول جماعة بناءً علىٰ إحالة ملكه (6). و هو حسن لو انحصرت الاستطاعة في ملكية المال من الزاد و الراحلة، حيث إنّه

____________

(1) الفقيه 2: 264/ 1287، الوسائل 11: 49 أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 1، و ما بين المعقوفين أضفناه من المصدرين.

(2) الفقيه 2: 265/ 1290، التهذيب 5: 5/ 13، الإستبصار 2: 148/ 485، الوسائل 11: 52 أبواب وجوب الحج ب 17 ح 2.

(3) التهذيب 5: 5/ 11، الإستبصار 2: 147/ 483، الوسائل 11: 50 أبواب وجوب الحج ب 16 ح 7.

(4) الفقيه 2: 267/ 1298، الوسائل 11: 49 أبواب وجوب الحج ب 16 ح 2.

(5) الشهيد الأول في الدروس 1: 309، الشهيد الثاني في الروضة 2: 165.

(6) منهم: صاحب المدارك 7: 31، و السبزواري في الذخيرة: 558.

21

لا يملكهما، و أمّا مع عدمه بحصولها بالقدرة علىٰ المشي، كما مرّ في القريب و المكّي، فاعتبارها حسن.

و حيث إنّ الإتمام هنا لمّا جامع الاستطاعة التي للمكّي غالباً، و كانت كافية للوجوب هنا و إن كانا نائيين كما قيل (1)، و يقتضيه إطلاق الآية و النصوص لم يشترطها النصوص و الأكثر، التفاتاً إلىٰ الأغلب.

و الشهيد؛ لم يلتفت إليه، و تعرّض لشقوق المسألة في نفس الأمر، لكن اعتباره سبق الاستطاعة ربّما كان فيه إيماء إلىٰ الاستطاعة المالية، كما فهمه الجماعة.

و ممّن صرّح بالوجوب هنا بالتمكن من الحجّ و لو لم يستطع سابقاً الفاضل في التحرير، فقال: و لو أُعتق قبل الوقوف أو في وقته، و أمكنه الإتيان بالحج عليه ذلك (2).

و نحوه عنه في التذكرة، بزيادة إلحاقه الصبي إذا بلغ، معلّلًا به أصل الحكم فيهما بأنّ الحجّ واجب علىٰ الفور، فلا يجوز لهما تأخيره مع إمكانه، كالبالغ الحرّ.

إلىٰ أن قال خلافاً للشافعي. و متىٰ لم يفعلا الحجّ مع إمكانه فقد استقرّ الوجوب عليهما، سواء كانا موسرين أو معسرين؛ لأنّ ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه، فلم يسقط بفوات القدرة بعده (3) انتهىٰ.

و ما ذكرنا ظهر ضعف ما في المدارك و الذخيرة (4) من عدم اعتبار

____________

(1) كشف اللثام 1: 286.

(2) التحرير 1: 91.

(3) التذكرة 1: 299.

(4) المدارك 7: 31، الذخيرة: 558.

22

الاستطاعة مطلقاً، لإطلاق النص؛ و ذلك لأن الإطلاق لا عموم فيه، فينصرف إلىٰ الغالب، و هو حصول الاستطاعة البدنية المعتبرة في نحو المسألة، كما عرفته، فلا يشمل ما لو لم يكن هناك استطاعة بالكلية فتكلّف الحجّ بجهد و مشقة، فكيف يمكن الحكم بالإجزاء عن حجّة الإسلام لو استطاع بعده؟

ثم لو سلّم الإطلاق أو العموم لكان معارضاً بعموم ما دلّ علىٰ شرطية الاستطاعة من الكتاب و السنّة.

و التعارض بينهما تعارض العموم و الخصوص من وجه، فلا بدّ لترجيح هذا الإطلاق من دلالة، و هي مفقودة. و لو وجدت من نحو أصل البراءة لكانت هي الحجّة، دون الإطلاق، مع أنّ العمل به مشروط بتكافؤ المتعارضين و تقاومهما.

و لا ريب أنّ عموم الشرطية أقوى سنداً و متناً و دلالة، بل ربما يظهر من بعضهم كونها مجمعاً عليها (1)، فإذاً عدم الإجزاء حيث لم يستطع مطلقاً لعلّه أقوى.

ثمّ إنّ ما مرّ عن التذكرة من إلحاق الصبي بالعبد في إجزاء حجّه عن حجة الإسلام بكماله عند أحد الموقفين محكي عن المبسوط و الخلاف و الوسيلة (2)، بل هو المشهور بن الأصحاب، كما صرّح به جماعة (3) و زادوا المجنون أيضاً، مع أن إلمحكي عن الكبت المزبورة الصبي خاصة.

و كيف كان، فلم نقف له علىٰ حجّة يعتدّ بها، عدا ما يحكي عن

____________

(1) الحدائق 14: 80.

(2) المبسوط 1: 297، الخلاف 2: 378، الوسيلة: 195.

(3) منهم الشهيد في المسالك 1: 87، و صاحب الحدائق 14: 60؛ و نسبه في الكفاية: 56 إلىٰ الأكثر.

23

التذكرة و الخلاف من الإجماع، و عليه اعتمد في المسالك، قائلًا: إنّه لا مخالف علىٰ وجه يقدح (1) و لا بأس به، سيّما مع اعتضاد النقل بالشهرة الظاهرة، و المحكية حدّ الاستفاضة، و بسائر ما ذكروه من الأدلة، و إن كان في بلوغها حدّ الحجيّة مناقشة.

هذا، و لا ريب أنّ الأحوط الإعادة بعد الاستطاعة.

و من لا راحلة له و لا زاد حيث يشترطان في حقه لو حجّ كان ندباً و لو قدر علىٰ المشي و تحصيل الزاد بقرض و نحوه.

و يعيد لو استطاع بلا خلاف، بل عليه الإجماع في صريح الخلاف و المنتهىٰ (2)، و غيرهما (3)، إلّا أنّ فيهما التعبير عن الإجماع ب:

عندنا، الظاهر فيه، و ليس نصاً؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ ما مرّ من الأدلة علىٰ شرطية الاستطاعة.

فيكون الحجّ مع فقدها كالصلاة قبل وقت الفريضة، و أداء الزكاة قبل وقت وجوبها.

و كذا الحكم في فاقد باقي شروط الوجوب، كما هو صريح جماعة (4)، و حكي عن المشهور.

خلافاً لمحتمل العبارة و صريح الدروس، ففرّق بين فاقد الزاد و الراحلة فلا يجزي، و غيره كالمريض، و الممنوع بالعدوّ و تضيق الوقت

____________

(1) المسالك 1: 87.

(2) الخلاف 2: 246 247، المنتهىٰ 2: 652.

(3) انظر كشف اللثام 1: 290.

(4) منهم: العلّامة في المنتهىٰ 2: 659، و الأردبيلي في مجمع الفائدة 6: 50، و الفيض في المفاتيح 1: 296.

24

و المغصوب، فيجزئ، قال: لأنّ ذلك من باب تحصيل الشرط، فإنّه لا يجب، و لو حصّله أجزأ (1).

و فيه نظر، فإنّ الحاصل بالتكلّف، الحجّ، أو السير إليه، لا الصحة و أمن الطريق اللذان هما الشرط.

فإذاً المتجه عدم الفرق.

و لو بُذل له الزاد و الراحلة و نفقة له و لعياله لذهابه و عوده صار بذلك مستطيعاً مع استكمال الشروط الباقية إجماعاً، كما في صريح الخلاف و ظاهر المنتهىٰ (2)، و عن صريح الغنية و ظاهر التذكرة (3)؛ و لصدق الاستطاعة بذلك، و خصوص الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة.

ففي الصحيح: فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى، قال: «هو ممّن يستطيع الحج، و لِمَ يستحي و لو علىٰ حمار أجدع، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً و يركب بعضاً فليفعل» (4) و في معناه غيره (5).

و إطلاقها يقضي عدم الفرق، بين تمليك المبذول و عدمه، و لا بين وجوب الذل بنذر و شبهه و عدمه، و لا بين وثوق بالباذل و عدمه.

خلافاً للحلّي فاشترط الأول (6)، و للمحكي عن التذكرة فالثاني (7)،

____________

(1) الدروس 1: 314.

(2) الخلاف 2: 251، المنتهىٰ 2: 652.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 583، التذكرة 1: 302.

(4) التهذيب 5: 3/ 4، الإستبصار 2: 140/ 456، الوسائل 11: 39 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 1.

(5) الكافي 4: 266/ 1، التهذيب 5: 3/ 3، الإستبصار 2: 140/ 455، الوسائل 11: 40 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 5.

(6) السرائر 1: 517.

(7) التذكرة 1: 302، و حكاه عنه في المدارك 7: 46، و الذخيرة: 560.

25

و للدروس فأحدهما (1)، و للمدارك و الذخيرة (2) و غيرهما (3) فالثالث.

و لا دليل علىٰ شيء من هذه، عدا الأخير فيتوجه، دفعاً للعسر و الحرج اللازمين لعدم الوثوق، المنفيين إجماعاً، كتاباً و سنّةً و فتوى، و بها يقيّد إطلاق النصوص المتقدمة، عدم معلومية انصرافه إلىٰ مفروضنا، لاختصاصه بحكم التبادر بغيره.

و لو وهب له مال و أُطلق لم يجب القبول علىٰ المشهور؛ لأنه اكتساب، و هو غير واجب له، بخلاف البذل، لأنّه إباحة، فيكفي فيها الإيقاع، و بذلك يتّضح الفرق بينهما.

و لو قيّدت بشرط أن يصرفه في الحجّ، فهل هو كالهبة المطلقة فلا يجب بذلك الحجّ، أم كالبذل فيجب؟

وجهان: أحوطهما الثاني وفاقاً لشيخنا الشهيد الثاني (4).

خلافاً للشهيد الأول فاختار الأول (5)، و لعلّه الأظهر؛ لأن اشتراط الصرف في الحجّ لا يخرجه عن الهبة المحتاجة إلىٰ القبول الملحق لها بالاكتساب الغير الواجب بلا خلاف، و دخولها في إطلاق النصوص غير واضح.

و لو حجّ به بعض إخوانه بأن استصحبه معه منفقاً عليه، أو أرسله إلىٰ الحجّ فحجّ أجزأه عن الفرض فلا يحتاج إلىٰ إعادته لو

____________

(1) الدروس 1: 310.

(2) المدارك 7: 46، الذخيرة: 560.

(3) انظر كشف اللثام 1: 289.

(4) الروضة 2: 166.

(5) الدروس 1: 310.

26

استطاع فيما بعد، وفاقاً للأكثر كما في المدارك (1)، بل المشهور كما في الذخيرة (2)، بل في غيرهما: إنّ عليه فتوى علمائنا (3).

للصحيح: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل لم يكن له مال فحجّ به رجل من إخوانه، هل يجزي ذلك عنه عن حجّة الإسلام، أو هي ناقصة؟ قال: «بل هي حجّة تامّة» (4).

مضافاً إلىٰ الأصل، و اتفاق من عدا الصدوق (5) علىٰ أنّ الحجّ إنّما يجب مرة بأصل الشرع.

خلافاً للإستبصار فيعيد مع اليسار؛ للخبر: عن رجل لم يكن له مال، فحجّ به أُناس من أصحابه، أ قضى حجة الإسلام؟: قال: «نعم، و إن أيسر بعد ذلك فعليه أن يحجّ» قلت هل تكون حجّة تامة أم ناقصة إذا لم يكن حجّ من ماله؟ قال: «نعم قضي عنه حجّة الإسلام، و تكون تامة و ليست بناقصة، و إن أيسر فليحجّ» (6).

و نحوه آخر: «لو أنّ رجلًا أحجّه رجل، كانت له حجّة، فإن أيسر بعد ذلك كان عليه الحجّ، و كذلك الناصب» (7).

____________

(1) المدارك 7: 47.

(2) الذخيرة: 561.

(3) كشف اللثام 1: 289.

(4) التهذيب 5: 7/ 17، الإستبصار 2: 143/ 468، الوسائل 11: 40 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 2.

(5) انظر علل الشرائع: 405.

(6) الكافي 4: 274/ 2، التهذيب 5: 7/ 18، الإستبصار 2: 143/ 467، الوسائل 11: 41 أبواب وجوب الحج ب 10 ح 6.

(7) الكافي 4: 273/ 1، الفقيه 2: 26/ 1265، التهذيب 5: 9/ 22، الإستبصار 2: 144/ 470، الوسائل 11: 57 أبواب وجوب الحج ب 21 ح 5.

27

و فيهما ضعف من حيث السند و إن قرب الأول من الموثق و إجمال في الدلالة؛ لتدافع ظهور الأمر في الوجوب فيهما و قضاء حجّة الإسلام في الأول، و إلحاق الناصب بمحل الفرض في الثاني في العدم، بل الثاني أقوى قرينة علىٰ إرادة الاستحباب؛ للإجماع علىٰ عدم وجوب الإعادة علىٰ الناصب بعد الاستبصار.

فلا يخرج بمثل هذين الخبرين مع ما هما عليه ممّا عرفت في البين عما اقتضته الأدلّة السابقة، من عدم وجوب الإعادة بعد الاستطاعة.

و إن أمكن المناقشة في دلالة الصحيحة عليه؛ لابتنائها علىٰ كون المراد من قوله: «حجّة تامة» ذلك، و ليس بواضح و إن كان مما اتّفق عليه أكثر الأصحاب لقرب احتمال ما ذكره في الاستبصار في معناه، من أنّ المعنىٰ فيه: الحجّة التي ندب إليها، فإنّ ذلك يعبّر عنها بأنّها حجّة الإسلام، من حيث كانت أول الحجّة، قال: و ليس في الخبر: أنّه إذا أيسر لم يلزمهالحجّ (1).

أقول: و يعضده كثرة وروده في الأخبار بهذا المعنىٰ، و منها صحيحة أُخرى لراوي الصحيحة واردة في المعسر يحجّ عن غيره، و فيها: عن رجل حجّ عن غيره، أ يجزيه ذلك عن حجّة الإسلام؟ قال: «نعم» إلىٰ أنّ قال:

قلت حجّة الأجير تامة أو ناقصة؟ قال: «تامة» (2).

و المراد بالتمامية فيها: المعنىٰ المزبور، بلا خلاف، كما في كثير من العبارات (3)، بل في جملة أُخرى دعوى الإجماع.

____________

(1) الاستبصار 2: 144.

(2) الكافي 4: 274/ 3، الفقيه 2: 260/ 1264، التهذيب 5: 8/ 19، الإستبصار 2: 144/ 471، الوسائل 11: 56 أبواب وجوب الحجّ 21 ح 4.

(3) راجع الذخيرة: 561.

28

و بذلك تضعف الصحيحة؛ عن النهوض لإفادة المطلوب صريحاً، بل و لا ظهور يطمئن إليه إن لم ينضم إليه فهم المشهور.

و كيف كان، ما ذكرناه من الأُصول المعتضدة بفتوىٰ المشهور. مع صلوح الخبرين سنداً و دلالةً لمعارضتها لعلّها كافية لإفادته، سيّما مع ندرة المخالف العامل بهما، و رجوعه عمّا في الاستبصار في المبسوط إلىٰ المختار (1).

فليحملا علىٰ الاستحباب، كما عليه عامة متأخري الأصحاب، تبعاً للتهذيب و النهاية و المهذّب و الجامع و المعتبر (2)، و غيرها كما حكي (3). أو علىٰ من حجّ عن غيره.

و لا بدّ من فاضل عن الزاد و الراحلة بقدر ما يمون به عياله الواجبي النفقة من الكسوة و غيرها حتى يرجع بالنص و الإجماع، و في المنتهىٰ لا نعرف فيه خلافاً (4)، يعني به بين العلماء ظاهراً.

و لو استطاع للحج مالًا فمنعه كِبَر أو مرض أو عدوّ وجبت عليه الاستنابة مع اليأس و استقرار الوجوب، إجماعاً، كما في المسالك و الروضة (5)، و غيرهما (6)، و إلّا ففي وجوب الاستنابة قولان المروي في الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة أنّه يستنيب.

____________

(1) راجع الذخيرة: 561.

(2) التهذيب 5: 7، النهاية: 204، المهذّب 1: 268، الجامع للشرائع: 174، المعتبر 2: 752، 753.

(3) انظر المدارك 7: 47، و مفاتيح الشرائع 1: 300.

(4) المنتهىٰ 2: 653.

(5) المسالك 1: 90، الروضة 2: 167.

(6) انظر الكفاية: 56، و المفاتيح 1: 298.

29

ففي الصحيح (1) و غيره (2) «إن كان موسراً و حال بينه و بين الحجّ مرض، أو حصر، أو أمر يعذره اللّٰه تعالىٰ فيه فإنّ عليه ان يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له».

و فيه «إن عليّاً (عليه السلام) رأى شيخاً لم يحجّ قطّ، و لم يطلق الحجّ من كبَره، فأمره أن يجهّز رجلًا فيحجّ عنه» (3) و نحوه آخر (4).

و في رابع: «لو أنّ رجلًا أراد الحجّ، فعرض له مرض، أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج، فليجهّز رجلًا من ماله، ثمّ ليبعثه مكانه (5).

و إليه ذهب الشيخ في التهذيب و الخلاف (6)، مدّعياً عليه الإجماع، و حكي عنه في النهاية و المبسوط أيضاً (7)، و عن الإسكافي و العماني و الحلبي و القاضي (8)، و اختاره الفاضل في التحرير (9)، و كثير من

____________

(1) الكافي 4: 273/ 5، الفقيه 2: 26/ 1262، التهذيب 5: 403/ 1405، الوسائل 11: 63 أبواب وجوب الحج ب 24 ح 2.

(2) الكافي 4: 273/ 3، التهذيب 5: 14/ 39، الوسائل 11: 65 أبواب وجوب الحج ب 24 ح 2.

(3) التهذيب 5: 14/ 38، الوسائل 11: 63 أبواب وجوب الحج ب 24 ح 1.

(4) الكافي 4: 273/ 2، الفقيه 2: 260/ 1263، التهذيب 5: 460/ 1601، الوسائل 11: 65، أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 6.

(5) الكافي 4: 273/ 4، التهذيب 5: 14/ 40، الوسائل 11: 64 أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 5.

(6) التهذيب 5: 14، الخلاف 2: 248.

(7) حكاه عنهما في المختلف: 257، و هو في النهاية: 203، و المبسوط 1: 299، القاضي في المهذّب 1: 267.

(8) نقله عن الإسكافي و العماني في المختلف: 257، الحلبي في الكافي: 219، القاضي في المهذب 1: 267.

(9) التحرير 1: 92.

30

المتأخرين (1) و ادّعىٰ بعضهم كونه مذهب الأكثر بقول مطلق (2).

و القول الثاني: للحلّي و المفيد و الجامع كما حكي (3)، و الفاضل في القواعد و الإرشاد و المختلف (4)، و ولده في الإيضاح (5)؛ للأصل، و فقد الاستطاعة المشترطة في الوجوب، فينتفي بانتفائها.

و يضعّف الأول بلزوم تخصيصه بما مرّ.

و الثاني بأنها شرط الوجوب مباشرةً، لا استنابة.

و ظاهر العبارة هنا و في الشرائع التردد (6) كما عن صريح التذكرة (7).

و لعلّه للأصل مع قصور النصوص عن إفادة الوجوب في المفروض.

أمّا الأول منها فلتعلّق الأمر فيه بالصرورة، و لم يقولوا بوجوب استنابته، و حمله بالإضافة إليه على الاستحباب أو الإباحة أو [و الأعم منهما و من الوجوب، ينافي حمله بالإضافة إلىٰ أصل الاستنابة علىٰ الوجوب، إلّا علىٰ القول بجواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته و مجازه في آنٍ واحد، و هو خلاف التحقيق.

و أمّا الخبران بعده فهما قضيّة في واقعة لا عموم لها، فيحتملان الاختصاص بمحل الوفاق، و هو صورة اليأس بعد استقرار الوجوب.

و يعضده الخبر الوارد في نحو هذه القضية، و الظاهر اتحادهما، و فيه

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في الروضة 2: 167، و المسالك 1: 90، و صاحب المدارك 7: 55، و صاحب الحدائق 14: 129.

(2) كالفيض الكاشاني في المفاتيح 1: 298.

(3) الحلي في السرائر 1: 516، المقنعة: 442 الجامع للشرائع: 173.

(4) القواعد 1: 75، الإرشاد 1: 311، المختلف: 257.

(5) إيضاح الفوائد 1: 271.

(6) الشرائع 1: 227.

(7) التذكرة 1: 303.

31

«إنّ رجلًا أتى علياً (عليه السلام) و لم يحجّ قطّ، قال إني كنت كثير المال و فرّطت في الحجّ حتى كبر سنيّ، فقال: تستطيع الحجّ؟ فقال: لا، فقال له علي (عليه السلام): إن شئت فجهّز رجلًا ثم ابعثه يحجّ عنك» (1). و نحوه آخر (2).

و أمّا الرابع فلا قائل بإطلاقه؛ لشموله لصورة عدم اليأس، و لا خلاف في عدم الوجوب حينئذٍ، إلّا من الدروس (3)، و علىٰ خلافه الإجماع في المنتهىٰ (4)، فلا بد من تقييده، و هو هنا ليس بأولى من حمل الأمر علىٰ الاستحباب، بناءً علىٰ انَّ التقييد بصورة اليأس من البرء يستلزم تخصيص المرض و غيره من الأعذار بالفرد النادر؛ إذ الغالب منها ما يُرجىٰ زوالها جدّاً.

و مثل هذا التقييد ليس بأولى من الاستحباب؛ لغلبة في الأمر و ما في معناه، و لا كذلك حمل الإطلاق علىٰ الفرد النادر، لندرته، و لولاها لكان التقييد أولىٰ.

و بالجملة فاحتمال التقييد معارض باحتمال الاستحباب المساوي له هنا، إن لم نقل برجحان الاستحباب، و حيث تساويا يدفع التكليف الزائد من التقييد بالأصل، و ذلك واضح كما لا يخفىٰ.

سلّمنا، لكن الأمر فيه و كذا في سائر الأخبار يحتمل الورود مورد التقية، لكونه مذهب أكثر العامة، و منه أبو حنيفة (5) أو مورد توّهم حرمة

____________

(1) التهذيب 5: 460/ 1599، الوسائل 11: 64 أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 3.

(2) الكافي 4: 272/ 1، الوسائل 11: 65 أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 8.

(3) الدروس 1: 312.

(4) المنتهىٰ 1: 656.

(5) حكاه عن أبي حنيفة في بدائع الصنائع 2: 121، و نقله عنه و عن مالك و الشافعي في بداية المجتهد 1: 331، و مغني المحتاج 3: 166، 167.

32

الاستنابة، كما حكيت في الخلاف و المنتهىٰ (1) عن بعض العامة، فلا يفيد سوىٰ الإباحة.

و يقوّي احتمال الورود في هذا المورد، ما مرّ من الخبر المتقدّم، المتضمّن لتعليق الأمر بالمشيّة، و هو عين الإباحة و لو بالمعنى الأعمّ الشامل للاستحباب.

و خبر آخر مروي في الخلاف، و فيه: إنّ امرأة من خثعم سألت رسول اللّٰه صلى الله علهى و آله فقالت: إن فريضة اللّٰه تعالىٰ علىٰ العباد أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك علىٰ الراحلة، فهل ترى أن يحجّ عنه؟ فقال (صلى الله عليه و آله): «نعم» (2) و ذلك لتوارد السؤال و الجواب عن أصل الجواز.

و من هنا يتوجّه الجواب أيضاً عن الإجماع المنقول في الخلاف؛ لاحتمال رجوعه إلىٰ أصل الجواز في مقابلة من يدّعي المنع من هؤلاء الأقشاب، الا إلىٰ أصل الوجوب، سيّما و قد روي عن مولانا الأمير (عليه السلام) ما هو ظاهر في التخيير.

مع احتمال اختصاصه بالمجمع عليه، من صورة استقرار الوجوب، كما يستأنس له ببعض أدلّته، من قوله إنه إذا فعل ما قلناه برئت ذمته بيقين، و إذا لم يفعل فليس علىٰ براءة ذمته دليل (3).

و ذلك فإنّ وجوب تحصيل البراءة اليقينية إنّما هو حيث يتيقن اشتغال الذمة، و هو في الصورة المجمع عليها خاصة، و إلّا ففي محلّ المشاجرة

____________

(1) الخلاف 2: 249، المنتهىٰ 2: 655.

(2) الخلاف 2: 249.

(3) الخلاف 2: 249.

33

الكلام في أصل اشتغال الذمة لا براءتها، لكن بعض عباراته كالصريح في صورة عدم الاستقرار.

و بالجملة: بعد ملاحظة جميع ما ذكر لم يظهر من الأخبار و لا من الإجماع المنقول ما يتّضح به وجه الحكم بالوجوب، فيشكل الخروج عن مقتضىٰ الأصل المقطوع، و إن كان أحوط، هذا.

و ربّما يتردّد في الوجوب مع الاستقرار أيضاً؛ لخلوّ عبارة المتن و كثير عن هذا التفصيل، و إنّما هو في عبارة ناقل الإجماع علىٰ الوجوب فيه (1)، و قليل (2)، فيشكل الاعتماد علىٰ نحو هذا الإجماع و التعويل، سيّما و قد مرّ من النص بالتخيير ما هو ظاهر في صورة الاستقرار، بل صريح.

و بمثل ذلك يستشكل في التفصيل علىٰ تقدير الوجوب بين صورتي اليأس و عدمه؛ لخلو أكثر النصوص عنه و (3) الفتاوي.

نعم يمكن أن يقال في الأول: إنّ ظاهر مساق أكثر العبارات، بل كلّها، الحاكمة بالوجوب و المستشكلة فيه، هو خصوص صورة عدم الاستقرار.

لكن ذلك لا يفيد اتّفاقهم علىٰ الوجوب في صورة الاستقرار، فيستفاد التفصيل، إلّا أنّ يستنبط من اتّفاقهم عليه مضافاً إلىٰ النصوص بعد الموت، فحين الحياة مع اليأس أولىٰ بناءً علىٰ جواز الاستنابة حياً اتفاقاً، فتوًى و نصاً.

و هو وجه حسن، إلّا أنّ مقتضاه عدم وجوب الإعادة مع زوال العذر؛

____________

(1) المسالك 1: 90.

(2) مجمع الفائدة 6: 79.

(3) في «ح» زيادة: أكثر.

34

إذ مع وجوبها وجوب الاستنابة بعد الموت لا يفيد وجوبها قبله بطريق أولىٰ، لقيام الفارق، و هو القطع بعدم وجوب الإعادة في الأصل، و عدمه في الفرع، لاحتمال زوال العذر فتجب، كما هو الفرض.

و بالجملة: فاستفادة وجوب الاستنابة من الأولوية إنّما تتمّ علىٰ تقدير الحكم بعدم وجوب الإعادة بعد زوال العذر.

و هذا خلاف ما أطلقه الجماعة (1) بقوله: و لو زال العذر يحجّ ثانياً من غير خلاف صريح بينهم أجده، بل قيل كاد أن يكون إجماعاً (2)، بل عن ظاهر التذكرة أنّه لا خلاف فيه بين علمائنا (3)؛ لإطلاق الأمر بالحجّ، و ما فعله كان واجباً في ماله، و هذا يلزم في نفسه.

و نقل جماعة (4) منهم احتمال العدم عن بعضهم؛ لأنّه أدّى حجّة الإسلام بأمر الشارع، و لا يجب الحجّ بأصل الشرع إلّا مرّة واحدة، و ضعّفوه بما عرفته. و لم يفصّلوا في حكمهم ذلك بين صورتي الاستقرار و عدمه، حتى من فصّل منهم بن الصورتين فيما سبق.

و يمكن أن يقال: إنّ مساق عبارة من لم يفصّل و هم الأكثرون هو الصورة الثانية، فحكمهم بوجوب الإعادة يتعلق بها خاصة، فلا بعد في قولهم بعدمها في الصورة الأُولىٰ، كما تقتضيه الأولوية المتقدمة، و لا قادح

____________

(1) منهم: الشيخ في النهاية 203، و المبسوط 1: 299، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 173، و الشهيد الثاني في الروضة 2: 168، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 1: 299.

(2) مفاتيح الشرائع 1: 299

(3) التذكرة 1: 303.

(4) منهم: العلّامة في التذكرة 1: 304، و صاحب المدارك 7: 58، و صاحب الحدائق 14: 134.

35

قطعياً لها، و لا حجّة في إطلاق المفصّل الحكم هنا علىٰ غيره، مع احتمال إرادته به الصورة الثانية خاصة؛ لعدم صراحة كلامه هنا في الإطلاق جدّاً.

و حينئذٍ فلا يبعد قبول دعوى الاتفاق علىٰ وجوب الاستنابة في صورة الاستقرار، و الحكم به لكن المتوجه حينئذٍ في صورة زوال العذر عدم وجوب الإعادة، كما في الموت، و إلّا فاحتمال وجوبها هنا يهدم بنيان قبول الدعوىٰ و المدّعىٰ.

و كيف كان، فالحكم بوجوب الاستنابة في الصورتين لا يخلو عن إشكال، و إن كان الأقرب ذلك في الصورة الأولىٰ؛ لنقل الإجماع عليه في عبائر الجماعة (1)، مؤيداً بما عرفته من الأولوية، و خصوص الصحيحين الذين مرّ كونهما قضية في واقعة، لكون هذه الصورة داخلة فيهما قطعاً مطابقةً. أو التزاماً، مع تأملٍ ما فيهما، لما مضى.

و العدم في الصورة الثانية؛ لما عرفته.

و علىٰ تقدير القول بالوجوب فيها فاستناب يجب عليه الإعادة بعد زوال العذر؛ لما عرفته، و لا كذلك الصورة الأولىٰ فإنّ الحكم فيها بوجوب الإعادة مشكل جدّاً.

و لما مات مع استمرار العذر أجزأته النيابة في الصورتين قطعاً، أمّا الأولىٰ: فواضح، و أمّا الثانية: فلعدم داعٍ إلىٰ عدم الاجزاء بعد تحقق الامتثال بالاستنابة.

و في اشتراط الرجوع إلىٰ صنعة أو بضاعة أو نحوهما ممّا يكون فيه الكفاية عادةً، بحيث لا يُحوجه صرف المال في الحجّ إلىٰ سؤال، كما

____________

(1) راجع ص: 2709.

36

يشعر به بعض الروايات الآتية في الوجوب بالاستطاعة، زيادة علىٰ ما مرّ قولان، أشبههما عند الماتن و أكثر المتأخرين علىٰ الظاهر، المصرح به في المسالك (1)، بل عن المعتبر و التذكرة (2) الأكثر بقول مطلق أنه لا يشترط.

وفاقاً لظاهر المرتضىٰ في الجمل (3) و صريح الحلّي (4) و عن الإسكافي و العماني (5)؛ لعموم الكتاب (6)، و خصوص النصوص بتفسير الاستطاعة بأن يكون عنده ما يحجّ به، كما في جملة من الصحاح (7)، و بالزاد و الراحلة، كما في غيرها (8).

خلافاً للشيخين و الحلبي و القاضي و بني زهرة و حمزة و سعيد (9) و جماعة كما حكي (10) و في المسالك: أنّه مذهب أكثر المتقدمين (11)، بل في الروضة: أنّه المشهور بينهم (12)، و في المختلف

____________

(1) المسالك 1: 92.

(2) المعتبر 2: 756، التذكرة 1: 302.

(3) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضىٰ 3): 62.

(4) السرائر 1: 508.

(5) نقله عنهما في المختلف: 256.

(6) آل عمران: 97.

(7) الوسائل 11: 33 أبواب وجوب الحجّ ب 8 الأحاديث 1، 2، 3.

(8) الوسائل 11: 34، 35 أبواب وجوب الحجّ ب 8 الأحاديث 4، 5، 6، 7.

(9) المفيد في المقنعة: 384، الطوسي في النهاية: و المبسوط 1: 296، الحلبي في الكافي: 192، القاضي في شرح جمل العلم: 205، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 573، ابن حمزة في الوسيلة: 155، ابن سعيد في الجامع للشرائع: 173.

(10) حكاه عنهم في كشف اللثام 1: 290.

(11) المسالك 1: 92.

(12) الروضة 2: 168.

37

و المسالك (1) نقله المرتضىٰ عن الأكثر، و في الخلاف و الغنية (2): أنّ عليه إجماع الإمامية، بل في الأخير: دعوى الإجماع عليه من كلّ من اعتبر الكفاية له و لعياله ذهاباً و إياباً.

و هو الحجّة، المعتضدة بالشهرة القديمة الظاهرة و المحكيّة، مضافاً إلىٰ المعتبرة و لو بالشهرة.

منها: المرسلة المروية في المجمع عن أئمتنا (عليهم السلام) في تفسير الاستطاعة: أنها وجود الزاد و الراحلة، و نفقة من يلزم نفقته، و الرجوع إلىٰ كفاية، إمّا من مال أو ضياع أو حرفة، مع الصحة في النفس و تخلية السرب من الموانع، و إمكان السير (3).

و نحوه المروي عن الخصال، و فيه أنّها: «الزاد و الراحلة مع صحة البدن، و أن يكون للإنسان ما يخلفه علىٰ عياله، و ما يرجع إليه من حجّة» (4).

و قريب منهما المروي في المقنعة: «هلك الناس إذا كان من له زاد و راحلة و لا يملك غيرهما، أو مقدار ذلك ممّا يقوت به عياله، و يستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحجّ بذلك، ثم يرجع فيسأل الناس بكفه، لقد هلك إذاً» فقيل له (عليه السلام): فما السبيل عندك؟ فقال: «السعة في المال، و هو أن يكون معه ما يحجّ ببعضه و يبقى بعض يقوت به نفسه

____________

(1) المختلف: 256، المسالك 1: 92.

(2) الخلاف 2: 245، الغنية (الجوامع الفقهية): 573.

(3) مجمع البيان 1: 478، الوسائل 11: 39 أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 5 و فيهما بتفاوت يسير.

(4) الخصال: 606/ 9، الوسائل 11: 38 أبواب وجوب الحج ب 9 ح 4.

38

و عياله» (1).

و الدلالة فيه واضحة، كما اعترف به جماعة، و منهم الفاضل في المختلف، قال: فقوله (عليه السلام): «ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه» فيه تنبيه علىٰ اشتراط الكفاية من مال أو صنعة، ثم قوله: «و يبقى البعض يقوت به نفسه و عياله» يعني وقت رجوعه، و إلّا فكيف يقوت نفسه بذلك البعض مع أنّه قد خرج إلىٰ الحجّ (2). انتهىٰ.

فالمناقشة فيها واهية، و كذا المناقشة بضعف السند مطلقاً؛ لانجباره بالشهرة، و حكاية الإجماعين المتقدمين، و الأوفقية بالملّة السهلة السمحة.

أ لا ترى أنّه تعالىٰ لم يوجب الزكاة إلّا علىٰ من يملك مائتي درهم، و لم يوجب عليه إلّا خمسة، تخفيفاً منه سبحانه و رحمة، و إليه وقع الإشارة في الرواية الأخيرة علىٰ رواية شيخ الطائفة. فإنّ فيها بعد تفسير السبيل بأنّه السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض و يبقى بعضاً لقوت عياله: «أ ليس قد فرض اللّٰه تعالىٰ الزكاة فلم يجعلها إلّا علىٰ من يملك مائتي درهم» (3).

و لعلّه إلىٰ هذا نظر كلّ من استدل بهذه الرواية، و هو في غاية المتانة، و مرجعه إلىٰ تفسير الاستطاعة بما يكون فيه سهولة و ارتفاع مشقة.

و لا ريب أن ذلك هو المفهوم منها عرفاً، بل و لغةً، كما أشار إليه المرتضىٰ في المسائل الناصرية.

فقال: و الاستطاعة في عرف الشرع و عهد اللغة عبارة عن تسهّل الأمر

____________

(1) المقنعة: 384، الوسائل 11: 37 أبواب وجوب الحج ب 9 ح 1، 2.

(2) المختلف: 256.

(3) التهذيب 5: 2/ 1، الإستبصار 2: 139/ 453، الوسائل 11: 37 أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 1.

39

و ارتفاع المشقة، و ليست بعبارة عن مجرد القدرة، الا ترى أنّهم يقولون ما أستطيع النظر إلىٰ فلان، إذا كان يبغضه و يمقته و يثقل عليه النظر إليه و إن كان معه قدرة علىٰ ذلك، و كذا يقولون: لا أستطيع شرب هذا الدواء، يريدون إنّني أنفر منه و يثقل عليّ، و قال اللّٰه تعالىٰ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* (1) و إنّما أراد هذا المعنىٰ لا محالة (2).

و نحوه عبارة ابن زهرة في الغنية، إلّا أنّه أثبت بذلك النفقة ذهاباً و إياباً، و ألحق مفروض المسألة بها بالإجماع المركب، فقال: و إذا ثبت ذلك ثبت اعتبار العود إلىٰ كفاية؛ لأنّ أحداً من الأُمة لم يفرّق بين الأمرين (3).

و فيه إشعار بل ظهور بصدق الاستطاعة مع عدم الرجوع إلىٰ كفاية.

و هو عند الأحقر محل مناقشة؛ لعدم صدقها عرفاً و عادةً بلا شبهة، بل و لغة، كما عرفته من كلام المرتضىٰ، و حينئذٍ فظاهر الآية مع القدماء، لا عليهم.

سلّمنا، لكنها كالنصوص مقيّدة بما مرّ من الأدلّة، سيّما و أنّ النصوص لم يقل بإطلاقها أحد من علمائنا؛ لخلوّها من اعتبار النفقة رأساً، بل اكتفت بما يحجّ به و الزاد و الراحلة، كما عليه العامّة يومئذ (4) علىٰ ما يستفاد من الرواية الأخيرة برواية الشيخين، و لأجل ذلك يتقوىٰ احتمال ورودها للتقية.

و بالجملة: فما ذكره القدماء لا يخلو عن قوة و اختاره خالي العلّامة-

____________

(1) الكهف: 67، 72، 75.

(2) الناصرية (الجوامع الفقهية): 208.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 573، 574.

(4) راجع بدائع الصنائع 2: 121، و المغني و الشرح الكبير 3: 165، 167.

40

أدام اللّٰه سبحانه بقاءه- (1) و حكىٰ عن بعض مقاربي العصر (2)، لكن قال:

أمّا لو كان بيت مال يعطىٰ منه، أو كان ممن يتيسر له الزكاة و العطايا عادةً ممن لا يتحرز من ذلك، فلا يشترط في حقه. انتهىٰ.

و هو حسن، و يمكن إدخاله في عبائر الجماعة بتعميم الكفاية لمثله، فإنّها تختلف باختلاف الأشخاص عادةً، و علىٰ هذا يمكن أيضاً تنزيل ما نقضهم به الحلّي (3)، من إطلاقهم الحكم بالوجوب بالبذل، من غير اشتراط لهذا الشرط بلا خلاف، و إجزاء حجّ من أدرك أحد الموقفين معتقاً، فتأمل جدّاً.

هذا، و لا ريب أن خيرة المتأخرين أحوط.

و لا يشترط في وجوب الحجّ علىٰ المرأة وجود محرم لها، ممّن يحرم عليه نكاحها مؤبداً بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة و يكفي ظنّ السلامة بغير خلاف أجد، مصرّح به في الذخيرة (4) و في ظاهر المنتهىٰ و غيره (5): إنّ عليه إجماع الإمامية؛ لعموم الكتاب و السنة، و خصوص الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة:

ففي الصحيح: عن المرأة تخرج إلىٰ مكة بغير ولي، فقال: «لا بأس تخرج مع قوم ثقات» (6).

____________

(1) الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح و هو مخطوط، و كتاب الحجّ منه غير موجود عندنا.

(2) هو الشيخ علي بن سليمان البحراني علىٰ ما حكاه عنه في الحدائق 14: 124.

(3) السرائر 1: 513.

(4) الذخيرة: 564.

(5) المنتهىٰ 1: 658؛ و انظر مجمع الفائدة و البرهان 6: 106.

(6) الكافي 4: 282/ 5، الفقيه 2: 268/ 1308 و فيهما بتفاوت يسير، الوسائل 11: 153 أبواب وجوب الحج ب 58 ح 3.

41

و إنّما اعتبروا ظنّ السلامة مع إطلاق جملة من الأدلة؛ أخذاً بظاهر نحو هذه الصحيحة الآمرة بالخروج مع الثقة، الذي هو غالباً محل المظنّة، و التفاتاً إلىٰ استلزام التكليف بالحجّ مع عدمها العسر و الحرج المنفيين اتفاقاً، كتاباً و سنّة.

و لو لم يحصل إلا بالمحرم اعتبر وجوده، و يشترط سفره معها في الوجوب عليها، و لا تجب عليه إجابتها تبرعا، و لا بأُجرة و نفقة، و له طلبهما، و تكون حينئذٍ جزءاً من استطاعتها.

و مع اجتماع الشرائط المتقدمة لو حجّ ماشياً أو في نفقة غيره أجزأه قطعاً، بل قيل: لا خلاف فيه بن العلماء (1)؛ لحصول الامتثال، و عدم وجوب صرف المال في الحجّ إلّا مقدمةً، فيجب حيث يتوقف الواجب عليه، لا مطلقاً.

و الحجّ مطلقاً و لو مندوباً ماشياً أفضل منه راكباً؛ للنصوص المستفيضة المتضمنة للصحيح و غيره (2)، عموماً و خصوصاً، المؤيدة بالاعتبار جدّاً.

إذا لم يضعفه عن العبادة كمّاً و كيفاً، فالركوب حينئذٍ أفضل؛ للصحيح: «تركبون أحبّ إليّ، فإنّ ذلك أقوى علىٰ الدعاء و العبادة» (3).

و قريب منه الحسن أو الموثق: أيّما أفضل نركب إلىٰ مكة فنعجّل فنقيم بها إلىٰ أن يقدم الماشي، أو نمشي؟ فقال: «الركوب أفضل» (4).

____________

(1) المدارك 7: 79.

(2) الوسائل 11: 78 أبواب وجوب الحجّ ب 32.

(3) الكافي 4: 456/ 2، التهذيب 5: 12/ 32، الاستبصار 2: 142/ 464، علل الشرائع: 447/ 4، الوسائل 11: 83 أبواب وجوب الحجّ ب 33 ح 5.

(4) التهذيب 5: 13/ 34، الإستبصار 2: 143/ 466، الوسائل 11: 82 أبواب وجوب الحجّ ب 33 ح 3.

42

و بهما يجمع بين النصوص المتقدمة المطلقة لأفضلية المشي، و مثلها المطلقة لأفضلية الركوب.

و ربما يجمع بينها تارةً بحمل الأولة علىٰ ما إذا سيق معه ما إذا أعيا ركبه، و الأخيرة علىٰ ما إذا لم يسقه معه؛ للموثق (1) و غيره (2) «لا تمشوا و اركبوا» فقلت: أصلحك اللّٰه تعالىٰ إنّه بلغنا أنّ الحسن بن علي (عليه السلام) حجّ عشرين حجّة ماشياً، فقال: «إنّه (عليه السلام) كان يمشي و تساق معه محامله و رحاله». و أخرى بحمل الأولىٰ علىٰ ما إذا قصد بالمشي مشقة العبادة، و الأخيرة علىٰ ما إذا قصد توفير المال، كما في الخبرين (3)، أحدهما الصحيح المروي عن مستطرفات السرائر، و فيهما: «إذا كان الرجل مؤسراً فمشى ليكون أفضل لنفقته فالركوب أفضل». و الكل حسن، إلّا أنّ الأول أشهر، كما صرّح به جمع ممن تأخر (4)، و أطلق الفاضل في التحرير أفضلية المشي (5)، و عن خالي العلّامة احتمال

____________

(1) الكافي 4: 455/ 1، التهذيب 5: 12/ 33، الاستبصار 2: 142/ 465، قرب الإسناد: 170/ 624، الوسائل 11: 83 أبواب وجوب الحجّ ب 33 ح 6.

(2) علل الشرائع: 447/ 6، الوسائل 11: 84 أبواب وجوب الحجّ ب 33 ح 7.

(3) الأول: مستطرفات السرائر: 35/ 46، الوسائل 11: 85 أبواب وجوب الحجّ ب 33 ح 11. الثاني: الكافي 4: 456/ 3، الفقيه 2: 141/ 610، علل الشرائع: 447/ 5، الوسائل 11: 85 أبواب وجوب الحجّ ب 33 ح 10.

(4) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 92، و صاحب المدارك 7: 79، و صاحب الحدائق 14: 174.

(5) التحرير 1: 89.

43

حمل الأولة علىٰ التقية (1)، قال: كما يظهر من بعض الأخبار، و لم أقف عليه.

و إذا استقرّ الحجّ في ذمته، بأن اجتمعت له شرائط الوجوب و مضى عليه مدة يمكنه فيها استيفاء جميع أفعال الحجّ، كما عن الأكثر (2) أو الأركان منها خاصة، كما احتمله جماعة (3) حاكين له عن التذكرة، و يضعّف بأن الموجود فيها احتمال الاكتفاء بمضي زمان يمكنه فيه الإحرام و دخول الحرم (4)، كما احتملوه أيضاً وفاقاً له فأهمل، قضي عنه وجوباً من أصل تركته مقدماً علىٰ وصاياه، بإجماعنا الظاهر، المصرّح به في الخلاف و التذكرة و المنتهىٰ (5) و غيرها (6)، و الصحاح به مع ذلك مستفيضة جدّاً، معتضدة بغيرها.

و أمّا ما في نحو الصحيح: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام، و لم يترك إلّا بقدر نفقة الحجّ، فورثته أحق بما ترك، إن شاؤوا حجّوا عنه، و إن شاؤوا أكلوا» (7) فمحمول علىٰ صورة عدم الاستطاعة.

و لو لم يخلف سوىٰ الأُجرة لقضاء الحجّ قضي عنه من أقرب الأماكن إلىٰ الميقات و كذا لو خلف الزيادة (8) وفاقاً للأكثر علىٰ

____________

(1) هو الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح، و هو غير موجود عندنا.

(2) علىٰ ما نقله في الذخيرة: 563.

(3) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 91، و السبزواري في الذخيرة: 563، و نقل عن التذكرة في المدارك 7: 68.

(4) التذكرة 1: 308.

(5) الخلاف 2: 253، التذكرة 1: 307، المنتهى 2: 871.

(6) انظر المسالك 1: 92.

(7) الكافي 4: 305/ 1، الوسائل 11: 67 أبواب وجوب الحجّ ب 25 ح 4؛ بتفاوت يسير.

(8) ما بين القوسين ليست في «ك».

44

الظاهر، المصرّح به في عبائر جمع (1)، و في الغنية الإجماع (2) للأصل، و عدم اشتراط الحجّ بالمسير إلّا بالعقل، فهو علىٰ تقدير وجوبه واجب آخر لا دليل علىٰ وجوب قضائه، كيف و لو سار إلىٰ الميقات لا بنيّة الحجّ ثم أراده فأحرم صحّ، و كذا لو استطاع في غير بلده لم يجب عليه قصد بلده و إنشاء الحجّ منه، بلا خلاف، كما في المختلف (3).

و يؤيده الصحيح: عن رجل أعطىٰ رجلًا حجّة يحجّ عنه من الكوفة، فحجّ عنه من البصرة، قال: «لا بأس، إذا قضىٰ جميع المناسك فقد تمّ حجّه» (4).

و ربما استدل عليه بنحو الصحيح: عن رجل أوصىٰ أن يحجّ عنه حجّة الإسلام، فلم يبلغ جميع ما ترك إلّا خمسين درهماً، قال: «يحجّ عنه من بعض الأوقات التي وقّت رسول للّٰه 9 من قرب» (5).

بناءً علىٰ ترك الاستفصال عن إمكان الحجّ بذلك من البلد، أو غيره

____________

(1) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 301، و الخلاف 2: 255، ابن حمزة في الوسيلة: 157، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 582، و الفاضلان في كتبهم (المحقق في المعتبر 2: 760، العلّامة في التذكرة 1: 307)، و شيخنا في المسالك 1: 92، و الروضة 2: 173، و سبطه في المدارك 7: 84، و صاحبا المفاتيح 2: 177، و الذخيرة: 542، و عن ابن فهد (المهذب البارع 2: 125)، و غيرهم. (منه (رحمه الله)).

(2) انظر الغنية (الجوامع الفقهية): 582.

(3) المختلف: 257.

(4) الكافي 4: 307/ 2، الفقيه 2: 261/ 1271، التهذيب 5: 415/ 1445، الوسائل 11: 181 أبواب النيابة في الحجّ ب 11 ح 1.

(5) الكافي 4: 308/ 4، التهذيب 5: 405/ 1411، الاستبصار 2: 318/ 1128، قرب الإسناد 166/ 606، الوسائل 11: 166 أبواب النيابة في الحجّ ب 2 ح 1 و فيه و في التهذيب و الاستبصار: من بعض المواقيت.

45

ممّا هو أقرب إلىٰ الميقات.

و ضعّف بجواز كون عدم إمكان الحجّ بذلك من غير الميقات معلوماً بحسب متعارف ذلك الزمان.

و قيل: يقضى من بلده مع السعة في تركته، و إلّا فمن الميقات، و القائل الشيخ في النهاية (1)، و الحلي و القاضي (2)، و الصدوق في المقنع و يحيى بن سعيد في الجامع (3) كما حكي (4)، و هو خيرة المحقّق الثاني و الشهيد في صريح الدروس و ظاهر اللمعة (5).

و وجهه غير واضح، عدا ما في السرائر من أنّه لو كان حياً كان يجب عليه في ماله نفقة الطريق من بلده، فاستقرّ هذا الحق في ماله؛ و أنّه به تواترت أخبارنا و روايات أصحابنا (6).

و في الأول ما مرّ؛ و في الثاني ما في المعتبر و المختلف (7)، من أنّا لم نقف بذلك علىٰ خبر شاذّ، فكيف دعوى التواتر؟! و لعلّه لذا لم يستند إليهما الشهيد (رحمه الله) بل قال: لظاهر الرواية (8).

____________

(1) النهاية: 203.

(2) الحلّي في السرائر 1: 516، القاضي في المهذّب 1: 267.

(3) الموجود في المقنع: 164 هكذا: و إن لم يكن ماله يبلغ ما يحجّ عنه من بلده حجّ عنه من حيث تهيّأ. الجامع: 174.

(4) حكاه عنهم في كشف اللثام 1: 293.

(5) المحقق الثاني في جامع المقاصد 3: 136، الدروس 1: 316، اللمعة (الروضة) 2: 172.

(6) السرائر 1: 516.

(7) المعتبر 2: 760، المختلف: 257.

(8) الروضة 2: 172.

46

و الأولى أن يراد بها الجنس، كما في الروضة، قال: لأنّ ذلك ظاهر أربع روايات في الكافي (1)، أظهرها دلالةً رواية أحمد بن محمد بن أبي نصير عن محمد بن عبد اللّٰه، قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحجّ من أين يحجّ عنه؟ قال: «علىٰ قدر مال، ان وسعه ماله فمن منزله، و إن لم يسعه ماله فمن الكوفة، فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة».

و إنّما جعله ظاهر الرواية لإمكان أن يراد ب«ماله» ما عيّنه اجرة للحجّ بالوصية، فإنّه يتعيّن الوفاء به مع خروج ما زاد عن أُجرته من الميقات من الثلث إجماعاً.

و إنّما الخلاف فيما لو أطلق الوصيّة، أو علم أنّ عليه حجّة الإسلام و لم يوص به، فالأقوىٰ القضاء [عنه] من الميقات خاصة؛ لأصالة البراءة.

إلىٰ أن قال: و الأولى حمل هذه الأخبار علىٰ ما لو عيّن قدراً، و يمكن حمل غير هذا الخبر منها علىٰ أمر آخر، مع ضعف سندها، و اشتراك محمد بن عبد اللّٰه في سند هذا الخبر بين الثقة و الضعيف و المجهول.

ثمّ قال: لو صحّ هذا الخبر لكان حمله علىٰ إطلاقه أولىٰ؛ لأنّ «ماله» المضاف إليه يشمل جميع ما يملكه، و إنّما حملناه لمعارضته للأدلة الدالة علىٰ خلافه، مع عدم صحة سنده (2) انتهىٰ.

و هو حسن، إلّا أنّ هنا أخباراً معتبرة يفهم منها أيضاً وجوب الإخراج من البلد عند إطلاق الوصية.

منها الصحيح: «و إن أوصىٰ أن يحجّ عنه حجّة الإسلام، و لم يبلغ ماله

____________

(1) الكافي 4: 308/ 1 4، الوسائل 11: 166 أبواب النيابة في الحج ب 2.

(2) الروضة 2: 172.

47

ذلك، فليحجّ عنه من بعض المواقيت» (1).

و قريب منه الصحيح المتقدم فيمن أوصىٰ أن يحجّ عنه و لم يبلغ جميع ما ترك إلّا خمسين.

و الموثق: عن رجل أوصىٰ بماله في الحجّ، فكان لا يبلغ ما يحجّ به من بلاده، قال «فيعطي في الموضع الذي يحجّ عنه» (2).

بناءً علىٰ ظهورهما في فهم الرواة وجوب القضاء من البلد مع الوفاء، و أنّ إشكالهم إنّما هو مع عدمه، و قررهم الإمام (عليهم السلام) علىٰ ذلك.

و أظهر من الجميع المروي في مستطرفات السرائر، و فيه: إن رجلًا؛ مات في الطريق، و أوصى بحجة، و ما بقي فهو لك، فاختلف أصحابنا، فقال بعضهم: يحجّ من الوقت، فهو أوفر للشيء أن يبقىٰ عليه، و قال بعضهم: يحجّ عنه من حيث مات، فقال (عليه السلام): «يحجّ عنه من حيث مات» (3).

لكن شيء منها ليس بصريح في ذلك، مع أنّ موردها كما سبق- الوصية بالحجّ، و لعلّ القرائن الحالية يومئذٍ كانت دالّة علىٰ إرادة الحجّ من البلد، كما هو الظاهر عند إطلاق الوصية في زماننا هذا، فلا يلزم مثله مع انتفاء الوصيّة، و بهذا أجاب عنها جماعة (4).

هذا، و المسألة بعدُ لا تخلو عن شبهة، و لا ريب أن هذا القول مع رضاء الورثة أحوط.

____________

(1) التهذيب 5: 405 ذيل الحديث 1410؛ و الظاهر أنّه من كلام الشيخ، و لذا لم ينقله صاحبا الوسائل و الوافي.

(2) التهذيب 9: 227/ 892، الوسائل 11: 166 أبواب النيابة في الحج ب 2 ح 2.

(3) مستطرفات السرائر: 66/ 3، الوسائل 11: 169 أبواب النيابة في الحج ب 2 ح 9.

(4) منهم: صاحب المدارك 7: 86، و السبزواري في الذخيرة: 563، و صاحب الحدائق 14: 177.

48

ثمّ إنّ الموجود في كلام الأكثر من الأقوال في المسألة ما مرّ، و حكي الماتن في الشرائع ثالثاً بالإخراج من البلد مطلقاً (1) و مقتضاه سقوط الحجّ مع عدم وفاء المال به من البلد، و لم نعرف قائله، و به صرّح جمع (2)، بل نفاه بعضهم من أصله (3).

و من وجب عليه الحجّ مطلقاً و لو بنذر و شبهه فوراً، أو مطلقاً علىٰ ما يقتضيه و إطلاق العبارة و نحوها لا يجوز له أن يحجّ تطوعاً بغير خلاف أجده.

و لا إشكال في الفور، للتنافي.

و يشكل في غيره، كمن نذر الحجّ ناصّاً علىٰ التوسعة، أو استنيب كذلك؛ لعدم دليل عليه، عدا ثبوت مثل الحكم في الصلاة، و هو قياس، إلّا أن يستند بعموم ما في بعض الصحاح الواردة ثمّة، و هو قوله (عليه السلام):

«أ رأيت لو كان عليك من شهر رمضان كان لك أن تتطوع حتى تقضيه»؟

قلت: لا، قال: «فكذلك الصلاة» الخبر (4) فتأمل.

أما ناذر الحجّ في القابل، و النائب كذلك، فليس الآن ممن عليه الحجّ.

و لو تطوّع حيث لا يجوز له، ففي فساده رأسا، كما عليه الحلّي (5)، و من تأخّر عنه (6)؛ أو صحته تطوعاً، كما في الخلاف (7)؛ أو عن حجّة

____________

(1) الشرائع 1: 299.

(2) منهم: صاحب المدارك 7: 87، و السبزواري في الذخيرة: 563.

(3) انظر كشف اللثام 1: 293.

(4) دعائم الإسلام 1: 140، المستدرك 6: 433 أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 5.

(5) السرائر 1: 519.

(6) كالعلّامة في المختلف: 259.

(7) الخلاف 2: 256.

49

الإسلام، كما في المبسوط (1)، أقوال:

أوفقها بالأصل في الفوري الأول، لا لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، بل لمنافاته الأمر بالضد، فينتفي الصحة؛ لانحصار مقتضيها في العبادة في الأمر خاصة.

هذا في الفوري، و يشكل في غيره، و الوجه الصحة، و لعلّ الأول خاصّة مراد الجماعة.

و كذا لا يجوز أن تحجّ المرأة ندباً إلّا بإذن زوجها بلا خلاف أجده، و به صرّح في الذخيرة (2)، بل في ظاهر المدارك و عن التذكرة (3) الإجماع عليه.

و في المنتهىٰ (4): لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنّ حق الزوج واجب، و ليس لها تفويته؛ و يؤيده الموثق: عن المرأة الموسرة قد حجّت حجّة الإسلام، فتقول: أحجّني مرة أُخرى إله أن يمنعها؟ قال: «نعم، يقول لها: حقّي عليك أعظم من حقّك عليّ [في] هذا» (5).

و يضعّفان بأخصّية الأول من المدّعىٰ، و دلالة الثاني بدلالته علىٰ ان للزوج المنع، لا التوقف علىٰ الإذن.

و الأجود الاستدلال عليه بعد الإجماع بفحوىٰ ما دلّ علىٰ منع المعتدّة عدّة رجعية عنه من الأخبار (6).

و لا يشترط إذنه في الحجّ الواجب مطلقاً، بلا خلاف أجده، و به

____________

(1) المبسوط 1: 302.

(2) الذخيرة: 564.

(3) المدارك 7: 91، التذكرة 1: 306.

(4) المنتهىٰ 2: 659.

(5) الفقيه 2: 268/ 1307، التهذيب 5: 400/ 1392، الوسائل 11: 156 أبواب وجوب الحج ب 59 ح 2 و ما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.

(6) الوسائل 11: 158 أبواب وجوب الحجّ ب 60، و ج 22: 219 أبواب العدد ب 22.

50

صرّح في الذخيرة (1)، و النصوص به مع ذلك مستفيضة، و فيها الصحاح و غيرها:

ففي الصحيحين (2) و غيرهما (3): «لا طاعة له عليها في حجّة الإسلام، فلتحجّ إن شاءت». و هل يعتبر الضيق في عدم اعتبار الإذن، أم لا فلا يعتبر أيضاً مع السعة؟ وجهان، اختار ثانيهما في المدارك و الذخيرة (4)، معلّلًا في الأوّل بأصالة عدم سلطته عليها.

و كذا لا يجوز لها أن تحجّ ندباً إلّا بإذنه، و يجوز لها الحجّ واجباً مطلقاً بدونه في العدّة الرجعية بلا خلاف أجده؛ للخبر: عن المطلّقة تحجّ في عدّتها؟ قال «إن كانت صرورة حجّت في عدّتها، و إن كانت حجّت فلا تحجّ حتى تنقضي عدّتها» (5).

و ضعف السند منجبر بالعمل، و به يجمع بين الصحيحين المجوّز أحدهما مطلقاً (6)، و المانع ثانيهما كذلك (7).

____________

(1) الذخيرة 564.

(2) الأوّل: التهذيب 5: 400/ 1391، الإستبصار 318/ 1126، الوسائل 11: 155 أبواب وجوب الحج ب 59 ح 1. الثاني: التهذيب 5: 474/ 1671، الوسائل 11: 156 أبواب وجوب الحج ب 59 ح 3.

(3) الكافي 4: 282/ 1، الوسائل 11: 156 أبواب وجوب الحج ب 59 ذيل حديث 3.

(4) المدارك 7: 92، الذخيرة: 565.

(5) التهذيب 5: 402/ 1399، الإستبصار 2: 318/ 1125، الوسائل 11: 158 أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 2.

(6) الفقيه 2: 269/ 1311، التهذيب 5: 402/ 1398، الإستبصار 2: 317/ 1124، الوسائل 11: 158 أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 1.

(7) التهذيب 5: 401/ 1396، الإستبصار 2: 317/ 1122، الوسائل 11: 158 أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 3.

51

و ليس في شيء منها التقييد بالرجعية، كما في كلام الجماعة، بل شاملة بإطلاقها بل عمومها للبائنة، لكنها نادرة، فيشكل صرف الإطلاق إليها سيّما مع الاتّفاق علىٰ انقطاع عصمة الزوجية عنها، فلا وجه لتوقف حجّها علىٰ إذن زوجها مطلقاً.

و الظاهر أنّ إطلاق المنع في الخبر محمول علىٰ صورة عدم الإذن؛ لآخر: «المطلّقة تحجّ في عدّتها إن طابت نفس زوجها» (1) و نحوهالحسن (2) كما قيل (3).

و يجوز لها الحجّ و لو ندباً في عدّة الوفاة؛ للمعتبرة المستفيضة، منها الموثقان (4): عن المتوفىٰ عنها زوجها تحجّ؟ قال: «نعم».

[مسائل]

مسائل ثلاث:

[الأُولىٰ إذا نذر غير حجّة الإسلام لم يتداخلا]

الأُولىٰ: إذا نذر حجّة الإسلام انعقد علىٰ الأصح، فتجب الكفارة بالترك، و لا يجب عليه غيرها اتّفاقاً، و لا تحصيل الاستطاعة، إلّا إذا قصد بنذرها تحصيلها فيجب أيضاً.

و إذا نذر غير حجّة الإسلام لم يتداخلا اتّفاقاً، كما في التحرير

____________

(1) الكافي 6: 91/ 12، التهذيب 8: 131/ 452، الإستبصار 3: 333/ 1187، الوسائل 22: 219 أبواب وجوب الحجّ ب 22 ح 2.

(2) الكافي 6: 89/ 1، التهذيب 8: 116/ 402، الإستبصار 3: 333/ 1184، الوسائل 22: 212 أبواب وجوب الحجّ ب 18 ح 1.

(3) قاله به صاحب المدارك 7: 92.

(4) الأول: التهذيب 5: 402/ 1401، الوسائل 11: 159 أبواب وجوب الحج ب 61 ح 2. الثاني: قرب الإسناد: 168/ 617،

الوسائل 11: 159 أبواب وجوب الحجّ ب 61 ح 3.

52

و المختلف و المسالك (1) و غيرها (2)، بل يجبان عليه معاً إن كان حال النذر مستطيعاً و كان حجّة النذر مطلقة أو مقيدة بسنة غير الاستطاعة.

و يجب عليه حينئذ تقديم حجّة الإسلام؛ لفوريتها، وسعه مقابلها.

و إن كانت مقيّدة بسنتها لغا النذر إن قصدها مع بقاء الاستطاعة، و إن قصدها مع زوالها صحّ، و وجب الوفاء عند زوالها. و إن خلا عن القصدين فوجهان.

و إن لم يكن حال النذر مستطيعاً وجب المنذورة خاصة بشرط القدرة، دون الاستطاعة الشرعية، فإنّها شرط في حجّة الإسلام خاصة.

خلافاً للدروس فتشترط أيضاً (3) و لا وجه له.

و إن حصلت الاستطاعة الشرعية قبل الإتيان بالمنذورة، فإن كانت مطلقة أو مقيدة بزمان متأخر عن سنة الاستطاعة خصوصاً، أو عموماً، وجب تقديم حجّة الإسلام؛ لما مرّ، وفاقاً لجماعة (4).

خلافاً للدروس، فقدّم المنذورة (5)، و لم نعرف وجهه.

و إن كانت مقيدة بسنة الاستطاعة، ففي تقديم المنذورة أو الفريضة، وجهان، أجودهما الأول كما قطع به جماعة (6).

قال في المدارك: لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة؛ لأن المانع

____________

(1) التحرير 1: 128، المختلف: 322، المسالك 1: 93.

(2) انظر المدارك 7: 99.

(3) الدروس 1: 318.

(4) منهم: ابن سعيد في الجامع للشرائع: 175، و صاحب المدارك 7: 99، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 93.

(5) الدروس 1: 318.

(6) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 1: 93، و صاحب المدارك 7: 100.

53

الشرعي كالمانع العقلي، و علىٰ هذا فيعتبر في وجوب حجّ الإسلام بقاء الاستطاعة إلىٰ السنة الثانية (1).

و لو نذر حجّا مطلقاً أي خالياً عن قيدي حجّة الإسلام و غيرها قيل: يجزي إن حجّ بنية النذر عن حجّة الإسلام، و لا يجزي إن نوىٰ حجّة الإسلام عن النذر و القائل: الشيخ في النهاية و التهذيب و الاقتصاد (2)، كما حكي، و حكاه في المسالك أيضاً عن جماعة (3).

و لا يخلو عن قوة؛ استناداً في الحكم الثاني إلىٰ الأصل الآتي.

و في الأول إلىٰ الصحيحين: عن رجل نذر أن يمشي إلىٰ بيت اللّٰه الحرام فمشىٰ، هل يجزيه عن حجّة الإسلام؟ قال: «نعم» (4).

و في أحدهما: قلت: أ رأيت إنّ حجّ عن غيره و لم يكن له مال، و قد نذر أن يحجّ ماشياً، أ يجزيه عنه ذلك من مشيه؟ قال: «نعم» (5).

و الظاهر أن المراد بنذر المشي نذر الحجّ ماشياً، كما فهمه الأصحاب، حتى أرباب القول الثاني، حيث لم يجيبوا عنهما إلّا بالحمل علىٰ ما إذا نذر حجّة الإسلام ماشياً، و يدلُّ عليه السؤال الثاني في أحدهما.

و هذا القدر من الظهور كافٍ، و إن احتمل السؤال فيهما غيره، من كون المسئول أنّ هذا المشي إذا تعقبه حجّة الإسلام فهل يجزي، أم لا بدّ من المشي ثانياً؟ أو أنّه إذا نذر المشي مطلقاً، أو في حجّ، أو في حجّة الإسلام فمشىٰ، فهل يجزيه أم لا بدّ من الركوب فيها؟ أو أنه إذا نذر حجّة

____________

(1) المدارك 7: 100.

(2) النهاية: 205، التهذيب 5: 406، الاقتصاد: 298.

(3) المسالك 1: 93.

(4) التهذيب 5: 459/ 1595، الوسائل 11: 70 أبواب وجوب الحجّ ب 27 ح 1.

(5) التهذيب 5: 406/ 1415، الوسائل 11: 70 أبواب وجوب الحجّ ب 27 ح 3.

54

الإسلام فنوىٰ المنذور دون حجّة الإسلام فهل يجزي عنها؟.

لبُعد جميع ذلك، سيّما في مقابلة فهم الأصحاب. و ارتكابها فيهما كلّاً أو بعضاً للجميع تبرّعاً يتوقف على وجود المعارض الأقوىٰ، و ليس، سوىٰ الأصل الآتي، و التعارض بينهما و بينه علىٰ تقدير تسليمه تعارض العموم و الخصوص مطلقاً و الخاص مقدّم اتّفاقاً.

و قيل: لا يجزي أحدهما عن الآخر و القائل الأكثر علىٰ الظاهر، المصرّح به في كلام جمع، و منهم: الشيخ في الخلاف و الحلّي في السرائر و السيّدان في الغنية و الناصرية (1)، و في ظاهرها الإجماع، و الفاضلان و الشهيدان (2)، و غيرهم من متأخّري الأصحاب (3).

لاقتضاء اختلاف السبب اختلاف المسبّب.

و فيه بعد تسليمه أنّه عام فيحصّص بما مرّ.

إلّا أن يجاب بقوة العام بعمل الأكثر، و عدم صراحة الخاص بما مرّ.

مضافاً إلىٰ معارضته بالإجماع المنقول و إن كان بلفظة «عندنا» فإنّ ظهورها في نقله ليس بأضعف من دلالة الصحيحين علىٰ خلافه.

و ببعض الأخبار المشار إليه في الخلاف، حيث إنه بعد نسبة ما ذكره في النهاية إلىٰ بعض الروايات قال: و في بعض الأخبار أنه لا يجزي

____________

(1) الخلاف 2: 256، السرائر 1: 518، الغنية (الجوامع الفقهية): 582، الناصرية (الجوامع الفقهية): 209.

(2) المحقق في المعتبر 2: 762، و الشرائع 1: 231، و العلّامة في القواعد 1: 77، و التحرير 1: 128، و المنتهىٰ 2: 875، الشهيدان في اللمعة و الروضة 2: 178.

(3) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 3: 141، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 296.