غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج1

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
167 /
51

باق على حرمته و لا يحصل منه الشفاء (حينئذ) و لا ينافي حصول الشفاء عند ارتفاع الحرمة بكونه موجبا لحفظ النفس من الهلاك و اما فيما دون النفس من الأمراض فلا يسوغ شربه لرفعه للإطلاقات الناطقة بالحرمة و المناط علم المريض حتى انه لو حكم الطبيب قطعا فلم يحصل له العلم لم يكن له أثر لأن المكلف بالترك أو المسوغ في حقه انما هو المريض لا غيره و لكن لا يخفى ان تحقق العلم بحفظ النفس من التلف عند شربه و خوف التلف عند عدمه نادر الحصول للمريض جدا من جهة عدم الاعتماد على حذاقة الأطباء بل هو نادر الحصول لهم (أيضا) كما لا يخفى على من أمعن النظر في أحوالهم و في كيفيات الأمراض و معالجاتها و يؤيد ما ذكرناه ان المحقق الأردبيلي (رحمه الله) قال بعد ذكر صحيحة الحلبي و يمكن فهم جواز شرب الخمر منها مع الاضطرار لأنها جعلها مثل لحم الخنزير و هو جائز الأكل عند الاضطرار بالآية و الإجماع فلا يبعد التداوي مع الاضطرار فتأمل ثم ذكر جملة من الاخبار ثم قال هذه الاخبار مع أدلة التحريم الكثيرة الدالة على المبالغة في تحريم المسكر خصوصا الخمر دليل المنع و لكن عموم الأكثر و عدم صحة أكثر الخصوص من النهى عن إلقاء إلى التهلكة و الأمر بحفظ النفس و رفع الضرر عنها مهما أمكن عقلا و نقلا كتابا و سنة و إجماعا يدل على الجواز فيمكن حملها على المبالغة في عدم حصول الشفاء في المحرم بحيث لا يكون الشفاء في الغير الا نادرا أو على عدم جواز الشفاء بالمحرمات مع إمكان الشفاء بغيرها أو على طلب الشفاء و الصحة لا حفظ النفس و دفع الضرر ثم قال و يؤيده ما أشرنا إليه من قبيل انه شبهه بلحم الخنزير و شحمة و قد جوز اكله عند الاضطرار بالقرآن و السنة و الإجماع فيمكن تجويز التداوي بها مع العلم بحصول الشفاء بها لا بغيرها (فتأمل) و تجويز حفظ النفس بها و التخلص من الهلاك فيجوز شربها لذلك لا للشفاء و حصول البئر من المرض و التلذذ بالصحة و طلبها بل طلب حفظ النفس للأمر به و اليه أشار في المختلف و قال المعتمد جواز شربه عند خوف التلف من العطش و المرض إذا اندفعا به كما اختاره ابن البراج و أجاب عن احتجاج الشيخ بالاخبار بالحمل على طلب الصحة لا على طلب السّلامة و نحن انما نسوغ شربه في طلب السّلامة بحيث لو لم يشربه أو لم يتداو به حصل التلف اما في طلب العافية فلا انتهى كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله)

المسئلة الثالثة في حكم التداوي من رمد العين بالاكتحال به

و محلّ البحث هنا أيضا صورة الاضطرار فالذي ذهب إليه جماعة منهم الشيخ (رحمه الله) و هو الجواز قال في (المبسوط) و يحل التداوي به في العين دون الشراب و المحقق مع اختياره عدم جواز التداوي به شربا و مثل العلامة (رحمه الله) في الإرشاد و كذا في القواعد لكن مع توقفه في جواز الشرب عند العلم بالصلاح بشربه و خوف التلف بتركه كما تقدم في المسئلة السّابقة فالأمر هنا أهون نظرا الى ان أصل تحريم الخمر لظاهرة هو تحريم الشرب و اما مثل الاكتحال به فليس مما ينساق من اللفظ و الأصل جواز الانتفاع بالأعيان النجسة إلا ما خرج بالدّليل و لهذا قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و كأنه للفرق بين التداوي من الأمراض بالأكل و الشرب المحرمين و تداوى العين بالاكتحال بما فيه الخمر حيث لا دليل قوى على المنع من الاكتحال و وجود الدليل القوى على الأول اختار (المصنف) (رحمه الله) منع التداوي (مطلقا) من الأمراض و جواز الاكتحال مع الضرورة فتأمل انتهى و حكى في (المسالك) هذا القول عن الأكثر و ذهب ابن إدريس في السّرائر إلى المنع قال و قال شيخنا في نهايته و لا يجوز ان يتداوى بشيء من الأدوية و فيها شيء من المسكر و له عنه مندوحة فإن اضطر الى ذلك جاز ان يتداوى به للعين و لا يجوز له ان يشربه على حال الا عند خوفه على نفسه من العطش على ما قدمناه و قد قلنا انه لا يجوز له التداوي به لا للعين و لا غيرها و انما هذا خبر واحد من شواذ الأخبار أورده إيرادا هذا كلامه (رحمه الله) حجة القول الأول عموم وجوب دفع الضرر و خصوص خبر هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشتكى عينيه فنعت له كحل يعجن بالخمر فقال هو خبيث بمنزلة الميتة فإن كان مضطرا فليكتحل به حجة القول الثاني ما في الاخبار المذكورة من ان اللّه لم يجعل في محرم شفاء مضافا الى مرسل مروك عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) من اكتحل بميل من مسكر كحله اللّه بميل من نار أقول يطهر مما اخترناه في توجيه الأول سقوط الاستدلال به في هذا المقام لان كون الاكتحال بالمسكر حراما غير معلوم فلا بد من إثبات ذلك من الخارج ضرورة ان عدم جعل الشفاء في المحرم حكم كبروى لا يتأتى منه انطباقه على المقام الا بعد اقامة الدليل على ان الاكتحال محرم نعم يظهر من ردّ ابن إدريس (رحمه الله) على الشيخ (رحمه الله) بان ما ذكره من شواذ الاخبار ان الأصل حرمة الانتفاع بخصوص المسكر (مطلقا) أو بالأعيان النجسة (مطلقا) و الا لم يكف مجرد كون الخبر شاذان في ثبوت مقصود ابن إدريس (رحمه الله) و لا في رد الشيخ (رحمه الله) لأنه ان كان الأصل في الاستعمال هو الجواز كفى في ثبوت ما أثبته الشيخ (رحمه الله) و (حينئذ) نقول ان أراد الأول اندفع بان المتبادر من تحريم الخمر و غيره من المسكرات انما هو خصوص شربها دون سائر استعمالاتها و ان أراد الثاني اندفع بما حققه (المصنف) (رحمه الله) مفصلا و اما الوجه الثاني فيندفع بما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد ذكر رواية هارون ممّا نصه هذه مؤيدة حسنة لحمل الأولى يعني مرسلة مروك في المنع عن اكتحال العين بما فيه الخمر على حال الاختيار و الإمكان و كذا لحمل جميع الاخبار في المنع عن التداوي به على التداوي في حال الاختيار من وجهين التشبيه و التصريح بالضرورة فمع حصول العلم بعدم حفظ النفس و الهلاك الا بشربه يمكن تجويز ذلك و يحتمل لدفع المرض (كذلك) خصوصا وجع العين و الاكتحال بما فيه الخمر فإنه لا منع منه في الكتاب و السنة المتواترة و الصّحيحة مع إمكان تخصيص ما دل على المنع و تأويله كما تقدم انتهى و لكن لا يخفى عليك وهن ما ذكره من تقييد جميع أخبار التداوي بخبر هارون لأنه انما ورد في خصوص الرمد و تجويز التداوي بالمسكر منه في حال الضرورة لا مساس له بالأخبار الواردة في مقام أخر و هو شرب المسكر للمتداوى من المرض لتغاير الموضوعين فتحصل من جميع ما ذكرنا ان جواز الاكتحال بالمسكر للتداوي من الرّمد موافق للأصل و رواية هارون موافقة للأصل و القاعدة التي هي كون الضرورة مبيحة بل في الجواهر ان الأصح الجواز مع الاضطرار و ان قلنا بحرمة الانتفاع به (مطلقا) مع عدمه ثم قال و يمكن حمل المرسل المزبور عليه انتهى

المسئلة الرابعة في حكم الاحتقان بالمسكر

و لم أقف على من صرح بحكمه جواز أو منعا و مقتضى الأصل هو الجواز لما عرفت من ان الأصل هو جواز الانتفاع بالأعيان النجسة إلا ما ورد النهى عنه و ان تحريم الخمر في الكتاب و السنة عبارة عن تحريم شربه فلا يتناول غير ذلك

السّادس ان شعر الكافر أو الكافرة لا ريب في كونه نجس العين لكن هل يجوز الانتفاع به

بان يوصل به شعر غيرهما أو يجعل حبلا يستقى به أو يستعمل في غير ذلك فيجوز بيعه لذلك أم لا الوجه هو الثاني بمعنى انه لا يجوز بيعه لذلك و اما الانتفاع به فهو جائز امّا عدم جواز بيعه فلانه لا يعدّ بسبب ذلك ما لا و امّا جواز الانتفاع به فلانه الأصل إلا إذا كان محرما كما لو كانت صاحبته أجنبية و قلنا بان النظر الى شعر الأجنبية حرام و ان كان على غيرها ممن هي من المحارم أو لم يكن على انسان كما لو اتخذ منه الحبل مثلا النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم لتحريم ما يقصد به

[النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم لتحريم ما يقصد به]

قوله ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص الا الحرام

وجه التقييد بنحوه الخاص ظاهر لان وجود المادة قد لا يقصد به الحرام و انما يقصد الحرام

52

بالمادة المتصورة بالصّورة فإن المقصود بالعبادة في الصنم ليس هو الخشب من حيث هو خشب بل المتصور بالصّورة الخاصة قال في جامع المقاصد في شرح قول العلامة (رحمه الله) الثاني كل ما يكون المقصود منه حراما اى المراد منه على حالته التي هو فيها الأمر المحرم فان آلات اللهو الغرض الأصلي منها على هذا الوضع المخصوص هو المحرم و ان أمكن الانتفاع بها على حالتها في أمر أخر فهو مع ندرته أمر غير مقصود بحسب العادة و لا اثر لكون رضاضها بعد كسرها مما ينتفع به في المحلّل و يعد مالا لان بذل المال في مقابلها و هي على هيئتها بذل له في المحرم الذي لا يعد مالا عند الشارع انتهى ما أردنا ذكره من كلامه (رحمه الله)

[القسم الأول ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلا الحرام]

[الأول مما لا يقصد من وجوده إلا الحرام هياكل العبادة]

قوله منها هياكل العبادة

قال في (المسالك) الأصل في الهيكل انه بيت للصنم كما نص عليه الجوهري و غيره و اما إطلاقه على نفس الصنم فلعله من باب المجاز إطلاقا لاسم المحل على الحال انتهى

قوله مضافا الى ان أكل المال في مقابل هذه الأشياء أكل له بالباطل و الى قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه

لا يخفى ان شيئا من قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ و الحديث المذكور لا يثبت حال الموضوع أو نوع منه ضرورة كونهما ناظرين الى مجرد الكبرى الكلية فلا يتمّ دلالتهما على حرمة التكسب بهياكل العبادة المبتدعة مع كونها أموالا عرفا الا بعد إثبات ان الشارع سلبها آثار المالية و حرم الانتفاع حتى يصدق على أخذ المال في مقابلها انه أكل للمال بالباطل و يصدق عليها أنها محرمة حتى يترتب على ذلك حرمة ثمنها و لا يتم ذلك الا بانضمام دليل خارجي و لهذا قيدهما (المصنف) (رحمه الله) بقوله بناء على ان تحريم هذه الأمور تحريم لمنافعها الغالبة بل الدائمة

قوله فالأقوى جواز البيع بقصد تلك المنفعة المحللة كما اعترف به في (المسالك)

حيث قال فيها عند قول المحقق (رحمه الله) ما يحرم كتحريم ما قصد به كالات اللهو (انتهى) الات اللهو و نحوها ان لم يكن الانتفاع بها في غير الوجه المحرم و لم يكن لمكسورها قيمة فلا شبهة في عدم جواز بيعها لانحصار منفعتها في المحرم و ان أمكن الانتفاع بها في غير الوجه المحرم على تلك الحالة منفعة مقصودة و أشتريها لتلك المنفعة لم يبعد جواز بيعها الا ان هذا الفرض نادر فان (الظاهر) ان ذلك الوضع المخصوص لا ينتفع به الا في المحرم غالبا و النادر لا يقدح و من ثم أطلقوا المنع من بيعها هذا كلامه (رحمه الله) و أورد عليه بأنه لا يخلو اما ان يكون مراده (رحمه الله) بإمكان الانتفاع به منفعة مقصودة إمكان منفعة مقصودة مباحة نادرة بالنسبة إلى المنفعة المحرمة و اما ان يكون مراده (رحمه الله) بإمكانه إمكان منفعة مقصودة مساوية للمنفعة المحرمة فعلى الأول و هو الذي يظهر من العبارة يتجه عليه المنع من جواز بيعها لتلك المنفعة النادرة قطعا فلا مجال لنفى البعد عن جواز بيعها ضرورة ان المنفعة النادرة لا عبرة بها في ترتيب أحكام المالية على الشيء لعدم تأثيرها في إفادة المالية له و على الثاني و هو الذي يلوح من صاحب الجواهر (رحمه الله) حمل العبارة عليه حيث قال و لو فرض أن للشيء منفعتين مقصودتين إحديهما محللة و الأخرى محرمة دار الحكم مدار القصد و لعل ذلك هو المراد الا انه خروج عن المقام انتهى يتجه عليه ان بيعها لتلك المنفعة المقصودة المساوية صحيح قطعا و لا مجال للتأمل فيه فالاقتصار على نفى البعد لا وجه له قلت لا يخفى على من تأمل في عبارة المسالك المذكورة من أولها إلى أخرها ان (الظاهر) هو الثاني و ان ما أورده على الوجه الثاني لا كرامة فيه لأنه بمنزلة المناقشة اللفظية بعد كون نفى البعد في كلام الفقيه فتوى غاية ما في الباب انه لا يفيد الجزم و أورد عليه في المستند بوجه أخر حيث قال و مقتضى إطلاقها حرمة بيعها (مطلقا) سواء قصد به المنفعة المحرمة أو منفعة محللة و في (المسالك) نفى البعد عن الجواز في الثاني و قال الا ان هذا الفرض نادر و قد يجعل ندوره سببا لإخراجه عن الإطلاقات ثم اعترض عليه بقوله و في الندور (مطلقا) منع فان الدف يمنع الانتفاع به في كثير مما ينتفع فيه بالغربال و نحوه لحفظ المتاع و نقل الغلات و نحوها هذا و أنت خبير بان ما ذكره يصلح مثالا للنادر لا نقضا على الندرة مع ان المناقشة في أمثال تلك الجزئيات مما لا يكاد يلحق بالمقاصد العلمية

قوله لانّ المتيقن من الأدلة المتقدمة حرمة المعاوضة على هذه الأمور نظير المعاوضة على غيرها من الأموال

أراد (رحمه الله) بذكر قوله نظير المعاوضة تقييد المعاوضة المتقدمة عليه فكأنه قال حرمة المعاوضة على هذه الأمور على حد المعاوضة على غيره من الأموال

قوله و هو ملاحظة مطلق ما يتقوم به مالية الشيء من المادة و الهيئة

يعني ملاحظة جميع ما يتقوم به مالية الشيء

قوله و دعوى ان المال هي المادة بشرط عدم الهيئة مدفوعة بما صرح به

(انتهى) محصله انه لو ادعى مدع عن مالية هذه الأشياء انما تتحقق بعد زوال الهيئة و ليس لها قبل زوال الهيئة مالية دفعنا دعواه بأنه قد وقع التصريح منهم بان من غصب هذه الأشياء و هي على هيئتها المتعارفة لها ضمن موادها فلو كان ماليتها منوطة بزوال الهيئة و لم يكن لها قبل زوال الهيئة مالية لم يكن وجه لضمان موادها عند غصبها و هي على هيئتها المتعارفة

قوله قال في محكي التذكرة انه إذا كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة لتكسر و كان المشترى ممن يوثق بديانته فإنه يجوز بيعها على الأقوى

هكذا في النسخة الموجودة عندي و كان الاولى ان يقول و بما في محكي التذكرة حتى يكون معطوفا على قوله بما صرح و يكون المعنى ان دعوى كون ماليتها مشروطة بزوال هيئتها المتعارفة مدفوعة بما ذكره العلامة (رحمه الله) من جواز بيعها و هي على هيئتها المتعارفة إذا شرط كسرها و كان المشترى موثوقا به فلو كان ماليتها مشروطة بزاول هيئتها لم يكن بيعها قبل زوال الهيئة صحيحا هذا و لا يخفى عليك ان المعنى على حاله بناء على النسخة الموجودة فالمقصود بهذا الكلام هو الاستشهاد بقول العلامة (رحمه الله) على بطلان الدعوى المذكورة

قوله لكن فيه مضافا الى التأمل في بطلان البيع لمجرد الإعانة على الإثم

وجه التأمل في ذلك واضح لأن الإعانة على الإثم من الأمور الخارجة اللاحقة للبيع فتكون من قبيل الوصف العرضي الخارجي مثل تفويت الجمعة في ضمن البيع في وقت النداء و هو لا يوجب بطلان المعاملة إذ قد بينا في الأصول انها انما تفسد إذا تعلق النهى بعينها مع ان لنا ان نقول ان كون ذلك اعانة على الإثم ممنوع لان كونه اعانة عليه موقوف على ان يكون فعل المشتري إثما و انما بتحقق إحرازه إذا علم كونه قاصدا إلى إبقائه و هو غير معلوم إذ لعله غير قاصد اليه فلا يتعين فعله للإثم حتى يصير البيع عليه و الدفع إليه اعانة على الإثم هذا و لكن يبقى هنا شيء و هو انه يمكن المناقشة في كلام (المصنف) (رحمه الله) بأن عبارة العلامة إنما اشتملت على الجواز الظاهر في كلمات الفقهاء (رضي الله عنه) في الحكم التكليفي فيصير محصل كلامه اباحة المعاملة بالكيفية المذكورة و يصير مفهومه عدم إباحتها عند انتفاء ماله دخل في تقوم تلك الكيفية و هو كون المشتري ثقة و وجه الحرمة هو تسليم ما فيه الفساد الذي يجب إزالته الى من لا يوثق بأنه يتحقق منه ازالة و معلوم ان فعل غير الثقة المشكوك فيه في حكم العدم شرعا لعدم تحقق الملكة الرادعة عن المعاصي فيه فلا يكون في حكم الوجود شرعا على حد فعل العدل الثقة الذي له دخل في إزالة الفساد ثم من المعلوم انه لا ملازمة بين حرمة المعاملة و فسادها حتى يقال ان لازم حكم العلامة (رحمه الله) بالحرمة انما هو الفساد و ان تعبير (المصنف) (رحمه الله) بالبطلان لمراعاة جهة اللزوم

قوله انّه يمكن الاستغناء عن هذا الوجوب بكسره قبل ان يقبضه إياه

يعنى انه

53

يمكن الاستغناء عن وجوب كون المشتري ثقة بان يكسر البائع ذلك المبيع الذي هو من قبيل هياكل العبادة و ما ماثلها بعد إيقاع عقد البيع عليه و قبل تسليمه الى المشترى و لا يمنع من تصرف البائع فيه بالكسر صيرورته بعد العقد ملكا للمشتري لأن هيئة المبيع المذكور غير محترمة فيجوز للبائع إزالتها و لا ضمان عليه بسبب ذلك و توضيح ذلك انّه لو سلم تحقق الإعانة على الإثم في المقام فإنما تتحقق في ضمن دفع المبيع المذكور إلى المشتري لا في ضمن البيع لعدم استلزامه للإعانة لإمكان التخلّص بان يكسره البائع بنفسه قبل التسليم و لا يسلمه إلى المشترى و هو على هيئته فإن الهيئة غير محترمة في هذه الأمور كما صرحوا به في باب الغصب و ان كانت مادته مالا فتقابل بالثمن و دعوى ان ماليتها أو مقابلتها بالمال مشروطة بانتفاء الهيئة بالفعل فلا يجوز بيع المشتمل على المادة و الهيئة بالفعل بقصد المادة خاصة واضحة الفساد و ليس في النصوص دلالة عليها و لو لعدم انسباق نحو ذلك منها ان لم يكن المنساق منها خصوص البيع على حد باقي الأموال العرفية لا على نحو هذه الكيفية و من هنا علم عدم صحة التمسّك برواية تحف العقول لما عرفت من عدم الانسباق و لانه لا فساد في بيع المادة فتبين ممّا ذكرنا أن المادة متصفة بالماليّة في حال وجود الهيئة كما أنها متّصفة بالمالية بعد زوال الهيئة و لا إشكال في شيء منهما و لا مجال لإنكار الأول خصوصا بعد الاعتراف بضمان الغاصب للمادة لو أتلفها و لو حال إتلاف الصّفة فتلخّص من ذلك كله ان ما ذكروه من الاقتصار في صحة البيع على ما لو شرط البائع الكسر مع كون المشترى ممن يوثق بديانته لا وجه له اللّهم الّا ان يوجه بما ذكره بعض المعاصرين و هو ان يكون مقصودهم بذلك كون المبيع هي المادة خاصة بأن يقول بعتك خشب هذه الإله أو بعتك منا منه فظهرت فيه أو نحو ذلك و يكون شرط الكسر كناية عن ذلك و شرط الديانة خوفا من إبقاء المشترى لها على هيئتها فيأثم بذلك البائع لوجوب كسره عليه أيضا فإذا كان ثقة كان أهلا لأن يوكل في كسرها على وجه لا ينافي فوريته عرفا أو مع البناء على عدم وجوب الفورية و ان وجب الكسر لا لتوقف صحة البيع عليه فالحاصل ان اشراطهم كون المشترى ممن يوثق به ليس لإحراز شرط صحّة البيع و انما هو لأجل تخلص البائع من الوقوع في الحرام من جهة تركه الواجب الّذي هو كسر تلك الإله هذا و لكن في النفس من كلام (المصنف) (رحمه الله) شيء و هو ان مثل هذا الكلام انما يصحّ سوقه في مقابل من يدعى حصر الجواز في الصّورة المذكورة و لم يقع في كلام العلامة (رحمه الله) حصر الجواز فيما ذكره من الفرض و انما ذكر ان حكم بيعها لتكسر اى يكسرها المشترى هو الجواز و هذا لا ينافي وجود صورة أخرى محكوم عليها بالجواز و هو أن يبيعها بشرط أن يكسرها المشتري و ان لم يكن ثقة لكن يباشر البائع بنفسه كسر المبيع بعد العقد عليه و قبل تسليمه الى المشترى و يكون اشتراط الكسر لتصحيح البيع و يكون مباشرة الكسر لازالة الفساد من جهة عدم الوثوق بإزالة المشتري شرعا فتأمل

قوله بل قد يقال بوجوب إتلافها فورا و لا يبعد ان يثبت لوجوب حسم مادة الفساد

قال بعض من تأخر عن (المصنف) (رحمه الله) انه قد يدعى ان إتلاف الآلات المذكورة واجب على وجه الفور الحقيقي و على هذا يبنى المنع من البيع بشرط الكسر لمنافاته للفور فيجب ان يبادر هو الى كسرها و ازالة هيئتها لاهتمام الشارع في ارتفاع سبب الفساد ثم ردّه بأن الحق انه لم يقم دليل على المضايقة بالوجه المذكور و القدر الثابت انما هو وجوب المبادرة إلى الإتلاف على وجه لا يعد متهاونا في امتثال أمر الشارع بالتأخير مدة معتدا بها عرفا أو مفوتا لغرضه بالإهمال الى ان يحصل منه الغرض المنهي و لا يخلو عن وجاهة

قوله و في جامع المقاصد بعد حكمه بالمنع عن بيع هذه الأشياء

عطف على قوله في محكي التذكرة و المقصود بذكر عبارة جامع المقاصد هو الاستشهاد على ما استشهد عليه بعبارة التذكرة من صحة بيع مواد الأشياء المذكورة لغرض كسرها و ازالة هيئاتها مع كون وقوع عقد البيع في حال وجود تلك الهيئة و اقترانها بالمادة هذا و ينبغي تتمم المسئلة بالتنبيه على أمور الأوّل ان الواجب انما هو إزالة الصفة و إتلافها دون المادة و هل يجوز التعدي من إتلاف الصفة الى إتلاف المادة فنقول لا يخلو اما ان يكون إتلاف الصفة موقوفا على إتلاف المادة أو على إتلاف شيء منها أو لا فيجوز التعدي الى ما يتوقف عليه كلا لو بعضها دون غيره خلافا لبعض الأساطين على ما حكى عنه حيث أجاز التعدي في المقامين اقتراحا ثم انه هل يتعقبه ضمان أم لا فنقول لا ريب في تعقبه إذا تعدى الى ما لم يكن له التعدي إليه لكون إثبات يده على ما لم يجوز له التعدي إليه عدوانا فتنهض أدلة الضمان بإثباته و انّما الكلام في ثبوت الضمان بالنسبة الى ما كان يجوز له التعدي إليه من المادة مما كان يتوقف ازالة الصفة عليه فيمكن ان يقال بثبوت الضمان نظر الى ان الاذن الشّرعي لا ينافي ثبوت الضمان كما في أكل المخمصة و غيره لكن الوجه هنا عدم ثبوته لصدور الأمر من الشارع بالإتلاف دون مجرد الاذن فيه و في أكل المخمصة (أيضا) و ان كان الأمر موجودا الا انه لما كان لحاجة المكلف و حفظ نفسه كان في معنى الاذن و ليس للمكلف هنا حاجة و اضطرار الى كسر الأصنام و إتلاف آلات اللهو بل هما من مقاصد الشارع المهمة في نظره الثاني ان إتلاف هياكل العبادة و نحوها هل يجوز ان يتركه المكلف الى غيره نظر الى كونه واجبا كفائيا خوطب به جميع المكلفين كصلاة الميت المجوّز تركها من بعض المكلفين باحتمال اقدام غيره إليها الوجه عدم الجواز هنا لكونه منافيا للفور و مؤدّيا إلى فوات غرض الشارع من اضمحلال هذه الموجبات للفساد و ارتفاعها بالمرة الثالث انه لا فرق فيما ذكر ممّا لا يصح بيعه باعتبار صورته كالصنم و الات اللهو من الحكم بعدم ملكية الصّورة بين المسلم و الكافر الغير المستحل لها و في المستحل لها وجهان و (الظاهر) عدم الجواز و عدم الصّحة لاشتمالها على الفساد المبغوض في نظر الشارع بحيث أراد انتفائه رأسا و عدم وقوعه في الخارج أصلا و هل يجوز دفعها الى الكافر الحربي لاستنقاذ ماله منه الوجه عدم الجواز و لو أقدم على هذا الفعل المحرم فهل تسرى الحرمة إلى المال المأخوذ منه وجهان اقويهما الثاني لعموم ما دل على ان ماله فيء للمسلم غاية ما في الباب انه فعل حراما بدفعها اليه و لا ملازمة بين حرمة الدفع و بين حرمة المال الا ان يقال ان ذلك عقوبة على فعله المحرم حتى يرتدع فلا يدفعها اليه لكن جعله عقوبة يحتاج الى دليل يدل على وقوعه من جانب الشارع و لا يكفى فيه مجرد الدعوى فمع انتفاع الدليل عليه يبقى المال تحت عموم ما دل على جواز استنقاذ مال الكافر و حكم العموم سار هنا و في سائر المقامات فلا وجه للاقتصار على مورد خاص الا بدليل و ما ذكرناه في هذا الأمر يجري فيما لا يكون منشأ الحرمة خصوص الهيئة كالخمر و الخنزير فلا تغفل ثم انه هل يلحق بالحربي من كان من المسلمين مخالفا للبائع في الاجتهاد كما لو كان ممن يقول بجواز المعاوضة على العصير العنبي بعد الغليان و قبل ذهاب ثلثيه و كان المشترى ممن يحرم ذلك الذي ذكره بعض الأساطين فيما حكى عنه في شرح القواعد هنا ان كلا منهما مأمورا بالعمل بمقتضى اجتهاده فيجوز في حق المجوز و يحرم في حق المانع على خلاف ما ذكره في بعض المسائل السابقة من الحرمة و فساد البيع استنادا الى ان العقد لا يتبعض أثره و ما ذكره هنا هو الحق كما عرفت سابقا

[الثاني مما لا يقصد من وجوده إلا الحرام آلات القمار]

قوله و منها الات القمار بأنواعه بلا خلاف ظاهرا و يدل عليه جميع ما تقدم في هياكل للعبادة

اعلم ان الآلات التي يقامر بها قسمان أحدهما ما هو معدّ لذلك كالشطرنج و نحوه و الثاني ما ليس معدّا لذلك كالبيض و الجوز و الذي حكم بحرمة بيعه و جواز إتلافه انما هو القسم الأول دون القسم الثاني فلا يحرم بيعه و لا يجب إتلافه بل يحرم إتلافه فيقتصر على نهى الفاعل عن اللعب به متدرجا في النهى على الوجه المقرر

54

في محله و في المستند ان التحقيق ان الإجماع الذي هو أحد الأدلة تحققه فيما يقصد كثيرا فيه المنفعة المحللة و شاعت فيه هذه كالجوز و الدف غير معلوم و انجبار الاخبار الغير المعتبرة بالنسبة إليه غير ثابت (أيضا) و دلالة المعتبرة فيها على إطلاق الحرمة و حرمة المطلق حتى ما شاعت فيه بهذا القصد غير واضحة بل الإجماع على خلافه في الجملة واضح كما في الجواز فالجواز بهذا القصد فيما شاع فيه ذلك أظهر و اما ما لا يقصد منه ذلك الا نادرا فان قلنا بخروجه عن تلك المطلقات للندور جرى مثله في مطلقات التملك و البيع (أيضا) فيخرج منهما جميعا فلا يكون بيعه صحيحا الا ان (الظاهر) انه لا يكون بذلك القصد محرما فتأمل انتهى و لعلّه أشار بالأمر بالتأمل إلى ان الحرمة التشريعية ملازمة مع العلم بعدم صحة البيع تنبيه ذكر في المستند ما صورته و لو كسر بحيث يخرج عن الاسم جاز البيع قطعا ثم قال و كما يحرم بيع هذه الأشياء يحرم عملها (مطلقا) بلا خلاف بين علمائنا في ذلك كما في المنتهى للاية و المرويين في تحف العقول و الفصول المهمة و يحرم ايضا اتخاذها و اقتناؤها كما صرّح به في التذكرة للاية و المرويين مضافا في خصوص الشطرنج إلى المروي في المستطرفات و رواية الحسين بن عمر المتقدمة في المسكر و في الجميع إلى الرضوي من أبقى في بيته طنبورا أو عودا أو شيئا من الملاهي من المعرفة و الشطرنج و أشباهه أربعين يوما فقد باء بغضب من اللّه فان مات في أربعين مات فاجرا فاسقا و مأواه النار و بئس المصير و الكلام في الاقتناء للمنفعة المحللة يظهر مما مر انتهى

قوله ان أراد بزوال الصّفة زوال الهيئة فلا ينبغي الإشكال في الجواز و لا ينبغي جعله محللا للخلاف بين العلامة (رحمه الله) و الأكثر

لم يذكر معادل هذه الجملة الشرطية الظاهرة في بيان أحد طرفي الشك و (الظاهر) ان الطرف الأخر الذي من شأنه أن يذكر معادلا هو ان يكون المراد بزوال الصفة زوال كون الإله آلة قمار مع بقائها على هيئتها مثلا بان يهجر استعمال تلك الإله في القمار بين أربابه فتخرج عن كونها إله قمار من هذه الجهة

[الثالث مما لا يقصد من وجوده إلا الحرام آلات اللهو]

قوله و حيث ان المراد بآلات اللهو ما أعد له توقف على تعيين معنى اللهو و حرمة مطلق اللهو الا ان المطلوب منه ما كان من جنس المزامير و الات الأغاني و من جنس الطبول

الأغاني جمع الاغنية كالاثغيّة و يخفف و هي كما في بعض كتب اللغة نوع من الغناء و المراد بآلات الأغاني هنا ما يراد بها أصواتها الملهية و توضيح مراده (رحمه الله) هو انه لما كان المراد بآلات اللهو ما أعد له بحكم الإضافة توقف الحكم بتحريم بيع الات اللهو على معرفة اللهو من جهة ان قوام الحكم بالموضوع الذي هو في المقام مقيد بالمضاف اليه فيتوقف معرفته على معرفة القيد و يتوقف تحقق معرفة الحكم بهذا الاعتبار على معرفة القيد كما يتوقف نفس تحققه على حرمة القيد الذي هو مطلق اللهو و لكن لما كان المقصود بآلات اللهو هنا خصوص ما ذكره لم يبق حاجة الى تحقيق الأمرين هنا بحصول؟؟؟ العلم بالموضوع و كون استعماله حراما و ان كان يتعرض لتحقيق معنى اللهو و حرمته في محله

[الرابع مما لا يقصد من وجوده إلا الحرام أواني الذهب و الفضة]

قوله و منها أواني الذهب و الفضة إذا قلنا بتحريم اقتنائها و قصد المعاوضة على مجموع الهيئة و المادة لا المادة فقط

المراد باقتنائها مطلق تحصيلها لغير الاستعمال كالادّخار و القصد إلى انه مال قريب الوصول الى البيع و المعاوضة بما يحتاج اليه عند الحاجة و نحو ذلك و قد وقع الخلاف في ذلك فعن الأكثر القول بالمنع بل نسب إلى الشهرة في كلام جماعة قال المحقق (رحمه الله) و في جواز اتخاذها لغير الاستعمال تردد و الأظهر المنع و قال الشهيد الثاني (رحمه الله) في شرحه هذا هو المشهور و لا فرق في ذلك بين اتخاذها للقنية أو تزيين المجالس أو لغيرهما انتهى و مثله في النسبة إلى الشهرة كلام صاحب (المدارك) و حكى عن ابن إدريس (رحمه الله) و العلامة (رحمه الله) في (المختلف) و بعض المتأخرين القول بالجواز و قواه (المصنف) (رحمه الله) في كتاب الطهارة و حكى عن ظاهر الخلاف قول ثالث و هو انه يكره استعمال أواني الذّهب و الفضة و اوله بعضهم بإرادة الحرمة حجة القول الأول رواية ابن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) و في سندها سهل و امره سهل نهى عن آنية الذهب و الفضة و قال (المصنف) (رحمه الله) في كتاب الطهارة نقلا عن الوسائل انه روى هذا الخبر في المحاسن عن ابن محبوب عن العلاء عن ابن مسلم ثم قال فالسند صحيح و رواية موسى بن بكر آنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يؤمنون حجة القول الثّاني الأصل بعد قصور دلالة الروايات لأن النهي ينصرف الى الاستعمال لا الى مطلق الاتخاذ بل ربما يخص بالاستعمالات المتعارفة و هي في كل شيء بحسبه و ان المتاع في الرواية الثانية لا يصدق الا على المتخذ لأجل الاستعمال فان المتاع و ان كان اسما لما يتمتع به الّا ان التمتع استعمالها لا مجرد اتخاذها إظهارا للثروة و التذاذا بوجدانها و هذا هو الأقوى و ينبغي ان يعلم ان الخلاف في حرمة اقتنائها و جوازه انما هو بعد الفراغ عن حرمة استعمالها (مطلقا) في الأكل و الشرب أو غيرهما مما يليق بالآنية من الاستعمال و إذ قد عرفت ذلك فاعلم انه على ما اخترناه لا إشكال في جواز بيعها و شرائها لا للاستعمال سواء اتخذت للذخر أم للزينة أم لغيرهما مما لا يعد استعمالا للانية ضرورة اباحة بعض غاياته فلا يحرم المعاوضة عليها للغاية المباحة و اما على القول بحرمة اتخاذها فتصير الانية من قبيل ما يحرم لتحريم ما قصد به لان المفروض حرمة جميع ما يمكن ان يكون منفعة لها حتى مجرد تزيين المجلس بها و القنية فتحرّم لتحريم غايتها و (حينئذ) فإن قصد المعاوضة على مجرد المادة لم تحرم على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في هياكل العبادة من المبنى و ان قصد المعاوضة على مجموع المادة و الهيئة حرمت هذا و قال في (المسالك) و هل الحكم في أواني الذهب و الفضة (كذلك) يحتمله بناء على تحريم عملها و الانتفاع بها في الأكل و الشّرب و عدمه لجواز اقتنائها للادخار و تزيين المجلس و الانتفاع بها في غير الأكل و الشرب و هي منافع مقصودة و في تحريم عملها (مطلقا) نظر انتهى و أورد عليه بان القول بتحريم العمل (مطلقا) مع تحريم خصوص الانتفاع لا قائل به مضافا الى ان احتمال العدم لجواز اقتنائها للادخار يقتضي انه يحتمل ثبوت الحكم ايضا و لا معنى لذلك بل يتعين ثبوت الحكم بناء على تحريم عملها و الانتفاع بها و يتعين انتفاء الحكم بناء على جواز عملها و اقتنائها و عندي ان هذا الإيراد ممّا لا مساس له بكلامه (رحمه الله) لأنه (رحمه الله) أراد ذكر الاحتمالين على القول بحرمة استعمالها في الأكل و الشرب و غيرهما و حرمة اتخاذها لذلك دون القول بحرمة مطلق عملها و اتخاذها و لو لغير الاستعمال كالقنية لكونه غير مرضى عنده و لهذا قال في أخر كلامه و في تحريم عملها (مطلقا) نظر و (حينئذ) نقول في توضيح مراده (رحمه الله) انه اثبت جريان الاحتمالين في نفس ثبوت الحكم و عدمه نظرا الى ان هذا القول مشتمل على جهتين إحديهما تحريم عملها للانتفاع بها في الاستعمال في الأكل و الشرب و غيرهما و تحريم نفس الانتفاع المذكور و الثانية عدم تحريم اقتنائها فإذا نظرنا إلى الأولى جاء احتمال ثبوت الحكم و إذا نظرنا إلى الثانية جاء احتمال عدمه فقوله بناء على تحريم عملها بمنزلة ان يقال نظرا الى تحريم عملها لانه تقييد بمنزلة ان يقال على تقدير تحريم عملها يحتمل ثبوت الحكم حتى يقال انه على هذا يصير المؤدى انه على تقدير عملها يحتمل عدم الحكم ايضا و كذا قوله لجواز بيان لمدرك احتمال عدم ثبوت الحكم يعنى انه انما يسري هذا الاحتمال بالنظر الى جواز اقتنائها من

جهة أنه منفعة محللة مقصودة و قد علم من هذا البيان ان قوله بناء على تحريم عملها ليس المراد به تحريم انه عملها (مطلقا) بل عملها للانتفاع بها في الأكل و الشرب و لم يصرح بهذا القيد اعتمادا على عطف الانتفاع بها في الأكل و الشرب عليه فكل من مبنى ثبوت الحكم و عدمه جزء من مطلب القائل بأنه يحرم الانتفاع بها في الأكل و الشرب و غيرهما و اتخاذها لذلك و لا يحرم لغير الاستعمال كالقنية و تزيين المجالس بها فتدبر

[الخامس مما لا يقصد من وجوده إلا الحرام الدراهم المغشوشة]

قوله و في رواية

55

موسى بن بكر قطعه نصفين ثم قال ألقه في البالوعة لا يباع بما فيه غش

معنى قوله لا يباع بما فيه غش هو ان لا يوقع البيع بالشيء الذي فيه غش فالموصول كناية عن الدرهم المغشوش الذي يصير ثمنا و الاولى ان يقال انه ليس الباء هنا هي التي تدخل في حيز البيع على الثمن و انما هي للسببية المطلقة حتى تشمل الرواية بيع الدرهم بشيء من الأثمان مثلا هذا ثم اعلم ان بكر بفتح الباء و سكون الكاف بكير كما في نسخ معتمد عليها من الكافي و الوافي و الوسائل و متن الرواية كما في الكتب الثلاثة المذكورة عن موسى بن بكر قال كنا عند ابى الحسن (عليه السلام) و إذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر الى دينار فأخذه بيده ثم قطعه بنصفين ثمّ قال إلى ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش و على هذا (فالظاهر) ان ما في الكتاب سهو من النساخ ثم ان من المعلوم ان استدلال (المصنف) (رحمه الله) لهذه الرواية انّما هو يفعل المعصوم (عليه السلام) حيث كسر الدينار و امره (عليه السلام) بإلقائه في البالوعة أمر أخر يجيء الكلام عليه في مسئلة الغش إنشاء اللّه تعالى

قوله و لو وقعت المعاوضة عليها جهلا فتبين الحال لمن صار إليه فإن وقع عنوان المعاوضة على الدرهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك بسكة السلطان بطل البيع و ان وقعت المعاوضة على شخصه من دون عنوان (فالظاهر) صحة البيع مع خيار العيب إن كانت المادة مغشوشة و ان كان مجرد تفاوت السكة فهو خيار التدليس فتأمل

ليس مراده (رحمه الله) بالمعاوضة على الدرهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك بسكة السّلطان هو البيع بالدرهم الكلّي و الا لم يكن وجه لبطلان البيع و بيان ذلك ان وقوع المعاملة على أقسام أحدها ان يباع بالدّرهم الكلى كما ذكرنا فينصرف الى الصّحيح المسكوك بسكة السّلطان فان وقع المدفوع مطابقا له فهو و الا وجب إبداله و المعاوضة صحيحة الّا ان يقدما على فسخها ثانيها ان يباع بشيء خاص مشار إليه بالإشارة الحسية مقيد بأنه درهم مثلا فيقال بعتك بهذا الدرهم و معناه هذا الذي هو درهم و محصله بعد انصراف الدرهم الى المسكوك بسكة السّلطان ما يعبر عنه بقولنا بعتك بهذا الذي هو درهم مسكوك بسكة السّلطان فعند انتفاء الوصف المقيد الذي هو كونه مسكوكا بسكة السّلطان يبطل البيع لانتفاء العوض الخاص الذي وقع عليه العقد بانتفاء قيده المقوم له ثالثها ان يباع بشيء شخصي مشار إليه بالإشارة الحسية من دون تقييده و لا وصفه بكونه درهما فيقال بعتك بهذا و هذا هو الذي حكم فيه بصحة البيع مع خيار العيب ان كانت المادة مغشوشة و مع خيار التدليس ان كان هناك مجرد تفاوت السكة و أورد عليه بعض من تأخر بان ما أخذ قيدا للثمن أو المثمن ان كان مما يوجب انتفاؤه انتفاء الطبيعة رأسا أوجب انتفاؤه بطلان البيع كما لو قال بعتك بهذه الشاة فتبين انه غزال أو كلب و ان كان مما يوجب انتفاؤه مجرد انتفاء الوصف لم يوجب بطلان البيع بل وقع صحيحا غاية ما في الباب انه يثبت (حينئذ) خيار تخلف الوصف فلو قال بعتك بهذا العبد الصحيح ثم بان معيبا صحّ البيع و ثبت الخيار للبائع فإن المنتفى انما هو القيد و مجرد كون المبيع مقيدا لا يوجب بطلان البيع و كذا لو باعه حنطة بغداد فبان أنها حنطة الحلة أو باع شعيرا على انه شعير الرحبة فتبين انتفاء الوصف ثبت الخيار و لم يبطل أصل البيع و ما نحن فيه من هذا القبيل فان انتفاء كون الدّرهم مسكوكة بسكة السّلطان انما هو من قبيل انتفاء وصفه و ليس من قبيل انتفاء أصل الطبيعة و ان شئت قررت الإيراد بوجه أخر و هو ان يقال لا يخلو اما ان يكون انتفاء وصف كون الدرهم مسكوكا بسكة السلطان ممّا يوجب انتفاء أصل الطبيعة أم لا فعلى الأول لا وجه للحكم بصحة البيع مع ثبوت خيار العيب أو التدليس فيما لو وقعت المعاوضة على شخص الدرهم من دون عنوان ثم تبيّن انتفاء سكة السلطان عنه ضرورة ان الحكم بالصّحة و الخيار لا يجتمع مع انتفاء أصل طبيعة العوض و هو ظاهر و على الثاني لا وجه للحكم ببطلان البيع ضرورة ان انتفاء الوصف لا يوجب بطلان البيع و الا لزم بطلانه فيما لو قيد بوصف الصّحة بأن قال بعتك بهذا العبد الصّحيح فتبين كونه معيبا و لعل (المصنف) (رحمه الله) أشار الى ذلك بالأمر بالتأمل ثم انه حكى صاحب الجواهر (رحمه الله) عن شرح أستاده انه جعل مما نحن فيه يعنى مما يحرم لتحريم الغاية المقصودة به في جميع الأحكام المزبورة الدراهم الخارجية و بعض التغليطات في الجواهر و الأقمشة ثم استشكل فيه ثم قال نعم يشترك ذلك معه في كون الجميع مما يترتب عليه الفساد العام فيجب على سائر الناس دفع ما يندفع به ذلك بكسر و نحوه لا انّ المعاملة بعد الاخبار بحاله بحيث لم يبق غش منه فاسدة و ان الثمن المدفوع عنه حرام فتأمل جيد انتهى و لازم عدم فساد المعاملة عند انتفاء الغش انما هو ثبوت الخيار للمدلس عليه لا بطلان أصل المعاملة و المراد بالدراهم الخارجية ما لم يكن مسكوكا بسكة السلطان و مثلها الدراهم المغشوشة و لو كانت مسكوكة بسكة السّلطان لكن إذا كان بما يزيد على ما هو المتعارف في دار الضرب المعمولة للسلاطين و المراد بالتغليطات ما يقصد به تغليط الناس و تغريرهم بان يعمل بدل ليشبه على الناس فيباع مكان الأصل و هكذا

قوله كما لو جمع بين الخل و الخمر

تمثيل للإمضاء

القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة

قوله كالمعاوضة على الخمر مع قصدهما تخميره

هكذا في النسخ المتداولة و هو سهو من القلم الناسخ و الواجب العنب بدل الخمر

[المسألة الأولى بيع العنب على ان يعمل خمرا و الخشب على ان يعمل صنما.]

قوله بيع العنب على ان يعمل خمرا و الخشب على ان يعمل صنما أو إله لهو أو قمار و اجارة المساكين ليباع أو يحرز فيها الخمر

اعلم ان للمسئلة صورا لان ذلك العنوان المحرم اما ان يقع على وجه الاشتراط كما لو قال بعتك العنب بشرط ان تعمله خمرا أو بعتك الخشب على ان تعمله صنما أو أجرتك البيت بشرط ان تبيع فيه الخمر و اما ان يقع على وجه التواطي بان يتوافقا عليه قبل العقد فيوقعا العقد على ما تواطئا عليه و امّا ان يؤخذ غاية و هو على قسمين أحدهما ان يذكر في اللفظ كما لو قال بعتك لتعمله خمرا أو أجرتك البيت لتبيع فيه الخمر و ثانيهما ان لا يذكر في اللفظ بل يكون مأخوذا غاية بحسب قصد المتبايعين و هذا القسم هو الذي أفرده (المصنف) (رحمه الله) بالذكر في المسئلة الثالثة و تستفاد الصّور المذكورة من كلمات المتأخرين في الجملة قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) قالوا ان المحرم (حينئذ) هو الإجارة و الأجرة و البيع بشرط ان يذكر في العقد كونها لذلك بان يقول أجرتك البيت لان تبيع فيه الخمر هذا و هذا الكلام يعطي الحرمة في قسمين أحدهما ان يكون شرطا مذكورا في اللفظ و الثاني ان يكون غاية مذكورة كما يدل عليه ذكر اللام في قوله أجرتك البيت لان تبيع فيه الخمر و قال في الجواهر و اما حرمة التكسب في إجارة المساكن و السفن و نحوها للمحرمات و في بيع العنب مثلا ليعمل خمرا و بيع الخشب ليعمل صنما مثلا على وجه يبطل العقد معها فلا خلاف أجده فيها مع التصريح بالشّرطية أو الاتفاق عليها على وجه بنى العقد عليها بل عن مجمع البرهان نسبة الى ظاهر الأصحاب بل عن المنتهى دعوى الإجماع عليه كما عن (الخلاف) و الغنية الإجماع على عدم صحّة إجارة المسكن ليحرز فيه الخمر أو الدكان ليباع فيه بل عن الأول زيادة نسبة الى اخبار الفرقة أيضا بل قد يظهر من الأصحاب كون الحكم (كذلك) مع فرض القصد لذلك و ان لم يكن على جهة الشرطية بل انما كان على جهة الغائية هذا كلامه (رحمه الله) و يستفاد منه أقسام ثلاثة بل أربعة بناء على تعميم الشرطية بالنسبة إلى ذكر غاية في العقد و غيره فتدبر

قوله و كذا اجارة السفن و الحمولة

قال في المصباح الحمولة بالفتح البعير يحمل عليه و قد يستعمل في الفرس و البغل و الحمار و قد تطلق على جماعة الإبل انتهى

قوله و لا إشكال في فساد المعاملة فضلا عن حرمته و لا خلاف فيه و يدل عليه مضافا الى كونها اعانة على الإثم

لا يخفى ان الاستدلال انما هو للتحريم المقصود بالذات من عنوان هذه المسائل و الا فقد تقدم في كلامه (رحمه الله) ان كون المعاملة اعانة

56

على الإثم لا يقتضي بطلانها و اما تعبيره بقوله و لا إشكال في فساد المعاملة فلإفادة حكم التحريم بعبارة أبلغ و أكد من حيث ان الفساد الذي ليس بلازم للحرمة دائما و انه قد يقع الخلاف فيه بعد الاتفاق على التحريم قد صار مسلما هنا فتحريمه أولى بالإذعان و يدل على التحريم مضافا الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ما دل على وجوب النهى عن المنكر فإنه إذا وجب في صورة كون النهى رفعا وجب في صورة كونه دفعا بطريق اولى ثم انه قد حكى عن ابن المتوجه الحكم بالحرمة دون الفساد للأصل مع منع دلالة النواهي على الفساد و دفع بان خبر جابر صريح فيه مع فهم المانعية من غيره و لو بقرينة مضافا الى إعراض الأكثر عن العمومات المقتضية للصّحة هنا فلا مخرج عن الأصل الاولى الذي هو الفساد ثم ان هذا كله انما هو فيما لو كان القصد من جانبي البائع و المشترى و اما إذا كان القصد من أحدهما من دون علم الأخر و لا التفاته و لا اعلام القاصد إياه فلا دليل على الفساد إلا إذا فرض في بعض الصور دخوله في عنوان المعاونة على الإثم كما لو كان القصد من البائع و علم انه يعمل العنب مثلا خمرا

قوله ان الإلزام و الالتزام بصرف المبيع في المنفعة المحرمة الساقطة في نظر الشارع أكل و إيكال للمال بالباطل

أورد عليه بان صدق كونه أكل مال بالباطل موقوف على تحقق فساد المعاملة و عدم انتقال المال و الا فلا يكون أكل مال بالباطل بل على وجه الاستحقاق و المفروض ان المقصود إثبات الفساد بهذه الآية مع قطع النظر عن سائر الأدلة فإثباته بالآية يستلزم الدور

قوله خبر جابر قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يواجر بيته فيباع فيه الخمر قال حرام أجرته

وجه الدلالة انه إذا كانت الأجرة حراما كانت غير منتقلة عن مالكها الأول و ليس منشأ ذلك الإفساد المعاملة و هو يشمل جميع الصور المتقدمة فيدل على فسادها فيها لكن يبقى انه يشمل ما لو لم يكن هناك قصد أصلا فاتفق انه ترتب على تلك الإجارة بيع الخمر في البيت الموجر كما هو قضية كون الفاء للتعقيب و التفريع الا ان الأمر فيه هين لأنا نلتزم بخروج تلك الصّورة للأدلة الدالة على الانتفاء الحرمة و الى هذا أشار (المصنف) (رحمه الله) بقوله فإنه إما مقيد و يعلم بملاحظة ما ذكرنا من البيان ان الدلالة عليه بالفحوى انما هي إذا أريد بالخبر مجرد الترتب في الوجود الخارجي لكن مع علم به

قوله بناء على ان خبر جابر نص فيما نحن فيه و ظاهر في هذا عكس الصّحيحة يطرح ظاهر كل بنص الأخر فتأمل

أراد بما نحن فيه بيعه على ان يعمل خمرا و بالمشار اليه بلفظ هذا بيعه ممن يعلم انه يعمله خمرا و نصوصية خبر جابر فيما نحن فيه انما هو باعتبار كون الحكم المذكور فيه أعني الحرمة أولى كما ان الحكم المذكور في الصّحيحة أعني نفى البأس اولى بصورة بيعه ممن يعلم انه يعمله خمرا من صورة بيعه على ان يعمله خمرا و ليس هذا من النصوصيّة و الظهور باعتبار دلالة اللفظ و لعله الى هذا أشار بالأمر بالتأمل

قوله و رواية عمرو بن الحريث عن التوت أبيعه ممن يصنع الصليب و الصنم قال لا

قال في الوافي عن السّراد عن ابان عن عيسى القمي عن عمرو بن حريث قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بيع التوز أبيعه يصنع به الصّليب و الصّنم قال لا ثم قال بيان التوز بضم التاء المثناة الفوقانية و الزاي شجر يصنع به القوس و في التهذيب أ نبيعه بدل أبيعه و بدون لفظة بيع و هو أظهر انتهى ما في الوافي و في نسخة من الوسائل مصححة قد أخذت من خط المؤلف ما لفظه و بإسناده يعني محمّد بن الحسن عن الحسن بن محبوب عن ابان بن عيسى القمي عن عمرو بن حريث قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب و الصّنم قال لا انتهى فقد وقع فيه لفظ التوت بالتاء المثناة الفوقانية في أخر الكلمة مضافا الى تغيير ما في الحديث و لكن ليس في لفظ التوت ايضا منافرة للمعنى المقصود بالخبر على ما فسره بعض أهل اللغة قال في المصباح التوت الفرصاد و عن أهل البصرة التوت هو الفاكهة و شجرته الفرصاد و هذا هو المعروف و ربما قيل توث بالثاء المثلثة أخيرا قال الأزهري و كأنه فارسي و العرب تقوله تبائين و رد الثاء المثلثة قاله ابن السكيت و جماعة انتهى

قوله و من ذلك يظهر انه لا يبنى فساد هذا العقد على كون الشرط الفاسد مفسدا بل الأظهر فساده و ان لم نقل بإفساد الشرط الفاسد

(انتهى) أورد عليه بأنه بعد فرض كون الشرط الفاسد غير مفسد كما هو مذهبه (رحمه الله) لا وجه لدعوى كون هذا الشرط الفاسد بخصوصه مفسدا و لا مرجح له من بين الشروط و لا يخفى على من تأمل في كلامه (رحمه الله) سقوط هذا الإيراد لأنه ناظر الى التعليل المذكور في كلامه بقوله لان حصر الانتفاع بالمبيع في الحرام يوجب كون الثمن بإزائه أكلا للمال بالباطل فتأمل

[المسألة الثالثة يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله خمرا]

قوله اما لو لم يقصد ذلك فالأكثر على عدم التحريم

قال المحقق في (الشرائع) و يكره بيع ذلك لمن يعملهما يعنى يعمل الخمر و الصنم و ظاهره هو انتفاء التحريم و ثبوت الكراهة مع العلم بأن المشتري يعمل العنب خمرا أو يعمل الخشب صنما فضلا عن الظن به فضلا عن مجرد احتماله عادة كما نص عليه كثير منهم بل نسب الى المشهور و الى رواية أصحابنا و مقابل قول الأكثر ما حكى عن (المبسوط) و (المختلف) من القول بالحرمة و وافقهما في (المسالك) فقال فلو باعها ممن يعملها بدون الشرط فان لم يعلم انه يعملها (كذلك) لم يحرم على الأقوى و ان علم انه يعملها ففي تحريمه وجهان أجودهما ذلك و (الظاهر) ان غلبة الظن (كذلك) و عليه تنزل الأخبار المختلفة ظاهرا انتهى و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و لكن في الجواز تأمل إذا علم أو ظن بعمل المبيع خمرا فإنه معاونة على الإثم و العدوان و هو محرم بالعقل و النقل كما مر و يمكن حملها يعني أخبار الجواز على وهم البائع ان المشترى يعمل هذا المبيع خمرا لكونه ممن يجعله خمرا أو يكون الضمير راجعا الى مطلق العصير و لا صراحة في الاخبار ببيعه ممن يعلم انه يجعل هذا المبيع خمرا بل لا يعلم فتوى المجوز على ذلك و بالجملة (الظاهر) التحريم مع علمه يجعل هذا المبيع خمرا بل ظنه (أيضا) فتأمل انتهى و حجتهم على ذلك وجوه الأول إطلاق خبر جابر و مكاتبة ابن أذينة و رواية عمرو بن حريث قال بعض المتأخرين ان اختصاصها بموارد خاصة غير ضائر لعدم القول بالفصل الثاني كونه اعانة على الإثم المحرم كما عرفت في كلام المحقق المذكور الثالث لزوم النهى عن المنكر فإذا علمنا بأنه يعمل الخمر أو الصّنم مثلا وجب علينا زجره و منعه الرّابع انه قد أمر الشارع بإتلاف الخمر و كسر هياكل العبادة و الات اللهو و نحو ذلك من أسباب الفساد فيدلّ ذلك على ان التسبب لانتفائها و عدم وجودها من أوّل الأمر واجب فيكون التسبب لإيجادها حراما و هذا غير التمسك بحرمة الإعانة و غير لزوم النهى عن المنكر امّا انه غير الاولى فلان الملحوظ هنا ليس جهة نفى الإعانة بل الاستدلال على المطلوب من ثبوت الحكم الخاص من جانب الشارع و هو الإتلاف و بهذا يفترق عن النهى عن المنكر لان الاستدلال هناك انما هو بفحوى الحكم العام الشامل لكل منكر و هنا بخصوص الحكم بالإتلاف الثابت في الموضوع الذي هو محل البحث الخامس حكم العقل بقبحه مع العلم و حكمه بوجوب التوصل الى دفع المنكر مهما أمكن السّادس الخبر الدال على لعن شارب الخمر و عاصرها و غارسها و ان كان بحسب (الظاهر) لا يتجه لعن الغارس و نحوه لكنه محمول على صورة قصد الغارس الى التوصل الى الخمر و لو بان يكون المتوصل غيره و الجواب عن الأولين مذكور في كلام (المصنف) (رحمه الله) و أجيب عن الثالث بوجهين أحدهما انه قد يفقد بعض شرائطه كان لا يكون البائع قادرا على المنع من شرب الغير مثلا و قدرته على المنع من شراء العنب منه مثلا غير مجدية بعد عدم الانحصار فيه فيشترى ذلك من غيره فيشربه و لا دليل على تحريم البيع عليه في هذا الحال

57

ان لم يقم الدليل على عدمه ثانيهما انه على تقدير وجود الشرائط و انحصار البائع فيه لا يجب تعجيز من يعلم انه سيهمّ بالمعصية إذا لم يقم عليه دليل و الذي قام عليه الدليل و ثبت عقلا و نقلا انما هو وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها بحيث لو لا الردع لفعلها أو استمر عليها و ما نحن فيه انما هو من قبيل الأول دون الثاني فلا مانع من ان يقال انه يجوز البيع لكن لما صار الحال الى ان همّ بالمعصية التي هي شرب الخمر مثلا وجب النهى عن المنكر فليس المقام من قبيل النهى عن المنكر حتى يجيء فيه أدلته الا انه قد يدعى انه اولى منه بذلك لان دفع المنكر من أصله أولى من رفعه بعد إمكانه عادة و لا أقل من مساواته له عقلا و نقلا كما صار اليه بعضهم و لكنه محل نظر ان لم يندرج في النهي عن المنكر و عن الرّابع بأنه منصوص عليه من جانب الشارع بخصوصه فلا يتعدى الى غيره و عن الخامس بأنه ممنوع و عن السّادس بأن غاية ما يأتي منه هو دلالته بالالتزام على حرمة بيع العنب ممن يعمله خمرا و بعد صراحة النصوص المعتبرة في جواز البيع منه لا إشكال في إلغاء الدلالة الالتزامية لأنها تكشف عن عدم ارادة اللازم

قوله الى غير ذلك مما هو دونهما في الظهور

أراد (رحمه الله) بما دونهما في الظهور غير ما يشهد بالجمع بين الاخبار بحمل ما دل منها على المنع على الكراهية كما لا يخفى على من تدبر و ذلك كصحيحة البزنطي عن ابى الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن فقال (عليه السلام) لو باع تمرته ممن يعلم انه يجعله حراما أو خمرا كما عن التهذيب لم يكن بذلك بأس و اما إذا كان عصيرا فلا يباع الا بالنقد و خبر يزيد بن خليفة الحارثي عن الصّادق (عليه السلام) قال سئله رجل و انا حاضر قال ان لي الكرم فأبيعه عنبا قال فإنه يشتريه من يجعله خمرا قال بعه إذا كان عصيرا قال انه يشتريه منى عصيرا فيجعله خمرا في قريتي قال بعته حلالا فجعله حراما فأبعده اللّه و كون هاتين الروايتين دون ما ذكره (رحمه الله) من الاخبار غير خفي على من لاحظ مساقها

قوله منها خبر ابن أذينة قال كتبت الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن رجل له كرم يبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا أو مسكرا فقال انما باعه حلالا في الإبان الّذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه

قال في الوافي السّكر محركة يقال للخمر و النبيذ يتخذ من التمر و لكل مسكر انتهى و قال في مجمع البحرين ابّان الشيء بالكسر و التشديد وقته يقال كل الفواكه في إبّانها انتهى و معلوم ان أكله إشارة إلى اكله و هو عنب و شربه إشارة إلى شرب عصيرة

قوله لشهادة غير واحد من الاخبار على الكراهة كما افتى به جماعة و يشهد له رواية رفاعة عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا قال بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الى و لا ارى به بأسا

لم أجد في الاخبار ما يدل على الكراهة مما عدا ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) الا ان يتمسك بما ذكره بعضهم من ان ما غبر عنه بأنه لا بأس فيه ففيه بأس لكن لا يفيد في توجيه كلام (المصنف) (رحمه الله) لان خبر ابن أذينة الذي استند اليه مشتمل على نفى البأس هذا و ليست الرواية التي ذكرها رواية رفاعة ففي الوسائل مسندا عن رفاعة بن موسى قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره قال حلال ا لسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا و فيها بعد هذه الرواية بلا فصل مسندا عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا فقال بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الى و لا أرى بالأول بأسا و لعله لذلك اشتبه الأمر عند النقل ثم انّه ربما يورد على هذا الجمع بأنه لا يتم في خبر جابر لعدم قابليته للحمل على الكراهة لما عرفت من الحكم فيه بحرمة الأجرة و اين هي من الكراهة إذ ليست الا لبيان حكم وضعي ملازم للحرمة بل الفساد مضافا الى انه لا وجه لتعيين التصرف في الاخبار المانعة مع إمكان توجيه التصرف و الحمل الى اخبار الجواز ايضا فقد ذكر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من الوجوه التي يمكن حملها عليها أمرين قد عرفت الإشارة إليهما أحدهما و هم البائع ان المشترى يعمل هذا المبيع خمرا لكونه ممن يجعله خمرا و ثانيهما ان يكون الضمير راجعا الى مطلق العصير و زاد غيره ثالثا و هو احتمال جعل الخمر في خبر ابن أذينة للتخليل أو الجبر عليه و رابعا و هو حمله على كونه لأهل الذمة الذين لهم ان يفعلوا ذلك و خامسا و هو حمله على عدم العلم بجعله خمرا فالأولى ان يقال ان اخبار المنع لا تقاوم اخبار الجواز لكثرتها و قوة أسانيدها و ظهور دلالتها بل صراحة بعضها في المطلب كما اعترف به صاحب الرياض (رحمه الله) مع استشكاله في الجواز مع الكراهة مضافا الى تأيدها بالشهرة و السيرة لقيامها من المسلمين على المعاملة مع الملوك و الأمراء فيما يعلمون صرفه في تقوية الجند و العساكر المساعدين لهم على الظلم و الباطل و اجارة الدور و المساكن و المراكب لهم لذلك و بيع المطاعم و المشارب على الكفار و الفجار في نهار رمضان مع علمهم بأكلهم فيه و بيعهم بساتين العنب منهم مع العلم العادي بجعل بعضه خمرا و بيع القرطاس منهم مع العلم بان منه ما يتخذ كتاب ضلال و على هذا ان شئت فقل ان اخبار المنع مطروحة و ان شئت فقل بحمل بعضها على الكراهة و بعضها على صورة اعتباره غاية في نظرهما و لو بان يكون غاية في نظر المشتري بالأصالة و في نظر البائع بالتبع حيث بذل المشتري أزيد من غيره أو لم يتفق مشتر غيره فباعه منه لرضاه بفعله و ليجعله خمرا و ان لم يكن قاصدا الى ذلك بالأصالة و هذا يتفق كثيرا و مثله الحال في إجارة البيت ليباع فيه الخمر و بيع الخشب ليعمل صنما و يمكن فرض الغاية في غير ذلك كما لو فرض انه لا يسهل له شراء الخمر من غير بيته فيواجره ليباع فيه الخمر ليسهل عليه الشراء أو انه لا يتمكن من عمل الخمر بنفسه فيبيعه ليعمله خمرا فيتمكن من الوصول اليه الا ان أمثال ذلك بعيدة عن مساق الاخبار و الوجه هو الأول و إذ قد عرفت ذلك علمت من تعدد وجوه الحمل ان لك ان تحمل كلا من الاخبار على ما يليق به و لا يلزم حمل الجميع على محمل واحد و قد يقال بحمل خبر جابر على شدة الكراهة بأن يجعل حرمة الأجرة كناية عن شدة الكراهة للمبالغة في شدتها حتى انها بلغت حدا يمكن معه ان يقال انه لا يصحّ المعاملة كما يقال بحمل مكاتبة ابن أذينة و رواية عمرو بن حريث على الكراهة و على هذين التقديرين لا يكون حرمة المعاملة مع الشرط أو الطواطى مدلولا عليها بالاخبار فيكون الدليل عليها هو الإجماع دون الاخبار و لا ضير في ذلك و قد يقال ان اخبار الجواز موافقة للتقية لكون زمان الباقر و الصادق (عليهم السلام) زمان الخلفاء المدمنين لشرب الخمر و شيوع ذلك بين أعوانهم و لهذا لا نجد خبرا مانعا في مسئلة بيع العنب ممن يعلم انه يعمله خمرا فيصير ذلك سببا لرجحان اخبار المنع عليها و فيه مضافا الى النقض بخبر جابر في المنع عن اجارة البيت لمن يبيع فيه الخمر و هو مشارك لبيع العنب ممن يعلم انه يعمله

خمرا فيما ذكره من المانع ان ذلك مجرد احتمال ضعيف غير مجد في مقابلة الأخبار المجوزة الكثيرة المؤيدة بالمؤيدات المعتبرة التي تقدم ذكرها

قوله و قد يستشكل في صدق الإعانة بل يمنع حيث لم يقع القصد الى وقوع الفعل من المعان بناء على ان الإعانة هي فعل بعض مقدمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا (مطلقا)

لا يخفى ان كلامه يعم ما لو حصل التوصل و ما لو لم يحصل و ان حرمة إيجاد المقدمة لفعل الغير المحرم ليست غيرية و انما هي نفسية مدلول عليها بآية النهى عن المعاونة و قد صرح بذلك بعض المحققين في مقدّمة فعل نفسه المحرم حيث قال لو قصد بفعل المقدمة التوصل الى الحرام كان محرما لقيام الدليل على تحريم الأفعال التي يقصد بها المحرمات و هو (حينئذ) حرام نفسي فلا ربط له بالمقام و لا فرق اذن بين ما حصل التوصل بها الى الحرام أم لا انتهى فهو (رحمه الله) بيّن في كلامه هذا أمرين أحدهما ان حرمة هذا القسم من المقدمة ليست غيرية و انما هي نفسية مدلول عليها بالأدلة و (الظاهر) انه أشار الى ما دل على حرمة المعاونة على الإثم فإنها و ان كانت بمنطوقها تفيد إيجاد مقدمات فعل الغير الا انها

58

بفحويها تعطى حرمة مقدمات فعل نفسه أيضا لأنه إذا حرم إيجاد المقدمة لغيره فايجادها لارتكاب الحرام بنفسه أولى بالحرمة و هذا حق فانا لو قلنا بعدم حرمة مقدمة الحرام لوجب علينا الالتزام بحرمة هذا النوع الذي يصدق عليها المعاونة لقيام دليل خاص عليها و هو قوله تعالى وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ و ثانيهما انه لا يعتبر في حرمة المقدمة التي اتى بها بقصد الوصول الى الحرام فعلية التوصل و تحققه و هو (كذلك) في المقامين اعنى ما لو كان المقدمة مقدّمة لفعل نفسه و ما لو كان مقدّمة لفعل غيره و يعتبر عن إيجادها بالمعاونة بل نقول انا لو اعتبرنا فعلية التوصل في الأول فلا نعتبره في الثاني و ان كان قد وقع الخلاف فيه فذهب جماعة الى أن الإعانة عبارة عن إيجاد مقدمة فعل تغير و لو من دون قصد و شعور بما يترتب عليه و ذهب اخرون إلى انّه قد اعتبر في مفهوم المعاونة القصد الى ترتب الفعل المعان عليه و ذهب ثالث الى اعتبار القصد و زيادة و هي وقوع المعان عليه في الخارج و بعبارة أخرى انضمام ذي المقدمة الذي هو فعل الغير في الوجود الخارجي الى ما قصد الوصول به اليه و هذا هو الذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن بعض معاصريه و هو الفاضل النراقي (رحمه الله) في العوائد فهو يعتبر في تحقق مفهوم الإعانة بهذا الفعل انضمام ذي المقدمة إليه في الوجود الخارجي و حكى (المصنف) (رحمه الله) عنه (رحمه الله) انه يلتزم بعقابين عند وقوع الفعل المعان عليه أحدهما للتجري قبل وقوع المعان عليه و الأخر لتحقق الإعانة عند وقوع المعان عليه و ذهب رابع الى اعتبار أحد الأمرين من القصد الى ترتب المعان عليه و صدق الإعانة عرفا و هو الذي حكاه عن المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و استحسنه من حيث انه لم يعلق صدق الإعانة على القصد و لا أطلق القول بصدقه بدونه بل علقه بالقصد و بالصدق العرفي و ان لم يكن قصد الا انه (رحمه الله) فصل بين ما لو كان الفعل اعانة على المقدمة المشتركة بين الحرام و غيره و بين ما لو كان اعانة على ما هو علة تامة للحرام من دون مشارك له في العلية فحكم بالحرمة في الثاني دون الأوّل و جعل من قبيل الأول بيع العنب ممن يعلم انه يعمله خمرا لان البيع اعانة على الشراء الّذي هو مقدمة مشتركة بين جعله خمرا و غيره و ليس اعانة على نفس التخمير و أورد عليه بعض من تأخر بان الإعانة لا تدور الا مدار القصد الى حصول مقصود الغير و ضم حكم العرف بكونه اعانة من غير قصد لا وجه له إذ لا بد في حكم أهل العرف ايضا من معيار مركوز في أذهانهم يطلقون عليه المعاونة و الا فاللفظ لا يستعمل في شيء مجهول لا معيار و لا مناط له في أنظار المستعملين و امّا ما ذكره من مثال طلب الظالم العصي من شخص لضرب مظلوم فان ذلك و أمثاله (أيضا) داخلة فيما اقترن بالقصد فإن إعطاء ذلك الشخص انما يصير اعانة عند القصد و لما كان المقام بنوعه مما يقترن بالقصد ترى أهل العرف يكتفون في توجيه الدم اليه بمجرد مشاهدة الإعطاء و الا فلو اعتذر بالغفلة و عدم الالتفات الى غرضه الذي هو ضرب المظلوم لم يحكموا عليه بصدور الإعانة منه و تقاعدوا عن توجيه الذم و اللوم اليه فما ارتضاه المحقق المذكور (رحمه الله) و (المصنف) (رحمه الله) من جعل حكم العرف بكونه اعانة معيارا أخر في مقابلة القصد إلى إيجاد مقدمة فعل الغير ليتوصل الى ما يريده من المحرم لا وجه له أقول هذا الكلام وجيه في حد ذاته و لكن الذي أراه هو عدم صدق الإعانة إلا مع وقوع المعان عليه و ان شئت صدق المقال فلاحظ حال من قصد قتل غيره ثم ان شخصا ثالثا هيأ له جميع المقدمات القتل الى ان حضر وقت الشروع فندم مريد القتل و اعرض عنه فهل تجد من نفسك الرخصة في ان تقول ان أهل العرف يقولون ان فلانا أعان فلانا على قتل غيره أو ان غير العرب من أهل سائر الألسنة يطلقون ما هو ترجمة الإعانة في لغتهم على تهيئة المقدمات في الفرض المذكور فما تراه من إيجاد المقدمات ليس اعانة و انما يتخيل المطلع عليه انه إعانة بزعم ان ذا المقدمة يقترن به و لو كان منشأ زعمه مجرد العادة و تسارعه الى اعتقاد وقوع ذي المقدمة و امّا بعد الاطلاع على عدم وقوع ذي المقدمة فلا يقال انه أعانه عليه و انما يقال أراد إعانته عليه و

من نظر بعين البصيرة علم ان ما ذكرناه من الحق الذي لا مجال لمقابلته بالإنكار ثم ان بعض من تأخر دفع قول من قال باعتبار وقوع المعان عليه بانا لو فرضنا ان رجلين صنع كل منهما صلاحا لرجل ممن يريد التهجم على بيضة الإسلام من أهل الحرب ثم ان أحد المحاربين مضى الى الحرب و ترك الأخر فإنا نجد ان الصانعين متساويان في استحقاق الذم و اللوم و ان كان الفرق بينهما موجودا في العقاب من جهة ان الفعل الغير الاختياري لا يوجب العقاب لاستناده إلى أمر اختياري سابق عليه و لو كان وقوع المعان عليه شرطا كان اللازم اختصاص الصانع الذي مضى من صنع له السّلاح الى الحرب بالذم و ليس (كذلك) و أقول ان عدم استحقاق من لم يترتب على فعله وجود ذي المقدمة للعقاب مسلم لكن لا يلزم من ذلك عدم ترتب المعان عليه في صدق مفهوم الإعانة لأن ذلك من لوازم عدم القول بالعقاب على التجري بخصوصه و هذا كلام في معنى اللفظ و وضعه و شتّان ما بين المقامين و ما حكاه ذلك البعض في كلامه السّابق من التزام القائل باعتبار وقوع المعان عليه بعقابين انما هو من مصيره الى ثبوت العقاب على التجري فنحن نلتزم بعدم العقاب على التجري فنقول بعقاب واحد عند ترتب المعان عليه من جهة صدق الإعانة المنهي عنها و قبل ترتبه لا عقاب لانه ليس الا مجرد التجري و قد قلنا بأنه لا عقاب فالحاصل ان ترتب العقاب و عدم ترتبه لا دخل له بصدق مفهوم الإعانة على الإثم

قوله و يؤيده ما ذكروه من صدق الإعانة بدون القصد إطلاقها في غير واحد من الاخبار

اى استعمالها فإنها استعملت في معنى عار عن اعتبار القصد

قوله فلا يصدق على التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه انه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور

قال في المصباح عشرت المال عشرا من باب قتل و عشورا أخذت عشره و اسم الفاعل عاشر و عشار انتهى

قوله و لذا لو فرض ورود النهى عن معاونة هذا المشترى الخاص في جميع أموره أو في خصوص تملك العنب حرم بيع العنب عليه (مطلقا)

لا يخفى ما في شهادة ما استشهد به من الخفاء و كونه متفرعا على كون البيع إعانة بالنسبة إلى أصل تملك العنب و من المعلوم انه يعتبر في الشاهد كونه امرا واضحا مسلّما

قوله و البيع ليس اعانة عليه

اى على التجري لأن التجري انما يحصل هنا بالشراء المتلبس بقصد التخمير

قوله و توهم ان الفعل مقدمة له فيحرم الإعانة الفعل

عبارة عن الشراء و وجه التوهم ان الشراء الذي هو الفعل مقدمة للشراء بقصد التخمير باعتبار توقف المقيد على المطلق فيحرم الشراء المطلق بهذا الاعتبار و يصير البيع الذي هو اعانة عليه اعانة على المحرم

قوله مدفوع بأنه لم يوجد قصد إلى التجري حتى يحرم

يعنى انه لم يوجد من المشترى في الاقدام على الشراء إيجاده بقصد التجري حتى يكون الشراء من قبيل الإتيان بشرط الحرام توصلا اليه بعد تسليم حرمة التجري و قد عرفت ان في حرمة الإتيان بشرط الحرام توصلا فحاصل ما ذكره في رفع التوهم راجع الى الصّغرى بمعنى منع كونه من قبيل شرط الحرام المأتي به توصلا الى الحرام بعد تسليم حرمة التجري و ان كان المنع الذي ذكره بالنسبة إلى حرمة الشراء بقصد التخمير من قبيل منع الكبرى أعني حرمة الشرط المأتي للتوصل به الى الحرام و ان كان أصل كونه شرطا مأتيا به توصلا الى الحرام مسلما

قوله و الا لزم التسلسل

ظاهره انه لو كان الإتيان بالشراء بقصد إيجاد الإتيان بالشراء بقصد التخمير لزم التسلسل و هذا غير سديد لان مجرد وقوع فعل الشراء بقصد إيجاد الشراء المقصود به حصول الشراء بقصد التخمير لا يستلزم التسلسل ضرورة عدم لزومه الا بدعوى

59

التوقف على ما لا نهاية له و توجيهه ان يقال انه إذا منع إتيان الشراء بقصد تحصيل الشراء بقصد التخمير فلا طريق للمتوهم إلا بإثبات ان حصول كل ذي مقدمة موقوف على الإتيان بمقدمته بقصد التوصّل اليه و (حينئذ) يقال في دفعه ان ذلك مستلزم للتسلسل

قوله و من ذلك يعلم ما فيما تقدم عن حاشية الإرشاد من انه لو كان بيع العنب ممن يعمله خمرا اعانة لزم المنع عن معاملة أكثر الناس

و ذلك لما عرفت من ان الكلام انما هو في حرمة الإتيان بشرط الحرام توصلا اليه و ان المثبت للحرمة انّما يثبتها في خصوص الشرط المقيد بالقصد الى المشروط لا (مطلقا) و بيع العنب ممن يعمله خمرا اعانة على التملك الذي هو شرط التخمير المحرم بقصد الوصول اليه به و معاملات أكثر الناس ليست من قبيل الإعانة على شروط الحرام المأتي بها للوصول اليه

قوله ثم ان محل الكلام فيما يعد شرطا للمعصية الصّادرة عن الغير فما تقدم عن (المبسوط) من حرمة ترك بذل الطعام لخائف التلف مستندا الى قوله (عليه السلام) من أعان على قتل مسلم (إلخ) محل تأمل

لأنه ليس هناك شخص أخر قاصد الى قتل المسلم الجائع حتى يكون ترك خائف تلف ذلك المسلم لبذل الطعام من قبيل تحقيق مقدمة فعل الغير الذي هو محرم فليس هناك الا الترك المتحقق منه الذي هو بمنزلة السّبب لموته و لهذا استدرك تصحيح استدلال الشيخ (رحمه الله) بالحديث المذكور بإرادة الفحوى و تقريب ذلك انه إذا كان الإعانة على قتل المسلم الذي هي عبارة عن إيجاد المقدمة لفعل الغير الذي هو قتله محرمة فحرمة التسبب لموته بالطريق الاولى

قوله و لذا استدل في (المختلف) بعد حكاية ذلك عن الشيخ (رحمه الله) بوجوب حفظ النفس مع القدرة و عدم الضرر

يعنى لعدم تحقق فعل الغير هنا يكون فعل تارك بذل الطعام اعانة عليه و تسبب التارك بنفسه استدل بعد ذلك الاستدلال بوجوب حفظ النفس الذي لا يتم الا ببذل الطعام و يكون ترك بذله سببا لإتلاف النفس فينطبق الدليلان على مورد واحد

قوله و يشهد بذلك ما ورد من انه لو لا ان بنى أمية وجدوا من يجبى لهم الصّدقات

قال في المجمع يجبى لهم الفيء أي يجمع لهم الخراج و الجابي الذي يدور في الجبابة يقال جبيت الخراج جبايته و جبوته جباوة جمعته قاله الجوهري انتهى

قوله و هذا و ان دل بظاهره على حرمة بيع العنب و لو ممن يعلم انه سيجعله خمرا مع عدم قصد ذلك حين الشراء الا انه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم انّه سيهمّ بالمعصية و انما الثابت من النقل و العقل القاضي بوجوب اللطف وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها بحيث لو لا الردع لفعلها أو ستمر عليها

لا يخفى ما في هذا الكلام من الحزازة لأن عدم الدليل انما يصحّ التمسّك به فيما لم يقم على خلافه دليل فعلى هذا بعد تسليم ان ظاهر الرواية يعطى حرمة بيع العنب في الصّورة التي ذكرها لا يبقى مجال للتمسك بأنه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم انه سيهمّ بالمعصية و ان الثابت انما هو وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها نعم لو كان هناك دليل دال على عدم وجوب تعجيز من يعلم انه سيهمّ بالمعصية كان مقابلة ظاهر الرواية به وجيها فتدبر

قوله ثم ان الاستدلال المذكور

يعنى الاستدلال بوجوب رفع المنكر

قوله فالذم فيه انما هو على إعانتهم بالأمور المذكورة في الرواية

يعنى على خصوص إعانتهم مع كونهم ظلمة بارتكاب أفعال هي بأنفسها من قبيل الظلم المحرم أو غيره مما هو محرم كالايتمام بالفاسق المعادي لحجة اللّه تعالى

قوله و ان علم أو ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك

اعتبار الظن هنا مع كونه من قبيل الموضوعات مبنى على كونه من قبيل الأمور المستقبلة التي باب العلم فيها منسد غالبا و قد استقر بناء العقلاء على العمل بالظن في مثل ذلك الا ترى ان التاجر ينفذ بضاعته الى البلاد البعيدة لظن السّلامة

قوله فعلم مما ذكرناه في هذا المقام ان فعل ما هو شرط للحرام الصادر من الغير

هذا بيان لحاصل جميع ما تقدم

قوله ثم كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة (فالظاهر) عدم فساد البيع لتعلق النهى بما هو خارج عن المعاملة اعنى الإعانة على الإثم أو المسامحة في الردع عنه

هذا الكلام إشارة الى ما هو من تنبيهات المسئلة فنقول انه على القول بالتحريم (مطلقا) أو في بعض صور التي ذكرها هل يحكم بفساد المعاملة أم لا وجهان فان كان مستند التحريم هو كون المعاملة في المفروض اعانة على الإثم أو كونها ناشئة من المسامحة في النهي عن المنكر و نحوهما فالوجه هو عدم فساد المعاملة بدلالة العمومات الناطقة بصحتها كعمومات صحة البيع و نحوها و ذلك لرجوع النهي (حينئذ) إلى أمر خارج عن العقد كالإعانة على الإثم و المسامحة في النهي عن المنكر و نحو ذلك و هو غير مفسد و ان كان مستنده خبر جابر و نحوه مما هو كالنص في الفساد فالوجه هو الحكم بالفساد و هذا القول قد يستظهر من بعضهم انه هو المشهور و قد يحكى دعوى الإجماع عليه من بعضهم و احتمل (المصنف) (رحمه الله) حقيقة هذا القول بناء على اشعار خبر تحف العقول بالفساد دون مجرد التحريم وحده من جهة اشارة سياقه الى ذلك ثم تأمل فيه نظرا الى ان لازم دلالة الخبر المذكور على الحكم بالفساد (حينئذ) هو انه إذا قصد المشترى وحده الفائدة المحرمة كالتخمير أو بيع الخمر في البيت أو حمل الخمر و نحو ذلك و لم يقصدها البائع و لم يعلم بقصد المشترى لزم الحكم بفساد البيع نظرا الى ان الفساد لا يتبعض فإذا فسد من جهة قصد المشترى الى الفائدة المحرمة فلا بد و ان يفسد البيع من أصله مع انهم صرحوا بعدم فساد البيع (حينئذ) فيكون ذلك شاهدا على عدم ارادة الفساد من التحريم في الخبر فيستكشف بذلك عن ان علم البائع لا اثر له في الفساد و (حينئذ) فيحكم في صورة اختصاص القصد بالمشتري بعدم فساد البيع (مطلقا) سواء علم البائع أم لم يعلم نظرا الى عدم العبرة بالعلم بمعنى عدم كونه مؤثرا في الفساد فان كنت لا تجترئ على الحكم بعدم الفساد (مطلقا) فلا أقل من إخراج صورة عدم علم البائع بقصد المشترى بخصوصها فتدبر ثم انه ينبغي تتميم البحث عن أصل المسئلة بالتنبيه على أمرين الأول انه قد حكى عن الشيخ (رحمه الله) في النهاية التفصيل بين الحمولات و المساكن و بين غيرها بنفي الحرمة في الأخير و إثباتها في سابقتيه قبل و هو غير ظاهر الوجه الّا بناء على الجمود على خبر جابر مع إلحاق الحمولة به و يتمسك بالأصل و النصوص في غيرهما الا انه في غير محله لضعف خبر جابر بل ظاهر كثير من العبارات كصريح بعضها عدم القول بالفصل بين الجميع و لعله (كذلك) الثاني انه على القول بالتحريم مع العلم بأن المشتري يريد بشرائه المنفعة المحرمة هل يحكم بالتحريم مع الظن به أيضا أم لا فيه خلاف بين أرباب القول المذكور فالذي ذهب اليه الشهيد الثاني و المحقق الأردبيلي (قدس سرّهما) هو الثاني فإن كان مبنيا على كون الظن طريقا فتوجه المنع إليه في الموضوعات الصرفة جلي و ان كان مبنيا على العمل بخبر جابر من حيث ان إطلاقه يشمل صورة علم الموجر و ظنه و انتفائهما و وقوع بيع الخمر في البيت اتفاقا خرج الأخير و بقي الباقي و الحق بإجارة البيت غيرها من المسائل المذكورة لعدم القول بالفصل فله وجه بعد العمل بالخبر المذكور و عدم القدح فيه سندا أو دلالة على حكم غير مورده أو من جهة وجود المعارض و كذا لو كان مبنيا على الاستناد في الحكم بالحرمة إلى حرمة المعاونة على الإثم كما وقع في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ان قلنا بصدق المعاونة مع الظن كما هو ظاهر كلامه (رحمه الله) حيث ذكر العلم و الظن و علل الحكم معهما بأنه معاونة على الإثم و بالجملة فهذا المسلك لا بأس به بعد طرح اخبار جواز بيع العنب ممن يعلم انه يعمله خمرا و الحكم بالحرمة لما عرفت بل قد يلحق بالظن مطلق الاحتمال لإطلاق خبر جابر الذي لم يخرج عنه الا صورة العلم بالعدم اللهم الا ان يخرج صورة الاحتمال بالإجماع على عدم الحاقه بالعلم كما في الرّياض من دعوى الإجماع على انتفاء

60

التحريم مع عدم الظن هذا و الذي حكى عن كثير من القائلين بالتحريم انما هو عدم إلحاق الظن بالعلم للأصل و هو مبنى على عدم الالتفات الى خبر جابر أو على عدم الاستناد اليه لضعفه و منع صدق المعاونة مع الظن القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا

[القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا]

قوله (عليه السلام) لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنتم في هدنة

قال في الوافي أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يعنى بعد وفاته و استقرار أمر الخلافة و يبيّنه قوله (عليه السلام) أنتم في هدنة أي في سكون و مصالحة انتهى

قوله قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلحك اللّه

قد يتوهم بعض من لا خبرة له بمواقع الاستعمالات ان الدعاء للمعصوم (عليه السلام) بمثل هذا الكلام ناشىء من جهل المتكلم إذ لم يكن جميع أموره الا صلاحا لا يشوبه شيء من الفساد كما هو مقتضى العصمة و لكنه خطاء إذ ليس المراد به الدعاء لإصلاح أمور الآخرة بناء على عدم حصول الصّلاح فيها و صدور خلاف العدل منه (عليه السلام) العياذ باللّه و الا لم يمكن مقابلة خلفاء الجور بمثل هذا الكلام و قد كان من المتعارف مواجهتهم بقولهم أصلح اللّه الأمير إذ لو كان المراد به إصلاح حاله بمعنى تغيير حاله عن الجور و الظلم الى العدل و السداد لم يتمكن أحد من التكلم به في محضرهم و انما المراد إصلاح أمور سلطنته كما كان المراد ذلك عند مقابلة الخلفاء به و هو واضح بيناه لرفع جهل الجاهلين كما هو الشأن في كثير مما نشرحه

قوله و صريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب بينهم و بين المسلمين بمعنى وجود المباينة في مقابل الهدنة و بهما يقيد المطلقات جوازا أو منعا

تحرير المسئلة انه هل يخص حرمة بيع السّلاح على أعداء الدين بحال المحاربة بالفعل أو يعمه و ما إذا كان بينهم و بين المسلمين مباينة بمعنى عدم المصالحة و ان لم يتحقق المحاربة بين الفريقين كما لو كانوا بانين عليها متهيئين لها و كذا لو لم يتهيأوا لها لكن كان بحيث يحذر كلّ من الفريقين الأخر لعدم الصّلح أو يعمهما و ما إذا لم يكن بينهم و بين المسلمين مباينة أصلا بأن كان الزمان زمان المصالحة بين الفريقين الوجه هو الأوسط و هو المحكي عن ابن إدريس (رحمه الله) و (مختصر النافع) و (المختلف) و (التحرير) و (الدروس) و هو الذي يعطيه ظاهر عبارة الشرائع حيث قال و كل ما يفضى الى مصاعدة على محرم كبيع السّلاح من أعداء الدين لان البيع حال المباينة من شأنه الإفضاء إلى المساعدة لنا على ما اخترناه مقابلة المباينة بالهدنة في رواية الحضرمي الموصوفة بالصّحة في المستند و الحسن في الجواهر المفيدة لكون المناط هو حال عدم الصّلح و ان لم يتحقق المحاربة بالفعل الا مجرد كون من يباع عليه من أعداء الدين و امّا قوله (عليه السلام) في رواية هند السراج فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك فهو ظاهر في وقوع الحرب بالفعل الا ان رواية الحضرمي أظهر من جهة تضمنها لفظ المبانية و مقابلتها بالهدنة خصوصا بملاحظة حكمة الحكم الذي هو الحرمة فيحمل (الظاهر) على الأظهر ثم يكون هو مقيد الإطلاق المطلقات الواردة في المقام جوازا و منعا و من هنا يصحّ ان يحمل مكاتبة الصّيقل اشتر السيوف و أبيعها من السّلطان أ جائز لي بيعها فكتب لا بأس على صورة عدم المبانية حيث لم يقيد فيها بقيد المباينة و لا يقيد فعلية الحرب و كذا صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) حيث انه غير مقيد بشيء من القيدين و كذا رواية وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلى (عليه السلام) المشتملة على أهل الحرب بان يقال ان المراد به من هو حربيّ ليس بينه و بين المسلمين صلح لا من هو محارب بالفعل و بهذا البيان يظهر ما في بعض ما وقع من (المصنف) (رحمه الله) في هذا المقام و ان كان مختاره هو ما اخترناه حيث فسر قيام الحرب بوجود المباينة في مقابل الهدنة و ذلك لان رواية هند السراج ليس صريحا بل ليس ظاهرا في مطلق المباينة بل هي ظاهره في فعلية الحرب فكيف يقول و صريح الروايتين الا ان يكون مراده (رحمه الله) ما ذكرناه بتقريب ان صريحهما بعد ضم إحديهما إلى الأخرى و يقيد بهما (حينئذ) سائر المطلقات لكنه في غاية البعد من عبارته

قوله مثل مكاتبة الصيقل

بيان للمطلقات الواردة في الجواز و المنع فالمكاتبة من قبيل ما دل على الجواز و ما بعدها من رواية على بن جعفر (عليه السلام) من قبيل ما دل على المنع لكن بالمفهوم و كذا الخبر الثالث اعنى ما في وصيته النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنه دل على المنع لكن بالمنطوق و (الظاهر) انه هو المراد بالبعض الذي يمكن دعوى ظهوره في التقييد بحال الحرب حيث انه (عليه السلام) عد من جملة العشرة بائع السلاح من أهل الحرب لا بايعه من مطلق الكفار أو أعداء الدّين و معلوم ان وصف أهل الحرب انّما يتحقق في حقهم إذا باشروا الحرب فيؤل الى بيعه في حال الحرب غاية ما هناك انّ المراد بالحرب هي المباينة بمعنى شأنية الحرب في مقابل الفعلية و هذا استعمال متعارف فيكتفون في إضافة أهل الحرب بالشّأنية و من هنا يظهر سقوط ما أورده بعض من تأخر على قوله مع إمكان دعوى ظهور بعضها في ذلك حيث قال ان دعوى ظهور الرّوايات الثلث في المباينة ليس في محله الّا ان يتكلّف في الأولى منها بان يقال ان المراد سلطان العامة و كان بينه و بين الامام (عليه السلام) صلح فلهذا اكتب (عليه السلام) في الجواب لا بأس لكن لا دلالة في اللفظ على ان النظر في نفى البأس الى هذا الذي ذكر فكيف يدعى الظهور و يقال في الأخيرة ان الظاهر من أهل الحرب ما يعم الذين لم يشتغلوا بالحرب مع وجود المباينة و الذين اشتغلوا

قوله فما عن حواشي الشهيد (رحمه الله) ان بيع السلاح حرام (مطلقا) في حال الحرب و الصّلح و الهدنة

(انتهى) و حكى إطلاق المنع عن جماعة منهم الشيخان و الديلمي و الحلبي و التذكرة و عن الشائع كما في المستند و في الجواهر انه ربما كان ظاهر المتن في وجه و استندوا في ذلك الى بعض النصوص كصحيحة على بن جعفر و خبر حماد بن انس في وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أورد (المصنف) (رحمه الله) على ما حكاه عن الشهيد (رحمه الله) أوّلا بأنه شبه الاجتهاد في مقابل النص لأنه أخذ بإطلاق ما أطلق فيه المنع و اعرض عن المقيد الذي هو نص في مقابل المطلق فالأخذ بالمطلق ليس اجتهادا لكنه في مقابل المقيد الذي أعرض عنه شبه الاجتهاد في مقابل النص و ثانيا بأن أصل دليله ضعيف لان مجرد بيع السلاح عليهم لا يستلزم تقويتهم (مطلقا) حتى في صورة الصّلح أو في صورة عدم قدرة الكافر على استعمال السّلاح أصلا لعدم معرفته بكيفية أو لعجزه و حكى في الجواهر عن بعضهم الاقتصار على اعتبار القصد و انه يحكم بحرمة البيع فيما لو قصد إعانتهم دون غيره و جعله الوجه الأخر في عبارة (الشرائع) و مستند هذا القول عدم صدق المعاونة في غير صورة القصد و لو مع قيام الحرب بالفعل و فيه ما عرفت الإشارة إليه من ان نصوص المسئلة ظاهرها شمول الحكم لما إذا لم يقصد البائع المعونة و المساعدة أصلا بل صريح مورد السؤال في روايتي الحكم و هند هو صورة عدم قصد ذلك فالقول باختصاص حرمة البيع بصورة قصد المساعدة ضعيف و حكى فيها (أيضا) قولا باعتبار قيام الحرب بالفعل و لعل مستنده ان ذلك ظاهر بعض الاخبار و بحمل المطلق على المقيد و قد عرفت في الاستدلال على ما اخترناه ما يدفع هذا القول و يوهن مستنده و حكى عن بعضهم اعتبار قيام الحرب و قصد المساعدة جميعا فإذا اجتمع الأمران حرم البيع و الا فلا حملا للنصوص على ذلك و لو لانه القدر المتيقن منها فيتمسك بالأصل و العمومات في غيره و فيه ان ذلك عدول عن ظواهر الاخبار و مقتضى الجميع بين مطلقها و مقيدها كما عرفت و ذهب صاحب الجواهر (رحمه الله) الى الحرمة مع أحد الأمرين من القصد و قيام الحرب قال (رحمه الله) و التحقيق ثبوتها بأحدهما اما مع القصد فلتحقق التعاون و امّا مع قيام الحرب فلما سمعته من النصوص التي يجب حمل إطلاق غيرها عليها و ربما علل (أيضا) بالإعانة و فيه منع صدقها مع عدم القصد خصوصا بعد كون المنهي عنه التعاون الظاهر في كون الفعل مقصودا للجميع و ان كلا منهم صار ظهيرا للآخر في وقوعه لا ان مجرد الاشتراك في شرائط وقوع الفعل يحقق الإعانة و الا لم يكن الاستقلال بالفعل من أحد ضرورة معلومية عدم كون الشرائط جميعا عنه و بذلك ظهر ان الحرمة في المقام مع عدم القصد انما هي من النصوص فالواجب (حينئذ) الاقتصار على خصوص المستفاد منها مع ملاحظة صلاحية الخبر باعتبار جمعه لشرائط الحجيّة و عدمها و لا يجوز التعدي إلى غيره كما وقع من بعضهم نعم

61

لا بأس بالتعدية فيما كان مدرك الحرمة فيه آية التعاون من الفرد الأخر و هو المشتمل على القصد ضرورة اشتراك الجميع في الصّدق بعد فرض ثبوت ما يحققه من القصد على الوجه الذي ذكرناه فلا فرق (حينئذ) بين السّلاح و غيره فيما يحصل به التعاون و لا بين المشركين و غيرهم و لا بين حال الهدنة و غيرها كما لا يخفى على من له ادنى نظر و تأمل و على كل حال فقد ظهر لك انه لا حرمة فيما لا تعاون فيه و لا هو مندرج في إطلاق النصوص المزبورة كبيع السّلاح و غيره عليهم في حال الهدنة مع عدم القصد و في حال الحرب بينهم و لو مع قصد اعانة بعضهم على بعض كما أومى إليه في الجملة خبر هند السّراج انتهى و قد أجاد (رحمه الله) في بيان مؤدى النصوص و انه لا يجوز التعدي عنها و ان حرمة المعاونة تدور مدار القصد و تسرى الى غير بيع السّلاح من الموارد بل يمكن ان يقال ان عقد المسئلة هنا لبيان مؤدى النصوص و بيان مقتضى حرمة المعاونة هنا و ان كان مطابقا للواقع الا انه خروج عما عقدت له المسئلة و كيف كان يبقى في المقام شيء و هو ان قوله خصوصا بعد كون المنهي عنه التعاون الظاهر في كون الفعل مقصودا للجميع و ان كلا منهم صار ظهيرا للآخر يعطي ان الإنسان لو أوجد مقدمات المعصية لغيره مع قصد الغير إلى ذي المقدمة و عدم علمه بإيجاد صاحبه المقدّمة له لا يكون إيجادها (حينئذ) محرما لعدم صدق التعاون عند عدم علم فاعل ذي المقدمة و بطلانه كنار على علم و امّا انطباق لفظ الآية على ما ادعيناه فهو ان التعاون و ان كان من باب التفاعل الموضوع لما بين الاثنين الا ان تعلق الحرمة بالاثنين انّما هو بالنظر الى فعل كل منهما بنفسه من حيث تسببه لوجود الحرام في الخارج فيعاقب كل منهما على مقتضى علمه لا انه حكم على المجموع من حيث هو مجموع بحرمة واحدة فتدبر ثم انه ذكر بعض المعاصرين بعد اختياره ما ذهب اليه صاحب الجواهر (رحمه الله) انه قد يظهر من نحو (المسالك) انه مراد الجميع انتهى و فيه أوّلا ان عبارة (المسالك) لا اشعار فيها بتفسير مقصد الأصحاب فكيف بظهورها فيه قال (رحمه الله) في شرح قول (المصنف) (رحمه الله) لا فرق في أعداء الدين بين كونهم مسلمين أو كفارا لاشتراكهم في الوصف و هو الإعانة على المحرم المنهي عنها و منهم قطاع الطريق و نحوهم و انما يحرم مع قصد المساعدة أو في حال الحرب أو التهيؤ له اما بدونها ثم ذكر بعض فروع المسئلة ثم قال و هذا كله فيما يعد سلاحا كالسيف و الرّمح اما ما يعد جنة كالبيضة و الدرع و لباس الفرس المسمّى بالتجفاف بكسر التاء فلا يحرم ثم قال و على تقدير النهى عن البيع لو باع هل يصحّ و يملك الثمن قولان هذا كلامه (رحمه الله) و ليت شعري من اين استظهر كونه (رحمه الله) بصدد بيان مراد الأصحاب فإن كان استظهاره من إرسال قوله و انما يحرم (انتهى) من دون تقييد بالخلاف أو بكونه بناء على ما هو المختار عنده فما ذكره قبل هذا الحكم من إلحاق قطاع الطريق (كذلك) و من المعلوم انه محل خلاف و قد خالفه المعاصر المذكور بنفسه فاختار عدم الإلحاق و (كذلك) الحال فيما ذكره بعده من نفى الحرمة عن غير السّلاح فان فيه خلافا و قد خالفه فيه المعاصر المذكور فقال بإلحاق غير السّلاح من الات الحرب و ان كان استظهاره من ذكر الحكم الأخير بعنوان ان فيه قولين فيكون ذلك دليلا على ان ما قبله من الأحكام لا خلاف فيها (فكذلك) لما عرفت من تحقق الخلاف هناك ايضا و ثانيا ان ما ذكره في (المسالك) أعم ممّا ذهب اليه صاحب الجواهر (رحمه الله) لانه اعتبر قصد المساعدة أو كونه في حال الحرب أو كونه في حال التهيؤ له بخلاف صاحب الجواهر (رحمه الله) فإنه اعتبر القصد أو قيام الحرب كما انه أخص مما اخترناه لأنا جعلنا المعيار هي المباينة كما عرفت من بعض الاخبار و هذا حكمها بحسب الغرض الذي عقدت له مع قطع النظر عن تحقق المعاونة نعم إذا تحققت تحققت الحرمة (أيضا) لكن هذا مما ليس عقد المسئلة لبيانه و ان كان في حد ذاته حقا ثم ان صاحب المستند (رحمه الله) فصل في المقام بين الكفار و غيرهم من المسلمين المعادين للدين بإطلاق عدم الجواز في القسم الأوّل و تخصيصه بحال المباينة في القسم الثاني بل يلوح من كلامه (رحمه الله) انه زعم

ان النزاع في الاختصاص و العموم انما هو في القسم الثاني و استند في الحكم الى ما زعمه أخذا بكل من اخبار المسئلة في محله من دون عدول به عن مؤداة إلى غيره و ذلك انه قال الروايتان يعني صحيحة على بن جعفر و رواية حماد بن انس في وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مطلقتان واردتان في المشركين و أهل الحرب و اختصاص الأوّل بالكفار ظاهر و كذا الثاني لأنهم المراد من أهل الحرب كما يظهر من المهذب و غيره و يدل عليه إطلاق الفقهاء طرا الحربي على غير الذمي من الكفار و لذا يقال لبلاد المشركين دار الحرب و على هذا فلا تعارض بين هذين و بين الأوليين من الروايات و هما صحيحة الحضرمي و رواية هند السراج لبيان الموضوعين و امّا الثالثة فإنه و ان كان موضوعها أعم من وجه من موضوع هذين و لكن لا تعارض بينهما حقيقة إذ المنع عن البيع في حال الفتنة لا يدل على الجواز في غيرها و على هذا فالمنع (مطلقا) في الكفار و في حال المباينة في أعداء الدين من المسلمين أقوى و أظهر و صرّح في المهذب بان التفصيل انما هو في ذلك قال بيع السّلاح لأهل الحرب لا يجوز إجماعا و امّا أعداء الدين فهل يحرم بيع السّلاح منهم (مطلقا) أو في حال الحرب خاصة انتهى هذا كلامه (رحمه الله) و أنت خبير بأن إنكار دلالة قوله (عليه السلام) لا تبعه في فتنة في جواب السؤال بقوله انى رجل أبيع السّلاح على جواز البيع في غير حال الفتنة مما لا يليق بمثله لا لان ذلك مدلول التقييد بقوله في فتنة حتى يمنع بل لان مقتضى السياق ذلك و على هذا فيصير مؤداه جواز البيع في حال انتفاء الفتنة و عدم جوازه في حالها و المفروض ان الموضوع أعم فيتقيد جواز البيع على الكفار بكونه في غير حال الفتنة فلا يتجه الحكم بالحرمة (مطلقا) و اما ما ذكره من كلام المهذب فلا حجة فيه في مقابلة ما هو بمرئي و مسمع منا من كلمات الفقهاء (رضي الله عنه)

قوله و (كذلك) ظاهرها الشمول لما إذا لم يعلم باستعمال أهل الحرب للمبيع في الحرب بل يكفي مظنة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب بحيث يصدق حصول التقوى لهم بالبيع و (حينئذ) فالحكم مخالف للأصول صير إليه للأخبار المذكورة

و على هذا فيكون صورة العلم باستعمال أهل الحرب للمبيع في الحرب أظهر الصور المندرجة تحت حكم الاخبار و أقواها و يكون مقابل هذه الصّورة و هو لو علم بعدم استعمالهم له في حرب المسلمين خارجا عن تحت حكم الاخبار و الى هذا أشار فقيه عصره (رحمه الله) في الكلام الذي يأتي حكايته عن شرح القواعد حيث قيده بقوله و عدم العلم بأنه لا ينتفع به في ذلك الحرب و أشار إليه بقوله (عليه السلام) في رواية هند من حمل الى عدوّنا سلاحا يستعينون به علينا

قوله فيقتصر فيه على مورد الدليل و هو السّلاح دون ما لا يصدق عليه ذلك كالمجن و الدّرع و المغفر و سائر ما يكن

قال في المصباح كننته أكنه من باب قتل سترته في كنه بالكسر و هو السترة و أكننته بالألف أخفيته و قال أبو زيد الثلاثي و الرباعي لغتان في الستر و الإخفاء جميعا انتهى و المراد بما يكن ما بستر الإنسان و يحفظه عن الات الحرب ثمّ ان في المسئلة قولين أحدهما ما اختاره (المصنف) (رحمه الله) و ثانيهما ما يحكيه عن حواشي الشهيد (رحمه الله) من عدم الجواز

قوله و حملها على السيوف السريجية لا يناسبه صدر الرواية

سريج كزبير حدّاد ينسب اليه السيوف كما وقع التصريح به في كلام جماعة من أهل اللغة و وجه عدم مناسبة صدر الرواية لحملها على السّيوف السريجية هو انه وقع السؤال من السروج و أداتها و ليس للسيف أدوات زائدة لا يتبعها في الوجود حتى تذكر في السؤال على وجه الخصوص بخلاف السّرج فان لها أدوات زائدة غير تابعه في الوجود مع كون الراوي سراجا يسئل عن محل ابتلائه هذا مضافا الى ان السّرج يجمع على سروج كما صرح به في المصباح و السريجي لا يجمع على سروج و انّما يجمع على سريجيات كما في المجمع

قوله لان مدلولها بمقتضى ان التفصيل قاطع للشركة

62

الجواز فيما يكن و التحريم في غيره مع كون الفئتين من أهل الباطل

لفظة مع و مدخولها قيد فيما قبله متمم له و حاصله ان التفصيل بين ما يكن و غيره انما هو مع كون الفئتين من أهل الباطل يعنى انه انما هو في هذه الصّورة

قوله ثم ان مقتضى الاقتصار على مورد النص عدم التعدي الى غير أعداء الدين كقطاع الطريق الا ان المستفاد من رواية تحف العقول اناطة الحكم بتقوى الباطل و وهن الحق فلعله يشمل ذلك و فيه تأمل

لعل وجه التّأمل هو كون المراد بباب يوهن به الحق في الخبر هو ما كان يوهن به الحق بوصفه العنواني بمعنى انه يوهن الدين و الشريعة و قطع الطريق لا يوهن الحق من حيث هو حق لان ذلك إتلاف لمال المسلم و لا يزاحم شيئا من أمور دينه و قد حكى عن بعضهم التمسك بالنهي عن التعاون على الإثم و عن بيعه في فتنة و عن اعانة الظالمين و برواية محمّد بن قيس و لا يخفى عليك انه مع صدق الإعانة لا ريب في الحرمة لذلك العنوان لكن ذلك خارج عن جهة البحث في هذا المقام و النهى عن بيعه في فتنة لا يظهر شموله للبيع على قطاع الطريق بل (الظاهر) من الفتنة هو حرب أعداء الدين و لا أقل من الشك في شموله فلا يصحّ الاستدلال به على المطلوب و رواية محمّد بن قيس أجنبي عن المقام

قوله ثم النهي في هذه الاخبار لا يدل على الفساد فلا مستند له سوى ظاهر خبر تحف العقول الوارد في بيان المكاسب الصّحيحة و الفاسدة

قال في (المسالك) و على تقدير النهى عن البيع لو باع هل يصحّ و يملك الثمن أم يبطل قولان أظهرهما الثاني لرجوع النهي إلى نفس المعوض انتهى و حكى القول بالثاني عن الشهيد (رحمه الله) و المحقق الثاني (رحمه الله) و هو الذي حكم به المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و استند في ذلك الى ان (الظاهر) ان الغرض من النهى هنا عدم التملك و عدم صلاحية المبيع لكونه مبيعا لا مجرد الإثم فكان المبيع لا يصلح مبيعا لهم كما في بيع الغرر انتهى فمقتضى ما في (المسالك) كون الفساد لرجوع النهي إلى شيء من أركان العقد و هو المبيع و قيل ان سبب الفساد هنا هو رجوع النهي إلى نفس المعاملة و قيل ان سببه هنا هو رجوع النهي الى أحد المتعاقدين الذين هو من أركان العقد قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) و اجارة السفن و المساكن (انتهى) و متى باع في شيء من هذه المواضع التي يحرم فيها البيع أو فعل شيئا من أنواع الاكتساب بهذه الأشياء المحرمة حيث يحرم كان باطلا نظرا الى ان النهى راجع اما الى أحد العوضين أو الى أحد المتعاقدين و قيل ان النهى للإرشاد و قيل ان سببه هو فهم المانعية من النهى هنا عرفا بمعنى ان المفهوم منه عرفا هو فساد البيع بالكيفية المذكورة و ان شئت قلت ان المفهوم منه هو ان بيع السّلاح على أعداء الدين مانع من صحته و كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) محتمل لما ذكره في (المسالك) كما هو محتمل لهذا الوجه الأخير و حكى عن التنقيح اختيار القول الأول و المستند في ذلك عمومات البيع و كون النهى راجعا الى وصف خارج هو تقوى أهل الكفر كالنهي عن البيع في وقت النداء الراجع الى تفويت الجمعة و هذا هو الأقوى كما لا يخفى على من تدبر لتوجه المنع الى ما ذكر كله و الى هذا أشار (المصنف) (رحمه الله) بأن النهي في هذه الاخبار يعني أخبار المنع عن بيع السّلاح لا يدل على الفساد و لكنه استند في الفساد في ذيل الكلام الى خبر تحف العقول بدعوى انه مسوق لبيان المكاسب الصّحيحة و الفاسدة و أورد عليه بعض من تأخر بالمنع من وروده لبيان المكاسب الصّحيحة و الفاسدة و انّما سلّم وروده في بيان المحرم و الجائز و لا ملازمة بين الحرمة و الفساد كما لا ملازمة بين الجواز و الصّحة هذا و ينبغي تتميم القول في المسئلة بالإشارة إلى فوائد الاولى ان فقيه عصره (رحمه الله) في شرح القواعد بعد ان جعل محلّ النزاع في المسئلة أعم من المسلم و الكافر فصل في صحة المعاملة بين ما لو وقعت تلك المعاملة بين المستحلين لها و بين غيره فحكم في الأوّل بالصحة مع الحرمة دون غيره قال (رحمه الله) و بيع أولياء الدين السّلاح لأعداء الدين من إسلام أو مذهب أصل أو فرع قصد المساعدة أم لا مع قيام الحرب بين الظالمين و المظلومين و المحقين و المبطلين و ان كانوا مسلمين و عدم العلم بأنه لا ينتفع به في ذلك الحرب و الأقوى هنا حرمة المعاملة حيث يكون أحد الطرفين مسلما و امّا معاملة الكفار المستحلين بينهم فلا يبعد صحتها و ان حرمت انتهى و الوجه فيه ما دل على إمضاء ما يأتون به بمقتضى أديانهم و مذاهبهم في حقهم و يظهر اثر ذلك فيما لو باع السّلاح لأعداء الدين بمحضر أحد من المسلمين و قبض الثمن و اقبضه ذلك المسلم فان قلنا بالصحة جاز لذلك المسلم قبض الثمن و الا فلا الثانية انه قال في (المسالك) و لو باعهم ليستعينوا به على قتال الكفار لم يحرم كما دلت عليه الرواية انتهى و مراده بالرواية رواية هند السراج حيث قال (عليه السلام) فيها احمل إليهم و بعهم فان اللّه يدفع بهم عدونا و عدوكم (انتهى) لكن يبقى هنا شيء و هو انه أورد عليه بعض من تأخر من موافقينا في أصل المسئلة بانا جعلنا المعيار في الحرمة حال المباينة و منهم من جعله حال قيام الحرب بالفعل و هو (رحمه الله) قد جعل المعيار حال الحرب أو التهيؤ و قصد المساعدة و الرواية لا تدلّ على استثناء البيع على أعداء الدين في حال مباينتهم لنا أو تهيّؤهم ليستعينوا به على قتال الكفار و انّما تدلّ على جوازه في حال عدم مباينتهم لنا و عدم تهيؤهم مع ان الغرض بعيد على تقدير المباينة و التهيؤ لان من يشتر السّلاح يستعين به في دفع عدوه (مطلقا) و لا يشتريه للاستعانة به على دفع عدو خاص أو نوع خاص

من الأعداء و يمكن تصوير الغرض فيما لو كان من عادتهم ان يحاربوا كل طائفة بنوع من السّلاح كما لو كان من عادتهم محاربة المسلمين بالسّيف و محاربة غيرهم بالخنجر اما ابتداء أو لكون ذلك من عادة الطائف المقابلة فيسلكوا مع كل من الطائفتين بمسلكه و دابه و امّا الدليل على الجواز فهو ان اخبار النهي لا تشمل المفروض فيبقى على أصالة الجواز و لا حاجة الى تصريح الرواية به لكن هذا يصحّح أصل المسئلة و لا يرفع الاشكال عن كلام (المسالك) أقول لا وجه لشيء من الإيرادين امّا الأول فلانه لا يشترط في المقيد ان يكون متصلا فهب ان الرواية الخاصة لا اشارة فيها الى التقييد بما ذكر لكن لا يلزمن ذلك انتفاء المقيدات الأخر أو عدم صلاحيتها للتقييد و امّا الثاني فلان ما ذكره في (المسالك) يتم على مذهبه من كون مناط الحرمة هو حال الحرب أو التهيؤ له أو قصد المساعدة فإذا كانت طائفة من الكفار متهيئة لقتال طائفة أخرى أو مشغولة بقتالها و باعهم ليستعينوا به على قتال خصمائهم جاز البيع الثالثة ان فقيه عصره (رحمه الله) قال في شرح القواعد لو حصلت معاملة لم يتعلق بها نهى لجهل أو تقية فالظاهر فسادها و لو انعكس الأمر بأن زعم العداوة أو الحرب و ليس الأمر (كذلك) فالظاهر الصحّة و ان عصى في ذلك انتهى و قال بعض من تأخر بصحة المعاملة في القسمين و هذا هو الصحيح على مذاقنا حيث قلنا بأن النهى انما هو لأمر خارج و هو تقوى الكفر كالبيع وقت النداء الموجب لتفويت الجمعة بل هنا اولى لارتفاع النهي في القسم الأوّل و كذا في الثاني بالنظر الى الواقع غاية ما في الباب انه تخيل وجود النهى فيكون اقدامه على المعاملة من باب التجري هذا و لكن ما ذكره (رحمه الله) يتم على مذاقه على ما يحكى عنه من كون النواهي في أمثال المقام للإرشاد لأنها على هذا التقدير تصير كاشفة عن مفسدة في متعلّق النهى و هي كونه فاسدا و على هذا فلا يتفاوت في وجود الفساد في متعلق النهى بين ان يعلم به المباشر للعاملة و بين ما ان لا يعلم لكن يبقى الكلام في ان الالتزام بالتحريم في الفرض الثاني لا وجه له إذا لم يكن النهي إلا للإرشاد و يمكن ان يقال ان التحريم انما هو للتشريع حتى اتى بما هو غير ممضى من جانب الشارع و ذكر بعض من تأخر انه بناء على كون سبب الفساد هو حرمة ذات المعاملة كما هو مسلك بعضهم يترتب عليه الفساد في صورة الجهل بالحرمة كما قلنا في النهي الإرشادي لان مبغوضية الذات المقتضية للفساد لا تزول بالجهل أقول هذا الكلام صحيح على تقدير تسليم الأصل لكن هو محل تأمل لأن مبغوضية الذات انما تدل على مبغوضية إيجادها و لا تدل على مبغوضية ترتب الأثر عليها نعم النهى عن ترتيب الأثر على المعاملة و كل ما يؤل الى هذا المعنى يقتضي فساد المعاملة و لا فرق فيه بين العلم و الجهل و تمام الكلام

63

في الأصول و فيما أشرنا إليه كفاية الرابعة انه ذكر فقيه عصره في شرح القواعد ان المعاملة على بيع السّلاح و نحوه مما يحرم بالدواعي و القصود و ملاحظة العنوان لو وقعت على وجه التوكيل فلا يخلو اما ان يقصد الموكل التوكيل بذلك العنوان كما لو وكله في بيع السّلاح على أعداء الدين بقصد إعانتهم أو وكله في بيع العنب ليعمل خمرا و أمثال ذلك أو يقصد الموكل التوكيل في مطلق المعاملة و يقع قصد الإعانة من الوكيل كما لو وكله في بيع السّلاح من دون التفات الى من يباع عليه من أصناف الناس ففي الأول يحكم بفساد المعاملة لأنها ممّا قصده المالك الّذي هو وليّ الأمر بعنوان مفسد بخلاف الثاني فإنه لم يقصده المالك بعنوان مفسد و انّما قصد الوكيل إعانتهم فباعه عليهم بقصدها

النوع الثالث ممّا يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء

قوله و سائر الحشرات

قال في المصباح الحشرة الدّابة الصّغيرة من دواب الأرض و الجمع حشرات مثل قصبة و قصبات انتهى

قوله مثل الحياة و العقارب و الفار و الخنافس و الجعلان و الحداء و الرخمة و النسر و بغاث الطير

الفار جمع فارة كتمر و تمرة و يهمن و لا يهمن يقع على الذكر و الأنثى و الفار نوعان جرذان و فئران و كلاهما له حاسة السمع و البصر و الجعلان بكسر اوله جمع جعل كصرد دويبة كالخنفساء أكبر منها شديدة السّواد و في بطنه لون حمرة و الناس يسمونه أبا جعران لانه يجمع الجعر اليابس و يدخره في بيته و يسمى الزعقوق يعضّ البهائم في فروجها فتهرب للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر و الجواميس و مواضع الروث يتولد غالبا من أرواث البقر و من شانه جمع النجاسة و له جناحان لا يكاد أن يريان إلا إذا طار و له ستة ارجل و يمشى القهقرى الى خلف و هو مع ذلك مهتد الى بيته و من عادته يحرس النيام فمن قام منصرفا الى حاجته تبعه و ذلك من شهوته للغائط لانه قوته و الحدأة كعنبة و هو طائر خبيث و يجمع بحذف الهاء كعنب و الرخمة كقصبة طائر يأكل العذرة و هو من الخبائث و ليس من الصّيد قال في المصباح و لهذا لا يجب الفدية على المحرم بقتله لانه لا يؤكل و الجمع رخم كقصب سمى بذلك لضعفه عن الاصطياد و في الصحاح الرخمة طائر ابقع يشبه النسر في الخلقة و النسر طائر معروف و بغاث الطير كما عن الفراء شرارها و ما لا يصيد منها ذكر ذلك كله في مجمع البحرين و في شرح القاموس ان البغاث بالمعنى الذي ذكر جمع مفرده بغاثة كنعام و نعامة

قوله و ظاهره اتفاقنا عليه

لأنه أخذ الخسة؟؟؟ و ما عطفه عليها مما هو كالمفسر لها دليلا و مقتضى الاستناد اليه كونه من قبيل المسلمات و يؤكد الظهور المذكور قوله و كذا عند الشافعي فإن ذكره موافقا و هو رئيس مذهب الشافعية مشعر بان ما ذكره قبل ذلك اخبار عن مذهبنا لان المناسب مقابلة مذهب الطائفة بمذهب الطائفة

قوله و بالجملة فكون الحيوان من المسوخ أو السباع أو الحشرات لا دليل على كونه كالنجاسة مانعا فالمتعين فيما اشتمل منها على منفعة مقصودة للعقلاء جواز البيع

محصل الكلام في هذا المقام ان أصل العنوان الذي هو عدم جواز ما لا ينتفع به منفعة محللة مما لا خلاف فيه و لا اشكال بل عليه الإجماع بقسميه و يدل عليه ايضا ان بذل المال في مقابل ذلك سفه و أخذه أكل له بالباطل الا ان جملة من الأمثلة خارجة موضوعا فينتفى عنها حكمه و المعيار الجامع لها عند (المصنف) (رحمه الله) هو ما له نفع فيجوز بيعه عند (المصنف) (رحمه الله) بحسب القاعدة حتى انه قال انه لو فرض الشك في مالية ذلك الشيء المستلزم للشّك في صدق البيع تمسّكنا في صحة الاكتساب به بعمومات التجارة و لكنه (رحمه الله) بعد ذلك استظهر عدم العبرة بالمنفعة النادرة المحللة من الاخبار و حكم في مورد الشك في ندرة المنفعة بالصّحة استنادا الى عموم ما دل على حل التجارة و (حينئذ) نقول بجواز بيع دود القز و النحل و العلق فإنها مما يحصل منها فائدة مقصودة لا مجال لإنكارها خصوصا الأولين و منفعة الثالث و ان لم تكن بمثابة الأولين في الشيوع الا ان حاله حال العقاقير التي من شأنها النفع و انها ينتفع بها من يحتاج إليها و لا يضر كونه مبذولا في بعض الأمكنة لا يقابل بمال فان ذلك من جهة كثرة الوجود هناك كالماء على الشاطى و التراب في الصحراء و القصب في الآجام مع انها تقابل بالمال في البلاد العامرة خلافا للعلامة (رحمه الله) في الأوّل و الأخير حيث قال في الفصل الرابع من بيع التذكرة أما العلق ففي بيعه لامتصاص الدم اشكال و أظهر وجهي الشافعي و احمد الجواز و كذا ديدان القز تترك في الشص فيصاد بها السّمك و الأقرب عندي المنع انتهى و لعله أراد بديدان القز ما مات منها أو ما صار حاله الى عدم الانتفاع به و هو الذي يثقب الجوزة بعد إكمالها و يخرج حيا شبه الزنبور فيصير له (حينئذ) جناحان بقرينة المنفعة التي ذكرها لها و الا فمنفعة ديدان القز المتعارفة مما لا يخفى على أحد خطر محلها و لعل ذلك وجه الجمع بين حكمه بالمنع و بين ما سيأتي منه من حكمه بجواز بيع دود القز و في مفتاح الكرامة بعد ذكر جواز بيع دود القز انّ في حواشي الشهيد (رحمه الله) انه يثبت فيه خيار الحيوان انتهى و لكن يعتبر في الثلاثة المذكورة المشاهدة و إمكان التسليم و قد أجاد العلامة (رحمه الله) في (القواعد) حيث قيد جواز بيع النحل بهما و قال في جامع المقاصد المراد بالمشاهدة له من حيث الجملة بحيث يعلم قلّته من كثرته و يرتفع الجهالة عن قدره و ان لم يشاهد كل واحد واحد فلو ستر بعضه ببعض فلم ير ذلك البعض لكن شاهد الجملة كفى في صحة البيع و لو بيعت في كوراتها صحّ مع المشاهدة و يدخل ما فيها من الغسل تبعا كاللبن في الضرع إذا بيعت الشاة و كأساس الحائط مع بيعه كذا ذكره (المصنف) (رحمه الله) في المنتهى و لا بد من إمكان التسليم كغيره من المبيعات انتهى و كذا يجوز بيع الفيل لانه ينتفع به بالحمل كما ينتفع بعظمه المسمى بالعاج و هو انتفاع مرخص فيه من جانب الشارع كما يدل عليه خبر عبد الحميد بن سعيد سئلت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن عظام الفيل أ يحل بيعه و شراؤه للذي يجعل منه الأمشاط فقال لا بأس قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط و في خبر أخر رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يتمشط بمشط عاج و اشتريته له و في ثالث عن العاج قال لا بأس به و ان لي منه لمشطا مضافا الى ما عن (الخلاف) من الإجماع على جواز التمشط به و جواز استعماله و مثله في الجواز المسوخ بقول (مطلقا) الا الكلب و الخنزير لعدم كون المسوخية مانعة منه بناء على الأصحّ من عدم نجاسة ما عدا الكلب و الخنزير منه فإذا تحقق الانتفاع بشيء من افراده على الوجه المذكور صحّ البيع خصوصا إذا قلنا بقبوله للتذكية فإن الانتفاع به حيا و مذكى حاصل و اما ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) من الإجماع على عدم جواز بيع المسوخ فهو مبنى على مذهبه من نجاسة المسوخ قال في (المبسوط) و ان كان نجس العين مثل الكلب و الخنزير و الفارة و الخمر و الدم و ما تولد منهم و جميع المسوخ و ما تولد من ذلك أو من أحدهما فلا يجوز بيعه و لا إجارته و لا الانتفاع به و لا اقتناؤه بحال إجماعا إلّا الكلب فان فيه خلافا ثمّ فصل المقال في تقسيم الكلب و حكمه بما لا يهمنا ذكره و

لكن قد عرفتانا لا نقول بنجاسة المسوخ فيجوز بيعه إذا اشتمل على فائدة غير نادرة خصوصا ما كان منه من قبيل ما لا نفس له و خصوصا فيما قام الإجماع عليه من استعمال جلود بعضها و مما ذكرنا يظهر جواز بيع السّمك الميت في الماء إذا كان له دهن أو اشتمل على فائدة أخرى متعارفة فوائد الاولى انه كما يجوز بيع دود القز كذلك يجوز بيع بذره و حكى جواز بيعه في مفتاح الكرامة عن (الدروس) و جامع المقاصد ثم قال و عليه السيرة في الأعصار و الأمصار لكنه يباع جزافا و الأكثر على مراعاة الوزن فيجب اعتباره كما حررناه في محله أقول لا يباع في زماننا الا بالكيل أو الوزن و لا يجوز بيعه جزافا لان مجرد المشاهدة غير كاف في رفع الجهالة عنه من جهة كونه خطيرا لا يتسامح فيه فيلزم الغرر الموجب للبطلان الثانية ان عدم بذل المال في مقابل شيء قد يكون لضعته و خسّته أو قلته و هو مناط البحث في هذه المسئلة و قد يكون لعموم وجوده كالماء في

64

شاطئ النهر و التراب في الصحراء و صرّح العلامة (رحمه الله) بجواز بيع هذا النوع قال في التذكرة و كذا يجوز بيع عام الوجود كالماء و التراب و الحجارة انتهى و قال في الفصل الرابع من كتاب البيع يصحّ بيع الماء المملوك لانه طاهر ينتفع به لكن يكره و هل يجوز بيعه على طرف النهر أو بيع التراب أو الحجارة حيث يعم وجودها للشافعي وجهان الجواز و به نقول لظهور منفعته و المنع لانه سفه و كذا يجوز بيع كل ما يعم وجوده و هو مملوك ينتفع به انتهى و ما ذكره من جواز بيع الماء على شاطئ النهر صحيح لو لم يؤد الى السفه كما لو لم يكن هو بنفسه قادرا على الاغتراف أو كان أطراف النهر ممّا لا يمكن الورود و الصدور منها أو مما لا يمكن شرب مائها لفساده بالامتزاج بالطين و القاذورات و كان لا يمكنه الوصول الى عباب الماء لعجزه عن ذلك و بالجملة البيع صحيح ما لم يستلزم السفه و الباطل فإنه (حينئذ) باطل و اما ما ذكره من كراهة بيع الماء فلم نقف له على دليل و اعلم ان بيع الماء بحسب القسمة الأولية على قسمين أحدهما ان يباع بتبعية الأرض كما لو بيع مجرى العيون و في الحقيقة لا يقع البيع هنا على الماء بل على المجرى و الماء من نتائج الأرض المملوكة و ثمراتها ثانيهما ان يباع نفس الماء و هذا على أقسام أحدها ان يباع الماء الجاري لسقي الزرع و نحوه و هذا من المتعارف في بلاد العجم و غيرها حيث يبيعون المياه الجارية من العيون و لا إشكال في جوازه و لكن لا بد من تقديره بما تعارف بينهم من روافع الجهالة كالزمان من مثل الساعة و نحوها أو ما تعارف بينهم من انهم يثقبون كأسا و يضعونها على الماء فإذا انغمس جعل مقدار بقائها مشخصا لحصة و هكذا و ثانيها ان يباع الماء المجتمع في غدير مشاهد العرض و العمق و الطول و هذا ايضا من المتعارف في جملة من البلاد فإنهم يصنعون للعيون الضعيفة غديرا بحيث يمتلئ في الليل و النهار من ذلك الماء مرة فيباع ذلك الماء المحدود بكونه ملاء ذلك الغدير و هذا (أيضا) لا اشكال فيه ثالثها ان يباع الماء الجاري من العيون و نحوها ليملأ به الحياض و نحوها مما تعارف في كثير من بلاد العجم لإحراز الماء و جمعه فيه ليشرب و يستعمل مدة فيشتريه المشترى ليملأها به و هذا (أيضا) لا بد من تقديره اما بالزمان أو بمشاهدة الحوض و مساحته ان كانت متعارفة لئلا يصير تقديرا بالكيل الغير المتعارف رابعها ان يباع الماء بالقرب و الكوز و نحوها كما هو متعارف الشهيدين الشريفين امّا الكوز (فالظاهر) انه لا إشكال في بيع الماء بها إذا كانت تصنع على مقدار حاص يعدّ كيلا متعارفا و الا ففيه إشكال لأنه يعتبر في بيع المكيل ان يكال بمكيال معروف مضبوط تتساوى افراده و الماء من قبيل المكيل و اما القرب فاختلافها واضح و لهذا تريهم يفرقون بينها بحسب القيمة في مقام البيع فلا يصحّ ان يكون القرب من قبيل المكيال كما لا يصحّ ان يصير السقاء من قبيل المكيال للبن المخيض الذي تجلبه نساء أهل البوادي إلى البلاد في عراق العرب فتبيعه و هو في السقاء من دون كيل و لا وزن مع انه من قبيل المكيل و هذا النوع من بيع الماء قد استشكل فيه بعض من تأخر خصوصا فيما تعارف من المعاملة على مائة حمل مثلا بمبلغ على ان يوفى كل يوم حملا مثلا الا ان يقال بكون المعاطاة إباحة العوض (فحينئذ) يصحّ في غير صورة المعاملة على مائة حمل مثلا يوفيها على التدريج لعدم تحقق المعاطاة (حينئذ) و ذلك لانه لا يشترط في الإباحة تقدير كل من المكيل و الموزون بما هو المتعارف في تقديره و انما الإشكال على تقدير كونها بيعا فيشترط الكيل أو الوزن في المبيع إذا كان شيء منهما معتادا فيه و لعلنا نستكشف بذلك و أمثاله عن كونها اباحة و الا لم يكن العلماء الاعلام و الأخيار يقدمون على شرائه بذلك الوجه و عندي ان نقل الماء في القرب ليس باعتبار جعلها مكاييل يكال بها بل باعتبار كون الماء يحتاج الى ظرف و مناط البيع عندهم هو المشاهدة و لذلك لا يكتفى المشتري بمجرد اخبار البائع أنها قرية أو قربتان الا ان يرى القربة فيبذل بمقتضى نظره ثمنا في مقابل الماء الذي تشتمل عليه و مثله بيع الحطب بحمله فإنه ليس الا من باب المشاهدة و قد رأيت بعد تحرير المقام عبارة مفتاح الكرامة فأحببت ذكرها قال

(رحمه الله) و تنقيح البحث في الماء انه ان كان يجرى من نهر جاز بيعه على الدوام و كذلك ماء العين التي تنبع على الدوام و لا فرق فيه (حينئذ) بين كونه منفردا أو تابعا للأرض و امّا إذا لم ينبع على الدوام فالأشهر كما في الكفاية منعه لكونه مجهولا و كونه يزيد شيئا فشيئا فليلحظ المبيع بغيره و اما إذا كان راكدا ففي حواشي الشهيد (رحمه الله) انه يباع جزافا لأنهم أجمعوا على انه لا يثبت فيه الربا لانه غير مكيل و لا موزون و العلم بما ظهر منه و تسليمه كاف في العلم و التسليم لكنهم قالوا لا يباع سلفا الا وزنا ثم قال (رحمه الله) و اما التراب فان كان أرمنيا فإن جرت العادة بوزنه كما هو الظاهر فلا بد من الوزن و (كذلك) الحال في المغرة و تراب الرؤس فان اختلفت أحوال البلدان فلكل بلد حكمه كما هو (المشهور) و ما سوى ذلك من التراب يكفى فيه المشاهدة و (كذلك) الحال في الحطب و لا عبرة ببيعها وزنا في بعض البلدان لان الوزن غير شرط في صحته هذا كلامه (رحمه الله) الثالثة ان لبن الذكر و الخنثى لو اتفق لم يجز بيعه لانه مما لا ينتفع به كسائر فضلاته فيندرج في العنوان الذي وقع الإجماع على عدم جواز التكسب به و قد نص على الحكم بعدم الجواز بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى و يمكن الاستدلال عليه مضافا الى ما أشرنا إليه من اندراجه في العنوان المجمع عليه ما دل على تحريم الخبائث لأن ذلك مما تستكرهه النفس كسائر فضلاته من عرقه و غيره و اما لبن الأنثى ففي (المبسوط) جواز بيعه قال (رحمه الله) بيع لبن الآدميات جائز و (كذلك) بيع لبن الأتن جائز لأن لحمه حلال انتهى و في الفصل الرابع من بيع التذكرة يجوز بيع لبن الآدميات عندنا و به قال الشافعي لأنه طاهر ينتفع به كلبن الشاة و يجوز أخذ العوض عليه في إجارة الظئر انتهى و في القواعد و في جواز بيع لبن الآدميات نظر أقربه الجواز انتهى و في جامع المقاصد ما قربه أقرب لأنه عين طاهرة ينتفع بها نفعا محللا مقصودا انتهى و حكى الجواز عن (الخلاف) و الإيضاح و الدروس و غيرها و استندوا في ذلك الى العمومات بعد طهارته و الانتفاع به نفعا مقصودا للعقلاء كما هو واضح و لكن في فصل أنواع المكاسب من التذكرة ما لفظه و الأقرب المنع من بيع البن الآدميات انتهى و عن التحرير انه تردد في بيعه و لا وجه لذلك الا انه من فضلات الإنسان كالعرق و البصاق و نحوه و ضعف هذا الوجه ظاهر و التحقيق انه لا إشكال في جواز البيع في الجملة لكن ان بيع محلوبا لزم تقديره بالكيل أو الوزن لكونه من جنس ما يكال أو يوزن لان ذلك هو المعتاد في الألبان كلها و لم يثبت فيه بخصوصه معتاد على خلاف سائر الأصناف و اما إذا كان في الثدي فالمعاملة عليه يقع على وجهين أحدهما ان يوقع عليه عقد البيع و الاشكال في فساده لجهالته كما لا إشكال في فساد البيع لو باع قبل الحلب شيئا من ألبان سائر الحيوانات التي يعتاد بيع ألبانها و ثانيهما ان تستأجر صاحبة اللبن للإرضاع و هذا لا إشكال في جوازه قال بعض من تأخر يستكشف بهذا عن ان اللبن من قبيل المنافع دون الأعيان و لهذا صحّ الاستيجار لاستيفائه و من هنا ينطبق صحة استيجار اليهودية للإرضاع على القاعدة نظرا الى ان الاستيجار انما هو للعمل و اللبن تابع من قبيل المنافع قلت الذي يسهل الخطب هو ثبوت الاستيجار للإرضاع في الشرع بالنصوص و لا خلاف فيه في الجملة و ان لم ينطبق على القاعدة و انما الكلام في بيع اللبن و هو الذي اختلف فيه كلام العلامة بل الكلام فيه مختص بما إذا كان محلوبا لانه قال في ذيل العبارة المحكية الدالة على حكمه بالجواز ما لفظه و قال أبو حنيفة و مالك لا يجوز و عن احمد روايتان كالمذهبين و هو وجه الشافعية لأنه مائع خارج من أدمى

65

فأشبه العرق و لانه من أدمى فأشبه سائر اجزائه و الفرق عدم نفع العرق و لهذا لا يباع عرق الشاة و يباع لبنها و سائر أجزاء الأدمي يجوز بيعها كالعبد و الأمة و انما حرم في الحر لانتفاء المالك و حرم بيع المقطوع من العبد لعدم المنفعة انتهى الرابعة انه قال في التذكرة في ذيل مسئلة بيع ما لا ينتفع به و لو باعه دارا لا طريق لها مع علم المشترى جاز و مع جهله يتخير انتهى و في القواعد و لو باعه دارا لا طريق إليها و لا مجاز جاز مع علم المشترى و الا تخير انتهى قال في جامع المقاصد قيل لا دخل لهذه المسئلة هنا قلنا بل علاقتها توهم كون هذه الدار مما لا ينتفع به فأراد دفع هذا الوهم لأنها في حد ذاتها ينتفع بها و ان تعذر أو تعسّر النفع باعتبار أمر عارضي و هو فقد المسلك مع إمكان تحصيله من الجيران بنحو عارية و استيجار و أراد (المصنف) (رحمه الله) بقوله جاز اللزوم بقرينة قوله و الّا تخير انتهى و قال بعض المعاصرين بعد حصر مراد الأصحاب بعنوانهم في هذا المقام فيما كان لا ينتفع به لخسّته انه لا يندرج فيه ما لا ينتفع به لعارض كالدار و الحمام و البستان و نحوها إذا لم يكن للمشتري طريق يوصله اليه فلا بأس بالمعاوضة عليه (مطلقا) خصوصا مع توقع حصوله و لو بالاذن من الجار و نحوه و القول بعدم جوازه مع الياس منه لأنها من المعاملة السفهية محل نظر لإمكان وقفه أو هبته للجار أو نحو ذلك من الفوائد التي لا تتوقف على الطريق كما هو واضح نعم لو فرض تعذر الانتفاع به بجميع الفوائد المعتبرة عادة كان منها على الظاهر و لعله المراد فلاحظ و تأمل انتهى و سبقه الى ذلك كله صاحب الجواهر (رحمه الله) و هو وجيه

قوله و لو فرض الشك في صدق المال على مثل هذه الأشياء المستلزم للشك في صدق البيع أمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها عمومات التجارة و الصّلح و العقود و الهبة المعوضة و غيرها

تحقيق في مدرك المسئلة و يحتمل ان يكون تعريضا لصاحب الجواهر (رحمه الله) و جماعة حيث تمسكوا بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ في هذا المقام و أمثاله و وجه استلزم الشك في صدق المال الشكّ في صدق البيع هو ما سيجيء (إن شاء الله) (تعالى) في تعريف البيع من كونه عبارة عن مبادلة مال بمال و مراده بالمعاوضة التي حكم بإمكان صحتها هي المعاوضة على غير وجه البيع من سائر وجوه المعاوضات و الاستدلال بعمومات التجارة انما هو لإيقاعها في ضمن غير البيع من أنواعها و الا فمع عدم تحقق النوع الّذي هو البيع فيما نحن فيه من جهة عدم صحته بسبب انتفاء شرط من شروطه لا يتأتى من الدليل الوارد في صحة الجنس الذي هو التجارة تصحيح ذلك النوع الفاسد بانتفاء شرطه و هو واضح

قوله بناء على ان للشحوم منفعة نادرة محلّلة على اليهود لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها و سائر منافعها المتعارفة

قد تقدّم منه (رحمه الله) في المسئلة الاولى من الكتاب انّ الظاهر ان الشحوم كانت محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات و كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا فما هنا من استظهار تحريم أكل الشحوم أو تحريم سائر منافعها المتعارفة عليهم مناف لما أسلف هناك الّا ان يوجه بان التعليل بقوله لان ظاهر تحريمها تعليل للنبي عليه فان قوله بناء على انّ للشحوم منفعة نادرة معناه انه على تقدير ان يكون للشحوم منفعة و قوله لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها لو سائر منافعها تعليل لتصحيح ذلك التقدير لا تعليل لما هو الواقع عنده فكأنه قال على تقدير الالتزام بان للشحوم منفعة نادرة نظرا الى ان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها و (الظاهر) ان هذا هو المراد

قوله الا ان يقال المنع فيها تعبد للنجاسة لا من حيث عدم المنفعة المتعارفة فتأمل

الظاهر ان الأمر بالتأمل للإشارة إلى منع نجاسة الشحوم في دينهم بل ليس فيه حكم النجاسة بالنسبة إلى غيرها أيضا فهي محكوم عليها عندهم بالحرمة لا غير و قوله تعالى وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمٰا انما نطق بتحريم الشحوم دون نجاستها

قوله إذ لا يراد منه مجرد المنفعة و الا لعم الأشياء كلها

يعنى انه لا يراد من قوله (عليه السلام) و كلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة (انتهى) ان كل شيء فيه مجرد ما يسمى منها منفعة حلال بيعه بل المراد إثبات الحكم لصاحب المنفعة المتعارفة و الا فلو كان الحكم بحل البيع يدور مدار المطلق المنفعة و لو لم تكن متعارفة يعم الحكم بحل البيع جميع الأشياء إذ لا شيء الا و هو متصف بثبوت منفعة ماله

قوله فالواجب الرجوع في مقام الشك إلى أدلة التجارة و نحوها مما ذكرنا

فيحكم بصحة المعاوضة على المشكوك فيه من جهة ثبوت المالية له و عدمه لكن بشرط إيقاع المعاوضة على غير وجه البيع من وجوه المعاوضات كما عرفت البيان

قوله و منه يظهر ان الأقوى جواز بيع السّباع بناء على وقوع التذكية عليها للانتفاع البين بجلودها و قد نص في الرواية على بعضها

قال في كتاب الصيد و الذباحة من الجواهر السباع من الوحوش و الطيور و هي ما تفترس الحيوان بنابها أو مخلبها للأكل أو كل ما كان ذا مخلاب أو ناب يفترس من الحيوان أو ما يتغذّ باللحم كالأسد و النمر و الفهد و الثعلب و نحوها في وقوع الذكاة عليها ترد بل و خلاف و ان لم نعرف حكايته لكن في كشف اللثام (المشهور) الوقوع و عدمه قول المفيد و سلّار و ابن حمزة ذكروه في الجنايات و كذا الشيخ في (الخلاف) و على كلّ حال فالوقوع هنا أشبه وفاقا للمشهور بل في غاية المراد لا نعلم مخالفا بل عن بعض دعوى الاتفاق عليه بل عن السّرائر الإجماع عليه لموثّقى سماعة المعتضد بن بما عرفت ففي أحدهما سئلته عن جلود السّباع ينتفع بها قال إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و في الأخر سئلته عن لحوم السّباع و جلودها فقال اما لحوم السّباع و السّباع من الطير فانا نكرهه و اما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه إذ لو لا وقوع التذكية عليها لم يجز الانتفاع بجلودها ضرورة كونها (حينئذ) ميتة لا يجوز الانتفاع بشيء منها الا ما استثنى بل و بالسيرة المستمرة في جميع الأعصار و الأمصار على استعمال جلودها و بما ورد من النصوص في جواز استعمال جلد السمور و الثعالب بل في خبر ابى مخلد قال كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل معتب فقال بالباب رجلان فقال أدخلهما فقال أحدهما انى رجل سراج أبيع جلود النمر فقال مدبوغة هي قال نعم قال ليس به بأس و غير ذلك مما مر في لباس المصلى و من الغريب بعد ذلك كله ما في المسالك من التردد في الحكم المزبور استضعافا لموثقى سماعة و كونهما مضمرين و ظهور نونه الامام (عليه السلام) غير كاف في العمل بمقتضى هما الى أخر ما ذكره مما لا يخفى عليك النظر فيه بعد ان كان الموثق الثاني مسندا في محكي الفقيه انتهى و كما علم من ذلك وجه التقييد بقول (المصنف) (رحمه الله) بناء على وقوع التذكية عليها (كذلك) استفيد مما ذكره من الموثقين تحقق وقوع التذكية عليها شرعا و من هنا يعرف انه لا وجه لاقحام لفظ البعض في قول (المصنف) (رحمه الله) و قد نص في الرواية على بعضها بناء على ما هو الظاهر منه من عود الضّمير الذي أضيف إليه لفظ البعض الى السباع و يكون المراد بالبعض (حينئذ) ما دل عليه ما عدا الموثقين من النصوص المشار إليها بعدهما نعم يمكن ان يتكلف في العبارة بأن يقال ان الضمير يعود الى الانتفاعات باعتبار ارادة الجنس من لفظ الانتفاع المفرد المذكور في الكلام فيكون المراد بالبعض ما عدا الانتفاع باللبس في الصّلوة ثم ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من جواز بيع السّباع قد جعله المحقق (رحمه الله) أشبه بأصول المذهب و قواعده و لهذا قال في التذكرة و لو قيل بجواز بيع السّباع كلها لفائدة الانتفاع بجلودها كان حسنا انتهى و في (الشرائع) الانتفاع بجلدها و ريشها هذا و يبقى هنا شيء أخر و هو ان ما يصلح للصيد من السباع يجوز بيعه و ان لم نقل بقبولها للتذكية سواء كان من جنس الطيور و غيرها لأنها عين طاهرة ينتفع بها نفعا محللا معتدا به قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة يجوز بيع الفيل و الهرة و ما يصلح للصيد كالفهد و بيع دود القز و النحل مع المشاهدة

66

و إمكان التسليم انتهى

قوله و يظهر ايضا جواز بيع الهرة و هو النصوص في غير واحد من الروايات

وجه الظهور هو كونها بما له منفعة مقصودة و هي اصطيادها للفار و في الصحيح لا بأس بثمن الهرة و قد ادعى الإجماع على جواز بيعها

قوله بخلاف القرد لأن المصلحة المقصودة منه و هو حفظ المتاع نادر

و هذا هو الذي افتى به العلامة (رحمه الله) في فصل مكاسب التذكرة لكن من طريق أخر مغاير لمسلك (المصنف) (رحمه الله) لانه حكم بحرمة بيعه من جهة كونه من أنواع المسوخ قال (رحمه الله) في عداد ما يحرم بيعه و المسوخ برية كالقرد و ان قصد به حفظ المتاع و الدب أو بحرية كالسلاحف و التمساح انتهى و أشار (المصنف) (رحمه الله) بهذا الكلام الى خلاف صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث أجاز بيع القرد و اعتذر عن الخبر الوارد في المنع عن بيعه و شرائه بالضعف و التنزيل على حال عدم الانتفاع المعتد به أو المحرم كالإطافة به للعب كما هو الغالب أو على الكراهة جمعا و ذلك بناء على مسلكه الذي بنى عليه في أصل المسئلة من جواز التكسب بما ينتفع به نفعا يخرج التكسب به عن السفه من جهة وجود ذلك النفع بل زاد على ذلك و قال لا يبعد جواز التكسب بما لا نفع فيه غالبا إذا اتفق حصول النفع المعتد به فيكتسب به في ذلك الحال ثمّ قال (رحمه الله) و دعوى كونه منفعة نادرة لا يجوز التكسب بها لتحقق السفه يدفعها منع محققة مع فرض حصول النفع المعتدّ به بل أقصاه انه يكون كبعض العقاقير الأدوية التي يندرج الاحتياج إليها نعم لا ريب في تحقق السفه لو تكسب بها حال عدم النفع رجاء لتلك المنفعة النادرة الى ان قال في ذيل الكلام بل لا مانع منه عند الحاجة إليه لدواء و نحوه مما يرتفع معه السفه الحاصل عند عدم الحاجة اليه و لو لادّخاره عند عروضها باعتبار غلبة نوعه في كل وقت و حين ضرورة كونه (حينئذ) كبعض عقاقير الأدوية و دعوى عدم التمول في ذلك (مطلقا) يمكن منعها باعتبار صدق التملك بإرادته في كل مباح هذا كلامه (رحمه الله) و محصل العيار المستفاد من كلامه في جواز الاكتساب بهذا النوع هو ان يكون في المبيع منفعة و لو نادرة و لو في بعض الأحوال بحيث يخرج الاكتساب عن السفه حتى لو اشتراه في حال عدم الحاجة لغرض الاحتياج إليه في غير ذلك الحال مع كون ذلك الغرض من أغراض العقلاء صح البيع و من هنا قال بصحة بيع القرد لحفظ المتاع و لما كان المعيار و المناط لصحة الاكتساب بالشيء عند (المصنف) هو كون المنفعة غالبة أو مشكوكة الندرة و لم تكن المنفعة النادرة مسوغة للاكتساب و كان الانتفاع بالقرد لحفظ المتاع من المنافع النادرة فلذلك حكم (رحمه الله) بحرمة الاكتساب به فتدبر

قوله ثم اعلم ان عدم المنفعة المعتد بها يستند تارة إلى خسة الشيء كما ذكر من الأمثلة في عبارة (المبسوط) و اخرى إلى قلته كجزء يسير من المال لا يبذل في مقابله مال كحبة حنطة

أنكر بعض المعاصرين تعميم عدم المنفعة و خصبة بما كان لخسته قال (الظاهر) ان مراد الأصحاب مما لا ينتفع به انما هو ما كان كذلك لخسة و عدم ترتب النفع عليه في نفسه عادة أو شرعا كما هو ظاهر أمثلتهم و سياق عباراتهم فلا يندرج فيه حبة الحنطة و نحوها مما لا ينتفع به لقلته انتهى و (الظاهر) ان ما ذكره هو الصواب

قوله و الفرق ان الأول لا يملك و لا يدخل تحت اليد كما عرفت من التذكرة بخلاف الثاني فإنه يملك و لو غصبه غاصب كان عليه مثله ان كان مثليا خلافا للتذكرة فلم يوجب شيئا كغير المثلي و ضعفه بعض بان اللازم (حينئذ) عدم الغرامة فيما لو غصب صبرة تدريجا و يمكن ان يلتزم فيه بما يلتزم في غير المثلي

بأن يقال بعدم الضمان ما دام لم تبلغ المأخوذ حد المالية فإذا بلغ ذلك الحد توجه الخطاب إلى الأخذ برد مثله أو قيمته في صورة التلف و قال بعض المعاصرين و لا ريب في ثبوت الملكية له اى لما لا ينتفع به لقلته و ثبوت اليد عليه و وجوب رده الى مالكه مع وجوده بل و لا في ضمانه بمثله مع كونه مثليا كما نص عليه كثير منهم لعموم أدلته خلافا لما عن التذكرة فلم يوجب عليه شيئا كغير المثلي للأصل و الشك في شمول أدلة الضمان لذلك خصوصا ما علق فيه على المال المشكوك في صدقه على نحو ذلك ان لم يعلم عدمه عرفا الا ان الشك ممنوع و الأصل لا يعارض العموم بل ربما أورد عليه باستلزامه عدم الضمان فيما لو غصب منه صبرة تدريجا و لكن قد يدفع بورود مثله في القيمي و الجواب عنهما واحد و هو منع الاستلزام المزبور لصدق إتلاف المال في ذلك قطعا بخلاف محل البحث إذ لا يلزم من صدقه على الكل أو الكثير صدقه على الجزء أو القليل كما هو واضح انتهى

قوله ثم ان منع حق الاختصاص في القسم الأول مشكل مع عموم قوله (عليه السلام) من سبق الى ما يسبق إليه أحد من المسلمين فهو أحق به مع عدّ أخذه قهرا ظلما عرفا

نسب الى ظاهر التذكرة عدم ثبوت حق الاختصاص فيما لا منفعة فيه لخسة بل قد يستظهر منه اتفاقنا عليه للأصل فأشار (المصنف) (رحمه الله) الى الاستشكال فيما نسب اليه استنادا الى ما ذكره من الوجهين و في الثاني نظر لان ثبوت صدق الظلم موقوف على تحقق الاختصاص لأنه عبارة عن إيلام لغير بغير استحقاق فان ثبت اختصاصه به صدق على أخذه منه الظلم و الا فلا فلو اثبت الاختصاص بصدق الظلم لزم الدور مضافا الى انه قد يدعى ان المتبادر من الخبر انما هو ثبوت كونه أحق بعد الفراغ عن قابلية المسبوق اليه لثبوت حق أو ملك و المقصود من الخبر (حينئذ) هو بيان ان الحق و الملك انما يثبتان للسابق في مقابل ثبوتهما لغيره فلا يستفاد منه ثبوتهما مع الشك في قابلية المسبوق اليه لهما فتأمل تتميم قال بعض المعاصرين لا يندرج فيه اى في أصل عنوان تحريم بيع ما لا ينتفع به لعدم الحاجة إليه فعلا أو لمبدوليته كالماء و التراب و الحجارة و نحوها فيجوز بيعه (مطلقا) للأصل و العمومات و القول بجوازه مع الانتفاع المعتد به و بعدم جوازه مع عدمه للسفه و نحوه محلّ نظر بل منع و الا لجرى في سائر المبيعات إذ لا مبيع الا و هو كذلك و التزامه في الجميع كالمقطوع بعدمه و خلاف المعهود منهم كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم بأدنى ملاحظة و اللّه اعلم انتهى

النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه

[المسألة الأولى مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه تدليس الماشطة]

قوله تدليس الماشطة المرأة التي يراد ترويجها أو الأمة التي يراد بيعها

بإظهار حسن ليس فيها للخاطب أو المشتري أو إخفاء قبحها عليهما و مثله فعل المرأة ذلك بنفسها

قوله و يحصل بوشم الخدود

سيجيء تفسير الوشم في الكتاب فلاحظ

قوله و كيف كان يظهر من بعض الاخبار المنع عن الوشم و وصل الشعر بشعر الغير و ظاهرها المنع و لو في غير مقام التدليس

استطرد البحث عنهما على وجه الاستقلال حتى لو قلنا بأنهما لا يوجبان التدليس لورود الاخبار فيهما على وجه الخصوص

قوله و الواشرة التي تشر أسنان المرأة و تصلحها و تحددها

هاتان الجملتان عطفتا على الجملة الأولى بعنوان التفسير لها كما يشهد بذلك عبارة مجمع البحرين قال فيه وشرت المرأة أنيابها وشرا من باب وعد إذا حددتها و رققتها فهي واشرة و استوشرت سئلت أن يفعل بها ذلك

قوله و هي ان تعرض بدنها أو ظهر كفها بإبرة

يقال غرزه بالإبرة غرزا من الباب الثاني إذا نخسه كذا في شرح القاموس

قوله و ظاهر بعض الاخبار الجواز (مطلقا) ففي رواية سعد الإسكاف

(11) المراد بالجواز (مطلقا) هو الجواز من دون تقييد بما يفيد الكراهة و وجه ظهور الرواية في ذلك إدراجه في إطلاق ما تزينت به المرأة لزوجها

قوله خصوصا مع صرف الامام (عليه السلام) للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهر المتحد سياقا مع سائر ما ذكر في النبوي

(12) لا يخفى ان صرف الامام (عليه السلام) للنبوي عن ظاهره لو كان بما يرجع الى التصرف في معنى اللّعن بما يؤل إلى الكراهة كان مؤيدا لحمل ما عدا الوصل مما ذكر في رواية معاني الاخبار على الكراهة و لكنه ليس الحال على هذا المنوال لأنه إنما صرف الامام (عليه السلام) النبوي بالتصرف في معنى الواصلة و المستوصلة بما يقتضي ثبوت الحرمة للوصل فيكون لعن رسول اللّه الواصلة و المستوصلة مقيد للتحريم و إذا كان المراد باللعن هو التحريم تثبت في جميع

67

ما ذكر في الحديث مما عدا الوصل فكيف يكون مؤيدا لحملها على الكراهة و لو لا توصيفه (رحمه الله) النبوي الوارد في الواصلة بقوله المتحد سياقا مع سائر ما ذكر في النبوي لأمكن جعل قوله خصوصا متمما لثبوت الرخصة من رواية سعد في مطلق الزّينة بتقريب انه بعد صرف النبوي لا يستثني من الزينة شيء

قوله عن المرأة تحفّ الشعر عن وجهها

يقال حفت المرأة وجهها من الشعر تحفه حفا و حفافا من باب قتل إذا قشرته

قوله و هذه (أيضا) قرينة على صرف إطلاق لعن النامصة في النبوي عن ظاهره بإرادة التدليس

يعنى كما ان ثبوت الرخصة من رواية سعد في مطلق الزينة قرينة على حمل جميع ما عدا الواصل مما في رواية معاني الاخبار على الكراهة و منها إطلاق لعن النامصة و ان عدم الدليل على تحريم الأمور المذكورة التي منها لعن النامصة في غير مقام التدليس قرينة على تقييدها بصورة التدليس (كذلك) رواية علىّ بن جعفر (عليه السلام) قرينة على صرف إطلاق لعن النامصة في النبوي من حيث توافقهما في أصل المضمون الى أحد الأمرين من التقييد بصورة التدليس أو الحمل على الكراهة

قوله ثم ان التدليس بما ذكرنا انما يحصل بمجرد رغبة الخاطب أو المشترى و ان علما ان هذا البياض و الصّفاء ليس واقعيا بل حدث بواسطة هذه الأمور فلا يقال انها ليست بتدليس لعدم خفاء أثرها على الناظر

لا يخفى ان التدليس كما صرح به جماعة من أهل اللغة عبارة عن كتمان عيب السلعة عن المشترى و إخفائه عليه و لما احتمل (المصنف) (رحمه الله) كون اللعن على الأمور المذكورة مقيد بصورة التدليس أراد ان ينبه على ما يحصل به التدليس في خصوص هذه الموارد و ليس هو (رحمه الله) في مقام بيان ان مطلق التدليس في أي مورد كان يحصل بمجرد الرغبة و لهذا قيد بقوله بما ذكرنا و وجه كون مثل ذلك تدليسا مع ظهور أثره على الناظر هو إخفاء عدم المرغوبية الأصلية في المتلبسة بالأمور المذكورة بحدوث ماء يوجب الرّغبة بالفعل هذا و لكنك خبير بعد ذلك كله بوضوح توجه المنع الى حصول التدليس بمجرد رغبة الطالب بأمثال ما ذكر و نظائره في الموارد المذكورة أو غيرها فتدبر

قوله و لا يعطون ما يتوقعون من الزيادة

(انتهى) عطف على قوله يتوقعون المتقدم

[المسألة الثانية مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه تزيين الرجل بما يحرم عليه]

قوله كالسوار و الخلخال

السوار بالكسر جمعه اسورة كسلاح و أسلحة و جمع الجمع أساور و سوار بالضم لغة و هو الذي يلبس في الذراع من ذهب فان كان من فضة فهو قلب بالضم و جمعه قلبه و ان كان من قرون أو عاج فهو مسكه بفتحتين و جمعه مسك و الخلخال بفتح الخاء كما في المجمع معروف و هو أحد خلاخيل النساء

قوله و في دلالته قصور لان الظاهر من التشبه تأنث الذكر و تذكر الأنثى لا مجرد ليس أحدهما لباس الأخر مع عدم قصد التشبه

المراد بتأنث الذكر بقرينة قوله لا مجرد ليس أحدهما لبس الأخر مع عدم قصد التشبه هو تلبسه بلباس الأنثى و تعمده زيّها بقصد التشبه بها و الإظهار من نفسه أنها أنثى و كذا الحال في تذكر الأنثى فلو ليس أحدهما لباس الأخر لا بقصد التشبه بل لدفع الحر أو البرد مثلا في غير مقام الضرورة كما إذا تخاذل عن إخراج ألبسته من الصندوق الموضوعة هي فيه لم يفعل حراما بمقتضى اللفظ المذكور في الحديث

قوله و في رواية يعقوب ابن جعفر الواردة في المساحقة ان فيهن قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لعن اللّه المتشبهات بالرجال من النساء (إلخ)

هذا معنى بان للتشبه و محصله ان المراد بتشبه الذكر بالأنثى تشبهه بها في المفعولية و بتشبه الأنثى بالذكر تشبهها به في الفاعلية بالسحق

قوله و في رواية سماعة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجر ثيابه قال انى لأكره أن يتشبه بالنساء و عنه (عليه السلام) عن آبائه (عليه السلام)

أشار (رحمه الله) بذكر الرّوايتين الى معنى ثالث للتشبه و هو مطلق إظهار الشبه و ان لم يكن بلبس شيء من لباس المشبه به و انّما كان في كيفية من الكيفيات حتى مثل جرّ الثياب مثلا

قوله و فيها خصوصا الأولى بقرينة المورد ظهور في الكراهة فالحكم المذكور لا يخلو عن إشكال

يعنى ان في الروايتين الأخيرتين ظهورا في الكراهة خصوصا الاولى منهما و وجه الخصوصية ان موردها الذي هو جر الثياب قرينة على الكراهة من حيث ان من المعلوم ان جر الثياب ليس محرما فيكون مطلق التشبه الصادق عليه و على غيره الذي من جملة أفراده ليس الرّجل ثوب المرأة و بالعكس الذي هو المبحوث عنه هنا غير محرم و لهذا فرع عليه عدم خلق الحكم المذكور الذي هو ليس كل منهما ثوب الأخر عن الإشكال

[المسألة الثالثة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة]

قوله و الإنصاف ان هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم

إذ لا دليل على حرمة تفضيح المرأة بمثل هذه الفضيحة التي هي ذكر جمالها و حسنها و الميل إليها و قد خلقها اللّه تعالى على تلك الهيئة لان يختارها رجل من الرّجال و لا يرد حرمة ذلك في المزوجة لأن تلك من جهة كونها ذات بعل و الكلام في التشبيب بالمرأة المؤمنة المعروفة؟؟؟ المحترمة من حيث هي كذلك مع قطع النظر عن زيادة صفة أخرى و كذا القول في هتك حرمتها و إيذائها إذ لا دليل على حرمتهما الا ترى انه لو سئل سائل عن بنات الاشراف ليخطب واحدة منها فوصف واصف واحدة منها بالجمال و الكمال لم يكن هتك حرمتها على ذلك الوجه حراما و ان كان الوصف بمحضر جماعة كثيرة و لو تأذت بذلك لم يحكم عليه بالحرمة و ان علم الواصف بأنها تتأذى من ذلك أو ان خاطبا خطبها فتاذت بذلك لم يكن فعله حراما و كذا الحال في إغراء الفساق بها إذ ليس إلا عبارة عن احداث الميل في قلوبهم و لا دليل على حرمته و قس على ذلك الحال في الباقي

قوله مع كونها أخص من المدعى إذ قد لا يتحقق شيء من المذكورات في التشبيب

(11) المدعى عبارة عن حرمة التشبيب و تعليل أخصية تلك الوجوه من الحرمة بأنه قد لا يتحقق شيء من المذكورات انما هو باعتبار ان التشبيب لا ينفك عن الحرمة عند المستدل لكونه محكوما عليه بها عنده فإذا لم يتحقق شيء منها مع التشبيب لم يتحقق مع حرمة التشبيب فصارت أخص من المدعى حيث تحقق المدعى و لم تتحقق هي

قوله بل و أعم منه من وجه فان التشبيب بالزوجة قد يوجب أكثر المذكورات

(12) يعنى ان تلك الوجوه أعم من المدعى و هو الحرمة من وجه لان التشبيب بالزوجة قد يتفق انه يوجب أكثر المذكورات و ليس حراما مثل انه قد يتفق انّه يوجب ما عدا الإيذاء من حيث حبها الشياع حب زوجها لها كما هو الغالب في النسوان و قد يتفق انه يوجب ما عدا إغراء الفساق بها اما اتفاقا و امّا من جهة تحفظه عن بلوغ الشعر الذي شبب به الى الفساق بان يظهره للعدول و يوصيهم بعدم إظهاره مثلا و قد يوجب ما عدا إدخال النقص إذا كان هو شريفا و كانت هي و أهلها وضيعا يفتخرون بمثل ذلك و هكذا بل يمكن ان يقال ان التشبيب بالزوجة قد يوجب جميع ما ذكر و اكتفاء (المصنف) (رحمه الله) بالأكثر من باب الأخذ بأقل المرتبتين و قد علم مما ذكره (رحمه الله) من وجه الأخصية من المدعى و ما ذكره من التعليل بان التشبيب بالزوجة قد يوجب أكثر المذكورات مادتا الافتراق و مادة الاجتماع غير خفية هذا و لكن بقي هنا نكتة و هي ان قوله بل و أعم لا يخلو من حزازة لأنه قد جرت عادت المحققين؟؟؟ بالجمع بين بل و الواو التي تليها إذا كان الترقي من انفراد المعطوف عليه الى اجتماعه مع ما عطف عليه و معلوم ان ذلك لا يتم فيما نحن فيه لعدم إمكان اجتماع كون الدليل أخص من المدعى مع كونه أعم منه من وجه لكن يندفع الإشكال بأن نوجّهه مبنى على ان يراد بقوله أعمّ من وجه انه أعمّ و أخصّ من وجه على ما تعارف الاكتفاء بذكر العموم من وجه عن ذكر الخصوص معه فإنه (حينئذ) لا يصحّ انّ الدليل أخصّ من المدعى و أعمّ و أخص منه من وجه و ليس المراد من كلام (المصنف) (رحمه الله) ذلك

68

بل المراد بيان العموم فقط كما ان المراد بقوله ان الدّليل أخص من المدعى بيان كونه أخص و يحصل من ملاحظة الجهتين العموم و الخصوص من وجه فيكون العطف بالوجه المذكور في محله فافهم

قوله مثل ما دل على المنع من النظر لانه سهم من سهام إبليس

مسموم و كم من نظرة أورثت حسرت و بسند أخر عن عقبة ايضا قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها للّه عز و جل لا لغيره أعقبه اللّه أمنا و ايمانا يجد طعمه

قوله و المنع من الخلوة بالأجنبية لان ثالثهما الشيطان

لا يخفى ان العبارة تعطي حرمة الخلوة بالأجنبية و قد عقد في الوسائل بابا جعل عنوانه باب عدم جواز خلوة الرّجل بالمرأة الأجنبية و احتباء المرأة ذكر فيه ثلث روايات هي رواية مسمع ابى سيار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال فيما أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) البيعة على النساء ان لا يحتبين و لا يقعدن مع الرجال في الخلاء و رواية موسى بن إبراهيم عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم و رواية الحسن الطبرسي في مكارم الأخلاق عن الصادق (عليه السلام) قال أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على النساء ان لا ينحن و لا يخمشن و لا يقعدن مع الرجال في الخلاء و ليس في شيء منها ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من قوله ثالثهما الشيطان فلعله في غيرها لانه قال في الوسائل بعد ذكرها و تقدم ما يدلّ على ذلك في الإجارة و غيرها و يأتي ما يدل عليه و يمكن ان يكون ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) مما لم يعثر عليه صاحب الوسائل أو لم يذكره و انما أخذه (المصنف) (رحمه الله) من غيرها من كتب الاخبار

قوله و كراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان

ففي رواية طويلة ذكرها في الوسائل في باب جملة من الأحكام المختصة بالنساء عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) و إذا قامت المرأة من مجلسها فلا يجوز للرجل ان يجلس فيه

قوله و رجحان التستر عن نساء أهل الذمة لأنهن يصفن لأزواجهن

و لكن يمكن المناقشة في دلالتها على ما اراده (المصنف) (رحمه الله) الاستدلال بها عليه نظرا الى ان عدم الجواز هنا انما هو لصيانة المسلمات عن اطلاع الكفار على اوصافهن و الا فوصف النساء ما يرينه لأزواجهن موجود في المسلمات (أيضا)

قوله و التستر عن الصبي المميز الذي يصف ما يرى

فعن السكوني عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل أمير المؤمنين عن الصبي يحجم المرأة قال إذا كان يحسن يصف فلا

قوله و النهى في الكتاب العزيز عن ان يحضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض

قال في مجمع البحرين بعد ذكر الآية هو من الخضوع و هو التطامن و التواضع

قوله و عن ان يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن

قال اللّه تعالى في سورة النور وَ لٰا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ الاية قال في مجمع البيان في تفسيرها قال قتادة كانت المرأة تضرب برجلها ليسمع قعقعة الخلخال فيها فنهاهن عن ذلك و قيل معناه و لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليتبين خلخالها أو يسمع صوتها

قوله من جهة اختلاف الوجوه المتقدمة للتحريم

جميع ما ذكره في ذيل قوله و يمكن ان يستدل يقتضي التحريم لان التشبيب في الصورة المذكورة لهو و باطل بالنسبة إلى القائل و فحشاء و مناف لعفافه المعتبر في عدالته و مهيج للقوة الشهوية له و ليس لشيء من تفضيح المرأة و هتك حرمتها و و إيذائها و إغراء الفساق بها و إدخال النقص عليها و على أهلها مجال و لا مسرى هنا فيتجه الاشكال على ما في جامع المقاصد و عن الحواشي من جهة اختلاف الموجوه التي استندوا إليها و الوجوه التي يمكن الاستدلال بها في الواقع و من هنا يعلم توجه الاشكال على (المصنف) (رحمه الله) في استشكاله في التشبيب بالمعروفة عند القائل دون السامع (مطلقا) من حيث انه صرح بعدم اعتباره للوجوه التي استندوا إليها و عدم نهوضها لإثبات التحريم و مع ذلك جعلها منشأ للإشكال و مستند الأحد طرفيه فحصل من ذلك ان وجه توجه الاشكال على ما في جامع المقاصد و عن الحواشي هو احتمال استنادهما الى ما استند الأصحاب إليه من الوجوه و احتمال استنادهما الى ما يمكن ان يكون مستندا في الواقع و وجه توجه الاشكال على (المصنف) (رحمه الله) هو اعترافه بعدم صحة الوجوه التي استندوا إليها فافهم

[المسألة الرابعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه تصوير ذوات الأرواح]

قوله تصوير صور ذوات الأرواح حرام إذا كانت الصّورة مجسمة بلا خلاف فتوى و نصا

قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) في القواعد كعمل الصّور المجسمة المتبادر من المجسمة ما يكون لها جسم يحصل له ظل إذا وقع عليه ضوء و لا ريب في تحريم هذا القسم إذا كان من صور ذوات الأرواح و ان كانت عبارة الكتاب مطلقة و هل يحرم غير المجسمة كالمنقوشة على الجدار و الورق عمم التحريم بعض الأصحاب و في بعض الاخبار ما يؤذن بالكراهة و لا ريب ان التحريم أحوط هذا فيما له روح و اما غيره كالشجر فيظهر من كلام بعض الأصحاب التحريم حيث حرم التماثيل و أطلق و المعتمد العدم و (الظاهر) عدم الفرق فيه بين المجسم و غيره فتكون الأقسام أربعة أحدها محرم إجماعا و باقي الأقسام مختلف فيها لا كما يوجد في بعض الحواشي انتهى و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و تصوير الحيوان ذي الظل بحيث إذا وقع عليه ضوء يحصل له ظل و هو محرم بالإجماع و قال بعض الأساطين في شرح القواعد ما نصه الرابع ما نص الشارع على تحريمه عينا لذاته لا لنجاسة و لا لغايته و لا لعبث كعمل الصور الحيوانية و ظهوره فيها اغنى عن القيد المجسمة و ذوات الظل و اما غيرها فلا و التفصيل ان المجسمة اما لمجسم أو غيره حيوانى أو غيره و غيرها كذلك و المحظور واحد من الثمانية و إذا رجع تصوير الصورة إلى تصوير المصور فالحرام اثنان منها أو أربعة و لو زدت الوهمي تضاعفت اقتصارا على المتيقن فيما خالف الأصل و هو الصورة المجسمة الحيوانية لصغير أو كبير حي أو ميت تام أو ناقص مع صدق الاسم عرفا و اما غير المجسمة للحيوان ففيها قولان اقويهما الجواز هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و المحصل من الجميع هو ما يشيد أركان مقالة (المصنف) (رحمه الله) من كون تصوير الصورة المجسمة لذوات الأرواح محرما بلا خلاف و لا اشكال بل هو القدر المتيقن من تحريم التصوير ثم ان هذا الذي ذكرنا انّما هو بالنسبة إلى فعل المصور و هل يبطل الاكتساب به حتى لو أخذ اجرة على التصوير حرمت فنقول لازم القول بحرمة نفس العمل و اقتناء المعمول و إبقائه هو فساد العقد و حرمة الأجرة لأنه يصير من الباطل محضا بحيث لم يرد الشارع الا اضمحلاله و اما على مذهب من لا يقول الا بحرمة نفس العمل و لا يقول بحرمة اقتناء المعمول و إبقائه فلم نجد من صرح منهم بشيء من الصّحة و الفساد و لكن مقتضى قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه انما هو البطلان

قوله و كذا مع عدم التجسم

يعنى ان الحكم هو الحرمة مع عدم تجسم الصورة (أيضا) كالصورة المنقوشة على نحو البساط و الثياب و الورق و الجدار و قد ذهب الى هذا القول من ذكرهم (المصنف) (رحمه الله) و غيرهم كصاحب المستند (رحمه الله) بل قد ينسب الى جميع من عبر مثل المحقق (رحمه الله) فقال عمل الصور المجسمة بناء على انه أراد جعل الصفة بحال متعلق الموصوف بمعنى عمل صور مجسم مصورها بالفتح و هو المراد بقول من عبر بحمل الصفة على الممثل لا المثال و (حينئذ) تكون العبارة أعم من ان تكون نفس الصور مجسمة أم لا لكن هذا الاحتمال بعيد عن اللفظ

قوله و المتقدم عن تحف العقول و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني

(11) يستفاد من هذا الحديث ان التصوير أعم من تصوير ذوات الأرواح و غيرها حيث استثنى منه مثال الروحاني

قوله و قوله (عليه السلام) في عدة اخبار من صور صورة كلفه اللّه تعالى يوم القيمة ان ينفخ فيها و ليس بنافخ

(12) قال في (المسالك) الذي رواه الصدوق في كتاب عقاب الأعمال في الصحيح عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال ثلاثة يعذبون يوم القيمة و عد منهم من صور صورة من الحيوان

69

يعذب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها ثم قال و هذا يدل بإطلاقه على تحريم تصوير ذوات الأرواح (مطلقا) و لا دليل على تحريم غيرها و هذا هو الأقوى انتهى و لكن لا يخفى عليك ما في دلالته على الحرمة من التأمل لأن مساقه مساق ما يفيد الكراهة الا ان يخرج مؤيدا في ذيل الأدلة الدالة على الحرمة

قوله و ارادة تجسيم النقش مقدمة للنفخ ثم النفخ فيه خلاف الظاهر

عرضه انه لو أريد بقوله ان ينفخ ما يساوى قولنا ان يجسمه ثم ينفخ فيه بان يراد باللفظ المعنيان الموضوع لهما لفظا التجسيم و النفخ كان مجازا مخالفا للظاهر

قوله و فيه ان النفخ يمكن تصوره في النقش بملاحظة محله بل بدونها كما في أمر الإمام (عليه السلام) الأسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة أو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصّبغ

قد أشار (رحمه الله) في الجواب عمّا ذكره المستظهر في ذيل كلامه من كون اراده التجسيم ثم النفخ من لفظ النفخ الى منع استعمال اللفظ في هذا المجموع و انما استعمل في معناه الأصلي و بين في تصويره وجوها ثلاثة أحدها ان النفخ ممكن بملاحظة محل النقش يعنى المقدار من الجسم الذي هو مطابق للهيئة العارضة فلا حاجة الى استعمال اللفظ فيما زاد على معناه الأصلي ثانيها ان اللّه سبحانه قادر على ان يجعل ذلك النقش مجردا عن محلّه جسما قابلا لحلول الروح فيه كما جعل الصّورة المنقوشة على البساط في مجلس المأمون أسدا من دون ان ينفصل من جسم البساط جزء و انما انفصلت الصّورة الّتي هي النقش العارض فتجسمت أسدا فيمكن انّ اللّه سبحانه يجسم تلك الصّورة من دون مصاحبة شيء من معروضها كما في تجسيم الأعمال يوم القيمة مع كونها من قبيل الاعراض ثم يكلف المصور بنفخ الروح فاللفظ لم يستعمل إلا في نفس معناه الأصلي ثالثها ان تلك الصّورة عبارة عن الصّبغ الّذي هو اجزاء جسمية لطيفة فيكلف اللّه المصور ان ينفخ فيها الروح من دون حاجة الى أمر أخر و بهذا البيان ظهر الفرق بين الوجوه الثلاثة و ان الثاني مبنى على الإغضاء و الإغماض عن كون الصّبغ اجزاء جسمية

قوله فان ذكر الشمس و القمر قرينة على ارادة مجرد النقش

وجه كونه قرينة هو عدم تعارف جعل صورة مجسمة لهما و انما يصورونهما بالنقش على الأجسام و لا عبرة بما ذكر في بعض التواريخ من انه قد عمل بعض الحكماء في قديم الزمان جسما منيرا على هيئة القمر يعلوا الى الهواء و يضيء في البلد فان ذلك أمر اتّفاقي لم يسمع به أكثر الناس حتى يجعلوه موردا للسؤال عن الامام (عليه السلام) فتأمل

قوله فان المثال و التصوير مترادفان على ما حكاه كاشف اللثام عن أهل اللغة

لم أجد في كشف اللثام من هذا عينا و لا أثر إذ ليس فيه مما له تعلق بذلك الّا ما ذكره في شرح قول العلامة (رحمه الله) و الصّلوة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم فيه صورة بقوله ثم ان ابن إدريس (رحمه الله) خصّص الكراهة بصورة الحيوانات قال في (المختلف) و باقي أصحابنا أطلقوا القول و هو الوجه لنا عموم النهى و لان المراد بذلك ترك الاشتغال بالنظر الى الصور و التماثيل حال الصّلوة و هو شامل للحيوان و غيره انتهى و قول ابن إدريس (رحمه الله) عندي قوي إذ لو عممت الكراهة لكرهت الثياب ذوات الاعلام لشبه الأعلام بالأخشاب و القصبات و نحوها و الثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها بالأخشاب و نحوها و لأن الأخبار ناطقة بنفي الكراهة عن البسط و غيرها إذا قطعت رؤوس التماثيل أو غيرت أو كان لها عين واحدة و تفسير قوله تعالى يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ بتماثيل الشجر و نحوه و سئل محمّد بن مسلم الصّادق (عليه السلام) عن تماثيل الشجرة و الشمس و القمر فقال لا بأس ما لم يكن شيء من الحيوان روى ان خاتم ابى الحسن (عليه السلام) كان عليه حسبي اللّه و فوقه هلال و أسفله وردة ثم ظاهر الفرق بين الثوب و الخاتم بالوصف بالتماثيل و الصّور هنا و في النهاية و التحرير و المنتهى و كتب المحقق تغاير المعنى فقد يكون المراد بالصّور صور الحيوانات خاصة و بالتماثيل الأعم لتفسير الآية به كما سمعت و لورود خاتم فيه نقش هلال و وردة و احتمال ما فيه التماثيل في صحيح ابن بزيع المعلّم و لذا كرهه الشهيد (رحمه الله) في (الدروس) لكن في المعرب و المهمل اختصاص التمثال بصور أولي الأرواح و عموم الصور حقيقة و امّا تمثال شجر فمجاز ان صح انتهى و لكن في مفتاح الكرامة عن كشف اللثام انه قال فيه المعروف في اللغة ترادف التماثيل و التصاوير و الصور بمعنى التصاوير انتهى و حكى عن البحار انه قال فيها كلام الأكثر أوفق بكلام أهل اللغة فإنهم فسّروا الصورة و المثال و التمثال بما يعم و يشمل غير الحيوان لكن ظاهر إطلاق أكثر الأخبار التخصيص ففي بعض الروايات مثال طير أو غير ذلك و في بعضها صورة إنسان و في بعضها تمثال جسد ثم انه ساق أخبار أخر تدل على إطلاق المثال و الصّورة على ذي الروح ثم قال و قد وردت أخبار كثيرة تتضمن جواز عمل صورة غير ذي الرّوح ثم نقل عن المطرزي اختصاص التمثال بصورة أولي الأرواح و انه قال و اما تماثيل شجر فمجاز ثم قال و يوافقه كلام الصدوق (رحمه الله) في المقنع انتهى ما في مفتاح الكرامة

قوله و من المعلوم ان المادة لا دخل لها في هذه الاختراعات العجيبة فالتشبه انما يحصل بالنقش و التشكيل لا غير

لا يخفى ان مثل ذلك من قبيل الاعتبارات التي لا عبرة بها خصوصا مع معارضته بمثله إذ يمكن ان يقال ان المادة من حيث هي و ان كانت مما لا دخل له في هذه الاختراعات الا ان ما لا تجسم له لا استقلال فيه فهو تابع محض و حكاية صرفة لما خلقه اللّه تعالى بخلاف ما هو مجسم فإنه لاستقلاله مشابه لما خلقه اللّه تعالى و في عرضه فهو أظهر في كون إيجاده معارضة للخالق بإيجاد ما هو مستقل بنفسه كما ان ما أوجده اللّه تعالى مستقل بنفسه فافهم

قوله و ان كان ما ذكره لا يخلو عن نظر كما سيجيء

وجه النظر ما ستعرفه في كلامه (رحمه الله) إنشاء اللّه تعالى من انتفاء ما هو المناط في حرمة الصّورة من اعتبار القصد الى التشبيه و التصوير المنتفى فيما ذكره كاشف اللثام من الأمثلة

قوله خلافا لظاهر جماعة حيث انهم بين من يحكى عنه تعميمه الحكم لغير ذي الروح و لو لم يكن مجسما

الظاهر ان الضمير الذي هو اسم كان يعود إلى الصّورة فيكون حاصل هذا القول ان ذا الصورة أعم من ان يكون ذا روح أو غيره و ان الصورة أعم من ان يكون مجسما أو منقوشا على جسم و انّما استظهرنا عود الضمير إلى الصّورة لا الى المصور بالفتح لانه جعل مستنده ما دل على النهى عن تزويق البيوت و قوله (عليه السلام) من مثل مثالا (انتهى) و هما يفيدان إثبات النهي عن التصوير على الجسم فيفيدان التعميم من هذه الجهة دون التعميم من جهة كون المصور بالفتح مجسما كالإنسان أو غير مجسم كالجز و الملك مثلا و كيف كان فقد اقتصر (المصنف) (رحمه الله) في مقابل مختاره بذكر قولين كلاهما من شعب القول بالتحريم أحدهما ما عرفت و الأخر ما يذكره و محصلة التعميم في ذي الصّورة بالنسبة إلى الحيوان أو غيره و التقييد في الصّورة بكونها مجسمة و هناك قول ثالث لم يتعرض له و هو القول بالكراهة مع الجواز و قد حكى عن جماعة بل في المستند انه قيل انه الأشهر و مستند هذا القول الأصل و الروايات المعتبرة المرخصة في الجلوس و الوطي على الفراش المصورة و قال في المستند بعد اختيار القول بالحرمة ان الأصل مندفع بما مر يعني الأخبار التي استند إليها في التحريم و ان الروايات غير دالة لعدم الملازمة بين رخصة الجلوس و جواز العمل مع احتمال حملها على غير ذوات الأرواح و معارضتها بالموثق يجلس الرّجل على بساط فيه تماثيل فقال العجم تعظمه و انا لنمقته و زاد بعضهم التمسك في الحكم بالجواز بالعمومات القاضية بالسّعي في طلب الرزق بأي نحو كان و اختار بعض مشايخنا هذا القول مدعيا انّه المشهور و أجاب عن حجة القول بالتحريم أولا بأن فهم الأصحاب

70

كاشف عن قرينة دالة على ان المراد بالاخبار التي استند إليها له انما هو الكراهة و الا لم يفتوا بها و ثانيا بان مساقها انما يعطى الكراهة فإن التأكيد في الاخبار ببيان ما يترتب على العمل في الدّنيا أو في الآخرة دليل على كراهة فإن التحريم يكتفى فيه بما يفيد النهى عن متعلقة و يؤيد ذلك اقتران محو الصّورة في خبر السكوني بما ليس واجبا نفيه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بعثني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى المدينة فقال لا تدع صورة الا محوتها و لا قبر الا سوّيته و لا كلبا الا قتلته فان تسوية القبر و قتل الكلب ليسا واجبين حتى يكون إبقاؤهما حراما فيكون إبقاء الصّورة (كذلك) و كذا قوله (عليه السلام) من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن ربقة الإسلام فإن تجديد القبر ليس حراما فكذا التمثيل لورودهما في كلام واحد ثم قال ذلك البعض انه لو لا الإجماع في القسم الأول على التحريم لم نستند الى هذه الاخبار في إثبات التحريم هناك ايضا و ثالثا ان لنا ان نقول ان المراد بتلك الاخبار انما هو عمل الصّور المجسمة لا مجرد نقش مشابه لما هو جسم و يدل على هذه الدعوى وجوه أحدها تكليفه بنفخ الرّوح فيها فإنه ظاهر في ان جميع ما يحتاج اليه الحيوان موجود في الصّورة التي صنعها المصور لا ينقص منه شيء سوى الروح و هذا لا يتم إلا في صورة كون الصورة جسما فإنه في صورة كونه نقشا فاقد للجثة و الهيكل و يؤيده ان المقصود من النهى عن التصوير انما هو التشبه بالخالق و لا يتم إلا في صورة صنع الجثة و الهيكل فلا ينافي التشبيه بمجرد النقش ثانيها مقابلة الصّورة بالنقش في بعض الاخبار فتدل على ان المراد بها غيره فيكون المراد بها هو المجسم ففي خبر الحسين عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن التصاوير و قال من صوّر صورة كلفه اللّه يوم القيمة ان ينفخ فيها و ليس بنافخ و نهى ان ينقش شيء من الحيوان على الخاتم بل ادعى ذلك البعض ان الظاهر من إطلاق الصّورة انما هو المجسم دون النقش أو ما يعمه ثالثها ما ورد في الصّلوة من انه لا بأس بها في البيوت و فيها تماثيل إذا قطعت رؤسها أو غيرت أو كسرت ممّا هو ظاهر في كون الصّورة صورة حيوان لا ينقص عنه بشيء سوى الروح خصوصا ما كان من الاخبار مشتملا على لفظ الكسر الظاهر في التجسم و قد أشار الى كثير مما ذكر صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال في طي كلامه لكن قد يقال في بعض النصوص التي تقدمت في كتاب الصّلوة من انه لا بأس إذا غيرت رؤسها و في أخر قطعت و في ثالث كسرت نوع اشعار بالتجسيم كالتعليل بالنفخ في الاخبار الأخر و نحوها مما هي ظاهرة في كون الصّورة حيوانا لا ينقص منه شيء سوى الروح بل قد يظهر من مقابلة النقش للصورة في خبر المناهي ذلك (أيضا) و من ذلك كلّه يقوى (حينئذ) القول بالجواز في غير المجسمة الموافق للأصل و إطلاق الآيات و الروايات في الاكتساب و المشي في طلب الرزق بأي نحو كان انتهى ثم انه اعترف بطهور دلالة رواية عقاب الأعمال المتقدم ذكرها التي استند إليها في (المسالك) و وصفها بالصّحة كما عرفت لكنه قال ان سندها غير سليم و استند في ذلك الى ما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد حيث قال و قال في (حينئذ) (الشرائع) انها صحيحة و لكن لي في الصّحة تأمل لأن محمد بن مروان غير ظاهر التوثيق فإنه مشترك و (الظاهر) من كتاب و انه الشعيري الذي قال فيه فر و كش ممدوح لان غيره غير ثابت نقله عن الصادق و أنت تعلم ان ذلك لا يوجب توثيقا حتى يكون خبره صحيحا بل و لا كونه إماميا حتى يكون حسنا مع انك قد عرفت ان ليس عادة كش ان يقول ثقة أو ممدوح من عند نفسه بل ينقل ما ورد في حقه و (حينئذ) وجود المدح منه ايضا غير ظاهر و قد تكون رواية ضعيفة انتهى و لا يخفى ما في الوجوه المذكورة و امّا التمسك بعمومات طلب الرزق فلورودها في مقام بيان الحكم فلا تشخص الموضوع المشكوك في كونه قابلا للاكتساب و تحصيل الرزق به و اما الاستناد الى فهم الأصحاب فلأنه انما يتم مع ثبوت فهم الكل و الأكثر و تحقق الشهرة و هو ممنوع لأن غاية ما يقال في المقام هو

ان القول بالكراهة أشهر و امّا دعوى كونه مشهورا فلا وجه له لأنه يقتضي كون الطرف الأخر نادرا و مع مصير من عرفت من الأساطين إلى الحرمة كيف يصحّ دعوى ندور القول بها و فهم جماعة من الأصحاب في صورة الخلاف غير مفيد كما ان أعراض جماعة مثله في عدم الجدوى و اما دعوى كون مساق الأخبار يقتضي الكراهة فلأنها على وجه الإطلاق ممنوعة فإن منها ما اشتمل على لفظ النهى مثل قوله (عليه السلام) نهى ان ينقش شيء من الحيوان على الخاتم و قوله (عليه السلام) نهى عن تزويق البيوت و خبر الحسين عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن التصاوير و منها ما اشتمل على الاستثناء من الحل كقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن فيه مثال الروحاني و منها ما اشتمل على لفظ العذاب كالمرسل عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال من صور صورة عذب و كلف ان ينفخ فيها و ليس بفاعل و هذه الجملة مما يعطى حاق لفظها و مساقها الحرمة لما عرفت و اما الاخبار الأخر مثل ما وقع فيه الاقتصار على تكليفه بنفخ الروح فيها أو جمع فيه بينه و بين ما هو مكروه فليست بالنسبة الى الأخبار السابقة الا من قبيل الظاهر بالنسبة إلى الأظهر على تقدير تسليم أصل ظهورها و الا فلا يزيد إفادتها للكراهة على الاشعار و قد أجاد المحقق الثاني (رحمه الله) حيث قال في عبارته السابقة و في بعض الاخبار ما يؤذن بالكراهة فلا بد من الأخذ بالأخبار السّابقة و تطبيق الأخبار الأخر على مؤديها و اما دعوى ظهور نفخ الروح في كون الصّورة مجسمة فلأنه قد أجاب عنه (المصنف) (رحمه الله) بما عرفت من الوجوه الثلاثة و اما مقابلة الصّورة بالنقش في خبر الحسين فلانه لا دلالة فيها على كون المراد بالصّورة هي المجسمة لأن المراد فيها كما وقع فيها صريحا نقش شيء من الحيوان على الخاتم و ليس الغالب و المتعارف من النقش على الخاتم الا الحك في الفضّ الذي هو مغاير للتصوير بقسميه الذين هما صنع شيء مجسم مشابه لجسم أو تصوير صورته بصبغ و نحوه على شيء من الأجسام فيكون من مقابلة المباين بالمباين و لكنها غير مفيدة لكون المراد بالتصوير هو جعل شيء مجسم مشابه لغيره و اما التمسك بما ورد من نفى البأس عن الصلاة في البيوت و فيها تماثيل إذا قطعت رؤسها أو غيرت أو كسرة فلما يتجه عليه أولا من ان تلك الاخبار مما لا مساس له بالمقام لأنها انما وردت في بيان تخفيف الكراهة أو زوالها بقطع رؤوس الصور فيصير مقتضاها الكراهة بدون القطع فهي مع تسليم دلالتها على ان وجود الصّور المجسمة في البيت يوجب كراهة الصّلوة دون غير المجسمة لا تدل على حرمة نفس التصوير مجسما أو غير مجسم لإمكان كون أصل التصوير لا بأس به حتى على وجه الكراهة و لكن تكون الصّلوة مع وجود الصّورة في البيت متصفة بالكراهة فالحاصل ان المقامين متغايران فلا وجه للتمسك بدليل أحدهما على حكم الأخر و ثانيا ان تلك الاخبار في موردها ايضا لا تفيد اختصاص الحكم بالمجسم الا ترى الى صحيح على بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه الحسن (عليه السلام) قال سئلته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل أ يصلى فيها فقال لا تصل فيها و فيها شيء يستقبلك الا ان لا تجد بدّا فتقطع رؤسها و الا فلا تصل فيها فإنه أعم من الجسم و غيره و كيف يمكن تخصيصه و قد ورد هناك اخبار أخر تفيد الكراهة في غير المجسم ايضا كالصّحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) لا بأس بأن تصلي على التماثيل إذا جعلتها تحتك و معلوم ان جعلها تحته عبارة عن ان يصلّى على بساط عليه تمثال و سئل ليث المرادي أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوسائد يكون في البيت تكون فيها التماثيل عن يمين أو عن شمال فقال لا بأس به ما لم تكن تجاه القبلة و ان كان شيء منها بين يديك مما يلي القبلة فغطه و صلّ و عنه (عليه السلام) انه قال أهديت الى طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فغيرت رأسه فجعل كهيئة الشجر و اختصاصه

71

بغير المجسم واضح نعم فيها ما هو قابل للحمل على المجسمة أو ظاهر فيها كخبر على بن جعفر (عليه السلام) قال سئلت أخي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل يصلى فيه فقال تكسر رؤس التماثيل و تلطخ رؤوس التصاوير و تصلى فيه و لا بأس فإن الفقرة الأولى بقرينة مقابلتها بالثانية ظاهرة في المجسم و لكن لا يلزم منه اختصاص الحكم بالمجسم لاشتمال الحديث على الفقرة الأخرى (أيضا) و العجب كل العجب من الاستشهاد بهذه الاخبار فيما نحن فيه مع وضوح تباين المقامين و امّا دعوى ان الظاهر من الصّورة انما هي المجسمة فهي واضحة السقوط نعم ادعى بعضهم ظهورها في صورة الحيوان و ليس ببعيد لكن لا دخل له بما نحن فيه و اما ما ذكره من المناقشة في سند رواية عقاب الأعمال فله وجه في الجملة لما ذكره المحقق المذكور من جهة محمّد بن مروان بل ذكر العلامة المجلسي (رحمه الله) في كتاب له في أحوال الرجال في حقه ما هو أعظم مما عرفته من المحقق المذكور قال (رحمه الله) ما لفظه و ابن مروان الجلاب من أصحاب الهادي (عليه السلام) ثقة و الحناط المديني الذي يروى عنه على بن إسحاق ثقة و الذي يروى عن الصّادق (عليه السلام) مشترك بين المجاهيل انتهى و الموجود في هذه الرّواية انما هو من يروى عنه (عليه السلام) كما لا يخفى على من لاحظ سندها فيكون مشتركا بين المجاهيل فيسقط السّند عن الاعتبار و لكن في السّند عبد اللّه بن مسكان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه قال في الوسائل في الخصال عن أبيه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن يعقوب بن يزيد عن محمّد بن الحسن الميثمي عن هشام بن احمر و عبد اللّه بن مسكان جميعا عن محمّد بن مروان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول ثلاثة يعذبون يوم القيمة من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها و المكذب في منامه يعذب حتّى يعقد بين شعيرتين و ليس بعاقد بينهما و المسمع الى حديث قوم و هم له كارهون يصب في اذنه الآنك و هو الأسرب و حال صاحب الخصال و أبيه في الجلالة و الوثاقة أظهر من ان يبين و امّا عبد اللّه بن جعفر فقد قال في حقه العلامة (رحمه الله) ما لفظه عبد اللّه بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري بالحاء المهملة أبو العباس القمي شيخ القميين و وجههم فدم؟؟؟ و سنة نيف و سبعين و مأتين ثقة من أصحاب أبي محمّد العسكري (عليه السلام) انتهى و قال العلامة المجلسي في كتابه الذي عمله في أحوال الرجال ما لفظه و ابن جعفر الحميري ثقة انتهى و يريد بلفظ ثقة انه عدل امامى ضابط كما صرّح هو (رحمه الله) به في أوّل ذلك الكتاب و امّا يعقوب بن يزيد ففي الخلاصة انه كان ثقة صدوقا و قال المجلسي (رحمه الله) في كتابه المذكور ما لفظه و ابن يزيد الأنباري ثقة انتهى و امّا محمّد بن الحسن الميثمي فقد قال فيه الشيخ الجليل الحر العاملي في كتابه الذي عمله في أحوال الرجال ما لفظه محمّد بن الحسن بن زياد الميثمي (الرضا (عليه السلام) الأسدي ثقة عين (النجاشي الخلاصة) انتهى و قال العلامة المجلسي (رحمه الله) في كتابه المذكور و ابن الحسن بن زياد الميثمي ثقة انتهى و اما هشام بن أحمر فإنه و ان كان مجهولا كما هو مقتضى كلام المجلسي في كتابه المذكور حيث قال ما لفظه هشام بن إبراهيم مر في هاشم و ابن الحكم ثقة و ابن سالم الجواليقي ثقة و ابن محمّد السّائب ممدوح و غيرهم مجهول انتهى الا ان محمّد بن الحسن لم يرو عنه و جده بل عنه و عن عبد اللّه بن مسكان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه كما وقع التصريح به في كتب عند عد أصحاب الإجماع فإذا كان رواة الحديث الى عبد اللّه بن مسكان ثقاتا معروفين بالعدالة و الجلالة فقد صحة الرواية عن عبد اللّه بن مسكان و قد أجمعت العصابة على ان ما صح عنه و عن أقرانه فهو صحيح بمعنى انه لا يلزم البحث عن أحوال الرواة المتوسطين بينهم و بين المعصوم (عليه السلام) كما هو الظاهر عندي من معنى العنوان الذي ادعوا عليه الإجماع و (حينئذ) نقول ان الظاهر ان الشهيد الثاني (رحمه الله) ممن يعتمد على الإجماع المذكور و لهذا حكم بصحة الرّواية و لم يعبأ بمجهولية محمد بن مروان الذي هو واسطة بين عبد الله

و ابى عبد اللّه (عليه السلام) و الا فهو (رحمه الله) ممن شانه أعز و أعلى من ان يخفى عليه أحوال الرواة و امّا المحقق الأردبيلي (رحمه الله) فحيث لم يكن يعتمد على الإجماع المذكور فلذلك ناقش في صحة الرّواية من جهة محمّد بن مروان و يحتمل انه (رحمه الله) كان يرى ان معنى قولهم أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن الجماعة هو أنهم بأنفسهم ثقاة و لكن يبعده انّ جلالة شانه و دقة نظره مما يعصمه عن ان يحمل هذه العبارة على هذا المعنى و ان كان بعضهم قد التزم بهذا المعنى كما ان بعضهم الأخر حملها على صحة الرّواية (مطلقا) و من كان له ادنى حظ من الفهم القويم و الذهن المستقيم يعرف انهما في طرفي الإفراط و التفريط فتحصل ممّا ذكرنا ان الحكم بالحرمة فيما نحن فيه و هو التصوير من دون تجسم الصورة لا يخلو عن وجاهة لكن بناء على اعتبار الاطمئنان و الوثوق بالصدور فإنّه يحصل الوثوق بصدور تلك الأخبار المستفيضة السّابقة التي هي ظاهرة في الحرمة أو صدور شيء منها بملاحظة تعاضد بعضها ببعض و تصير الاخبار الغير الظاهرة في الحرمة مؤيدة و مؤكدة لها و لذلك حكم (المصنف) (رحمه الله) بالحرمة استنادا الى ما عرفت و الا فليس أسانيدها صحيحة و لا منجبرة بالشهرة في خصوص هذا المورد نعم خبر تحف العقول مجبور بالعمل على ما هو المختار عندي من ان الأخذ بالخبر الضعيف يوجب جبر سنده و لو كان الأخذ به في مضمونه الأخر المدلول عليه بفقرة أخرى الا ان يكون غير المأخوذ به مما أعرض الأصحاب عنه بحيث يوجب وهنه نعم من يوجب اعتبار صحة السّند في العمل بالخبر لم يسعه الحكم بالحرمة و لهذا لم يحكم بها المحقق الأردبيلي (رحمه الله)

قوله و قوله (عليه السلام) من مثل مثالا

إشارة إلى قوله (عليه السلام) من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن ربقة الإسلام نقل محلّ الاستشهاد منه باعتبار التقدير بملاحظة التركيب النحوي

قوله و فيه ان هذا الظهور لو اعتبر لسقط الإطلاقات عن نهوضها لإثبات حرمة المجسم فتعين حملها على الكراهة دون التخصيص بالمجسمة

ما ذكره من الملازمة بين سقوط الإطلاقات عن نهوضها لإثبات حرمة المجسم و بين اعتبار الظهور المذكور واضح مسلم لأنه ان كان المراد بالمثال في قوله (عليه السلام) و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني هو المنقوش نظرا الى غلبة الاستعمال و الوجود فذلك المبنى الذي هو غلبة الاستعمال و لوجود جار في قوله (عليه السلام) من مثل مثالا فقد خرج عن ربقة الإسلام فيكون المراد بالمثال فيه ايضا خصوص المنقوش فيبقى المجسم خارجا عمّا دلّ على تحريم المثال من رأس و يكون المحرم هو خصوص المنقوش لكن ما ذكره من تعين حمل المطلقات على الكراهة غير واضح بل ممنوع لان ذلك انما يتم لو كان صيرورة المقيدات مقيدات بواسطة الانصراف الى النقوش لا بواسطة أمر أخر كما لو كان الشارع قال من مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام فقال تمثيل المثال مباح مثلا و أريد تقييد الأول بالثاني يحكم الانصراف لما ذكر من غلبة الاستعمال و الوجود فإنه (حينئذ) يقال في مقابلة ان الانصراف الى النقوش جار في الأول (أيضا) فيؤل الأول الى ان من مثل مثالا منقوشا خرج عن الإسلام و يؤل الثاني الى ان تمثيل المثال المنقوش مباح فيتوارد الحكمان أعني الإباحة و النهى على موضوع واحد فلا بد (حينئذ) من الجمع بحمل النهى على الكراهة حتى يجتمع ما دل عليها مع ما دل على الإباحة اما لو كانت المقيدات مشتملة على فرد أخر محكوم عليه بالحرمة كما فيما نحن فيه فلا يتم ذلك قطعا توضيح ذلك ان المقيد فيما نحن فيه عبارة عن خبر تحف العقول و ما ورد في تفسير الآية و امّا ما عداهما مثل قوله (عليه السلام) نهى ان ينقش شيء من الحيوان على الخاتم و غيره فهي موافقة للمطلقات في الحكم و من المعلوم ان الأول قد اشتمل على حكمين أحدهما جواز صنعة صنوف التصاوير و ثانيهما استثناء مثال الروحاني من جهة الحكم عليه بالحرمة و مثله قوله (عليه السلام) في الثاني ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنها تماثيل الشجر و شبهه فإذا فرضنا ان المثال في مثل قوله (عليه السلام) من مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام و نحوه من المطلقات انصرف بحكم غلبة الوجود و الاستعمال الى المنقوش و كذلك التصاوير و مثال الرّوحاني في رواية تحف العقول انصرفا الى المنقوش

72

يصير محصل الأول ان من مثل مثالا منقوشا فقد خرج عن الإسلام و يصير محصل الثاني ان تمثيل المثال المنقوش بغير الروحاني مباح و تمثيل المثال المنقوش للروحانى حرام فيصير مؤدى الثاني أخص من الأوّل فكيف يصحّ حمل الأول على الكراهة و قد اندرج تحته صنفان أحدهما محكوم عليه بالحرمة و الأخر محكوم عليه بالإباحة التي يصحّ اجتماعها مع الكراهة فلا بد من تقييد المطلق

قوله فالظاهر ان المراد به ما كان مخلوقا للّه سبحانه على هيئة خاصة معجبة للناظر على وجه يميل النفس الى مشاهدة صورتها المجردة عن المادة أو معها

(انتهى) أورد عليه بعض من تأخر بالمنع من دلالة الأدلة على تخصيص الحكم بما ذكره مما اشتمل على القيدين اللذين هما كون المصور مخلوقا للّه و كونه على هيئة معجبة و ما أورده في محله و لا ارى وجها لدلالة شيء من الأدلة على الاختصاص الا ان يقال بالنسبة إلى اشتراط كون المصور معجبا ان التصوير بحسب أصل الوضع اللغوي و ان كان أعم الا انه ينصرف الى تصوير ما كان اعتناء بصورته و لا تكون صورته مما يعرض غالب المواد بحيث لا يكون فيها غرابة أصلا كتصوير الأحجار و القصبات فتختص الأدلة بما ذكر بحكم الانصراف و اما بالنسبة إلى كونه مخلوقا للّه فلا ارى ما يحتمل كونه مستندا للتخصيص لان دعوى ان التصوير ينصرف الى تصوير ما خلقه اللّه دون ما خلقه غيره ليست مما يحتمل صدوره من عالم الا ان يقال ان اخبار تكليف اللّه سبحانه المصور بنفخ الرّوح تنبئ عن ان من فعل ذلك فقد نازعه تعالى في سلطانه و لذلك يكلفه به تعجيزا له و اعلاما بسوء عمله و إتماما للحجة عليه ليعذبه و معلوم ان معنى المنازعة له تعالى في سلطانه لا يتم الا بان يصور ما هو مخلوق للّه حتى يكون خالقا مثل ما خلق تعالى لان من صنع ما هو مخلوق للناس كما لو صنع سفينة لم يكن قد نازع اللّه في سلطانه و قدرته فعدم كون مصور صورته منازعا بطريق أولى أو يدعى الاستناد إلى الحكمة التي استظهرها في مقام تأييد الحكم و هي ان السر في الحرمة هو حرمة التشبه بالخالق (انتهى) و لكن الأول من قبيل الاشعارات و التلويحات البعيدة التي لا يصح الاعتماد عليها في الأحكام الشرعية و الثاني (أيضا) غير صالح للاستناد اليه هو (رحمه الله) لم يستند اليه و انما جعله مؤيدا

قوله هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل فلو دعت الحاجة الى عمل شيء يكون شبيها بشيء من خلق اللّه و لو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعا

اعترضه بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى بما لفظه و لا يخلو من نظر بل منع مع عدم وصول الحاجة الى حد الضرورة لإطلاق النص و الفتوى الا ان يراد بعدم قصد الحكاية صورة الغفلة و النسيان و نحوهما و لكنه بعيد جدا بل قد يقطع بعدمه فتأمل جيدا انتهى و أنت خبير بان كلام المعترض مما لا مساس له بكلام (المصنف) (رحمه الله) فان مقصوده (رحمه الله) هو انه إذا لم يكن الداعي إلى عمل ما هو بصورة شيء من الحيوانات هو التمثيل و التشبيه كما لو احتاج الى عمل اداة على صورة أحد الحيوانات كالاداة المصنوعة في زماننا على هيئة الهرة لإقامة الأساطين و الأعمدة الثقيلة التي تنوء بالعصبة اولى القوة فإنه (حينئذ) يكون المقصود من صنع تلك الأداة تحصيلها ليرتب عليها الأثر المقصود و حيث لم يكن يترتب المقصود عليها الا بان تكون على تلك الهيئة الخاصة حتى تتلاءم اجزاؤها التي لكلّ منها و لهيئته مدخل في حصول الأثر المقصود من تلك الأداة فخ يكون مسيس الحاجة الى مثل تلك الأداة داعيا الى صنعها لتحصيل المقصود لا بقصد التمثيل و التصوير فلا يندرج في الاخبار الناهية عن التمثيل و التصوير مثل قوله (عليه السلام) من جدد قبرا أو مثل مثالا (انتهى) و كذا قوله (عليه السلام) تصاوير التماثيل و كذا قوله (عليه السلام) و صنعة صنوف التصاوير و السر فيه ان صنع مثل ما ذكر انما هو صنع ما هو بصورة الحيوان لا تصوير الحيوان فالحاصل ان المثال و الصورة و ما وافقهما في المادة و المعنى لا تتحقق إلا بإيجاده بقصد التشبيه و الحكاية فما لم يكن بذلك العنوان خارج عن حكم الاخبار و اين هذا من مقابلته بأن الحاجة إذا لم تكن تصل الى حد الضرورة فالجواز ممنوع نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى و كأنه أيده اللّه تعالى زعم ان (المصنف) (رحمه الله) يريد ان مجرد الحاجة مجوز و لم يمعن النظر في قيود الكلام التي منها قوله أخيرا من غير قصد الحكاية و قوله (رحمه الله) في أول الكلام هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل فتخيل انه (رحمه الله) يريد مثل الاستثناء من تحريم سائر المحرمات مثل أكل الميتة في حال الضرورة و لذلك وجّه إليه الإيراد بأن مجرد الحاجة لا يكفى ما لم يبلغ حد الضرورة فالحاصل ان وجود غرض أخر داع الى صنع ذلك المثال يخرجه عن كونه معنونا بعنوان المثال فيخرج عن مضمون الاخبار لان مادة التمثيل مما قد أخذ فيه كون الداعي إلى الإقدام على العمل هو التشبيه و أورد عليه ايضا بعض مشايخنا بان هناك أمورا ثلاثة أحدها تصوير صورة الحيوان بان يكون الداعي هو التشبيه و التمثيل و هذا مما لا إشكال في حرمته و ليس مراده مما حكم عليه بالجواز قطعا و ثانيها ان يكون الداعي إلى العمل احداث اداة من دون قصد الى صيرورته بصورة الحيوان لكنه اتفق ان صار بتلك الصّورة و هذا مما لا يساعده العبارة لأنها مصدّرة بقوله و لو دعت الحاجة الى عمل شيء يكون شبيها بخلق اللّه و هو صريح في القصد الى عمل ذلك الشيء و اين ذلك من مجرد الاتفاق مضافا الى ان الحكم في مثله من البديهيات التي لا تليق بالتدوين في الكتب العلمية و ثالثها ان يكون الداعي إلى إحداث ما هو في صورة الحيوان هو الاكتساب و تحصيل المال بأن تجيء الناس و ينظرون إليه فيأخذ على نظرهم اليه من كل منهم شيئا و لا يكون الداعي هو التشبيه و التصوير و هذا هو الذي أراده (رحمه الله) من كلامه و لكن يتجه عليه ان جواز ذلك ليس قطعيا بل مشكوك ان لم ندع الحكم بعدم الجواز فلا وجه للقطع بجوازه هذا و أنت خبير بان ما ذكره من التفسير للعبارة المذكورة مما لا مساس له بها كما لا يخفى على من التفت الى ما ذكرناه من البيان مع ان نفس الفرض مما لا يستقيم له تصور فان القصد الى الاكتساب لا يوجب انفكاك العمل عن قصد التصوير بل لا ينفك منه واقعا لانه يريد الاكتساب بالتصوير فهو غاية التصوير و التصوير و الحكاية هو المقصود من العمل و الا لفعل للاكتساب فعلا أخر و أحدث أمرا غير ذلك و ليس حكم ما ذكره من الفرض إلا الحرمة قطعا و لا مجال للشك فيه لما بينا من عدم انفكاكه من كون الداعي إلى العمل هو التصوير و ان كان للتصوير (أيضا) داع أخر و هو الاكتساب فتدبر

قوله ثم ان المرجع في الصّورة إلى العرف فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الأعضاء

فيصدق اسم الصورة و المثال على صورة الإنسان عرفا مع عدم تصوير قلبه و كبده و غيرهما من الاجزاء الباطنة بل قد يصدق مع نقص شيء من الأعضاء الخارجية الصغيرة خصوصا إذا لم يكن في الغالب مطمح الانظار بل لو صوّر الإنسان ذا يد واحدة صدق عليه انه إنسان الا ان يقصد تصوير شخص معين في الخارج فيمكن التشكيك في صدق ان هذا مثال ذاك و لكن الظاهر انه يقال في العرف ان هذا مثال ذاك غاية ما هناك انهم يقولون انه صوّره ناقصا هذا و ينبغي تتميم القول في المسئلة بالتنبيه على أمور الأوّل انه قال بعض الأساطين في شرحه على القواعد ما نصه و الأقوى إلحاق صورة الملك و الجني بالحيوان انتهى و قال في الجواهر الظاهر إلحاق تصوير الملك و الجني بذلك بل قد يقوى جريان الحكم في تصوير ما يتخيله في ذهنه من صورة حيوان مشارك للموجود في الخارج من الحيوان في كلي الاجزاء دون إعدادها و أوضاعها مثلا و تصوير البيضة و العلقة و المضغة و بذر القز و نحو ذلك مما هو نشو الحيوان لا بأس به انتهى و أورد عليه بعض من تأخر بعدم الدليل على حرمة تصويرهما لقيام الدليل على حرمة تصوير الحيوان دون غيره كصحيحة محمّد بن مسلم سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن حرمة تماثيل الشجر و الشمس

73

و القمر فقال لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان و قد وقع في كلمات الفقهاء ما يعطى ان المراد تصوير صورة ما كان ذا ظل قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و تصوير الحيوان ذي الظل بحيث إذا وقع عليه ضوء يحصل له ظل و هو محرم بالإجماع انتهى و ليس الملك و الجني مما له ظل قطعا فيخرجان عما يحرم تصويره و أنت خبير بان الوصف اعنى كونه ذا ظل راجع الى الصّورة لا إلى ذي الصّورة حتى يستشهد به كما لا يخفى على من أمعن النظر في عبارة المحقق المذكور و ان كانت مشوشة لأنه قال (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) كعمل الصّور المجسمة كأنه احترز بها عن النقوش و التصاوير على البسط و الورق و الحيطان (مطلقا) لان (الظاهر) انه يريد تصوير الجسم بحيث يكون له ظل فيجوز عنده غير ذلك فظاهره تحريم تصوير المجسمة أي ذي الظل (مطلقا) ذي الرّوح و غيره و الظاهر ان للنقش أقساما خمسة النقش المطلق من غير تصوير صورة شيء و هو جائز بالإجماع و تصوير الحيوان ذي الظل بحيث إذا وقع عليه ضوء يحصل له ظل و هو محرم بالإجماع و الثلاثة الباقية و هو الحيوان الغير المذكور و غيره ذي ظل و غيره مختلف فيه هذا كلامه (رحمه الله) و لا يخفى على من له خبرة بالفقه و أنس بأساليب الكلام ان مراده كون الصّورة ذات ظل و لا يريد كون المصور بالفتح ذا ظل و أوضح منها عبارة جامع المقاصد التي قدمنا ذكرها في صدر المسئلة و ذكر بعض المعاصرين ان الظاهر إلحاق تصوير الملك و الجني بذلك كما قيل ثم قال أيده اللّه تعالى و لعله لاندراجه في الإطلاقات نصا و فتوى و الا فلا شاهد على الإلحاق به و لا مخرج عن الأصل و القطع بعدم الفرق بينهما و بين الحيوان ممنوع و لا عبرة بالظن عندنا انتهى أقول من المعلوم انه لا عبرة بالإطلاقات مع تقييدها بمثل قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان فان نفى البأس عن التصوير مقيدا بقوله (عليه السلام) ما لم يكن (انتهى) مقتضاه هو امتداد الجواز و انتفاء البأس الى ان يكون شيئا من الحيوان و معلوم ان الملك و الجني ليسا من جنس الحيوان فيندرج تصويرهما تحت حكم الجواز لكن يشكل الأمر من وجه أخر و هو انه قد وقع في رواية تحف العقول قوله (عليه السلام) و امّا تفسير الصناعات فكلّ ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم من أصناف الصّناعات مثل الكتابة و الحساب و التجارة و الصّياغة و البناء و الحياكة و السّراجة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الرّوحاني و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد منها منافعهم و بها قوامهم و فيها بلغه جميع حوائجهم فحلال فعله و تعليمه و العمل به و فيه لنفسه أو لغيره وجه الاشكال انه حكم (عليه السلام) في هذه الفقرة بالحل مقيدا بقوله (عليه السلام) ما لم يكن مثال الرّوحاني و مقتضاه امتداد الحل و استمراره إلى ان يكون المثال مما يصدق عليه انه مثال روحاني و الملك و الجني من قبيل الرّوحاني لأن المفهوم منه عرفا ليس الا ما كان فيه مبدء الحياة و ما به قوامها و هو موجود فيهما و لهذا يموتان عند نفخ الصور كما دل عليه الاخبار و (حينئذ) فيتعارض مفهوم هذه الرّواية و هو ان ما كان من قبيل مثال الرّوحاني فتصويره حرام و منطوق صحيحة محمّد بن مسلم و هو عدم البأس ما لم يكن شيئا من الحيوان لان الملك و الجني ليسا شيئا من الحيوان فمقتضى الصّحيحة هو جواز تصويرهما و مقتضى مفهوم الرواية المذكورة هو حرمة تصويرهما و لا ريب ان الخطابين عامان باعتبار لفظة ما الدالة على التوقيت لكنهما من قبيل العام و الخاص باعتبار المتعلق فان الروحاني أعم من الحيوان لكن بعد وقوعهما في حيّز النفي يصير غير الحيوان أعم من غير الروحاني فان نقيض الأعم لا بد و ان يكون أخص و بالعكس فيصير مؤدى أحدهما انه لا بأس في غير الحيوان و مؤدى الأخر انه لا بأس في غير الروحاني و من المقرر في علم الأصول ان العام و الخاص إذا كانا متوافقي الظاهر لا يلتزم هناك بالتخصيص فيعمل بهما جميعا نظرا الى ان ذكر الخاص بخصوصه انما هو للاهتمام بشأنه و ان شئت قلت ان الحيوان و الروحاني من قبيل المطلق و المقيد المنفيين في هذا المقام و قد ذكروا في باب المطلق و المقيد

انه يعمل بهما معا إذا كانا منفيين و السر فيه واضح لانه يؤل الأمر إلى العام و الخاص المتوافقين و لازم ذلك ان يقال بحرمة تصوير الروحاني (مطلقا) الشامل للملك و الجني و لعله الى هذا نظر صاحب الجواهر (رحمه الله) و شيخه (رحمه الله) و ان كان التعبير بلفظ الإلحاق لا يخلو عن مسامحة و لكن الإنصاف أن ورودهما في مقام التحديد و صيرورتهما غايتين بعد ما التوقيتية مما يأبى عن ذلك فلا بد و ان يكون المراد بهما شيئا واحدا (فيقال) ان المراد بالروحاني هو خصوص الحيوان لانه المتفاهم عرفا فينتفى (حينئذ) مفهوم الخطاب المشتمل عليه الموجب للتنافي و هو انه إذا كان روحانيا ففيه بأس من حيث صدقه على غير الحيوان الذي هو الملك و الجني و (حينئذ) يرتفع الدليل على حرمة تصويرهما و ان شئت قلت بعد تعارض منطوق قوله (عليه السلام) لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان و مفهوم قوله (عليه السلام) لا بأس ما لم يكن مثال الروحاني مثلا تقدم المنطوق لكونه أقوى فيرفع اليد عن المفهوم و لازم ذلك انه لا مفهوم (حينئذ) فلا بد من إرجاعه إلى الأول حتى ينتفي المفهوم و الا فمقام التحديد يأبى عن عدم ارادة المفهوم لان التحديد ليس معناه إلا إحراز طرفي الوجود و العدم فلا بد من التصرف في الموضوع حتى لا يتولد هناك مفهوم مناف و معارض الثاني انه هل يصدق التصوير و التمثيل بمثل ما لو لبس الإنسان مثل لباس انسان أخر بقصد التشبيه به أم لا الظاهر هو الثاني فلا يدخل مثل ذلك تحت أدلة النهي عن التمثيل و التصوير لا على تقدير الحكم بإفادتها للحرمة و لا على تقدير إفادتها للكراهة و من هنا يعلم عدم تحقق الحرمة و لا الكراهة من الجهة المذكورة فيما تعارف في بلاد العجم انهم يلبسون رجلا لباس النساء تشبيها له ببعض مخدّرات سيّد الشهداء (صلوات اللّه و سلامه عليه) بقصد الرثاء و الإبكاء أو يلبسون رجلا لباسا مناسبا لصيرورته شبيهه (عليه السلام) أو شبيه أحد اخوته أو أولاده (عليه السلام) نعم لبس الرجل ما يختص بالنساء من اللباس أو العكس عنوان أخر ستعرف الكلام عليه (إن شاء الله) (تعالى) الثالث انه لو اشترك اثنان مثلا في تصوير مثال دفعة تعلقت الحرمة بهما معا و اما مع التدريج فقيل بأنها تتعلق بالأخير و الأقوى اتصاف فعل الأول بالحرمة كالثاني لأن الإتيان ببعض المركب بقصد إتمامه موجب لصدق المخالفة عند أهل العقل و العادة و لو اشتركت صورة بين الحيوان و غيره كان العبرة بالقصد ان لم يكن لأحدهما ظهور فيها هكذا قيل و هو الحق الذي لا محيص عنه لما عرفت مما بيناه في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل و أورد عليه بعض المعاصرين بعد ذكره بقوله و لا يخلو من نظر لمنع مدخلية القصد في نحو ذلك فلا مخرج عن الأصل بعد اندراج ذلك تحت الدليلين و ان كان الاحتياط في محله انتهى و لا يخفى عليك ما فيه بعد ما نبهنا عليه مما عرفت و لو صور صورة واحدة مبعضة بحسب المحل كما لو صور ربعها في زاوية من زوايا البيت و ربعها الأخر في زاوية أخرى و هكذا لكن بحيث لو اعتبر انضمام بعضها الى بعض صارت صورة تامة فهل يحكم على مثل ذلك بالحرمة أم لا فيه اشكال و الأقرب ان المتبع في مثله حكم العرف و قد شاهدت في بعض كنائس النصارى جسما مربّعا مستطيلا نصب في وسطه اوصال مستطيلة منقوش عليها من الجانبين بحيث إذا نظرت اليه من اليمين رأيت صورة رجل و إذا نظرت اليه من اليسار رأيت صورة امرأة و إذا قابلته رأيت على صفحته صورة طائر و راموا بذلك تصوير التقلب في الصّور و الحاصل ان الحكم ما ذكرناه الرابع انه ذكر بعض الأساطين (رحمه الله) في شرحه على القواعد ان القول بوجوب منع الصّبيان عنه لا يخلو عن قوة انتهى و لكن لم تعثر لذلك على مستند فان الحكم به مبنى على ان يكون التصوير مثل المحرمات التي يريد الشارع

74

عدم وقوعها من اى فاعل كان كهتك ستر المؤمنين و إبطال الإسلام و تضييع الحقوق و غير ذلك و لم يثبت الخامس انه هل يحرم تصوير ما ليس فيه مادة الحياة من الحيوان و ما الحقه به بعضهم من الملك و الجني كالأشجار و نحوها فنقول قد عرفت ان التصوير على قسمين أحدهما ان تكون الصورة مجسمة و الأخر ان تكون غير مجسمة و المشهور هنا شهرة كادت تكون إجماعا كما صرّح به بعضهم هو جوازه للأصل و العمومات و للنصوص السّابقة و غيرها كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال لا بأس بتماثيل الشجر و لكن عن ابى الصّلاح و ابن البراج عموم التحريم لذلك (مطلقا) و عن بعضهم عمومه لذات الجسم منها خاصة كما هو محتمل عبارة (الشرائع) حيث قال فيها الرابع ما هو محرم لنفسه كعمل الصّور المجسمة و لعله لإطلاق المنع عن الصّورة و التماثيل و نحو ذلك في بعض النصوص و لكن يتجه عليه المنع من جواز العمل بالمطلق مع وجود المقيد و قد عرفت التصريح بنفي البأس عن تماثيل الشجر

[بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصّور و غيرها]

قوله بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصّور و غيرها

قال في المصباح اقنيته اتخذته لنفسي قنية لا للتجارة هكذا قيدوه انتهى

قوله فالمحكي عن شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) ان المستفاد من الاخبار الصّحيحة و أقوال الأصحاب عدم حرمة بقاء الصّور

لكنه (رحمه الله) استشكل بعد ذلك قال (رحمه الله) ثم انه تدل روايات على جواز إبقاء الصّور (مطلقا) و هو يشعر بجوازه و قد نقلنا من قبل روايات صحيحة دالة عليه و يؤيده رواية أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انما تبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل و تفرشها قال لا بأس بما تبسط منها و توطأ انما يكره ما نصب منها على الحائط و على السّرير و بعد ثبوت التحريم فيما ثبت يشكل جواز الإبقاء لأن الظاهر ان الغرض من التحريم عدم خلق شيء يشبه بخلق اللّه و بقائه لا مجرد التصوير فيحمل ما يدل على جواز الإبقاء من الروايات الصّحيحة و غيرها على ما يجوز منها من أدلة جواز التصوير في الجملة على البسط و الستر و الحيطان و الثياب و هي التي تدل الاخبار على جواز إبقائها فيها لا ذوات الروح التي لها ظل على حدته التي هي حرام بالإجماع و الاجتناب (مطلقا) من الأحداث و الإبقاء من جميع أنواعه أحوط كما يشعر به الرواية ان الملك لا يدخل بيتا فيه صورة فلا يترك انتهى و أنت خبير بأن حرمة نفس العمل لا تستلزم حرمة إبقاء المعمول و ليس في الاخبار و الأدلة الشرعية ما يصح الاستناد إليه في الحكم بالتحريم فإن أقوى ما يحتمل الاستناد اليه خبران أحدهما رواية تحف العقول المشتملة على قوله (عليه السلام) انما حرم اللّه الصناعة إلى قوله (عليه السلام) فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلب الحديث و ثانيهما النبوي لا تدع صورة الا محوتها و لا كلبا الا قتلته و لا دلالة فيهما على التحريم امّا الأول فلان إبقاء الصّورة و التوسد عليها و النظر إليها ليس تقلبا في الصناعة و انما هو استعمال المصنوع و هو خارج عن الحديث و امّا الثاني فلان الأمر بمحو الصّورة فيه إنّما هو على حد الأمر بقتل الكلب فكما أنّه ليس للوجوب (كذلك) الأمر بمحو الصّورة بل نقول ان المستفاد من جميع ما ورد من الاخبار في رفع كراهة الصّلوة في البيت الذي فيه التماثيل من جعلها على غير جهة القبلة أو تغيير رؤسها أو عين واحدة منها أو إلقاء ثوب عليها انما هو جواز اتخاذها و عمومها يشمل المجسمة و غيرها

قوله و صرّح في شرح الإرشاد بجواز النظر إليها

أقول لا ريب في انه يجوز النظر إلى الصّورة الممثلة حتى لو كان الناظر مخالفا لذي الصّورة في الذكورية و الأنوثية إذ لا دليل على التحريم فيرجع الى أصل البراءة نعم يستثني منه ما لو كان النظر الى تلك الصّورة لأجل تمثيل صورة عليها فيحرم من جهة كونه مقدمة للحرام (حينئذ) مقرونة بقصد التوصل بها اليه و مثله في الحرمة من الجهة المذكورة ما لو كان النظر لأجل التمثيل الى نفس المصور بالفتح و كذا يلزم على مذاق من يقول بحرمة النظر إلى الأجنبية في المرأة من باب حرمة الاطلاع على العورة ان يستثني ما لو كان الناظر عالما بكون الصّورة صورة أجنبية معينة و كانت مطابقة لها من جميع الجهات لوجود المناط (حينئذ) و ان شئت قلت انه لا حاجة الى استثناء الصّورتين لأنهما خارجا عن العنوان موضوعا لان الكلام هنا انما هو في الصورة من حيث هي صورة و لو كانت صورة من يوافق الناظر في الذكورية و الأنوثية أو كانت صورة أجنبية غير معروفة و كذا في النظر من حيث انه نظر و امّا من حيث كون النظر مقدمة للحرام أو كون الصّورة موجبة للاطلاع على العورة فذلك أمر خارج عن المقام و حيث انتهى بنا الحال الى هذا المقام ينبغي ان نتعرض للنظر إلى الأجنبية في المرأة و مثله النظر الى تمثال أجنبية بقصد الاطلاع على ذات الصّورة فنقول قد حكى المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في كتاب الوديعة من شرح الإرشاد عند قول العلامة (رحمه الله) في عداد أسباب الصمان أو لبس الثوب أو ركب الدابة (انتهى) كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة و هو قوله فلو استودع ثوبا فلبسه أو دابة فركبها أو جارية فاستخدمها أو كتابا فنظر فيه أو نسخ منه أو خاتما فوضعه في إصبعه للتزين به لا للحفظ فكل ذلك و ما أشبهه خيانة موجب للتضمين عند فقهاء الإسلام لا نعلم فيه خلافا الى هنا كلام العلامة (رحمه الله) ثم قال المحقق المذكورة يفهم ان مجرد النظر و النسخ من كتاب الغير تصرف في الكتاب و ان لم يفتحه و لم يضع يده عليه بل فتحه المالك فلا يبعد تحريم النظر إلى جارية الغير في المرأة و كذا الأجنبي فتأمل فيحتاج الى الاذن و لا يجوز بدونه و انّه ليس مثل الجلوس تحت ظل حائط الغير و الاستضائة بضوئه فتأمل انتهى و غرضه من ذلك ان التصرف أمر عرفي و لهذا يصدق على النظر في كتاب الغير و النسخ حتى في صورة عدم مباشرته بفتح و لا وضع يد عليه و إذا كان المعيار هو العرف لم يبعد ان يكون لازمة حرمة النظر إلى جارية الغير في المرأة لكون النظر على ذلك الوجه يعد تصرفا في ملك من هو مالكها و كذلك النظر إلى الأجنبية في المرأة فإنه تصرّف عرفا فيما لا يستحق التصرف فيه سواء كانت مستحقة لغيره من الرجال كما إذا كانت مزوجة أم لا كما إذا كانت غير مزوجة و لما كان المعيار هو العرف كان هو الفارق بين الأمور المذكورة و بين الاستظلال بحائط الغير و الاستضائة بناره و هذا أحد الوجوه في طريق إثبات تحريم النظر إلى الأجنبية في المرأة و الثاني ان الأدلة الدالة على تحريم النظر مثل قوله (تعالى) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (انتهى) بمدلولها اللفظي شاملة للنظر في المرأة الى من ليست بمحرم و هذا الوجه بظاهره و ان كان قد يستبعد الا انه يمكن توجيهه بأن أهل العرف يفهمون من تلك الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى الأجنبية إذا عرضت عليهم حرمة النظر إليها في المرآة (أيضا) فهو من اللوازم العرفية التي يلزم من الالتفات الى ملزومها و إليها و الى النسبة بينهما الجزم باللزوم فهذه الدلالة من قبيل الالتزام البين بالمعنى الأعم و هو معدود من الدلالة اللفظية كما صرح به الفاضل القمي (رحمه الله) و الثالث ان الحكم بالحرمة انما هو من باب تنقيح المناط القطعي و هو الاطلاع على عورة الناس و هو محرم قطعا فيكون الحكم بها فيما نحن فيه من جهة وجود ذلك المناط القطعي و لازم هذا الوجه هو حرمة النظر الى مثال الأجنبية المعينة و الصّورة المطابقة لجميع خصوصيّاتها الحاكية لجميع أوصافها و هيئاتها من اللون و الكيفية كما هو متعارف المصورين مع كون الناظر قاطعا بمطابقة المثال للمثل سواء صورة بيده أم صوره غيره بخلاف مثل التصوير بالمداد و نحوه مما لا يحكى الخصوصيات و عندي ان الاستناد الى الوجه الأخير و الالتزام بما يلزمه في غاية القوة هذا و اما لو بنينا على الاستناد الى الوجه الثاني فيمكن ان يقال

بعدم حرمة النظر الى مثال الأجنبية حتى مع وجود القيود التي ذكرناها لأن أهل العرف يجعلون النظر بواسطة المرأة في حال حضور المنظور

75

اليه بمنزلة النظر اليه بغير واسطة بخلاف ما لو كان المنظور اليه بنفسه غائبا و كان النظر إلى الصّورة وحدها فلا يجعلونه بمنزلته فلا يكون عندهم بينهما ملازمة و بعبارة أخرى لا يحصل لهم بعد ملاحظة حرمة النظر إلى الأجنبية و حرمة النظر الى مثالها و ملاحظة النسبة بينهما جزم باللزوم و قد حكى عن غير واحد القول بجواز النظر إلى صورة الأجنبية في المرأة استنادا إلى أصل البراءة بعد إنكار ما ذكر من وجوه الحرمة كلها بل قد وجدت في كلام بعض المعاصرين انه قد يستفاد من الاخبار المحمولة على الكراهة الواردة في إبقاء الصّورة كحديث الطنفسة و نحوه جواز النظر إلى صورة الأجنبية المقابلة المرأة و نحوها إذا لم يكن بشهوة كالمنقوشة على الجدران و نحوها كما نص عليه غير واحد منهم هذا و لعل وجه الاستفادة انّ الصّورة قد تكون صورة أجنبية فيعمها الجواز مع الكراهة و لكنك خبير بفساده لان الكلام في تلك الاخبار انما هو في الصّورة من حيث هي حتى ان الموجود في حديث الطنفسة انما هي صورة الطير و على تقدير كونها صورة إنسان أو صورة أجنبية فليست صورة أجنبية معينة كما هو المتعارف مما يصور على البسط و الثياب و الوسائد فلا يقاس عليها صورة الأجنبية المعينة المقابلة للمرآت فتحصل مما ذكرنا ان النظر الى المثال من حيث هو ليس حراما و ان النظر اليه أو الى الممثل للتمثيل و التصوير عليها حرام و كذلك النظر في المرآة إلى صورة المخالف في الذكوريّة و الأنوثية و النظر في الصّورة للاطلاع على عورة صاحبتها المعيّنة الأجنبية حرام

قوله بناء على ارادة الكلب الهراش المؤذي الذي يحرم اقتناؤه

و الا لم يصحّ استفادة حرمة اقتناء الصورة أيضا من الحديث لكون اللفظين الدالين عليهما في حكم لفظ واحد

قوله (عليه السلام) اهدى الى طنفسة

قال في مجمع البحرين هي بكسرتين و في لغة بفتحتين و بضمهما و بكسر الطاء و فتح الفاء البساط الذي له خمل رقيق و هي ما تجعل تحت الرجل على كتفي البعير انتهى و رحل البعير أصغر من القتب و هو كالسرج للفرس قاله في المجمع ايضا

قوله فلان الممنوع هو إيجاد الصّورة و ليس وجودها مبغوضا حتى يجب رفعه

و ذلك لما عرفت من ان المبغوض انما هو التشبه بالخالق و هو انما يحصل بالتأثير و لا مدخل للأثر في ذلك هذا و يمكن المناقشة فيه بان المحذور اللازم للتشبه و هو منازعة اللّه تعالى في سلطانه و إيجاد مثل ما أوجده لازم لبقاء الصّورة لأن كل من ينظر إليها يرى انه قد أوجد غير اللّه تعالى شبيه ما أوجده تعالى و معلوم ان ذلك مبغوض للشارع الا ان يقال ان الكلام في مجرد الاقتناء مع قطع النظر عن نظر ناظر إليها حتى المقتنى كما لو فرض انه قد اشتراها برؤية سابقة و أحرزها في مكان لا يتمكن أحد من الوصول إليه فتأمل

قوله نعم قد يفهم الملازمة من سياق الدليل أو من خارج

يعني في سائر الموارد التي وقع النهى فيها عن التأثير فإنه قد يفهم استلزامه للنهى عن الأثر

قوله و اما الحصر في رواية تحف العقول فهو بقرينة الفقرة السّابقة منها الواردة في تقسيم الصناعات الى ما يترتب عليه الحلال و الحرام و ما لا يترتب عليه الا الحرام إضافي بالنسبة إلى هذين القسمين يعنى لم يحرم من القسمين الا ما ينحصر فائدته في الحرام و لا يترتب عليه الا الفساد

لما كان مناط الاستدلال بالرّواية المذكورة هو حصر التحريم في الصّناعة التي يترتب عليها الفساد نظرا الى ان الظاهر من الحصر هو الحقيقي و كان مقتضى الحصر الحقيقي هو الاستدلال بالمحصور على المحصور فيه و انه كلما وجدنا في صناعة انه حكم عليها بالحرمة قلنا انه يترتب عليها الفساد محضا و (حينئذ) ينضم اليه الكبرى الكلية المذكورة في الرواية و هي ان كل صناعة يترتب عليها الفساد و يحرم جميع أنواع التقلب فيها التي من جملتها الابتياع و الاقتناء حاول (المصنف) (رحمه الله) في رده منع كون الحصر حقيقيا بإقامة القرينة على الحصر الإضافي و هو ذكر القسمين المذكورين في كلامه في الرّواية المذكورة فإن الحرمة فيها بين القسمين المذكورين منحصرة فيما يترتب عليها الفساد محضا و لما كان هناك بحسب تجويز العقل قسم ثالث و هو ان يكون نفس عمل الصناعة مبغوضا و متضمنا للفساد الا انّه يترتب عليها الفساد كما هو مقتضى لفظ يجيء الدال على الترتب (فحينئذ) لا يكون مجال للاستدلال بالتحريم على كون الصناعة يترتب عليها الفساد لمكان وجود حرام لا يترتب عليه ذلك و حينئذ لا يفيد ضمّ الكبرى التي هي ان كل صناعة يترتب عليها الفساد يحرم جميع أنواع التقلب فيها التي منها الاقتناء و الابتياع و ذلك لعدم إحراز الصّغرى

قوله نعم يمكن ان يقال ان الحصر وارد في مساق التعليل و إعطاء الضابطة للفرق بين الصّنائع لا لبيان حرمة خصوص القسم المذكور

هذا الاستدراك إشارة إلى إمكان منع كون ذكر القسمين المذكورين قرينة على كون الحصر إضافيا من جهة أنه لما ذكر القسمين أراد إعطاء الضابطة الكلية التي هي بمنزلة بيان علة الحكم و لم ينظر الى خصوص حرمة القسم المذكور حتى يكون الحصر إضافيا و (حينئذ) فيبقى على حقيقته و يتم المطلوب

قوله و قوله (عليه السلام) في بعض هذه الروايات و لا قبرا الّا سوّيته

إشارة إلى جملة من الروايات مصدرة بقوله (عليه السلام) لا تدع مشتملة على قوله (عليه السلام) و لا صورة الا محوتها

قوله و اما الصّحيحة فالباس فيها محمول على الكراهة

لا يخفى ان هذه العبارة اعتراف بكون ظاهرها الحرمة لأن مؤدى الحمل انما هو كون المحمول عليه خلاف الظاهر و معلوم ان الظهور لا يترك بالحمل بل لا يجوز الحمل الا لداع قوى و لكن الظاهر انه (رحمه الله) أراد بالحمل الحمل الصّحيح و ليس الا ما كان لقرينة واضحة و (الظاهر) ان المراد بها ما يكشف عنه حمل الفقهاء (رضي الله عنه) لها دون الروايات الواردة في هذا الباب حتى لا يرد ان مقتضى قوله (رحمه الله) فيما بعد و لو سلم الظهور في الجميع فهي معارضة بما هو أظهر و أكثر هو ان الكلام فيما قبل التسليم انما هو مع قطع النظر عن الروايات الأخر

قوله سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوسادة و البساط يكون فيها التماثيل

قال في المصباح الوسادة بالكسر المخدة و الجمع و سادات و وسائد و لو ساد بغيرها كل ما يتوسد به من قماش أو تراب أو غير ذلك و الجمع وسد مثل كتاب و كتب و يقال الوساد لغة في الوسادة انتهى

قوله و لذلك لم يأمر (عليه السلام) بتغيير ما على الستر و اكتفى بنزعه

لا يخفى ان ظاهر قوله (عليه السلام) و ليكسر رؤس التماثيل هو كون التماثيل من قبيل الأجسام القابلة للكسر لا من قبيل النقوش و لا أقل من كون الجسم المنقوش عليه مما يقبل الكسر و من هنا لا يبقى مجال لاحتمال ان التماثيل في حيّز الأمر بالكسر شاملة للتماثيل التي كانت على الستر و هو واضح

[المسألة الخامسة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه التطفيف]

قوله التطفيف حرام

(11) قال في المصباح التطفيف مثل القليل وزنا و معنى و منه قيل للتطفيف في المكيال و الميزان و هي نقصه تطفيف لقلته و قد طففه فهو مطفف إذا كان كال أو وزن و لم يؤف انتهى

قوله ثم ان النجس في العدّ و الذرع يلحق به

(12) حكما قال في مجمع البحرين نجسه حقه ينجسه نجسا من باب نفع إذا نقصه يتعدى الى مفعولين انتهى

قوله و لو وازن الربوي بجنسه فطفف في أحدهما فإن جرت المعاوضة على الوزن المعلوم الكلي

(13) إلى قوله لم يبعد الصّحة قد ذكر (المصنف) (رحمه الله) هنا وجوه ثلاثة أحدها ان يقع المعاوضة على الموزون الكلى فيقول بعتك منّا من هذه الحنطة بمنّ من تلك الحنطة و الحكم في هذا الوجه صحة المعاملة و انه إذ طفف في أحدهما بقيت ذمته مشغولة بالقدر الذي نقصه و ثانيها ان يقع المعاوضة على الشخص بان يعتقده مقدار منّ مثلا فيقول بعتك هذا بمنّ عن الحنطة الفلانية أو بذاك إذا اعتقد انه (أيضا) مساو له في المقدار و لا ريب في بطلان المعاملة (حينئذ) من جهة الرباني المفروض ثالثها ان يقع المعاوضة على الشخص المعنون بكونه مقدارا معينا بان يقول بعتك هذه الحنطة التي هي بمقدار من ثم يتبين ان المشار اليه ليس مساويا لذلك المقدار و هذا هو الذي نفى (المصنف) (رحمه الله) البعد عن صحته و الوجه في ذلك رجوع المعاملة (حينئذ) إلى معاوضة

76

الكلى و بعبارة أخرى العبرة (حينئذ) بالعنوان دون الشخص المشار اليه فيرجع الأمر إلى كون المقصود بالبيع هو العنوان الكلى فعدم مطابقة الشخص له (حينئذ) يوجب عدم الوفاء بالمبيع و يستلزم بقاء الذمة مشغولة كالوجه الأول دون فساد أصل المعاوضة بخلاف ما لو قلنا إن العبرة بالشخص و إنه هو المقصود بالبيع فإنه لا ريب حينئذ في فساد المعاوضة من جهة لزوم الربا

قوله و يمكن ابتناؤه على ان لاشتراط المقدار مع تخلفه قسطا من العوض أم لا فعلى الأول يصحّ دون الثاني

معنى ثبوت قسط من العوض للاشتراط مع تخلفه هو انه يسقط من العوض بمقدار ما تخلف من مقابله فحنطة زيد المبيعة بعنوان انّها منّ بحنطة عمر و المعنونة بهذا العنوان قد بيعت بشرط كونها منّا فإذا تخلف منها رطل فان قلنا بان لشرط المقدار قسطا من العوض بمعنى انّه يسقط في مقابله ذلك المقدار الذي هو الرطل من حنطة عمرو المعوض بها صحت المعاوضة لأنّه يؤل الحال الى تساوى العوضين في المقدار فلا يتحقق المفسد الذي هو الرّبا و ان قلنا بأنه ليس له قسط من العوض بالمعنى الذي ذكر فسدت المعاوضة من جهة لزوم الربا بزيادة إحديهما عن الأخرى هذا و لكن لا يخفى ان هذا المبنى و التفصيل فيه انما هو بناء على وقوع المعاوضة بين الشخص و غيره أو مثله و لا يجرى بناء على وقوع المعاوضة بين العنوان الكلى و مثله أو غيره

[المسألة السادسة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه التنجيم]

[الأول جواز الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية على حركة الكواكب]

قوله و لذلك لا يجوز الاعتماد في ذلك على عدولهم

الوجه في ذلك ان الاعتماد على قول الغير لا بد فيه من نفى الخطاء منه بأصالة عدمه و لما كان هذا الأصل انما يعتبر من باب بناء العقلاء و هم لا يعتبرونه الا فيما لا يكثر فيه الخطاء و لهذا لا يعتبرون بقول كثير السّهو و النسيان فلذلك قال (رحمه الله) انه لا يجوز الاعتماد في ذلك على عدولهم و قد بنى (رحمه الله) اعتبار الضبط في راوي خبر الواجد في الأصول على هذه القاعدة

[الثاني جواز الإخبار بحدوث الأحكام عند الاتصلات الفلكية]

قوله إذا كان على وجه الظن

بمعنى ان يصرّح في كلامه بأن اخباره عن ظن و الا فلو ظن بالحكم و أخبر به من دون تقييد بالظن كان ذلك على قسمين أحدهما ان يخبر بصورة القطع و لا ريب في حرمته لكونه لكذبا و ثانيهما ان يخبر مجردا عن التقييد بالقطع (أيضا) و معلوم انه (حينئذ) يصير الكلام ظاهرا في القطع و يشكل الحكم بجوازه (حينئذ) الا ان يقصد التورية و نقول بجوازها فافهم

قوله إذ لا حرج على من حكم قطعا بالمطر في هذه الليلة نظرا الى ما جرّبه من نزول كلبه من السّطح الى داخل البيت مثلا

لعلّ هذا التعليل ناظرا إلى الأولوية بتقريب انه إذا جاز في صورة نزول الكلب من السّطح الحكم بالمطر من باب التجربة و الحال انه لا رابطة و لا علاقة بينه و بين المطر بوجه من الوجوه ففيما إذا كان هناك مظنة علاقة أو احتمالها كما في الفلكيات بطريق اولى و الا فما ذكره من التعليل امّا من نظائر ما نحن فيه إذا لوحظ المورد أو من أفراده إذا لوحظ عنوان كونه من باب التجربة هذا و لكن الأظهر هو ان التعليل انما هو بالنظر الى كون ما ذكره من جملة أفراد ما استند إلى التجربة و ان الاستدلال انما هو بعدم الحرج و المانع الشرعي غاية ما في الباب انه قرره في ضمن المثال و الا فليس شيء من اخبار الطحان و سكوت المحقق المذكور حجة شرعية يصحّ الاستدلال بها فتدبر

[الثالث حكم الإخبار مستندا إلى تأثير الاتصالات الفلكية]

قوله و في نهج البلاغة انه (عليه السلام) لما أراد المسير الى بعض أسفاره فقال له بعض أصحابه ان سرت في هذا الوقت خشيت ان لا تظفر بمرادك

(انتهى) في البحار ان ذلك كان لما عزم على المسير الى الخوارج و قال فيها (أيضا) بعد ذكره في بيانه يحتمل ان يكون اى لفظ هذا في قوله (عليه السلام) من صدقك بهذا إشارة إلى دعويه علم السّاعتين المنافي لقوله عزّ و جلّ وَ مٰا تَدْرِي نَفْسٌ مٰا ذٰا تَكْسِبُ غَداً و لقوله سبحانه قُلْ لٰا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللّٰهُ و قوله عزّ و جل و علا وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لٰا يَعْلَمُهٰا إِلّٰا هُوَ و ما أفاد مثل هذا المعنى و يمكن حمل الكلام على وجه أخر و هو ان قول المنجم بان صرف السوء و نزول الضّر تابع للساعة سواء قال بأن الأوضاع العلوية مؤثرة تامة في السفليات و لا يجوز تخلف الآثار عنها أو قال بأنها مؤثرات ناقصة و لكن باقي المؤثرات أمور لا يتطرق إليها التغير أو قال بأنها علامات تدل على وقوع الحوادث حتما فهو مخالف لما ثبت من الدّين من انّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت و انه يقبض و يبسط و يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لم يفرغ من الأمر و هو تعالى كل يوم في شأن و (الظاهر) من أحوال المنجمين السّابقين و كلماتهم جلهم بل كلهم انهم لا يقولون بالتخلف وقوعا أو إمكانا فيكون تصديقهم مخالف التصديق القران و ما علم من الدّين و الايمان من هذا الوجه و لو كان منهم من بقول بجواز التخلف و وقوعه بقدرة اللّه و اختياره و انه تزول نحوسة السّاعات بالتوكل و الدّعاء و التوسل و التصدق و ينقلب السعد نحسا و النحس سعدا و بان الحوادث لا يعلم وقوعها إلّا إذا علم ان اللّه سبحانه لم تتعلق حكمته بتبديل أحكامها كان كلامه (عليه السلام) مخصوصا بمن لم يكن كذلك فالمراد بقوله صرف عنه السوء و حاق به الضر اى حتما هذا كلامه (رحمه الله) و قد أسقط (المصنف) (رحمه الله) بين قوله (عليه السلام) و دفع المكروه و قوله (عليه السلام) ايها الناس ما لفظه المذكور في البحار و ينبغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه لأنك بزعمك هديته إلى السّاعة التي نال فيها النفع و أمن فيها الضّر ثم اقبل (عليه السلام) على الناس فقال و تعرض هو (رحمه الله) لبيانه فقال قوله (عليه السلام) في قولك اى على قولك أو بسبب قولك أو هي للظرفية المجازية إلا ما يهتدى به شارة الى قوله سبحانه وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ و الكهانة بالفتح مصدر قولك كهن بالضم اى صار كاهنا و يقال كهن يكهن كهانة إذا تكهن و الحرفة الكهانة بالكسر و هي عمل يوجب طاعة بعض الجان له بحيث يأتيه بالأخبار الغائبة و هو قريب من البحر قيل قد كان في العرب كهنة كشق و سطيح و غيرهما فمنهم من كان يزعم ان له تابعا من الجن و رئّيا يلقى إليه الاخبار و منهم من كان يزعم انه يعرف الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسئله أو فعله أو حاله و هذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعى معروفة الشيء المسروق و مكان الضالة و نحوهما و دعوت علم النجوم إلى الكهانة اما لانه ينجر أمر المنجم إلى الرغبة في تعلم الكهانة و التكسب به أو ادعاء ما يدعيه الكاهن و السّحر قيل هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم و نحوها يحدث بسببها ضرر على الغير و منه عقد الرّجل عن زوجته و إلقاء البغضاء بين الناس و منه استخدام الملائكة و الجن و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب و استحضارهم و تلبسهم ببدن صبي أو امرأة و كشف الغائبات على لسانه انتهى و الظاهر انه لا يختص بالضرر و وجه الشبه في تشبيه المنجم بالكاهن اما الاشتراك في الاخبار عن الغائبات أو في الكذب و الاخبار بالظن و التخمين و الاستناد إلى الأمارات الضعيفة و المناسبات السخيفة أو في العدول و الانحراف عن سبيل الحق و التمسك في نيل المطالب و درك المآرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة و صدهم عن التوسل الى اللّه تعالى بالدعاء و الصّدقة و سائر أصناف اطاعة أو في البعد عن المغفرة و الرحمة و يجرى بعض هذه الوجوه في التشبيهين الأخيرين و المشبه به في التشبيهات أقوى و نتيجة الجميع دخول النار و يمكن ان يكون قوله الكافر في النار إشارة إلى وجه الشبه و ان كان بعيد أو المراد اما الخلود أو الدخول و الأخير أظهر و ان كان تحققه في الكافر

في ضمن الخلود ثم حكى مقالة ابن ميثم (رحمه الله) في شرح هذا الكلام و هي ان الذي يلوح من سر نهى الحكمة النبوية عن تعلم النجوم أمران أحدهما اشتغال متعلقاتها؟؟؟ و اعتماد كثير من الخلق السّامعين لأحكامها فيما يرجون و يخافون عليه فيما يسنده الى الكواكب و الأوقات و الاشتغال بالفزع اليه و الى ملاحظة الكواكب عن الفزع الى اللّه تعالى و الغفلة عن الرجوع اليه فيما يهمّ من الأحوال و قد علمت ان ذلك يضادّ مطلوب الشارع إذ كان

77

غرضه ليس الا دوام التفات الخلق الى اللّه تعالى و تذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم اليه الثاني أن الأحكام النجومية إخبارات عن أمور و هي تشبه الاطلاع على الأمور الغيبية و أكثر الخلق من العوام و النساء و الصّبيان لا يميزون بينها و بين علم الغيب و الاخبار به فكان تعلم تلك الأحكام و الحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق و موهنا لاعتقاداتهم في المعجزات إذ الاخبار عن الكائنات منها و كذا في عظمة بارئهم و يشككهم في عموم صدق قوله تعالى قُلْ لٰا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللّٰهُ- وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لٰا يَعْلَمُهٰا إِلّٰا هُوَ و قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّٰاعَةِ فالمنجم إذا حكم لنفسه بأنه يصيب كذا فقد ادعى ان نفسه تعلم ما تكسب غدا و بأي أرض تموت و ذلك عين التكذيب للقران و كان هذين الوجهين هما المقتضيان التحريم الكهانة و السّحر و العزائم و نحوها هذا ما أوردنا؟؟؟ ذكره مما في البحار و قوله (عليه السلام) حاق به الضر اى نزل قال اللّه تبارك و تعالى وَ لٰا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلّٰا بِأَهْلِهِ

قوله فقال (عليه السلام) له أ تدري ما في بطن هذه الدّابة ذكر أم أنثى قال إن حسبت علمت قال (عليه السلام) من صدقك بهذا القول فقد كذب بالقرآن

(الظاهر) ان المراد بالحساب حساب الدرجات و البروج حتى يعرف الطالع في وقت انعقاد نطفته مثلا و الا فلا مدخل لعلم النجوم بقضية كون الجنين ذكرا أو أنثى و أراد (عليه السلام) بهذا القول دعوى علم ما في بطن الدابة و وجه كونه تكذيب بالقرآن هو ان سياق الآية يعطى اختصاص علم ما في الأرحام به تعالى فدعوى غيره لذلك تكذيب لتلك الآية

قوله فقال لي تقضى قلت نعم فقال أحرق كتبك

قال في البحار ما نصه قوله (عليه السلام) تقضى على بناء المعلوم اى تحكم بالحوادث و تخبر بالأمور الاتية أو الغائبة أو تحكم بان للنجوم تأثيرا أو ان لذلك الطالع أثرا أو على بناء المجهول أي إذا ذهبت في الطالع تقضى حاجتك و تعتقد ذلك و الأول عندي أظهر و هذا خبر معتبر يدل على أظهر الوجوه على ان الاخبار بأحكام النجوم و الاعتناء بسعادة النجوم و الطوالع محرم يجب الاحتراز عنه انتهى

قوله (عليه السلام) ثم اعلم ان الحكم بالنجوم خطاء

اعلم بصيغة الماضي و الضمير فيه على حد الضمير في نظر و استدل يعود إلى إبراهيم (عليه السلام)

[الرابع اعتقاد ربط الحركات الفلكية بالكائنات]

قوله الرابع اعتقاد ربط الحركات الفلكية بالكائنات

يعني مجرد الاعتقاد من دون اخبار عن الأوضاع و لا عن أحكامها و آثارها و بهذا يمتاز المقام عما تقدمه من المقامات الثلاثة السابقة

[الأول الاستقلال في التأثير]

قوله الأول الاستقلال في التأثير بحيث يمتنع التخلف عنها امتناع تخلف المعلوم عن العلة العقلية

المراد بالاستقلال ما يقابل المشاركة بان لا يشاركها شيء أخر في التأثير و ليس المراد به كونها هي الصانع فيشمل ما لو أنكر الصانع تعالى و ما لو قال بتعطيله تعالى بعد خلق الأجرام العلوية سواء قيل بقدمها أم قيل بحدوثها و لا يشمل ما لو اعترف بالصّانع جلّ شانه لكن قال بأن حركة الأفلاك تابعة لإرادته تعالى اما باختيارها أو بدونه لان مقتضى التبعية عدم الاستقلال و انما يكون لها مدخل في التأثير و تفسير (المصنف) (رحمه الله) إطلاق العبارات التي ذكرها في طي هذا الوجه مستشهدا بها عليه بما يشمل التبعية بقسميها لا يقتضي إطلاق أصل عنوان هذا الوجه

قوله قال السيّد المرتضى (رضي الله عنه) فيما حكى عنه و كيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام التنجيم و قد اجمع المسلمون قديما و حديثا على تكذيب المنجمين و الشهادة بفساد مذهبهم و بطلان أحكامهم و معلوم من دين الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) ضرورة تكذيب ما يدعيه المنجمون

(انتهى) ليس في كلامه (رحمه الله) ما يظهر منه الكفر إذ لم يذكر سوى إجماع المسلمين على الشهادة بفساد مذهبهم و معلوم ان فساد المذهب أعم من الكفر و سيجيء في كلام (المصنف) (رحمه الله) نقلا عن الشهيد (رحمه الله) ان القول بجريان عادة اللّه بخلق بعض الحوادث عند وجود بعض الأوضاع و ان ربط المسببات المذكورة بأسبابها من قبيل ربط مسببات الأدوية و الأغذية مجازا باعتبار الربط العادي لا الربط الحقيقي العقلي لا يوجب كفر معتقده لكنه مخطئ و يمكن التوجيه بان يقال انّه قد صرّح السيّد (رضي الله عنه) بكون كذب المنجم قد علم ضرورة من الدين و منكر ما علم من الدين ضرورة كافر و من المعلوم ان المنجم نفسه معتقد بصدقه فيكون منكرا لما علم من الدين ضرورة فيكون كافرا ثمّ ان دلالة كلام السّيد (رضي الله عنه) على خصوص ما نحن فيه اعنى ما كان الربط فيه على وجه الاستقلال في التأثير انما هو بإطلاقه الشامل لهذا القسم و غيره كما ان ما يحكيه عن العلامة (رحمه الله) من قوله كل من اعتقد ربط الحركات النفسانية و الطبيعة بالحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية كافر انما يشمل ما نحن فيه بالإطلاق لكون الربط أعم من الاستقلال و الاشتراك

قوله بل يظهر من المحكي عن ابن ابى حديد ان الحكم كذلك عند علماء العامة أيضا حيث قال في شرح نهج البلاغة ان المعلوم ضرورة من الدين إبطال حكم النجوم و تحريم الاعتقاد بها و النهى و الزجر عن تصديق المنجمين و هذا معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فمن صدقات بهذا فقد كذب بالقرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه

لا يخفى انه ليس في كلامه ما يدل على التكفير الا جعل ما ذكره معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث ان التكذيب بالقرآن كفر لكن دلالة ذلك على التكفير مبنى على دلالة قوله (عليه السلام) عليه و سيأتي في كلامه (رحمه الله) انه لا يدل على ذلك فيبقى ان يوجه دلالته على التكفير بما وجهنا به دلالة كلام السيّد (رضي الله عنه) من انه لما كان من المعلوم ضرورة كذب المنجم و ان مصدقه منكر للمعلوم من الدين ضرورة و هو نفسه مصدق لنفسه معتقد بأحكامه فيكون منكرا للضروري و حكمه الكفر

قوله ثم لا فرق في أكثر العبارات المذكورة بين رجوع الاعتقاد المذكور إلى إنكار الصانع جل ذكره

(انتهى) (الظاهر) ان التقييد بلفظ الأكثر للاحتراز عن عن عبارة الشهيد (رحمه الله) حيث ان (الظاهر) من ان الكواكب مدبرة لهذا العالم و موجودة له هو استناد التدبير إليها بالاستقلال أو على وجه التفويض فلا يشمل ما لو قيل ان حركة الأفلاك تابعة لإرادة اللّه فهي مظاهر لإرادة الخالق و مجبولة على الحركة على طبق اختيار الصانع جل ذكره كالالة أو بزيادة انها مختارة باختيار هو عين اختياره

قوله يستمطرون بالأنواء

قال في البحار نقلا عن معاني الأخبار بالسند المتصل الى ابى جعفر (عليه السلام) محمّد بن على الباقر (عليه السلام) انه قال ثلاثة من عمل الجاهلية الفخر بالأنساب و الطعن في الأحساب و الاستسقاء بالأنواء ثم قال (رحمه الله) قال الصّدوق (رحمه الله) أخبرني محمّد بن هارون الزنجاني عن على بن عبد العزيز عن ابى عبيد انّه قال سمعت عدة من أهل العلم يقولون ان الأنواء ثمانية و عشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السّنة كلها من الصّيف و الشتاء و الربيع و الخريف يسقط في كل ثلث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر و يطلع أخر يقابله في المشرق من ساعته و كلاهما معلوم مسمّى و انقضاء هذه الثمانية و العشرين كلها مع انقضاء السّنة ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استيناف السنة المقبلة و كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم و طلع أخر قالوا لا بد ان يكون عند ذلك رياح و مطر فينسبون كل غيث يكون عند ذلك الى ذلك النجم الذي يسقط (حينئذ) فيقولون مطرنا بنوء الثريا و الدبران و السماك و ما كان من هذه النجوم فعلى هذا فهذه هي الأنواء واحدها نوء و انّما سمّى نوء لأنه إذا سقط السّاقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق بالطلوع و هو ينوء نوء و ذلك النهوض هو النوء فسمى النجم به و (كذلك) كل ناهض ينتقل بإبطاء فإنه ينوء عند نهوضه قال اللّه تبارك و تعالى لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ انتهى و فيها عن الجزري في النهاية بعد بيان حال الأنواء على الوجه المذكور ما لفظه و انما سمّى نوء لأنه إذا سقط السّاقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق (يقال) ناء ينوء نوء اى نهض و طلع و قيل أراد بالنوء الغروب و هو من الأضداد و قال أبو عبيد لم نسمع بالنوء انه السقوط إلا في هذا الموضع و انما غلظ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)

78

في أمر الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها فاما من جعل المطر من فعل اللّه تعالى و أراد بقوله مطرنا بنوء كذا أي في وقت كذا و هو هذا النوء الفلاني فإن ذلك جائز اى ان اللّه قد أجرى العادة بأن يأتي المطر في هذه الأوقات انتهى و قال ابن العربي من انتظر المطر منها على انها فاعلة من دون اللّه أو يجعل اللّه شريكا فيها فهو كافر و من انتظره منها على إجراء العادة فلا شيء عليه و قال النووي لكنه يكره لانه شعار الكفار؟؟؟ رموهم له انتهى ما في البحار

قوله و يؤيده ما رواه في البحار عن محمّد و هارون ابني أبي سهل النوبختي

حكى في البحار عن كتاب عتيق اسمه التجمل عن محمّد و هارون ابني أبي سهل انهما كتبا الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) ان أبانا و جدّنا كانا ينظر ان في النجوم فهل يحل النظر فيها قال نعم ثم قال في البحار و فيه أيضا أنهما كتبا اليه نحن ولد بنى نوبخت المنجم و قد كنا كتبنا إليك هل يحل النظر فيها فكتبت نعم و المنجمون يختلفون في صفة الفلك فبعضهم يقول ان الفلك فيه النجوم و الشمس و القمر معلق بالسّماء و هو دون السّماء و هو الذي يدور بالنجوم و الشمس و القمر و السّماء فإنّها لا تتحرك و لا تدور و يقولون دوارن الفلك تحت الأرض و ان الشمس تدور مع الفلك تحت الأرض تغيب في المغرب تحت الأرض و تطلع بالغداة من المشرق فكتب نعم ما لم يخرج من التوحيد ثم قال بيان معلق بالسّماء اى الفلك معلّق بالسّماء و لعل مرادهم بالسّماء الفلك التاسع و بعدم حركتها انّها لا تتحرك بالحركات الخاصة للكواكب فقولهم دوران الفلك تحت الأرض يحتمل الخاصة و اليومية و لا عم و عرضهم ان الكواكب كما تتحرك تبعا للأفلاك فوق الأرض فكذا تتحرك تحتها و قولهم و ان الشمس تدور مع الفلك اى بالحركة اليومية هذا ما خطر بالبال في تأويله و ظاهره ان الأفلاك غير السّموات و لعله كان مذهبا لجماعة كما ذهب إليه الكراجكي حيث قال في كنز الفوائد اعلم ان الأرض على هيئة الكرة و الهواء يحيط بها من كل جهة و الأفلاك تحيط بالجميع إحاطة استدارة و هي طبقات بعضها يحيط ببعض فمنها سبعة تختص بالنيرين و الكواكب الخمسة التي تسمى المتحيرة فالنّيران هما الشّمس و القمر و الخمسة هي زحل و المشترى و المريخ و الزّهرة و عطارد فلكل واحد منها فلك يختص به من هذه السّبعة ففلك زحل أعلاها و فلك القمر أقربها من الأرض و فلك الشمس في وسطها و تحت فلك زحل فلك المشترى ثم المريخ و فوق القمر فلك عطارد ثم فلك الزهرة و يحيط بهذه الأفلاك السّبعة فلك الكواكب الثابتة و هي جميع ما يرى في السّماء غير ما ذكرنا ثم الفلك المحيط الأعظم المحرك جميع هذه الأفلاك ثم السّموات السّبع تحيط بالأفلاك و هي مساكن الاملاك و من رفعه اللّه تعالى إلى سمائه من أنبيائه و حججه (عليه السلام) انتهى ثم قال (رحمه الله) في البحار و هذا قول غريب لم أر به قائلا غيره و مخالفته لظاهر الآية أكثر من القول المشهور فكتب نعم اى يحل النظر فيها ما لم يخرج عن التوحيد اى ما لم ينته إلى تأثير الكواكب و انها شريكة في الخلق و التّدبير للربّ سبحانه و الظاهر ان المراد بالنظر في النجوم هنا علم الهيئة و التفكر في كيفية دوران الكواكب و الأفلاك و قدر حركاتها و أشباه ذلك لا استخراج الأحكام و الاخبار عن الحوادث انتهى

[الثاني انها تفعل الآثار المنسوبة إليها و اللّه سبحانه هو المؤثر الأعظم]

قوله الثاني انها تفعل الآثار المنسوبة إليها و اللّه سبحانه هو المؤثر الأعظم

محصله انّها فاعلة مختارة باختيار هو عين اختيار اللّه و إرادته صادرة عن امره كالالة بزيادة الشعور و قيام الاختيار بها بحيث يصدق ان الفعل فعلها و فعل اللّه كما يصرح به في ذيل الكلام

قوله قال العلامة (رحمه الله) في محكي شرح فصّ الياقوت

الحاكي هو العلامة المجلسي (رحمه الله) في البحار و صرّح بان فصّ الياقوت للشيخ إبراهيم ابن نوبخت كما ان (المصنف) (رحمه الله) صرّح في كتاب الطهارة بأنه من قدماء الأصحاب

قوله ثم قال و ان كل نجم منها موكل مدبر

(انتهى) مقتضى ما ذكر (رحمه الله) من تفسير المأمورين و المنهيين هو ان يكون قد قرء لفظ مدبر بصيغة المفعول بمعنى ان كل نجم موكل بفعله الذي هو الحركة الخاصة مدبر قد دبر اللّه امره و ربما يؤيده صدر الحديث من حيث مطالبة الدليل فيه على تدبير النجوم و يحتمل ان يكون بصيغة الفاعل و يكون المعنى ان كل نجم موكل بأمر خاص و تأثير معين فهو مدبر لذلك الأمر الخاص لا انه مدبر لأمر العالم كما هو الصّحيح على تقدير تفسير قوله (تعالى) فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً بالملائكة كما هو مذهب بعض المفسرين فان كلا منها موكل بأمر خاص هو مدبر لها و على هذا لا يبقى منافاة بين صدر الحديث النافي لتدبيرها للعالم و بين ذيله المثبت لتدبير كل نجم امرا خاصا

قوله لا انهم مأمورون بتدبير العالم بحركاتهم فهي مدبرة باختيارها

الجملة الأخيرة متفرعة على المنفي دون النفي

قوله بل انما تنقش فيها الحوادث شيئا فشيئا

(الظاهر) انه أراد جعل الأفلاك بمنزلة اللوح في ان الواقع ليس الا ما فيها نظرا إلى انها هي المؤثرة الموجدة للحوادث فلا بد و ان يكون ما ينقش فيها هو الواقع و لا يخفى عليك ان (المصنف) (رحمه الله) لم يحك تمام عبارة الوافي و ان ما ذكره منها غير واف بتمام مقصد المحدث الكاشاني (رحمه الله) و ان كان وافيا بما قصده (المصنف) (رحمه الله) من نقله فلا بأس بأن نأتي بتمام الكلام حتى يكون مفيدا لمن أراد الاطلاع على تمام مراده قال (رحمه الله) في أول باب البداء محمّد بن عيسى عن الحجال عن ثعلبة عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال ما عبد اللّه بشيء مثل البداء و في رواية ابن ابى عمير عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ما أعظم اللّه بمثل البداء بيان بدا له في هذا الأمر بداء ممدودا أي أنشأ له فيه أمر و انما لم يعبد اللّه و لم يعظم بشيء مثل البداء لان مدار استجابة الدعاء و الرّغبة إليه سبحانه و الرهبة منه و تفويض الأمور اليه و التعلق بين الخوف و الرجاء و أمثال ذلك من أركان العبودية عليه فان قيل كيف يصحّ نسبة البداء الى اللّه (تعالى) مع إحاطة عليه بكل شيء أولا و ابدا على ما هو عليه في نفس الأمر و تقدسه عما يوجب التغير و السنوح و نحوهما فاعلم ان القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الأمور بل انما ينقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر فإنما يحدث في عالم الكون و الفساد و انما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة للّه و نتائج بركاتها فهي تعلم انه كلما كان كذا كان كذا فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا تلك السبب و لم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السّبب ثم لما جاء أو انه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحي عنها نقش الحكم السابق و يثبت الحكم الأخر مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد لمرض كذا في ليلة كذا لأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبيل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بان لا يتصدق فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أو ان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللّاوقوع اخرى فهذا هو السّبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم و اما نسبة ذلك كله الى اللّه تعالى فلان كل ما يجري في العالم الملكوتي انما يجرى بإرادة اللّه تعالى بل فعلهم بعينه فعل اللّه سبحانه حيث انهم لٰا يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ

79

إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة اللّه تعالى لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى و مثلهم كمثل الحواس للإنسان كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما هم به و إرادته دفعة فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصّحف فهو (أيضا) مكتوب اللّه عز و جل بعد قضائه السّابق المكتوب بقلمه الأول فيصح ان يصف اللّه عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار و ان كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و السنوح و هو سبحانه منزه عنه فان كان ما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته نظير ذلك ما مضى في الحديث في باب تأويل ما يوهم التشبيه من ان نسبة الأسف و المظلومية و نحوهما الى نفسه (تعالى) انما هو باعتبار خلقه بعض عباده لنفسه و للّه الحمد على ما فهمنا من غوامض علمه انتهى و أشار بالحديث في ذيل الكلام الى ما رواه في الباب المشار اليه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ فقال ان اللّه لا يأسف كاسفنا و لكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضى نفسه و سخطهم سخط نفسه لانه جعلهم الدعاة اليه و الأدلّاء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل الى اللّه كما يصل الى خلقه لكن هذا معنى ما قال من ذلك و قد قال من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني إليها و قال عزّ و جل مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ و قال إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فكل هذا و شبهه على ما ذكرت لك و هكذا الرّضا و الغضب و غيرهما من الأشياء ممّا يشاكل ذلك و لو كان يصل الى اللّه الأسف و الضجر و هو الّذي خلقهما و أشباههما لجاز لقائل هذا ان يقول ان الخالق يبيد يوما لأنه إذا دخله الغضب و الضجر دخله التغير و إذا دخله التغير لم يؤمن عليه بالإبادة ثم لم يعرف المكوّن من المكون و لا القادر من المقدور عليه و لا الخالق من المخلوق تعالى اللّه عن هذا القول علوا كبيرا بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة فإذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم إنشاء اللّه (تعالى)

قوله و ظاهره انها فاعلة بالاختيار لملزومات الحوادث

الظاهر انه استظهر الاختيار من قوله نتائج بركاتها إذ ليس الصادر بالقسر و الإيجاب بركة للمصدر و كذا من قوله حكمت في طي كلامه الذي تركه (المصنف) (رحمه الله)

قوله إذ ليس المراد العلية التامة

التعليل بهذا الوجه ناظر الى ان ما استقره الضرورة من الدين على بطلانه انما هو العلية التامة

قوله كيف و قد حاول المحدث الكاشاني (رحمه الله) بهذه المقدمات إثبات البداء

و معلوم ان البذاء عبارة عن إظهار اللّه (تعالى) ما أخفاه من أوامره و مقدراته فلا يكون الفلك على هذا الا صادرا عن امره (تعالى) فلا يبقى مجال لاستقلاله في التأثير

[الثالث استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار]

قوله الثالث استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار

المراد بهذا كونها كالالة من غير شعور فيها لكنها مجبولة على الحركة على طبق اختيار الصانع جلت قدرته فمن جهة كونها كالالة يستند إليها آثارها

قوله و في رواية المدائني المروية عن الكافي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)

(انتهى) قال في البحار بعد ذكر الرواية ما لفظه يدل الخبر على ان المنجمين قد اخطاؤا في طبائع الكواكب و من ينسبونه إليها و في سعدها و نحسها يأمر بالخروج من الدنيا لعل المراد ان من ينسب اليه هكذا حاله أو من كان هذا الكواكب طالع ولادته يكون كذلك أو ان المنسوبين الى هذا الكوكب يأمرون بذلك أقول فعلى الأولين يمكن ان يقال لا تنافي بين ما ذكره المنجمون و بين ما ورد في الخبر لان نحوسته بالنظر الى أغراض أهل الدنيا و ما يطلبون من عز الدّنيا و فخرها و زخرفها و سعادته بالنظر الى أغراض أهل الآخرة و ما يطلبون من ترك الدنيا و لذاتها و شهواتها فتدبر انتهى

[الرابع أن يكون ربط الحركات بالحوادث من قبيل ربط الكاشف بالمكشوف]

قوله ممن يظهر منه خروج هذا عن مورد طعن العلماء على المنجمين ما تقدم من قول العلامة (رحمه الله) ان المنجمين بين قائل بحيوة الكواكب و كونها فاعلة مختارة و بين من قال انها موجبة

قد عرفت سابقا انه حكم بعد ذلك ببطلان القولين و على هذا فوجه ظهور خروج القول بكونها علامات عن مورد طعن العلماء ان مورد طعنهم انما هم المنجمون و قد حصرهم في فريقين كلاهما قائلان بكون النجوم فاعلة غاية ما هناك ان أحدهما يقول بكونها فاعلة مختارة و الأخر يقول بكونها فاعلة موجبة و على هذا فيخرج القائل بكونها علامات عن زمرة المنجمين الذين يطعن عليهم العلماء

قوله و في رواية اخرى انه (عليه السلام) قال له احسبها ان كنت عالما بالأكوار و الأدوار

قال في المصباح كار الرجل العمامة كورا من باب قال أدارها على رأسه و كل دور كور تسمية بالمصدر و الجمع أكوار مثل ثوب و أثواب و كوّرها بالتشديد مبالغة و منه يقال كورت الشيء إذا لففته على وجه الاستدارة انتهى و قال في مادة دار ما لفظه دار حول البيت يدور دورا و دورانا طاف به و دوران الفلك تواتر حركاته بعضها اثر بعض من غير ثبوت و لا استقرار انتهى فالعلم بالأكوار و الأدوار عبارة عن العلم بأوضاع الفلك و حركاته

قوله (عليه السلام) تحصى عقود القصب في هذه الأجمة

قال المصباح الأجمة الشجر الملتف و الجمع أجم مثل قصبة و قصب و الآجام جمع الجمع

قوله و في الرّواية الآتية لعبد الرحمن ابن سيابة

قال في أخر كتاب القضايا من السرائر عبد الرحمن بن سيابة بالسين غير المعجمة و الياء بنقطتين من تحت و الباء بنقطة واحدة من تحت مفتوحة السّين و الياء خفيفة و هي الخلالة و سمى الرّجل باسمها انتهى

قوله خبر ريّان بن الصلت قال حضر عند ابى الحسن الرّضا (عليه السلام) الصباح بن نصر الهندي و سئله عن النجوم

في البحار عن كتاب النجوم وجدت في كتاب مسائل الصباح بن نصر الهندي لمولينا على بن موسى الرضا (عليه السلام) رواية أبي العباس بن نوح و ابى عبد اللّه محمّد بن أحمد الصفواني من أصل كتاب عتيق لنا الآن ربما كان قد كتب في حيوتهما بالإسناد المتصل فيه عن الريان بن الصلت و ذكر اجتماع العلماء بحضرة المأمون و ظهور حجته (عليه السلام) على جميع العلماء و حضور الصّباح بن نصر الهندي عند مولينا الرضا (عليه السلام) و سؤاله عن مسائل كثيرة منها سؤاله عن علم النجوم فقال (عليه السلام) ما هذا لفظه هو علم في أصله صحيح ذكروا ان أول من تكلم في النجوم إدريس (عليه السلام) و كان ذو القرنين بها ماهرا و أصل هذا العلم من عند اللّه عز و جلّ و يقال ان اللّه بعث النجم الذي يقال له المشترى الى الأرض في صورة رجل فاتى بلد العجم فعلمهم في حديث طويل فلم يستكملوا ذلك فاتى بلد الهند فعلم رجلا منهم فمن هناك صار علم النجوم بها و قد قال قوم هو علم من علوم الأنبياء خصوا به لأسباب شتّى فلم يستدرك المنجمون الدقيق منها فشابوا الحق بالكذب هذا أخر لفظ مولينا على بن موسى الرضا (عليه السلام) في هذه الرواية الجليلة الاسناد و قوله (عليه السلام) حجة على العباد و قوله (عليه السلام) ذكروا و يقال من عادته عند التقية من المخالفين و العامة ان يقول نحو هذا الكلام و تارة كان يقول كانّ ابى يقول و تارة روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بيان أقول يحتمل ان يكون تصحيحه (عليه السلام) و إثباته لعلم النجوم تقب لولوع المأمون بهذا العلم و رغبته اليه فلذا عبر بهذه العبارات و في أكثر الأعصار المنجمون مقربون عند السّلاطين و الناس يتقون منهم مع انه غير صريح في جواز التعليم و التعلم و العمل به انتهى ما في البحار و فيها ايضا عن الكافي عن محمّد بن يحيى عن سلمة بن الخطاب و عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعا عن على بن حسان عن على بن عطية الزيات عن معلى بن خنيس قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النجوم أحق هي فقال ان اللّه عز و جل بعث المشترى الى الأرض في صورة رجل فأخذ رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن انه قد بلغ ثم قال له انظر أين المشتري فقال ما أراه في الفلك و ما أدري أين هو فنحاه و أخذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن انه قد بلغ و قال انظر الى المشتري

80

اين هو فقال ان حسابي ليدل على انك أنت المشتري قال فشهق شهقة فمات و ورث علمه اهله فالعلم هناك بيان في صورة رجل لعل المراد على تقدير صحة الخبر ان اللّه تعالى جعله في هذا الوقت ذا روح و حيوة و علم و بعثه إلى الأرض لئلا ينافي ما سيأتي من إجماع المسلمين على عدم حيوة الأجسام الفلكية و شعورها و اما انه كيف صار صغيرا بحيث وسعه الأرض و حضر عند الرجل فيمكن ان يكون على التكاثف أو على إعدام بعض الأجزاء الأصليّة التي بها تشخص الكوكب ثم إيجاد تلك الاجزاء و إعادتها كما ان الشخص تتبدل اجزاؤه من أول العمر إلى أخره و تشخصه محفوظ بالاجزاء الأصلية و ورث علمه أهله أي كتبه و ما علّمهم قبل موته و الخبر يدلّ على ان لهذا العلم أصلا و لا يدل على جواز النظر فيه و تعليمه و تعلمه و استخراج الأحكام منه لسائر الخلق و لعله يكون فتنة كقصة هاروت و ماروت انتهى و مقتضى ما عرفته مما حكيناه عن البحار ان ما أسنده (المصنف) (رحمه الله) الى معلى بن خنيس عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) من تتمة خبر ربان بن الصلت عن الرّضا (عليه السلام) فلعله (رحمه الله) اطلع على ما لم نطلع عليه فتأمل

قوله و قوله (عليه السلام) في تخطئة ما ادعاه المنجم من ان زحل عندنا كوكب نحس انه كوكب أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأوصياء

هذا لا مدخل له في خطاء المنجمين في الحساب الا ان يتجوز في حساب المنجمين المذكورين في كلامه (رحمه الله) عمّا يعم الحساب و الخواص

قوله ان زنديقا قال له ما تقول في علم النجوم قال (عليه السلام) هو علم قلت منافعه و كثرت مضاره لا يدفع به المقدور و لا يتقى به المحذور

(انتهى) لا دلالة في هذا الحديث على ما رام (المصنف) (رحمه الله) الاستشهاد به عليه من وقوع الخطاء من المنجمين في الحساب لأن قلة منافع العلم و كثرة مضاره كما يحتمل ان تكون من جهة خطاء المنجم في الحساب كذلك يحتمل ان تكون بحسب الذات بل هي في الثاني أظهر الا ان يقال انه قد دلت الأخبار السّابقة على ان أصل العلم حق و استفيد من بعضها وجود النفع و عدم الضرر فيه فيصير ذلك قرينة على ان المراد بقلة المنافع و كثرة المضار في هذا الحديث انما هو ما استند الى خطاء المنجمين و اما انه لا يدفع به المقدر و ما بعده من الفقرات الى أخر الحديث فإنها لا تعطى وقوع الخطاء من المنجمين في حسابهم لأنها ناظرة الى ان قضاء اللّه سبحانه لا يرد و هذا المعنى كما يجتمع مع كذب المخبر به كذلك يجتمع مع صدقه بل هو في الثاني أظهر

[المسألة السابعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه حفظ كتب الضلال]

قوله و الأمر بالاجتناب من قول الزور

أشار بذلك الى قوله (تعالى) وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ و وجه دلالته ان الزور عبارة عن الكذب و الباطل و البهتة كما في مجمع البحرين و كتب الضّلال لا تخلو عن ذلك و حفظها ينافي الاجتناب لكن لا يخفى ان تمامية هذا الوجه موقوف على ان يراد بالاجتناب عن قول الزور الاجتناب عن جميع ما يمكن تعلقه به من الأفعال التي منها الحفظ و الحمل على ارادة الجميع انما يتم فيما إذا لم يكن هناك فعل ظاهر التعلق و هو هنا موجود لان الظاهر من الأمر بالاجتناب عن الكذب و الباطل هو الأمر بالاجتناب عن ارتكابهما

قوله من رواية تحف العقول انّما حرم اللّه الصناعة التي هي حرام أكلها التي يجيء منها الفساد محضا (إلخ)

الاستدلال بهذه الفقرة يتم بانضمام ذيلها المشار اليه بقوله إلى أخره المتضمن لتحريم جميع التقلب فيه فيعم الحفظ المبحوث عنه هنا و لا يتوهم ان الاستدلال بها ينافي ما تقدّم منه (رحمه الله) في مسئلة اقتناء الصّور من المناقشة في الاستدلال بها على تحريمه لان ترتب الفساد هناك ليس امرا وجدانيا فقد كان الاستدلال مبنيا على الاستدلال بحرمة الصنعة على ترتب الفساد عليها و قد كان ذلك مبنيا على جعل الحصر حقيقيا فناقش (رحمه الله) بمنع ذلك بخلاف الحال هيهنا فان ترتب الفساد على حفظ كتب الضلال أمر وجداني فيتم الاستدلال فافهم

قوله بل قوله (عليه السلام) قبل ذلك أو ما يقوى به الكفر في جميع وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق إلى أخره

هذه الفقرة و ان كانت مذكورة في تفسير وجوه الحرام من البيع و الشراء الا ان ذيلها تضمن حرمة الإمساك و قد أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بقوله إلى أخره و معلوم ان حفظ كتب الضلال يندرج في أحد القسمين من أمر يقوى به الكفر ان كان الكتاب مشتملا على الكفر أو باب يوهن الحق ان لم يكن مشتملا على ما يبلغ حد الكفر ثمّ ان قوله (عليه السلام) أو ما يقوى به الكفر في جميع وجوه المعاصي مما لا ملائمة فيه بين القيد و المقيد فان قلنا بورود ظهور القيد اعنى عموم جميع وجوه المعاصي على ظهور المقيد أعني القوة الكفر نظرا الى ان المعاصي من شعب الكفر كما أشار إليه قوله (عليه السلام) لا يزني الزاني و هو مؤمن و لا يشرب الشارب و هو مؤمن كان مؤداه حرمة الإعانة على مطلق المعصية و منه ما نحن فيه و ان قلنا بتقديم ظهور المقيد هنا نظرا إلى مقارنة الكفر بقوله باب يوهن به الحق المقتضي لبقاء الكفر على ظاهره لزم الاقتصار من عموم المعاصي على ما كان في ضمن الكفر و لعله الأظهر في المقام و ان كان الظاهر انه لو لا الصارف كان ظهور القيد واردا على ظهور المقيد بحسب التعارف فافهم

قوله أو يلتزم بإطلاق عنوان معقد نفى الخلاف الّذي لا يقصر عن نقل الإجماع

الظاهر ان وصفه بعدم القصور عن نقل الإجماع انما هو باعتبار شخصه من جهة الوثوق به لمساعدة التتبع عليه لا باعتبار نوعه حتى يلزمه ان نقل نفى الخلاف بنوعه بمنزلة نقل الإجماع فتدبر

قوله نعم توجب الضلالة لليهود و النصارى قبل نسخ دينها

التقييد ناظر الى عدم إيجابها الضلالة بعد نسخ دين اليهود و النصارى لحصول الضلالة لهم بمجرد الالتزام بالدّين المنسوخ

قوله قال في (المبسوط)

المقصود من نقل قول المبسوط هو افادة ما تضمنه ذيل الكلام من ان حفظ المسلمين الكتب المحرفة السّماوية محرم فالغرض حكاية القول بخلاف ما اختاره من عدم حرمة حفظها للمسلمين مع عدم إيجابه الإخلال لهم و لا لغيرهم من المعتقدين بتلك الكتب فعلى هذا كان اللازم تصدير العبارة بالواو لان مقتضى ترك الواو انما هو كون المحكي موافقا لما قبله

قوله اما حرمة إتلافها فلا دليل عليه

هكذا وجدنا العبارة في النسخ المتداولة بل في نسخة أصلحها (المصنف) (رحمه الله) بخطه في موارد كثيرة و هو سهو من النساخ أو من قلمه الشريف و الصّواب وجوب إتلافها أو حرمة إبقائها

قوله و مما ذكرنا ايضا يعرف وجه ما استثنوه في المسئلة من الحفظ للنقض و الاحتجاج على أهلها

و ذلك لما ذكره (رحمه الله) من ان المستفاد من رواية عبد الملك و رواية تحف العقول من كون تحريم الحفظ دائر مدار المفسدة و انه مع انتفائها أو معارضتها بمصلحة راجحة يرتفع التحريم

[المسألة الثامنة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الرشوة]

قوله الرشوة حرام

(11) قال في المصباح الرشوة بالكسر ما يعطيه الشخص للحاكم و غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد و جمعه رشا مثل سدرة و سدر و الضم لغة و جمعها رشى بالضم (أيضا) و رشوته رشوا من باب قتل أعطيته رشوة فارتشى أخذ و أصله رشى الفرخ إذا مد رأسه لزقه انتهى و في شرح القاموس كبعض الكتب الفقهية انها مثلثة الفاء ساكنة العين

قوله و في جامع المقاصد و (المسالك) ان على تحريمه إجماع المسلمين

(12) قال في جامع المقاصد أجمع أهل الإسلام على تحريم الرشا في الحكم سواء حكم بحق أو باطل للباذل أو عليه انتهى و في (المسالك) و على تحريمه إجماع المسلمين انتهى بل قد يقال انه من ضروريات المذهب أو الدين ثم انه كما يحرم على الأخذ أخذها كذلك يحرم على الباذل إعطاؤها لقوله (عليه السلام) لعن اللّه الراشي و المرتشي في الحكم و تمسك في المستند مضافا الى ذلك بأنه اعانة على الإثم

81

و العدوان و هو غير واف بالمطلوب ان ثبت كون حرمة الإعطاء نفسيّة كما هو ظاهر سياق الخبر لأن حرمة الإعانة لا تفيد أزيد من الحرمة من باب المقدمة هذا

قوله و يدلّ عليه الكتاب

لعله إشارة إلى قوله (تعالى) أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ بمعونة ما ورد في تفسيره فعن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) السّحت هو الرشوة في الحكم و عن على (عليه السلام) هو الرشوة في الحكم و مهر البغي و كسب الحجام و عسيب الفحل و ثمن الكلب و ثمن الميتة و ثمن الخمر و حلوان الكاهن و الاستعمال في المعصية و يحتمل ان يكون إشارة إلى قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ أو الى ما بعده من قوله تعالى وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوٰالِ النّٰاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال في الصّحاح اولى بماله الى الحاكم دفعه اليه و قوله (تعالى) وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ يعنى الرشوة انتهى و في الكشاف في تفسير الآية ما نصه و لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل و بالوجه الذي لم يبحه اللّه و لم يشرعه و لا تدلوا بها و لا تلقوا أمرها و الحكومة فيها الى الحكام لتأكلوا بالتّحاكم فريقا طائفة من أموال الناس بالإثم بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصّلح مع العلم بأن المقضي له ظالم و عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال للخصمين إنما أنا بشر و أنتم تختصمون الىّ و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإن ما اقضى له قطعة من نار فبكيا و قال كل واحد منهما حقي لصاحبي فقال اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه و قيل و تدلوا بها و تلقوا بعضها الى حكام السوء على وجه الرشوة و تدلوا مجزوم داخل في حكم النهي أو منصوب بإضمار ان كقوله وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ انكم على الباطل و ارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح و صاحبه أحق بالتوبيخ انتهى و في تفسير الجلالين ما لفظه و لا تدلوا تلقوا بها اى بحكومتها أو بالأموال رشوة إلى الحكام انتهى أقول قد عرفت مما ذكر انهم اختلفوا في تفسير الآية و لكن لا يخفى على من له ادنى خبرة بأساليب الكلام ان الآية ظاهرة في النهي عن الرشوة لأن ظاهرها هو ان لا تدفعوا أموالكم الى الحكام لتجعلوها وسيلة إلى أكل أموال الناس و ليس هذا الا الرشوة و القول بان معناها لا تلقوا أمر الأموال أو حكومة الأموال أو نحوهما خلاف الظاهر و معلوم ان الظواهر حجة دون غيرها فافهم

قوله ففي رواية الأصبغ بن نباتة

قال العلامة (رحمه الله) في إيضاح الاشتباه الأصبغ بن نباتة بضم النون المجاشعي بضمّ الميم انتهى

قوله (عليه السلام) و ان أخذ هدية كان غلولا

اى خيانة قال في المصباح غل غلولا من باب قعد و أغل بالألف خان في المغنم و غيره قال ابن السكيت لم تسمع في المغنم الّا غلّ ثلاثيا و هو متعد في الأصل لكن أميت مفعوله فلم ينطق به انتهى و قال في الوافي الغلول الخيانة في غنيمة دار الحرب و قد يطلق على مطلق الخيانة انتهى

قوله كلّ شيء ذلّ من الامام (عليه السلام) فهو سحت

قال في المجمع غلّ من المغنم شيئا إذا أخذ منه خفيّة و فيه عن ابى عبيدة ان الغلول من المغنم خاصة و لا يراه من الخيانة و لا من الحقد

قوله (عليه السلام) و الرّبا بعد البينة

هذه الفقرة يمكن الاستدلال بها على ان الربا المأخوذ مع الجهل بحرمته لا بأس به و لا يجب رده الى مالكه فان في المسئلة قولين قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة يجب على آخذ الرّبا المحرم رده على مالكه ان عرفه لانّه مال لم ينتقل عنه إلى الأخذ و يده يد عارية فيجب دفعه الى المالك كالغصب و لو لم يعرف المالك تصدق به عنه لانه مجهول المالك و لو وجد المالك قد مات سلم الى الوارث فان جهلهم تصدق به إذا لم يتمكن من استعلامهم و لو لم يعرف المقدار و عرف المالك صالحه و لو لم يعرف المالك و لا المقدار خمّسه و حل له الباقي هذا إذا فعل الربا متعمدا و اما إذا فعله جاهلا بتحريمه فالأقوى انه (كذلك) و قيل لا يجب عليه رده لقوله (تعالى) فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانتهى فله ما سلف و هو يتناول المال الذي أخذه على وجه الرّبا و سئل الصّادق (عليه السلام) عن الرجل يأكل الربا و هو يرى انّه له حلال قال لا يضره حتى يصيبه متعمدا فهو بمنزلة الذي قال اللّه (تعالى) و في الصّحيح عن الصّادق (عليه السلام) قال اتى رجل الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال انّى قد ورثت مالا و قد علمت ان صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربى و قد عرفت ان فيه ربا و استيقن ذلك و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه و قد سئلت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا ما يحل لك اكله من أجل ما فيه فقال أبو جعفر (عليه السلام) ان كنت تعرف ان فيه مالا معروفا ربا و تعرف اهله فخذ برأس مالك و رد ما سوى ذلك و ان كان مختلطا فكله هنيئا فإن المال مالك و اجتنب ما كان يفعل صاحبه فان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قد وضع ما مضى من الربا و حرم عليهم ما بقي فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه و وجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا إذا تقرر هذا فإنما أباح (عليه السلام) الربا مع امتزاجه بناء على ان الميت ارتكبه بجهالة و تمام الحديث يدل عليه انتهى و فيما ذكر كفاية لمن تدبر

قوله و اما الرشا في الأحكام يا عمار فهو الكفر باللّه العظيم

لم أجد فيما حضر في من كتب اللغة من ذكر ان الرشا استعمل مفردا بمعنى الرشوة و انما ذكروه جمعا للرشوة و لا بأس بالالتزام باستعماله جمعا في الحديث و اما إفراد الضمير في قوله فهو الكفر فإنما هو باعتبار تقدير الأخذ مضافا الى الرشا

قوله و ظاهر هذه الرواية سؤال الرشوة لبذل فقهه فيكون ظاهرا في حرمة أخذ الرشوة للحكم بالحق أو للنظر في أمر المترافعين ليحكم بعد ذلك بينهما بالحق من غير اجرة

لا يخفى ان استظهار (المصنف) (رحمه الله) ما ذكره من الرواية مبنى على تفريع سؤال الرشوة على احتياج الناس الى فقهه و نظره (رحمه الله) في تخصيصه بالحكم بالحق و احترازه عن الحكم بالباطل هو انّه على ان الناشي من الفقه لا يكون الّا الحق لأن الباطل ليس من آثار الفقه و ثمن انه ثمّ انّه (رحمه الله) جعل مقتضى التفريع ان يكون سؤال الرشوة لبذل فقهه و أراد ببذل فقهه ما هو أعمّ من توجيه النظر إلى أمر المترافعين و من أنشأ الحكم فبذل الفقه في الأوّل عبارة عن توجيه الفهم و المعرفة إلى حقيقة الواقعة و في الثاني عبارة عن بيان ما فهمه فأراد (رحمه الله) ببذل الفقه ما يعمهما و جعل الحديث بعد ذلك محتملا لأمرين أحدهما أخذ المال في مقابل الحكم للمعطى بحق و الأخر النظر في أمر المترافعين فاستفاد من الرواية تحريم الرشوة مع كون الحكم حقا سواء أخذها في مقابل الحكم أم في مقابل النظر و أنت خبير بان احتياج الناس الى فقه الرجل انما هو لأجل النتيجة الحاصلة منه و ليست إلا إنشاء الحكم فيكون سؤاله للرشوة باعتبارها و (حينئذ) يكون الرواية ظاهرة في خصوص حرمة أخذ الرشوة على الحكم و لا تفيد حكم طلبه من المترافعين شيئا في مقابل مجرد النظر في أمرهما ليحكم بعد ذلك بينهما بالحق من غير اجرة ثمّ انه على ما بينا يبقى حكم حرمة سؤال شيء على الحكم بالباطل لباذله مستفادا من دليل أخر أو من هذه الرواية بطريق الأولوية بل صدق الرشوة و ترتب حكم الحرمة على ما أخذ في مقابل الحكم بالباطل لمعطيه من قبيل الواضحات المسلمة كما هو الحال على ما بنى عليه (المصنف) (رحمه الله) من ظهورها في الدلالة على طلب المال على الحكم بالحق أو على النظر في أمر المترافعين ليحكم بالحق من غير اجرة

قوله و هذا المعنى هو ظاهر تفسير الرشوة في القاموس بالجعل

الظاهر انه أراد بالمشار اليه بقوله و هذا المعنى العام الشامل لما يبذل

82

مع كون الحكم بحق سوآء بذل في مقابل الحكم بحق أم في مقابل النظر الذي يتعقبه الحكم بالحق من دون اجرة و لما كان لازم كلامه شموله لما يبذل في مقابل الحكم بالباطل بطريق اولى صار قوله هذا المعنى عبارة عن المعنى العام الشامل لما قابل الحق و ما قابل الباطل و وجه الاستظهار من تفسيره في القاموس بالجعل هو كون الجعل أعم ممّا يقرر في مقابل الباطل أو الحق ثم ان المعنى الذي فسر صاحب القاموس الرشوة به غير المعنى المتعارف الذي هو المبحوث عنه في هذا المقام لان ذلك المعنى مفهوم عام شامل لمثل الف درهم في قول القائل من رد عبدي فله الف درهم لان المراد به مطلق ما يقرر في مقابل عمل مقصود و لهذا فسر الرشوة في ترجمة القاموس بما يبذل الإنسان في مقابل عمله ثم حكى عن شارحه انه قال ان الجعل قد خصّص عرفا بالبرطيل الذي يعطى الحاكم أو غيره في ضمن إيصاله إلى مقصود المعطى

قوله و اليه نظر المحقق الثاني (رحمه الله) حيث فسّر في حاشية الإرشاد الرشوة بما يبذله المتحاكمان

اى من دون تقييد بكونه في إحقاق الباطل و إبطال الحق و (الظاهر) ان مراده ببذل المتحاكمين ليس هو اجتماعهما في البذل بل المراد وقوع البذل منهما في الجملة و لو بوقوعه من واحد منهما

قوله و هو صريح الحلّي (أيضا) في مسئلة تحريم أخذ الرشوة (مطلقا)

(انتهى) قال في السّرائر في باب آداب القضاء من كتاب قضايا و الأحكام ما نصه و القاضي بين المسلمين و الحاكم و العامل عليهم يحرم على كلّ واحد منهم الرشوة لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لعن اللّه الراشي و المرتشي في الحكم و هو حرام على المرتشي بكل حال و اما الراشي فإن كان قد رشاه على تغير حكم أو إيقافه فهو حرام و ان كان على إجرائه على واجبه لم يحرم عليه ان يرشوه لذلك لانه يستنقذ ماله فيحل ذلك له و يحرم على أخذه انتهى و وجه صراحته انه فرض إعطاء الرشوة من المحق و المبطل هذا و ينبغي توضيح المقال في انه هل يختص موضوع الرشوة بالباطل أم يصدق على ما بذله أحد المتخاصمين ليحكم الحاكم له بالحق فنقول قال في شرح القواعد انها ليست مطلق الجعل كما في القاموس بل بينه و بين الأجر و الجعل عموم من وجه و لا البذل على خصوص الباطل كما عن النهاية و المجمع و لا مطلق البذل و لو على خصوص الحق بل هو البذل على الباطل أو على الحكم له حقا أو باطلا مع التسمية و بدونها انتهى و في المستند جعل إطلاقها بالنسبة إلى الحق و الباطل بحسب الموضوع مقتضى كلام الأكثر و المتفاهم في العرف و حكاه عن تصريح والده ثم قال و هو الظاهر من القاموس و الكنز و مجمع البحرين ثم قال و يدل عليه استعمالها فيما اعطى للحق في الصّحيح عن رجل يرشو الرجل على ان يتحول من منزله فيسكنه قال لا بأس فإن الأصل في الاستعمال إذا لم يعلم الاستعمال في غيره الحقيقة كما حقق في موضعه نعم عن النهاية الأثيرية ما ربما يشعر بالتخصيص ككلام بعض الفقهاء و هو لمعارضة ما ذكر غير صالح مع ان الظاهر ان مراد بعض الفقهاء تخصيص الحرمة دون الحقيقة انتهى و ما ذكر من شمولها للقسمين هو الحق ثمّ اعلم ان بذل الرشوة قد يكون لأجل الحكم للباذل حقا كان أم باطلا و قد يكون لأجل الحكم بالحق و ان لم يكن موافقا لمدعاه و هذا القسم يكون من قبيل بذل الجعل فان صدق عليه الرشوة كان موردا لاجتماعهما و لكن الحق ان هذا ليس من الرشوة موضوعا لما عرفته من عبارة المصباح و غيرها و امّا القسمان الأّولان فإن ادرجناهما في عنوان شيء من الجعل و الإجارة كان ذلك مورد الاجتماع بينها و بين شيء منهما و الا كان رشوة و لم يكن جعلا و لا اجرة و يتحقق هذا بان يكون الداعي على البذل ذلك فيصير هذا مورد افتراق الرشوة عن الجعل و الأجرة كما انه لو اعطى ليحكم له و تعاهدا على ذلك باللفظ بعنوان الجعل كان من مورد الاجتماع بينها و بينه أو تعاهدا عليه باللفظ بعنوان الإجارة كان من مورد الاجتماع بينها و بين الإجارة غاية ما في الباب ان الإجارة فاسدة شرعا و لا ينافي صدق المفهوم و يفترقان عنها فيما لو كان شيء منهما على نفس القضاء أو على شيء من الأفعال الّتي هي غير مورد الرشوة كما لو وقعا على الخياطة أو البناء أو نحوهما قال بعض المعاصرين أيده اللّه بعد ذكر كلام شرح القواعد و حكمه بأن العرف مساعد على ذلك كاللغة و استشهاده بما عن مختصر النهاية و مجمع البحرين من اختصاصها (مطلقا) أو غالبا ما لفظه الا ان الظاهر ان منها ما يبذله المحق ليحكم له بحقه بحيث لو لم يبذله لأبطل حقه و لحكم عليه بالباطل و اما ما يبذل على الحكم بالحق سواء كان له أو عليه فان كان بحيث لولاه لحكم بالباطل فالظاهر انه منها (أيضا) و لعله مراد نحو المتن المنسوب إلى الأصحاب المحكي على تحريمه إجماعهم بل و إجماع المسلمين و العرف مساعد على ذلك كله و ما عن اللغة كأنّه منزل على ذلك و الا فلا يخلو من نظر و ان كان بحيث لولاه لم يحكم أصلا فالظاهر انه ليس منها و انما هو الأجرة أو الجعل على القضاء الّذي قد سبق البحث فيه و من ذلك يظهر ان بينها و بينهما تباينا كليا لا عموما (مطلقا) و لا من وجه كما وقع في كثير من العبارات السّابقة و غيرها كما ان منه يظهر (أيضا) انّها ممّا يلزمها التأثير في نفس الحاكم و لعلّه لذا قيل بأنه إذا كان يحكم بالحق و لم يرتش جاز الدفع اليه و الا فلا و ما في الرياض و غيره من انه مدفوع بإطلاق النص و الفتوى قد يدفع بمنع شمول الإطلاق لذلك كما ان

إطلاق ما عن حاشية الإرشاد من ان الرشوة ما يبذله المتحاكمان و عن جامع المقاصد ان الجعل من المتحاكمين للحاكم رشوة و عن الحلّي ان أخذ الرشوة (مطلقا) حرام و كذا إعطاؤها إلا إذا كان على اجراء حكم صحيح فلا يحرم على المعطى و نحو ذلك من عباراتهم محل تأمل بل منع و كان ذلك اشتباه بينها و بين الأجرة أو الجعل انتهى و لا يخفى ما فيه لانه لا يلزم مما ذكره انتفاء الجعل و الأجرة على سائر الأفعال كالبناء و الخياطة حتى يتحقق التباين الكلى و الذي يعطيه كلامه حيث قيد الأجرة و الجعل بكونهما على على القضاء قيل قوله و من ذلك يظهر (انتهى) هو انه قد اشتبه عليه الأمر فلاحظ النسبة بين الرشوة و الجعل على القضاء بخصوصه أو الأجرة عليه و هذا مع تقييد أحد طرفي النسبة اللذين لا بد من ملاحظتها فيهما بحسب أصل المفهوم خروج عن مفروض شرح القواعد و غيره مما أشار إليه بقوله كثير من العبارات (انتهى) مضافا الى ان ما ذكره من التفصيل فيما يبذل على الحكم بالحق و استظهاره من ذلك ان الرّشوة مما يلزمها التأثير في نفس الحكم كم مما يتجه عليه المنع كتوجه المنع الى دعوى انصراف الإطلاق في مقابل ما افاده صاحب الرياض (رحمه الله) ثم ان الذي يظهر من ملاحظة الاستعمالات و التأمل في مطاوي كلمات الفقهاء و أهل اللغة هو ان الرشوة عبارة عما يعطيه أحد الشخصين صاحبه في مقابل عمل ليس من شأنه أن يقابل بالجعل و الأجرة عند أهل العقول و المعرفة و لهذا كان التخفي بها من لوازمها لحصول الاستنكاف باستعمالها و بعبارة أخرى يكون ذلك العمل مع كونه مما يعتنى به العقلاء و يعتدون به مما لا يقابلونه بعوض بل يفعلونه من باب التعاون و التعاضد فيما بين أبناء النوع كإحقاق الحق و إبطال الباطل و ترك الظلم و الإيذاء و تسليم الوقف الى الموقوف عليه و لهذا وقع في بعض الروايات السّابقة التعبير بقوله يرشو على ان يخرج من منزله فيسكنه فموارد الجعل و الإجارة المتعارفة

83

التي منها مباشرة القضاء التي هي من الأعمال المعتبرة لا تسمى رشوة بخلاف كتمان الحق بعد العلم به و إظهاره و كذا لو أخذ شيئا من أحد ليظلم أحدا أو يكف ظلمه عنه و كذا قضاء حوائج الإخوان عند الأمراء و أمثال ذلك و الى هذا أشار في الجواهر في ذيل كلام له حيث قال بخلاف الرشوة التي كانت الأنفس السّليمة مجبولة على التنزه عنها لأنها غير الهدّية و الإجارة و الجعالة بل هو قسم أخر ينقح العرف افراده و ما كان منها محلّ شك فالأصل يقتضي حلّيته كما أنه يقتضي حلّيته ما فرض من إفرادها أو يفرض كونه محلّ شك في اندراجه في دليل الحرمة انتهى

قوله و عن النهاية انّها الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة و الراشي الذي يعطى ما يعينه على الباطل

لم يذكر عبارة النهاية على وجهها لانه قال فيها الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة و أصله من الرشا الذي يتوصل به الى الماء فالراشى الذي يعطى ما يعينه (انتهى) ثم ان صدر هذه العبارة مساوية لعبارة المصباح ان جعلنا الوصلة بمعنى ما يتوصل به كما هو ظاهر ما يستفاد من (المصنف) (رحمه الله) انه فهمه منها حيث قال بل يعم ما يبذل الحصول غرضه و هو الحكم له حقا كان أو باطلا و هو ظاهر ما تقدم عن المصباح و النهاية هذا و لكن الظاهر من قوله و الراشي الذي يعطى ما يعينه على الباطل هو اختصاصها بالباطل لبعد تخالف المشتق و المشتق منه في العموم و الخصوص و يدلّ على الاختصاص صريحا قوله في النهاية بعد العبارة التي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عنها بلا فصل فاما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه فلا تدل عبارة النهاية على ما رامه هو (رحمه الله) من التعميم لكنه (رحمه الله) معذور من جهة انه لم يحضره كتاب النهاية كما يدل عليه تصدير النقل بكلمة عن دون كلمة في ثم انّ لفظة ما في قوله يعطى ما يعينه اما عبارة عن الأخذ فيكون قد استعمل كلمة ما بمعنى من و اما عبارة عن المال المعطى و يكون معنى يعينه (حينئذ) انه يصير سببا لإعانته

قوله و منه يظهر حرمة أخذ الحاكم للجعل من المتحاكمين مع تعيّن الحكومة عليه

هذا شروع في البحث عن حرمة أخذ الجعل و عدمها بعد الفرع عن حال حكم الرّشوة الذي لم يخالف أحد في انه هو التحريم و ان وقع الخلاف بين ظواهر عباراتهم في تعيين موضوعها و ينبغي توضيح المقام فنقول انهم يستعملون في المال الذي يأخذه القاضي قبل القضاء أو بعده ألفاظا يرتبون على مفاهيمها شيئا من الحل و الحرمة و هي خمسة الرشوة و الأجرة و الجعل و الرزق من بيت المال و الهدية أمّا الرشوة فقد عرفت ان الذي يستفاد من كلمات من تعرض لتفسيرها أمور ثلاثة أحدها الجعل الذي يقرره المتحاكمان للقاضي في مقابل عمله الذي هو إنشاء الحكم أو مقدمته التي هي النظر في أمرهما ليحكم بعد ذلك بالحق و على هذا يكون مساويا للجعل المراد بلفظة في هذه المسئلة ثانيها ما يبذل للحاكم لإبطاله حقا أو تمشيته باطلا و ان كان الباذل غير المتحاكمين فلو اعطى غيرهما الحاكم شيئا ليحكم لأحدهما لقرابته أو صداقته أو لغير ذلك من الدواعي الدنيوية كان داخلا في موضوع الرشوة قطعا كما وقع في كلام بعض الفقهاء و ظاهر عبارة المصباح مبنى على الأغلب كما انه لا فرق بعد أخذها بين حكم الحاكم للمعطى أو لخصمه موضوعا و حكما كما لا فرق من الجهتين بين ما لو كان الحكم بحق أو باطل هذا و اما تفسيرها في (المسالك) بأخذ الحاكم ما لا لأجل الحكم فهو غير خال عن الخلل لما عرفت من تفسيره بما يعطيه الشخص فهو الشيء بوصف كونه يعطيه لا نفس الأخذ و يشهد بذلك ان الفعل منه يسند الى المعطى و لا يسند الى الحاكم الا ما كان للمطاوعة و هو الارتشاء ثم ان التقييد بالحاكم انما هو لمراعاة الغرض في هذه المسئلة و الا فمفهوم الرشوة كما في عبارة المصباح و النهاية أعم منه و من غيره ثالثها ما يبذل لحصول غرض الباذل و هو الحكم على وفق مراده سواء كان الحكم حقا أم باطلا و امّا الأجرة فقد قال في مفتاح الكرامة في مقام الفرق بينها و بين الجعل ما لفظه و المراد من الأجرة ما يؤخذ من المتخاصمين أو غيرهما كاهل البلد أو المحلة و الجعل هو الأجرة لكنها من المتخاصمين أو أحدهما لا تعدوهما فيكون تابعا للشرط قبل الشروع في سماع الدعوى فان شرطه عليهما أو على المحكوم عليه فالفرق بينه و بين الرشوة ظاهر و ان شرطه على المحكوم له فالفرق ان الحكم لا يتعلق فيه بأحدهما بخصوصه بل من اتفق له الحكم منهما على الوجه المعتبر فيكون الجعل عليه و هذا لا تهمة فيه و لا ظهور غرض بخلاف الرشوة لأنها من شخص معين ليكون الحكم له ان كان محقا أو مبطلا و قد أخذ فيه أيضا كالأجرة أنه بحيث لو لم يكن لم يفعل انتهى و تبعه بعض من تأخر و عندي ان هذا لا وجه له إذ لا يساعد عليه وضع و لا استعمال و لعل منشأ توهم صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) هو ما وجده في عبارة (المسالك) في قوله و لا فرق في ذلك يعنى الحكم بالحرمة بين أخذ الأجرة من السّلطان أو من أهل البلد أو المتحاكمين ثم قال بل الأخير هو الرشوة الّتي ورد في الخبر انها كفر باللّه العظيم و برسوله انتهى و ان كان فيما ذكره أخيرا نظر و لكنه لا يدل على عدم تصور الجعل من غير المتحاكمين حتى يتحقق الفرق الذي ذكر و الذي أراه بعد ما هو معلوم من الفرق بين الإجارة و الجعالة كما ينبئ عنه افراد كل بمبحث خاص و أحكام خاصة هو ان من جملة ما يوجب الفرق اشتراط تعين العامل في الإجارة دون الجعالة و معلوم انه يمكن ان يقول أحد المتداعيين أو كلاهما لحاكم خاص ان نظرت في أمرنا أو حكمت في هذه القضية فلك مائة درهم مثلا و ان يقول مخاطبا بالخطاب العام من نظر في أمرنا أو حكم في القضية من الحكام فله كذا فكل من الأجرة و الجعل متصور من المتداعيين و مثلهما غيرهما من أهل البلد أو السّلطان بل نقول انه كما يتصور الأمران من أهل البلد أو السّلطان أو أحد المتداعيين بل من أجنبي على القضاء الخاص كذلك يتصور ذلك بالنسبة إلى مباشرة القضاء على وجه العموم كما قد يتفق ذلك من السّلطان ثم على تقدير كون الحاكم المخاطب خاصا فالجزم بالعمل و تعيين زمانه ممّا يعتبر في الإجارة دون الجعالة فيقول في الإجارة أعطيك مائة على ان تفصل هذا القضاء في هذا اليوم مثلا و في الجعالة ان فصلت هذا القضاء فلك مائة مثلا و إذ قد عرفت ذلك نقول

ان كل من عبّر في هذه المسئلة و نظائرها بالجعل أراد به ما هو أعم من الجعل بمعناه الأصلي و الأجرة و كل من عبر بالأجرة أراد بها ما هو أعم من الأجرة بمعناها الأصلي و الجعل و يشهد بهذا ان المحقق (رحمه الله) قال في (الشرائع) في هذا البحث أخذ الأجرة على الأذان حرام و لا بأس بالرزق من بيت المال و كذا الصلاة بالناس على تفصيل و قال في كتاب القضاء اما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و الوجه التفصيل فمع عدم التعين و حصول الضرورة قيل يجوز و الاولى المنع و لو اختل أحد الشرطين لم يجز انتهى و انه استدل المانع من أخذ الأجرة بإجماع (المبسوط) مع ان معتقده الجعل و انه قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) في القواعد و تحرم الأجرة على الأذان و على القضاء ما لفظه لا فرق بين أخذ الأجرة من المتحاكمين أو من السّلطان أو أهل البلد عادلا كان أو جائرا سواء كان المأخوذ بالإجارة أو الجعالة أو الصّلح انتهى

84

و ان شئت قلت كما قال (المصنف) (رحمه الله) و هو القائل المحق ان الأجر في العرف يشمل الجعل و ان كان بينهما فرق عند المتشرعة فالمراد بالأجر و الأجرة في كلامهم انما هو المعنى العرفي هذا و لا أقل من اتحادهما حكما و صاحب المستند (رحمه الله) قد نظر الى أحد الوجهين حيث جمع بينهما في العنوان و قال المسئلة الاولى اختلف كلماتهم في جواز أخذ الأجرة و الجعل على القضاء من المتخاصمين أو أحدهما أو غيرهما إلى أخر ما قال و العجب من بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى حيث ذكر الكلام في الأجرة وحدها و ذكر فيها أقوالا خمسة و اختار فيها جواز أخذها (مطلقا) ثم أفرد الجعل بالعنوان فقال و امّا الجعل مطلقا أو من أحدهما مع تعين القضاء عليه و كفايته و تمكنه فغير جائز قولا واحدا كما عن كشف اللثام بل عن (المبسوط) عندنا لا يجوز أخذ الجعل بحال بل عن (الخلاف) الإجماع عليه فان ثمّ و الا فلا يخلو من نظر لبعد الفرق بينه و بين الأجرة (مطلقا) أو منهما هذا كلامه و قد علم بما حررناه وجه الفرق بين الجعل و الأجرة كما علم وجه الفرق بينهما و بين الرشوة كما علم عن مطاوي الكلام ان مورد الرشوة انما هي القضية الشخصية و امّا الرّزق فقد قال في (المسالك) مفرقا بينه و بين الأجرة في مسئلة حرمة أخذ الأجرة على الأذان ما لفظه و الفرق بينهما ان الأجرة تفتقر الى تقدير العمل و العوض و ضبط المدة و الصيغة الخاصة و امّا الارتزاق فمنوط بنظر الحاكم لا يقدّر بقدر و محله من بيت المال ما أعد للمصالح من خراج الأرض و مقاسمتها و نحوهما و لا فرق في تحريم أخذ الأجرة بين كونها من معين و من أهل البلد و المحلة و بيت المال الى ان قال و امّا أخذ ما يعد للمؤذنين من أوقاف مصالح المسجد و نحوها فليس بأجرة و ان كان مقدرا و كان هو الباعث على الأذان نعم لا يثاب فاعله عليه الا مع تمحض ارادة القربة الى اللّه تعالى به انتهى و قال في باب الأذان و الإقامة نعم يجوز ان يرزق من بيت المال من سهم المصالح لا من الصدقات و لا من الأخماس لأن ذلك مختص بفريق خاص انتهى و يأتي من (المصنف) (رحمه الله) ما هو أوضح من ذلك في مسئلة أخذ الأجرة على الواجبات (إن شاء الله) (تعالى) و بما ذكرنا ظهر ما في جعل الرزق أعم من الأجرة كما فعله صاحب الرياض (رحمه الله) في توجيه ما في الحديث من قوله (عليه السلام) يأخذ على القضاء الرزق و امّا الهدّية فهي العطية المبعوث بها على سبيل الملاطفة كما في المصباح عن بعض أهل اللغة و المعاني و قال فيه أيضا أهديت الرّجل كذا بالألف بعثت به إليه إكراما فهي هديت انتهى و على هذا فلو اعطى إنسان غيره شيئا و هما مجتمعان في المجلس لم يكن ذلك الشيء يسمى هدية و الظاهر ان مراد الأصحاب هنا ما هو أعم من ذلك و لهذا فسرها (المصنف) (رحمه الله) بأنها ما يبذله على وجه الهبة ليورث المودة الموجبة للحكم له حقا كان أو بإطلاق و إذ قد عرفت ذلك فاعلم ان (الظاهر) ان (المصنف) (رحمه الله) (أيضا) بنى على ما بيناه من كون مراد من عبّر هنا بالجعل و مراد من عبّر بالأجرة معنى واحدا و يشهد بذلك انه حكى عن جامع المقاصد دعوى النص و الإجماع على حرمة الجعل (مطلقا) مع ان دعواه لهما انما هي في ذيل قول العلامة (رحمه الله) و تحرم الأجرة على الأذان و القضاء قال (رحمه الله) امّا الأذان ففي بعض الاخبار ما يقتضي تحريمه و الإجماع الى ان قال و امّا القضاء فللنصّ و الإجماع ثم ساق العبارة التي حكيناها عنه عند بيان الفرق بين الجعل و الأجرة و لا يتوهم ان استشهاد (المصنف) (رحمه الله) بدعواه النص و الإجماع انما هو باعتبار تعميمه الأجرة للجعل كما عرفت في عبارته المحكيّة لأن هناك شواهد أخر في كلام (المصنف) (رحمه الله) على ان المراد بهما معنى واحد منها انه قال في عبارته و فصل في المختلف فجوز أخذ الجعل و الأجرة فقد جمع بينهما مع ان عبارة المختلف ليس فيها الا لفظ الأجرة قال (رحمه الله) فيه على ما حكاه عنه في جامع المقاصد مصرحا بأنه لفظه ما نصه ان تعين القضاء عليه اما بتعيين الامام (عليه السلام) أو بفقد غيره أو بكونه الأفضل و كان متمكنا لم يجز الأجرة عليه و ان لم يتعين أو كان محتاجا فالأقرب

الكراهية انتهى و منها انه قال فيما سيأتي من مسئلة أخذ الأجرة على الواجبات ما لفظه فقد نقل المحقق و العلامة و غيرهما القول بجواز أخذ الأجرة على القضاء عن بعض فقد قال في (الشرائع) اما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و كذلك العلامة (رحمه الله) في المختلف انتهى فقد ذكر في التعبير عن القول بالجواز على وجه الإجمال لفظ الأجرة و استشهد عليه بما تضمن لفظ الجعل و بالجملة فالمراد باللفظين معنى واحد و ان كانت الأجرة أعم من الجعل الا ان الظاهر ان تعبيرهم بالجعل في هذا المقام نظرا الى ما هو الواقع في الخارج من ذكر المتخاصمين عوض القضاء للقاضي على وجه ليس فيه جعل القاضي نفسه أجيرا في مدة معلومة على ما هو اللازم في الإجارة و انما يقع ذلك منهما على وجه ينطبق على الجعالة فافهم و تدبر

قوله (عليه السلام) طمعا في حطام الدنيا

الحطام كغراب ما يحطم اى يتكسر و يتفتت من عيدان الزرع و لعله استعارة لما يطمع فيه الناس تحقيرا باعتبار انه شيء قليل حقير في جنب ما يمكن تحصيله من المثوبات الأخروية

قوله أو للعاقبة

كتب (رحمه الله) في الحاشية فيكون بطلان الحق مترتبا على القضاء بغير علم و ان لم يكن مقصودا

قوله و اما اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص أدلة المنع بصورة الاستغناء كما يظهر بالتأمل في روايتي يوسف و عمار المتقدمتين

أما رواية يوسف فإفادتها للاختصاص بصورة الاستغناء من جهة قوله فسئلهم الرشوة معطوفا على قوله (عليه السلام) احتاج الناس اليه لفقهه في قوة ان يقال فسئلهم الرشوة لفقهه و لهذا قال (المصنف) (رحمه الله) و ظاهر هذه الرواية سؤال الرشوة لبذل فقهه و التقييد بكونه لفقهه ينفى كونه لحاجته فيستفاد الاختصاص و اما رواية عمار فإفادتها للاختصاص انما هي من جهة الإضافة في أجور القضاة فإن مقتضاها ان الأجر للقاضي لكونه قاضيا لا لكونه محتاجا اليه هذا غاية ما يمكن من توجيه ما أشار الى ظهوره بالتأمل و لا يخفى أن للمناقشة فيه مجالا واسعا خصوصا الأخير

قوله ما يزيح علته

الازاحة الإزالة و العلة بالكسر المرض الشاغل أراد (عليه السلام) ازالة مرض الفقر الشاغل للقلب و ما يتبعه

قوله و للرواية توجيهات تكون الرواية على بعضها محمولة على ظاهرها من التحريم و على بعضها محمولة على المبالغة في رجحان التجنب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه لئلا يقع في الرشوة يوما

(الظاهر) انه أشار الى ان ظاهر الرواية مما لا مجال للالتزام به لأنه إذا قضى حاجة لأخيه طلبا لمرضاة اللّه أو لمجرد حسن السريرة و بعد ذلك اهدى من قضى له الحاجة الى صاحبه هدية لم يكن وجه للقول بحرمة أخذه (فحينئذ) نقول اما ان ينفى الحاجة على إطلاقها الشامل لخصوص الحاجة الى رفع الخصومة و ما هو أعم من ذلك من الحاجات التي يتوقف قضاؤها على اعمال محترمة لها اجرة في العرف و العادة و امّا ان نخصها بالأول و اما ان نخصها بالحاجات التي لم يتعارف أخذ المال عليها و على كل تقدير اما ان يراد بلفظ ثم الترتيب المعنوي بأن يكون بذل الهدية و قبولها بعد قضاء الحاجة و اما ان يراد به الترتيب في الذّكر اللفظي و يكون بذل الهدية و قبولها قبل قضاء الحاجة امّا الإطلاق الشامل للحاجات المتوقفة على الأعمال المحترمة التي لا تفعل مجانا فليس بمراد قطعا فلا بد من ان يراد أحد الأخيرين فإن قلنا بان المراد بالحاجة هو خصوص ارتفاع الخصومة و قلنا بان ثم للترتيب الذكرى لم يكن إشكال في حرمة قبول الهدية على هذا الوجه على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) و ان قلنا بالاختصاص بذلك

85

لكن قلنا بان ثم للترتيب المعنوي لم يكن وجه للالتزام بحرمة الأخذ و لا بد من حمل رواية (حينئذ) على المبالغة في رجحان التجنب عن قبول الهدايا لئلا يقع في الرشوة نعم هناك توجيه أخر يحكم فيه بالحرمة و هو ان لا يعين المحكوم له للقاضي شيئا بل يعده الإحسان اليه على ما هو المتعارف في ما بين العجم حيث يقول بعضهم لبعض اقض لي هذه الحاجة و انا أخدمك أو تجدني مقيما في خدمتك و يريدون بالأول الإحسان اليه و بالثاني دوامه ثم انه بعد قضاء القاضي له يهدى اليه هدية و ان قلنا بان المراد بالحاجة مطلق الحاجات التي لم يتعارف أخذ المال عليها فان قلنا بان لفظ ثمّ للترتيب المعنوي لم يكن وجه للالتزام بالحرمة و لا بد من الحمل على المبالغة و ان قلنا بأنها للترتيب الذكرى كانت حرمتها في غير القضاء الّذي هو نوع منها مبنية على ان الرشوة تختص بالقضاء أم تجري في غيرها فعلى الثاني تكون في غير القضاء (أيضا) محرمة و على الأول لا بد من ان يكون الحكم بالحرمة في غير القضاء مبنيّا على المبالغة في التّجنب

قوله و هل يحرم الرشوة في غير الحكم بناء على صدقها كما يظهر مما تقدم من المصباح و النهاية كان يبذل له مالا على ان يصلح امره عند الأمير

ينبغي تحقيق القول في موضوع الرشوة من حيث الاختصاص بالحكم أو شمولها له و لغيره فنقول لا ريب في عدم اختصاصها بخصوص الحكم الشرعي لأنها من الألفاظ اللغوية و العرفية السّابقة للشرع ثم هل تختص بمطلق الحكم أو تشمل غيره ايضا مثل ما يبذل على أداء الشهادة مثلا و مثل ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من المثال الوجه هو الثاني لما عرفت من كلمات أهل اللغة الشاملة للقسمين مضافا الى ان استعمال لفظها قد وقع في الخصوص و في بعض ما هو من افراد العام دون الخاص المذكور فدار الأمر بين ان يكون موضوعا للمطلق أو يكون موضوعا للمعنى الخاص و قد تقرر في محله انه إذا دار الأمر بين كون اللفظ موضوعا للمطلق أو المقيد كان اللازم هو البناء على الأول و ممّا استعمل في شيء من افراد العام ما وقع في الصّحيح عن الرّجل يرشو الرّجل على ان يتحول من منزله فيسكنه قال لا بأس و اختار بعض مشايخنا اختصاصها بالقضاء من الحاكم الشرعي و نفى البعد عن عمومها بالنسبة إلى الحاكم لا على الوجه الشرعي كقضاة السوء مثلا مع اعترافه بأن الإعطاء على وجه الشهادة و مقدمات القضاء كسماع الدعوى و شهادة الشاهد و نحوهما داخلة في الإعطاء على القضاء و استند في التخصيص إلى أمرين أحدهما ما ورد في كثير من الاخبار من تقييد الرشا بالحكم كما عرفت و ثانيهما تعرض الفقهاء العنوان الرشوة في القضاء و فيهما ما لا يخفى امّا الأول فلان مثل قوله (عليه السلام) و الرّشا في الحكم يذلّ على وضع الرشا لما هو أعم من مورد الحكم و الا كان التقييد لغوا و قد عرفت اشتمال أكثر الأخبار المذكورة على التقييد المذكور كاشتمال كلامي العلامة و المحقق الثاني المذكورين سابقا عليه فهو على خلاف مطلوبه أدل نعم التقييد يدل على اختصاص الحرمة بمحل التقييد الا ان الخبر الدال على حرمتها (مطلقا) (أيضا) موجود و لا منافاة بينه و بين الاخبار المقيدة و امّا الثاني فلان كون القضاء فردا من افراد موارده يكفى نكتة لتعرضهم و لا يلزم الانحصار مع ان جماعة تعرضوا لها في غير القضاء (أيضا) كالمحقق في (الشرائع) و العلامة في (القواعد) و غيرهما و ذكر بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى ان ظاهر النص و الفتوى انها على الحاكم الشرعي في مقام الخصومة الحاضرة أو المتوقعة بحيث يكون البذل له ليحكم له حيث يحتاج الى ذلك ثمّ قال و ربما احتمل عمومها لما يبذل لغير الحكم الشرعي بل و لغير الحكم أيضا الا انه في غير محلّه انتهى و أنت خبير بأن غاية ما يتأتى من النص و الفتوى على فرض التسليم انّما هو اختصاص حكم الحرمة بما ذكره و امّا اختصاص موضوع الرشوة بخصوص الحاكم الشرعي فلا يتأتى منهما الدلالة عليه ثم ان ما أشار إليه من تعميم موضوع الرشوة بالنسبة إلى الخصومة المتوقعة قد وافق فيه صاحب المستند (رحمه الله) حيث قال و الحاصل ان كل مال مبذول الشخص للتوصل به الى فعل صادر منه و لو مجرد الكف عن شره لسانا أو يدا أو نحوهما فهو رشوة و لا فرق في الفعل الذي هو غاية البذل ان يكون فعلا حاضرا أو متوقعا كان يبذل للقاضي لأجل انه لو حصل له خصم يحكم للباذل و ان لم يكن له بالفعل خصم حاضر و لا خصومة حاضرة و يظهر من شرح القواعد التردد فيه حيث قال و إرسال الهدايا إلى القضاة و الحكام توطئة لاحتمال وقوع الترافع بين المهدى و غيره ان لم يدخل تحت الاسم داخل تحت الحكم و الدفع لأداء الشهادة على باطل أو على الحالين من هذا القبيل و كذا الدفع لبذل النصرة و الإعانة ظالما و مظلوما انتهى و عندي ان بذل المال لأجل دفع الخصومة المتوقعة خارج عن موضوع الرشوة الا ان يعلم بأنها ستقع فان ذلك مثل الخصومة المحققة في اندراج البذل عليه تحت موضوع الرشوة و يدلّ على الأمرين كلمات أهل اللغة فإن عبارة النهاية من انها الوصلة إلى الحاجة تعطى تحقق الحاجة دون احتمالها و مثله سياق كلام المصباح حيث قال ما يعطيه الحاكم و غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد فان دلالته على إعطائه لأجل انه لو اتفق له خصومة حكم له في غاية البعد و تفسير القاموس لها بالجعل أبعد شمولا للخصومة المحتملة ثم انه بعد الخروج عن الموضوع لا بد من الدليل على الحرمة فنقول الدليل انه بذل مال في طلب فعل محرم و كلّ مال مبذول في مقابل المحرم حرام و أكله أكل له بالباطل لكن هذا الوجه انما يتم فيما لو كان بذل

المال لأجل الحكم بالباطل دون ما لو كان لأجل الحكم بالحق

قوله نعم يمكن ان يستدلّ على حرمته بفحوى إطلاق ما تقدم في هدية الولاة و العمال

أشار به الى رواية الأصبغ بن نباتة التي ذكرها في صدر المسئلة و صحيحة عمار المتضمنة لقوله (عليه السلام) و ما أصيب من اعمال الولاة الظلمة

قوله كما يدلّ عليه ما ورد في ان الرجل يبذل الرشوة ليتحرك من منزله ليسكنه قال لا بأس

هذه الرّواية رواها في الوافي في باب إصلاح المال و تقدير المعيشة عن (التهذيب) عن الحسين عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمّد قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يرشو الرشوة على ان يحوله عن منزله فيسكنه قال لا بأس ثمّ قال في البيان الذي عقبها به يعنى يرشو الغاصب لمنزله أو أريد بالمنزل المنزل الذي جاز له سكناه سواء جاز للمرتشى أم لا انتهى

قوله رواية الصيرفي قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام) و سئله حفص الأعور فقال ان عمال السّلطان يشترون منا القرب و الإداوة إلخ

هذه الرّواية ذكرها في الوافي في الباب المذكور عن (التهذيب) عن ابن سماعة عن إسماعيل ابن ابى سمال عن محمّد بن أبي حمزة عن حكم ابن حكيم الصّيرفي قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئله حفص الأعور فقال ان عمال السّلطان يشترون منا القرب و الأداوى (انتهى) فما ذكره مخالف لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من وجهين أحدهما ان الامام المروي عنه هو أبو عبد اللّه (عليه السلام) على خلاف ما في كلام (المصنف) (رحمه الله) من انه أبو الحسن (عليه السلام) و ثانيهما انه لم يرد لفظ الإداوة مفردا و لهذا قال في البيان الذي عقب به الرواية ما نصه القرب جميع القربة و هي ما يستقى فيه الماء و الأداوى جمع الإداوة و هي المطهرة انتهى

قوله و ممّا يعد من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة كبيعه من القاضي ما يساوى

86

عشرة دراهم بدرهم

اعلم ان (الظاهر) ان موضوع الرشوة عبارة عن المال بقسميه العين و المنفعة و عن الحقوق و العقود التي ترجع إليها و ظاهر كلمات أهل اللغة ممّا عرفت لا يفهم منه الشّمول لما سوى ذلك ممّا سنذكره كالثّناء على القاضي و مدحه مثلا نعم عن مجمل بن فارس ارشيت الرّجل إذا لا ينته انتهى فهو يشمل جميع ما سنذكره الّا انّ الظّاهر انّ ذلك إطلاق أخر لا دخل له بهذا المعنى الذي نحن بصدده بل قد يستفاد من بعض النصوص عدم شموله لما عدا ما ذكر كرواية يزيد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) حيث سئله عن السّحت فقال (عليه السلام) الرشا في الحكم و وجه الدلالة ان السحت كما في المصباح هو كلّ مال حرام لا يحلّ اكله و لا كسبه انتهى فتأمل بل قد يستفاد من سياق سائر الأخبار حيث قرن فيها الرشوة بما هو من قبيل المال عدم شموله لغيره بل الظاهر من مساق كلمات الفقهاء (أيضا) ذلك و لكن قال في الجواهر ان الرشوة خاصة في الأموال و في بذلها على جهة الرشوة أو انّها تعمها و تعم الأعمال بل و الأقوال كمدح القاضي و الثناء عليه و المبادرة إلى حوائجه و إظهار تبجيله و تعظيمه و نحو ذلك و نعم البذل في عقد المحاباة و العارية و الوقف و نحو ذلك و بالجملة كل ما قصد به التوصل الى حكم الحاكم قد يقوى في النظر الثاني و ان شك في بعض الافراد في الدخول في الاسم أو جزم بعدمه فلا يبعد الدخول في الحكم انتهى و وجه الدخول في الحكم هو اتحاد المناط كما ذكره بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى و فيه تأمل و الاولى الاستناد إلى حرمة المعاونة على الإثم في مورد جريانها كما لو فعل ذلك ليحكم له بالباطل و امّا في غير مورد جريانها كما لو فعل ذلك ليحكم له بالحق فاصل البراءة محكم و ان قلنا بان بذل المال للحاكم ليحكم للباذل بالحق رشوة فتدبر ثم ان قوله ممّا يعد من الرّشوة أو يلحق بها يمكن ان يكون إشارة إلى القسمين اللذين ذكرهما بان يكون الأول منهما رشوة و الثاني منهما ملحقا بها و يمكن ان يكون إشارة إلى تردده في المحابات بين اندراجه موضوعا و بين لحوقه حكما و يمكن ان يكون إشارة إلى التردد في مراد من عمّم الرّشوة بالنسبة إلى المحاباة كصاحب الجواهر (رحمه الله) بان يكون الفعل الثاني (أيضا) أعني يلحق مبنيا للمفعول

قوله لجلب قلب القاضي

معناه لجلب قلبه حتى يحكم له كما ذكره في الهدية و الا فمطلق جلب قلبه من دون قصد التوصل الى الحكم له لا يسمّى رشوة و لا يكون ملحقا بها و لذلك قال فهي كالهدية ملحقة بالرشوة أي كما ان الهدية ملحقة (كذلك) هذه ملحقة و وجه الإلحاق ما ذكره في الهدية من تنقيح المناط تنبيه لا ريب في انه ليست جميع أفراد الرشوة بالمعنى الذي استفدناه من أهل اللغة بمحرمة بل منها ما هو مباح مثل ما يبذل على الأعمال المباحة مثل بعض أقسام قضاء الحاجة عند الأمراء و مثل الخروج من المسكن الموقوف ليسكنه غيره كما انه لا ريب في ان ما يبذل في مقابل فعل محرم محرم و ان لم يكن من مصاديق الرشوة لكن يبقى الكلام في ان جميع أقسام الرشوة على الحكم هل هي محرمة أو خرج عنها خارج قال في المستند مقتضى إطلاق الاخبار التعميم و قد يخص الجواز للمرتشى إذا كان الحكم بالحق و ان لم يرتش و هو ضعيف و قال فيه (أيضا) و قد يخص بما إذا ارشى و ارتشى للحكم بالباطل اما لاختصاص حقيقتها بذلك كما مر و ضعفه قد ظهر أو لتخصيص ذلك بالصّحيحة المذكورة المجوزة للارشاء للتحول من منزله و يضعف بان الكلام في الرشا في الحكم دون التحول من المنزل و قال فيما بين الكلامين و قد يخص الجواز للراشي إذا كان محقا و لا يمكن وصوله الى حقه بدونها ذكره جمع كثير منهم الوالد الماجد و هو حسن لمعارضة إطلاقات تحريمها مع أدلة نفى الضرر فيرجع الى الأصل لو لم يرجح الثاني و لكن الجواز (حينئذ) مخصوص بالراشى دون المرتشي انتهى و الاولى في تقرير الدليل ان يقال ان أدلة الضرر حاكمة على سائر الأدلة فيؤخذ بالحاكم و مثله في أصل الحكم ما عن شرح القواعد الا انه قيد الجواز بكون البذل لا على وجه الرشوة قال (رحمه الله) فيما حكى عنه و لو توقف الوصول إلى الحق على البذل جاز لا على وجه الرشوة كما يجوز الى العشار و السّارق و الظالم لحفظ النفس أو المال و جعل صاحب الجواهر (رحمه الله) قوله لا على وجه الرشوة إشارة إلى إعطائها بعنوان التوصل إلى الحق قال (رحمه الله) و لو توقف تحصيل الحق على بذله لقضاة حكام الجور جاز للراشي و حرم على المرتشي كما صرّح به غير واحد بل لا أجد فيه خلافا لقصور أدلة الحرمة عن تناول الفرض الذي يدل عليه أصول الشرع و قواعده المستفادة من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل ضرورة أن للإنسان التوصل الى حقه بذلك و نحوه مما هو محرم عليه في حال الاختيار بل ذلك كالإكراه على الرشا الذي لا بأس به على الراشي معه عقلا و نقلا و لعله الى ذلك أومأ الأستاد في شرحه قال و لو توقف الوصول إلى أخر ما حكيناه عن شرح القواعد الا انه قال انه مناف لما ذكره في شرح القواعد في مسئلة الأجرة على القضاء و الجعل عليه من قوله و يعطى الدافع في دفعه الى القاضي في أحد الوجهين إلا إذا توقف تحصيل الحق عليه فيجوز بخلاف الرشوة فإنها لا تجوز بحال انتهى و قال (رحمه الله) بعد ذكر هذا الكلام و في كلامه الأخير ما لا يخفى ضرورة انه ان أراد إخراجها عن الموضوع في صورة التوقف كان مخالفا للعرف في ذلك و ان أراد انها لا تجوز بهذا العنوان حتى لو توقف الحق عليها كان مخالفا لما قدمناه سابقا بل لم اعرف له موافقا عليه بعد تنزيل الإطلاق في النص و الفتوى على الاختيار انتهى و (الظاهر) ان مراد شارح القواعد (رحمه الله) كما يعطيه قوله لا على وجه الرشوة أن الرشوة عبارة عما يعطيه لأجل الحكم فهذا العنوان مأخوذ في مفهومها و تحصيل الحق انما يتوقف على بذل المال لا على قصد كونه لأجل الحكم فالرشوة معنونة بهذا الوصف العنواني غير موقوف عليها استيفاء الحق لإمكان كون البذل بعنوان تحصيل المال فإذا كانت مما لا يتوقف عليه الاستيفاء لم يجز بهذا العنوان أصلا و لا منافاة بين جوازها لا بعنوان الرشوة و عدم جوازها بهذا العنوان و قد أشار بعض المعاصرين الى هذا في كلام له يعجبني ذكره قال ما نصه لو توقف تحصيل الحق على بذلها القضاة الجور جاز للراشي و ان حرم على المرتشي كما نص عليه كثير منهم من غير خلاف فيه يعرف كما اعترف به بعضهم للأصل مع الشك في تناول دليل التحريم لذلك ان لم يكن ظاهرا في صورة الاختيار و عدم الانحصار مع ان الضرورات تبيح المحظورات عقلا و

نقلا و كتابا و سنة و إجماعا و تدبر و قد يستدل عليه بالصّحيح عن الرّجل يرشو الرجل على ان يتحول من منزله فيسكنه قال (عليه السلام) لا بأس و ضعفه ظاهر و عن الحلبي المنع من التوصل إلى الحق بحكم المخالف للحق فان كان أحدهما مخالفا جاز و عن المختلف و غيره انه موضع المنع لأن للإنسان أن يأخذ حقه كيف ما أمكن و لو بذلك و نحوه مما هو محرم عليه في الاختيار بل ذلك كالإكراه على الرشا الذي لا بأس به على الراشي معه عقلا و نقلا الا ان كونه كالإكراه عليها محلّ منع مع انه قد يمنع تحقق الإكراه عليها بناء على اعتبار قصد كون البذل لجعل؟؟؟ الحكم له فيها فإن الإكراه انما يكون في مطلق البذل لا على كونه على الوجه الخاص فقد يكون البذل لمجرد استنقاذ ماله

87

و ان لم يحكم له به و التعليل عليل بل لا يخلو عن مصادرة و لعله لذا قيل كما في شرح القواعد بأنه لو توقف (انتهى) فذكر العبارتين اللتين حكيناهما عنه ثم قال و لعله لعدم تصور التوقف المزبور عليها أو لعموم دليلها الّذي يقصر التعليل و نحوه عن تخصيصه الّا مع الاضطرار الى المال الذي لا يندفع الا بها مع فرض تصوره فإن الظاهر خروجه عن محلّ البحث هذا ثم ذكر إيراد صاحب الجواهر (رحمه الله) بعبارته كما حكيناها بتمامه ثم قال و لا يخلو من نظر كما يظهر من التدبر فيما مر فلاحظ و تدبر انتهى

قوله و في فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوى

لا يخفى قوة ما ذكره (رحمه الله) حتى فيما لو قصد أصل المعاملة و حابى فيها لجلب قلب القاضي إلى الحكم (فالظاهر) فساد العقد المشتمل على ذلك لظهور النصوص في بقاء المال على ملك الراشي و للنهى عن أصل هذه المعاملة بناء على انها من إفراط الرشوة أو من الملحقات بها إذ لا وجود لها مغايرا لوجودها حتى يصير أحدهما مباحا و الأخر حراما فليسا من قبيل المجتمعين في المورد فالمعاملة منهي عنها بعينها فتفسد و ان شئت قلت ان النهى متوجه الى ذات هذه المعاملة و الى إيجادها في الخارج باعتبار كون الحكم له كالجزء من العوض و قال بعض المعاصرين انه قد يقال بالصّحة للعمومات مع منع كونها من الإقرار يعني منع كون المحاباة من افراد الرشوة و لا يلزم من تحريم قصد ذلك الفساد و لا نهى عن خصوص العقد كي يفهم منه ذلك انتهى لا بأس بما ذكره على هذا التقدير

قوله و كونها من السّحت انّما يدلّ على حرمة الأخذ لا على الضمان

إشارة إلى رفع ما يتوهم من انّه ليس معنى السّحت هو المال الذي يحرم أخذه مع انتقاله الى ملك من يحرم عليه أخذه و لا ما هو أعمّ من ذلك بل معناه المال المحرم الذي سبب حرمته على من يريد التصرف فيه عدم انتقاله من مالكه اليه و قد أشار الى هذا صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال لا خلاف و لا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك كما هو مقتضى قوله انها سحت و غيره من النصوص الدالة على ذلك الى أخر ما قال فإذا أخذ ما لم ينتقل اليه من مال غيره كان ضامنا فأشار (المصنف) (رحمه الله) الى دفع ذلك بان السّحت عبارة عن المال المحرم أخذه و حرمة الأخذ لا تدل على الضّمان هذا و ذهب بعض المعاصرين الى قول أخر و هو إطلاق الضّمان قال يجب رد الرشوة و نحوها الى صاحبها مع بقائها و امّا مع تلفها (فالظاهر) وجوب رد عوضها لأنها مضمونة كسائر العقود الفاسدة بل لا ينبغي الإشكال فيه مع كون دفعها بدون طيب النفس كما قد يقع لقضاة الجور انتهى و لا يخفى ان تعليله في مرتبة الدعوى فلا يتم به المطلوب و ربما احتمل عدم الضّمان مع علم الدّافع بالحرمة باعتبار تسليطه على الإتلاف مجانا و لا يخفى ما فيه لان التسليط على الإتلاف مجانا انما يتم في الصّورة الثانية دون الاولى

[فروع في اختلاف الدافع و القابض]

قوله و لأصالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوى بعد التلف

انّما قيد بهذا القيد لان معنى الضمان انما يتحقق بعد التلف إذ ليس إلا عبارة عن كون الشخص يلزم تدارك الشيء بدفع بدله من مثل أو قيمة و هذا المعنى قد يتحقق بالاختيار بواسطة الالتزام بالقول و هو الضمان الذي هو في عرض الكفالة و قد يكون بالفعل كالاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد و قد يتحقق بغير اختيار كالإتلاف بغير عمد و من المعلوم انه لا بتحقق للتدارك على الوجه المذكور معنى الا بعد التلف و لما ذكرناه تريهم يعبرون عنه في محاوراتهم و مطاوي كلماتهم يتحمل الغرامة و لا يكاد يعقل لضمان نفس العين الموجودة بالمعنى المذكور وجه لان كون الشخص يلزمه رد العين الموجودة إلى مالكها لا يسمّى ضمانا و لا غرامة ألا ترى ان الوديعة يلزم ردها الى مالكها و ليس فيها ضمان و كذلك العارية إلا المضمونة منها فزيادة قيد المضمونة فيها ليست الا باعتبار حال تلفها و انها لو تلفت لزمه تداركها بأداء بدلها من مثل أو قيمة و يشهد بما ذكرنا من معنى الضمان انهم يفسرون القسم الأول في كتاب الضمان بالتعهد بالمال و معناه الالتزام بعهدته و قد فسر العهدة في شرح قاموس بأنه نوع من الكفالة يعبر عنه بقولهم على و على رقبتي و هي الكفالة العارية ثمّ قال مثلا تقول عهدته على فلان اى ما أدرك فيه من درك فاصلاحه عليه و قال في المجمع الدرك بالتحريك و يسكن (أيضا) اللحاق و التبعة الى ان قال و منه قوله ما لحقك من درك فعلى خلاصه اى تبعته انتهى و في المصباح أدركته إذا طلبته فلحقته الى ان قال و أدرك الثمن المشتري أي لزمه و هو لحوق معنوي و الدّرك بفتحتين و سكون الراء لغة من أدركت الشيء و منه ضمان الدرك الشرعي انتهى و قد صرّح في شرح القاموس بكون الدرك و اللحوق قد أخذ فيهما طلب الشخص و الوصول اليه من خلفه و ان تسمية التبعة بالدرك انما هي باعتبار انها تتبع الشيء و تلحقه أقول يظهر ممّا ذكر ان ضمان الدّرك الشرعي ينطبق على ذلك باعتبار ان الرجل يضمن ما يلحق المبيع و يتبعه من خروجه مستحقا للغير ثم انه قد علم ممّا فصّلناه لك ان الضمان إذا أضيف إلى العين يراد منه التزام عهدتها على تقدير التلف و من ذلك قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى يعنى انه على من اثبت يده على مال الغير ضمان ما اثبت يده عليه ان تلف الى ان يرده الى مالكه فإذا رده اليه ارتفع ذلك الضمان الثابت معلّقا على التلف و لا يتوهم انه لا يبقى على هذا فرق بين اليد و الإتلاف و قد عدّوا كل واحد منهما سببا مستقلا في الضمان لانه لم يؤخذ في سببية اليد للضمان كون صاحب اليد سببا في الإتلاف أو مباشرا له فلو تلف ما اثبت عليه اليد بآفة من اللّه لزمه الضمان (أيضا)

قوله و يحتمل العدم إذ لا عقد مشترك هنا اختلفا في صحته و فساده فالدافع منكر لأصل العقد الذي يدعيه القابض لا لصحته فيحلف على عدم وقوعه و ليس هذا من مورد التداعي

لأن مورده عبارة عمّا كان كلّ منهما مثبتا لأمر إثباتي بعد تسالمهما على وجود متعلق صالح لكلّ منهما أورد عليه بعض مشايخنا بأن قاعدة الصّحة الثابتة في فعل المسلم بالأخبار الدالة عليها لا يختص موردها بما إذا كان هناك قدر مشترك لإطلاق ألفاظها الشامل له و لغيره و من طريقة الفقهاء انهم يثبتون بقاعدة الصّحة لوازمها و منها رفع الضمان هنا ثم انى وجدت مثل ذلك في كلام بعض المعاصرين بعد حكمه بأن القاضي لو جهل قصد الدافع فالوجه حمله على الصّحة فإنه قال و لو اختلفا في ذلك روعي جانب الجواز و الصّحة لأنهما الأصل في فعل المسلم و ان لم يكن عقد مشترك بينهما و انما كان فعلا (كذلك) و قد يحتمل العدم لان الدافع اعرف بنيته و لأصالة الضمان في اليد كما قيل انتهى و عندي ان هذا الإيراد غير متجه عليه (رحمه الله) لانه لا بد من ملاحظة دليل قاعدة الحكم بالصّحة فيما لو اختلفا في وقوع المعاملة صحيحة أو فاسدة (فحينئذ) نقول لو كان مدرك هذه القاعدة هي الأخبار الناطقة بحمل فعل المسلم على الصّحيح اتجه عليه أمران أحدهما تلك الاخبار انّما دلت على حمل فعل خصوص المسلم على الصّحيح كما في قوله (عليه السلام) ضع أمر أخيك على أحسنه و غير ذلك و لازم ذلك انه لو كان المتعاملان كافرين أو كان من يدعى الصّحة منهما كافرا لم يجر فيه قاعدة تقديم قول مدعى الصّحة مع ان الفقهاء (رضي الله عنه) لا يفرقون بين المسلم و غيره في ذلك و ثانيهما ان قاعدة الصحة لا يأتي منها إحراز العنوان فلو شك

88

في ان من مرّ به و تكلم بكلام هل سلم عليه أو شتمه كان مقتضى قاعدة الصّحة ان كلامه ذلك ليس حراما فلا يصحّ له ان يحكم بأنه فاسق و اما انه يلزمه جواب السّلام فلا و كذا فيما نحن فيه لا يقتضي قاعدة حمل فعل المسلم على الصّحيح الا انه غير فاسق و امّا انه يترتب عليه انه هبة و انه غير ضامن فلا و قد نص (رضي الله عنه) على هذا في كتبه و ابحاثه و كون طريقة غيره خلاف ذلك لا يقتضي بطلان ما ذكره فإنه (رضي الله عنه) يتكلم على ما هو مقتضى التحقيق عنده و ان كان مدرك هذه القاعدة إجماعهم عليها في أبواب المعاملات و المنازعات كما هو الظاهر (فحينئذ) نقول ان القدر المتيقن من معقد الإجماع انما هو ما لو كان هناك قدر مشترك و كون غيره داخلا في معقد الإجماع غير معلوم لعدم إطلاق لفظي يعول عليه فيختص الحكم بالصّحة بما ذكره (رضي الله عنه) فتدبر

قوله وجهان اقويهما الأول لأن عموم خبر على اليد يقضى بالضمان الا مع تسليط المالك مجانا و الأصل عدم تحققه

توضيح ذلك ان العمومات و ان كانت ليست لها قوة رفع الشبهة عن الموضوع الخارجي إلا انا وجدنا الفقهاء (رضي الله عنه) في جملة من الفروع التي دار الأمر فيها بين التسليط مجانا و بين التسليط لا على وجه المجانية ينبون على عدم الأول مثل ما ذكره المحقق (رحمه الله) في كتاب العارية من قوله إذا قال الراكب اعترنيها و قال المالك اجرتكها فالقول قول الراكب لان المالك مدع للأجرة و قيل القول قول المالك في عدم العارية فإذا حلف سقطت دعوى الراكب و يثبت عليه اجرة المثل لا المسمّى و هو أشبه انتهى و مثله كلام بعضهم فيما لو وقع الاختلاف في الوديعة و القرض فيقدم قول المالك في دعواه القرض فيثبت الضمان على مدعى الوديعة هذا و السّر في ذلك انه قد ثبت من الشرع انه لا يحل مال امرء الا بطيب نفسه فحكم بكون كل مال تحت سلطنة مالك لا يخرج عن تحت سلطنته ثم استثنى ما هو رافع لتلك السلطنة و هو طيب نفسه و هو عبارة أخرى عن التسليط المجاني في مقابل عموم على اليد ما أخذت فإذا وقع الشك في تحقق الرافع في الخارج جاء استصحاب عدمه و لا يعارضه (حينئذ) أصالة عدم التسليط الغير المجاني فالتمسك بعموم قاعدة اليد في رفع الشبهة عن الموضوع انما هو بضميمة الأصل الموضوعي الذي به يحرز الموضوع فلا يبقى في جريان العموم إشكال

[المسألة التاسعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه سب المؤمن]

قوله و في رواية ابن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السلام) في الرجلين يتسابان قال (عليه السلام) البادي منهما أظلم و وزره على صاحبه ما لم يعتذر الى المظلوم و في مرجع الضمائر اغتشاش

(انتهى) الظاهر ان الضّمير المضاف إليه في وزره راجع الى السّب المفهوم من قوله يتسابان يعنى ان وزر السبّ ثابت على فاعله لا يرتفع الا بان يعتذر الى المظلوم الذي هو المسبوب و لازم ذلك ان لا يقع بين السّبين تقاص فكل من السّابين عليه الوزر ما لم يعتذر من الأخر لأن كلا منهما ظلم الأخر فمن اعتذر منهما من صاحب الحق الذي هو المظلوم ارتفع عنه الوزر و هذا مثل ما لو اغتاب كل من الرجلين الأخر فان كلّا منهما ظالم للآخر و لا يكون فعل أحدهما جزاء لفعل الأخر و مقاصة عنه فمن اعتذر منهما إلى الأخر فعفي عن حقه سقط وزر الغيبة عن العفو عنه و على هذا يرتفع الاغتشاش الذي أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) و يندفع ما ذكره من احتمال خطاء الراوي و ممّا ذكرناه في معنى الحديث يعلم انه مخصّص لقوله تعالى وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ و قوله تعالى وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فَمَنْ عَفٰا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الظّٰالِمِينَ و ان كان المحقق الأردبيلي (رحمه الله) قد ذكر في آيات الأحكام انهما يدلان على جواز القصاص في النفس و الطرف و الجروح بل جواز التعويض مطلقا حتى ضرب المضروب و شتم المشتوم بمثل فعلهما فيخرج ما لا يجوز التعويض و القصاص فيه مثل كسر العظام و الجرح و الضّرب في محلّ الخوف و القذف و نحو ذلك و بقي الباقي انتهى

قوله و يشكل الثاني

يعني استثناء سب العبد

قوله مما ورد من مثل قولهم (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك

في الوسائل في باب حكم ما لو أعتق الوالد مملوك الولد مسندا عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليه السلام) قال اتى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) رجل فقال يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ان ابى عمد الى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنت و مالك من هبة اللّه لأبيك أنت سهم من كنانته يهب لمن يشاء اناثا و يهب لمن يشاء الذكور و يجعل من يشاء عقيما جازت عتاقة أبيك يتناول والدك من مالك و بدنك و ليس لك ان تتناول من ماله و لا بدنه شيئا إلا باذنه و في كتاب التجارة في باب حكم الأخذ من مال الولد و الأب مسندا عن محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه قال يأكل منه ما شاء من غير سرف و قال في كتاب على (عليه السلام) ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء و له ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها و ذكر ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لرجل أنت و مالك لأبيك و عن محمّد بن سنان انّ الرضا (عليه السلام) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله و علة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه و ليس ذلك للولد لان الولد موهب للوالد في قوله عزّ و جلّ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ مع انه المأخوذ بمؤنته صغيرا و كبيرا و المنسوب اليه و المدعو له لقوله عزّ و جلّ ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ و لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنت و مالك لأبيك و ليس للوالدة مثل ذلك لا تأخذ من ماله شيئا إلا بإذنه أو بإذن الأب و لان الوالد مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها و عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لرجل أنت و مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) ما أحب ان يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج اليه ممّا لا بد منه ان اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ و عن الحسين بن ابى العلاء قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما يحل للرجل من مال ولده قال قوته بغير سرف إذا اضطر اليه قال فقلت له فقول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له أنت و مالك لأبيك فقال انما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) هذا ابى و قد ظلمني ميراثي عن أمي فأخبره الأب انه قد أنفقه عليه و على نفسه و قال أنت و مالك لأبيك و لم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يجلس الأب للابن و لا يخفى ان مجرد قوله (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك لا يدل على جواز سب الوالد لولده لان اللام هيهنا ليس للملك قطعا حتى ينضم اليه قوله (عليه السلام) الناس مسلطون على أموالهم فيحصل منهما جوار مثل ذلك بل قد شبه الاختصاص الحاصل بين الوالد و ولده من جهة كونه محبوبا و مطلوبا له بحيث يعدّ إيجاد اللّه (تعالى) إياه من انعامه (تعالى) به على والده بالاختصاص الملكي فاستعمل فيه ما يستعمل فيه و ليس المحصل الا ان الولد و ماله من نعم اللّه على والده ينتفع بهما و امّا انه يجوز سبه الذي هو نوع من الإيذاء فلا يتأتى من ذلك ذلالة عليه و الا لجاز ضربه و سائر الأمور التي توجب إيذائه بل لا يخفى على من تأمل في الاخبار ان الانتفاع بماله انّما هو بقدر الضرورة فإن التأمل فيها يفضى الى ان المراد بها انه لما كان الوالد طالبا لوجود الولد و قد أنعم اللّه (تعالى) به عليه و وهبه إياه فمقتضى كونه نعمة ان ينتفع بماله بما لا يزيد عن ضرورته فان كونه نعمة انما سوغ هذا المقدار لا ما زاد عليه و قول ابى جعفر (عليه السلام) في رواية أبي حمزة الثمالي ما أحب ان يأخذ من مال ابنه الّا ما احتاج اليه (انتهى) و ان كان ظاهرا في الكراهة الا ان قوله (عليه السلام) بعد ذلك

ان اللّه لا يحب الفساد أظهر في الحرمة فيحمل الظاهر على ما هو المراد بالأظهر و اما تجويز وقوعه على جاريته في رواية محمّد بن مسلم لو فرض العمل به فإنما هو من أقسام الضرورة لاضطرار الرجل الى النكاح و امّا تجويز عتاقه في الرواية الأولى فلعله من جهة كونه من قبيل فك الرقبة و خلاصها عن قيد الرق الذي هو من قبيل الخيرات بل زيد على هذه الجملة و نقول انه لو فرض ان اللام في الحديث للملك الا ان قوله (عليه السلام) الناس مسلّطون على أموالهم ليس ناظرا الا الى التصرفات المتعارفة و السلطنة المتداولة بين

89

الناس و لهذا نهى الشارع من إتلاف المال و تضييعه و الإسراف به فلا يتأتى منه تشريع السلطنة المشكوك فيها و افادة كيفيتها ثمّ ان قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى يتناول والدك من مالك و بدنك و ليس لك ان تتناول من ماله و لا بدنه شيئا و ان كان يزيد قوة في دلالة قوله (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك الا انه يجرى فيه ما ذكرناه فيه من ان المراد به ان للوالد ان ينتفع بولده الا ان يؤذيه فيجوز في الجملة أن ينتفع بماله و كذا ببدنه بان يستعمله في بعض حوائجه مثلا و لا يجوز له ان يضربه أو يجرحه أو يذبحه أو يأكله مثلا

قوله فتأمل

لعله إشارة الى ما ذكرناه من ان مقتضى قولهم (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك انّما هو تسويغ الانتفاع به و بماله في الجملة و لا يتأتى من ذلك تجويز إيذائه بالسّب و نحوه و الا لجاز ضربه و غيره من أنواع الأذى

[المسألة العاشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه السحر]

قوله السحر حرام في الجملة

بمعنى حرمة بعض اقسامه كما سيفصل القول فيه و عن (الدروس) ان تعلّمه للاحتراز منه و للفرق بينه و بين المعجز جائز و ربما وجب قال في جامع المقاصد بعد نقله و ليس ببعيد ان لم يلزم منه التكلم بمحرم أو فعل ما يحرم انتهى و قول (المصنف) (رحمه الله) في الجملة صالح للاحتراز عما ذكره (أيضا)

قوله و في رواية السكوني

قال في السّرائر السكون بفتح السّين قال محمّد بن إدريس منسوب الى السكون قبيلة من اليمن و هو إسماعيل بن زياد و هو عامي المذهب الا انه يروى عن الأئمة (عليه السلام) انتهى و في منتهى المقال السّكوني اسمه إسماعيل بن ابى زياد (الخلاصة) و في (التعليقة) و يحتمل ان يطلق على إسماعيل بن مهران و الحسن بن الحسين و الحسن بن محمّد بن الحسين و الحسين بن عبيد اللّه بن حمران و الحسين بن مهران و محبوب بن حسان و محمّد بن محمّد بن النضر قلت و مهران بن محمّد و احمد بن محمّد بن ابى نصر لكن المعروف المشهور به هو إسماعيل بن ابى زياد كما مر عن الخلاصة و لذا لم يذكر في الحارى و الوجيزة و غيره انتهى ما في منتهى المقال

[المقام الأول في المراد بالسحر]

قوله و عن ثالث انّه الخدع

قال في المجمع خدعه يخدعه خدعا و خدعا (أيضا) بالكسر ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم و الاسم الخديعة الى ان قال و الخدع إخفاء الشيء

قوله أو رقية

قال في جامع المقاصد الرقية بضمّ الراء العوذة

قوله أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور

(انتهى) قال في جامع المقاصد و اعلم ان قوله يؤثر في بدن المسحور ان كان قيدا في الجميع يخرج عن التعريف كثير من أقسام السّحر التي لا تحدث شيئا في بدن أو قلب أو عقل أو في الأخير أعني قوله يعمل شيئا يخرج عنه السّحر بالعمل حيث لا يؤثر في شيء من المذكورات و من السّحر عقد الرّجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطئها أو إلقاء البغضاء بينهما أو نحو ذلك و أجاب عنه في مفتاح الكرامة بأن (المصنف) (رحمه الله) يختار ان كل اقسامه لها تأثير و لا أقل من إلقاء البغضاء أو عدم القدرة على الوطي أو سحر العين و الاسترهاب فتأمل جيد انتهى

قوله و زاد في المنتهى أو عقد

الظّاهر ان المراد به هو العقد في الخيط و نحوه امّا بضميمة رقية أو في وقت خاص كما يقال ان العقد في حال إيقاع صيغة النكاح في خيط و نحوه لأجل عقد الرّجل عن المرأة المعقود عليها يوجب ذلك

قوله أو أقسام و عزائم

قال في المجمع العزائم الرقى و عزمت عليكم اى أقسمت عليكم

قوله و زاد في (الدروس) الدخنة و التصوير

الدخنة كغرفة النجور و امّا التصوير فهو ان يصور صورة المسحور فيوقع بها ما يرد إيقاعه على المسحور مثل ان يعزز لسانها بإبرة مثلا فيحدث وجع في لسان المسحور و هكذا

قوله و النفث

قال في المصباح نفث من فيه نفثا من باب ضرب إذا بزق و منهم من يقول إذا بزق و لا ريق معه و نفث في العقدة عند الرقى و هو البصاق اليسير انتهى و قد وقع الاستعاذة منه في قوله (تعالى) وَ مِنْ شَرِّ النَّفّٰاثٰاتِ فِي الْعُقَدِ

قوله و (الظاهر) ان المسحور فيما ذكراه هي الملائكة و الجن و الشّياطين و الإضرار بهم يحصل بتسخيرهم و تعجيزهم من المخالفة له و الجائهم إلى الخدمة

(11) (الظاهر) ان هذا الكلام تعريض بما في مفتاح الكرامة حيث قال بعد ذكر عبارات الجماعة ما لفظه إذا عرفت ذلك فعد إلى عبارة الكتاب و ما كان مثلها فقولهم يؤثر في بدن المسحور إلى أخره ظاهره ان استخدامات الجن و الملائكة و استنزال الشياطين ليست من السحر و ان حرمت من وجه أخر لكونها كهانة كما ستعرف إذ لا تأثير لهذه في شيء من البدن و العقل و القلب و لا سحر العين و لا تورث استرهابا و لهذا ترك ذكرها الأكثر و ما ذكرها غير الشهيدين و من تأخر عنهما أو عن أحدهما اقتصر على نسبة ذلك إليهما أو الى الشهيد كالكبركى و الخراساني و ما وافقهما غير الكاشاني انتهى و ذلك لان خروج ما ذكر عن السحر مبنى على ان نفس ذلك العمل الذي هو استخدام الجن مثلا لا يؤثر في شيء من بدن الإنسان أو عقله أو قلبه فنبه (المصنف) (رحمه الله) على ان المسحور في مثل ذلك ليس هو الإنسان حتى يلزم التأثير فيه و انما المسحور هو الجن أو الملك و قد اثر فيهما فبهذا الاعتبار يجوز إدراج مثله في التعريف

قوله أو بتمزيج القوى السّماوية بالقوى الأرضية

(12) (الظاهر) انّه أراد بالقوى السّماوية القوى الفعالة التي يعتقد بها من يعتقد بسحر الكذابين الذي يأتي ذكره و بالقوى الأرضية استعدادات المسحورين فالطلسمات على زعم أهلها توجب توجه تلك القوى السّماوية الى المستعدات السفلية فتحدث فيها آثار أو يمكن ان يكون المراد بالقوى الأرضية استعداد المؤثرات التي هي من العالم السفلى كالشياطين أو الزنجار و الزنجفر اللذين يكتب بهما بعض الطلسمات و يكون المراد بتمزيج القوى السّماوية بالقوى الأرضية الجمع بينهما في التأثير و ذلك لعلم السّاحر بكيفيات الجمع و الخواص أنواع اجتماعهما و هذا انسب بلفظ التمزيج

قوله سحر أصحاب الأوهام و النفوس القوية

(13) قالوا اختلف الناس في ان الذي يشير اليه كلّ انسان بقوله انا ما هو فمن الناس من يقول انه هو هذه البنية و منهم من يقول انه جسم سار في هذه البنية و منهم من يقول انه موجود ليس بجسم و لا جسماني امّا إذا قلنا ان الإنسان هو هذه البنية فلا شك ان هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة فلم لا يجوز ان يتفق في بعض الأعصار النادرة ان يكون مزاج من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم و العلم بالأمور الغائبة عنا و هكذا الكلام إذا قلنا ان الإنسان سار في هذه البنية امّا إذا قلنا الإنسان هو النفس فلم لا يجوز ان يقال ان النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس ان كانت قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغائبة ثم انه قد ذكر لهذا الاحتمال مؤكدات منهما ان الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته و ما ذاك إلا لأن التخيل السقوط متى قوي أوجبه و منها انه أجمعت الأطباء على نهى المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر و المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان و الدوران و ما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام و منها انه أجمعت الأمم على ان الدعاء مظنة للإجابة و أجمعوا على ان الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل البركة عديم الأثر فدل ذلك ان للهم و النفوس اثارا و هذا الاتفاق غير مختص بملة معينة و نحلة مخصوصة إذا قد عرفت هذا فنقول النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا فتستغنى في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات و الأدوات و قد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه و تحقيقه ان النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب الى عالم السّموات كانت كأنها روح من الأرواح السّماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم امّا إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية (فحينئذ) لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى

90

تأثيرها من بدنها الى بدن أخر اتخذ تمثال ذلك الغير و وضعه عند الحسن ليشتغل الحسن به فيتبعه الخيال عليه و أقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية و التصرفات الروحانية و لذلك أجمعت الأمم على انه لا بد لمزاول هذه الأعمال من الانقطاع عن المألوفات و المشتهيات و تقليل الغذاء و الانقطاع إلى مخاطبة القلب فلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى فإذا اتفق ان كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظر الى ماهيّتها و خاصيتها عظم التأثير و السبب اللمي فيه ان النفس إذا اشتغلت بالجانب الواحد استعملت جميع قوتها في ذلك الفعل و إذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها و توزعت على تلك الأفعال فتصل الى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة و جدول من ذلك النهر و امّا الرقى فان كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لان الغرض منها ان حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة لذلك الغرض فحس السمع تشغله (أيضا) بالأمور المناسبة لذلك الغرض فان الحواس متى تطابقت نحو التوجه الى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه (حينئذ) أقوى و امّا إذا كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة و الدهشة و يحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات و إقبال على ذلك الفعل و جد عظيم فيقوى تأثير النفساني فيحصل الغرض و هكذا القول في الدخن قالوا فقد علم ان هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انضم النوع الأول من السحر و هو الاستعانة بالكواكب و تأثيراتها عظم التأثير

قوله الاستعانة بالأرواح الأرضية

قال في البحار اعلم ان القول بالجن ممّا أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة و المعتزلة امّا أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به الا انهم سموها بالأرواح الأرضية الى ان قال ثمّ ان أصحاب الصنعة و أرباب التجربة شاهدوا ان الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بإعمال سهلة قليلة من الرقى و الدخن و التجريد فهذا النوع هو المسمى بالعزائم و عمل تسخير الجن

قوله التخيلات و الأخذ بالعيون مثل راكب السفينة يرى نفسه ساكنا و الشط متحركا

قال في البحار هذا النوع مبنى على مقدمات احديها ان أغلاط البصر كثيرة فإن راكب السّفينة إذا نظر الى الشط راى السفينة واقفه و الشط متحركا و ذلك يدل على ان السّاكن يرى متحركا و المتحرك يرى ساكنا و القطرة نازلة يرى خطا مستقيما و الزبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة و القبة ترى في الماء كالاجاصة و الشخص الصغير يرى في الضباب عظيما و كبحار الأرض التي تريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما فإذا فارقته و ارتفعت صغرت و اما رؤية العظيم من البعيد صغيرا فظاهر فهذه الأشياء قد هدت العقول الى ان القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة و ثانيتها ان القوة الباصرة انما تقف على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس له في زمان له مقدار ما فامّا إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا ثم أدرك بعده محسوسا أخر و هكذا فإنه يختلط البعض بالبعض و لا يتميز بعض المحسوسات عن بعض و لذلك كان الرحى إذا أخرجت من مركزها الى محيطها خطوط كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت فان الحس يرى لونا واحدا كأنه مركب من كل تلك الألوان و ثالثتها ان النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء أخر فلا يشعر به الحس البتة كما انّ الإنسان عند دخوله على السّلطان قد يلقاه انسان و يتكلم معه فلا يعرفه و لا يفهم كلامه لما ان قلبه مشغول بشيء أخر و كذا الناظر في المرأة فإنه ربما قصد ان يرى قذاة في عينه فيراها و لا يرى ما هو أكبر منها ان كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرأة و ربما قصد ان يرى سطح المرأة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئا ممّا في المرأة إذا عرفت هذه المقدمات سهل عندك تصور كيفية هذا النوع من السحر و ذلك لان المشعبد الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به و يأخذ عيونهم اليه حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء و التحديق نحوه عمل شيء شيئا أخر بسرعة شديدة فيبقى ذلك العمل خفيا التعاون الشيئين أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول و الثاني سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني و (حينئذ) يظهر لهم شيء أخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا و لو انه سكت و لم يتكلم بما يصرف الخواطر الى ضد ما يريد ان يعمل و لم يتحرك النفوس و الأوهام الى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله فهذا هو المراد من قولهم ان المشعبد يأخذ العيون الى غير الجهة التي يحتال

قوله الأعمال العجيبة التي يظهر من تركيب الآلات المركبة على نسب الهندسة كرقاص يرقص و فارسان يقتتلان

و زاد في البحار قوله و كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير ان يمسه أحد ثم قال و منها الصور التي تصورها الروم و أهل الهند حتى لا يفرق الناظر بينها و بين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة و باكية و حتى يفرق فيها بين ضحك السرور و ضحك الخجل و ضحك الشامت فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل و كان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب و من هذا الباب تركيب صندوق الساعات و يندرج في هذا الباب علم جرّ الأثقال و هو ان يجر ثقلا عظيما بآلة خفيفة و هذا في الحقيقة لا ينبغي ان يعد من السحر لان لها أسبابا معلومة معينة من اطلع عليها قدر عليها الا ان الاطلاع عليها لما كان عسرا شديدا لا يصل اليه الا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر

قوله أو الدخن المسكرة

الظاهر انه عطف على قوله ان يجعل

قوله تعليق القلب

قال في البحار السّابع من السحر تعليق القلب و هو ان يدعى الساحر انه قد عرف الاسم الأعظم و ان الجن يطيعونه و ينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق ان كان السامع ضعيف العقل قليل التميز اعتقد انه حق و تعلق قلبه بذلك و حصل في نفسه نوع من الرعب و المخافة فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحاسة (فحينئذ) يتمكن الساحر من ان يفعل ما شاء و ان من جرب الأمور و عرف أحوال أهل هذا العالم علم ان لتعلق القلب أثرا عظيما في تنفيذ الأعمال و إخفاء الأسرار

قوله الثامن النميمة

قال في البحار النوع الثامن من السحر السعي بالنميمة و التضريب من وجوه خفية لطيفة و ذلك شائع في الناس

قوله فأقرب أقاويل السحر الى الصواب انه بمنزلة الطبّ

الذي فهم منه (المصنف) (رحمه الله) كما يعطيه الإشارة إليه بحكمه بان خبر الاحتجاج يدل على جواز دفع السحر بالسحر هو ان أقرب ما يقال عليه السحر من أنواعه إلى الصواب هو ما كان بمنزلة الطب بان استعمل في مقام علاج المسحور و ليس المراد انه وقع الخلاف في حقيقة السحر و تشتت فيها الأقوال و ان أقربها إلى الحق انه بمنزلة الطب لعدم صحة ذلك إذ ليس السحر بقول مطلق الشامل لجميع أقسامه بمنزلة الطب بل خصوص ما استعمل في مقام دفع السحر و يدل على كون الأول هو المراد انه (عليه السلام) قسم السحر إلى أقسام ثم عقبها بالفقرة المذكورة هذا و لكن يوهن المعنى الأول ان حق التعبير عنه هو ان يقال فأقرب أقاويل السحر من الصواب ما كان بمنزلة الطب فتدبر

[المقام الثاني في حكم الأقسام المذكورة]

قوله (عليه السلام) و لبست المسوح

قال في المصباح المسح البلاس و الجمع مسوح مثل حمل و حمل

[بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر]

قوله و لعلهم حملوا ما دل على الجواز مع اعتبار سنده على حالة الضرورة و انحصار سبب الحل فيه لا مجرد دفع الضرر مع إمكانه بغيره من الأدعية و التعويذات

إذ إبطال السحر رفع مسببه كما يشهد به التعبير بالحل يعني انهم حملوا ما دل على

91

جواز دفع السّحر بالسّحر و إبطاله به على حالة الاضطرار بان يتحقق السحر الأول و لا يمكن رفع أثره إلا بالسحر الثاني لا على حالة مجرد دفع ضرر السحر و لو قبل وقوعه بان يعمل السحر لدفع ما يحتمل ان يوقع من السحر بان يعمل هو السّحر لغرض دفع تأثير السحر لو أوقع به بعد ذلك فان ذلك مما يمكن بغير السحر من الأدعية و التعويذات التي تستصحب أو تقرء لدفع تأثير ما يوقع بالمستصحب أو القاري من السحر و انما حملوا ما دل على الجواز على صورة الاضطرار التي هي ما بعد الوقوع لأن إبطال السحر عبارة عن رفع مسببه الذي هو أثره و لهذا يعبرون عن إبطاله بالحل ضرورة ان الحل لا يصدق الا بعد العقد الذي لا يتحقق الا بعد وقوع السّحر

قوله و ربما حمل اخبار الجواز الحاكية لقصة هاروت و ماروت على جواز ذلك في الشريعة السّابقة و فيه نظر

لان الظاهر من مثل قوله (عليه السلام) في خبر الاحتجاج الذي هو من جملة تلك الاخبار و أقرب أقاويل السّحر الى الصواب انه بمنزلة الطب هو ان كونه بمنزلة الطب أقرب الى الصواب انما هو بحسب هذه الشريعة لا شرائع من كان قبل نبيّنا (صلى الله عليه و آله و سلم) من الأنبياء (عليه السلام) لان المعتاد في كل أهل دين إذا أخبروا عن حكم شرعي بقول مطلق هو الاخبار عما هو حكم من أحكام ذلك الدّين و يلتزمون التقييد عند الاخبار عمّا هو حكم في غير ذلك الدين خصوصا إذا كان المخبر من رؤساء الدين خصوصا إذا كان هو الامام (عليه السلام)

[المسألة الحادي عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الشعبذة]

قوله الشعبذة

هو بالذال المعجمة كما يدلّ عليه ذكرها في كتب اللغة في باب ما أخره الذال المعجمة مضافا الى تصريح صاحب المصباح حيث قال شعوذ الرّجل شعوذة و منهم من يقول شعبذة شعبذة و هو بالذال المعجمة و ليس من كلام أهل البادية و هي لعب يرى الإنسان ما ليس له حقيقة كالسّحر انتهى

[المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش]

قوله الغش حرام

الغش بالفتح مصدر و بالكسر اسم مصدر و معناه عدم إيضاح حقيقة الحال و تزيين خلاف المصلحة قال في المصباح غشه غشا من باب قتل و الاسم الغش بالكسر لم يتضحه و زين له غير المصلحة و لبن مغشوش مخلوط بالماء انتهى و في شرح القاموس الغش بفتح الغين و تشديد الشين فعل الخيانة بشخص على وجه النفاق و إظهار النصح له أو فعل الخيانة بإظهار خلاف ما في الضمير و مرجعهما إلى الخيانة يقال غشه غشا من الباب الأول إذا لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمره و الغش بكسر الغين اسم مصدر و معناه الخيانة على الوجه المذكور يقال لا تسمعه ففي نصحه و دلالته غش اى عدم محض و يطلق على الحقد المضمر في القلب يقال له في قلبه غش اى غلّ و حقد و المغشوش الشيء الغير الخالص يقال لبن مغشوش اى غير خالص انتهى فهنا أمران أحدهما ضبط الكلمة و قد عرفت ورودها بالفتح مصدر أو بالكسر اسم مصدر و عن بعض الأساطين في شرحه على عد التصريح بكون الأنسب هنا هو الأول لأن الحرمة كغيرها من الأحكام التكليفية إنما تتعلق بأفعال المكلفين و فعل المكلف انما هو المعنى المصدري و يؤيده التعبير عن إخوانه بالمصدر كتدليس الماشطة و بما ذكر كله يظهر سقوط تعيين ضبطه بالكسر كما صدر عن الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة و تبعه عليه في الرياض و ثانيهما معناها و قد عرفت انه خلاف النصح و إظهار خلاف ما أضمر لكن يعتبر في مفهوم الغش و حقيقته كون ما غش به امرا خفيا أو أمرا قصد به الإخفاء على من غش عليه فلو مزج المبيع مثلا بما لا يخفى أو أخبره بمزج ما يخفى فلا غش فيه و على هذا فتقييد بعضهم كالمحقق (رحمه الله) بقوله بما يخفى انما هو لمجرد التوضيح أو للإشارة إلى كون ذلك الأمر مما من شأنه ان يخفى و لو بعد بحث المشترى و صرّح في الجواهر بأنه لو كان المزج بما لا يخفى أو أخبره بمزج ما يخفى فلا غش فيه ثم قال و لعل من ذلك وضع القطن العتيق في القلانس باعتبار تعارفه و لذا قال الصادق (عليه السلام) لفاعله أحب ان تبين لهم و لم يوجبه انتهى و أشار بذلك إلى رواية الحسين بن المختار قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انا نعمل القلانس فنجعل فيها القطن القطيع فنبيعها و لا نبين لهم ما فيها قال أحبّ لك ان تبين لهم ما فيها و ظاهر كلامه (رحمه الله) انه من قبيل الغش بما لا يخفى من جهة كون ذلك جاريا فيما بين الناس كثيرا و عندي ان صدق غير الخفي بمجرد التعارف مع عدم العلم بحال المبيع الشخصي إذا كان التفاوت بين الجديد و العتيق مما يعبأ به عندهم محلّ نظر بل منع و الاولى ان يقال ان استحباب البيان انما هو من جهة كون التفاوت بين القطن العتيق و غيره ممّا يسامح فيه الناس و ليس من شأنهم فيه الدقة فلا يعبئون بكونه عتيقا لو علموا به بان ينقصوا من ثمن القلنسوة شيئا لذلك و لكنه لما كان المحل ممّا قد يوضع فيه العتيق و قد يوضع فيه غيره أو كان مما تعارف فيه العتيق استحب (عليه السلام) البيان و يدلّ على ما ذكرناه صحيحة ابن مسلم (أيضا) عن أحدهما (عليه السلام) انه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض و بعضه أجود من بعض قال إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردى

قوله بلا خلاف

و يدلّ عليه الإجماع بقسميه المحصل و المنقول و العقل من جهة كونه نوعا من الظلم

قوله و في عقاب الأعمال عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا و يحشر مع اليهود يوم القيمة لأنه من غش الناس فليس بمسلم الى ان قال و من غشنا فليس منا قالها ثلثا و من غش أخاه المسلم نزع اللّه بركة رزقه و سد عليه معيشته و وكله الى نفسه

الظاهر ان الغرض من ذكر الحديث هو الاستدلال بالفقر الاولى و لكن ذكر ما بعد قوله الى ان قال يشعر بان المقصود هو الاستدلال بكل من فقراته حتّى المتأخرة منها و كيف كان فقد استدل في الرياض بمجرد قوله (عليه السلام) من غشنا فليس منا حيث قال (رحمه الله) في مقام الاستدلال ما نصه للصحاح المستفيضة و غيرها ففي الصّحيح ليس من المسلمين من غشهم و في أخر ليس منا من غشنا الى أخر ما ذكره (رحمه الله) و أنت خبير بأنه لا دلالة فيه الا على تقدير ان يراد بضمير المتكلم مع الغير المسلمون و هو في غاية البعد لان المعهود في الاخبار انما هو التعبير بضمير المتكلم مع الغير عن أهل البيت (عليه السلام) و (حينئذ) لا يدل على المطلوب و قد أجاد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال و الدليل عليه ما يعلم من المنتهى حيث قال الغش بما يخفى حرام بلا خلاف روى الشيخ (رحمه الله) في الصّحيح عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ليس منا من غشنا و في الدلالة تأمل انتهى فان قلت لعله تمسك بالصّحيح المذكور باعتبار دلالته على بعض المدعى و هو الغش معهم (عليه السلام) و يتم الكلام في الغش مع غيرهم من المسلمين بعدم القول بالفصل قلت على تقدير كون المراد بضمير المتكلم مع الغير في قوله (عليه السلام) غشنا أهل البيت (عليه السلام) لا يصير المراد به غشهم في بيع شيء عليهم بل المراد به انما هو خيانتهم بتقديم غيرهم (عليه السلام) عليهم و دعوى مناصبهم و مراتبهم (عليه السلام) لغيرهم كما يشهد به ملاحظة الأخبار الواردة عنهم (عليه السلام) بهذا السّياق و اين ذاك من الدلالة على بعض المدعى ثم كيف يصحّ دعوى عدم القول بالفصل بين هذا الحكم و بين الغش في المبيع على المسلمين ثم ان ضمير المتكلم مع الغير في كلام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و ان لم يكن مثله في كلام الأئمة (عليه السلام) في مرتبة الظهور في أهل البيت (عليه السلام) الا ان ذكره (عليه السلام) للفقرة الأولى مقيد بقوله في بيع أو شراء ممّا يصير قرينة على ان المراد هو هذا المعنى فيصير مقصوده (عليه السلام) بالفقرة الاولى هو الإشارة إلى الغش في البيع أو الشراء و بالفقرة الثانية الغش معهم (عليه السلام) بمعنى خيانتهم (عليه السلام) التي هي عبارة عن إبطال حقوقهم و بالفقرة الثالثة

92

خيانة المسلمين (مطلقا) بمعنى إبطال حقوقهم على اى وجه كان و لا أقلّ من الاحتمال الموجب للإجمال المقتضي لسقوطه عن مرتبة الاستدلال و لهذا قلنا ان غرض (المصنف) (رحمه الله) هو الاستدلال بالفقرة الأولى

قوله و قوله (عليه السلام) فيه غش جملة ابتدائية و الضمير في لا يباع راجع الى الدّينار

لا داعي إلى ارتكاب جعل الجملة ابتدائية لصحّة كونها صفة لشيء باعتبار كونه نكرة يصحّ وصفها بالجملة و المعنى حتّى لا يوقع البيع بالشيء الّذي فيه غش فالباء من قبيل الباء التي تدخل على الثمن بعد لفظ البيع و يكون الشيء عبارة عن الدّينار و كناية عنه بل هذا انسب بنظم الكلام و سلاسته هذا كله على تقدير كون لفظ الشيء مجرورا بالباء كما في هذا الكتاب و هو المحكي عن بعض نسخ (التهذيب) و امّا على ما في نسخ معتبرة من الكافي و الوافي و الوسائل من قوله حتى لا يباع شيء بدون الباء الجارة للفظ شيء و هو المنقول عن بعض نسخ (التهذيب) فيتعيّن كون الجملة صفة و كون الشيء عبارة عن الدرهم

قوله و في رواية هشام بن الحكم قال كنت أبيع السابري في الظلال فمر بي أبو الحسن (عليه السلام) فقال يا هشام ان البيع في الظلال غش و الغش لا يحل

هذه الرّواية صحيحة من طريق الفقيه حسنة من طريق الكافي و التهذيب قال في مجمع البحرين ما لفظه السّابري تكرر ذكره في الحديث و هو ضرب من الثياب الرقاق تعمل بسابور موضع بفارس انتهى و الظلال بكسر الظاء جمع ظلة بضمها و هي شيء كالصفة يستتر به من الحر و البرد و منه ظلة بنى ساعدة و نحوها و أوّل سحابة تظل تسعى ظلة و المراد هنا المواضع المسقفة المظلمة ثم انه لا ينبغي ان يتوهم من هذا الحديث قدح في هشام و قد أقرّ علماء الرجال بوثاقته و جلالته و ذلك لانه قد يكون لم يخطر بباله كون مثل ذلك حراما حتى يسئل عنه فيكون جاهلا بهذا الحكم من جهة جهله باندارج مثل ذلك تحت الغش لكونه من أفراده الخفية مع كون الجهل عن القصور لا عن التقصير و لا بأس به من جهة ان الأحكام كانت تتدرّج شيئا فشيئا من لسان الامام (عليه السلام) أو لأنه كان غافلا عن الموضوع غير عامد الى التعرض للإخفاء فنبهه الامام (عليه السلام) فتدبر

قوله ثم ان ظاهر الاخبار هو كون الغش ممّا يخفى كمزج اللبن بالماء و خلط الجيد بالرّدي في مثل الدهن و منه وضع الحرير في مكان بارد ليكتسب ثقلا و نحو ذلك و اما المزج و الخلط بما لا يخفى فلا يحرم لعدم انصراف الغش اليه

لا بد في المقام من بيان أمور الأول ان ظاهر جماعة منهم المحقق في الشرائع حيث قال و الغش بما يخفى هو ان أصل موضوع الغش يتحقق بما يخفى و غيره فقيّد بقوله بما يخفى احترازا عن غير الخفي و قد صرّح بذلك في (المسالك) حيث قال في شرح العبارة المذكورة ما صورته احترز به عما لا يخفى كمزج الحنطة بالتراب و جيدها برديها و نحو ذلك فإنه لا يحرم و ان كره انتهى و مقتضى كلام (المصنف) (رحمه الله) (أيضا) ذلك لانه استظهر الاختصاص من الاخبار بحكم الانصراف و معلوم ان الانصراف لا يتحقق الا مع كون الموضوع له هو الأمر الكلي الصادق على مورد الانصراف و غيره و زعم بعض مشايخنا ان مفهوم الغش لا يتحقق بغير الخفي و استدل في ذلك الى عدم دخوله في عنوان الغش لغة و عرفا ثمّ قال و كذا الحال فيما لو علم بالحال و ان كان العيب خفيا إذا الموجود في كلمات أهل اللغة ان الغش خلاف المنصح و إظهار خلاف ما أضمر فقد اعتبر الخفاء في حقيقته و لهذا أطلق غير واحد حرمة الغش و لم يقيده بكونه بما يخفى الثاني ان الظاهر ان الضمير المجرور في قوله و منه وضع الحرير في مكان بارد ليكتسب نقلا يعود الى الغش بما يخفى و ان لم يكن ذلك من قبيل المزج و يمكن ان يتكلف يعوده الى مزج اللبن بالماء بمعنى ان وضع الحرير في المكان البارد للغرض المذكور من قبيل مزج اللبن بالماء بتقريب انه يمتزج باجزاء الحرير اجزاء الرطوبة الحادثة فيه من برودة المكان الثالث انه لم يصرّح (المصنف) (رحمه الله) بكراهة الغش بما لا يخفى كمزج الحنطة بالتراب و التبن و مزج جيدها برديها بحيث لم يغط الأول الثاني إذا لم يقصد تلبيس الأمر على المشترى و قد عرفت التصريح بها في عبارة (المسالك) وفاقا لجماعة ممن تقدم عليه و من تأخر عنه منهم صاحب الرياض (رحمه الله) و هذا هو الظاهر و احتج عليه في (الرياض) باحتمال شمول النصوص الدالة على تحريم الغش لهذا القسم (أيضا) و بإمكان غفلة المشترى و ربّما ينكر الكراهة استنادا الى ان احتمال شمول الدليل لا يصلح دليلا و يدفعه انه قد تقدر في محله ان قاعدة التسامح في أدلّة السّنن و الكراهة كما تجري في صورة ضعف السّند (كذلك) تجري في صورة ضعف الدلالة و لذلك قلنا ان مفهوم الوصف و ان لم يكن حجة الّا انه يعتبر في مقام الاستحباب و الكراهة و كذلك نظائره من الدلالات الضعيفة غاية ما هناك ان لا يصدق على ذلك بلوغ الثواب الا ان الحسن العقلي بالنسبة إلى الإتيان بما يحتمل انه مطلوب المولى و ترك ما يحتمل انه يكرهه مما لا مجال للارتياب فيه هذا و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد ما لفظه و لعل الكراهة لأنه تدليس في الجملة و لانه قد يغفل عنه المشتري لكثرة الجيد و للاخبار مثل رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) انه سئل عن الطعام يخلطه بعضه ببعض (انتهى) ثم قال و في حسنة الحلبي عنه (عليه السلام) قال لا يصلح له ان يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبيّنه في جواب سؤال من يريد خلط الجيد بالردي من الحنطة و كون ثمنه ثمن الجيد انتهى

قوله قال إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردى

الظاهر ان الجملة الأخيرة أعني قوله (عليه السلام) ما لم يغط الجيد الردى بدل من الجملة الشرطية و استغنى عن الجواب في الأخيرة بواسطة ذكره في الاولى و الوجه في ذلك ان الاولى باعتبار اشتمالها على المنطوق و المفهوم الذي هو انهما إذا لم يريا جميعا ففيه بأس تصير أعم من الأخيرة لأن عدم رؤيتهما جميعا قد يتحقق بتغطية الردى الجيد و قد يتحقق بعكس ذلك و الغش انما يتحقق بالأخير فأبدل الجملة الأخيرة من الاولى بدل اشتمال

قوله و مقتضى هذه الرواية بل رواية الحلبي الثانية و رواية سعد الإسكاف انه لا يشترط في حرمة الغش كونه ممّا لا يعرف الا من قبيل البائع فيجب الاعلام بالعيب الغير الخفي الا ان ينزل الحرمة في مورد الروايات الثلث على ما إذا تعمد الغش برجاء التلبس على المشترى و عدم التفطن له و ان كان من شأن ذلك العيب ان يتفطن له فلا تدل الروايات على وجوب الاعلام إذا كان العيب من شانه التفطن له فقصر المشترى و سامح في الملاحظة

لا يخفى ان تحقق الغش بما من شأنه ان يخفى مما لا ريب فيه و انّما الكلام فيما ليس من شانه الخفاء حتّى انّه لو اتفق هناك خفاء لم يكن إلا ناشئا من مسامحة المشتري أو اعتماده على البائع فنقول ان لم يقصد به التلبيس و لم يفعل برجائه لم يحرم و ان قصد به التلبيس ففعله رجاء ان يلبس على المشترى فهو حرام و الا فلا و رواية بلّ الطعام تفيد هذا المعنى فان المراد بالفقرة الأولى بقرينة مقابلة الفقرة الثانية هو ان لا يكون برجاء التلبيس و الغش و المراد بنفي الصّلاحية في الفقرة الثانية هي الحرمة و في كلام بعض المعاصرين انه ربما استفيد من صحيح محمد و خبر سعد و نحوهما انه لا يشترط كون الغش مما لا يعرف الا من قبل البائع فيجب الاعلام بالعيب الغير الخفي (أيضا) و الا كان غشا و لكنه ممنوع بل المنساق منها انما هو قصد الإخفاء و التلبيس فلا غش بدون ذلك و ان كان المبيع مغشوشا من باب الاتفاق و التلبيس انتهى

قوله ثم ان غش المسلم انما هو ببيع المغشوش عليه مع جهله فلا فرق بين كون الاغتشاش بفعله أو بغيره فلو حصل اتفاقا أو لغرض فيجب الاعلام بالعيب الخفي و يمكن ان يمنع صدق الاخبار المذكورة الا على ما إذا قصد التلبيس

(انتهى) اعلم ان من أواخر فقهائنا من اعتبر في تحقق الغش كونه من فعل الغاش فلو كان المزج مثلا بفعل

93

الغير أو من دون مباشرة أحد بل اتفق قهرا لم يكن مندرجا في عنوان الغش و ان كان مثله في الحكم عليه بالحرمة كما عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد و يندفع بأن إخفائه في حال المعاملة يوجب صدق الإتيان بما هو خلاف النصح و إظهار خلاف ما يعلمه فيندرج تحت عنوان الغش موضوعا و لا يصير من قبيل ما هو ملحق به في الحكم هذا و لكن الإنصاف انه لو اتفق المزج مثلا بفعل الغير أو بسبب من جانب اللّه تعالى فمجرد التعرض لبيعه على ذلك الوجه لا يسمّى غشا بل لا بد هناك من صدور فعل منه يوجب الخيانة و إظهار خلاف ما أضمر كما هو الشأن في جميع موارده فيتحقق تارة بمباشرة المزج أو غيره ممّا يوجب النقص و العيب و اخرى بإظهار صفة الكمال لما ليس فيه تلك الصّفة و ثالثة بالتعرض لاخفاء ما فيه من العيب أو النقص كتعمد البيع تحت الظّلال لذلك أو لإظهار الناقص كاملا و اما إذا سكت عن البيان في صورة عدم كون العيب أو النقص أو المزج بفعله و لم يتعرض لإظهار الكمال أو إخفاء النقص لم يكن ذلك من الغش و لم يجب عليه الإظهار خصوصا إذا كان النقص أو العيب ممّا يغلب في نوع المبيع كالحيوان مثلا فإنه قلما يخلو عن عيب أو نقص خفي و لهذا قرر الشّارع فيه الخيار ثلاثة أيام للمشتري فلا دليل على وجوب بيان العيب و النقص فيجوز للبائع ان ببيعه ساكتا عن بيانهما و يدلّ على ذلك انه لم يقل أحد بحرمة بيع المعيوب بل حكموا بجوازه و قد حكموا بحرمة الغش و انه لم يقل من قال بفساد بيع المعيوب كالمحقق الأردبيلي (رحمه الله) بفساد البيع عند الغش نعم لو اعتمد المشترى على البائع اما بان يقول له ان كان فيه نقص فبينه فسكت و لم يبين و كان المشترى معتقدا بأن البائع في مثل هذا المقام لا يخفى عليه أو بان أظهر البائع نفسه للمشتري ناصحا في حقه بحيث لا يخونه و لو بملاحظة عادته السّابقة معه في المعاملات فسكت كان ذلك غشا سواء كان النقص أو العيب بفعله أم لا ثم انّ منهم من زاد على كون وجود ما يتحقق به الغش مستندا الى فعله انه يعتبر في حرمته كونه قاصدا للغش كصاحب الرّياض (رحمه الله) فيكون حرمة الغش عنده دائرا مدار القصد قال (رحمه الله) ثمّ لو غش لكن لا بقصده بل بقصد إصلاح المال لم يحرم للأصل و اختصاص ما مر من النصوص بحكم التبادر بصورة القصد و للصحيح عن الرّجل يشترى طعاما فيكون أحسن له و أنفق ان يبله الى أخر الحديث هذا و أورد عليه بوجوه الأول ان مورد الرّواية انّما هو بلّ الطّعام و هو من الأوصاف و النقائص الظاهرة فاعتبار القصد في كونه من الغش لا يدل على اعتباره في مطلق الأوصاف و النقائص الّتي منها غير الظاهرة فنقول انه يكفى في غير الظاهرة إيجادها و لو من غير قصد الثاني انه بعد الاستناد إلى الرّواية لا وجه للتعدي عن موردها المشتمل على خصوصيات الى غيره فلا بد من الاقتصار في الحكم بإناطة الغش بالقصد على خصوص بلّ الطعام لغرض الإصلاح من دون التماس الزّيادة مع كونه لا يصلحه الا ذلك و لا ينفعه غيره فلو انتفى شيء من القيود المذكورة لم يكن وجه للتعدي و الحكم بإناطة مطلق الغش بالقصد الثالث ان للبيع بعد مزج الجيد بالرّدي قد يكون بما يزيد عن قيمة الممزوج بالرّدي و قد يكون بما يساويه و الثاني ليس محرما كما صرّح به جماعة و لو سمى غشا و (حينئذ) نقول ان الصّحيح الذي ذكره ناظر الى بيان انه في صورة البيع بما لا يزيد عن قيمته لا إشكال في الجواز على خلاف ما لو باع بما يزيد عن قيمته فقوله (عليه السلام) من غير ان يلتمس فيه زيادة أريد به اشتراط انتفاء طلب الزيادة في الثمن في الجواز فان قلت المراد بالزيادة هي الزيادة في المبيع يعنى زيادته بحسب الوزن و ثقله في الميزان لا بحسب الثمن و المقصود ان لا يكون البائع طالبا لزيادة المبيع و ثقله و ان حصلت قهرا بالنداوة و على هذا فلا يفيد الا مقصد صاحب الرياض (رحمه الله) من اعتبار القصد لان محصّله (حينئذ) هو انه و ان كان قاصدا لزيادة الوزن حرم و الا فلا قلت لا دليل على ارادة معنى زيادة الوزن و غاية ما هنا هو تردد اللفظ بين المعنيين و سريان الإجمال و يكفي في عدم تمامية استدلال صاحب الرياض (رحمه الله) قيام الاحتمال اعنى احتمال

ارادة ما فسّرنا به الرّواية فلا يثبت ما ادعاه لتوقفه على تعيين ارادة معنى زيادة الوزن و لم يتعين إرادته فلا بد في المشكوك فيه و هو ما لو لم يقصد فيه الغش من الرّجوع الى إطلاق ما دل على تحريم الغش الشامل لما قصد به الغش و غيره و يؤيد ما ذكرناه ان مقتضى رواية داود بن سرحان هو ان البائع لم يقصد الغش و مع ذلك حكم الامام (عليه السلام) بالمنع الا مع الاعلام الرّابع ان قوله (عليه السلام) لا يصلح لا يفيد أزيد من الكراهة و عندي ان شيئا من الوجوه المذكورة غير متجه عليه امّا الأول فلان صاحب الرياض استدل على اعتبار القصد بان المتبادر من الاخبار الناطقة بحرمة الغش هو صورة القصد و هو في محله و الاخبار المشار إليها وافية بالدلالة على تمام مطلبه ممّا كان مورد الغش هو النقص الظاهر أو الخفي فلا بأس بأن يدلّ الصّحيح المذكور على بعض مدعاه و هو اعتبار القصد في حرمة الغش إذا كان تحققه بنقص ظاهر فإن غاية ما هناك أن الصّحيح ساكت عن حال الخفي و الا فليس نافيا لاعتبار القصد فيه و امّا الثاني فلجواز التعدي عن المورد المشتمل على الخصوصيات الى غيره بتنقيح المناط القطعي للعلم بعدم مدخليتها و بعدم القول بالفصل و بهذا الوجه يمكن دفع الإيراد الأوّل (أيضا) و امّا الثالث فلان مقابلة قوله (عليه السلام) ان كان بيعا لا يصلحه الا ذلك و لا ينفعه غيره من غير ان يلتمس فيه زيادة فلا بأس بقوله (عليه السلام) و ان كان انّما يغش به المسلمين فلا يصلح قرينة على ان المراد بالزيادة هي الزيادة بحسب الوزن لان طلب زيادة الثمن لا يسمى غشا و الغش انما هو ما يترتب عليه الزيادة في الثمن و هو هنا زيادة وزن المبيع فمعنى قوله (عليه السلام) و ان كان انّما يغش به المسلمين هو انه ان كان يزيد في وزن الطعام و يثقله ليترتب عليه زيادة الثمن و مقابلته للفقرة الأولى تدل على ان الزيادة المنفية فيها هي الزيادة التي هي غش و هي زيادة المبيع بحسب الوزن فيتم ما ذكره صاحب الرياض (رحمه الله) و امّا ما ذكره المورد من تأييد رواية داود بن سرحان لمدعاه ففيه ان بلّ المسك المشتملة عليه انما كان قصدا و طلبا لزيادة الثمن لا لمجرد الإصلاح فلا ينافي مدعى صاحب (الرياض) (رحمه الله) من اعتبار قصد الغش و انه لو كان لمجرد الإصلاح فليس بمحرّم و امّا الرّابع فلان كون لا يصلح دليلا على الكراهة لا يزاحم مدعاه لان هذا اللفظ انّما هو في الفقر الأخيرة و هي قوله (عليه السلام) و ان كان انما يغش به المسلمين فلا يصلح و المورد كغيره لا يقول بكراهة الغش و التزام التأويل فيه ممّا لا مناص منه لأحد على فرض ظهوره فيها تنبيه المدار في حرمة الغش انما هو على الشخص دون النوع فلو علم البائع ان المشترى يتفطن للعيوب الخفية ثم وقع منه ذلك في الخارج لم يحرم بيعه عليه لعدم تحقق الظلم في حقه بل لا يتحقق (حينئذ) موضوع الغش من جهة علمه بالحال كما انه لو انعكس الأمر فعلم البائع ان المشترى لم يتفطن للعيب الواضح الذي من شانه الاطلاع عليه اعتمادا على إظهار البائع سلامة المبيع كان بيعه ذلك حراما اما لو اشتبه الحال على البائع فشك في ان المشترى تفطن للعيب أم لا (فالظاهر) عدم تحريم البيع لأصالة البراءة و لا يشمله إطلاق الاخبار الدالة على حرمة الغش ضرورة انه مع الشك في تحقق موضوع الغش لا يبقى مجال لتحقق حكمه الذي هو التحريم

قوله

94

فالعبرة في الحرمة بقصد تلبيس الأمر على المشترى سواء كان العيب خفيا أم جليا كما تقدم لا بكتمان العيب (مطلقا) أو خصوص الخفي و ان لم يقصد التلبيس

محصله أن إخفاء عيب المبيع من الحيوان و غيره و مجرد عدم إظهار صفته الذميمة لا يدخل في الغش فلا يحرم فلا يجب الاعلام بالعيب المذكور و هذا هو الّذي يظهر من ابن إدريس (رحمه الله) و المحقق (رحمه الله) و العلامة (رحمه الله) فيما حكى عنهم من استحباب الاعلام بالعيب (مطلقا) سواء كان خفيا أم جليا و يستفاد من تمثيلهم هنا للغش بمزج اللبن بالماء و نحوه و يؤيده أمور أحدها انه لو كان كتمان العيب (مطلقا) غشا حراما لزم حرمة بيع الحيوان غالبا لان الناس في الأكثر انما يبيعون ما فيه عيب من الحيوان و يكتمون عيبه و ثانيها ان أصحابنا (رضي الله عنه) مع اختلافهم في صحة بيع المغشوش اتفقوا على صحة بيع المعيب غاية ما هناك انهم التزموا بثبوت الخيار للمشتري و لو كان مطلق كتمان العيب غشا كان اللازم وقوع الخلاف في صحة بيع المعيب (أيضا) و ثالثها عدم صدق الغش عرفا على إخفاء العيب و الصفة الذميمة و لهذا لم يعبر فقهاؤنا بإخفاء العيب و انّما عبروا بالغش المغاير له عرفا هذا و لكن حكى عن موضع من (المبسوط) ان من باع شيئا فيه عيب لم يبينه فعل محظور أو كان المشترى بالخيار و نحوه عن (الخلاف) و عن موضع أخر وجب عليه ان يبينه و لا يكتمه أو يتبرء اليه من العيوب و الأول أحوط و نحوه عن فقه الراوندي و التحرير و ظاهر الجميع صدق الغش على إخفاء المعيب كما صرّح به فيما حكى عن التحرير من الاستدلال عليه بقوله لئلا يكون غاشا بل ظاهرهم صدق الغش على إخفاء العيب (مطلقا) خفيا كان أو جليّا و ان كان بعض مشايخنا منع من صدقه بالأخير لما عرفت من دعواه اعتبار الخفاء في حقيقة الغش و يبقى الكلام بالنسبة إلى العيب الخفي فهل يتحقق بإخفائه الغش أم لا فنقول ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) غير بعيد و ان كان يؤيد الثاني ما تقدم من ان الظاهر من كتب اللغة ان الغش خلاف النصح فإنّه يشمل كتمان العيب ايضا

قوله ثم ان الغش يكون بإخفاء الأدنى في الأعلى كمزج الجيد بالردي أو غير المراد في المراد كإدخال الماء في اللبن و بإظهار الصفة الجيدة المفقودة واقعا و هو التدليس و بإظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع المموّه على انه ذهب أو فضة

و من هذا القبيل بيع لحم الجاموس أو البعير على انه لحم الغنم أو بيع الأسراب على انه فضة و لو بعد تصرف فيه بما يقربه منه فهذه أربعة أقسام و بقي وضع الحرير في المكان البارد ليكتسب ثقلا خارجا عمّا ذكره من الأقسام و قد صرّح بدخوله سابقا في الغش الا ان يتكلف بما قدمنا ذكره و يبقى أيضا أمر أخر و هو البيع تحت الظلال و ما في معناه كالبيع في الظلمة و قد صرّح في رواية هشام بان البيع تحت الظلال غش الا ان يرجع الى إظهار الصّفة الجيدة المفقودة واقعا بعد تعميمه على وجه يشمل إخفاء العيب بتقريب ان عدم العيب عبارة عن الصّحة و هي كون الشيء على ما يجب ان يكون عليه بحسب نوعه أو صنفه و هي صفة جيدة مفقودة في المعيوب فإظهار المعيوب في ذي غير المعيوب يصير إظهار صفة جيدة مفقودة واقعا و هي الصّحة هذا و قد علم من بيانه (رحمه الله) ان التدليس أخص من الغش حيث عده قسما منه فتحمير وجه المرأة و نحو ذلك غش و توضيح المقام ان النقص الذي يمكن ان يتحقق فيه الغش يتصور على وجوه لان سببه امّا ان يكون مزج المبيع بغير جنسه كشوب اللبن بالماء أو مزجه بجنسه كالجيد من الحنطة مثلا بالردي أو يكون غير المزج و هو قد يكون بضم الجيد الى الرّدى من دون مزج و بيعهما صفقة مع إظهار كون الردى مثل الجيد في الوصف و قد يكون بدون ضم شيء أخر و انّما يكون بعيب فيه أخفاه بإبداء وصف بستره كتحمير وجه الجارية السّاتر لصفرة بشرتها إذ عدم إظهاره مع كونه مستورا كما في الأرز الذي اصابه الماء ثم يبس و قد يكون بتغييره عما هو الواقع إلى الأدنى لمصلحة نفسه كبّل الطعام اليابس لزيادة الوزن و مثله وضع الحرير أو التتن في المكان الندى ليكتسب ثقلا و قد يكون بتلبيس السلعة و ابدال ما هو المقصود من صنفي النوع بما هو غير مرعوب و غير مقصود كما لو باع لبن البقر مكان لبن الجاموس و قد يكون بالتعرض للبيع في مكان يوجب خفاء النقص و العيب كالبيع في الظلال و قد قال الصّادق (عليه السلام) البيع في الظلال غش و الغش لا يحل و قد يكون ببيع المتاع بالوصف لكن مع كون الوصف مخالفا للواقع بمعنى كون الموصوف اردأ من العنوان الذي وقع عليه الوصف و ان كان في بعض الصور المذكورة يبطل البيع كما لو خرج المبيع بالغش عن الحقيقة و بعبارة أخرى باع حقيقة بدل حقيقة أخرى و في بعضها يثبت للمشتري خيار العيب أو التدليس أو الوصف و بما ذكرناه ظهر سقوط ما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث خص الغش بالمزج قال (رحمه الله) الغش بما يخفى اى مزج شيء من غير جنس المبيع ليستر به عيبه أو يجعله أكثر بحيث لا يكون ظاهرا بل كان خفيّا كشوب اللبن بالماء لا كمزج التراب بالحنطة و جيدها برديها فان ذلك قيل لا يحرم بل يكره هذا كلامه (رحمه الله) ثم انه في المستند بعد ذكر أكثر الأقسام التي ذكرنا قال ثم على جميع التقادير اما ان يكون النقص خفيا حال المعاملة عرفا أو غير خفي بل يكون ممّا يعرف غالبا و على الأوّل امّا ان يكون ممّا يظهر النقص حال المعاملة بالفحص و يكون خفاؤه لتقصير المشتري أولا يظهر بالفحص و على الثاني امّا ان يعلم تفطن المشترى به أو عدم تفطنه أو لا يعلم و على التقادير اما ان يبيعه على ما هو المتعارف في الخالي عن النقص من السعر أو على ما يتعارف مع النقص و على التقادير اما ان يكون حصول النقص بفعل البائع بقصد الغش أولا و على التقادير اما يظهر البائع عدم النقص قولا أو فعلا أو يظهر النقص أولا يظهر شيئا منهما فإن أظهر عدم النقص ارتكب المحرم مطلقا لكونه كذبا (مطلقا) و غشا أيضا في صورة عدم تفطن المشترى و ان أظهر النقص لم يرتكب محرما أصلا بالإجماع و المستفيضة و ان لم يظهر شيئا منهما فلا حرام مع تفطن المشترى بل مع عدم العلم بعدم تفطنه و ان علم عدم تفطنه فالظاهر الحرمة (أيضا) لكونه خلاف النصح الواجب بالأخبار المستفيضة إلا إذا باعه بسعر الرّدى و لم يتضرر به المشترى انتهى و هو جيد

قوله ثم ان جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفى بعد تمثيله له بمزج اللبن بالماء وجهين في صحة المعاملة و فسادها

هذا الكلام إشارة إلى البحث عن ان الغش بما يخفى يوجب فساد البيع أم لا و تفصيله انه لا خلاف في انه إذا كان الغش بإظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع الصفر المموه على انه ذهب أو فضة أو بيع الأسرب على انه فضة كان البيع باطلا و بالجملة البيع المشتمل على الغش الذي يوجب تبدل الحقيقة باطل بلا خلاف لكنه قد وقع الخلاف في غير فحكم في (المسالك) بصحة البيع فليس هناك الا مجرد تحريم الفعل من دون فساد البيع قال (رحمه الله) ثم على تقدير الخفاء فالبيع صحيح و حكمه حكم ما لو ظهر في المبيع عيب من غير الجنس انتهى و استظهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الحكم بفساده قال (رحمه الله) و على تقدير البيع يصحّ الظاهر لا لان الغرض من النهي في مثله عدم صلاحية بيع مثله على انه غير مغشوش و لما مر انتهى و لعله أشار بقوله ما مر الى ما ذكره في أوّل المسئلة من انه إذا كان خفيا كان مما لا يعلمه المشترى نظرا الى ان ذلك يلزمه ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن المحقق الثاني (رحمه الله)

95

بالنظر الى وجه الفساد من ان ما وقع عليه العقد هو المشوب و ما هو المقصود بالبيع انّما هو اللبن الخالص هذا و تردد المحقق الثاني (رحمه الله) كما دلّ عليه عبارته الّتي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) حجة القول الأوّل أمران الأول إطلاقات الكتاب و السنة مثل قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم الثاني ان الاخبار الناهية عن الغش مع كثرتها بل تواترها خالية عن الإشارة إلى فساد المعاملة و قد كان هذا محلّ التعرض له لو كان فسكوتهم (عليه السلام) عنه يدلّ (حينئذ) على عدمه ثمّ ان ما يحتمل ان يكون حجة للقول الثاني وجوه تعرض (المصنف) (رحمه الله) لثلثة منها أحدها ما حكى عن المحقق الثاني من ان المقصود بالبيع انما هو غير المغشوش و ما وقع عليه العقد انما هو المغشوش فما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع و ثانيها النّهى عن البيع المتعلق بالمغشوش و ثالثها ان نفس البيع غش منهي عنه فيفسد لكونه منهيّا عنه في نفسه و ذلك انّه وقع النهى عن الغش و قد اتحد معه البيع كما ينبئ عنه قوله (عليه السلام) اما علمت ان البيع في الظّلال عس و رابعها ما أشار إليه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من ان الغرض من النهي في مثله عدم صلاحية بيع مثله على انه غير مغشوش و لا افهم من هذا الكلام الا معنى الإرشاد إلى فساد البيع خامسها ما ذكره المحقق المذكور (رحمه الله) في مسئلة بيع الدهن المتنجس فإنه بعد ان حكى عن (المسالك) ما لفظه لو باعه من دون الاعلام قيل يصح البيع و فعل حراما و تخير المشترى لو علم و يشكل الجواز بناء على تعليله بالاستصباح في الرواية فإن مقتضاه الاعلام بالحال و البيع لتلك الغاية قال و فيما نقله و ذكره تأمل ظاهر نعم يمكن ان يقال البيع الصّحيح المتملك الذي علم كونه مملكا صحيحا هو المجوز شرعا بقوله (تعالى) وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و البيع لتلك حلال و ما علم كون غيره مملكا و صحيحا و هذا لا خصوصيّة له بهذا المحل بل هو اشكال يخطر بالبال في عدم الفساد بالنهي في المعاملات و قد أشرنا إليه فيما سبق في بيع يوم الجمعة و حققناه في الأصول فتأمل انتهى و على هذا فيكون بيع المغشوش لكونه حراما ممّا لا يشمله قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ فلا يترتب عليه الأثر و سادسها ان نفى الصّلاحية في جملة من اخبار الباب بقوله (عليه السلام) لا يصلح إشارة الى عدم ترتب الأثر أي لا يصلح لإفادة ما قصد بالبيع من الأثر و ترتبه عليه و سابعها قوله (عليه السلام) في رواية موسى بن بكر ألقه في البالوعة حتّى لا يباع شيء فيه غش بعد ان قطع الدرهم نصفين فإن الأمر بإلقائه في البالوعة لغاية انتفاء بيعه يدلّ على كون بيعه أكلا للمال بالباطل غير مفيد للنقل و الانتقال و لا يخفى سقوط الجميع امّا الأوّل فلان القصد قد تعلق بعين المبيع من الطرفين غاية ما في الباب ان المشترى قد كان مركوزا في نظره انّه متصف بالوصف الفلاني فلم يتفق الا تخلفه فيوجب الخيار لا إفساد أصل البيع لعدم تخلف العين و الجنس قال في المستند و لا يضر ظن المشترى اتصافه بخلاف ما هو كذلك فلا يقصد ذلك لان ثبوت خيار الرّؤية بالاخبار و الإجماع يدلّ على عدم اعتبار ذلك في الصّحة و امّا الثاني فلان النّهى عن بيع المغشوش على تقدير تسليم وجوده انما يرجع الى الغش الذي هو أمر خارج عن البيع و امّا الثالث فلان من الظاهر ان الغش عنوان و البيع عنوان أخر و اتحاده مع الغش مع تعلق النهى بالغش لا يجعله الّا منهيّا عنه لوصفه و المعاملة المنهي عنها لوصفها لا تتصف بالفساد و رواية هشام بن الحكم لا تفيد أزيد من ذلك حيث قال فيها اما علمت انّ البيع في الظلال غش خصوصا مع حكمه على الغش بأنه لا يحل لا بالفساد فالحاصل ان النهى عن البيع لكونه مصداقا لمحرم هو الغش لا يوجب فساده كما تقدم في بيع العنب على من يعمله خمرا و امّا النهي عن بيع المغشوش في نفسه فلم يوجد في خبر و امّا الرابع فلان الأدلة قد وردت في مقام النّهى عن الغش و هو عنوان مغاير للبيع و ان اتحد معه في ضمن بعض الافراد و ليس فيها ما هو متعلق بالبيع إلا رواية موسى بن بكر و ستعرف الكلام فيها و رواية هشام بن الحكم و ليس فيها الا ان البيع في الظلال غش و الغش لا يحلّ و

لا يبيح الا ان البيع في الظلال لا يحلّ و اين هو من الإرشاد و لو سلم تعلق النهي في الاخبار بالبيع فصرفه عن معناه الحقيقي الذي هو التحريم إلى المجازي الذي هو الإرشاد يحتاج الى دليل و ليس فليس و امّا الخامس فلان قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ انّما سيق لبيان حلّ طبيعة البيع من حيث هي مع قطع النظر عن العوارض و ليس مؤداه ان البيع المحلل مؤثر للنقل و غيره غير مؤثر له و مقصوده انّما يتم على هذا التقدير فيبقى عروض النهى عنه لوصف خارج و قد عرفت الجواب عنه و امّا السّادس فلان لفظ لا يصلح غير صالح لإفادة نفى ترتب الأثر و استعماله فيه غير معهود و القرينة على ارادة ذلك المعنى منتفية بل لا ينساق منه الا الحكم التكليفي الذي هو الكراهة أو التحريم و امّا السّابع فلانه ليس فيه الا الأمر بإلقاء الدرهم المغشوش في البالوعة و الدلالة على جعل ذلك مقدمة لعدم وقوع بيع المغشوش في الخارج و هذا القدر كما يمكن ان يكون من جهة فساد البيع كذلك يمكن ان يكون لحرمته فيكون فعله ذلك لكونه نوع منع من وقوع الحرام و بابا من أبواب النهي عن المنكر و ان لم يكن واجبا معينا بالخصوص و لا دلالة للعام على الخاص اعنى الفساد

قوله و ما ذكره من وجهي الصّحة و الفساد جار في مطلق العيب لان المقصود هو الصّحيح و الجاري عليه العقد هو المعيب

فيلزم البطلان في بيع المعيب (مطلقا) لان ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد و هو خلاف ما صرّحوا به من صحة البيع و ثبوت الخيار لكن الوجه في صحة البيع مع تخلف وصف الصحة هو كون وصف الصّحة في معنى الشرط و ليس مقوما للمبيع فعند تبين الخلاف يثبت الخيار و الأمر في مسئلة بيع المغشوش (أيضا) على هذا المنوال لان الكلام انما هو فيما إذا لم يتبدّل حقيقة بحقيقة أخرى

قوله كما يشهد به العرف و الشرع

امّا العرف فواضح لأن أهل التعارف لا يرون الفردين من صنف المتخالفين في وصفي الصّحة و الفساد من قبيل المتباينين بحسب الحقيقة و انما يعدونهما من قبيل المتخالفين في الأوصاف و الخصوصيات الشخصيّة و امّا الشرع فلما نجده من حكمه بعدم فساد بيع ما ظهر معيوبا بعيب سابق مع ما نجده من حكمه بفساد البيع فيما لو باع فردا من حقيقة على انّه فرد من حقيقة أخرى و من ذلك يظهر ان ما نحن فيه ليس من قبيل ما تعارض فيه الوصف و الإشارة فإنه مبنى على ارادة الصّحيح من عنوان المبيع حتى يكون مغايرا له في العنوان فيكونا من قبيل الفردين من مهيتين كما في مثال الحمار و الفرس

قوله و اما وجه تشبيه مسئلة الاقتداء في الذكرى بتعارض الإشارة و الوصف في الكلام مع عدم الإجمال في النية فباعتبار عروض الاشتباه للنارى بعد ذلك فيما نواه

(انتهى) الذي حداه الى حمل كلام الشّهيد (رحمه الله) على صورة عروض الاشتباه في النية بعد انقضاء أصل العمل هو ان مسئلة الاقتداء بإمام و تبين غيره إذا فرضت فيما لو كان الإمامان كلاهما ممن له أهلية الايتمام به عند المأموم كما هو مفروض كلام الشهيد (رحمه الله) كان لها صور اربع ليس شيء منها صالحا للتردد فيه و ذلك لان حضور الامام ممّا لا بد منه الا انه قد يجعل بنفسه عنوانا مقصودا سواء كان بالالتفات اليه تفصيلا أو بكونه مركوزا في ضميره و قد يجعل العنوان المقصود هو الاسم و قد لا يكون أحدهما بخصوصه هو الداعي المستقل دون الأخر و هذا يتصور على صورتين إحديهما ان يكون الداعي مركبا منهما و الأخرى ان يكون كل منهما مستقلا فالصّورة الاولى ان يكون المقصود الأصلي هو التعريف بالإشارة و يكون التعرض للعنوان بالتبع من دون ان يكون له مدخل في التعريف

96

اصلاحتى انه لو علم بتخلف العنوان لم يعرض عن القدرة مثال ذلك ان يأتم بهذا الحاضر الواقف في المسجد الجامع بعنوان كونه هذا الشخص الحاضر سواء كان هو زيدا أو ابنه و كلّ منهما أهل للاقتداء به عنده الا انه زعم انه هو خصوص زيد من دون كون هذا الزعم داعيا بل من المقارنات الاتفاقية التي لا دخل لها في وجود الاقتداء و عدمه ثم تبين ان الحاضر لم يكن زيدا بل كان ابنه الثانية ان يكون المقصود الأصلي هو العنوان و الاسم و يكون الإشارة تبعا من دون مدخل لها في تعريف الامام اصلاحتى انه لو علم تخلف العنوان لم يقدم على القدوة مثاله ان يأتم بهذا الحاضر بداعي كونه زيدا حتى انه لو علم انه ليس زيدا لم يأتم به الثالثة ان يكون الداعي مركبا منهما بان يأتم بهذا الحاضر الذي هو زيد لكونه حاضرا و كونه زيدا بحيث لو انتفى أحد القيدين لم يأتم به الرابعة ان يكون كلّ منهما مستقلا فهو و ان لاحظ الأمرين الا ان أيهما اتفق و تخلف الأخر لم يكن يترك الايتمام و حكم الاولى و الثالثة هو البطلان عند التخلف و حكم الثانية و الرّابعة هي الصّحة فلا يبقى حال للتردد في تعارض الوصف و الإشارة فلهذا حمل كلام الشهيد (رحمه الله) على ما بعد انقضاء وقت العمل و الغفلة عن كيفية النيّة هذا و ذكر بعض من تأخر لتعارضهما في مسئلة الاقتداء معنى أخر و أوضحه بأن قصد الاقتداء يتصور على وجوه و ذكر الصورتين الأوليين اللتين ذكرناهما و جعل الوجه الثالث عبارة عن ان يقصد التعريف بكل من العنوان و الإشارة بحيث لا يكون أحدهما أصلا و الأخر تبعا و لا يكون لأحدهما مزية على الأخر و لكنه غفل عن انه ان تخلف العنوان فظهر انتفاؤه فهل يقدم على الاقتداء أم لا ثم قال امّا الوجه الأول فالظّاهر صحة الصّلوة فيه حتى بعد العلم بتخلف العنوان و امّا الثاني فالظاهر بطلان الصّلوة فيه بعد العلم بتخلف العنوان و امّا الثالث فيبتني على ان الأقوى عند تعارض الاسم و الإشارة هو الاسم حتى يقدم هو أم الإشارة حتى تقدم هي ثم قال ان هذا هو مراد الشهيد (رحمه الله) من بناء مسئلة الاقتداء على تعارض الاسم و الإشارة و وجه التردد انه لو كان أحدهما أصلا و الأخر تابعا لم يكن إشكال في الحكم بالصّحة على تقدير تبعية الوصف و في الحكم بالفساد على تقدير تبعية الإشارة لكن لما اعتبرا على حدّ سواء و اتفق تخلف أحدهما و وجود الأخر صار ذلك منشأ للتردد من حيث تغليب أحدهما على الأخر و ان كان الحق عندنا صحة الصّلوة إلا في الوجه الثاني بل ذهب كاشف الغطاء (رحمه الله) إلى الصّحة في جميع الوجه بل فيما لو ائتم بشخص باعتقاد انه زيد العادل فبان عمرو الفاسق عنده ثم حكى كلام (المصنف) (رحمه الله) هذا و اعترض عليه بان ما ذكره (رحمه الله) ليس من تعارض الاسم و الإشارة في شيء لأن تعارضهما انما يتحقق بان يعلم بقصدهما معا مع كون مقتضى أحدهما هي الصّحة و كون مقتضى الأخر هو البطلان كما بيّناه من الغرض و امّا مع الشك في انه اقصد العنوان أم الإشارة فلا يتصور تعارضهما و تقديم ما هو الأقوى منهما بل الظاهر فيه البطلان لتعلق الشك بالنية الا ان يكون هناك أصل يوجب الصّحة هذا كلامه أقول (الظاهر) جريان قاعدة الفراغ و قاعدة الشك بعد تجاوز المحلّ

قوله و فيه نظر فإن النهي عن البيع لكونه مصداقا لمحرم هو الغش لا يوجب فساده

يعنى ان في استدلال المحقق المذكور نظر أو ما ذكره من التعليل و البيان بقوله فإن النهي عن البيع لكونه مصداقا ناظر الى دفع كون نفس البيع غشا منهيا عنه كما ان قوله بعد هذا و امّا النّهي عن بيع المغشوش لنفسه فلم يوجد في خبر ناظر الى رد ما استدل به أوّلا من ورود النهى عن هذا البيع و وجه الدفع المذكور ان النهى عن البيع إذا كان من جهة كونه مصداقا كان متعلق النهى عنوانا أخر عاما منطبقا على هذا المصداق فيكون النهي لأمر خارج و هو لا يوجب الفساد خصوصا في المعاملة

قوله و اما النهي عن بيع المغشوش لنفسه فلم يوجد في خبر

بل لعل التدبر في النصوص قاض بإفادتها لصحته و ان فعل محرما من جهة انه لو كان فاسدا لأشير إلى فساده في بعضها سيّما مع غلبة كون مواردها محللا للبيان بل زاد بعض المعاصرين انها لعلها دالة على الصّحة مع المعصية و في الفقيه في باب وجوب الرد بخيار الرؤية انه دخل الأمير (عليه السلام) سوق التمّارين فإذا امرأة تبكي و هي تخاصم رجلا تمّارا فقال (عليه السلام) ما لك فقالت يا أمير المؤمنين اشتريت من هذا تمرا بدرهم؟؟؟ فخرج أسفله رديا و ليس مثل الذي رأيت فقال (عليه السلام) رد عليها فأبى حتى قال له ثلث مرات فأبى فعلاه (عليه السلام) بالدرة حتى رد عليها و كان (عليه السلام) يكره ان يجلل التمر و احتمال كون ذلك للفساد بعيد جدا فتأمل جيدا انتهى أقول قال في المصباح الدرة السوط و الجمع درر كسدرة و سدر انتهى و معنى علاه بالدرة أنه رفع عليه السوط (يقال) علا به إذا جعله عاليا فيصير مقتضى اللفظ انه جعل الدرة عالية عليه هذا و لكن في الاستدلال بالخبر المذكور للصّحة مع العصيان ما لا يخفى ضرورة انه كما يحتمل ان يكون امره (عليه السلام) برد الثمن إلى المرأة من جهة صحة البيع بحسب أصله لكن مع ثبوت الخيار لها و قد فسخت برد المبيع اليه خصوصا مع كون البيع على وجه المعاطاة فيجوز الرد كذلك يحتمل ان يكون امره (عليه السلام) بذلك من جهة بطلان البيع رأسا و ما تضمنه الخبر من قبيل حكايات الأفعال و لا دلالة في اللفظ بل لا اشارة فيه الى كون ذلك من جهة البطلان أو من جهة الفسخ و الاحتمالان بحسب الوقوع الخارجي متساويان لا مرجح لأحدهما على الأخر و استبعاد احتمال كون ذلك للفساد دعوى لم يساعد عليها مساعد بل ممّا هو مصادم للضرورة فتدبر

قوله و امّا خبر الدينار فلو عمل به خرج المسئلة عن مسئلة الغش الى قوله و اين هو من اللبن الممزوج بالماء و شبهه

التقييد بقوله لو عمل به للإشارة إلى ضعفه إذ قد حكم العلامة المجلسي (رحمه الله) بذلك في حواشي الكافي و هو في محله لان موسى بن بكر واقفي كما نص عليه في كتب الرجال ثم انه أورد بعض مشايخنا على (المصنف) (رحمه الله) بأنه انما يتجه لو كان مناط الاستدلال بخبر الدينار هو كسره و الأمر بإلقائه في البالوعة كما يدل عليه قوله (رحمه الله) لأنه إذا وجب إتلاف الدينار و إلقاؤه في البالوعة كان داخلا فيما يكون المقصود منه حراما (انتهى) و ليس (كذلك) بل مناط الاستدلال انما هو التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام) حتى لا يباع شيء فيه غش فإنه يدلّ على ان الغش موجب لفساد البيع و بهذا يسقط ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ثم ان ذلك البعض أجاب عن أصل الاستدلال بوجه الذي ذكره بوجهين الأول ان التعليل انما أفاد مبغوضية المعاملة بالمغشوش و هي أعم من الفساد (فالظاهر) ان الغرض منه التنبيه على لزوم حسم مادة الوقوع في الحرام فلا يفيد فساد البيع لسكوته عنه الثاني ان الغش في الدينار مما يوجب تبدل الحقيقة و فساد المعاملة بالمغشوش الذي صار الغش فيه سببا لتبدل الحقيقة من قبيل المسلمات فالتعليل انما ينطبق على هذا الصنف دون غيره فلا يتأتى منه الدلالة على فساد المعاملة فيما كان الغش فيه من قبيل إخفاء الأدنى في الأعلى أو غير المراد في المراد أو إظهار الصفة الجيدة المفقودة واقعا و قال بعض المعاصرين في مقام الإيراد على (المصنف) (رحمه الله) و قد يحمل خبر الدينار على كونه مما يكون المقصود منه حراما كالات اللهو و نحوها و لذا وجب إتلافه و إلقاؤه في البالوعة حسما لمادة الفساد و ليس ذلك كاللبن الممزوج بالماء و نحوه فلا يلزم من الفساد فيه الفساد في نحو اللبن الا انه مع تسليمه في نفسه قد يتمسك (حينئذ) بعموم التعليل فيه و يكون كل

97

ما فيه عش كالات اللهو فالوجه المنع من دلالته على الفساد لأن إلقائه و كسره قد يكون لعدم ارادة وقوع الحرام في الخارج و انّه أحد الطرق الى ذلك لا لخصوصية فيه و الّا فلا ريب في عدم اقتضاء الفساد ذلك بالخصوص كما هو واضح هذا كلامه (رحمه الله) و هو مثل الأوّل بل هو عينه الا ان من أورده اعترف بفساد البيع في مورد الرّواية و قال انّه لا مانع من نمسك القائل بالفساد به بعموم التعليل أقول لا ريب في ان تقطيعه (عليه السلام) للدّينار نصفين و تعقيبه بالأمر بإلقائه في البالوعة انّما هو من قضايا الأحوال و لا عموم فيها فهو محتمل للوقوع على وجوه متعددة من جهة كون الدّينار الخاص الذي قطعه مغشوشا على وجه لا يوجد فيه شيء من جوهر الذهب نظير المموه الّذي لا يحصل منه شيء من الذهب أو الفضة أو كونه ممّا يحصل منه ذلك و لكن امره (عليه السلام) بإلقائه في البالوعة ممّا يعطى البيان لوجه فعله فيصير قرينة على ان الدّينار قد كان ممّا ليس فيه جوهر الذهب أصلا و الا كان إلقاؤه في البالوعة بعد كسره من تضييع المال و إتلافه لحصول الغرض الذي هو خروجه عن عنوان النقود و الأثمان بمجرّد الكسر فلم يبق حاجة الى الإلقاء بالبالوعة و قد أمر به و علله بقوله (عليه السلام) حتّى لا يباع (انتهى) فيكون فيه دلالة على ما ذكرناه من كونه ممّا لا يحصل منه شيء من الذهب إذ لو كان (كذلك) كان له قيمة و كان إتلافه مرغوبا عنه فيعلم بذلك ان ذلك الدّينار كان من أظهر أفراد الدّينار المغشوش الّذي يترتب الفساد على المعاملة به و على إبقاء مادته لكن يبقى الكلام في ان عموم التعليل على ما ذكره (رحمه الله) يعطى بطلان البيع في كل مغشوش و جوابه انه على تقدير رواية الحديث على الوجه الّذي ذكره و هو كون لفظ شيء مجرورا بالباء و التفسير الّذي فسر به الحديث لا عموم للتعليل لان الضمير المستتر في قوله (عليه السلام) لا يباع عائد إلى الدّينار و كذا الضمير المجرور بفي فإذا جعل جملة فيه غش ابتدائية يصير مؤداها بقرينة ما ذكرنا مؤدى قولنا لأن في الدينار المكسور عشا متناهيا موجبا للفساد بخروجه عن المالية هذا و لكنك قد عرفت سابقا ان الموجود في النسخ المعتمد عليها هو لفظ شيء بدون الباء الجارة له فيكون كناية عن ذلك الدّينار المكسور الا انّه لا يتفاوت المعنى من جهة استفادة التعليل من كلمة حتى و مدخولها على الوجه الخاص الذي بيّناه مضافا الى إمكان الجواب بما أجاب به بعض من أشرنا إليه من كون محبوبيّة عدم وقوعه لعلها من جهة الحرمة و هي أعمّ من الفساد فتدبر ثمّ ان ظاهر الحديث بمقتضى صيغة الأمر هو وجوب الإلقاء في البالوعة في مورد الحديث كما صرّح به (المصنف) (رحمه الله) فيكون كناية عن وجوب الإتلاف و لكن العلامة المجلسي (رحمه الله) قد علق على هذا الحديث في حواشي الكافي ما لفظه يدلّ على استحباب تضييع المغشوش لئلا يغش به مسلم ثمّ قال و ينبغي حمله على انه لم يكن فيه نقش محترم أو على ان البالوعة لم نكن محلا للنجاسة انتهى و نحن نقول اما ما ذكره أخيرا فلا اشكال فيه و انّما الكلام في استفادة الاستحباب إذ غاية ما هناك ان يبقى صيغة الأمر على وجوبها و يقيّد بما قدمنا ذكره و معلوم انه إذا دار الأمر بين التقييد و المجاز كان الأول أولى الا ان يقال انا لا نسلم ذلك في دوران الأمر بين التقييد و التجوز الذي هو استعمال صيغة الأمر في الندب من جهة شيوعه و كثرته بحيث يغلب شيوع التقييد و كثرته فلا يتحقق في التعليل عموم الا بمقدار مدلوله

قوله فالأقوى (حينئذ) في المسئلة صحة البيع في غير القسم الرابع

من الأقسام الأربعة التي أشار إليها فيما تقدم بقوله ثمّ انّ الغش يكون بإخفاء الأدنى في الأعلى (انتهى) و القسم الرابع عبارة عن إظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع المموه على انه ذهب أو فضة أو على خلاف صنفه كبيع لبن البقر مكان لبن الجاموس و الجامع للأمرين إبدال ما هو المقصود بما يغايره في الجنس أو الصنف فيحكم بفساد البيع فيه دون غيره من الأقسام الثلاثة الأخر للغش و وجه الفرق انه في القسم الرابع ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد فيحكم بالفساد بخلاف الأقسام الثلاثة الأخر فإن النهي فيها قد تعلق بالغش و هو غير البيع غاية ما في الباب ان يحصل له من اقترانه بالغش و الوصف فيكون البيع لو تعلق به نهى من باب المنهي عنه لوصفه و ممّا ذكرناه يعلم ما في كلام صاحب المستند من الخلل الا انّه مع ذكره أقسام الغش الّتي منها ابدال الجيد بالرّدي قال ثمّ البيع صحيح في جميع تلك الصور لتعلق النّهى بالغش و هو غير البيع لانه يتحقق بإظهار خلاف ما أضمر أو ترك النصح و كلاهما غير البيع انتهى و ذلك لان الحكم بالصحة لا وجه له في صورة الأبدال فتأمل

قوله و ان كان من قبيل شوب اللبن بالماء

ممّا لا يمكن انفصال أحد المتمازجين عن الأخر و لا يميز بينهما و يسمى المجموع باسم الممزوج به كما يسمى اللبن الّذي مزج به الماء لبنا

قوله و ان كان من قبيل التراب الكثير في الحنطة كان له حكم تبعض الصفقة و نقص الثمن بمقدار التراب الزائد لأنه غير متمول

و الفرق بينه و بين شوب اللبن بالماء هو ان التراب قابل للانفصال عنها و التميز منها و ان كان البائع قد مزجه بها على وجه خفي على المشترى بخلاف الماء فإنّه غير قابل للانفصال و التميز من اللبن فهما موجود واحد بحسب العرف و العادة و تقييد التراب بالكثير للاحتراز عن القليل المستهلك الذي لا تخلو منه الحنطة غالبا فان ذلك لا يكون من الغش و لا ريب في صحة البيع و عدم حرمته و المراد بحكم تبعض الصفقة هو بطلان البيع بالنسبة الى ما لم يكن حائزا شرائط صحته من بعض المبيع غاية ما هناك انه يتخير المشترى بعد بطلان البيع فيه بين فسخ البيع رأسا و إرجاع ما هو قابل للبيع من بعض المبيع على البائع و بين إمضاء البيع فيه بما يخصه من الثمن الموزع على الفائت و الباقي و الحكم بالبطلان بالنسبة الى غير الحائز بشرائط صحة البيع انّما هو فيما لم يكن قابلا للبيع أصلا كالحر و ما نحن فيه من هذا القبيل من جهة عدم قابليّة التراب الكثير في الحنطة للملكيّة و لو كان من جهة عدم كونه ملكا للبائع كعبده و عبد غيره وقف مع غير المملوك على اجازة المالك قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة لو باع عبدا و حرا صحّ البيع في العبد خاصة بقسط من الثمن و ذلك بان يفرض الحر عبد أو ينظر قيمتهما ثمّ يبسط المسمّى عليهما و يبطل ما قابل الحر و يتخير المشترى مع الجهل انتهى و قال (أيضا) لو كان المشترى جاهلا بان المضموم ملك الغير أو حر أو مكاتب أو أم ولد ثم ظهر له فقد قلنا ان البيع يصحّ فيما هو ملكه و يبطل في الأخر ان لم يجز المالك و يكون للمشتري الخيار بين الفسخ و الإمضاء فيما يصحّ بيعه بقسطه من الثمن لانه لم يسلم له العقود عليه فكان له الفسخ و كان عالما صح البيع (أيضا) و لا خيار له انتهى و بقي في عبارة (المصنف) (رحمه الله) نكتة اخرى متعلقة بقوله و نقص الثمن بمقدار التراب الزائد و هي ان التعبير بالزائد للإشارة إلى انّه انّما يلاحظ ثمن المقدار الزائد على المقدار الذي لا تنفك الحنطة عنه غالبا و امّا ذلك المقدار فلا يقوم بل يحسب بحساب الحنطة على ما هو المعتاد

قوله و لو كان شيئا متمولا بطل البيع في مقابله

يعنى انه لو كان الممزوج شيئا متمولا كما لو مزج الدّخن بالحنطة حيث كان قابلا للانفصال منها و لو بالسّرد أو مزج الجص أو البورق بها مثلا و أخفاه على المشترى فإنه يبطل البيع في مقابل ذلك الممزوج بتمامه

98

كالدخن أو الجص أو البورق في الأمثلة المذكورة فلا يحسب شيء منه بحساب الحنطة إذ ليس من الغالب وجوده في الحنطة و بهذا يمتاز المتمول عن التراب الكثير في الحنطة مما يعتاد وجود قليله و كان الغش بمزج كثيره و ان كان حكم تبعض الصفقة يجري هنا (أيضا) لكن من باب الغش لا من باب كونه غير قابل للملك و لا من باب كونه مال الغير فقد أشار (رحمه الله) بقوله و لو كان شيئا متمولا (انتهى) الى ما هو وجه الفرق بين المتمول و التراب الكثير بعد وضوح البناء على اشتراكهما في حكم تبعض الصفقة و هو بطلان البيع في الخليط الغير المقصود للمشتري بالشراء إذ ليس تبعض الصفقة إلا عبارة عن عدم سلامة احدى العينين المبيعتين جملة للمشتري و لا يتوهم ان هذا هو القسم الرابع الذي حكم فيه ببطلان البيع لان ذلك انما هو فيما لو كان قد بدل تمام المبيع بغير ما هو من جنسه و حقيقته ثم أخفى الأمر على المشترى و أوهمه ان هذا هو الّذي يطلبه المشترى و ما عليه الكلام (حينئذ) انّما هو ما لو مزج بالمبيع ما ليس من جنسه و حقيقته فالفرق بين الأمرين واضح

[المسألة الثالثة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغناء]

قوله لا خلاف في حرمته في الجملة

التقييد بقوله في الجملة للإشارة إلى وقوع الخلاف تارة من حيث أصل الحكم و اخرى من حيث الموضوع و ثالثة من حيث اختصاص الحكم ببعض الموضوع و قد تعرض هو (رحمه الله) لتفصيل ذلك فيما سيأتي و نسب الأوّل إلى المحدث الكاشاني (رحمه الله) و الذي فهمه (المصنف) (رحمه الله) من كلامه و من كلام صاحب الكفاية هو ان الغناء ليس محرّما أصلا و انّما المحرم ما يقترن به من المحرمات من الرقص و غيره و على هذا فلا بد من ان يكون المراد بعدم الخلاف في حرمته في الجملة أنه يوصف بالتحريم و لو من باب اسناد وصف أحد الملابسين الى الأخر فتأمل ثمّ ان الدليل على حرمته الإجماع بقسميه المحصل و المنقول بل في الجواهر انه يمكن دعوى كونه ضروريا في المذهب و في المستند الدليل عليه هو الإجمال القطعي بل الضرورة الدينية و يدلّ عليها (أيضا) الأخبار المستفيضة و قد ذكر في الوسائل ما يزيد على ثلثين حديثا بل في الجواهر دعوى تواترها و حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن الإيضاح و ان قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم و لعلّ الشهرة تكفي مع الاخبار الكثيرة بل الإجماع على تحريم الغناء و التخصيص يحتاج الى الدليل و يمكن ان يقال ان الاخبار ليست بحجة و انّما الإجماع و الشهرة مع القيدين فلا حجة على غيره و الأصل دليل قوى و الاحتياط واضح انتهى و قد يدعي دلالة الكتاب العزيز عليها و هي دعوى ناشئة من شهوة تطويل الكلام فإن شيئا من الآيات لا دلالة له بظاهره و انّما فسّرت في الاخبار بالغناء فالدليل انّما هي الأخبار دون نفس الآيات الا ان يقال ان الآية المجملة جامعة لشرائط الدليلية لو لا الإجمال فإذا ارتفع ببيانها في الاخبار صارت دليلا بالفعل و الأمر سهل و قد يدعي دلالة العقل (أيضا) قال في الجواهر قيل ان تحريم الغنا كتحريم الزّنا أخبار متواترة و أدلته متكاثرة عبّر عنه بقول الزور و لهو الحديث في القران و نطقت الروايات بأنه الباعث على الفجور و الفسق فكان تحريمه عقليا لا يقبل تقييد أولا تخصيصا فيحمل (حينئذ) ما دلّ على الجواز على التقية أو يطرح لكنه كما ترى ضرورة عدم كونه (كذلك) فان الطرب و الخفة و نحوهما ممّا يفيد الإنسان طربا أشد من الغناء فليس تحريمه الا سمعيا انتهى و أورد عليه بعض من تأخر بان لهذه الأمور التي ذكرها مصالح معتبرة عند الشارع و هو بقاء النّسل فلذلك حللت و أنت خبير بأنّه لو كان الحكم بحرمة الغنا ممّا يستقل به العقل كما هو مقصوده من الإيراد على صاحب الجواهر (رحمه الله) و قد صرّح هو باستقلال العقل به فلا يكون ممّا يقبل التخصيص الا ان يقال بان العقل يحكم بوجود مقتضى القبح فيه ما لم يمنع من اقتضائه مانع و لكن الإنصاف ان حكم العقل بقبح الغنا و تحريمه ممنوع حتى بعنوان وجود مقتضيهما كما ان كونه مؤديا إلى الفسق و الفجور ممنوع و لم نعثر في الاخبار على ما يدلّ على كونه بهذا الوصف محرّما و الوجدان على خلافه فانا نجد بديهة ان أداء أكل الأطعمة المقوية المفرّحة إلى الغفلة و الفسق و الفجور أقوى من أداء الغناء إليها بل لا يتفق كونه سببا محركا أو موصلا إليها إلا نادرا فتدبر

قوله و رواية عبد الأعلى

السابقة قد اشتملت الرواية المذكورة على تفسير قول الزور بالغناء و على تفسير لهو الحديث (أيضا) به ففي الوسائل عن معاني الأخبار مسندا الى عبد الأعلى قال سئلت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال الرجس من الأوثان الشطرنج و قول الزور الغناء قلت قول اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال منه الغناء

قوله و قد يخدش في الاستدلال بهذه الرّوايات بظهور الطائفة الاولى بل الثانية في ان الغناء من مقولة الكلام

عطف الثانية بلفظة بل مبنى على احتمال ان يراد بذم لهو الحديث ذم وصفه بان يكون المذموم نفس الوصف بمعنى إيجاد الكلام على وجه اللهو و امّا ان جعل من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف بمعنى الحديث اللهوية كما يذكره (المصنف) (رحمه الله) (فحينئذ) يدلّ على ذم الكلام الذي أنصف بكونه ملهيا فلا يدلّ على ذم نفس الكيفيّة

قوله و يشهد له قول على بن الحسين (عليه السلام) في مرسلة الفقيه الاتية في الجارية التي لها صوت لا بأس لو اشتريتها فذكرتك الجنة يعني بقراءة القران و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء

وجه الشهادة ان اسم ليس ضمير يعود الى الموصول الذي هو عبارة عن الفضائل و خبرها الغناء و معلوم ان ليس من نواسخ المبتدإ و الخبر فلا بد من صحة حمل خبرها على اسمها و معلوم (أيضا) ان الفضائل من جنس الكلام فيحصل من ذلك انه استعمل الغناء في الكلام ثمّ ان ظاهر كلام (المصنف) (رحمه الله) بل صريحة هو ان الأظهر عنده كون لفظة يعنى و ما في حيّزها الى أخر الكلام من الامام (عليه السلام) و يزيد في وضوح دلالته على ذلك قوله (رحمه الله) بعد هذا و لو جعل التفسير من الصدوق دلّ على الاستعمال اى استعمال الغناء في هذه العبارة في الكلام حيث انه (رحمه الله) صدر الكلام بلفظة لو و لكن ظاهر لفظة يعنى بصيغة الغائب بل صريحها هو كونها من كلام الصدوق (رحمه الله) و هذا هو الّذي استظهره في الوافي حيث قال بعد ذكر الحديث في البيان الذي عقبه به ما لفظه (الظاهر) ان هذا التفسير من كلام الصدوق (رحمه الله) انتهى

قوله حيث ان مشاهد الزّور التي مدح اللّه تعالى من لا يشهدها هي مجالس التغني بالأباطيل من الكلام

و قد علم كون تلك المجالس مجالس التغني بالأباطيل من الكلام في الخارج و قد مدح اللّه من لا يحضر تلك المجالس المعهودة هذا و لكن يبقى هنا شيء و هو ان المشاهد ليس لها ذكر في الآية فمن أين أتى (المصنف) (رحمه الله) بهذا البيان و جوابه ان ذلك مأخوذ مما قيل في تفسير الآية قال في الوافي بعد ذكر الأخبار الواردة في تفسير قوله (تعالى) وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قيل لا يشهدون الزور اى لا يحضرون محاضر الباطل و لا يقيمون الشهادة الباطلة ثم قال أقول بناء الحديث على المعنى الأول و يؤيده مجيء الزور بمعنى مجلس الغناء كما مر انتهى و أشار بقوله كما مر الى ما قدم ذكره من حكاية تفسير الزور بمجلس الغناء عن القاموس أقول ظاهر عبارة (المصنف) (رحمه الله) يعطى انه لا يريد تفسير الزور بمجلس الغناء و الا كان اللازم ان يقول مشاهد الغناء بدل قوله مشاهد الزور فالأقرب أن يقال انه يستفاد ذلك من لفظ يشهدون لان معناه يحضرون و الحضور لا بد له من محضر

99

قوله سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء و قلت انهم يزعمون ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) رخص في ان يقال جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحيكم

هذه كلمات كان يتغنى بها قبيلة إذا وردت على اخرى فقولهم جئناكم اخبار عن مجيئهم و جئناكم الثاني تكرير للاوّل بلفظه و قولهم حيونا أمر بالتحية خطابا للجماعة و حيونا الثاني تكرير له بلفظه و قولهم نحيكم وعد بالتحية لمخاطبيهم

قوله فقال كذبوا ان اللّه عزّ و جلّ يقول وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ ثم قال ويل لفلان ممّا يصف رجل لم يحضر المجلس

قال في الوافي في البيان الذي عقب به الحديث ما لفظه في نسخ القران الموجودة في هذا الموضع ما خلقنا السّماء و الأرض قيل من لدنا اى من جهة قدرتنا فانا قادرون على ذلك ثمّ استعار لذلك القذف و الدمغ تصويرا لإبطاله و إهداره و محقة فجعله كأنّه جرم صلب كالصخرة مثلا قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه انتهى و في المجمع ما نصه قوله تعالى فَيَدْمَغُهُ اى يكسره و أصله ان يصيب الدّماغ بالضّرب و هو مثل و الدامغ المهلك من دمغه دمغا اى شجه بحيث يبلغ الدّماغ فيهلكه و دمغته دمغا من باب نفع كسرت عظم دماغه في الشجة انتهى و الّذي يظهر لي ان ذكر الآية في الحديث توطئة لما بعدها من قوله (عليه السلام) ويل لفلان ممّا يصف و لفظة فلان كناية عمّن حكى عنه الراوي انه زعم ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) رخص في القول المذكور و قوله (عليه السلام) رجل لم يحضر المجلس خبر مبتدإ محذوف اى هو رجل و معناه ان الزاعم لذلك رجل لم يحضر مجلس ترخيص رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فوصفه للترخيص رجم بالغيب

قوله و رواية محمّد بن ابى عباد و كان مشتهرا بالسّماع و يشرب النبيذ قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن السّماع فقال لأهل الحجاز فيه راى و هو في حيّز الباطل و اللهو أ ما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً

و في نسخة الوسائل المصححة على نسخة المؤلف و كان مستهترا بدل قوله و كان مشتهرا و لا يخلو عن مناسبة للمقام على ما فسّره به في المصباح حيث قال و استهتر اتبع هو (انتهى) فلا يبالي بما يفعل انتهى و في المجمع ما نصه و في الدعاء المستهترون بذكر اللّه اى المولعون به و فلان مستهتر بالشراب اى مولع به لا يبالي انتهى و قوله (عليه السلام) لأهل الحجاز فيه راى يحتمل ان يكون المراد به ان لهم اعتقادا به و عدي الرأي بفي لتضمين معنى الرغبة فيكون الجار متعلقا بالرأي و يحتمل ان يكون المراد ان لهم رأيا و هوى من عند أنفسهم كما يقال أصحاب الرأي على أهل القياس و الاستحسان و هذا ألصق بقوله و هو في حيّز الباطل فقد أراد (عليه السلام) ان لهم فيه رأيا و هوى من عند أنفسهم و هو بمقتضى الشرع في حيّز الباطل

قوله و الغناء من السّماع كما نص عليه في الصّحاح

فسّر الغناء بالسّماع لكونه معروفا عند أهل العرف كما سيصرح هو (رحمه الله) به في كلامه قال في الصّحاح في مادة (غ ن ى) و الغناء بالكسر من السّماع و قال في مادة (س م ع) و المستمعة المغنية انتهى

قوله و ظاهر هذه الاخبار بأسرها حرمة الغناء من حيث اللهو و الباطل فالغناء و هو من مقولة الكيفية للأصوات كما سيجيء ان كان مساويا للصوت اللهوي و الباطل كما هو الأقوى و سيجيء فهو و ان كان أعم وجب تقييده بما كان من هذا العنوان كما انه لو كان أخص وجب التعدي عنه الى مطلق الصوت الخارج على وجه اللهو و بالجملة فالمحرم هو ما كان من لحون أهل الفسوق و المعاصي التي ورد النّهى عن قراءة القران بها سواء كان مساويا للغناء أو أعم أو أخص مع ان (الظاهر) ان ليس الغناء الا هو

اعلم ان لفقهائنا (رضي الله عنه) في تعيين موضوع الغناء مسالك أحدها الرجوع فيه الى العرف من دون اعتبار شيء من القيود الّتي اعتبرها جماعة من الترجيع و الطرب و نحوهما و ممن سلك هذا المسلك فقيه عصره (رحمه الله) في شرح القواعد قال و الغناء من مقولة الأصوات كما يظهر من كثير من اللغويين و الفقهاء أو من كيفيّاتها كما يظهر من الأكثر من الجانبين و لعله الأقوى و ليس اختلاف كلامهم في تفسيره حيث قيل مد الصوت أو ترجيعه أو اطرابه أو تحسينه أو رفعه و موالاته و مدّه و تحسينه أو مدّه و توجيه أو تحسينه و ترقيقه أو ترجيعه و اطرابه الى غير ذلك أو الصوت مقيّدا بالطّرب أو الرفع و الموالاة أو الترجيع و الإطراب الى غير ذلك مبنيا على التعارض حتى ينظر في التعادل و يرجح الأكثر لولا بصر؟؟؟ أو على الجمع فيؤخذ بالجامع للصفات لانه المتيقن و الأصل جواز ما عداه أو الجميع عملا بقول المثبت فيما أثبته و ردا للنافى فيما نفاه بل انّما قصدهم كما لا يخفى على من مارس كلامهم في بيانهم لمعاني الألفاظ الشائعة المشهورة الدوران حول العرف و الإشارة اليه و بيان المعنى العام ليحترز عن إدخاله في جنس أخر كبيان ان الغناء من مقولة الأصوات أو كيفياتها و سعدانة من قبيل النبات و نحو ذلك و لذا لا ترى بينهم معركة و نزاعا مع اختلاف العبارات و تفاوت الكلمات فلم يبق سوى الرجوع الى العرف الذي هو المرجع فالمفزع فيفهم المعاني من المباني و هو لا يكال بمكيال و لا يوزن بميزان فقد نراه يرى تحقق الغناء في صوت خال عن الحسن و الرقة مشتملة على الخشونة و الغلظ و في خال عن المد مشتمل على التقطيع و التكسير و في خال عن الترجيع متصف بالخفاء و في مهيج للطرب بمعنى الخفة المقرونة بالانشراح و اللذة و في مقرح للفؤاد مهيج على على البكاء للعشاق الى غير ذلك فليس للفقيه الماهر سوى الرجوع اليه و التعويل عليه و لو فرض ثبوت معنى اللغوي كان الرجوع الى العرف ايضا و إذا أشكلت عليه الأمور لاضطرابه رجع الى أصل إباحته ان كان من أهلها و إلى الأخذ بحائطته إن كان من أهلها هذا كلامه (رحمه الله) و سبقه الى مثله غيره قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و رده بعض الأصحاب إلى العرف فكلّ ما يسمى به عرفا فهو حرام و ان لم يكن مشتملا على الترجيع و لا على الطرب دليله انه لفظ ورد في الشرع تحريم معناه و ليس يظهر له معنى شرعي مأخوذ من الشرع فيحال على العرف و (الظاهر) انه يطلق على مد الصوت من غير طرب فيكون حراما إذ يصحّ تقسيمه الى المطرب و عدمه بل و لا يبعد إطلاقه على غير المرجع و المكرر في الحلق فينبغي الاجتناب هذا ما أردنا نقله من كلامه (رحمه الله) و في (المسالك) و رده بعضهم الى العرف فما سمى فيه غناء يحرم و ان لم يطرب و هو حسن انتهى ثانيها انه عنوان خاص بينه الفقهاء و أهل اللغة و ان وقع الخلاف في تعيينه قال في جامع المقاصد و المراد به على ما في (صلى الله عليه و آله و سلم) مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب و ليس مطلق مد الصوت محرما و ان مالت القلوب اليه ما لم ينته الى حيث يكون مطربا بسبب اشتماله على الترجيع المقتضى لذلك انتهى و في (المسالك) الغناء بالمد مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب فلا يحرم بدون الوصفين اعنى الترجيع مع الاطراب و ان وجد أحدهما كذا عرفه جماعة من الأصحاب هذا كلامه (رحمه الله) و في شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) قيل هو بالمد مد صوت الإنسان المشتمل على الترجيع المطرب و (الظاهر) انه لا خلاف (حينئذ) في تحريمه و تحريم الأجرة عليه و تعلمه و تعليمه و استماعه و رده بعض الأصحاب إلى العرف الى ان قال و الأول أشهر و لعل وجهه ان الذي علم تحريمه بالإجماع هو مع القيدين و بدونهما يبقى على أصل الإباحة ثمّ قال و لكن مدلول الأدلة أعم مثل المغنية ملعونة و ملعون من أكل ثمنها ثمّ ذكر جملة من الاخبار ثم قال و لكن ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم إلى أخر العبارة التي قدمنا

100

ذكرها فعلم من هذه الكلمات ان المشهور بين القائلين بكون الغناء عنوانا خاصا هو كونه عبارة عما اشتمل على مد الصّوت و على الترجيع و الاطراب بل ادعى عليه الإجماع و هناك أقوال أخر ذكرها صاحب المستند (رحمه الله) بقوله ان كلمات العلماء من اللغويين و الأدباء و الفقهاء مختلفة في تفسير الغناء ففسره بعضهم بالصوت المطرب و أخر بالصّوت المشتمل على الترجيع و ثالث بالصوت المشتمل على الترجيع و الاطراب معا و رابع بالترجيع و خامس بالتطريب و سادس بالترجيع مع التطريب و سابع برفع الصّوت مع الترجيع و ثامن بمد الصّوت و تاسع بمده مع أحد الوصفين أو كليهما و عاشر بتحسين الصّوت و حادي عشر بمد الصّوت و موالاته و ثاني عشر و هو الغزّالي بالصوت الموزون المفهم المحرك للقلب انتهى و ظاهر كلام كلّ من أرباب الأقوال انه يريد بيان تمام حقيقته و معناه خصوصا الفقهاء فإنه لا يحتمل في حقهم مجرّد التعريف اللفظي الّذي يكتفى فيه ما هو أعم لأن الاكتفاء بذلك في مقام تحديد الموضوع الشرعي مسامحة يمنعهم عنها دقتهم في البحث عن الأحكام الشرعية و موضوعاتها و لكن لا دليل على تعيين شيء منها كما لا دليل يفيد العلم إجمالا بأن الحق واحد منها و لقد أجاد صاحب المستند (رحمه الله) حيث قال بعد ذكر الأقوال المذكورة و لا دليل تاما على تعيين أحد هذه المعاني أصلا نعم يكون القدر المتيقن من الجميع المتفق عليه في الصدق و هو مد الصّوت المشتمل على الترجيع المطرب الأعم من السّار و المحزن المفهم لمعنى غناء قطعا عند جميع أرباب هذه الأقوال فلو لم يكن هنا قول أخر يكون هذا القدر المتفق عليه غناء قطعا هذا كلامه (رحمه الله) و الحاصل ان التعاريف المذكورة ان كانت تعاريف لفظية اكتفى فيها بالأعم فلا يحصل من شيء منها تمييز المعنى على وجه التحقيق بحيث لا يبقى شبهة كما هو اللازم في الموضوعات الشرعية و ان كان كل منها في مقام التعريف و التمييز على وجه التحقيق فهي متعارضة و لا دليل على تعيين شيء منها و (حينئذ) فاللازم على تقدير اختيار هذا المسلك هو الأخذ بالقدر المتيقن و الحكم بحرمته و الإجماع الذي ادعاه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) عن حرمته انّما هو من هذا الباب اعنى كونه متيقن الإرادة من لفظ الموضوع و متيقن الحكم عليه بالحرمة ثم يبنى في غيره من الأصناف (أيضا) على الحرمة ان بقي علم إجمالي بأن فيها ما هو غناء محرّم لكون الشبهة حكمية ناشئة عن عدم العلم بالموضوع الكلي الذي لا يعلم الخروج عن عهدة التكليف مع العلم بان فيما أقدم عليه من الأصناف ما هو من قبيل الموضوع الكلي الذي تحقق التكليف بالاجتناب عنه و لا يحصل يقين البراءة الا بالاجتناب عن جميع المحتملات نعم لو ارتفع العلم الإجمالي بأن فيما بقي ما هو من قبيل الغناء أو المنهي عنه كان البناء على البراءة و ثالثها ما سلكه (المصنف) (رحمه الله) و بيّنه في هذه العبارة و في قوله فيما سيأتي و كيف كان فالمحصل من الأدلّة المتقدمة حرمة الصّوت المرجع فيه على سبيل اللهو ثمّ ان بعض مشايخنا بعد ان اخبار المسلك الأول أعني الرجوع الى العرف و قال ان القدر المتيقن مما يحكم العرف بكونه غناء هو مد الصوت المرجع فيه المطرب بمعنى ان من شأنه الاطراب و كونه مقتضيا له لو لم يمنع عنه مانع من جهة قبح الصّوت أو غيره مع كونه اللهو فمن ينادى من هو بعيد عنه كما في الصحاري و الجبال لاعلامه بمدّ صوته و قد يشتمل على ترجيع و طرب بالمعنى الّذي ذكر لكن لا يعد غناء عرفا أورد على (المصنف) (رحمه الله) بوجه الأول ان جعل المعيار هو اللهو و الالتزام بأنه المحكوم عليه بالحرمة فإن كان الغناء مساويا له فهو و ان كان أخص لزم التعميم في الحكم بالتحريم بقدر صدق اللهو و ان كان أعم لزم قصر الحكم على ما هو لهو منه لا يلائم جعل الغناء بنفسه موضوعا و عنوانا في كلمات الأصحاب قديما و حديثا بحيث لم ينبه أحد على خلافه في كلمات أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) الا ترى إلى رواية الشّحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال الغناء عشّ النفاق و خبر نصر عنه (عليه السلام) انه قال المغنية ملعونة ملعون من أكل كسبها و المرسل ان أجر المغني و المغنية سحت و المرسل عنه (عليه السلام) عن الغناء فقال لا تدخلوا بيوتا اللّه تعالى معرض عن أهلها و خبر عنبسة عنه (عليه السلام) انه قال استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب

كما ينبت الماء الزرع و خبر الشحام عنه (عليه السلام) (أيضا) انه قال بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك و عن المقنع عنه (عليه السلام) ان شرّ الأصوات الغناء و عن الخصال مسندا اليه (عليه السلام) انه قال الغناء يورث النفاق و يعقب الفقر و رواية يونس قال قلت للخراساني (عليه السلام) (انتهى) و غير ذلك من الاخبار الثاني انه لم يرد في الاخبار تفسير الغناء باللهو و انما ورد تفسير اللهو و قول الزور بالغنا و المدار في الفهم انما هو على المفسر بالكسر لا على المفسر بالفتح و إذا كان الغناء الذي هو المفسر بالكسر مجملا صار اللهو المفسر بالغناء (أيضا) مجملا لان المفسر بالكسر يصير مبيّنا للمفسر بالفتح دون العكس فإذا صار المفسر مجملا سرى إجماله إلى المفسر بالفتح ففي رواية زيد الشحام قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله عز و جل وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال قول الزور الغناء و رواية الوشاء يقول سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء فقال هو قول اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ الثالث انه بعد الإغماض عن جهة التفسير ليس كل لهو في الشريعة محرما بل منه ما هو محرم و منه ما هو غير محرم كالاشتغال بالعدد و المسابقة به و الإنس في المجالس و الضحك و المشاعرة و أمثال ذلك و (حينئذ) نقول ان نفس لفظ اللهو مما هو من قبيل المجمل فلا يحصل به المقصود أقول الذي أراه ان (المصنف) (رحمه الله) كشف اللّه عن قلبه الغطاء عند تأمله في هذه الاخبار فنال ما هو مقصد أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) و انه ليس الغناء الا الصوت المرجع فيه الملهى ففي رواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال أقروا القران بألحان العرب و أصواتها و إياكم و لحون أهل الفسوق و أهل الكبائر فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجعون القران ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم فقد استفيد اعتبار الترجيع في الغناء من قوله (عليه السلام) يرجعون القران ترجيع الغناء و استفيد من تفريع قوله (عليه السلام) فإنه سيجيء أقوام يرجعون القران ترجيع الغناء على التحذير من لحون أهل الفسوق و أهل الكبائر ان الغناء عبارة عن الصوت المرجع فيه الذي هو من لحون أهل الفسوق و الكبائر و ليس مراده (رحمه الله) الا هذا فإن الملهى ليس الا ما يصد عن ذكر اللّه و الصوت الذي يصد عن ذكره (تعالى) مطابق للصوت الذي هو من لحون أهل الفسوق و في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول الغناء مما وعد اللّه عليه النار و تلا هذه الآية وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ و معلوم ان مراده (عليه السلام) ان إيعاد اللّه تعالى عليه النار ليس الا بهذه الآية و لا يتم الا بان يصدق على كلّ فرد من افراد الغناء انه لو الحديث حتى يندرج تحته فيشمله الإيعاد المرتب عليه و الا لم يكن مما وعد اللّه عليه النار بقول مطلق فيصير تلاوة الآية عقيب قوله (عليه السلام) الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار في قوة قوله كل غناء لهو الحديث و ينعكس بعكس النقيض الى ان كل ما ليس بلهو الحديث ليس بغناء و به يثبت المطلوب و اضافة اللهو الى الحديث يخرج سائر أفراد اللهو فلا يرد النقض بما هو من قبيل الأفعال محرمة كانت أو مباحة و انفصال الغناء عن سائر ما يندرج في مفهوم لهو الحديث كالقصص و الحكايات المجعولة المكذوبة واضح لانه قد علم من مفهوم الغناء و لو إجمالا معنى و هو كونه كلما يتغنى به و هو غير موجود في سائر أفراد مفهومه فهذا الحديث (أيضا) واف بالمطلوب خصوصا بعد انضمامه الى ما قبله و هو رواية ابن سنان و بعد ذلك نقول