غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج1

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
167 /
101

ان الموضوع الّذي حكم عليه بحكم في شيء من خطابات الشارع ان علم حقيقته من بيانه كان مقدما على سائر طرق المعرفة به قطعا و هو واضح و من هنا يعلم سقوط الإيراد الأول الّذي محصّله ان جعل الغناء بنفسه موضوعا ينافي جعل المعيار هو اللهو وجه السقوط ان (المصنف) (رحمه الله) لا يمنع من كون الغناء بنفسه موضوعا بل هو ملتزم به غاية ما في الباب انه يقول ان مناط الحكم بالحرمة في الغناء انما هو كونه لهو الحديث و باطلا من القول و هذا المناط مطابق للغناء و عينه فيكون تفسير الموضوع قد استفيد من بيان الشارع و ما ذكره من الأعميّة و الأخصيّة فإنما هو على سبيل الفرض كما صرّح به بل قد صرّح بكون الفرض غير محقق في الخارج و صرّح بان الغناء مساو للصوت اللهوي و الباطل فتدبر و امّا ما أورده ثانيا من حكاية تفسير الغناء باللهو بقول الزور ففيه ان تفسير الغناء باللهو لم يرد في خبر واحد فكيف بما زاد على ذلك فراجع الوسائل تجد ان اخبار اللهو على قسمين أحدهما مثل ما روى عن أبي جعفر (عليه السلام) و ابى عبد اللّه (عليه السلام) و ابى الحسن الرّضا (عليه السلام) في قول اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ انهم قالوا منه الغناء و ثانيهما مثل رواية مهران بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول الغناء ممّا قال اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ و معلوم ان شيئا من القسمين ليس من قبيل التفسير و اما رواية الوشاء السابقة فهي من هذا القبيل لان المراد بقوله (عليه السلام) هو قول اللّه عز و جلّ ليس الا انه مقصود بقول اللّه و هو أعم من كونه مقصودا على وجه التفسير و كونه مقصودا على جهة الانطباق و اما قول الزور فإنه و ان ورد فيه جملة من الاخبار ناطقة بأنّ قول الزور الغناء و ظاهره الحمل و التفسير الا انه ورد في رواية جماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال سئلته عن قول الزور قال منه قول الرّجل للذي يغني أحسنت فتصير قرينة على ان حمل الغناء عليه انما هو باعتبار الصّدق في الجملة و اما ما أورده ثالثا من ان جميع افراد اللهو ليس محرما في الشرع فإذا أحيل حرمة الغناء الى صدق اللهو فيصير مجملا ففيه ان مفهوم اللهو بنفسه ليس مجملا و انّما هو ما يصدّ عن ذكر اللّه و انقسامه الى قسمين لا يضر لان من المعلوم ان الغناء من قبيل المحرم فبمجرد اندراجه تحت لهو الحديث و كونه من مصاديقه لا يتصف إلا بالحرمة مضافا الى انه (رحمه الله) ذكر اللهو و الغناء معيارا و هو قياسه بآلات اللهو و الحاصل ان ما ذكره (رحمه الله) مما ليس عليه غبار و ان أبيت عن ذلك فلا مناص من الالتزام بالمسلك الثاني و أخذ القدر المتيقن منه و الرجوع فيما عداه إلى أصل البراءة أو الاشتغال على ما يقتضيه الحال و اما مسلك الرجوع الى العرف فلا يفضى هنا سالكه الى المطلوب البتة لعدم انضباطه و عدم تحصيل عنوان صحيح منه كما انه لا يحصل من كلام أهل اللغة و الفقهاء أمر مضبوط لكمال اختلافهم و عدم انتظام مقالاتهم و عدم انطباقها على دعوى واحدة

قوله و ان اختلف فيه عبارات الفقهاء و اللغويين فعن المصباح ان الغناء الصوت و عن أخر انه مد الصّوت

(انتهى) اعلم انه يستفاد من بعض التفاسير ان الغناء عبارة عن نفس الصوت كعبارة المصباح و كقول صاحب (البرقي) الغناء (كذلك) من الصوت ما طرب به و كذا ما عن السرائر و الإيضاح من انه الصوت المطرب و من بعضها أنه كيفية عارضة للصّوت مثل ما عن (القواعد) في كتاب الشهادات و بعض كتب اللغة من انه ترجيع الصّوت و مدّه و ما عن الشافعي من انه تحسين الصوت و ترقيقه و قد يكون لهذا الاختلاف اثر فإنه على تقدير اختيار كونه هيئة عارضة للصوت يمكن دفع حجة من قال بجواز الغناء في القرآن و مرثية سيّد الشهداء (عليه السلام) استنادا الى ان الغناء عبارة عن القول الباطل و شيء منهما لا يصدق عليه القول الباطل فيقال فيدفعها ان الغناء ليس هو نفس الصوت و انّما هو كيفية عارضة له فلا منافاة بين كون أصل الشيء حسنا و بين كون وصفه قبيحا هذا و بعد قطع النظر عن الاختلاف من هذه الجهة قد عرفت انهم اختلفوا في تعيين المسمى على أقوال كثيرة و خلافهم ذلك لو كان اختلافا حقيقيّا كان اللازم عند عدم إمكان الترجيح ان يلاحظ التفاسير فان كانت النسبة بينها هي العموم من وجه حكم بالتباين و ان كانت النسبة بينها هي العموم و الخصوص (مطلقا) أخذ بما هو الأعم بان يبنى على كونه هو الموضوع له لأوّل كلام المفسر بالأعم إلى قوله أدرى بوضعه لما زاد على الأخص و أول كلام المفسر بالأخص الى انى لا أدرى بوضعه لما زاد على الأخص و ان كانت النسبة هي العموم من وجه كما في الطرب و الترجيع أخذ بما هو الجامع بين النقلين (فيقال) انه موضوع لما اشتمل على أحد الوصفين ثم بعد الحكم بالاشتراك ان حصل هناك قدر متيقن من بين الافراد حكمت بثبوت حكم الحرمة له و حكمت فيما عداه بالرجوع إلى أصل الإباحة ان كنت ممن يرى الرجوع اليه و الى أصل الاحتياط ان كنت ممن يراه هذا كله بالنسبة إلى الشبهة الحكمية و اما بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية فمقتضى الأصل هو البراءة و لكن الخلاف المذكور ليس حقيقيا بمعنى كون المحكوم عليه بالحرمة عندهم شيء واحد قد وقع الاختلاف في التعبير عنه و فيما يعرفه و يوصل اليه ثم ان بعض من تأخر نسب الى صاحب المجمع انه ذكر ان للغناء معنيين أحدهما مد الصوت المشتمل على الترجيع و الثاني ما يسمى عليه في العرف غناء و أورد عليه بأنه قد اختلط عليه الأمر و ذكر ان منشأ ذلك ان الشهيد الثاني (رحمه الله) قال في الروضة الغناء بالمد و هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب أو ما يسمى في العرف غناء و ان لم يطرب (انتهى) و استظهر ان ليس مراد الشهيد الثاني (رحمه الله) دعوى إثبات معنيين بل مراده الإحالة على العرف لكن لما كان من الصوت الذي يسمى غناء عرفا ما هو معلوم متيقن من بين افراده بيّنه بقوله و هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب و لما كان من غير المطرب ما يسمى غناء (أيضا) لكن لا معيار له عنده فلا جرم احاله على العرف فالحاصل ان الغناء عنده ليس مما له معنيان أحدهما ما يسمى في العرف غناء كما زعمه صاحب المجمع ضرورة ان ليس للغناء الا معنى واحد اختلفوا في التعبير عنه أقول لا يخفى بعد التفسير المذكور من اللفظ و عندي ان مراده الإشارة إلى القولين في معنى الغناء كما هو دأب صاحب القاموس عند بيان اختلاف القولين من التعبير بلفظ أو فكأنه قال هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب كما يراه جماعة أو ما يسمى في العرف غناء و ان لم يطرب كما يراه بعضهم و الذي هداه الى التفسير المذكور هو تخيل ان الشهيد الثاني (رحمه الله) يريد بيان ما هو المختار عنده و يؤيد ما ذكرناه انه قال في (المسالك) الغناء بالمد مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب فلا يحرم بدون الوصفين اعنى الترجيع مع الاطراب و ان وجد أحدهما كذا عرفه جماعة من الأصحاب ورده بعضهم الى العرف فما سمى فيه غناء يحرم و ان لم يطرب و هو حسن انتهى

قوله و الأحسن من الكل ما تقدم من الصحاح

أراد (رحمه الله) بقوله ما تقدم من الصحاح تفسير الغناء بالسّماع فإنه لم يتقدم غيره بل قد راجعت الصحاح فليس فيها في مادة (غ ن ي) إلا قوله و الغناء بالكسر من السماع و في مادة (س م ع) الا قوله المسمعة المغنية و يشهد بكون المراد ذلك ما سيذكره (رحمه الله) من قوله و لقد أجاد في الصحاح حيث فسر الغناء بالسماع و هو المعروف عند أهل العرف

قوله و هذا القيد هو المدخل للصوت في افراد اللهو

أراد بالقيد الخفة المقرونة بالسرور أو الهم كما عن الأساس و بشدتهما كما عن الصحاح كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام

قوله و لعل هذا (أيضا) دعى صاحب

102

مفتاح الكرامة إلى زعم أن الإطراب في تعريف الغناء غير الطرب المفسر في الصحاح بخفة لشدة سرور أو حزن و ان توهمه صاحب مجمع البحرين و غيره من أصحابنا

قال في مجمع البحرين الطرب بالتحريك خفة تعتري الإنسان لشدة حزن أو سرور و العامة تخصه بالسرور يقال طرب طربا من باب تعب فهو طرب اى مسرور و إبل طرّاب؟؟؟ و هي التي تتسرع إلى أوطانها و التطريب في الصوت مده و تحسينه انتهى

قوله غير الطرب بمعنى الخفة لشدة حزن أو سرور كما توهمه صاحب مجمع البحرين و غيره من أصحابنا

التوهم هنا ليس بمعنى الغلط و ان كان (الظاهر) ذلك في العبارة السابقة و انّما هو بمعنى مطلق الاعتقاد و ليس ذلك امرا بديعا فقد قال في المصباح وهمت وهما وقع في خلدي و الجمع أوهام و شيء موهوم و توهمت اى ظننت و وهم في الحساب يوهم و هما مثل غلط وزنا و معنى انتهى

قوله و كان هذا هو الذي دعى الشهيد الثاني (رحمه الله) الى ان زاد في الرّوضة و (المسالك) بعد تعريف المشهور قوله أو ما يسمى في العرف غناء و تبعه في مجمع الفائدة و غيره

لا يخفى ان عبارة (المسالك) على ما تقدم لم تشتمل الا على نقل القولين و ان ما ذكره من الزيادة في عبارة الروضة مبنى على ان المراد بها ما تقدم عن بعض من تأخر و قد عرفت الصواب فلا نعيد و قد تقدم ذكره عبارة مجمع الفائدة فراجع تجدها حاكية للقولين مع حكمه بكون القول بالتحديد أشهر

قوله فانطبق على (المشهور) إذا الترجيع تقارب ضروب حركات الصوت و النفس فكان لازما للإطراب و التطريب

(المشهور) هو تفسير الغناء بمد الصّوت المشتمل على الترجيع و لما كان انطباقها على المشهور باعتبار تفسير الصّحاح للتطريب غير واضح من حيث عدم تفسيره له بالترجيع بخلاف تفسير المصباح أراد ان يبين انطباقها على (المشهور) على تفسير الصّحاح (أيضا) فلذلك علله بقوله إذا الترجيع تقارب ضروب حركات الصّوت و النفس (انتهى) يعنى ان الترجيع المذكور في التفسير المشهور لما كان عبارة عن فعل صاحب الصوت و هو تقارب ضروب حركات الصوت و النفس بفعله و إرادته كان مستلزما للتطريب الّذي فسره في الصّحاح بالتحسين الّذي هو فعل صاحب الصّوت (أيضا) و ان لم يكن مستلزما و لا لازما لنفس حسن الصوت الّذي هو صفة الصّوت بإيجاد اللّه تعالى له على تلك الصفة و ذكر الاطراب مع التطريب باعتبار كونه مرادفا له كما دلّ عليه كلام صاحب القاموس حيث فسّر الاطراب و التطريب و التطرب بالتغنّي و بما ذكرنا علم ان مراده (رحمه الله) بقوله فكان لان ما للإطراب و التطريب انّما هو المعنى اللغوي من قولهم لزمه بمعنى تعلق به قال في المصباح لزمته ألزمه تعلقت به انتهى و ليس المراد به اللازم الّذي وقع عليه الاصطلاح و هو التابع الّذي لا ينفك كما وقع الاصطلاح على التعبير عن المستتبع بالمستلزم و عن المتبوع بالملزوم

قوله و الا لزم الاشتراك اللفظي مع انهم لم يذكروا للطرب معنى أخر ليشتق منه لفظ التطريب و الاطراب

يريد انه لو لم يكن المراد بالإطراب و التطريب إيجاد هذه الحالة لزم الاشتراك و هو باطل من وجهين أحدهما انه مخالف للأصل و لم يصرّح به اكتفاء بما هو واضح عند كل من له حظّ يسير من العلم بطريقة العلماء و من مخالفته للأصل و لذلك تعارف بينهم ذكره في أمثال المقام من دون تعرض لوجه بطلان اللازم و ثانيهما ما هو بمنزلة الترقي عن الوجه الأوّل و هو انه لا مجال للالتزام به حتى مع قطع النظر عن مخالفته للأصل و هو انه لم يوجد هنا معنى أخر حتى يمكن القول بالاشتراك إذ لو كان هناك معنى أخر لتعرضوا لذكره فقد علم بما ذكرناه من البيان ان قوله (رحمه الله) مع انهم لم يذكروا ليس اعتراضا مستأنفا مستقلا على ما ذكره صاحب مفتاح الكرامة

قوله مضافا الى ان ما ذكر في معنى التطريب

(انتهى) هذا اعتراض ثان على ما حكاه عن مفتاح الكرامة و محصله إمكان ان يكون المراد بالتطريب إيجاد سبب الخفة فلا يبقى وجه لجزمه بان المراد بالتطريب في تعريف الغناء غير الطرب المفسر بالخفة

قوله مع انه لا مجال لتوهم كون التطريب بمادته بمعنى التحسين و الترجيع إذ لا يتوهم أحد كون الطرب بمعنى الحسن و الرّجوع أو كون التطريب هو نفس المد فليست هذه الأمور إلا أسبابا للطرب يراد من إيجاده فعل هذه الأسباب

ليس هذا الكلام اعتراضا مستقلا على ما حكاه عن مفتاح الكرامة و انما هو ترق من إمكان إرادة إيجاد سبب الخفة إلى لزوم إرادته و عدم إمكان إرادة غيره نظرا إلى انه لا مجال لتوهم كون التطريب بمادته التي أخذ منها بمعنى التحسين لتوقف ذلك على كون المادة التي أخذ منها و هي الطرب بمعنى الحسن و الرجوع و لم يقل به أحد و انه لا مجال لتوهم كون التطريب هو نفس المد بالوضع الأصلي فيعلم من ذلك ان معنى التطريب و الإطراب انما هو إحداث الخفة و انّ تسمية مد الصوت و ترجيعه و تحسينه تطريبا انما هي من جهة كونها أسبابا للطرب و بعبارة أخرى معنى التطريب و الإطراب انما هو إيجاد سبب الخفة و هذه الأمور مصاديق للأسباب فأطلق عليها و قد علم من البيان الذي ذكرناه ان قوله ان كون التطريب هو نفس المد عطف على ما أضيف إليه بلفظ التوهم المجرور باللام و الا كان حق العبارة ان يقول (المصنف) (رحمه الله) إذ لا مجال لتوهم كون التطريب بمادته بمعنى التحسين و الترجيع و المد إذ لم يتوهم أحد كون الطرب بمعنى الحسن و الرجوع و الامتداد فتدبر

قوله مضافا الى عدم إمكان ارادة ما ذكر من المد و التحسين و الترجيع من المطرب في قول الأكثر ان الغناء مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب كما لا يخفى

هذا اعتراض ثالث على ما حكاه عن مفتاح الكرامة و وجه عدم إمكان إرادة ما ذكر واضح فان الترجيع ليس فاعلا للمد و التحسين و الترجيع و قد جعل المطرب في كلامهم صفة للترجيع

قوله مع ان مجرد المد و الترجيع و التحسين لا يوجب الحرمة قطعا لما مر و سيجيء

من ان مقتضى الأدلة انما هو حرمة اللهو و مجرد مد الصوت و ترجيعه و تحسينه لا يكون لهوا و هذا بخلاف الحالة التي هي الخفة فإنها لهو فيكون الصوت الذي هو سبب لإيجادها مهليا فيحرم بحكم الأدلة

قوله و قد تقدم في رواية محمد بن ابى عباد

يعنى انه تقدم ذكر السماع في تلك الرواية لا تفسير الغناء به كما يوهمه العبارة في بادى النظر إذ ليس اثر من تفسيره به كما عرفت متنها في كلام (المصنف) (رحمه الله)

قوله فان اللهو كما يكون بآلة من غير صوت كضرب الأوتار

(11) يعنى من غير تصويت من الإنسان الفاعل لذلك الفعل و منه يعلم معنى لفظي الصوت الاتى ذكرهما في العبارة

قوله و لحضور ما يستلذه القوى الشهوية من كون المغنّي جارية أو أمرد أو نحو ذلك

(12) حق العبارة ان يقال و لحضور ما يستلذه القوى الشهوية من جارية أو أمرد أو نحو ذلك بإسقاط لفظي كون المغني المضاف و المضاف إليه لأن كون المغني جارية أو أمرد غير صالح لصيرورته بيانا للموصول باعتبار كونه فاعلا للحضور المضاف اليه

قوله و مراتب الوجدان مختلفة في الوضوح و الخفاء فقد يحسّ بعض الترجيع من مبادي الغناء و لم يبلغه

(13) المناسب لتفريع قوله فقد يحسّ بعض على اختلاف مراتب الوجدان ان يكون الفعل مبنيا للفاعل و يكون بعض بالرفع و التنوين فيكون عبارة عن الشخص يعنى انه قد يحسّ بعض الأشخاص الترجيع قبل بلوغه حد الغناء و ذلك لان الوجدان صفة الشخص و يحتمل ان يكون الفعل مبنيا للمفعول و يكون لفظ بعض مضافا الى الترجيع نائيا عن الفاعل و هذا أعم و أشمل من الأول باعتبار ان الشخص الواحد قد يختلف عليه الحال في إدراك الترجيع و على هذا فلا بد من ان يكون الوجدان مصدرا بمعنى المفعول أو مبنيا

103

للمفعول و هو المناسب لتقييد اختلاف مراتب الوجدان بالوضوح و الخفاء فافهم

قوله و ظهر ممّا ذكرنا انه لا فرق بين استعمال هذه الكيفية في كلام حق أو باطل

وجه الظهور انّه استفاد من الأدلة كون مناط التحريم هي الكيفية اللهوية الباطلة دون كلام الباطل كما عرفت

قوله امّا الأوّل فلأنه حكى عن المحدث الكاشاني (رحمه الله) انه خصّ الحرام منه بما اشتمل على محرم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو و دخول الرجال و الكلام بالباطل و الا فهو في نفسه غير محرم

لا يخفى ان ظاهر صدر الكلام اعنى قوله خص الحرام منه بما اشتمل على محرم منافر لكون الشبهة في أصل حرمة الغناء بنوعه بل مقتضاه دخول مذهب المحدث المذكور في القسم الثالث لكن ذيل الكلام و هو قوله و الا فهو في نفسه غير محرم هو المقصود بالبيان و الإفادة و (حينئذ) يناسب الانطباق على الأول لكن يبقى شيء و هو ان عدم التحريم في نفسه محتمل لوجهين أحدهما عدم اتصاف الغناء بالحرمة عند المحدث المذكور أصلا و المتصف بالتحريم انما هو ما اقترن به من الملهيات فيكون النهى عن تلك المجالس و عن الغناء باعتبار لزوم الاجتناب عما اقترن به و من جهة حرمته و الا فهو غير محرم أصلا و على هذا لا إشكال في انطباق مذهب المحدث المذكور على القسم الأوّل و هو نفى حكم التحريم عن الغناء و ثانيهما عدم اتصاف الغناء بالحرمة بحسب الذات لكنه تعرضه الحرمة بعد ذلك باعتبار اقترانه بالملهيات و الأباطيل نظير عروض التحريم للأمور المباحة التي هي مقدّمات للحرام و أشبه شيء بحرمة الغناء (حينئذ) حرمة الأكل على مائدة يشرب عليها الخمر فإنه بمجرد شرب الخمر على تلك المائدة يحرم الأكل عليها حتى في حق غير شارب الخمر و قد كان الأكل عليها مباحا بالأصل و على هذا فالغناء (أيضا) قد اتصف بالتحريم كالملهيات الا ان تحريمه بالعرض فيكون الغناء معاقبا عليه كما ان كلا من الملهيات الأخر معاقب عليها في حد ذواتها و هذا بخلاف الوجه الأول إذ بناء عليه لا يترتب العقاب على نفس الغناء و انما هو على الملهيات الأخر و على هذا فانطباق مذهب المحدث المذكور على القسم الأوّل و هو نفى حكم التحريم عن الغناء باعتبار عدم حرمة شيء من اقسامه بالذات و ان عرض بعض أفراده الحرمة فنفى الحرمة عنه (مطلقا) انّما هو بسبب انتفائها عنه بالذات (مطلقا) و لكن (المصنف) (رحمه الله) فهم من كلام المحدث المذكور (رحمه الله) و من كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) الوجه الأول كما صرّح به فيما يأتي بقوله نعم بعض كلماتهما ظاهرة فيما نسب إليهما من التفصيل في الصوت اللهوي الذي ليس عند التأمل تفصيلا بل قولا بإطلاق جواز الغناء و انه لا حرمة فيه أصلا و انما الحرام ما يقترن به من المحرمات هذا و لكن لا يذهب عليك ان ظاهر كلام المحدث المذكور هو الوجه الثاني الا ترى الى قوله اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء بما كان على النحو المتعارف (انتهى) فان ظاهره ان الغناء متصف بالحرمة لأن الحرام انما هو ما اقترن به و كذا قوله بعد ذلك دون ما سوى ذلك من أنواعه و كذا قوله و بالجملة فلا يخفى على أهل الحجى بعد سماع هذه الاخبار تميز حق الغناء عن باطله و مثله كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) الا ترى الى قوله و الشائع في ذلك الزمان الغناء على سبيل اللهو الى ان قال فحمل المفرد المعرف يعنى لفظ الغناء على تلك الأفراد الشائعة في ذلك الزمان غير بعيد و كذا قوله ان فيه إشعارا بأن منشأ المنع في الغناء هو بعض الأمور المحرمة المقترنة به

قوله و المحكي من كلامه في الوافي انه قال بعد حكاية الأخبار التي يأتي بعضها و تقدم جملة منها

و ينبغي نقل كلامه (رحمه الله) بتمامه ليكون الناظر على بصيرة فنقول قال في أخر باب كسب المغنية و شرائها و ما جاء في الغناء بعد ذكر جملة وافية من الاخبار التي أخرها رواية الفقيه المتضمنة لقوله (عليه السلام) ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة ما صوته و يستفاد منه ان مد الصوت و ترجيعه بأمثال ذلك ليس بغناء أو ليس بمحظور و في الأحاديث التي مضت في باب ترتيل القران بالصّوت الحسن من كتاب الصّلوة دلالة على ذلك و الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة فيه اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء كلها بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بنى أميّة و بنى العباس من دخول الرجال عليهن و تكلمهن بالأباطيل و لعبهن بالملاهي من العيدان و القصب و غيرها دون ما سوى ذلك كما يشعر به قوله (عليه السلام) ليست بالتي يدخل عليها الرجال قال في الاستبصار بعد نقل ما أوردناه في أول الباب الوجه في هذه الاخبار الرخصة فيمن لا يتكلم بالأباطيل و لا يلعب بالملاهي و العيدان و أشباهها و لا بالقصب و غيره بل يكون ممن يزف العروس و يتكلم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد عن الفحش و الأباطيل و اما ما عدا هؤلاء ممن يتغنين بسائر أنواع الملاهي فلا يجوز على حال سواء كان في العرائس أو غيرها و يستفاد من كلامه ان تحريم الغناء انما هو لاشتماله على أفعال محرمة فان لم يتضمن شيئا من ذلك جاز و (حينئذ) فلا وجه لتخصيص الجواز بزفّ العرائس و لا سيما و قد ورد الرخصة به في غيره الا ان يقال ان بعض الأفعال لا يليق بذي المروات و ان كان مباحا فالميزان فيه حديث من أصغى الى ناطق فقد عبده و قول ابى جعفر (صلوات اللّه عليه) إذا ميز اللّه بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء و على هذا فلا بأس بسماع التغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة و النار و التشويق الى دار القرار الى أخر ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) و ذلك تمام كلامه و (الظاهر) ان غرضه من ذكر عبارة الاستبصار هو دعوى كون الشيخ (رحمه الله) موافقا له في المذهب و هي دعوى ممنوعة لأن قوله (رحمه الله) بل كان ممن يزف العروس دليل على ان مراده من قوله لا يتكلم بالأباطيل ليس استثناؤه (مطلقا) بل مراده استثناء من لا يتكلم بالأباطيل مع كونه ممن يزف العروس و حاصله استثناء خصوص الغناء في العروس إذا لم يكن فيه تكلم بالباطل و غيره و اين هذا من إطلاق القول بكون الغناء إذا لم يقترن بالملاهي و الأباطيل جائزا أو القول بكون المحرم هي الأباطيل المقترنة بالغناء و كونه بنفسه جائزا كما هو المحتمل الأخر في مذهبه على ما تقدم فتحصل من ذلك ان ليس الشيخ (رحمه الله) موافقا له كما انه قد قيل انه لا موافق له سوى صاحب الكفاية من علماء الإسلام إلا الغزالي على ما حكى عنه هذا و قد أورد عليه بوجه الأول ان ما ذهب اليه مخالف للإجماع بل الضرورة من مذهبنا أو الدين كما عرفت دعويها من صاحبي الجواهر و المستند (قدس سرّهما) فلا بد من طرح ما خالف الإجماع من الأدلة أو تأويله الثاني انه مع اعترافه بكون التغني و الاشتغال بالملاهي متعارفين في زمان صدور الاخبار كيف لا يحمل الأخبار المجوزة على التقية و ما اعترف به قرينة واضحة على ذلك الثالث ان استثناء غناء المغنية في العرايس إذا لم يدخل عليها الرجال دليل على حرمة الغناء بحسب الذات و ان كونه في العرس وصف عرضي أوجب خروجه عما هو عليه بحسب الأصل فكيف غفل عن ذلك و استشهد به على جواز الغناء إذا لم يقترن بالمحرم الخارجي و لا يتوهم ان الحكم الصادر من المعصوم (عليه السلام) ليس بصورة الاستثناء حتى يفيد ذلك لأنا نقول انه و ان لم يكن بصورة الاستثناء الا انه في معناه فإنه (عليه السلام) قال أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال ثم انه قد يستند للقول بالجواز انتصار للقائل به بالأصل بعد حمل النصوص المانعة على خصوص

104

ما كان مقترنا بالمحرمات الخارجيّة امّا لانه المعهود المتعارف في زمان الصدور لكونه معمولا فيما بين ملوكهم و رؤسائهم على ذلك الوجه الذي هو الجمع بينه و بين البرابط و المزامير و الدفوف بل شرب الخمر أو لعدم صدق الغناء على قراءة القران و المرثية و نحوهما (مطلقا) أو لمعارضتها بعموم ما دل على استحباب الترجيع و التغني و تحسين الصّوت و قراءة القران و نحوها كخبر ابى بصير قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إذا قرت القران فرفعت به صوتي جاءني الشيطان فقال لي إنما ترائي بهذا أهلك الناس فقال (عليه السلام) اقرء بين القرائتين تسمع أهلك و رجع بالقرآن صوتك فان اللّه يحب الصّوت الحسن يرجع به ترجيعا و خبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال من أجمل الجمال الشعر الحسن للمرأة و نعم النعمة الصّوت الحسن و رواية عبد اللّه بن سنان عن (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال لكل شيء حلية و حلية القران الصّوت الحسن و قال (صلى الله عليه و آله و سلم) لم تعط أمتي أقل من ثلثا الجمال و الصوت الحسن و الحفظ و عنه (عليه السلام) انه قال اوحى اللّه الى موسى (عليه السلام) إذا وقفت بين يدي فقف موقف الذليل الفقير و إذا قرأت التورية فأسمعنيها بصوت حزين و المرسل عنه (عليه السلام) قال ان القران نزل بالحزن فأقرؤه بالحسن و المرسل الأخر عنه (عليه السلام) قال ما بعث اللّه تعالى نبيا الأحسن الصّوت و الأخر عنه (عليه السلام) كان على بن الحسين (عليه السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن و كان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون قرائته و كان أبو جعفر (عليه السلام) أحسن الناس صوتا و قال معاوية له (عليه السلام) ان الرجل لا يرى انه صنع شيئا في الدعاء و في القران حتى يرفع صوته قال (عليه السلام) لا بأس ان على بن الحسين (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتا بالقرآن فكان (عليه السلام) يرفع صوته حتى يسمعه أهل الدار و إن أبا جعفر (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتا بالقرآن فكان إذا قام الليل و قرء رفع صوته فيمرّ به مار الطريق من السّقائين و غيرهم فيقيمون فيستمعون الى قرائته و رواية على قال ذكر الصّوت عند ابى الحسن (عليه السلام) فقال ان على بن الحسين (عليه السلام) كان يقرء القران فربما مر به المار فصعق من حسن صوته و ان الامام (عليه السلام) لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه الحديث و عن الرضا (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصّوت يزيد القران حسنا و عن قرب الاسناد عن على عن أخيه (عليه السلام) عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح قال (عليه السلام) لا بأس به ما لم يعص به و نحوه عن كتابه الا انّه (عليه السلام) قال ما لم يؤمر به قال بعض المعاصرين اى بعدمه فيرجع الى سابقه و ربما حكى عن كتابه ما لم يزمر به و لعله الصواب و عن مجمع البيان عن سعد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال ان القران نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا و ان لم تبكوا فتباكوا و تغنوا به فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا و يتم المطلوب بضميمة عدم القول بالفصل و ما دلّ على جواز شراء الجارية المغنية و بيعها كخبر عبد اللّه قال قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها و أبيعها من النصارى فقال (عليه السلام) اشتر و بع قلت فانكح فسكت عن ذلك قليلا ثم نظر الىّ و قال شبه الإخفاء هي لك حلال فقلت له (عليه السلام) فاشترى المغنّية و الجارية تحسن أن تغني أريد بها الرزق لا سوى ذلك قال اشتر و بع و أنت خبير بان هذه الاخبار قاصرة عن معارضة الأخبار الدالة على التحريم عددا و دلالة و اعتضادا بالشهرة و الإجماع فلا محيص عن طرحها أو حملها على التقية أو على الترجيع الذي ليس بغناء هذا بالنسبة الى ما ليس بظاهر فيما لا مساس له بمطلوب المجوز بحسب (الظاهر) مثل قوله (عليه السلام) ما بعث اللّه نبيا الأحسن الصّوت فإن النسبة بين حسن الصّوت و الغناء عموم من وجه فلا يدل مدح حسن الصّوت على جواز الغناء الا ان يقال ان المجوز زعم ان الغناء عبارة عن حسن الصّوت أو مطلق الترجيع و (حينئذ) لا بد من التفصيل هذا

مضافا الى ان المفصل بين القران و نحوه و بين ما عدا ذلك موجود فلا يتم مطلوبه بعدم القول

قوله و لذا لو قلنا بإباحته فيما يأتي كنا قد خصصناه بالدليل

لا يخفى ما في هذا الاستشهاد من الركاكة فإن التخصيص بالدليل ليس امرا ظاهرا مستقلا بنفسه حتى يستشهد بوجوده على كون صوت المغنية التي تزف العرائس على سبيل اللهو بل هو أمر معنوي عرضي تابع و لازم للالتزام بكون صوت المغنية المذكورة على سبيل اللهو بعد القول بان الغناء عبارة عن الصّوت الملهي فإن تم الأمر ان لزم التخصيص و الا فلا فتدبّر

قوله و نسب القول المذكور الى صاحب الكفاية (أيضا)

أراد بالقول المذكور القول بان الغناء في نفسه ليس محرما و انما يعرضه التحريم بسبب الاقتران بالملاهي كما هو مذهب المحدث الكاشاني و وجه نسبته الى صاحب الكفاية مع انه أخذ الكلام بعنوان خاص و هو التغني بالقرآن هو انه قال ان منشأ المنع عن الغناء هو بعض الأمور المقترنة به كالالتهاء و غيره و قال في أخر كلامه المذكور في المتن فإذا لا ريب في تحريم الغناء على سبيل اللهو و الاقتران بالملاهي و نحوهما ثم ان ثبت إجماع في غيره و إلّا بقي حكمه على الإباحة هذا و لكن المعروف بين المتأخرين عن صاحب الكفاية هو نسبة استثناء الغناء في القران اليه و معلوم انه فرع الالتزام بحرمة الغناء بحسب الأصل حتى انه خرج عن تحته ما لو لا الاستثناء لبقي على حكم الأصل و هو التغني بالقرآن و ممن سلك في النسبة إليه هذا المسلك المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي المسالك فإنه عبّر بالاستثناء و أنكر عليه بما أنكر و حرر أدلته على ما ينطبق على المسلك المذكور و عقبها بالرد و لا بأس بأن نأتي بكلامه بعينه لاشتماله على ما لا يخلو الاطلاع عليه عن فائدة قال (رحمه الله) و صاحب الكفاية استثنى الغناء في القران و سمعت ان الفضلاء كتبوا رسائل كثيرة أزيد من عشرين رسالة ردا عليه كلهم تلامذة وحيد عصره و فريد دهره آقا حسين الخوانساري (رحمه الله) كلهم كانوا من أوحدي الزمان و قد عرفت ان أحدا من فقهائنا ما استثنى هذا بل المحقق و جماعة ممن تأخر عنه حكموا بحرمة الغناء في القران و استدل في الكفاية بما دلّ على الأمر بقراءة القران على سبيل الحزن و فيه انه لا دلالة على ما ذكره لا مطابقة و لا تضمنا و لا التزاما و برواية عبد اللّه بن سنان أقروا القران بألحان العرب و أصواتهم و فيه (أيضا) ما ذكرناه و بروايات تدل على حسن حسن الصّوت و فيه (أيضا) ما ذكرنا مع انه لو استلزم حسن الصوت الغناء لزم جواز الغناء بل و حسنه في غير القران (أيضا) بل و (مطلقا) لما دل على حسن حسن الصوت (مطلقا) مثل رواية عبد اللّه بن سنان عن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يعط أمتي أقل من ثلث الجمال و الصوت الحسن و الحفظ و في رواية أخرى ما بعث اللّه نبيا الا حسن الصوت و من العجائب استدلاله بهاتين الروايتين (أيضا) و برواية الباقر (عليه السلام) رجع بالقرآن صوتك فان اللّه يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا و فيه ان بين الترجيع و الغناء عموما و خصوصا من وجه و قد ورد النهى عن الغناء خصوصا في القران مثل رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال أقروا القران بألحان العرب أو أصواتها و إياكم و لحون أهل الفسق و الكبائر فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجعون القران ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية الحديث و في بعض الاخبار في ذكر أشراط الساعة و يتغنون بالقرآن و استدل ايضا بما رواه العامة عن سعد بن ابى وقاص قال سمعت الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) قال تغنوا بالقرآن فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا و السند كما ترى و كذا الدلالة لظهورها في وجوب التغني و ذلك يؤيد كون المراد استغنوا بالقرآن اما بملاحظة آية فوربّ السّماء و الأرض انه لحق أو بملاحظة آية

105

و من يتق اللّه يجعل له مخرجا الآية بارتكاب التقوى و التوكل أو المراد اقنعوا بالقرآن عن تحصيل الدنيا المذمومة أو احفظوا أنفسكم عن الخفة و الاستخفاف بالقرآن فتأمل و استدل (أيضا) ما روى في الفقيه ان رجا سئل على بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها صوت فقال ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة و السّند كما ترى و كذا الدلالة مع انّها لو تمت لا اختصاص له بالقرآن قال في الفقيه بعد الرواية يعني بقراءة القران و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء و امّا الغناء فمحظور انتهى هذا كلامه (رحمه الله) و حكى عن صاحب الكفاية (رحمه الله) الحكم باستحباب التغني بالقرآن و قد اشتمل كلام المحقق المذكور على انفراده في الحكم بالجواز و لكن قد يستظهر من المجمع و غيره ثم انه قد يحرر الاستدلال على ذلك و الجواب عنه بوجوه أخر و هو ان حجة الجواز اما ان يكون هو الأصل مع عدم شمول الغناء التغني بالقرآن و اما ان يكون هي النصوص الدالة على الترجيع بالقرآن و ما يقرب منها ممّا تقدم و أنت خبير بعدم نهوض شيء منهما للدلالة على المطلوب امّا الأول فلانه لا مجال لإنكار صدق الغناء عليه و اما الثاني فلقصور تلك الاخبار عن معارضة العمومات الناهية عن الغناء من جهة اعتضاد دلالتها بالتصريح في بعضها بكون الغناء من الباطل و من لهو الحديث و قول الزور المفسر بالباطل كما عرفت بيان ذلك و بالعقل على مذاق من يرى استقلاله بل هو بنفسه دليل مستقل على مذاقه و إنكار شمولها للغناء في القران مكابرة و اعتضاد أسانيدها بالشهرة مضافا الى الاخبار الخاصة كرواية ابن سنان المتقدم ذكرها المشتمل على قوله (عليه السلام) فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجعون القران ترجيع الغناء و ما عن تفسير على بن إبراهيم مسندا إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال من أشراط السّاعة إضاعة الصّلوة و اطباع الشهوات و الميل إلى الأهواء فعندها يكون أقوام يتعلمون القران لغير اللّه و يتخذونه مزامير و يتغنون بالقرآن أولئك يدعون في ملكوت السّموات الأرجاس الأنجاس و من هنا يعلم ان لا مجال للتمسك بالأصل مضافا الى ما عرفت الإشارة إليه في التنبيهات السّابقة من ابتناء الأصل على عدم دلالة الأخبار الناطقة بحرمة الغناء بقول (مطلقا) على العموم و الا فيصير مقتضى الأصل حرمة الغناء و يحتاج الاستثناء الى دليل خاص مخرج

قوله بناء على دلالة الروايات على استحباب حسن الصّوت و التحزين و الترجيع

يعنى بناء على كون الروايات التي يستفاد منها مدح الأمور المذكورة مسوقة لبيان استحبابها الشرعي لا مجرّد كونها أمور مرغوبة في أنظار أهل العقول أو عند الشّارع على وجه لا يبلغ درجة المطلوبية

قوله و (الظاهر) ان شيئا منها لا يوجد بدون الغناء

يعنى ان شيئا من حسن الصوت و التحزين به و الترجيع به لا يوجد بدون الغناء و لكنك خبير بما يتوجه عليه من المنع

قوله بل ظاهر أكثر كلمات المحدث الكاشاني (رحمه الله) (أيضا) ذلك لأنه في مقام نفى التحريم عن الصوت الحسن المذكور لأمور الآخرة المنسي لشهوات الدنيا

فيه انه ليس في كلام المحدث المذكور من ذكر الصّوت الحسن عين و لا اثر و العبارة التي ساقها لبيان هذا المدعي الذي أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) مصدرة بلفظ التغني حيث قال لا بأس بالتغنّي بالاشعار المتضمنة بذكر الجنة و النار (انتهى) و معلوم ان لفظ التغني لو لم يكن ظاهرا في المشتمل على الترجيع و نحوه فليس ظاهرا في مجرد الصّوت الحسن الخالي عن ذلك فافهم

قوله لكن المنصف لا يرفع اليد عن الإطلاقات لأجل هذا الاشعار خصوصا مع معارضته بما هو كالصّريح في حرمة غناء المغنية و لو لخصوص مولاها كما تقدم من قوله (عليه السلام) قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلا ثمن الكلب فتأمل

(الظاهر) ان الأمر بالتأمل للإشارة إلى ان معارضة الحديث المذكور بما دل على حرمة غناء المغنية و لو لخصوص مولاها مبنية على إطلاق دعوى المحدث المذكور اباحة الغناء الخالي عن اقتران الملهيات به فلا تكون تلك المعارضة سببا لسقوط الاستدلال بما دل على جواز غناء المغنية في الأعراس على استثنائه من حكم حرمة الغناء كما فعله الأكثر و ذلك لعدم معارضته بالنسبة إلى مورده الذي هو عبارة عن غناء الأعراس بما دل على حرمة غناء المغنية لموليها لتغاير الموردين فيصح ان يكون أحدهما في حد ذاته محكوما عليه بالحرمة و الأخر محكوما عليه بالإباحة

قوله و امّا الثالث و هو اختصاص الحرمة ببعض افراد الموضوع فقد حكى في جامع المقاصد قولا باستثناء الغناء في المراثي

اعلم ان استثناء الغناء في المراثي و ان حكى قولا الا ان المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) قد حكم بشذوذه في حواشي المسالك و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد الكلام على استثناء الحداء و غناء المغنية في الأعراس ما نصه و قد استثنى مراثي الحسين (عليه السلام) (أيضا) و دليله (أيضا) غير واضح و لعل دليل الكل انه ما ثبت الإجماع إلا في غيرها و الأخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم (مطلقا) و الأصل الجواز فما ثبت تحريمه يحرمه و الباقي يبقى فتأمل فيه ثم قال و يؤيده ان البكاء و التفجع عليه (عليه السلام) مطلوب و مرغوب و فيه ثواب عظيم و الغناء معين على ذلك و انّه متعارف دائما في بلاد المسلمين في زمن المشايخ الى زماننا هذا من غير نكير و هو يدل على الجواز غالبا و يؤيده جواز النياحة بالغناء و جواز أخذ الأجرة عليها الصحيحة أبي بصير قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت و رواية حنان بن سدير قال كانت امرأة معنا في الحي و لها جارية نائحة فجائت الى ابى فقالت يا عم أنت تعلم أن معيشتي من اللّه ثم من هذه الجارية النائحة و قد أحببت أن تسئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك فان كان حلالا و الّا بعتها و أكلت من ثمنها حتى يأتي اللّه عز و جل بالفرج فقال لها ابى و اللّه انى لأعظم أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ان اسئله عن هذه المسئلة قال فلما قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أ تشارط قلت و اللّه ما أدرى تشارط أم لا قال قل لها لا تشارط و تقبل كل ما أعطيت و لا يضر القول في حنّان بأنه واقفي و عدم التصريح بتوثيقه و حمل مضمرة سماعة قال سالته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه على الكراهة مع الشرط للجمع الى ان قال و يؤيده ان التحريم للطرب على (الظاهر) و لهذا قيد بالمطرب و ليس في المراثي الطرب بل ليس الا الحزن و أكثر هذا يجري في استثناء مطلق المراثي و كأنه ترك للظهور و بالجملة عدم ظهور دليل التحريم به و الأصل و أدلة جواز النياحة (مطلقا) بحيث يشمل الغناء بل (الظاهر) انها لا تكون الا معه يفيد الجواز و اللّه يعلم انتهى و (الظاهر) ان المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) أشار الى ما ذكره أولا من الدّليل حيث قال و ربما استدل بعض بعموم ما دل على فضيلة البكاء و الإبكاء و ان بين هذا العموم و عموم حرمة الغناء عموما من وجه يصحّ تخصيص كل منهما بالاخر و الأصل الجواز انتهى و في المستند أيد القول بالجواز بعد التمسك بالأصل و تأييده بعمل الناس في الأعصار و الأمصار من غير نكير بقول الصادق (عليه السلام) لمن انشد عنده مرثية اقرء كما عندكم اى بالعراق و ربما كان له سابق فان المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) قال في حواشي (المسالك) و منهم من استثنى مراثي الحسين (عليه السلام) و دليله غير ظاهر و ربما اعتذر بان الصادق (عليه السلام) قال لمنشد يقرء مراثيه عنده اقرء كما انك تقرء عندك اى بالعراق انتهى و بأنه معين على البكاء فهو اعانة على الخبر و القول بان المسلم هو اعانة الغناء على مطلق

106

البكاء و كونه خيرا ممنوع و اما كونه معينا على البكاء على الحسين (عليه السلام) فهو غير مسلم فإنه انما يكون باعتبار تذكر أحواله و لا دخل للغناء فيه مع ان عموم رجحان الإعانة على الخير أو إطلاقه و لو بالحرام غير ثابت مردود بان تخصيص علة البكاء على الحسين (عليه السلام) بتذكر أحواله فقط أمر مخالف للوجدان فانا نشاهد من أنفسنا تأثير الألفاظ و الأصوات فترى انه يعبّر عن واقعة واحدة بألفاظ مختلفة يحصل من بعضها البكاء الشديد و لا يؤثر بعضها أصلا و نرى انا نبكي من تعزية بعض الناس دون بعض بل نرى انه ربما يذكر أحد واقعة و لا يؤثر في قلب و يذكر غير هذه الواقعة و يحصل منه الرقة بحيث يشرف بعض الناس على الهلاك بل ربما يبقى التأثير بعد تمام تعزيته بحيث يسيل الدموع بمجرد تذكر ما ذكره من الوقائع بعد مدة طويلة و بالجملة اعانة الألفاظ و العبارات و الالحان و الأصوات على البكاء على شخص أمر مقطوع به و ليس البكاء فيه على شيء غير وقائع هذا الشخص فان المشاهد ان بتعزية بعض الناس و ذكر بعض الألفاظ يحصل حرمة خاصة للقلب على الحسين (عليه السلام) و أصحابه لا يحصل بتعزية غيره و لا بلفظ أخر مرادف و التحقيق ان الصوت و اللفظ و للحن من الأمور المرقّقة للقلب المعدة للتأثير و ترقيقها و إعدادها يحصل البكاء بتذكر الأحوال فكون الصّوت و اللفظ معينا على البكاء مما لا يمكن إنكاره و اما قول المعترض مع ان عموم رجحان (انتهى) ففيه انه ليس مراد المستدل تجويز اعانة البر بالحرام بل يمنع الحرمة حين كون الغناء معينا على البكاء استنادا الى تعارض عمومات حرمة الغناء مع عمومات رجحان الإعانة على البر و عدم المرجح فيبقى محل التعارض على مقتضى الأصل و منع عموم الإعانة على البر أو ترجيح عمومات الغناء بأظهرية العموم أو الأكثرية أو لأجل ترجيح الحرمة على الجواز مع التعارض ليس بشيء لأن عموم اعانة البر (مطلقا) أمر ثابت كتابا و سنة مع ان الأحاديث الواردة في ان من أبكى أحدا على الحسين (عليه السلام) كان له كذا و كذا بلغت حد الاستفاضة بل التواتر و كثير منها مذكورة في ثواب الأعمال للصدوق فمنع التعارض ضعيف جدا كترجيح عمومات حرمة الغناء فان عمومات الإعانة على البر و خصوص الإبكاء أكثر بكثير مذكورة في الكتاب و السنة مجمع عليه بين الأصحاب و ترجيح جانب الحرمة على الجواز لم يثبت عندنا الا على وجه الأولوية و الاستحباب و هو أمر أخر بل لا يبعد ترجيح عمومات الإعانة بتضعيف عمومات حرمة الغناء دلالة و سندا و امّا ما يجاب عن التعارض بمنع كون الغناء معينا على البكاء (مطلقا) لان المعين عليه هو الصّوت و اما نفس الترجيع الذي به يتحقق الغناء فلم يعلم كونه معينا عليه أصلا لا على الحسين (عليه السلام) و لا (مطلقا) ففيه أولا ان من البين انّ لنفس الترجيع (أيضا) أثرا في القلب كما يدلّ عليه ما في كلام جماعة من توصيف الترجيع بالمطرب مع تفسيرهم الاطراب فان حزن القلب من معدّات البكاء مع انه قيل ان الغناء المحرم هو الصّوت انتهى و لا يخفى ما في الوجوه المذكورة في كلام هذين العلمين رفع اللّه قدرهما اما التمسك بالأصل فسقوطه على مذهب من يستند في حرمة الغناء الى حكم العقل على الاستقلال واضح إذ لا يبقى مجال للأصل مع وجود الدليل خصوصا إذا كان عقليا قطعيا كما هو مدعى المتمسك به و اما على مسلك من لا يستند الى استقلال العقل بحرمته و انما يستند الى الاخبار كما هو المختار عندنا فإنه و ان كان الموجود فيها هو الحكم على الغناء الذي هو مفرد محلى باللام و قد تقرر في علم الأصول انه لا يفيد العموم الا ان ملاحظة مساق كثير من الاخبار تعطي ثبوت الحكم له على وجه العموم مثل قوله (عليه السلام) إذا ميز اللّه بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء قال مع الباطل قال قد حكمت فان كون هذه الطبيعة من الباطل يقتضي ان جميع ما تصدق عليه هذه الطبيعة و يندرج تحتها باطل و (حينئذ) نقول انه غير قابل لان يرخص فيه ما دام متصفا بعنوان كونه غناء المقتضى لاتصافه بالباطل و (كذلك) الأخبار الّتي دلت على انه من قول الزور المفسر بالباطل أو من لهو الحديث فإنها تفيد كون ما تصدق عليه طبيعة الغناء من اللهو و الباطل فيكون أبيا عن التخصيص من جهة ان ما هو باطل و لهو لا يرخص فيه الشارع و على هذا فلا يبقى مجال للأصل نعم على مذاق

من لا يعتبر شيئا من طريق العقل و طريق الاخبار و لا يرى سوى الاستناد إلى الإجماع يمكن الاستناد الى الأصل نظرا الى ان ما نحن فيه خارج عن مورد الإجماع لوقوع الخلاف فيه لكن قد عرفت ان المتجه عندنا انما هو الاستناد الى الاخبار الكثيرة الدالة على المطلوب و ان ضعف أسانيدها منجبر بالشهرة بل الإجماع و اما كون الغناء معينا على البكاء و التفجع فهو ممنوع بناء على ما عرفت من كون الغناء هو الصّوت المرجع فيه اللهوي بل على ظاهر تعريف الأكثر (أيضا) من الترجيع المطرب لان المطرب الحاصل منه ان كان سرورا فهو مناف للتفجع لا معين و ان كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس الحيوانية من فقد المشتهيات النفسانية لا على ما أصاب سادات الزمان مع انه على تقدير الإعانة لا ينفع في جواز الشيء المحرم كونه مقدمة المستحب أو مباح بل لا بد من ملاحظة دليل الحرمة فإن كان شاملا لحال كونه مقدمة فلا بد من الحكم بالحرمة و الا فيحكم بإباحته للأصل و على اى حال فليس كونه مقدمة لغير الحرام منشأ لإباحته حتى يتمسك فيها بذلك و اما دعوى تعارفه في بلاد الإسلام من زمن المشايخ الى زماننا هذا من غير نكير ففيه أوّلا المنع من ذلك و الذي كان متعارفا انما هو ما لا غناء فيه و اما ما كان مشتملا على الغناء فان العلماء و أهل التقوى يعرضون عنه بل يقومون من ذلك المجلس كما وقع كثيرا في زماننا من العلماء و لعله كان الأمر في الزمان السابق على هذا المنوال بل لقائل أن يقول ان حكم المشايخ بحرمة الغناء على الإطلاق من دون استثناء دليل على انه لم تقم السيرة على إمضائه و السكوت عنه و قد أشار المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) الى هذا الوجه حيث قال مع انا نرى ان المشايخ حكموا بحرمة الغناء (مطلقا) و ربما استثنوا بعض المواضع التي لا يعرف لها دليل و لم يشيروا الى استثناء المراثي كما هو المعروف في الكتب المعروفة المشهورة المتداولة بين الناس و شذ من استثنى انتهى و ثانيا انه لو سلم تعارفه بين الناس فان ذلك بمجرده لا يفيد ما لم تستمر السيرة إلى زمان المعصوم (عليه السلام) و هو ممنوع قطعا و امّا تأييده بجواز النياحة بالغناء استنادا الى ما ذكره من اخبار جواز النياحة ففيه انه ليس في تلك الاخبار تعميم جواز النياحة بالنسبة إلى اشتمالها على الغناء غاية ما في الباب ان الترخيص في النياحة ورد على وجه الإطلاق و ظاهر ان الإطلاق وارد لبيان حكم أخر و هو كون جنس النياحة من حيث هي ليس من قبيل المحرمات و اين هو من النظر الى اقترانها بالغناء و تعميم الجواز بالنسبة الى ذلك الحال (أيضا) و اما ما ذكره من انه ليس في المراثي طرب بل ليس الا لحزن فهو مخالف لما نجده في زماننا هذا عيانا و لعلّه في زمانه كان الأمر على ما ذكره من جهة عدم شيوع الالحان الغنائية المطربة في المراثي و اما ما ذكره صاحب المستند (رحمه الله) من تأييد الجواز بقول الصّادق (عليه السلام) لمن انشد عنده مرثية اقرء كما عندكم اى بالعراق ففيه انه لا يدلّ على جواز الغناء في المرثية أصلا إلا بعد إحراز ان المعهود في العراق كان هو المرثية على وجه الغناء أو ان الغالب كان على ذلك الوجه و انى للمدعى ذلك و كيف يمكن دعواه و لقائل أن يقول انه لم يعلم أصل وجود الغناء في المرثية المتعارفة في العراق فكيف يكون غالب أفرادها أو جميعها على وجه الغناء و اما ما ذكره في رد من قال بان الغناء معين على (مطلقا) البكاء لا على البكاء على الحسين (عليه السلام) فإنّه

107

انما يكون بتذكر أحواله (عليه السلام) و كون (مطلقا) البكاء خيرا ممنوع من ان تخصيص علة البكاء على الحسين (عليه السلام) بتذكر أحواله فقط أمر مخالف للوجدان فانا نشاهد من أنفسنا تأثير الألفاظ و الأصوات ففيه انه بعد الاعتراف بتأثير الألفاظ و الأصوات في حصول البكاء لا يبقى كون مثل هذا البكاء بكاء على الحسين (عليه السلام) بان يضاف اليه (عليه السلام) امرا وجدانيا حتى يجعل الوجدان حاكما فيه كما فعله هو (رحمه الله) ضرورة ان اللازم (حينئذ) عرض هذا على أهل العرف و ملاحظة انهم إذا علموا بكون مثل هذا البكاء مما قد هيجه الأصوات و النغمات فأحدثت للإنسان رقة و بكاء هل يحكمون بكونه بكاء على الحسين (عليه السلام) فيضيفونه إليه أم لا فتحكيم الوجدان في هذا المقام ممّا لا وجه له ثم ان الظاهر انه بعد الرجوع الى العرف يفرقون بين فصاحة الراثى و غنائه من حيث ان الثاني له قوة تأثير في ذكر الأمور المحبوبة المفقودة و كون حدوث البكاء من أجل فراقها دون الأول فإنه لعدم استكمال قوته لا يعد سببا خاصا فالباكى لمرثية الفصيح يقال عليه انه باك على الحسين (عليه السلام) لأن الفصاحة لم يحصل منها الا قوة إحسان ذكر الحسين (عليه السلام) بخلاف الباكي في مرثية المغني المهيج لذكر الأمور المحبوبة المفقودة التي يبكي لفراقها فان الغناء أورث التذكر لأمور خارجة عن مصائبه فتدبر و اما ما ذكره في ذيل قوله و اما قول المعترض مع ان عموم رجحان (انتهى) من تعارض عمومات حرمة الغناء و حرمة رجحان الإعانة على البر و الرجوع الى الأصل في مورد التعارض ففيه ان عمومات حرمة الغناء حاكمة على عموم الأمر بالتعاون على البر و التقوى بل على غيره من عوامر العبارات و المثوبات و لا يمنع من ذلك كون النسبة بينهما هو العموم من وجه فان لسان الحكومة لا يتفاوت فيه كون النسبة هي العموم و الخصوص (مطلقا) أو من وجه و من هنا يعلم ان عمومات النهى عن الغناء حاكمة على نفس أوامر المرثية (أيضا) و لا يقدح كون النسبة هي العموم من وجه و الا لتحقق التعارض من وجه بين ما دل على قضاء حاجة المؤمن مثلا و النهى عن اللواط و الزنا و الكذب و غيرها من المحرمات و من المعلوم بطلانه فان من ضروريات الشرع انه لا يطاع بما يعصى به هذا و حكى عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد مسلك أخر و هو ان الغناء و المرثية متغايران موضوعا فلا يجتمعان فان من دخل الدار فسمع صوت الراثى يقول ان هذه مرثية بخلاف ما لو سمع الغناء و لا يطلق على أحدهما اسم الأخر عرفا و لم يحضرني كلامه حتى أراجع و لكن هذا الذي ذكرناه مما لا يخفى سقوطه لان الغناء كما عرفت إما هو الصّوت المطرب المرجع فيه كما هو المشهور أو هو الصّوت اللهوي أو غيرهما و أيا ما كان فاجتماعه مع المرثية مما لا خفاء فيه

قوله خصوصا الّتي من مقدماتها

يعنى المستحبات الّتي هي من مقدمات المحرمات لان حكم المقدمة لا يسير إلى ذي المقدمة بل الاولى عكس ذلك

قوله و السّر في ذلك ان دليل الاستحباب انما يدلّ على كون الفعل لو خلى و طبعه خاليا عما يوجب لزوم أحد طرفيه فلا ينافي ذلك طرو عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه كما إذا صار مقدمة الواجب و صادفه عنوان محرم

(انتهى) ظاهر هذا الكلام يوهم ان كون تعلق حكم الاستحباب بموضوعه الّذي هو فعل المكلف مع قطع النظر عن الأمور الخارجية و هو ما أشار بقوله لو خلى و طبعه من خواص أدلة الاستحباب و لوازمها بحسب الطبع حتى ان أدلة الوجوب و الحرمة و غيرهما ليست بهذه المثابة و انها لا تفيد تعلق أحكامها بموضوعاتها لو خليت و طباعها و ليس (كذلك) لان كل حكم انما يعرض موضوعه من حيث هو غالبا فالتقييد بقوله لو خلى و طبعه ليس للاحتراز عن الوجوب و الحرمة مثلا بان لا يكونا يعرضان موضوعيهما لو خليا و طبعهما و انما هو لبيان الواقع في المقام نعم خلوه عما يوجب لزوم أحد طرفيه لا يوجد في الوجوب و الحرمة فهو مميز له عنهما فالحاصل ان أدلة الاستحباب لما كان مفادها الخلو عن لزوم أحد الطرفين و كان ذلك بحسب ذاته لو خلى و طبعه لم يكن لها قوة رفع الحرمة عن العنوان الذي اجتمع معه بل كان اللازم عكس ذلك

[بقي الكلام فيما استثناه المشهور من الغناء]

[الأول استثناء الحداء من حرمة الغناء]

قوله بقي الكلام فيما استثناه المشهور من الغناء

(الظاهر) ان وجه اسناد الاستثناء الى المشهور هو وجود القائل بعدم الاستثناء و قد صرّح به المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) حيث قال بعد جعل الكلام في الغناء في مقامين أولهما في تعريفه ما لفظه الثاني انه هل يستثني منه شيء أم كله حرام و على الأول أي شيء يستثني اختار عدم الاستثناء جماعة كما ذكره (الشارع) الى ان قال دليل هؤلاء إطلاقات الأخبار انتهى و سبقه الى مثل ذلك في (المسالك) كما أشار إليه

قوله و قد صرّح بذلك في شهادات (الشرائع) و (القواعد) و (الدروس)

و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و قد استثنى الحداء بالمد و هو سوق الإبل بالغناء لها و على تقدير صحة استثنائه يمكن اختصاصه بكونه للإبل فقط كما هو مقتضى الدليل و يمكن التعدي (أيضا) الى البغال و الحمير انتهى

قوله و على تقدير كونه من الأصوات اللهوية كما يشهد به استثناؤهم إياه من الغناء بعد أخذهم الإطراب في تعريفه فلم أجد ما يصلح لاستثنائه

(انتهى) هذا الكلام يعطى الشك في كونه من افراد الغناء و قد وقع التصريح به من بعض الأواخر قال في الجواهر بل ربما ادعى ان الحداء قسيم للغناء بشهادة العرف و (حينئذ) يكون خارجا عن الموضوع لا عن الحكم و لا بأس به انتهى و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) الى توهينه بقوله كما يشهد (انتهى) مضافا الى ما يمكن ان يقال انه إذا صدق عليه تعريف الغناء و هو الصوت المطرب المرجع فيه كما هو المشهور أو الصّوت المرجع فيه الملهى كما هو مذاق (المصنف) (رحمه الله) لم يبق مجال لدعوى كونه قسيما ثمّ ان التحقيق على تقدير كونه من الغناء انا ان قلنا بأنه لم يثبت حرمة الغناء على وجه كلى و انما ثبت بالإجماع في غير موارد الاستثناء و اما هي فباقية تحت الأصل الاولى الذي هو الإباحة (فحينئذ) يتجه الحكم بجواز الحداء استناد الى الأصل لعدم قيام الإجماع على حرمته بل قد عرفت ان بعضهم ادعى شهرة الجواز و ان قلنا بثبوت حرمته على وجه العموم فليس هناك ما يصلح لاستثناء الحداء بخصوصه

قوله عدا رواية نبوية ذكرها في (المسالك) من تقرير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعبد اللّه بن رواحة حيث حدا للإبل و كان حسن الصّوت و في دلالته و سنده ما لا يخفى

الرواية المشار إليها عبارة عن المرسل انه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لعبد اللّه بن رواحة حرك بالنوق فاندفع يرتجز و كان عبد اللّه جيد الحداء و كان مع الرجال و كان أنجشة مع النساء فلما سمعه تبعه فقال (عليه السلام) لأنجشه رويدك رفقا بالقوارير و أنجشة بفتح الهمزة و الجيم من خدام رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و كان معروفا بالمهارة في سوق الإبل بالحداء و قوله تبعه معناه ان أنجشة تبع عبد اللّه بن رواحة في الحداء و كنى بالقوارير عن النساء ورده (المصنف) (رحمه الله) من حيث السند و الدلالة امّا الأول فلان إرساله يمنع من العمل به و لا جابر له لعدم تحقق الشهرة على طبق مؤداه بل في الجواهر لعل المحقق خلافها و امّا الثاني فلان ما تضمّنه انما هو من قضايا الأحوال التي لم يعلم كيفية وقوعها فلا يصحّ التمسّك بعمومه و الى هذا أشار في الجواهر بقوله و عدم معلومية كون ذلك منه على صفته يعنى كون الحداء الواقع من عبد اللّه بن رواحة على صفة الغناء ثم لا يخفى انه على تقدير العمل به لا بد من الاقتصار على مورده من سوق الإبل فلا وجه للتعدي إلى غيره من سوق البغال و الحمير أو غير ذلك كاستعماله في المراثي على تقدير عدم استثنائها كما صدر من بعض العوام في عصرنا و قال المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) و منهم من استثنى الحداء و اعترف غير

108

واحد بعدم الاطلاع على دليل له و ببالي انهم استندوا في ذلك الى رواية العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه كان واحد من أصحابه يفعل الحداء بحضرته و هو (صلى الله عليه و آله و سلم) يسمع و بعد ذلك يترحم عليه و ببالي انهم رووا انه زاد المسافرين أو انه نعم الزاد لهم و في الاستناد إليهما إشكال و على تقدير القول بالاستثناء يختص بالإبل كما هو مدلول اللفظ و الخبر لو كان فلا يتعدى الى الخيل و البغال و الخمير انتهى

[الثاني استثناء غناء المغنية في الأعراس]

قوله الثاني غناء المغنية في الأعراس

اعلم انه قد صرح جماعة باستثناء غناء المرأة في الأعراس في خصوص ليلة الزفاف دون ما تقدمها من الأوقات بشرط ان لا تتكلم بالأباطيل و لا بالكذب و لا تعمل بالملاهي و لا يدخل عليها الرجال و لا يسمع صوتها الأجانب و قد حكى عن الشيخين و غيرهما إباحته لكن عن القاضي الحكم بالكراهة قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و قد استثنى (أيضا) فعل المغنية في الأعراس إذا لم تتكلم بالباطل و الكذب و لم تعمل بالملاهي التي لا يجوز لها و لم يسمع صوتها الأجانب و يمكن التحريم من جهة الكذب و العمل باللهو فقط لا الغناء و كذا الاستماع و يدلّ عليه الاخبار مثل صحيحة أبي بصير قال قال أبو عبد اللّه أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال و رواية حكم الحناط المجهول عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها و رواية على بن أبي حمزة عن أبي بصير قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن كسب المغنيات فقال الّتي يدخل عليها الرجال حرام و الّتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس و هو قول اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ قال الشيخ فالرخصة مخصوصة بمن لا يتكلم بالأباطيل و الفحش و لا يلعب بالملاهي من العيدان و أشباهها بل تكون ممن يزف العرائس و تتكلم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد عن الأباطيل و الفحش و اما من عدا هؤلاء ممن يتغنين بسائر أنواع الملاهي فلا يجوز على حال سواء كان في العرائس أو غيرها ثم قال و قال في (شرح الشرائع) بعد استثناء ما ذكرناه و ذهب جماعة من الأصحاب منهم العلامة (رحمه الله) في التذكرة إلى تحريم الغناء (مطلقا) استنادا الى الاخبار المطلقة و وجوب الجمع بينها و بين ما دل على الجواز هنا من الاخبار الصّحيحة متعين حذرا من اطراح المقيد ثم قال و رأيت في التذكرة في هذا المقام قد استثنى العرائس فإنه قال بعدم الحكم بالتحريم و نقل الاخبار فقد ورد رخصة بجواز كسبها إذا لم تتكلم بالباطل و لم تلعب بالملاهي و لم يدخل الرجال عليها ثم نقل الرواية الدالة عليه و لعله في موضع أخر أو يريد بعد استثناء ذلك و كلامه صريح في العدم و (أيضا) ما رأيت الأخبار الصّحيحة في الحداء و لا العرائس نعم يمكن كون خبر ابى بصير صحيحا كما أشرنا اليه مع ان فيه تأملا لاشتراكه و خبر على بن حمزة (الظاهر) انه ضعيف لان (الظاهر) انه البطائني الضعيف الذي هو قائد أبي بصير يحيى بن ابى القاسم بقرينة نقله عن ابى بصير و اللّه يعلم انتهى و قال المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) بعد ذكر الرواية الثلث على الترتيب المذكور في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ما نصه و لا يخفى ان الصّحيحة الأولى مختصة بزف العرائس نعم الرواية الأخيرة عامة في العرائس و يمكن ان يكون المراد يدعى الى زفاف الأعراس بناء على انه كان هو المعهود عندهم فلا يكون مخالفة بين روايات ابى بصير فتأمل ثم قال و كيف كان فالاستثناء مختص بالمغنية فلا يشمل المغني انتهى و قال بعض من تأخر انه يمكن اختيار القول بعدم الجواز نظرا الى ان المحكوم به في الاخبار انما هو إباحة الأجر و لا يدل على اباحة الفعل ثم أجاب عن ذلك بثبوت الملازمة شرعا بين حرمة الأجر و حرمة العمل و بين إباحة الأجر و اباحة العمل لكنه بعد ذلك استند الى ضعف الأخبار الدالة على الجواز و لم يتحقق في المقام شهرة تكون هي جابرة لضعف السّند و يظهر وجه الضعف مما حكيناه من كلام المحقق المذكور فلا حاجة الى البيان و زاد على ذلك التمسك بدليل العقل و بيّنه بان الغنا لما كان من قبيل ما يترتب عليه الغفلة عن الحق عزّ شانه و يتفرع منه المفاسد و الميل الى المشتهيات و الرغبة في المحرمات التي هي من قبيل الزنا و اللواط فالعقل مستقل بقبحه و حرمته و معلوم ان أغلب وقوع أمثال هذه المفاسد و المحرمات انما يتفق في الزّحام و اختلاط بعض الأصناف المختلفة من الناس ببعض أخر و من الواضح ان تحقق هذا المعنى في مجالس الأعراس أقوى من غيرها و (حينئذ) نقول كيف يجوز ان يرخص الشارع الحكيم في الغناء الذي حرمة من جهة كونه مثيرا للشهوات موقعا في المشتبهات و المحرمات في المقام الذي هو أقوى مظان تأديته إلى المحرمات و هو مجلس العرس

فنستكشف بهذا الحكم العقلي عن عدم صدور الأخبار المرخصة كما نستدل به على عدم الجواز و انا أقول قد عرفت عدم دلالة العقل على حرمة الغناء و قبحه فلا يتم هذا الوجه المبنى عليه الا ان الاخبار ضعيفة و لم يتحقق شهرة للجواز حتى تكون جابرة فالعمل بعموم ما دل على حرمة الغناء الشامل لهذا المقام و غيره متعين ثم انه ينبغي تكميل القول في المسئلة بالتعرض لأمور الأول انه قد نطق بعض الاخبار و كلمات الأصحاب بحرمة تعليم الغناء و حرمة أجرته امّا الأول فتوضيح الكلام فيه ان تعليم الغناء قد يكون بالفعل بان يغني المعلم حتى يتعلم المتعلم التغني على نمطه و قد يكون بالقول بان يصف المعلم للمتعلم كيفية التأدية امّا الأول فلا إشكال في حرمته لكونه بنفسه غناء و امّا الثاني فلا حرمة فيه الا من باب الإعانة على الإثم لكون تعليمه مقدمة لتعلم صاحبه ضرورة عدم صدور ما هو غناء عنه فلو فرض كون تعلم المتعلّم لمجرد الخبرة و الاطلاع على الفن لا للتغنى لم يكن تعليمه على هذا الوجه الثاني حراما لعدم صدور الغناء من المعلم و عدم إعانته على الإثم و امّا الثاني و هو حرمته الأجرة فذلك مما لا اشكال فيه لما استفدناه من الأدلة الشرعية الناطقة بأن كل ما حرم فقد حرم أخذ العوض عليه و في المنتهى ان تعلم الغناء و الأجر عليه حرام عندنا بلا خلاف لانه فعل محرم فيحرم التوصّل اليه انتهى و لا فرق في حرمة الأجرة بين ما لو تقاطع الآخذ و المعطى على اجرة و بين ما لو لم يتقاطعا الا ان المغني لما غنى عبده أعجبه ذلك فأعطاه شيئا من المال عوضا عن غنائه كما هو المتعارف في مجالس أهل الإنس و الهوى بالنسبة إلى المغني و غيره من أهل الطرب خصوصا في الأعراس فإن غير صاحب المجلس من الجلاس هناك لا يقاطعون المغني و لا غيره و لكنهم كثيرا ما يعطون من يعجبهم تغنيه أو اطرابه فيعطيه شيئا لأنه صدر منه ذلك فيكون هو الداعي إلى الإعطاء فيكون المال في نظر المعطى عوضا عن فعله ثم انه هل يملك المغني ذلك المال أم لا الوجه هو الثاني و ان كان المعطى قد أعطاه عن طيب نفس منه فحاله حال الرشوة التي يعطيها المعطى عن طيب نفس لعدم إمضاء المالك الحقيقي هذا القسم من النقل و هل يضمن الآخذ و هو المغني لو تلف ذلك المال عنده أم لا الوجه هو الثاني لتسليطه عليه بسوء اختياره ثم انه لو غصب ذلك المال غاصب فهل يلزمه ردّه على المغني الذي أخذه من عنده أو يلزمه ردّه الى المالك الوجه هو الثاني لعدم استحقاق المغني لذلك المال و انما هو حق للمعطى باق على ملكه فيجب رده اليه الثاني انه ذكر بعض من عاصرناه انه لا يحرم الغناء على غير المكلفين من الأطفال و المجانين لعدم توجه التكليف إليهم فلا يجب على الأولياء ردعهم عنه فان قلت ان الشارع لا يرضى بلهو الحديث و قول الزور و لو من غير المكلفين كنبش القبور و الزنا و اللواط و الشرب الخمر للاشتمال ذلك كله على جهة مقبحة كما يكشف عنه نهى الشارع قلت غرض الشارع قد يتعلق بنفس الشيء

109

فعلا أو تركا من جهة تحقق فساد من مجرد وجوده الخارجي فلا يكون منشأ الفساد الا هو و قد يتعلق بالمباشرة بمعنى كون مباشرته محبوبة عند الشارع أو مبغوضة لديه لا يراث مباشرته و الاشتغال به كما لا في المباشر أو نقصا فيه و فيما نحن فيه لم يتعلق غرض الشارع بانتفاء وجود اللهو و اللعب في الخارج و الّا وجب منع وجوده و لو من الآلات الموجبة لذلك من جماد و حيوان و طير و نحوها كما منع عن نبش القبور و وقوع القران في العذرات و نحوها بل (الظاهر) تعلق غرض الشارع بعدم اشتغال عباده بفعل اللهو و اللعب و قول الزور و على هذا فلا يجب على الأولياء ردعهم و هل يجوز للمكلفين استماع ذلك منهم أو لا احتمالان ناشئان من انه متى رخص الشارع في الفعل لزمه الترخيص في الاستماع له كما في العرس و الحداء و نحوهما و من إمكان دعوى ان المعلوم من الملازمة هو ما إذا كانت الرخصة لا ما إذا علم مجرد عدم المنع لعدم التكليف و أحدهما غير الأخر قطعا مع إمكان دعوى دخول حرمة الاستماع (مطلقا) تحت ترك الاستفصال في الروايات بل إمكان دعوى كون نفس الاستماع لهوا و مندرجا تحت قول الزور و قوله (عليه السلام) من ملأ مسامعه من الغناء لم يؤذن له ان يسمع صوت الروحانيين يوم القيمة و لعلّه اختار شيخنا ذلك في شرح القواعد قائلا و لا فرق في منع الأجرة فيما منعنا فيه بين صدوره من مكلف أو غيره على الأقوى انتهى لان (الظاهر) ان الإجارة مع عدم مالكية المنفعة تفسد و مقتضاه عدم تملك المستأجر الا ان يكون الاستيجار لغير المكلف لمصلحة مقتضية له فتأمّل انتهى أقول لا مجال للتوقف و التردد في ان استماع الغناء حرام (مطلقا) كما لا يخفى على من لاحظ الاخبار و مما دل على ذلك رواية عنبسة عن الصّادق (عليه السلام) انه قال استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع فإن إطلاقه شامل للقسمين بل لا يخفى على من له خبرة بالصناعة ان مثل ذلك من مسلمات الأصحاب و عليه عمل العلماء و الاخبار كما يكشف عن ذلك ان القائلين بعدم استثناء الغناء في المراثي ينهون عن الاستماع الى نياح الأطفال بالنغمات و قد اتفق من (المصنف) (رحمه الله) في زمان اقامتنا في أرض الغري و اما ما ذكره من استثناء كون الاستيجار لمصلحة مقتضية له فإن أراد به وجود المصلحة في الاستيجار مما يكون موجبا لتبدل العنوان كاستيجاره لعلاج المريض يحكم الطبيب الحاذق فلا يخلو من وجه و ان أراد مصلحة الطفل المستأجر بمعنى عود نفع المال اليه فهو من الدعاوي الباطلة بالضرورة لأن حل الأجرة مع حرمة الاستماع كما هو المفروض مما لا وجه له الثالث انه قال في أنوار الفقاهة ان المحرم من الغناء هو استماعه و فعله و اما سماعه فالأصل براءة الذمة عن لزوم سد الأذان و الاشتغال عنه بذكر الرحمن ثم قال و لو حدث غناء بين صوتين حرم عليهما أجمع إن قصداه و الا حرم على القاصد مع احتمال عدم التحريم و اختصاص الحرمة بالصّوت انتهى أقول إذا كانا جميعا قاصدين كان من مصداق التعاون على الإثم المنطوق به في الكتاب العزيز و ان كان أحدهما قاصدا كان فعله مقدمة للحرام و اعانة عليه و ان لم يكن من أحدهما قصد أصلا لم يلحق فعل أحدهما حكم التحريم و كان الإثم على المستمع وحده و اما احتمال اختصاص الإثم بالمستمع (مطلقا) حتى في صورة قصدهما أو قصد أحدهما إلى تحقق الغناء فلا وجه له الرابع ان الجلوس في مجلس الغناء هل هو حرام في حق من ليس قادرا على المنع منه أم يجب عليه الخروج من المجلس ان كان متمكنا فيحرم جلوسه كما ثبت حرمة الجلوس في مجلس شرب الخمر لما دل عليه بخصوصه من قول الصادق (عليه السلام) لا تجالسوا شراب الخمر فإن اللّعنة إذا نزلت عمت من في المجلس و كذا الأكل من مائدة يشرب عليها الخمر فنقول لا بد من ملاحظة الأدلة هيهنا و ليس في أدلّة الغناء ما يستفاد منه حكم الجالس في مجلس الغناء لا على وجه الاستماع سوى قول الصادق (عليه السلام) في خبر الشحام بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك و ليس نصا و لا ظاهرا في التحريم بل مساقه مساق الكراهة إذ ليس معنى الفجيعة الا الرزية كما نص عليه في المصباح و قد اقترن التوعد بها بعدم استجابة الدعوة و عدم دخول الملك نعم لا إشكال في الكراهة

لدلالة الحديث و مثل مجلس الغناء مجلس الغيبة و غيرها مما عدا شرب الخمر من المحرمات الا ان يتضمن الجلوس هناك معاونتهم أو تكثير سوادهم الخامس انه قال في الجواهر لا بأس بالهلهولة على (الظاهر) لكونها صوتا من غير لفظ و الغناء من الألفاظ و امّا الترديد المسمى بالحوارب في عرفنا فربما ظهر من بعض مشايخنا معلومية حلية في حال الحرب و حث الرجال على القتال المحلل نعم قال الحزم اجتنابه و اجتناب الرقص و الهلهولة في غير ذلك يعني في غير حال الحرب و الحث بل لعله يحرم فعله لانه من اللهو و الباطل و الحازم يتجنب الشبهات خصوصا عند اشتباه الموضوعات و فيه مع انه مع فرض عدم اندراجه في الغناء يمكن فرضه فيما لا يدخل في اللعب و اللهو اما مع فرض اندراجه فيه فيشكل جوازه فيه فضلا عن غيره من الأحوال لإطلاق أدلة النهي بل قد اقترنت بمؤكدات تقتضي ارادة جميع الافراد على وجه أظهر دلالة من العموم اللغوي فتأمل جيدا انتهى كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) و اما مناغاة الأطفال على ما هي من دأب النساء و أصوات البنّائين في حال اشتغالهم بالبناء و الملاحين في حال اشتغالهم بعمل الملاحة فقد جزم بعض من تأخر بجوازها و خروجها عن عنوان الغناء و ان اشتملت على الترجيع و استند في ذلك الى انها لا تسمى غناء و الى قيام السيرة المستمرة إلى زمن أهل العصمة (عليه السلام)

[المسألة الرابعة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغيبة]

قوله قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ

لا يخفى انه يحتمل احتمالا غير خفي ان يكون المراد بالفاحشة في الآية الأفعال الشنيعة فتكون مسوقة لذم من كان من الكفار يحبّ شياع الأفعال القبيحة و تداولها بينهم حتى يسقط اعتبارهم و ينحط دينهم الذي هو الإسلام عن درجة العزة و الرفعة فلا يميل إليه أهل الملل الخارجة و (حينئذ) فلا تدل الآية على حكم الغيبة أصلا و يحتمل ان يكون المراد بالفاحشة الأقوال الدالة على المعاني القبيحة المفضحة لمن اتصف بها فيكون المراد ذم من يحب شيوع الأقوال المفضحة في حق المسلمين و هذا ايضا يتصور على وجهين أحدهما ان يكون المراد بالموصول و صلته مجموع المسلمين فيكون الذم على حب الكفار شيوع الأقوال المفضحة في حق هذا الطائفة الموجبة لسقوط اعتبارهم و اعتبار دينهم و هذا (أيضا) مثل الاحتمال الأول في عدم دلالة الآية على حكم الغيبة أصلا و ثانيهما ان يكون المراد بالموصول و صلته الجنس الفردي بأن يكون الذم على حب القول المفضح في جنس المؤمن الصادق بفرد منه و هذا الوجه بعد الإغماض من منافرته لقوله تعالى أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ يدل على كون الغيبة محرمة بطريق الأولوية من جهة ان حب وقوع الكلام الموجب لافتضاح المؤمن إذا كان محرما على مكلف فتكلمه بالكلام المذكور يكون محرما بطريق اولى فقد علم مما ذكرنا ان الاستدلال بالآية ممّا لا وجه له إذ لا أقل من كونها مجملة بالنسبة إلى المطلوب في المقام و التمسك بالخبر الوارد في مقام الاستشهاد بها كما سيجيء في كلام (المصنف) (رحمه الله) بعد تسليم كون المراد بالخبر الإدراج الموضوعي دون الحكمي خروج عن الاستدلال بالكتاب الى الاستدلال بالسنة

110

قوله و أكل الحسنات اما ان يكون على وجه الإحباط أو لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه أو لأنها تنقل الحسنات الى المغتاب كما في غير واحد من الاخبار

اعلم ان حبط الأعمال عبارة عن بطلان و احباطها عبارة عن ابطالها و لهذا قيل في تفسير قوله (تعالى) حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ أي بطلت و في تفسير قوله تعالى فَأَحْبَطَ اللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ أبطلها و لم يوجر عليها قال في الأنوار في طي أحوال القيمة الكبرى ما لفظه المؤمنون يجوز ان يكون ميزانهم هو عدل اللّه تعالى و الأنبياء فإذا قالوا لهم هذه حسناتكم و هذه سيئاتكم و هذا أرجح من هذا لم يتهموا اللّه و لا ملائكته الكاتبين و اما المنافقون و الكافرون فميزان أعمالهم ميزان موجود في أرض القيمة له كفتان فيوزن به أعمالهم لينظروا إليها بأعينهم و يعرفوا مقدار الراجح من المرجوح الى ان قال فإذا ورثت الأعمال بواحد من الميزانين وقع الإحباط و قد نقاه أكثر أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) تبعا للحاجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) و قبل الكلام لا بد من تعريفه ليتضح حقيقة الحال فنقول له ثلث تعاريف أوّلها ما قاله المعتزلة من ان معناه إسقاط الثواب المتقدم بالمعصية المتأخرة و تكفير الذنوب المتقدمة بالطاعات المتأخرة و ثانيها قول أبي علي الجبائي من ان المتأخر يسقط المتقدم و يبقى هو على حاله و ثالثها ما ذهب إليه أبو هاشم من ان الإحباط هو الموازنة و هو ان ينتفي الأقل بالأكثر و ينتفي من الأكثر بالأقل ما ساواه و يبقى الزائد مستحقا و هذا المعنى مما لا ينبغي الشك في صحته كما لا ينبغي الشك في بطلان القولين الأولين لاستلزامهما الظلم على العدل تعالى اللّه عنه علوا كبيرا و الآيات و الاخبار دالة عليه قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لٰا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ و قول الامام (عليه السلام) لامرأته هذا المكان الذي أحبط اللّه فيه حجتك العام الأول و قوله (عليه السلام) من قبل غلاما بشهوة أحبط اللّه منه عمل أربعين سنة الى غير ذلك من الاخبار و قد استدل المتكلمون من أصحابنا (رضي الله عنه) بقوله (تعالى) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ و هذا الاستدلال كما ترى و ذلك انه إذا كان الإحباط على ما قلناه يكون قد راى العملين الخير و الشر هذا و هو ظاهر و العجب من محققي أصحابنا (رضي الله عنه) كيف اتفقوا على بطلانه مع دلالة الاخبار و الأحاديث عليه و عدم منافاته للدلائل العقلية انتهى و في مجمع البحرين ان بعض المحققين انه قال استحقاق الثواب مشروط بالموافاة لقوله (تعالى) لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و لقوله (تعالى) وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ الاية و قوله (تعالى) فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ فمن كان من أهل الموافاة و لم يلبس ايمانه بظلم كان ممن يستحق الثواب الدائم (مطلقا) و من كان من أهل الكفر و مات على ذلك استحق العقاب الدائم (مطلقا) و من كان ممن خلط عملا صالحا و أخر سيئا فان وافى بالتوبة استحق الثواب (مطلقا) و ان لم يواف بها فاما ان يستحق ثواب ايمانه أولا و الثاني باطل لقوله (تعالى) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ فتعين الأول فاما ان يثاب ثم يعاقب و هو باطل بالإجماع لان من يدخل الجنة لا يخرج منها (فحينئذ) يلزم بطلان العقاب أو يعاقب ثم يثاب و هو المطلوب و لقوله (عليه السلام) في حق هؤلاء يخرجون من النار كالحمم أو كالفحم فيراهم أهل الجنة فيقولون هؤلاء الجهنميون فيؤمر بهم فيغمسون في عين الحيوان فيخرجون واحدهم كالبدر ليلة تمامه و بما قررناه يتبين أن الإحباط و الموازنة باطلان و ذلك ان الوعيدية و هم الذين لا يجوزون العفو عن الكبيرة اختلفوا على قولين أحدهما قول أبي علي و هو ان الاستحقاق الزائد يسقط الناقص و يبقى بكماله كما لو كان أحد الاستحقاقين خمسة و الأخر عشرة فإن الخمسة تسقط و تبقى العشرة و يسمى الإحباط و ثانيهما قول أبي هاشم ابنه و هو ان يسقط من الزائد ما قابل الناقص و يبقى الباقي ففي المثال المذكور يسقط خمسة و يبقى خمسة و يسمى بالموازنة و قد أبطلهما المحققون من المتكلمين بان ذلك موقوف على بيان وجود الإضافات في الخارج كالاخوة و البنوّة و عدمها فقال المتكلمون بالعدم لأنها لو كانت موجودة في الخارج مع انها عرض مفتقرة إلى محل يكون لها اضافة الى ذلك المحل فنقول فيها كما قلنا في الأول و يلزم التسلسل و هو باطل و يلزم منه بطلانها في الخارج لان ما بنى على الباطل باطل و قول الحكماء بوجودها لا يلزم الوجود

الخارجي بل الذهني و تحقيق البحث في محله و لو قيل ببطلان الإحباط و الموازنة و القول بالتكفير من باب العفو و التفضل لم يكن بعيدا و ظواهر الأدلة تؤيده انتهى و إذ قد عرفت معنى الإحباط ظهر لك الفرق بين الأمور الثلاثة التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) توجيها لأكل الغيبة للحسنات فالاحباط ما عرفت و اضمحلال ثواب الحسنات في جنب عقاب الغيبة عبارة عن ان عقاب الغيبة صار من العظم بحيث يرى ثواب الحسنات في جنبه قليلا عند الناظر و نقل الحسنات الى المغتاب عبارة عن كتابتها في صحيفة اعمال من اغتيب و هو غير الإحباط لأنه عبارة عن الموازنة بين السابق و اللاحق من الأعمال و الاسقاط السابق في يوم القيمة في مقام المجازاة

قوله و فيها عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ادنى الكفر ان يسمع الرجل من أخيه كلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لا خلاق لهم

هذا الدليل أخص من المدعى لعدم دلالته على حكم من ذكر شيئا من مساوي أخيه من دون قصد في حال السماع الى ذكرها لكن لا بأس بذلك بعد وجود الأدلة و الاخبار الأخر بل عدم القول بالفصل

قوله و حدثني ابى عن أبيه عن آبائه عن على (عليه السلام) انه من قال في مؤمن ما رأته عيناه أو سمعته أذناه ممّا يشينه و يهدم مروته فهو من الذين قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ

(انتهى) (الظاهر) ان هذا الحديث جزء من رواية عبد اللّه بن سليمان النوفلي و اما الاستشهاد بالآية فيمكن ان يكون من باب الإلحاق الحكمي أو يكون من باب الإشارة الى بعض البطون فتدبر

قوله ثم ظاهر هذه الاخبار كون الغيبة من الكبائر كما ذكره جماعة بل أشد من بعضها و عد في غير واحد من الاخبار من الكبائر الخيانة و يمكن إرجاع الغيبة إليها فأي خيانة أعظم من التفكه بلحم الأخ على غفلة منه و عدم شعور

أنكر بعض مشايخنا الملازمة بين عدّ الخيانة من الكبائر و بين عدّ الغيبة منها كما أنكر استجماع الخبر الذي تضمن عدّ الخيانة من الكبائر لشرائط العمل به و الفتوى بمضمونه ثم انه استشكل في أصل كون الغيبة من الكبائر بناء على ما هو المشهور من انها عبارة عما توعد اللّه عليها النار في الكتاب العزيز بل بناء على الاكتفاء بأحد الأمرين من التوعد عليه بالنار في الكتاب و التوعد عليه بها في السّنة القطعية و ذلك لان ما يصلح للدلالة على ذلك من الكتاب ايتان إحديهما قوله (تعالى) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ و قد فسره على بن إبراهيم فيما حكى عنه بما لفظه الهمزة الذي يغمز الناس و يستحقر الفقراء و اللمزة الذي يلوى عنقه و رأسه و يغضب إذا راى فقير أو سائلا مع انه تعالى قد فسره بقوله الَّذِي جَمَعَ مٰالًا وَ عَدَّدَهُ و اما الخبر المتضمن لتفسير الهمزة بالطعان في الناس و اللمزة بالذي يأكل لحوم الناس فهو مع كونه من اخبار الآحاد معارض بما سمعت الثانية قوله (تعالى) الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا و قد فسّر الفاحشة فيه بالزنا و المساحقة و ما يصلح من الاخبار للدلالة على التوعد عليها بالنار اخبار معدودة لا تنتهي إلى حد التواتر بل في بعض الاخبار ما يدل على نفى كونها من الكبائر فعن جابر انه قال كنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فاتى قبرين يعذب صاحبهما فقال (صلى الله عليه و آله و سلم) انهما لا يعذبان في كبيرة

111

اما أحدهما فكان يغتاب الناس و اما الأخر فكان لا يتنزه من الربا هذا و لكن التحقيق انها من الكبائر لأن الكبيرة من موضوعات الأحكام الشرعية و لم يثبت لها حقيقة شرعية فليس المراد بها الا معناها العرفي و اللغوي الذي هو عبارة عن المعصية العظيمة عند الشارع ثم انه قد يعلم ثبوت الوصف المذكور للمعصية بالنّص عليه من جانبه و قد يعلم بترتيب لوازم الكبيرة عليها مثل عدم جواز الايتمام بفاعلها و نحو ذلك و قد يعلم بالتوعد عليها بالنار في الكتاب أو السنة القطعية فهذا (أيضا) من جملة الأمارات الدالة على كون المعصية كبيرة (فالظاهر) ان الغرض من تفسير الكبيرة بما توعد عليه بالنار في الكتاب أو السنة القطعية بيان أمارة دالة على ثبوت ذلك الوصف للمعصية لا حصر الكبيرة في ذلك و ان شئت فاختبر نفسك هل تجد الرخصة منها في ان تقول ان المراد بالكبائر في قوله (تعالى) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ هو ما وقع التوعد عليه بالنار في الكتاب أو السنة القطعية و قد يعلم بثبوت كون المعصية أكبر و أعظم من معصية علم كونها كبيرة مثل القتل و الزنا مثلا إذا قال (تعالى) وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ علم كونها كبيرة و ان لم يقع التصريح بالتوعد عليها بالنار في الكتاب أو السنة القطعية و قد يعلم بمساواتها لمعصية علم كونها كبيرة و (حينئذ) نقول انّه يمكن الاستدلال على كون الغيبة من الكبائر بما تقدم مما دل على كونها أشد من الزنا و ما دل على كونها أعظم من الربا الذي هو أعظم من ستة و ثلاثين زنيّة و ما دل على كونها ادنى الكفر كما يمكن الاستدلال بما دلّ على كون الخيانة من الكبائر كما عرفت في كلام (المصنف) (رحمه الله) فتدبّر

قوله ثم ان ظاهر الاخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن فيجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنة

اعلم ان المراد بالمؤمن انما هو من قال بإمامة اثنى عشر اماما فمن أنكر واحدا منهم فهو مخالف ثم ان المذكور في كلام كثير من المتأخرين جواز اغتياب المخالف فضلا عن الكافر و الذي وقع التمسّك به أو يصلح لذلك أمور الأول أصالة الجواز بعد إبطال دلالة عموم الآية الآتية و نحوها من الاخبار بما ستعرفه الثاني الإجماع الذي ادعاه بعضهم و لا يقدح فيه عدم تعرض القدماء للغيبة لإمكان تحصيل الإجماع على جواز غيبتهم من اختصاص كلامهم بالحكم بحرمة هجاء المؤمنين فإن (الظاهر) منهم بمقتضى اعتبار مفاهيم القيود في كلماتهم هو اتفاقهم على جواز هجاء المخالف فيفهم منه بالأولوية عدم الخلاف بينهم في جواز غيبته لان الهجاء أشد تحريما من الغيبة لما فيه من الدوام و الاستمرار الثالث قيام السيرة المستمرة من الشيعة على ارتكابها في جميع الأعصار و الأمصار من علمائهم و عوامهم الرابع دعوى كون جوازها من الضروريات فضلا عن القطعيات كما في الجواهر الخامس انه قد تظافرت الاخبار بل تواترت على لعنهم و سبهم و شتمهم و كفرهم و انهم مجوس هذه الأمة و شر من اليهود و النصارى و أنجس من الكلاب كما في الجواهر السّادس ما في الجواهر من ان مقتضى تجاهر المخالفين بالفسق هو جواز غيبتهم فان ما هم عليه أعظم أنواع الفسق بل الكفر و ان عوملوا معاملة المسلمين في بعض الأحكام للضرورة لكن هذا الوجه انما يصح الاستناد اليه ممن يقول بجواز غيبة المتجاهر في غير ما تجاهر به و هو (رحمه الله) قد تفطن لذلك حيث قال بعد ما عرفت حكايته ما نصه و ستعرف (إن شاء الله) ان المتجاهر بالفسق لا غيبة له فيما تجاهر فيه و في غيره انتهى خلافا للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث حرم غيبة المخالف (أيضا) قال في مجمع الفائدة و (الظاهر) ان عموم أدلة تحريم الغيبة من الكتاب و السنة يشمل المؤمنين و غيرهم فان قوله (تعالى) وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً اما للمكلفين كلهم أو المسلمين فقط لجواز غيبة الكافر و لقوله (تعالى) بعده أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً و كذا الأخبار فإن أكثرها بلفظ الناس أو المسلم ثم ساق جملة من الاخبار التي منها ما تضمن حرمة غيبة المسلم و منها ما تضمن الدلالة على حرمة غيبة الناس و نقل في أثنائها عن الشيخ زين الدّين (رحمه الله) في رسالة الغيبة انه قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه و الغيبة تناول العرض و قد جمع بينها و بين المال و الدم ثم قال و بالجملة عموم أدلة الغيبة و خصوص ذكر المسلم يدل على التحريم (مطلقا) و ان عرض المسلم كدمه و ماله فكما لا يجوز أخذ مال المخالف و قتله لا يجوز تناول عرضه الذي هو الغيبة و ذلك لا يدل على كونه مقبولا عند اللّه كعدم جواز أخذ ماله و قتله كما في الكافر و لا يدل جواز لعنه بنص على جواز الغيبة مع تلك الأدلة بأن يقول انه طويل أو قصير أو أعمى أو أجذم أو أبرص أو غير ذلك و هو ظاهر ثم قال و أظن انى رأيت في قواعد الشهيد (رحمه الله) انه يجوز غيبة المخالف من حيث مذهبه و دينه الباطل و كونه فاسقا من تلك الجهة لا غير مثل ان يقال أعمى و نحوه و اللّه يعلم و لا شك ان الاجتناب أحوط انتهى و أورد عليه في الحدائق بوجوه الأوّل ان ما ذكره مبنى على ما هو المشهور من الحكم بإسلام المخالفين و هو مردود بالأخبار المستفيضة و ساق جملة من الاخبار التي من أظهرها ما عن الصادق (عليه السلام) انه قال من عرفنا كان مؤمنا و من أنكرنا كان كافرا و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع الى الهدي الذي افترض اللّه (تعالى) عليه من طاعتنا الواجبة فمن مات على ضلالة يفعل اللّه به ما يشاء ثم ذكر انه قد روى في الكافي جملة من الاخبار في تفسير الكفر في جملة من الآيات القرانية بترك الولاية منها ما رواه بسنده الى الصحاف قال سئلت الصادق (عليه السلام) عن قوله (تعالى) فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ قال عرف اللّه ايمانهم بموالاتنا و كفرهم بها إذ أخذ عليهم الميثاق و هم ذرّ في صلب آدم فحصل من ذلك ان المخالف كافر لاحظ له في الإسلام بوجه من الوجوه حتى يحرم غيبته الثاني انه مع تسليم صحة إطلاق المسلم عليه فالمراد به منتحل الإسلام و ليس المراد بالمسلم الذي يحرم غيبته الا ما هو مسلم بالمعنى

الأخص و هو المؤمن الموالي لأهل البيت (عليه السلام) إذ لا يخفى وقوع إطلاق الإسلام بالمعنى الثاني في الآيات و الروايات و منه قوله (تعالى) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ و قوله تعالى هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ و قوله (تعالى) فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كما ان الايمان يطلق تارة على الإسلام بالمعنى الأعم كقوله عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا فان المخاطبين هم المقرّون بمجرد الإسلام أمرهم بالايمان بمعنى التصديق و إطلاق المسلم بمعنى الذي ذكرنا في الاخبار أكثر كثير كما لا يخفى على من له أنس في الاخبار الثالث ان ما ذكره بقوله و (الظاهر) ان عموم أدلة تحريم الغيبة من الكتاب و السنة يشمل المؤمنين و غيرهم فان قوله (تعالى) وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً انما هو للمكلفين أو للمسلمين (إلخ) من العجب العجاب فان صدر الآية يا ايها الذين أمنوا فالخطاب للمؤمنين خاصة فكيف يقول ان الخطاب للمكلفين أو للمسلمين و كأنه غفل عن صدر الآية حتى بنى عليه هذا الكلام الضعيف و بالجملة فالاية انما هي عليه لا له الرابع انه لو سلم ان صدر الآية التي دلت على تحريم الغيبة مجمل الا ان قوله (تعالى) فيها أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً مما يعين الحمل على المؤمن فإن إتيان الاخوة بين المؤمن و المخالف له في دينه بالإنكار لا يدعيه من يشم رائحة الايمان و لا من أحاط خبرا باخبار السادة

112

الأعيان لاستفاضتها بوجوب معاداتهم و البراءة منهم ثم ذكر جملة من الاخبار ثم قال و يعضد هذه الاخبار العلية المنار قوله عزّ و جلّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ و قوله عز من قائل لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ و إذا كان عز و جل قد نهى أهل الإيمان عن ولايتهم و محبتهم فكيف يجوز الحكم في الآية المشار إليها بأخوتهم ما هذا الا سهو واضح من هذا التحرير و بذلك يظهر لك (أيضا) حمل خبر البراءة الذي نقله على المؤمن (أيضا) لقوله (عليه السلام) من تتبّع عورة أخيه (انتهى) إذ لا اخوة بين المؤمن و المخالف كما عرفت و ليت شعري أي فرق بين من كفر باللّه و رسوله و بين من كفر بالأئمة (عليه السلام) مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين بنص الآيات و الاخبار الواضحة الدلالة بعين اليقين الخامس ان الموجود في أكثر الأخبار الواردة في طرقنا انما هو بلفظ المؤمن و نحوه ثم ذكر جملة من الروايات المشتملة على لفظ المؤمن أو الأخ مما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في طي المسئلة متفرّقة ثم ذكر رواية مشتملة عليهما معا بقوله و ما رواه مرسلا في النهاية قال قال الصادق (عليه السلام) في حديث و من اغتاب أخاه المؤمن في غير حسرة بينهما فهو شرك شيطان الحديث الى غير ذلك من الاخبار و (حينئذ) فيجب حمل المسلم على هذه الاخبار المتضمنة للفظ المؤمن و الأخ على ان أكثر ما نقله من الاخبار انما هو من روايات العامة الّتي لا يقوم بها حجة سيما على ما هو المعهود من قاعدته و قاعدة أمثاله من أصحاب هذا الاصطلاح في رد الأخبار المروية و الأصول المشهورة بضعف السند باصطلاحهم المحدث فكيف بأخبار العامة انتهى السّادس ان قوله كما لا يجوز أخذ مال المخالف و قتله لا يجوز تناول عرضه يرده الأخبار فإن فيها زيادة على مقتضى الأخبار الدالة على كفره التصريح بحل أخذ ماله و قتله فروى الشيخ في الصّحيح عن حفص بن البختري عن الصّادق (عليه السلام) قال خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا خمسة و عن إسحاق بن عمّار قال قال الصادق (عليه السلام) فان الناصب و كل شيء يملكه حلال إلا امرأته فإن نكاح أهل الشرك جائز و ذلك فان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لا تسبوا أهل الشرك فان لكل قوم نكاحا و لو لا ان أخاف عليكم ان يقتل رجلا منكم رجلا منهم و رجل منكم خير من الف رجل منهم لأمرناكم بالقتل لهم و لكن ذلك الى الامام و روى في (الكافي) و (التهذيب) في الصّحيح عن يزيد معاوية العجلي قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن مؤمن قتل ناصبا معروفا بالنصب على دينه غضبا للّه و لرسوله أ يقتل به قال ما هؤلاء فيقتلونه به فلو رفع الى امام عادل ظاهر لم يقتله قلت فيبطل دمه قال و لكن ان كان له ورثة فعلى الامام (عليه السلام) ان يعطيهم الدية من بيت المال لان قاتله انما قتله غضبا للّه و لإمام المسلمين و روى في العلل في الصّحيح عن داود بن فرقد قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في قتل الناصب قال حلال و لكن اتقى عليك فان قدرت ان تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك به فافعل قلت فما ترى في ماله قال أتوه ما قدرت عليه و روى في العيون بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه للمأمون قال (عليه السلام) لا يحل قتل أحد من النّصاب و الكفار في دار التقية إلا قاتل أو ساع في فساد و ذلك إذا لم تخف على نفسك و أصحابك و روى في النهاية عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له أ رأيت من جحد الامام منكم فقال من جحد اماما من اللّه فتبرء منه و تردد فيه فهو كافر مرتد عن الإسلام و دمه مباح في تلك الحال الى ان يرجع و يتوب الى اللّه عزّ و جل و روى الكشي في الرجال بسنده الى على بن حديد قال سمعت من يسئل أبا الحسن (عليه السلام) فقال انى سمعت محمد بن بشير يقول انك لست موسى بن جعفر الذي هو إمامنا و حجتنا فيما بيننا و بين اللّه (تعالى) فقال لعنه اللّه ثلثا و أذاقه حر الحديد قتله اللّه أخبث ما يكون فقلت إذا سمعت ذلك منه أو ليس لي حلال دمه مباح كما

أبيح دم السّاب لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و الامام قال نعم حلّ و اللّه دمه حل و اللّه دمه و اباحه لك و لمن سمع ذلك منه الى أخر الحديث ثم قال فان قيل ان أكثر هذه الاخبار تضمن الناصب و هو على المشهور أخصّ من مطلق المخالف فلا تقوم الأخبار حجة على ما ذكرتم قلنا ان هذا التخصيص قد وقع اصطلاحا من المتأخرين فرار من الوقوع في مضيق الإلزام كما في هذا الموضع و أمثاله و الا فالناصب حيثما أطلق في الاخبار و كلام القدماء فإنما يراد به المخالف عدا المستضعف و يدلك على ذلك ما رواه في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم لمولينا على بن محمّد الهادي (عليه السلام) في جملة من مسائل محمد بن على بن عيسى قال أتيت اليه اسئله عن الناصب هل احتاج الى امتحانه في أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاده بإمامتهما فرجع الجواب من كان على هذا فهو ناصب و هو صريح في ان مظهر النصب و العداوة هو القول بإمامة الأولين و روى في العلل عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال أ ليس الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا و نحوه رواية المعلى بن خنيس و فيها و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و تبرؤون من أعدائنا فهذا تفسير الناصب في أخبارهم الذي تعلقت به الأحكام من النجاسة و عدم جواز المناكحة و حل المال و نحوه و هو عبارة عن المخالف (مطلقا) عدا المستضعف كما دل على استثنائه الاخبار و ما ذكروه من التخصيص بفرد خاص من المخالفين فهو مجرد اصطلاح منهم لم يدلّ عليه دليل من الاخبار و الاخبار في رده واضحة السّبيل انتهى و أنت خبير بما في الوجوه المذكورة امّا الأول فلان ما ذكره من ان ما ذكره المحقق المذكور مبنى على ما هو المشهور من إسلام المخالف و انه مردود بالاخبار مدفوع بان الكفر في تلك الاخبار انما هو بمعنى إنكار الولاية كما اعترف به هو (رحمه الله) (أيضا) في ذيل الوجه المذكور و على هذا فلا اثر لها في إثبات جواز غيبة المخالف لأن غاية مؤديها هو ان المخالف منكر للولاية و لم يتأتّ منها حكم كلى كبروى بان من أنكر الولاية يجوز غيبته و مجرد إطلاق لفظ الكافر عليه لا يقضى بثبوت أحكام الكافر بمعنى منكر الشهادتين و من هنا يعلم سقوط ما فرعه على ما ذكره بقوله فحصل من ذلك ان المخالف لاحظ له في الإسلام بوجه من الوجوه حتى يحرم غيبته و وجه السقوط ان الحاصل مما ذكره هو ان المخالف لاحظ له في الإقرار بالولاية فيبقى النزاع و البحث عن انه يجوز غيبة المخالف أم لا على حاله غير مفصول و لا منته الى التحقيق نعم لو كان الكافر اسما لمنكر الشهادتين أو وصفا خاصا به و كان إطلاقه على المخالف من باب التشبيه كما في قوله (عليه السلام) الطواف بالبيت صلاة كان عموم التشبيه من جهة عدم ذكر وجه الشبه و عدم أولوية بعض أحكام الكافر بالنسبة الى بعض مقتضيا للجواز و دليلا عليه و ليس (كذلك) لان الكفر بالشيء عبارة عن إنكار ذلك الشيء كائنا ما كان و ناهيك في ذلك قوله (تعالى) فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ و غيره من الآيات و من ذلك يعلم سقوط ما ذكره في الجواهر في طي كلامه الذي ساقه في رد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من تواتر الاخبار بكفر المخالفين و امّا الثاني فلان قوله بعد تسليم صحة إطلاق المسلم على المخالف ان المراد به انما هو منتحل الإسلام و ليس المراد بالمسلم الذي يحرم غيبته الا ما هو المسلم بالمعنى الأخص و هو المؤمن الموالي لأهل البيت (عليه السلام) مجرد دعوى

113

لا شاهد عليها و ما ذكره بعد ذلك من التعليل بوقوع إطلاق اسم المسلم على هذا المعنى الأخص لا يصلح شاهدا ضرورة ان اللفظ إذا تعدد معناه كان اللازم في تعيين أحد المعنيين و المعاني اتباع القرينة و بدونها يصير اللفظ مجملا مضافا الى انا نقول ان اخبار تفسير الإسلام بالإقرار بالشهادتين تفيد ان ليس معناه الا ما هو الشامل للمخالف فيحتاج التخصيص الى دليل مخصّص و امّا الثالث فلان ما ذكره من انّ صدر الآية يا ايّها الذين أمنوا فالخطاب للمؤمنين خاصة فكيف يقول المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ان الخطاب للمكلفين أو للمسلمين و انه غفل عن صدر الآية ليس في محله فانا نقول ان نسبه الى الغفلة اوفى من نسبه المحقق المذكور إليها لأنه قد اعترف في طي الوجه الثاني بأن الايمان يطلق تارة على الإسلام بالمعنى الأعم كقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا فان المخاطبين هم المقرون بمجرد الإسلام فهلا جوز ان يكون الايمان المذكور في صدر الآية بمعنى الإسلام بالمعنى الأعم مع ان من تأمل في موارد الخطاب بقوله (تعالى) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا و أمعن النظر في معناه لم يتوقف عن الحكم بان المراد به الإسلام بالمعنى الأعم و يشهد بذلك ان أخذ الميثاق بولاية على بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن قد وقع في زمان نزول أكثر الآيات التي تضمنت ذلك و هو ظاهر و بذلك يظهر سقوط ما ذكره في الجواهر من ان اللّه عقد الاخوة بين المؤمنين بقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ دون غيرهم فانا نقول ان لفظ المؤمنون في الآية بمعنى المسلمين و لا مانع من ذلك لانه يستعار لفظ الأخ لكلّ من شارك غيره في أمر كالطريق و نحوه فيجوز ان يكون قد أستعير في آية النهي عن الغيبة لمن شارك غيره في الإسلام كما انه قد استعمل الايمان في الآية التي ذكرها في الإسلام بالمعنى الأعم بقرينة عدم وجود المؤمنين بالولاية في ذلك الزّمان و وجود المسلمين فيه و اما الرابع فلانه بعد تسليم ان صدر الآية التي دلت على تحريم الغيبة مجمل لا يبقى مجال لدعوى ان ذيلها المشتمل على لفظ الأخ يعين الحمل على المؤمن لما عرفت من ان لفظ الأخ يجوز ان يستعار لمن شارك غيره في أمر كالطريق و نحوه كما يشهد به انّ إطلاق الأخ على أحد المقرين بالولاية بالنسبة إلى الأخر من هذا الباب فيصح ان يكون قد أستعير في آية النهي عن الغيبة لأحد المتشاركين في الإسلام و يشهد بهذا ما رواه في الوسائل في باب ان من كان له فئة من أهل البغي وجب ان يتبع مدرهم و يجهز على جريحهم و يقتل من أبواب كتاب الجهاد مسندا عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أبيه ان عليا (عليه السلام) لم يكن ينسب أحدا من أهل حرمة إلى الشرك و لا الى النفاق و لكنه كان يقول هم إخواننا بغوا علينا و حمله في الوسائل على التقية و لا يخفى ما فيه من البعد نعم الأخبار الدالة على وجوب البراءة تصلح لتعيين المعنى المجازي الخاص اعنى المقر بالولاية في هذه الآية من جهة دلالتها على الحكم في غير المقر بالولاية بما ينافي الحكم الثابت في حق المقر بها لأنها تدل على ان الاخوة لا تتصور بين المخالف و غيره و من هنا يتجه المناقشة في ظاهر عبارة صاحب الجواهر حيث قال و كيف يتصور الاخوة بين المؤمن و المخالف بعد تواتر الرّوايات في وجوب معاداتهم و البراءة منهم و امّا الخامس فلان كون أكثر الأخبار بلفظ المؤمن لا يقتضي ان يكون المراد بالناس أو المسلم هو خصوص المؤمن لأنه لا يخلو اما ان يكون الدليل على شيء منهما من قبيل العام فيكون الدليل المشتمل على المؤمن من قبيل الخاص و اما ان يكون الأوّل من قبيل المطلق حتى يكون الثاني من قبيل المقيّد و على كل من التقديرين لا بحال لدعوى ان المراد بالنّاس أو المسلم هو خصوص المؤمن امّا الأوّل فلان من المعلوم ان قوله (عليه السلام) كذب من زعم انه ولد من حلال و هو يأكل لحوم الناس بالغيبة و قوله (عليه السلام) من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنة على غرض كونهما من قبيل العام و الخاص ليسا الا من قبيل المتوافقى الظاهر و من المقرر في صناعة الأصول ان العام و الخاص إذا كانا متوافقي الظاهر لا يحمل الأول منهما على الثاني و على فرض كونهما من قبيل المطلق و المقيّد فان ليسا جامعين لشرائط حمل المطلق على المقيد فان منها اتحاد الموجب كما في قولنا ان ظاهرة فأعتق رقبة و قولنا

ان ظاهرة فأعتق رقبة مؤمنة و معلوم انتفاؤه فيما نحن فيه و لا يرد مثل ذلك على صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث حكم بأنه يجب إرادة المؤمن من لفظ الناس و المسلم لانه فرع ذلك على تواتر الروايات بوجوب معاداتهم و البراءة منهم المستلزم لكون المراد بالأخ في الآية هو المؤمن لا على ان الموجود في أكثر الأخبار هو لفظ المؤمن قال (رحمه الله) و كيف يتصور الاخوة بين المؤمن و المخالف بعد تواتر الروايات بوجوب معاداتهم و البراءة منهم و (حينئذ) فلفظا الناس و المسلم يجب إرادة المؤمن منهما كما عبر به في أربعة أخبار انتهى و الفرق بين المسلكين ظاهر و امّا السادس فلما يتجه عليه أوّلا ان كون الناصب عبارة عن مطلق المخالف ممنوع بل هو حين وقوعه موضوعا للحكم بالنجاسة أو غيرها من أحكام الكفار أو ما هو أشد من أحكام الكفار كالأحكام المذكورة في الاخبار التي ذكرها نظرا الى ان الكافر الغير المحارب لا يقتل و لا يستباح ماله عبارة عمن يبغض أهل البيت (عليه السلام) و يوضح ما ذكرناه ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) في كتاب الطهارة عن الصدوق (رحمه الله) في باب النكاح من الفقيه من ان الجهال يتوهمون ان كل مخالف ناصب و ليس (كذلك) انتهى و عن المعتبر و المنتهى في باب الأسئار أنهم الذين يقدحون في على (عليه السلام) قال العلامة (رحمه الله) في باب النجاسات من التذكرة ما نصه الناصب و هو من يتظاهر يبغضه أحد الأئمة (عليه السلام) نجس و قد جعله الصادق (عليه السلام) شرا من اليهود و النصارى انتهى و عن القاموس ان النواصب هم المستدينون ببغض على (عليه السلام) لأنهم نصبوا للذي عاده و عن شرح المقداد ان الناصب يطلق على خمسة أوجه الأول القادح في على (عليه السلام) الثاني من ينسب إلى أحدهم (عليه السلام) ما يسقط العدالة الثالث من ينكر فضلهم لو سمعه الرابع من يعتقد فضيلة غير على (عليه السلام) الخامس من أنكر النص على على (عليه السلام) بعد سماعه و دخوله اليه بوجه يصدقه و قال السيّد المحدث الجزائري (رحمه الله) في الأنوار ما نصه في بيان معنى الناصب الذي ورد في الاخبار انه نجس و انه شر من اليهود و النصراني و المجوسي و انه كافر نجس بإجماع علماء الإمامية (رضي الله عنه) فالذي ذهب إليه أكثر الأصحاب هو ان المراد به من نصب العداوة لآل بيت محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و تظاهر مبغضهم كما هو الموجود في الخوارج و بعض ما وراء النهر و رتبوا الأحكام في باب الطهارة و النجاسة و الكفر و الايمان و جواز النكاح و عدمه على الناصبي بهذا المعنى انتهى و لا يخفى ان الظاهر من الاخبار هو كون الناصب عبارة عمن يبغض أهل البيت (عليه السلام) و لما كان المنشأ في ذلك غالبا بغض سيدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) اقتصر في المعتبر و المنتهى على ذلك و كذا صاحب القاموس و ينطبق على ما حكاه السيّد المحدث المذكور عن أكثر الأصحاب و إذ قد عرفت ذلك نقول ان فهم أكثر الأصحاب هذا المعنى من الناصب في مقام الحكم عليه بأحكام الكفر كاشف عن قرينة معتبرة دلتهم على ذلك هذا مضافا الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في كتاب الطهارة في رد صاحب الحدائق (رحمه الله) حيث قال و كيف كان فلا يخفى ضعف

114

تعميم الناصب للمخالف و الذي يسهل الخطب انه قد اعترف في الحدائق و قال انه لا خلاف منّا في انّ الناصب هو العدو لأهل البيت (عليه السلام) و النصب لغة العداوة و شرعا بل لغة (أيضا) على ما يفهم من القاموس هو العداوة لأهل البيت (عليه السلام) و انّما الخلاف في ان هؤلاء المخالفين هو يدخلون تحت هذا العنوان أم لا فنحن ندعى دخولهم و هم يمنعون و الدليل على ما ذكرنا هو الاخبار المذكورة انتهى كلامه ثمّ قال (المصنف) (رحمه الله) و أنت إذا تأملّت عمدة ما ذكره من الاخبار وجدته غير ذال على ان الناصب للشيعة ناصب لأهل البيت (عليه السلام) انتهى و ثانيا ان ما ذكره من الحكم غير ثابت في الناصب بمعناه الأخص (أيضا) اعنى من تظاهر ببغض على (عليه السلام) أو أحد الأئمة (عليه السلام) و ما ذكره في الاخبار غير متلقى بقبول الأصحاب و لا مفتى بها عندهم و لهذا قال ابن إدريس (رحمه الله) في مستطرفات السّرائر فيما استطرفه من كتاب نوادر محمّد بن على بن محبوب الأشعري بعد ذكر رواية المعلى بن خنيس خذ مال الناصب حيثما وجدته و ابعث إلينا الخمس و رواية حفص بن البختريّ عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا خمسه ما نصه قال محمد بن إدريس (رحمه الله) الناصب المعنى في هذين الخبرين أهل الحرب لأنهم ينصبون الحرب للمسلمين و الا فلا يجوز أخذ مال مسلم و لا ذمي على وجه من الوجوه انتهى و قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة و اما ما يتلفه أهل العدل من أموال أهل البغي قبل الشروع في القتال أو بعد تقضى الحرب فإنه يكون مضمونا لانه ليس لأهل العدل ذلك فكان إتلافا بغير حق فوجب عليهم الضمان و يحتمل ان يقال ان احتاج أهل العدل الى قتل أو إتلاف مال في تفرقهم و تبديد كلمتهم جاز لهم ذلك و لا ضمان انتهى فقد حكم بكون مال الباغي الذي هو قسم من الناصب مصونا في غير حال الحرب و هو الذي عليه الكلام فيما نحن فيه غاية ما في الباب ان خروجهم على الامام (عليه السلام) و تصدّيهم لقتاله أوجب اباحة دمائهم بلا اشكال و لا خلاف و اباحة أموالهم التي حواها العسكر على أحد القولين و القول الأخر انه لا يجوز أخذ أموالهم حتى مع الحرب فيكون عدم حل أخذها بدون حرب اولى بالالتزام و كيف يجوز صدور الحكم من أصحابنا بجواز أخذ مال الناصب في غير حال الحرب و قد اختلفوا في جواز أخذ مال البغاة في حال الحرب هذا و لكن السيّد المحدث الجزائري (رحمه الله) نسب جواز القتل و أخذ الأموال إلى الأكثر قال في الأنوار ما صور الأمر الثاني في جواز قتلهم و استباحة أموالهم قد عرفت ان أكثر الأصحاب ذكروا للناصب ذلك المعنى الخاص في باب الطهارات و النجاسات و حكمه عندهم كالكافر الحربي في أكثر الأحكام انتهى و (الظاهر) ان التقييد بأكثر الأحكام للاحتراز عن سبى النساء و الذراري و استرقاقهم فان ذلك غير جائز بالاتفاق بل في الجواهر عن (التقي) في رد ما حكيناه عن ابن إدريس (رحمه الله) من تفسير الناصب بالحربي و عدم جواز قتل المسلم و الذمي و عدم جواز أخذ مالهما انه قال انه خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفا و خلفا من الحكم بكفر الناصب و جواز أخذ ماله و قتله انتهى و يظهر من صاحب الجواهر (رحمه الله) موافقة صاحب الحدائق (رحمه الله) قال في أخر كتاب الجهاد في مسئلة وجوب قتل سابّ الامام (عليه السلام) بعد نفى الخلاف و نقل الإجماع عن جماعة و التمسك ببعض الاخبار ما لفظه بل لا ريب في اندراج السابّ من المسلمين في الناصب الذي ورد فيه انه حلال الدم و المال انتهى و قال في كتاب الحدود في المسئلة المذكورة بعد الاستدلال بجملة من النصوص و غيرها ما نصه مضافا الى ما دلّ على حلّية دم الناصب الذي منه خبر داود بن فرقد قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في قتل الناصب فقال حلال الدم و لكن اتقى عليك فان قدرت ان تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك أحد فاعل و فصل في كشف الغطاء بين النفس و المال بعدم عظمة الأوّل بخلاف الثاني فإنه معصوم حيث انه (رحمه الله) بعد تقسيم الكفار المتشبثين بالإسلام الداخلين في مبناه الخارجين عن معناه إلى أقسام ثلاثة أحدها الخوارج و ثانيها الناصب و ثالثها الغلاة و بعد بيان ان الناصب يطلق على معان أحدها المتدين ببغض أمير المؤمنين (عليه

السلام) أو أحد الخلفاء الراشدين ثانيها المتظاهر ببغض على (عليه السلام) أو أحد الخلفاء و ان لم يتخذه دينا و هو أعم مما تقدمه ثالثها المبغض (كذلك) (مطلقا) متظاهرا أم لا و هو أعم من القسمين السابقين قال و الأقسام الثلاثة السّابقة الأوّل و الثالث و الثاني بأقسامها الثلاثة مشتركة في الحكم بالتنجيس و عدم إباحة الذبائح و عدم عصمة الدماء بعد الاستنابة في وجه قوى و امّا الاعراض و الذراري و الأموال فمعصومة على الأقوى كما في المرتد و لا عصمة لمال الغلاة هذا كلامه (رحمه الله) و لكن الإنصاف ان التفصيل لا وجه له لانه قد دل على كل من عدم عصمة النفوس و عدم عصمة الأموال بالنسبة إلى الناصب اخبار و فيها الصّحيح و غيره فاما ان يطرح كل من الطائفتين أو يعمل بهما جميعا و الثاني أولى لحجية الأخبار الصحيحة الصريحة و الظاهرة و تأيدها بغيرها من الاخبار و بنقل الشهرة في كلام السيّد المحدث الجزائري و الاتفاق في كلام المحدث البحراني (رحمه الله) و لا أقل من كونها معمولا بها في الجملة من جهة فتوى جماعة قليلة فلا تكون مما اعرض عنه الأصحاب و طرح الاخبار على كثرتها و صحة جملة منها مما لا يجسر عليه المنصف المتشبث بأذيال أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) و اما ما ذكره ابن إدريس (رحمه الله) من حمل خبري المعلى بن خنيس و ابن البختري على إرادة الحربي من لفظ الناصب فقد رده السيّد المحدّث الجزائري (رحمه الله) في الأنوار بان الناصب قد صار في الإطلاق حقيقة في غير أهل الحرب و لو كانوا هم المراد لكان الاولى التعبير عنهم بلفظهم من جهة ملاحظة التقية لكن لما أراد بيان الحكم الواقعي عبر بما ترى هذا و أنت ان كنت أهلا للتدبر فيما قدمناه لك تعلم ان النهج القويم في رد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) انما هو ما سلكه (المصنف) (رحمه الله) و ذلك لانه تمسك بظاهر الاخبار و أيده بجواز لعنه اما بيان الأول فهو ان المراد بالاخبار انما هو الجنس كما في قولهم الحكم خطاب اللّه المتعلق بأفعال المكلفين دون الاستغراق بان يكون المراد جميع ما ذكره من الاخبار ضرورة ان قوله (عليه السلام) ان الغيبة أشد من الزنا و ما سيق مساقه مما لا يصلح للدلالة على شيء من الاختصاص بالمؤمن و الشمول لكل مسلم و (حينئذ) نقول ان جملة من الاخبار قد تضمنت لفظ المؤمن و معلوم ان المؤمن في اخبار الأئمة (عليه السلام) عبارة عمن تولاهم و جملة منها قد تضمنت لفظ المسلم و ينصرف في أمثال المقام مما أريد فيه دفع السّوء أو جلب الخير إليه إلى خصوص مواليهم (عليه السلام) كما ان الناس في أمثال المقام ينصرف في لسان المسلم الى المسلمين بل الحال على هذا المنوال عند كل من كان من أهل ملة فيريد به من كان من أهل ملته بل نقول ان مساق بعضها يعطى الاختصاص مثل قوله (عليه السلام) من قال في مؤمن ما رأته عيناه أو سمعت أذناه مما يشينه و يهدم مروته فهو من الذين قال اللّه (تعالى) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ (انتهى) فإنه يستفاد منه ان حرمة الغيبة انما هي من جهة كونها مما يشين المقول فيه و يهدم مروته و من المعلوم بحكم الاخبار ان من يجب التحرز عن اصابته بالشين و هادم المروة انما هو الموالي لأهل البيت (عليه السلام) و اما بيان الثاني فهو انّه إذا جاز لعنه و الدعاء عليه بان يكون مطرودا ممنوعا من رحمة اللّه تعالى مع كونها أعظم النعم كلها فجواز ذكره

115

بالسّوء المورث للنقص الدنيوي بالطريق الاولى

قوله و حل ذبائحهم و مناكحهم

المراد حل ذبائحهم للمؤمنين و حل مناكحهم بالنسبة إلى أنفسهم بأن يكون من تزوج منهم امرأة على وفق مذهبه حلت له

قوله و نسائهم

عطف على الدماء أي حرمة نسائهم و المراد حرمتهن على المؤمنين من جهة كونهن ذوات بعولة و بهذا يصحّ التعليل بقوله لان لكل قوم نكاحا

قوله مع ان التمثيل المذكور في الآية مختص بمن ثبت اخوته فلا يعم من وجب التبري عنه

لا يخفى على من اعطى التأمل في العبارة حقه انها قد تضمنت مناط المطلب على وجه اوفى و أتم فإن التمثيل عبارة عن مجموع قوله (تعالى) أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً المعقب بقوله (تعالى) فَكَرِهْتُمُوهُ و من المعلوم ان هذا الكلام مسوق على وجه الاستفهام الإنكاري يدل على انه ليس المراد بالأخ مطلق من شارك غيره في أمر كالطريق و العمل و أمثالهما بل خصوص المشارك الذي من شأنه أن يحب من شاركه و (حينئذ) لا ينطبق الا على المؤمن فإنه الذي من شأن المؤمن الأخر ان يلتزم حبه و لا ينطبق على المخالف و على هذا يصير التمثيل المذكور في ذيل الآية مخصّصا بصدرها الذي هو قوله (تعالى) وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ثم لا يخفى على من له ملكه اكتناه حقائق المقاصد ان هذا البيان مغاير لما افاده صاحب الحدائق و الجواهر (رحمه الله) من انه لا يتصور الاخوة بين المؤمن و المخالف هذا و قد بقي في المقام شيء و هو ان بعض من تأخر بعد ان اقتفى اثر صاحب الجواهر (رحمه الله) فيما أورده على المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من انه لا يتصور الاخوة بين المؤمن و غيره و ان اللّه عقد الاخوة بين المؤمنين و ان الآية مصدرة بقوله (تعالى) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و غير ذلك مما عرفت زاد هو إيراد أخر على المحقق المذكور في التمسك بعموم الآية التحريم غيبة المخالف و هو ان الخطاب فيها مختص بالمشافهين فلا يعم غيرهم و ثبوت الحكم في حقنا انما هو بقاعدة الاشتراك في التكليف و لم يكن موضوع المخالف موجودا في زمانهم حتى يدعى دخوله في عموم الآية و يثبت الحكم في حقنا بقاعدة الاشتراك و انما حدث ذلك بعد زمانهم من جهة اعتبار شرط زائد في الايمان و هو قبول الولاية و أنت خبير بما فيه من الضعف و السقوط لأنه إذا سلم ان موضوع المخالف لم يكن موجودا في زمن الخطاب و انما حدث بعده من جهة اشتراط أمر زائد في الايمان و هو قبول الولاية لم يكن له بدّ من الالتزام بان موضوع المؤمن (أيضا) حدث بعد زمن الخطاب و ان من التزم بالشرط الزائد صار مؤمنا و من لم يلتزم به صار مخالفا و (حينئذ) نقول يتجه عليه أمران أحدهما ان هذا المقال ينافي دعوى ان الآية مصدرة بقوله (تعالى) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و ان أخا المؤمن لا يكون إلا مؤمنا فلا تعم الآية المخالف الا ان يعتذر عن ذلك بان هذا المقال مبنى على الإغماض عما تقدم و ثانيهما انه إذا لم يكن المخالف و لا المؤمن موجودين في ذلك الزمان فلا يبقى الا عنوان الإسلام الذي يرادفه الايمان المصدر به الآية فيصير معنى الآية و اللّه اعلم لا يغتب بعض المسلمين بعضا فيحرم على كل من صدق عليه عنوان المسلم اغتياب من صدق عليه عنوان المسلم و (حينئذ) لو فرض انه عرض لبعضهم عنوان أخر و لبعضهم الأخر عنوان مغاير للعنوانين الأولين لم يعقل ان يكون عروض العنوانين الآخرين مغيّرا للحكم المتحقق بالآية فافهم

قوله مضافا الى إمكان الاستدلال بالآية و ان كان الخطاب للمكلفين بناء على عدّ أطفالهم منهم تغليبا

المراد بالآية قوله (تعالى) لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً و المراد بالخطاب ضمير الجمع المضاف اليه لفظ بعض فيكون المراد بعضكم ايها المكلفون و المميّزون و يكون المعنى بمقتضى ظاهر اللفظ نهى المكلفين عن اغتياب المميزين و نهى المميزين عن اغتياب المكلفين و نهى المكلفين عن اغتياب أمثالهم و نهى المميزين عن اغتياب أمثالهم لكن لما كان الخطاب التكليفي لا يتوجه الى غير المكلف بالإجماع و الضرورة خرج عن تحت حكم مباشرة فعل الغيبة بأن يذكر غيره بالسوء فبقي حكم حرمة ذكر الغير له بالسوء فبقي داخلا تحت البعض المنصوب على المفعولية هذا و لكن لا يخفى ما فيه من التكلف

قوله و ظاهره الشمول لغير المميّز (أيضا)

فما يعدّ عيبا في حق الصّبي الغير المميّز فذكره داخل في الغيبة بأن يقال انه منكوح و نحو ذلك و امّا ما لا يعدّ عيبا في حقه كاللعب بالجوز و الكتاب و نحوهما فذكره في حقه لا يكون من الغيبة

[بقي الكلام في أمور]

[الأول حقيقة الغيبة]

قوله و (الظاهر) من الكل خصوصا القاموس المفسّر لها أولا بالعيب ان المراد ذكره في مقام الانتقاص

أنكر بعض مشايخنا اعتبار قصد الانتقاص في تحقق مفهوم الغيبة و لم يأت على ذلك بسلطان مبين سوى التمسك بالعرف فاستند إلى انّه ان ذكر الرجل بصفات يكون وجودها فيه عيبا و نقصا مع عدم قصد انتقاصه بذلك لم يصدق عليه اسم الغيبة و أنت خبير بوهن ما ادعاه في مقابل ما يستفاد من كلمات أهل اللغة و انى لمثله الوصول الى عرف العرب في أمثال الزمان خصوصا في مواد اللغة

قوله فالمراد اما كراهة ظهوره و لو لم يكره وجوده كالميل الى القبائح و اما كراهة ذكره بذلك العيب

فيكون تقدير كلامه إذا ذكره بما يكره ظهوره أو يكره ذكره و الفرق بين الأمرين ظاهر كما أشار (رحمه الله) اليه فيما سيجيء لأنه قد يكون العيب ظاهرا فلا يبقى مورد لكراهة ظهوره و مع ذلك يكون صاحبه كارها لذكره

قوله و على هذا التعريف

يعنى تعريف المصباح

قوله و المراد بما يكرهه كما تقدم في عبارة المصباح ما يكره ظهوره

(انتهى) لا يخفى انه ان أراد بما يكرهه ما وقع في الخبرين اتجه عليه انه لا نكتة لترك احتمال ان يكون المراد ما يكره ذكره كما تقدم في عبارة المصباح مع جريان ذلك الاحتمال في الموصول الواقع في الخبرين بعد جعله عبارة عن العيب و ان أراد به ما وقع في عبارة جامع المقاصد اتّجه عليه ان ظاهر عبارة جامع المقاصد هو كون الموصول عبارة عن الكلام و ذلك لانه لم ينقلها غير وجهها فان الموجود فيه ما لفظه وحدها على ما في الاخبار ان يقول المرء في أخيه ما يكرهه لو سمعه مما فيه و وجه الظهور انها مثل عبارة الصّحاح فكما انه استظهر (المصنف) (رحمه الله) منها ان المراد بالموصول انّما هو الكلام و ليس وجه الظهور الا اقحام قوله لو سمعه (كذلك) في عبارة جامع المقاصد فكيف استظهر هناك ارادة الكلام و ذكر هيهنا احتمالين بل عين ارادة العيب الذي يكره ظهوره ثم ذكر ارادة الكلام على وجه الاحتمالين بل لقائل أن يقول ان ما ذكره المحقق الثاني (رحمه الله) في ذيل الكلام المذكور (أيضا) دليل على ارادة الكلام من الموصول لانه قال (رحمه الله) و كذا ما في حكم القول من الإشارة باليد و غيرها من الجوارح و التحاكي بفعله أو قوله كمشى الأعرج و قد يكون بالتعريض مثل قول القائل انا لا افعل كذا معرضا بمن يفعله و لو قال ذلك فيه بحضوره فتحريمه أغلظ و ان كان ظاهرهم انه ليس غيبة و ضابط الغيبة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن و التفكه به و إضحاك الناس منه هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) لكن لا بد على تقدير ارادة الكلام بالموصول من ارتكاب الاستخدام في الضمير العائد الى الموصول الأخير المجرور بمن في التعريف و التقدير مما مضمونه فيه هذا مضافا الى ما يتجه على (المصنف) (رحمه الله) في الشق الأخير من الترديد (أيضا) ما أوردناه على الشق الأول من انه بعد جعل الموصول عبارة عن العيب

116

لا يبقى نكتة لترك احتمال ارادة ذكر العيب و الاقتصار على احتمال ظهور العيب

قوله مع انه داخل في التعريف عند الشهيد (رحمه الله)

أراد بالتعريف التعريف الواقعي المطابق لحقيقتها لا التعريف الذي حكاه عنه (رحمه الله) لان دخوله فيه مع وجود القيد المذكور غير معقول

قوله نعم لو أرجعه الكراهة إلى الوصف الذي يسند إلى الإنسان تعين ارادة ظهورها فيختص بالقسم الأول و هو ما كان إظهار الأمر مستور

(الظاهر) ان التعبير بالقسم الأول عما كان إظهار الأمر مستور انما هو باعتبار كونه قسما أوّلا من أقسام الكلام التي ذكرها قبيل هذا و ان كان هو الأوّل فيما ذكره في تفسير عبارة المصباح (أيضا) هذا و لكن لم يعلم النكتة في تعين ارادة ظهور الوصف على تقدير إرجاع الكراهة إلى الوصف و قد عرفت سريان احتمال إرادة كراهة الذكر (أيضا) فإنه لم يظهر من كلامه (رحمه الله) وجه تركه لذلك الاحتمال

قوله و يؤيد هذا الاحتمال بل يعينه الأخبار المستفيضة الدالة على اعتبار كون المقول مستورا غير منكشف

أنكر بعض مشايخنا اعتبار الستر في تحقق مفهوم الغيبة كما أنكر اعتبار الايمان في المقول فيه فذكر المتجاهر و الكاف و المخالف بسوء داخل في موضوع الغيبة غاية الأمر استثناؤه من الحكم و كونه غيبة مباحة و استند في ذلك كله الى العرف و حمل الاخبار على بيان الفرد الغالب و نحن نقول امّا بالنسبة الى الايمان فما ذكره لا غائلة فيه و اما بالنسبة إلى الستر فما حققه ساقط أمّا أوّلا فلان مثله لا ينال عرف العرب خصوصا في الموارد خصوصا في هذا الزمان خصوصا مع تصريح الجواهري بخلاف ما ذكره و امّا ثانيا فلان الرجوع الى العرف في موضوع الحكم الشرعي مع وقوع البيان في الأدلة الشرعية مما لا وجه له و حمل الاخبار على بيان الفرد الغالب مما لا داعي إليه نعم لا بد من تفسير الأخبار الدالة على اعتبار الإسلام أو الايمان على بيان الفرد المحرم للعلم بعدم اعتبار شيء من الإسلام و الايمان في موضوع الغيبة

قوله و هذه الاخبار كما ترى صريحة في اعتبار كون الشيء غير منكشف

أقول كما ان الاخبار المذكورة صريحة فيما ذكره (المصنف) (رحمه الله) (كذلك) الأخيران منها صريحان في كون الغيبة مغايرة للبهتان من جهة ان الاولى عبارة عن ذكر ما ليس في المقول فيه و الثاني عبارة عن ذكر ما فيه و يدل على هذا الفرق جملة من الاخبار كالمرسل عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أ تدرون ما لغيبة فقال اللّه و رسوله اعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أ رأيت ان كان في أخي ما أقول قال ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته و ان لم يكن فيه فقد بهتته و ما روى عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) (أيضا) انه ذكر عنده رجل فقالوا ما أعجزه فقال اغتبتم صاحبكم قالوا يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قلنا ما فيه قال ان قلتم ما ليس فيه فقد بهتتموه و قول ابى الحسن (عليه السلام) من ذكره من خلفه بما لم يعرفه الناس فقد اغتابه و من ذكر بما ليس فيه فقد بهته و عبارة الصحاح التي يذكره (المصنف) (رحمه الله) بعد كلامه هذا صريحة في الفرق المذكور كعبارة المصباح و القاموس و النهاية و جامع المقاصد المتقدم ذكرها في كلامه (رحمه الله) فالفرق المذكور مما لا ريب فيه و لا اشكال و ذكر بعض مشايخنا انّه يمكن حمل هذه الاخبار على تمييز ما هو حرام من حيث الغيبة فقط عما هو حرام من جهتين من جهة كونه غيبة و من جهة كونه كذبا و بهتانا و ان ما هو حق و صدق فهو حرام من جهة الغيبة فقط و ان ما ذكر مما ليس بحق فهو حرام من جهتين جهة الغيبة و جهة البهتان و أنت خبير بما فيه من التكلف و العدول عن قصد السّبيل

قوله فإن أراد من المستور المستور من حيث ذلك القول وافق الاخبار و ان أراد مقابل المتجاهر احتمل الموافقة و المخالفة

امّا وجه موافقة الوجه الأول للاخبار فهو انه يصير المراد بالإنسان المستور في قول صاحب الصّحاح ان الغيبة ان يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه الإنسان الذي ستر اللّه عليه وصفه المخصوص الذي ذكره ذلك القائل و معلوم ان هذا يصير موافقا لقوله (عليه السلام) في رواية ابن سنان ان تقول في أخيك ما فيه مما قد ستره اللّه عليه و لما ساواه في الاخبار التي بعدها و اما وجه احتمال موافقة الوجه الثاني للاخبار و احتمال مخالفته لها فلأنه إذا كان المراد بالإنسان المستور في عبارة الصحاح هو مقابل المتجاهر الذي هو من لا يبالي بظهور فسقه بين الناس و هو محتمل لوجهين كونه لا يبالي بظهور معصية خاصة و ان كان يكره ظهور معصية أخرى و كونه لا يبالي بظهور شيء من المعاصي (فحينئذ) نقول انه على الوجه الأول موافق للاخبار لانه قد اعتبر فيها صفة خاصة سترها اللّه عليه و على الوجه الثاني مخالف للاخبار من جهة ان ذكر غير المتجاهر بجميع المعاصي بما فيه من السوء يكون غيبة و من جملة غير المتجاهر (حينئذ) من كان يكره ظهور بعض و لا يكره ظهور البعض الأخر فإنه يصير داخلا في المستور فيكون ذكره بكل منهما غيبة و قد كان مقتضى الاخبار ان ذكر الوصف الذي لم يستره اللّه عليه ليس من الغيبة

قوله و في صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عورة المؤمن على المؤمن حرام قال نعم قلت تعنى سفلتيه قال ليس حيث تذهب انما هو اذاعة سره

أراد بسفلتيه عورتيه و يوافق ما في المجمع حيث قال السفل و السافل نقيض العالي و السافلة المقعدة و الدبر و منه حديث الميت يبتدى بغسل سفليّته يعنى العورتين

قوله و في رواية محمّد بن يعقل عن ابى الحسن (عليه السلام) و لا تذيعن عليه شيئا تشينه به و تهدم به مروته فتكون من الذين قال اللّه عزّ و جلّ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ

(انتهى) ربما يستفاد من النهى عن الإذاعة و الاستشهاد له بالآية ان المراد بشياع الفاحشة فيها ظهورها

قوله و لا يقيد إطلاق النهي بصورة قصد الشين و الهدم من جهة الاستشهاد بآية حب شياع الفاحشة بل (الظاهر) ان المراد مجرد فعل ما يوجب شياعها

لعل الوجه في الحكم بعدم تقييد إطلاق النهي في قوله (عليه السلام) لا تذيعن من جهة الاستشهاد بآية هو ان مؤدى الآية انما هو الإيعاد على حب شياع سوء القول من المؤمنين و هذا يتحقق بان يكون الرجل راضيا بإسائة غيره بالمؤمنين فالايعاد انما هو على مجرد حب ذلك و يكون توجهه الى من يتكلم بالسوء من القول بطريق الأولوية و يكون قوله (عليه السلام) فتكون من الذين قال اللّه عز و جلّ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ (انتهى) تنبيها على كون المتكلم بالسوء في حكم الذين يحبون شياع الفاحشة فعلى هذا لا تكون الآية صالحة للتقييد فيبقى إطلاق النهي عن الإذاعة على حاله هذا و لكن لا يخفى عليك ان أصل تحقق الإطلاق في النهي الذي نفى (رحمه الله) تقيده بصورة قصد الشين و الهدم من جهة الاستشهاد بالآية موقوف على ان يكون قوله (عليه السلام) تشينه و تهدم مروته ظاهرا في إرادة مجرد صيرورته سببا لشينه و هدم مروته من دون قصد منه إليهما و الا كان المعنى و لا تذيعن عليه شيئا تقصد شنيه بذلك الشيء و تقصد هدم مروته به و صار مفهوم الجملة بعد صيرورة جملة تشينه به (انتهى) صفة لمفعوله الذي هو كلمة شيئا غير مطلق بل كان مقيدا من أول الأمر و (حينئذ) نقول ان كان قوله تشينه (انتهى) ظاهرا في مجرد صيرورته سببا لم يصلح الاستشهاد بالآية للتقييد بصورة قصد الشين و هدم المروة لأن سياق الاستشهاد الواقع في الحديث ليس ظاهرا فيما يوجب التقييد لان مفاده هو انك بسبب اذاعتك شيئا تصير سببا لشينه به و هدم مروته به نكون من الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فيتعين (حينئذ) الإدراج الحكمي كما أشرنا إلى إرادته سابقا دون الإدراج الموضوعي فالمراد بقول

117

(المصنف) (رحمه الله) بل (الظاهر) ان المراد مجرد فعل ما يوجب شياعها هو ان (الظاهر) من النهى بقوله (عليه السلام) لا تذيعن مجرد فعل ما يوجب شياع الفاحشة بمعنى مطلق التسبب لظهور حاله و ذلك لعدم صلاحية الاستشهاد بالآية للتقييد هذا و لكن الاتصاف ان النهى المذكور ليس (مطلقا) و انما هو مقيد من أول الأمر لا نقول بذلك من جهة مجرد قوله (عليه السلام) لا تذيعن حتى يمنع دلالته على قصد الشين الذي هو بالنسبة إلى الازاعة من قبيل الغاية بل من جهة وقوع جملة تشينه وصفا للفظ شيء الذي هو مفعول لا تذيعن و ذلك لان المذكور في كتب اللغة انه يقال شأنه إذا عابه و معلوم ان الأفعال ظاهرة في قصد فاعليها الى موادها و انها حقيقة في ذلك فمعنى قوله (عليه السلام) تشينه هو انك تقصد شينه و على هذا فمفهوم النهى يكون من أول الأمر مفهوما مقيدا و يطابقه الاستشهاد بالآية و لا تصير مقيدة له من جهة كونه بنفسه مقيدا لا من جهة كون الاستشهاد بها مبنيا على الإدراج الحكمي

قوله مع انه لا فائدة كثيرة في التنبيه على دخول القاصد لاشاعة الفاحشة في عموم الآية و انما يحسن التنبيه على ان قاصد السبب قاصد للمسبب و ان لم يقصده بعنوانه

فيه ان من المقرر الدائر في السنة أهل العلم ان فوائد الكلام تختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص كما انهما مختلفتان بالنسبة إلى نوع الكلام فقد يقتضي حال كلاما لا يقتضيه غيره و قد يقتضي قابلية شخص كلاما لا تقتضيه قابلية الأخر فنقول فيما نحن فيه انه يمكن ان يكون المخاطب بقوله (عليه السلام) لا تذيعن ممن لا يعلم أصل حرمة اذاعة ما يشين المؤمن و يمكن ان يكون ممن ينكره أو يشك فيه ثم الاستشهاد يصلح ان يكون من جهة إنكار المخاطب و يصلح ان يكون من جهة تأكيد الحكم للاهتمام به من جهة انه حكم إلزامي تحريمي لم يلتفت المخاطب الى كونه منصوصا عليه بنص الكتاب فأراد الإمام (عليه السلام) رسوخه في قلبه و التزامه به فاستشهد لذلك بالآية فمن اين يعلم ان مقتضى المقام كان هو التنبيه على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) دون شيء من الجهات التي ذكرناها و ليس المخاطب في الخبر كغيره من الاخبار هو النوع حتى يقال ان النكتة التي ذكرها هو الأنسب بنوع الكلام و نوع المخاطب مضافا الى كون ما ذكرناه أخيرا هو الأنسب بالمقام ظاهرا من جهة كون الامام (عليه السلام) في مقام تنبيه المخاطب و نهيه عن الإذاعة التي هي من المحرمات التي يجب التنزه عنها و مطلوبه (عليه السلام) ملازمة تركها كما لا يخفى على من تدبر اللهمّ الا ان يقال ان مقصوده (رحمه الله) انما هو مجرد التأييد و التقريب في الجملة

قوله و ان كان من الأوصاف المشعرة بالذم أو قصد المتكلم التعيير و المذمة بوجوده فلا إشكال في حرمة الثاني بل و كذا الأول لعموم ما دل على حرمة إيذاء المؤمن و إهانته و حرمة التنابز بالألقاب و حرمة تعيير المؤمن على صدور معصية منه فضلا عن غيرها

(الظاهر) ان الوجوه المذكورة في التعليل انما هي للقسمين من دون ترتيب فيجب إرجاع كل الى ما يليق به و يمكن ان يقال ان حرمة الإيذاء و الإهانة و حرمة التنابز بالألقاب تعليل للأول و صدق الإيذاء و الإهانة انما هو باعتبار ان الأوصاف بأنفسها لما كانت مشعرة بالذم كان تعمد ذكرها إيذاء و اهانة و ان الوجه الأخير تعليل للثاني و كون حرمة التعيير في غير المعصية أقوى انما هو باعتبار ان المعصية مما يسرى فيه حديث النهى عن المنكر دون غيرها فمع عدم جواز التعيير فيها يكون حرمة التعيير في غيرها اولى

قوله و (كذلك) كلام أهل اللغة عدا الصحاح على بعض احتمالاته كونه غيبة

لأن كلام أهل اللغة تضمن كونها عبارة عن ذكر ما يسوئه و بعد جعل الموصول عبارة عن الكلام يصدق على الأوصاف المشعرة بالذم و ان لم يقصد بها التعيير كما يصدق على تعييره على صدور معصية منه و لا فرق في تعاريف أهل اللغة بين ما تضمن التقييد بكونه مما فيه و غيره و ان توقف إرجاع الأوّل إلى الكلام بجعل الموصول عبارة عنه على الاستخدام في الضمير المجرور بفي بأن يجعل عائدا إلى مضمون الكلام و ذلك لكون الذّم الذي أشعر به الأوصاف موجودا في المقول فيه كالمعصية المعير عليها لكونها صادرة عنه و انما استثنى كلام الصّحاح على بعض احتمالاته لانه تقدم منه (رحمه الله) ان ذلك الكلام يحتمل ان يراد به المستور من حيث ذلك المقول و يحتمل ان يراد به مقابل المتجاهر الذي هو عبارة عمن لا يبالي بإظهار المعصية فإن أريد الأول كان على طبق الأخبار المستفيضة و كان المقول الذي هو من قبيل النقص الظاهر مع كونه من قبيل الأوصاف المشعرة بالذم أو قصد المتكلم التعيير بوجوده خارجا عن عنوان الغيبة كما ان مقتضى الأخبار المذكورة خروجها كما عرفت في كلامه و ان أريد الثاني كان المقول المذكور غيبة لانه يصدق انه ذكر من ليس بمتجاهر بما يسوئه مما هو فيه

قوله قيل اما البدن

(انتهى) القائل هو السيّد المحدث نعمة اللّه الجزائري (رحمه الله) في الأنوار و ما ذكره تفصيل لامثلة الأقسام التي ذكر انه صرح غير واحد بعدم الفرق بينها لكنه ترك أمثلة قسمين من أخرها اعنى الدار و الدابة تبعا للمحكي عنه و ليته ترك الجميع لعدم الحاجة إليه لكونه من قبيل توضيح الواضحات

قوله أو إسكاف

الإسكاف بكسر الهمزة الخفاف كما في المجمع

قوله مرّاء

(الظاهر) انه بفتح الميم و تشديد الراء المهملة فعال من المرية بكسر الميم بمعنى الجدل و الشك فمعناه مجادل أو شكاك و يحتمل ان يكون بضم الميم و تخفيف الراء اسم فاعل من الرّياء و الأول انسب لكون معناه من الأوصاف الطبيعية و ان أمكن إرجاع الثاني (أيضا) الى ما هو من قبيل الخلق و الطبيعة بأن يراد منه انه ملازم للرّياء

قوله ثم ان ظاهر النص و ان كان منصرفا الى الذكر باللسان لكن المراد به حقيقة الذكر فهو مقابل الإغفال فكل ما يوجب التذكر للشخص من القول و الفعل و الإشارة و غيرها فهو ذكر له

الإغفال بكسر الهمزة و سكون الغين المعجمة و إلغاء بمعنى الترك قال في المصباح أغفلت الشيء اغفالا تركته إهمالا من غير نسيان انتهى ثم ان مقتضى الانصراف انه كلى شامل للذكر باللسان و غيره و ظاهر كلامه ان ذلك الكلى الشامل عبارة عما بقابل الإغفال و الذي يدل عليه كلام أهل اللغة خلاف ذلك قال في المصباح ذكرته بلساني و قلبي ذكري بالتأنيث و كسر الذال و الاسم ذكر بالضم و الكسر نص عليه جماعة منهم أبو عبيدة و ابن قتيبة و أنكر الفراء الكسر في القلب و قال اجعلني على ذكر منك بالضم لا غير و لهذا اقتصر جماعة عليه انتهى فان ظاهره الاشتراك اللفظي خصوصا بملاحظة اختلافهم في المصدر من حيث ضم اوله و كسره سلمنا ذلك لكن الكلي الّذي هو القدر المشترك عبارة عما هو وصف للذاكر فتفريع قوله فكل ما يوجب التذكر للشخص من القول و الفعل و الإشارة و غيرها فهو ذكر له غير مناسب لان المراد بالشخص ان كان هو الذاكر فالقول و الفعل و الإشارة الصادرة منه ليست أسبابا لتذكره بل هي ناشئة من تذكره مضافا الى ما يرد عليه من جهة حكمه يكون المراد حقيقة الذكر من انّ لازمه انه لو خطر ببالي فسق زيد صار ذلك غيبة و هو واضح السقوط و ان كان هو من يذكر له فهو ليس فاعلا للذكر و من المعلوم ان فاعل الذكر في الاخبار المفسرة للغيبة ليس هو من يذكر له فالحق ان ما عدا القول من الفعل و الإشارة و الكتابة ليست داخلة في موضع الغيبة و ان لحقت بها حكما بدلالة ما روى عن عائشة انها قالت دخلت علينا امرأة

118

فلما ولّت أو مات بيدي اى قصيرة فقال (عليه السلام) اغتبتيها و لا يتوهم ان قوله (عليه السلام) اغتبتيها يدل على كون مثل ذلك داخلا في موضوع الغيبة نظرا إلى إطلاق اللفظ لأنا نقول ان الاستعمال أعم من الحقيقة فلا يدخل حكاية قول الغير بمثله أو حكاية فعله بمثله في موضوع الغيبة نعم لا إشكال في لحوقها بالغيبة حكما

قوله و من ذلك المبالغة في تهجين المطلب الذي ذكره بعض المصنفين

يعنى من جملة ما يوجب التذكر و ذلك باعتبار كون غيرها قبل هذا الكلام عبارة عما يشمل الكتابة

[بقي الكلام في انه هل يعتبر في الغيبة حضور مخاطب عند المغتاب أو يكفي ذكره عند نفسه]

قوله بقي الكلام في انه هل يعتبر في الغيبة حضور مخاطب عند المغتاب أو يكفي ذكره عند نفسه

اعلم انه يعتبر في مفهوم الغيبة عدم مواجهة المقول فيه بذكر عيبه فلو واجهه به لم يكن ذلك غيبة عرفا و ان حرم من جهة كونه إيذاء للمؤمن و لا يعتبر فيها ان يكون المقول فيه غائبا عن مجلس التكلم فلو ناجى أحد صاحبه بذكر عيب من كان حاضرا في المجلس حال النجوى كان ذلك غيبة

قوله و (الظاهر) ان الذم و التعيير لمجهول العين لا يجب الردع عنه

لا يخفى انه لا يشترط في تحقق مفهوم الغيبة تعيين المقول فيه من جميع الجهات بل يكفى التعيين في الجملة فلو قال ان ابن زيد فعل كذا و كذا تحققت الغيبة و ان لم يعينه تفضيلا باسمه و سائر صفاته و مشخصاته و كذا لا يعتبر التعيين حال الخطاب فيكفي في تحققها التعيين في المستقبل فلو ذكر العيوب بعنوان مبهم ثم فسره بعد مضى زمان تحققتا لغيبة

قوله نعم ربما يستثني من حكمها عند من استثنى ما لو علم اثنان صفة شخص فذكرها أحدهما بحضرة الأخر

النائب عن فاعل قوله يستثني هو الضمير العائد إلى ذكره عند نفسه يعنى ان لازم من استثنى ذكر أحد العالمين بوصف شخص إياه عند العالم الأخر به عن حكم الغيبة هو ان يستثني ذكره عند نفسه (أيضا) عن حكمها

قوله ففي كونه اغتيابا لكل منهما لذكرهما بما يكرهانه من التعريض لاحتمال كونه هو المعيوب و عدمه لعدم تهتّك ستر المعيوب منهما كما لو قال أحد أهل البلد الفلاني كذا و كذا الى قوله فيكون الاطلاع عليه قريبا

كان اللازم هنا ذكر لفظ وجوه مبتدأ للخبر المقدم الذي هو قوله في كونه و (الظاهر) سقوطه من سهو الناسخين ثم انّ أوسط الوجوه أوسطها لضعف الأوّل و الأخير امّا الأوّل فلان الغيبة ليست الا ذكر ما يكرهانه مما هو فيه فذكرهما بالتعريض و ليس هناك عنوان كلى شامل لهما بحيث يثبت المكروه المخبر به لهما معا لا يكون غيبة كما عرفت الحال مما تقدم من تعاريف الغيبة و غيرها امّا الأخير فلان ذكر المعيوب الواقعي بما يكرهانه لو ذكر على وجه التعيين لا نسلم أنه غيبة لعدم انصراف تعاريفها الى المبهم و لا أقل من الشك في ذلك و كونه أول الكلام بل التمسك به لا يخلو عن مصادرة

قوله قال في جامع المقاصد و يوجد في كلام بعض الفضلاء

(انتهى) النكتة في ذكر هذه العبارة كونها محتملة المعنيين عنده أحدهما مطابق لما افاده هو (رحمه الله)

قوله و لو أراد الأغلب ففي كونه اغتيابا لكل منهم و عدمه ما تقدم في المحصور

الوجه عدم كونه غيبة نعم ان أفاد الإيذاء و الإهانة بالنسبة إلى الأغلب أو بالنسبة إلى شخص هو منهم كان حراما من تلك الجهة دون الغيبة

[الثاني في كفارة الغيبة الماحية لها]

قوله و يمكن الجمع بينهما بحمل الاستغفار له على من لم يبلغ غيبته المغتاب

(انتهى) ذكر بعض مشايخنا للجمع بين طائفتي الأخبار الدالة إحديهما على الاستغفار و الأخرى منهما على الاستحلال وجها أخر و هو ان هناك وظيفتين للقائل إحديهما الاستغفار و الأخرى الاستحلال فيلزمه الجمع بينهما بان يستغفر للمقول فيه و يستحل منه بل يلزمه ان يستغفر لنفسه (أيضا)

قوله نعم أرسل بعض من قارب عصرنا عن الصادق (عليه السلام) انك ان اغتبت فبلغ المغتاب

(انتهى) هذا يصلح شاهدا للجمع بحمل الاستغفار على صورة عدم البلوغ

قوله و في رواية السكوني المروية في الكافي في باب الظّلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من ظلم أحدا ففاته فليستغفر اللّه

هذا يصلح شاهدا لما جعله في حكم من لم يبلغه

قوله لكن المثبت لكون الغيبة حقا بمعنى وجوب البراءة منه ليس الا الاخبار الغير النقية السند و أصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاستحلال و الاستغفار (انتهى)

(11) ان أراد بالأخبار ما يعم دعاء الصّحيفة السّجادية و ما الحق بها و لو تغليبا كان ذلك دليلا على ضعف سندها عنده (رحمه الله) و الّا بقي الجواب عن الاعراض عن الاستناد إليهما على عهدته

قوله و ان كان الاحتياط في خلافه بل لا يخلو عن قوة من جهة كثرة الأخبار الدالة على وجوب الاستبراء منها بل اعتبار سند بعضها

(12) ذكر بعض مشايخنا ان هذه الاخبار مما اعرض عنه الأكثر و ان المشهور خلاف ما تضمنته و اعراضهم و انعقاد الشهرة على خلافها مما يوهن حجيّتها و ان الأقرب عدم كونها من حقوق الناس فيكفي فيها التوبة نعم الاحتياط يقتضي الاستحلال من المقول فيه و توضيح ما تقدم هو ان ظاهر المشهور ان الغيبة يكفي فيها التوبة و لا تحتاج إلى الكفارة حيث لم يتعرضوا لها في باب الكفارات فهي أشبه بحقوق اللّه و لكن مقتضى كونها ظلما على المغتاب بالفتح و الاخبار الدالة على ان من حق المؤمن على المؤمن ان لا يغتابه و ان حرمة عرض المسلم كحرمة دمه و ماله كونها من حقوق الناس انتهى و لا يخفى ما فيه لان انتفاء الكفارة لا يدل على كونها من حقوق اللّه أو أشبه بها ضرورة ان كثيرا من الأمور التي حكم فيها بالكفارة من قبيل حقوق اللّه نعم مقتضى كونها ظلما و مقتضى الأخبار المذكورة كونها من حقوق الناس و لازم ذلك وجوب الاستحلال لا وجوب الكفارة

[الثالث فيما استثني من الغيبة]

قوله دل على ترتب حرمة الاغتياب و قبول الشهادة على كونه من أهل الستر و كونه من أهل العدالة على طريق اللف و النشر

(13) مناط هذا الوجه من تقريب الاستدلال انما هو الاستناد الى ما وقع في الجزاء من ترتيب قبول الشهادة على كونه من أهل العدالة و ترتيب حرمة غيبته على كونه من أهل الستر بناء على دعوى ترتيب الأول على الأول و الثاني على الثاني حتى يكون النشر على ترتيب اللف

قوله أو على اشتراط الكل بكون الرجل غير مرئي منه المعصية و لا مشهودا عليه بها و مقتضى المفهوم جواز الاغتياب مع عدم الشرط خرج منه غير المتجاهر

(14) مناط هذا الوجه من تقريب الاستدلال انما هو التمسك بمفهوم الجملة الشرطية حيث ان كلمة من الموصولة متضمنة لمعنى الشرط و قد جعل في الحديث عدم رؤيته بالعين يرتكب ذنبا و عدم شهادة الشاهدين عليه شرطا و جعل الجزاء المرتب على الشرط المشتمل على الأمرين المذكورين عبارة عما اشتمل على أمور أربعة كونه من أهل العدالة و كونه من أهل الستر و قبول شهادته و حرمة غيبته و مفهومه (حينئذ) عبارة عن ان من رأيته بعينك يرتكب ذنبا أو شهد عندك شاهدان بصدور الذنب انتفى عنه الأحكام الأربعة المذكورة التي منها حرمة غيبته و من المعلوم ان من لم ير في ارتكاب الذنب و لم يشهد عليه شاهدان أعم من المتجاهر و غيره لصدقه عليها لكن خرج الثاني بالدليل و بقي الباقي و هذا توضيح ما افاده (المصنف) (رحمه الله)

قوله و كون قوله و من اغتابه جملة مستأنفة غير معطوفة على الجزاء خلاف (الظاهر)

(15) غرضه (رحمه الله) دفع توهم ان جملة من اغتابه مستأنفة فلا يستفاد من الحديث باعتبار اشتماله عليها مفهوم مفيد

119

في المقام لانه كلام مبتدإ مؤداه ان من اغتاب من لم ير في ارتكاب الذنب و لم يشهد عليه شاهدان فهو خارج عن ولاية اللّه و هو في حد ذاته و ان كان جملة شرطية الا ان هذه الجملة الشرطية على تقدير إفادتها للمفهوم ليس مفهومها الا ان من لم يغتبه لم يخرج عن ولاية اللّه و هذا لا مساس له بما هو المقصود في المقام

قوله نعم تقدم عن الشّهيد الثاني (رحمه الله) احتمال

(انتهى) يعني في طي البحث عن سب المؤمنين سابقا

قوله مع اعترافه بان ظاهر النص و الفتوى عدمه

فلا يبقى وجه للاحتمال المذكور مضافا الى ان جواز الغيبة بقصد الردع لا يختص بالفاسق المتجاهر ثم انّ بعض مشايخنا ذكر ان (الظاهر) من إطلاق الروايات جواز غيبة المتجاهر فيما تجاهر فيه حتى مع استنكافه من ظهوره للناس فإذا تجاهر بفعل منكر جاز اغتيابه به و ان استنكف و امتنع من ظهوره للناس فتأمل

قوله و ظاهر الروايات النافية للاحترام المتجاهر و غير الساتر هو الجواز

يعنى فيما لم يتجاهر به خصوصا قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة في كلام (المصنف) (رحمه الله) ان الدليل على ذلك ان يكون ساترا لعيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته فقد رتب حرمة التفتيش عن غير ما ظهر للمسلمين على كونه ساتر ا و لا ينافي كلام (المصنف) (رحمه الله) هذا ما تقدم من قوله ثم ان مقتضى إطلاق الروايات جواز غيبة المتجاهر فيما تجاهر به و لو مع عدم قصد غرض صحيح لان ذلك الكلام مسوق لغرض أخر و هو نفى اعتبار التقييد بالغرض الصحيح بإطلاق الروايات و ذكر قوله فيما تجاهر به مبنى على كونه هو القدر المتيقن من الاستثناء قبل تحقيق القول في المسئلة فافهم

قوله و ينبغي إلحاق ما يتستّر به

لا يقال ان مقتضى ما تقدم من تمسكه بالأدلة الأربعة المقتضي لكون الغيبة ظلما محرما بحكم العقل هو عدم جواز غيبة المتجاهر فيما لم يتجاهر به لان ذكره بما يتستر به إيلام له بغير استحقاق لأنا نقول بعد ما رفع المالك الحقيقي حرمته خرج ذكره بذلك عن كونه ظلما فهو بعينه مثل اجراء الحد على المحدود باذن المالك الحقيقي مع ان ضربه بدون ذلك العنوان حرام بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح (انتهى) و أورد؟؟؟ عليه بعض ما تأخر بأن (الظاهر) من سياق الأخبار المتقدمة نفى حرمة الفاسق المتجاهر فيما تجاهر فيه فلا إطلاق فيها بحيث يشمل نفى حرمته فيما يتستر به (أيضا) فلا مقيد للأدلة الدالة على تحريم الغيبة (مطلقا) حتى يخرج عن إطلاقها ما يتستر به و ان كان دون ما يتجاهر به في القبح فإلحاقه بما يتجاهر فيه مما لا وجه له و أولوية الأول بالنسبة الى الثاني بجواز الذكر ممنوعة و لهذا قوى عدم الإلحاق فتأمل

قوله و ما بعد الآية لا يصلح للخروج بها عن الأصل الثابت بالأدلة العقلية و النقلية

أراد بما بعد الآية المؤيدات التي ذكرها و التعبير عنها بعنوان كونها ما بعد الآية مع كونها بعد الاخبار مبنى على كونها الأخبار واردة في تفسيرها فهي من توابع الآية و لو أحقها

قوله (عليه السلام) أ رأيت قول اللّه تعالى وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ انهم خافوا اللّه عز و جل ان يجور عليهم لا و اللّه ما خافوا الّا الاستقضاء فسماه اللّه عز و جلّ سوء الحساب فمن استقضى فقد أساء

(الظاهر) من كل من الجمل الثلث التي أولها قوله (عليه السلام) لا و اللّه ما خافوا الّا الاستقضاء هو ان سوء الحساب في الآية عبارة عن نفس الاستقضاء و المناسب لمقام مدحهم بالخوف منه هو ان يكون المراد استقضائهم من الغير بان يكون فعلهم لا استقضاء الغير منهم و الوجه في خوفهم من صدور ذلك الفعل منهم كونه موجبا لسوء العاقبة في الآخرة و يحتمل ان يكون المراد بالحديث بيان ان المراد بالسّوء الحساب هو سوء الحساب من اللّه تعالى في يوم القيمة المسبّب من الاستقضاء بان يكون من خواص الاستقضاء و لوازمه ترتب سوء الحساب على المستقضى في يوم القيمة فيكون وجه التعبير بذلك مدحهم بأنه لا يصدر منهم سببه

قوله و مرسلة ثعلبة بن ميمون المروية عن الكافي قال كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه و شكاه فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انى لك بأخيك كله اى الرجال المهذب

قال في المجمع في حديث عمر فوقع بي أبي أي لا منى و عنفى من قولهم وقعت بفلان إذا لمته و وقعت فيه إذا اغتبته و ذممته انتهى و معنى قوله (عليه السلام) و انى لك بأخيك كله من اين لك أخ كلّ الأخ أي كامل في الإخوة جامع لأوصافها منزه عن النقائص فالباء زائدة و مدخولها مبتدأ خبره انى لك و الضمير المجرور بإضافة كل إليه عائد إلى الأخ و قوله اى الرجال المهذب تأكيد لما تضمنته الفقرة الأولى لكون الاستفهام واقعا موقع الإنكار

قوله و مع ذلك كله فالأحوط عدّ هذه الصّورة من الصّور العشر المتقدمة الّتي خصّ فيها في الغيبة لغرض صحيح أقوى من مصلحة احترام المغتاب

فيصير مقتضى الاحتياط التنزه عن الشكوى إذا لم يكن فيها مصلحة راجحة على مصلحة احترام المغتاب هذا و لكن لا يخفى عليك انه لم يتقدم في كلامه لكون الصّور عشر اذكر و انما تقدم بيان الترخيص لغرض صحيح

[موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الأهم]

قوله نصح المستشير

و منه قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لفاطمة بنت قيس لما شاورته في خطابها معاوية صعلوك لا مال له و أبو الجهم لا يضع العصا عن عاتقه

قوله ان أمي لا تدفع يد لامس

كناية عن كونها زانية

قوله و لأن مصلحة عدم الحكم بشهادة الفساق اولى من الستر على الفاسق

(11) و ذلك لاداء الحكم بشهادته إلى إبطال الحقوق و تضييعها حيث انه ليس له ملكه رادعة من المحظورات حاجزة عن المحرمات الشرعية حتى تعصمه عن الشهادة بما يخالف الواقع

قوله فإن مفسدة العمل برواية الفاسق أعظم من مفسدة شهادته

(12) يعنى شهادة الجارح بالجرح و ذلك لان العمل بقول الراوي الفاسق يغضى الى الوقوع في خلاف الواقع و انطماس أحكام الواقعية من حيث عدم اتصافه بكونه ذا ملكة رادعة عن الكذب

قوله ثم انه ذكروا موارد الاستثناء لا حاجة الى ذكرها

(13) و ربما يعد منها ما لو أرسل إنسان إلى غيره رسولا فأجاب المرسل اليه بما يتضمن ما يسوء المرسل لو سمعه مما يشتمل على ذكر معايبه فيقال بجواز حكاية الرسول ذلك للمرسل و فيه نظر لعدم الدليل على استثنائه بل (الظاهر) انه ينبغي للرسول ان يراعى وجود المصلحة و المفسدة فإن كان في حكايتها مصلحة راجحة جازت و الا فلا وجه للجواز من حيث قيام العمومات بالدلالة على الحرمة

[الرابع حرمة استماع الغيبة]

قوله يحرم استماع الغيبة بلا خلاف فقد ورد ان السامع للغيبة أحد المغتابين

(14) هذا مضمون الرواية و اما هي فقد وردت على وجهين أحدهما عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لفظه المستمع أحد المغتابين و ثانيهما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و لفظه السامع للغيبة أحد المغتابين محصل الكلام في هذا المقام انه يظهر من الروايتين ان الاستماع (أيضا) من الكبائر إلا انهما من جهة ضعف سنديهما لا يصلحان للاستناد إليهما في إثبات ذلك نعم يمكن ان يقال ان الاستماع لتحقق الإصرار في ضمنه من جهة عدم الردع يكون كبيرة مضافا الى ان ترك النهى عن المنكر بنفسه من الكبائر و يجب على السامع ردع المغتاب عن الغيبة من باب النهى عن المنكر حتى انه إذا توقف الردع على الخروج عن مجلس الغيبة لم يكن إشكال في وجوبه بل قد يقال بوجوب الخروج عن المجلس و ان لم يرتدع المغتاب به عن الغيبة و دليله غير واضح هذا مع العلم بكون القول منكرا و اما مع عدم

120

العلم بذلك كما لو احتمل السّامع كون من يذكر عيبه متجاهرا عند المغتاب (فحينئذ) لا يجب الردع و يحمل فعل القائل على الصّحة و هل يحرم الاستماع (حينئذ) أم لا وجهان اختار أوّلهما الشهيد الثاني (رحمه الله) لعموم ما دل على حرمة استماع الغيبة خرج عنه الموارد المعلومة و بقي الباقي تحته و وجه الثاني تبعية حرمة استماع الغيبة لحرمة الغيبة فإذا لم تحرم لكونها قولا غير منكر و لو بحكم أصالة حمل فعل المسلم على الصّحة لم يحرم استماعها و قد استدل عليه (المصنف) (رحمه الله) بالنبوي و العلوي المتقدمين على تقدير صحتهما نظرا الى دلالتهما على ان المستمع لغيبة كقائل تلك الغيبة فإن كان القائل عاصيا كان المستمع (أيضا) كذلك و ان لم يكن القائل عاصيا لم يكن المستمع (أيضا) عاصيا و هو مبنى على قراءة المغتابين بصيغة التثنية و أشار الى الاستدلال بهما على الأوّل على تقدير قراءة المغتابين بصيغة الجمع فيكون المعنى ان السّامع للغيبة كأنه متكلم بها فان جاز للسامع التكلم بغيبة جاز سماعها و ان حرم عليه التكلم بها حرم سماعها (أيضا) و لكن الإنصاف عدم صحة الاستدلال بهما على شيء من القولين فان (الظاهر) انهما مسوقان لبيان حرمة الاستماع فقط و اما كون السامع كالمتكلم بتلك الغيبة الخاصة بمعنى تبعية الأول للثاني أو كون السامع كالمتكلم بمعنى انه يفرض مغتابا في حد ذاته فيلحقه حكم نفسه مستقلا فلا يظهر منهما فهما مجملان من هذه الجهة و يبقى الكلام على التبعية بأن يكون الاستماع محرما كلما حرمت الغيبة و محللا كلما حلت الغيبة فنقول انها ممنوعة ضرورة انه قد تكون الغيبة محرمة و لا يحرم الاستماع كما لو أكره انسان على استماع غيبة محرمة لو لا الإكراه و قد تكون الغيبة جائزة و يحرم الاستماع كما إذا أقدم المتكلم عليها لشيء من الأعذار المسوغة لها في حقه كالتقية و نحوها دون السامع و من هذا القبيل ما لو اعتقد القائل ان المقول فيه كافر أو مخالف و علم السامع أنه مؤمن فإنه (حينئذ) يحرم عليه الاستماع و ان كان القائل معذورا و كذا الحال في تظلّم المظلوم عند أحد فإنه يجوز للمخاطب دون ثالث فإنه يحرم الاستماع عليه بل قد صرّح بعضهم بأنه يحرم على المخاطب (أيضا) استماعه قبل تحقق الظّلم عنده نعم يمكن دعوى التبعية فيما لو علم ان تجويز الشارع الغيبة انما هو من جهة عدم احترام المغتاب بالفتح شرعا فان دعوى تبعية حل الاستماع لحل الغيبة غير بعيد و من هذا القبيل (أيضا) جواز غيبة المتجاهر بالفسق فإنه إذا اعتقد القائل ان المقول فيه متجاهر و لكن علم السامع انه متستر و ان اعتقاد القائل مخالف للواقع لم يكن إشكال في حرمة الاستماع دون الذكر كما انه لا إشكال في حرمة الذكر و الاستماع كليهما فيما لو كان المقول فيه متسترا عند المتكلم و السّامع كليهما و اما إذا كان متسترا عند السامع و احتمل كونه متجاهرا عند المتكلم ففي جواز الاستماع و حرمته الوجهان المتقدمان منشؤهما احتمال كون الشبهة في المقام حكمية و كونها موضوعية و منشأ الاحتمالين احتمال استقلال الاستماع بالتحريم و تبعيته للغيبة فعلى الأول يكون الشبهة في الحكم و المرجع فيها العمومات الدالة على حرمة استماع الغيبة (مطلقا) خرج منها الموارد المعلومة و بقي الباقي تحتها و على الثاني يكون الشبهة في الموضوع للعلم بأصل الحكم (حينئذ) و هو جواز غيبة المتجاهر و استماعها و حرمة غيبة المتستر و استماعها و انما الشك في ان هذا الرّجل هل هو داخل في المتجاهر أو المتستر و المرجع في الشبهات الموضوعية انما هي أصالة البراءة مضافا الى جريان أصالة حمل فعل المسلم على الصّحة (أيضا) في المقام و الأحوط هو الأول

قوله أقول و المحكي بقوله قيل لا دلالة فيه على جواز الاستماع و انما يدل على عدم وجوب النهى عنه

لا يخفى عليك عدم توجه هذا الإيراد على الشهيد الثاني (رحمه الله) لانه لم يدع ان مراد القائل هو جواز الاستماع حتى يورد عليه بان عبارة القائل لا دلالة فيها على جواز الاستماع و انما دلت على عدم وجوب نهى المتكلم

قوله لكنه خلاف (الظاهر) من الرواية على تقدير قراءة المغتابين بالتثنية و ان كان هو (الظاهر) على تقدير قرائته بالجمع لكن هذا التقدير خلاف الظاهر

وجه الفرق انه ان قرء بصيغة الجمع كان لفظ المغتابين عبارة عن المتكلمين و معلوم ان السّامع ليس أحدهم حقيقة فيكون الحمل مبنيا على التشبيه و يصير المعنى ان السامع مثل المتكلم و هذا بخلاف ما لو قرء بصيغة المثنى فإنه يصير أحد طرفي الغيبة اللذين بهما قوامهما

قوله (عليه السلام) يطري أخاه شاهد أو يأكله غائبا

يعنى انه يمدحه في وجهه و يستغيبه في غيبته

قوله و يمكن القول بتعدد العقابات من جهة كل من العنوانين و المركب

ظاهره ان هناك عقابات ثلاثة أحدها للكذب و الأخر للغيبة و الثالث للمركب منهما لكونه شيئا ثالثا ضرورة ان المركب من أمرين ليس شيئا منهما و أنت خبير بأنه لا وجه للعقاب على المركب بعد الالتزام بتحقق العقاب على كل من العنوانين ضرورة أن مغايرة المركب لهما معا ليس الا بالاعتبار فلا يبقى وجه لدعوى ترتّب أحكام متعددة في الوجود الخارجي على أمرين لا فرق بينهما الا باعتبار اعنى نفس العنوانين و المركب منهما

[خاتمة في بعض ما ورد من حقوق المسلم على أخيه]

قوله (عليه السلام) يغفر زلته و يرحم عبرته و يستر عورته و يقيل عثرته و يقبل معذرته

الفرق بين غفران الزلة و اقالة العثرة و قبول المعذرة هو ان الأخير عبارة عن النبأ على عدم صدور المخالف منه حيث اعتذر بإبداء وجه الفعل الذي صورته المخالفة و اقالة العثرة عبارة عن الصفح عن خطائه عند إظهاره الندامة على ما وقع منه و غفران الزلة عبارة عن العفو عن خطائه و ان لم يتعرض هو لإظهار الندم

قوله ثم ان ظاهرها و ان كان عاما الا انه يمكن تخصيصها بالأخ العارف بهذه الحقوق المؤدى لها

يعنى انه يعتبر في المؤمن الذي يستحب مراعاة هذه الأمور في حقه ان يكون هو مراعيا لحق هذه الأمور في حق غيره من إخوته المؤمنين فالمراد بتخصيصها به هو انحصار من تراعى بالنسبة إليه فيه لا انحصار المراعى و يوضح هذا المعنى قوله (رحمه الله) اما المؤمن المضيع لها (فالظاهر) عدم تأكد مراعاة هذه الحقوق بالنسبة إليه (إلخ)

[المسألة الخامسة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه القمار]

[الثانية اللعب بآلات القمار من دون رهن]

قوله و اما الميسر فهو النرد

(انتهى) يستفاد منه ان النرد اسم للالة المخصوصة لا لنفس اللعب و الا لم يكن في القول المذكور شهادة على ان المراد بالقمار في الحديث المذكور هي الآلات و هو (الظاهر) ممّا ذكره في مجمع البحرين و مما سيذكره (المصنف) (رحمه الله) من رواية الفضيل قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الأشياء التي يلعب بها الناس من النرد و الشطرنج (انتهى) فان تعدية اللعب بالباء انما تقع بالنسبة إلى الآلة هذا و لكن وقع في شرح القاموس تفسير النرد بنفس اللعب بتلك الآلة المخصوصة

[الثالثة المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة]

قوله الثالث المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة

لم يصرح بالتقييد بالعوض اكتفاء بدلالة مادة المراهنة على اعتبار غرض و خطر و لهذا قال في المصباح تراهن القوم اخرج كل واحد رهنا ليفوز بالجميع إذا غلب انتهى

قوله و هو ظاهر كل من نفى الخلاف في تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض و جعل محل الخلاف فيها بدون العوض فان ظاهر ذلك ان محل الخلاف هنا هو محل الوفاق هناك و من المعلوم انه ليس هنا إلا الحرمة التكليفية دون خصوص الفساد

و لما كان الفساد و عدم انتقال المال الى من جعل له في المراهنة من قبيل المسلمات التي لم يستشكل فيها أحد حتى من حكى عنه (المصنف) (رحمه الله) اعنى بعض معاصريه و كانت الحرمة هنا مما أنكره ذلك المحكي عنه كان الغرض المسوق له كلام (المصنف) (رحمه الله) هو إثبات الحرمة و الفساد

121

جميعا في مقابل مقالة من اثبت الفساد وحده و أنكر حرمة نفس الفعل فلهذا قال في مقام الاستظهار من كلام من نفى الخلاف في تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض و قرر الخلاف في المسابقة فيما عدا المنصوص إذا كانت بغير عوض انّ ظاهر كلامه ان محل الخلاف في المسابقة المذكورة بغير عوض عين محل الوفاق في المسابقة المذكورة مع العوض و لما كانت الغير المشتملة على العوض ليست قابلة للبحث عن فساده و عدم انتقال العوض الى من جعل له فلا جرم اختص الخلاف بالحرمة التكليفية و مقتضى اتحاد محل الخلاف و الوفاق في الصّورتين هو ان يكون مورد الوفاق (أيضا) الحرمة التكليفية فيصير نتيجة كلامه هو كون هذه مسلمة عند الأصحاب فإذا انضمت الى الفساد الذي لم يتأمل أحد في مسلمية ثبوته كان (الظاهر) من كلامه عدم الخلاف في الحرمة و الفساد جميعا فقد علم مما ذكرنا ان الضمير المرفوع المصدر به كلام (المصنف) (رحمه الله) راجع الى عدم الخلاف في الحرمة و الفساد و ان المراد بالحرمة التكليفية هي الحرمة الابتدائية اللاحقة للفعل الغير التابعة للحكم الوضعي الذي هو الفساد في مقابل الحرمة التابعة له فان التصرف في كل مال فاسد سبب انتقاله حرام قطعا ان لم يقترن به سبب أخر لكن يبقى بعد ذلك كله شيء و هو انه لا وجه لاقحام لفظ خصوص في قوله دون خصوص لانه بعد القطع بأنه ليس في المسابقة على غير المنصوص بغير عوض إلا الحرمة التكليفية لعدم قابليتها الا لها لا يبقى في مقابله محل لنفى خصوص الفساد الذي مفهومه ثبوت الأمرين من الحرمة التكليفية و الوضعية ضرورة منافاته للحصر الذي قبله فقد كان اللازم ترك لفظ خصوص

قوله و قد عرفت من الاخبار إطلاق القمار عليه و كونه موجبا للعن الملائكة

مثل قول الصادق (عليه السلام) انه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ان الملائكة لتحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش و ما سوى ذلك قمار حرام و رواية العلاء بن سبابة المذكورة بعده في كلام (المصنف) (رحمه الله)

قوله و اما ما ذكره أخيرا من جواز أخذ الرهن بعنوان الوفاء بالعهد فلم افهم معناه لان العهد الذي تضمنه العقد الفاسد لا معنى لاستحباب الوفاء به إذ لا يستحب ترتيب آثار الملك على ما لم يحصل فيه سبب تملك الا ان يراد صورة الوفاء بان يملكه تمليكا جديدا بعد الغلبة في اللعب لكن حلّ الا كل على هذا الوجه جار في القمار المحرم (أيضا) غاية الأمر الفرق بينهما بان الوفاء لا يستحب في المحرم لكن الكلام في تصرف المبذول له بعد التمليك الجديد لا في فعل الباذل و انه يستحب له أو لا

لا يخفى عليك انه ليس في كلام ذلك القائل إلّا إمكان القول بجواز الأخذ و ليس من دعوى الاستحباب في كلامه عين و لا اثر و انما أورده (المصنف) (رحمه الله) عليه من باب كون استحباب الوفاء بالوعد قاعدة شرعية و محصل ما أورده (رحمه الله) هو انه لو جاز أخذه من باب الوفاء بالوعد لزم كون ذلك الوفاء مستحبا لان ما عدّ وفاء بالعهد فهو مستحب و ذلك من معلومات الشرع و اللازم باطل فكذا الملزوم و وجه بطلان اللازم انه قد التزم القائل المذكور بالفساد فيبقى المال في ملك مالكه و لا وجه (حينئذ) لاستحباب اجراء آثار الملك من غير المالك على ما ليس بملك له فلا وجه للالتزام باستحباب الوفاء بالعقد الفاسد و العهد الباطل كما لا وجه للقول بإباحته التي هي من قبيل الملزوم لذلك كما عرفت ثمّ انه (رحمه الله) استدرك دفع الإيراد المذكور بان يكون المراد بالوفاء المستحب و المباح بالمعنى الأعم المجامع للاستحباب هو التمليك الجديد الذي ليس في الحقيقة وفاء بذلك العهد السابق بان يكون الإعطاء من جهة الخروج عن عهدة ذلك الالتزام الواقع في ضمن العهد الفاسد و من أجل ذلك الوعد المركوز في ذهنه إنجازه و لذلك عبر (المصنف) (رحمه الله) عنه بصورة الوفاء بان يملكه تمليكا فيجعل هذا التمليك وفاء بذلك العهد باعتبار كونه في صورته بل محصّلا له باعتبار حصول الغرض المقصود من العهد السابق ثم انه (رحمه الله) أورد على هذا الوجه الدفع بان حل أكل ذلك المال المجعول خطرا بالتمليك الجديد بجعله وفاء بذلك العهد يجري في القمار المحرم (أيضا) غاية ما في الباب ان يفرق بين الوفاء بالتمليك الجديد فيما هو غير محرم على مذاق ذلك القائل و بين الوفاء بالتمليك الجديد فيما هو محرم فيقال بعدم استحباب الوفاء في المحرم حتى على وجه التمليك الجديد لعدم الدليل بعد الإغماض عن عدم صلاحية العهد المحرم لإيجاب استحباب الوفاء و يقال باستحبابه حتى على الوجه المذكور في غير المحرم من جهة كونه وفاء بالعهد المباح فيترتب عليه حكم الاستحباب لكن حصول الفرق بين المحرم و غير المحرم بالقول باستحباب الوفاء و لو على الوجه المذكور في الثاني دون الأوّل غير مفيد لخروجه عما هو محل الكلام بيننا و بين القائل المذكور لان الفرق بين المحرم و غيره عنده انما هو بحل أكل آخذ الخطر إياه بعد التمليك الجديد في الثاني دون الأول و اين ذلك من استحباب إعطاء باذل الخطر إياه و قد عرفت انه لا فرق بين المحرم و غيره بعد التمليك الجديد بالنسبة إلى حل أكل الآخذ للخطر إياه فيحلّ في المحرم و المحلل فيتجه (حينئذ) على التوجيه بان المراد بالوفاء التمليك الجديد بالنسبة الى ما ذكره ذلك القائل من إباحة أخذ العوض النقض بالمحرم حيث ان التمليك الجديد بعده (أيضا) موجب للحد

قوله و كيف كان فلا أظن الحكم بحرمة الفعل مضافا الى الفساد في هذه الصورة محل اشكال

هذه العبارة من حيث تضمنها اضافة الحرمة إلى الفساد دالة على ما ذكرناه من كون الفساد في هذه المسئلة من قبيل المسلمات الّتي لم يقع من أحد منهم التشكيك فيها

قوله نعم عن (الكافي) و (التهذيب) بسندهما عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) انه قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أكل و أصحاب له شاة فقال ان أكلتموها فهي لكم و ان لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا فقضى فيه ان ذلك باطل لا شيء في المؤاكلة من الطعام ما قل منه أو كثر و دفع غرامة فيه

هكذا وجدت الحديث فيما راجعته من نسخة الكافي و مقتضى هذا المتن ان قوله و أصحاب له عطف على فاعل أكل المستتر فيه و مثل هذا العطف و ان كان قد منعه جماعة من النحاة الا انه جوزه جماعة أخرى و الضمير في قوله فقال يعود الى صاحب المال المدلول عليه بالمقام كما في قوله (تعالى) وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ و قوله (عليه السلام) ما قل منه أو كثر بدل من الطعام على حد قوله (تعالى) تَكُونُ لَنٰا عِيداً لِأَوَّلِنٰا وَ آخِرِنٰا

قوله و ظاهرها من حيث عدم ردع الامام (عليه السلام) عن فعل مثل هذا انه ليس بحرام الا انه لا يترتب عليه الأثر

هذا بيان لوجه استدراك ذكر الحديث بقوله نعم و ذلك لان ظاهر الحديث هو عدم حرمة الفعل و هو خلاف ما بنى (رحمه الله) عليه من الحكم بالحرمة

قوله لكن هذا وارد على تقدير القول بالبطلان و عدم التحريم

غرضه انه يتجه الإيراد بالحديث على القول بالبطلان و عدم التحريم كما حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن بعض مشايخه المعاصرين له و وجه الإيراد هو ان الحديث يدل على البطلان و لازمه حرمة التصرف لان التصرف فيما قبض بالعقد الفاسد حرام و هو مناف للقول بالبطلان و عدم التحريم الذي قد عرفته في كلام ذلك البعض

قوله فتأمل

لعل الأمر بالتأمل إشارة

122

الى ان الحديث انما دل على البطلان و لم يفد الحكم بحرمة التصرف في الخطر و انما جيء به من الخارج بدعوى كون حرمة التصرف فيه من لوازم البطلان و البعض الذي حكى عنه (المصنف) (رحمه الله) القول بالبطلان و عدم حرمة أخذ المال ينكر اللزوم لانه اعترف بالبطلان و أنكر الحرمة فلو كان معترفا باللزوم لم يسعه التفكيك بينهما

قوله و ما ورد من قيء الامام (عليه السلام) البيض الّذي قامر به الغلام

إشارة إلى رواية عبد الحميد بن سعيد قال بعث أبو الحسن (عليه السلام) غلاما يشترى له بيضا فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها فلما اتى به اكله فقال له مولى له ان فيه من القمار قال فدعى بطشت فتقيأ فقائه

[الرابعة المغالبة بغير عوض في غير المنصوص على جواز المسابقة فيه]

قوله كما يدل عليه ما تقدم من إطلاق الرواية بكون اللعب بالنرد و الشطرنج بدون العوض قمارا لم يتقدم ما أطلق فيه القول بكون النّرد و الشطرنج قمارا

حتى يؤخذ بإطلاقه الشامل لصورتي وجود العوض و عدمه و (الظاهر) انه اشارة الى ما حكاه عن تفسير القمي (رحمه الله) عن ابى الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) من الرواية المتضمنة لقوله (عليه السلام) و امّا الميسر فالنرد و الشطرنج و كل قمار ميسر (انتهى) فإنه جعل النرد و الشطرنج ميسرا و جعل كل قمار ميسرا فيفيد ان النرد و الشطرنج قمار و هي قضية مطلقة يشمل إطلاقها صورتي وجود العوض و عدمه

قوله فتأمل

لعل الأمر بالتأمل إشارة إلى توهين الاستدلال بإضافة لفظ الإله الى القمار على خروج الإله عن مفهومه و ذلك لان المأخوذ فيه على تقدير الإله فيه انما هي الآلات الخاصة و لفظ الإله المضاف الى القمار في قولهم إله القمار انما يراد به مفهوم الإله على وجه كلى فيكون من اضافة الجنس الى ما هو مقيد بنوع منه و ذلك مما لا غائلته فيه فتدبر

[المسألة السابعة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه القيافة]

قوله و قد افترى بعض العامة على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في انه قضى بقول القافة

قال الفاضل الصالح المازندراني (رحمه الله) في شرح أصول الكافي روى مسلمة بإسناده عن عائشة ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) دخل على مسرورا تبرق اساوير وجهه فقال أ لم تر محزّرا نظر آنفا الى زيد بن حادثة و اسامة بن زيد فقال ان بعض هذه الاقدام لمن بعض انتهى

قوله فقال له اخوته و نحن (أيضا) ما كان فينا امام قط حائل اللون

مقول القول هو جملة ما كان (انتهى) و لفظ نحن معطوف على فاعل القول أعني اخوته بناء على ان لا يعتبر في المعطوف حلوله موضع المعطوف عليه نظرا إلى أنّه يفتقر في الثواني ما لا يفتقر في الأوائل و بتقدير لفظ قلنا حتى يكون كلمة نحن تأكيدا نظير قوله (تعالى) اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ و ان لم يكن لفظه زوجك بناء على تقدير الفعل و هو ليسكن تأكيدا بل هو فاعل و قوله حائل اللون صفة لإمام و معناه متغير اللون اسوده يقال حال لونه إذا تغيّر و اسود

قوله (عليه السلام) و اما انا فلا

لعلّ هذا الكلام هو الذي يستفاد منه الإنكار الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) بقوله و قد أنكر ذلك عليهم في الاخبار كما يشهد به ما عن الكافي (انتهى) و لكن لا يخفى ما في إفادته الإنكار الّذي يعطيه مساق كلام (المصنف) (رحمه الله) من نفى قضاء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك بل لا يدل كلام مولينا الرّضا (عليه السلام) على مبغوضيته و عدم صحته عنده لاحتمال ان امتناعه (عليه السلام) من بعثه إلى القافة من جهة عدم مناسبته لشأنه (عليه السلام) حيث انه هو الذي كان مرجعا في عصره في حل المشكلات فالتماسه (عليه السلام) من القافة حل الاشكال مناف لذلك و أقرب من ذلك ان عدم بعثه (عليه السلام) إليهم أبلغ في إتمام الحجة على الجماعة من جهة ان بعثه (عليه السلام) قد يوهم انه (عليه السلام) أعلمهم بما يريد بخلاف ما لو انفردوا بالبعث إليهم و إحضارهم فإنه يرتفع ذلك الاحتمال فيتم الحجة خصوصا بعد مبادرتهم الى طلب الرّجوع الى القافة فتدبر

قوله و لتكونوا في بيوتكم

هكذا وجدت لفظ الحديث في نسخة قديمة مصححة من الكافي و فيه دلالة على دخول لام الأمر على صيغه المضارع المخاطب

قوله فلما جاءوا أقعدونا في البستان

قال الفاصل الصالح المازندراني (رحمه الله) في شرحه (الظاهر) ان هذا من كلام الرضا (عليه السلام) و ان أقعدونا على صيغة الأمر و الخطاب للعمومة و الاخوة انتهى

قوله و اصطف عمومته و اخوته

هذا من كلام على بن جعفر

قوله ثم جاؤا بأبي جعفر (عليه السلام)

يعنى محمّد الجواد (عليه السلام)

قوله و قالوا

(11) اى قالت العمومة و الاخوة للقافة

قوله فقالوا

(12) يعنى القافة

[المسألة الثامنة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الكذب]

[الكلام في مقام الأول أنه من الكبائر]

قوله (عليه السلام) و لكن المطوع على الكذب

(13) يعنى المتشجع عليه

قوله من اللمم

(14) قال في المجمع اللمم محركة صغار الذنوب انتهى

قوله ثم ان ظاهر الخبرين الأخيرين خصوصا المرسلة حرمة الكذب حتى في الهزل و يمكن ان يراد به الكذب في مقام الهزل و اما نفس الهزل و هو الكلام الفاقد للقصد الى تحقق مدلوله فلا يبعد انه غير محرم مع نصب القرينة على ارادة الهزل

(15) لا يخفى ان المشتمل على الجد و الهزل من الاخبار المذكورة روايتان إحديهما مرسلة سيف بن عميرة و الأخرى رواية الحارث الأعور و قد وقع بينهما في كلام (المصنف) (رحمه الله) ذكر صحيحة ابن الحجاج التي ليس فيها التعرض لذكر الجد و الهزل فالتعبير عن الروايتين المذكورتين بالخبرين الأخيرين مبنى على الغفلة عن توسط صحيحة ابن الحجاج بينهما ثم ان توضيح مراده (رحمه الله) هو ان المستفاد من الخبرين المذكورين هو ان الهزل الذي هو الكلام الفاقد للقصد يكون كذبا إذا كان مفهومه المتعارف عند الناس مخالفا للواقع كما ان الجد (أيضا) قد يكون كذبا عند مخالفته للواقع و وجه الظهور ان مقتضى عبارة الخبر الأول و هو قوله (عليه السلام) اتقوا الكذب في كل جدّ و هزل ظاهره الكذب المتحقق في ضمن كلام جدا و كلام هزل فيكون الكلام الكذب هو الكلام المتصف بالهزل و كذا مقتضى قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني لا يصلح من الكذب جد و هزل هو ان كلا منهما من أصناف الكذب فيصدق على كل منهما و يحمل عليه و على هذا يكون نفس الكلام الذي هو الهزل موصوفا بالحرمة لكنه (رحمه الله) احتمل في الخبرين معنى أخر و هو ان يكون المراد بالكذب في الهزل الكذب في مقام الهزل بان يقحم الكلام الكاذب في طي الكلمات الصادرة منه على وجه الهزل و مثله قوله (عليه السلام) لا يصلح من الكذب جد و هزل يمكن ان يكون المراد به انه لا يصلح من الكذب و هو الكلام الذي قصد به معنى مخالف للواقع ما وقع في مقام الهزل فيكون الموصوف بالحرمة ذلك الكلام الذي قصد به معنى مخالف للواقع و على هذا لا يكون نفس الهزل الذي لم يقصد به المعنى متصفا بالحرمة فتدبر ثم ان قوله خصوصا المرسلة إشارة إلى أن للمرسلة خصوصية في الدلالة على الحرمة لوقوع التعبير فيها بقوله (عليه السلام) اتقوا و وقوع التعبير في رواية الحارث الأعور بقوله (عليه السلام) لا يصلح

[المقام الثاني و هو مسوغات الكذب]

قوله بل هو المطابق للقواعد لو لا استبعاد التقييد في هذه المطلقات لأن النسبة بين هذه المطلقات و بين ما دل كالرواية الأخيرة و غيرها على اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه (مطلقا) عموم من وجه فيرجع الى عمومات حرمة الكذب فتأمل

(16) أراد بالمطلقات الاخبار المشار إليها في كلامه من غير ما اشتمل على الاضطرار كالرواية الأخيرة و هي رواية سماعة بدليل جعلها طرفا في مقام ملاحظة النسبة بينها و بين المطلقات فمراده بالمطلقات ما دل على الجواز لمجرد الخوف و ان لم يبلغ حد الاضطرار أو للإصلاح و نحوه من المصالح كما يعطيه قوله في ذيل الأخبار المذكورة الى غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا الباب و فيما يأتي من جواز الكذب في الإصلاح التي يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم

123

القدرة على التورية و أشار بقوله لو لا استبعاد التقييد في هذه المطلقات الى ما ذكره من التقييد الذي يصعب التزامه و حاصل مراده (رحمه الله) في هذا المقام انه لو لم يكن تقييد تلك المطلقات بصورة عدم القدرة على التورية مستبعدا كان المطابق للقاعدة ما هو الموافق للاحتياط من حرمة الكذب و لزوم التورية و بيان ذلك ان مؤدّى تلك المطلقات هو انه يجوز الحلف كاذبا في مقام الخوف أو الإصلاح و نحوه من المصالح سواء بلغ الخوف أو شيء من المصالح المذكورة حد الاضطرار أم لا و مقتضى الرواية الأخيرة و ما في معناها مما تضمن قصر جواز الكذب أو الحلف كاذبا على صورة الاضطرار بعد إرجاعها إلى المنع من جوازه مع عدم الاضطرار (مطلقا) كما أشار إليه بقوله المستلزم للمنع مع عدمه (مطلقا) هو انه يحرم الكذب أو الحلف كاذبا في غير صورة الاضطرار سواء كان هناك خوف أو شيء من المصالح المذكورة أم لا و معلوم انه (حينئذ) يكون النسبة بين الطرفين هو العموم من وجه و مورد الاجتماع هو ما لو كان خوف غير بالغ حدّ الاضطرار أو شيء من المصالح الغير المنتهية الى ذلك الحد فيكون مقتضى الصنف الأول هو جواز الكذب في مورد الاجتماع فلا يلزم التورية و مقتضى الصّنف الثاني هو عدم جوازه فيه فتلزم التورية فيتعارضان فيرجع الى عمومات الكذب و مقتضاها الحرمة فيجب التورية لدفع حرمتها هذا و يبقى هنا شيء و هو ان مقتضى قوله لو لا استبعاد التقييد في هذه المطلقات هو ان استبعاده فيها مانع عن المسلك الذي ذكره من ملاحظة التعارض بين ما ذكر من العامين من وجه و الرجوع الى عمومات الكذب فنقول ان الوجه في ذلك هو ان مقتضى الرجوع الى عمومات الكذب هو حرمة مورد الاجتماع و الحكم بها تقييد في دلالة المطلقات المذكورة على الجواز بأنه يلزم التورية في موردها لكن يتوجه على هذا اشكال و هو ان ظاهر كلام (المصنف) (رحمه الله) يعطى ان عمومات الكذب مرجع بعد تعارض الطرفين و (حينئذ) نقول انّه لا وجه لكون ما هو من قبيل المرجع مقيدا لأحد طرفي التعارض و لعله الى هذا أشار بالأمر بالتأمل و يمكن دفع الاشكال المذكور بأنه ليس مراده ان الدليلين يتساقطان فيلزم الأخذ بعمومات حرمة الكذب من باب كونها مرجعا بل مراده (رحمه الله) انه يرجع الى عمومات الكذب في ترجيح أحد طرفي التعارض على الأخر بمعنى تقوية دلالته من جهة كونها معاضدة لأحد الطرفين و كونها قرينة على ان المراد بالاخبار الدالة على انه يحرم الكذب في غير صورة الاضطرار انما هو العموم فهي باقية على عمومها و من المقرر في محله ان ما بقي من العامين من وجه المتعارضين على عمومه يكون مخصّصا أو مقيدا لما قابله من الطرف الأخر و لعله الى هذا أشار بالأمر بالتأمل

قوله هذا مع إمكان منع الاستبعاد المذكور لان مورد الاخبار عدم الالتفات إلى التورية في مقام الضرورة إلى الكذب

يريد ان الاخبار المذكورة لم ترد مطلقة حتى يطرء عليها التقييد بعد ذلك بل انما وجدت متقيدة من حيث كونها ناظرة إلى صورة عدم الالتفات إلى التورية و من المعلوم انتفاء القدرة على الشيء عند عدم الالتفات اليه

قوله قيل له جعلت فداك و ما الإصلاح بين الناس قال تسمع من الرّجل كلاما يبلغه فتخبت نفسه فتقول سمعت فلانا قال فيك من الخير كذا و كذا خلاف ما سمعته

هكذا وجدت متن الحديث في هذا الكتاب و في كتاب أنوار النعمانية و لم يحضرني من كتب الأخبار القديمة ما أراجعه و الذي يتحمله هذا المتن الموجود هو ان سماعك من الرّجل كلاما يبلغه عبارة عن ان تسمعه يقول بلّغني ان فلانا قال في كذا و كذا أو ما ادّى معنى هذا الكلام و بعبارة أخرى سماعك كلاما يبلغه عبارة عن ان تسمع منه حكاية الكلام الذي بلغه ممن قال فيه فجملة يبلغه صفة للكلام و الفاعل فيها يعود الى الموصوف و الإخبات التذلل و التواضع و المراد ان تذل نفسه من جهة ذلك الكلام الذي بلغه و يكون المراد بخلاف ما سمعته في أخر الحديث خلاف مضمون الكلام الذي سمعت حكايته

[المسألة التاسعة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الكهانة]

قوله و قوله (عليه السلام) مع قذف في قلبه يمكن ان يكون قيدا للأخير و هو فطنة الروح فيكون الكهانة بغير قذف الشياطين كما هو ظاهر ما تقدم عن النهاية و يحتمل ان يكون قيد الجميع الوجوه المذكورة فيكون المراد تركيب اخبار الكاهن مما يقذفه الشيطان و ما يحدث في نفسه

لا ريب في ان المراد بقوله (عليه السلام) مع قذف في قلبه انما هو قذف الشيطان في قلب الكاهن كما يدلّ عليه التعليل بقوله (عليه السلام) لان ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة (انتهى) لكنه (رحمه الله) احتمل في تعلق القيد احتمالين أحدهما ان يكون قيد الفطنة الروح و جعل لازم هذا تحقق الكهانة بغير قذف الشياطين في الجملة أعني في ضمن وجوهه الأخر التي هي فراسة العين و ذكاء القلب و وسوسة النفس و ذلك لان تلك الوجوه لم تتقيد باقترانها بقذف الشيطان في قلبه فلفظة يكون في قوله (رحمه الله) فيكون الكهانة بغير قذف الشيطان تامة و ليس الظرف خبرا له بل هو متعلق به على حد تعلق الظرف اللغو بعامله يعنى انها توجد بغير قذفه أي في ضمن الوجوه الأخر كما عرفت و هذا هو الذي ذكره في النهاية بقوله و منهم من كان يزعم انه يعرف الأمور بمقدمات و أسباب (انتهى) و ثانيهما ان يكون قيد الجميع الوجوه المذكورة فيكون كل منهما مركبا مما يدركه من تلقاه نفسه و ما يلقيه اليه الشيطان

قوله و قوله (عليه السلام) قبل ذلك مع قذف في قلبه (إلخ)

غرضه ان هذا اللفظ بانضمام ما بعده من التعليل يدل على صدق الكاهن على من انحصر أخباره في الاخبار عن الأرض لا انه بنفسه يدل على ذلك من دون انضمام التعليل و يشهد بما ذكرنا لفظه (إلخ) بعد قوله مع قذف في قلبه

قوله و ظاهر هذه الصّحيحة ان الاخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرّم (مطلقا) سواء كان بالكهانة أو بغيرها لانه (عليه السلام) جعل المخبر بالشيء الغائب بين الساحر و الكاهن و الكذاب و جعل الكل حراما

و من المعلوم ان نفس الخبر النبوي لا يفيد جعل المخبر بالشيء بين الساحر و الكاهن و الكذاب و انما يفيد ذلك في ضمن الحديث المروي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) بانضمام السؤال و ذلك لان السائل سئل عن رجل يخبر من يأتيه يسئله عن الشيء يسرق أو شبه ذلك فأجاب بأنه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من مشى الى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول فقد كفر (انتهى) فيحصل من الجواب بملاحظة السؤال حصر المخبر عن الشيء في الثلاثة لأنه ان لم يكن ساحرا أو كاهنا فلا أقل من كونه كذابا فيحرم الجميع بحكمه (عليه السلام)

[المسألة العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه اللهو]

قوله ففي رواية سماعة قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لما مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم على نبينا و إله و (عليه السلام) فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس من الزفن و المزمار و الكوبات و الكبرات فإنما هو من ذلك

لا يخفى انه لم يذكر الرواية في الوسائل على هذا الوجه و انما ذكر روايتين إحديهما بعد الأخرى بلا فصل و هذا نصه عنهم عن سهل عن سليمان بن سماعة عن عبد اللّه بن القاسم عن سماعة قال

124

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لما مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم فكل ما كان في الأرض من هذا الضّرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك و عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنهاكم عن الزفن و المزمار و عن الكوبات و الكبرات انتهى صورة ما في الوسائل و المعارف كما في المجمع هي الات اللهو يضرب بها الواحد غرف انتهى و الزفن كما في المصباح الرقص قال فيه زفن زفنا من باب ضرب رقص انتهى و في المجمع ما لفظه في الحديث أنهاكم عن الزفن و المزمار الزّفن الرقص و اللعب و في الخبر كانت تزفن الحسن (عليه السلام) اى ترقصه و أصله اللعب و الدفن انتهى و الكوبات جمع كوبة قال في القاموس الكوية بالضم النرد و الشطرنج و الطبل الصغير و الفهر و البربط انتهى و الكبر بضم الأوّل و فتح الثاني الطبل قال في القاموس الكبر كصرد و الطبل (جمع) كبار و أكبار انتهى و في الوافي ذكر الروايتين المذكورتين على ترتيب الوسائل من دون زيادة و لا نقيصة في متنيهما لكن قال في أول سند الأولى (الكافي) محمد بن سليمان بن سماعه عن عبد اللّه بن القاسم إلى أخر الرواية على ما عرفته من الوسائل ثم قال في البيان الذي عقبها به ما لفظه المعازف الملاهي كالعود و الطنبور ثم ساق الرواية الثانية بقوله (الكافي) الأربعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الى أخر الرواية الثانية على ما عرفته من الوسائل ثم قال بيان الزفن اللعب و الدف و يزفنون يرقصون و المزمار ما يزمر به و الزمر التغني في القصب و مزامير داود (عليه السلام) ما كان يتغنى به من الزبور و الكوبة بالضم يقال للنرد و الشطرنج و الطبل الصّغير و البربط و الكبر محركة الطبل انتهى و ذكر ذلك كله في باب كسب المغنية و شرائها

قوله اما اللعب فقد عرفت ان ظاهر بعض ترادفهما و لكن مقتضى تعاطفهما في غير موضع من الكتاب العزيز تغايرهما

أراد (رحمه الله) ان ظاهر بعض يعني صاحبي الصّحاح و القاموس كما تقدم في كلامه هو كون اللعب مرادفا للهو و لكن لا يخفى ما في التعبير بقوله ترادفهما خبرا عن اللعب من الحزازة و حق العبارة ما ذكرناه ثمّ ان من جملة ما وقع فيه التعاطف بين اللعب و اللهو قوله (تعالى) إِنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ

قوله و نحوها رواية أبي أيوب حيث أراد باللغو الغناء مستشهدا بالآية

في الوسائل عن أبي أيوب الخزاز قال نزلنا بالمدينة فأتينا أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال لنا اين نزلتم فقلنا على فلان صاحب القيان فقال كونوا إكراما فواللّه ما علمنا ما أراد به و ظننا انه يقول تفضلوا عليه فعدنا اليه فقلنا لا ندري ما أردت بقولك كونوا إكراما فقال اما سمعتم اللّه عز و جلّ يقول إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً و المراد بالقيان هنا الجواري المغنيات و ان كان قد وقع الخلاف في أصل وضع القينة من حيث اعتبار وصف الغناء فيه و عدمه قال في المصباح القنية الأمة البيضاء هكذا قيده ابن السكيت مغنية كانت أو غير مغنية و قيل يختص بالمغنية و قينتان و قينات مثل بيضة و بيضتان و بيضات انتهى ثم ان هذه الرواية إنما تنطبق على ما اراده (المصنف) (رحمه الله) من ترادف اللهو و اللغو تمام الانطباق لو كان قد وقع التعبير فيها عن الغناء باللهو ثم وقع الاستشهاد بالآية كما وقع في رواية محمّد بن حماد و ليس (كذلك) كما عرفت متن الرواية فتعين ان يكون مراد (المصنف) (رحمه الله) ان رواية أبي أيوب مثل رواية محمّد بن حماد من جهة انه أراد باللغو في الآية الغناء حيث استشهد بالآية فتقوم رواية أبي أيوب مقام استشهاد مولينا الرّضا (عليه السلام) بالآية في الانضمام الى قوله (عليه السلام) ان السّماع في حيز اللهو فيحصل من انضمامه اليه ترادف اللهو و اللغو كما كان يحصل من انضمام الاستشهاد بالآية الى ما ذكره (عليه السلام) بقوله ان السّماع في حيّز اللهو ترادفهما

قوله و في رواية أبي خالد الكابلي عن سيّد السّاجدين (عليه السلام) تفسير الذنوب التي تهتك العصم بشرب بالخمر و اللعب بالقمار و تعاطى ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس و في وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لأبي ذر (رضي الله عنه) ان الرجل ليتكلم بالكلمة فيضحك الناس فيهوى ما بين السّماء و الأرض

الظاهر ان الغرض من ذكر الرواية الأولى بيان مستند للتحريم الذي هو وجه في مقابل ما ذكره من الوجه الأقوى و ذلك لدلالتها عليه من حيث عدما يضحك الناس من اللغو و المزاح في عداد الذنوب التي هي شرب الخمر و اللعب بالقمار و ان الغرض من ذكر الرواية الثانية بيان مستند الكراهة لظهور قوله (عليه السلام) فيهوى ما بين السّماء و الأرض في ذلك و (الظاهر) ان وجه جعله الكراهة أقوى هو كون مستندها مؤيدا بالشهرة العظيمة

[المسألة الحادية و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه مدح من لا يستحق المدح]

قوله مدح من لا يستحق المدح أو يستحق الذم ذكره العلامة (رحمه الله) في المكاسب المحرمة

لا يخفى ان الموجود في كلام العلامة (رحمه الله) انما هو الثاني و عكسه دون الأوّل قال في التذكرة يحرم حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض و الحجة و تعلمها الى ان قال و مدح من يستحق الذم و بالعكس و التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة بلا خلاف في ذلك كله انتهى و مثله بعينه عبارة القواعد بالنسبة إلى مسألتنا و معلوم ان المراد بالعكس انما هو ذم من يستحق المدح و كذا في المنتهى قال (رحمه الله) فيه الغيبة حرام و كذا هجاء المؤمنين و الكذب عليهم و النميمة و السعاية بالمؤمنين و سبهم و شتمهم و السّعى في القبيح و مدح من يستحق الذم و ذم من يستحق المدح و الأمر بشيء من ذلك و أخذ الأجرة عليه و التشبيب بنساء المؤمنين بلا خلاف انتهى ثم ان عبارة عنوان المسئلة بظاهرها نعطي انه لو كان جائر مؤمنا أو سخيا أو شجاعا مثلا لم يجز مدحه بإيمانه أو سخائه أو شجاعته لانه يصدق عليه انه مدح من يستحق الذم و لو من جهة جوره و (الظاهر) ان ذلك مما لا يلتزم به أحد و لهذا قال في جامع المقاصد ان المراد مدح من يستحق الذم من الوجه الذي يستحق به الذم و كذا عكسه أما إعطاء الشخص الواحد حقه من المدح و الذم باعتبار مقتضاهما فإنه يحسن ثم قال و لا يبعد ان يقال بتحريم مدح من يستحق الذم و ان لم يكن من الوجه الّذي يستحق به الذم إذا فهم السامع منه كونه ممدوحا لما فيه من إيهام الباطل انتهى و يبقى الكلام في المراد من العبارة الاولى اعنى مدح من لا يستحق المدح فنقول ان أريد به وصفه بما ليس فيه (مطلقا) سواء كان متصفا بصفة الأخرى مذمومة أم لا كان الفرق بينه و بين مدح من يستحق الذم ظاهر أو كان وجه حرمته واضحا ضرورة انه نوع من الكذب الا انه يتجه على هذا التقدير اشكال و هو انه لا وجه لافراد هذا بخصوصه عن الكذب كما ان أفراد مدح من يستحق الذم (أيضا) لو كان هو العنوان يتجه عليه هذا الاشكال و لهذا قال في جامع المقاصد في مقام دفع الاشكال عن الأخير و انما ذكر هذا بخصوصه و ان كان نوعا من الكذب لأنه أغلظ من غيره و لما في ذم من يستحق المدح من زيادة إيذائه انتهى و ان أريد به مدح من ليس أهلا للمدح أصلا و (كذلك) العكس كما صرح في مفتاح الكرامة بأنه قد يراد بمدح من يستحق الذم و ذكر انه يشعر به عبارة (الدروس) حيث قال و الذم لغير اهله و المدح في غير محله اتجه عليه (أيضا) الإشكال السابق و لا مدفع له

125

الا ما عرفت لكن في مفتاح الكرامة بعد ذكر هذا التفسير و ذكر اشعار عبارة الدروس به ما لفظه و لعله بهذا يندفع التكرار عند صدق التأمل و الّا فهذا بطرفيه نوع من الكذب و بأحدهما نوع من الهجاء انتهى و ليت شعري ان كون الذم و المدح لمن ليس أهلا له أصلا كيف يخرجهما عن عنوان الكذب أو يخرج الذم عن الهجاء حتى يرتفع به التكرار هذا و (الظاهر) ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من أخذ العنوان على الوجهين إشارة الى ما ذكره في الدروس على تفسير مفتاح الكرامة و الى ما ذكره العلامة (رحمه الله) كما صرّح به هو (رحمه الله) ثم لا يخفى عليك جريان الاستدلال بالقبح العقلي على كل من العنوانين و ان ذلك مما لا اشكال فيه

قوله و يدلّ عليه من الشرع قوله (تعالى) وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ

لا يخفى عليك ان هذا الاستدلال ينطبق على العنوان الثاني بعد تفسيره بما ذكره في جامع المقاصد من كون المراد المدح على الجهة التي يستحق الذم فيها و ذلك لوضوح ان مدح الظالم من جهة كونه ظالما ركون اليه لكنه لا ينطبق على العنوان الأول سواء فسر بمدح من لا يستحق المدح المقول فيه بان لا يكون فيه ذلك أم فسر بمدح من لا يستحق المدح أصلا ضرورة عدم ملازمة شيء من العنوانين للظلم إذ قد يكون الظالم مؤمنا باللّه أو سخيا أو حليما أو غير ذلك الا ان يكون المراد بالظلم ما يعم الظلم لنفسه و هو الفسق و يكون المراد من عدم استحقاق المدح من جهة مخالفة ربه عزّ و جلّ لكنه كما ترى

قوله و عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما رواه الصّدوق من عظم صاحب دنيا و أحبّه طمعا في دنياه سخط اللّه عليه و كان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار

هذا الحديث يمكن تقريبه على وجه ينطبق على العنوان الثاني و ذلك لان تعظيم صاحب الدنيا يشمل بإطلاقه مدحه من الجهة التي يستحق فيها الذمّ و المفروض كون صاحب الدّنيا مذموما بدلالة الحديث لان كون المعظم في درجة صاحب الدنيا مع قارون يعطى كون صاحب الدنيا من الجلساء قارون فيكون مستحقا للذم و امّا انطباقه على العنوان الأول فلا وجه له سواء أريد به من ليس مستحقا لما قيل فيه من المدح أم أريد به من ليس مستحقا أصلا ضرورة عدم الملازمة بين تعظيم صاحب الدنيا و بين ان لا يكون فيه شيء مما يوجب صدق المدح في مقابلته فلا يلزم من كونه صاحب دنيا كونه لا يستحق ما قبل فيه من المدح لإمكان ان يكون فيه ما يوجب صدق المدح كما انه لا يلزم ان يكون ممن لا يستحق المدح أصلا

قوله من مدح سلطانا جائرا و تخفف أو تضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار

التضعضع الذلّ و الخضوع كما وقع التصريح به في كتب اللغة ثم لا يخفى عليك ان مدح السّلطان كما يتحقق بإخفاء ظلمه أو تزيين ما فعله ظلما حتى يكون من قبيل مدح من لا يستحق الذم من الجهة التي مدح لأجلها (كذلك) يتحقق بمدحه بما فيه و على هذا يكون بين الدليل و العنوان الثاني عموم من وجه بعد ملاحظة كون العنوان المذكور أعم من السّلطان فلا يخلو الاستدلال به عليه من وهن هذا بالنسبة إلى العنوان الثاني و اما بالنسبة إلى العنوان الأول فعدم الانطباق أظهر سواء أريد بمن لا يستحق المدح من لا يستحق خصوص المدح الذي قيل فيه أم أريد به من لا يستحق المدح أصلا

قوله و قد ورد في عدة اخبار ان شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرهم

لا لوجوب الاتقاء منهم فلا دلالة فيه على ذلك أصلا و ان أريد بيان ذمهم فليس المقام مما يقتضي بيان ذلك فتدبر

[المسألة الثانية و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه معونة الظالمين في ظلمهم بالأدلة الأربعة]

قوله و اما معونتهم في غير المحرمات فظاهر كثير من الاخبار حرمتها (أيضا) كبعض ما تقدم

(الظاهر) انه أراد بالبعض المتقدم الخبرين الأولين فإنهما يدلان على ان مطلق اعانة الظالم حرام سواء كانت الإعانة في ظلمة أم في غيره فالاستدلال بهما على حرمة إعانة الظالم في ظلمة من جهة دلالتهما عليها بالإطلاق لا بالنصوصية و ذلك لان المشي إلى ظالم لإعانته أعم من ان يكون لإعانته في ظلمة أو في غيره من المحرمات أو في غيرها و دعوى اشعار تعليق الحكم بالوصف بكونه علة و ان كانت مسلمة الا ان الإشعار لا يبلغ حد الدلالة فلا يعتبر دليلا على الأحكام مضافا الى ان قوله (عليه السلام) من مشى الى ظالم ان كان مشعرا بالاختصاص فقوله (عليه السلام) و هو يعلم انه ظالم مشعر بان الفعل الذي أعانه فيه ليس بظلم و الا لقال و هو يعلم ان العمل الذي يعينه فيه ظلم و لم يقل و هو يعلم انه ظالم و مع تعارض الاشعارين يبقى الإطلاق على حاله هذا بالنسبة إلى أولهما و مثله الحال في ثانيهما فإنه مطلق (أيضا) لأن قوله (عليه السلام) بري لهم قلما أو لاق لهم دواة يعم ما لو كان القلم و الدّواة من أسباب الظلم و ما لو لم يكونا من أسبابه و امّا الخبر الأخير فهو ظاهر بل صريح في خصوص الظلم لان تعليق السوط بين يدي ظالم كناية عن إمساكه له بيده لأجل ضرب من أمره بضربة و معلوم ان امره ذلك ظلم

قوله و قوله الصادق (عليه السلام) في رواية يونس بن يعقوب لا تعنهم على بناء مسجد

هذه الرواية وصفها العلامة (رحمه الله) في المنتهى بالصحة و قال بعد ذكرها و الأحاديث في ذلك كثيرة و ظاهره ان المشار اليه هو مضمونها الذي هو المنع عن بناء المسجد و يحتمل ان يكون أصل حرمة إعانة الظالمين و الأمر سهل

قوله و قوله (عليه السلام) ما أحبّ أني عقدت لهم عقده أو وكيت لهم وكاء و ان لي ما بين لابتيها لا و لا مدة بقلم

قال في المصباح الوكاء مثل كتاب حبل يشد به رأس القربة الى ان قال و اوكيت السّقاء بالألف شددت فيه بالوكاء و وكيته من باب وعد لغة قليلة انتهى و قال فيه اللابة الحرة و هي الأرض ذات الحجارة السود و الجمع لاب مثل ساعة و ساع و في الحديث حرم المدينة ما بين لابيتها لأن المدينة بين حرتين انتهى و في المجمع لابتا المدينة حرتان عظيمتان يكتنفانها ثم ان (الظاهر) ان الواو في قوله و ان لي ما بين لابتيها للحال و ان الضمير المضاف إليه عائد إلى المدينة بدلالة الحال على ذلك من جهة صدور الرواية فيها و حاصل مجموع الفقرة ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو شددت لهم رأس قربة بالوكاء في حال صيرورة ما بين لابتي المدينة من الملك و المال لي عوضا عما عملته من هذا العمل اليسير فكيف بغير تلك الحال و قوله (عليه السلام) لا بعد الفقرة المذكورة تأكيد للنفي المذكور بقوله ما أحب و المدة بالفتح غمس القلم في الدواة مرة للكتابة قاله في المجمع ثم صرح بان منه الحديث المذكور و قوله (عليه السلام) و لا مدة بقلم الواو فيه للعطف و لا لإعادة النفي و مدة اما مفعول بقوله أحب أي ما أحب مدة بقلم لهم عوضا عما بين لابتيها أو مفعول مطلق و التقدير ما أحب أني مددت لهم مدة بقلم لهم عوضا عما بين لابتيها

قوله و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رواية الكاهلي من سود اسمه في ديوان ولد سابع

(انتهى) كتب صاحب الوسائل (رحمه الله) على هذا الحديث حاشية و نصها سابع قلب عباس و مثله ما روى أول من رد شهادة المملوك رمع انتهى و حذا حذوه صاحب الحدائق (رحمه الله) حيث قال بعد ذكر الحديث سابع مقلوب عباس كنى به تقية كما يقال رمع مقلوب عمر انتهى

قوله أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها

قال في المجمع كريت النهر كريا من باب ضرب و رمى حفرت فيه حفرة شديدة و كريت الأرض و كروتها

126

إذا حفرتها و منه الحديث كرى جبرئيل (عليه السلام) خمسة أنهار انتهى و فيه (أيضا) المسناة بضم الميم نحو المرز و ربما كان أزيد ترابا منه و منه التحجير بالمسناة انتهى

قوله (عليه السلام) في سرادق من نار

قال في الوافي سرادق معرب سراپرده انتهى

قوله فوجم ابى

قال في المجمع الواجم الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام انتهى و في الوافي سكت على غيظ و الوجم و الواجم العبوس المطرق الممسك عن الكلام لشدة الحزن انتهى

[المسألة الثالثة و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه النجش]

قوله و هو كما عن جماعة ان يزيد الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها ليسمعه غيره فيزيد لزيادته بشرط المواطاة مع البائع أو لا بشرطها

اعلم ان الذي يعطيه كلام الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) هو انه يعتبر في مفهوم النجش ان يزيد الرجل زيادة على قيمتها اللائقة بها لانه قال فيه و هو ان يزيد الرجل في ثمن السلعة زيادة لا تسوى بها و هو لا يريد شرائها و انما يريد لتقتدى به المستام فهذا هو النجش انتهى و يظهر اعتبار القيد المذكور من المصباح حيث قال نجش الرجل نجشا من باب قتل إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها و ليس قصده ان يشتريها بل ليغرّ غيره فيوقعه فيه انتهى و قد فسر فيه الثمن بالعوض فيكون المراد بالزيادة على العوض ما هو لائق به و في شرح القاموس هو ان يريد الإنسان ان يبيع بياعة فيساومه الأخر فيها بثمن كثير لينظر اليه ناظر فيقع فيها و ظاهره ان يكون الثمن كثيرا بالإضافة إلى مرتبة المثمن و الا فالكثير لا حد له فيكون تعريفا بالمجهول و جملة من تعاريفه خالية عن اعتبار التقيد المذكور مثل ما ذكره العلامة (رحمه الله) في القواعد حيث قال و هو الزيادة لزيادة من واطأ البائع و ما ذكره المحقق (رحمه الله) من أنه الزيادة في السّلعة ممن لا يريد شرائها لمواطاة البائع له على ذلك لإيقاع غيره انتهى و عبارة (المصنف) (رحمه الله) في عدم التقييد أظهر من اعتباره لأن الزيادة في ثمن السلعة اى عوضها و قيمتها تصدق بما لو زاد الرّجل في ثمن ما يباع بمن يزيد زيادة تسوى بها بل بما دون ذلك من مراتب الزيادة المتعارفة في سوق من يزيد و يظهر اثر الفرق بين قسمي التعريف في هذا الذي ذكرناه لانه بناء على اعتبار قيد الزيادة عما يسوى يخرج عن النجش موضوعا و حكما و بناء على عدمه يدخل من الوجهين هذا و لا يخفى عليك انه ليس في شيء من التعاريف أهل اللغة المتقدم ذكرها التقييد بكون الزيادة مبنية على المواطاة بين الناجش و البائع و على هذا فيدخل في النجش كل من القسمين المبنى على المواطاة و غيره و لعل تقييد العلامة (رحمه الله) و غيره بالمواطاة مبنى على الغالب و اشارة إلى انه ليس النجش من الأمور التي من قبيل اللغو و العبث بل هو مبنى على تحصيل التعطف بالبائع و المودة له و من هنا ظهر وجه التعميم في كلام (المصنف) (رحمه الله) و لو فرض خروج صورة عدم المواطاة عن موضوع البخش لمشاركته في حكمه قطعا لكونه عشا و تلبسا و إضرار ثم انه بقي هنا شيء و هو ان الزيادة على القيمة اللائقة بالمبيع من الناجش يتصور على وجهين أحدهما ان يكون ذلك في بيع من يزيد و ثانيهما ان يكون ذلك في غيره بان يساوم الناجش البائع في السلعة بأزيد من قيمتها بمرأى من الطالب لها ليغره فيوقعه في شرائها و يستفاد الشّمول للقسمين مما ذكرناه من تعاريف أهل اللغة و ان كان ما حكيناه عن المصباح أظهر في الأوّل و ما حكيناه عن شرح القاموس أظهر في الثاني بل نقول ان كلا منهما يعم القسمين كما لا يخفى على من تأمل و على هذا فتعريف (المصنف) (رحمه الله) يشمل القسمين و يظهر مما ذكرناه انه لو ساوم في السلعة بما لا يزيد على قيمتها اللائقة أو زاد في بيع من يزيد بما لا يزيد عليها لم يكن من النجش موضوعا و لا حكما و ينبغي تتميم الكلام هنا بالبحث عن أمور أحدها انه يتفرع على زيادة بيع من يزيد البحث عن انه لو زاد الناجش مرات لم يكن مراتبها الأول مما يزيد على ثمن السّلعة اللائق بها و كانت المرتبة الأخيرة هي الّتي تزيد على ثمنها فهل يحرم جميع الزيادات حتى يحكم بفسقه في المرة الاولى ان قلنا بان البخش من الكبائر كما هو الظاهر لكونه ظلما أم يحرم الأخيرة دون غيرها الظاهر هو الثاني فلو ترك الزيادة قبل الوصول إلى مرتبة الزيادة عن القيمة اللائقة لم يكن فعل حراما و يمكن ان يقال بحرمة الجميع و يوجه ذلك بان المتعارف من الزيادة على القيمة في سوق من يزيد انما هي الزيادة على سبيل التدريج مجموع الفعل المؤلف من مجموع الزيادات محكوم عليه بالحرمة و يتحقق حكم الحرمة بالدخول في جزء من المركب بعزم الإتمام و الإتيان بسائر أجزائه كما قالوا في حق من شرع في صنع جزء من اجزاء الصنم بنية إتمامه و إلحاق سائر الأجزاء بالجزء الذي عمله و الوجه هو الأول لأن التركيب اعتباري و متعلق حكم الحرمة انّما هو الزيادة على قيمة المبيع اللائقة به و هي انما تتحقق بالأخير كما هو المفروض ثانيها انه قال في (المبسوط) بعد إيراد

الأخبار الدالة على حرمة البخش ما نصه و هذا نهى يقتضي التحريم فإذا ثبت تحريمه فالمشتري إذا افتدى به و زاد في الثمن و اشتراه كان الشراء صحيحا لانه لا دليل على فساده فإذا ثبت صحته فهل للمشتري الخيار أم لا ينظر فان كان البخش من غير أمر البائع و مواطاته فلا خيار له لانه لا يفسخ عليه البيع بفعل غيره و ان كان بأمره و مواطاته اختلف فيه فمنهم من قال لا خيار له و منهم من قال له الخيار لانه تدليس و الأول أقوى انتهى و عن الخلاف انه نفى الخلاف عن صحة البيع و عن أبي علي الحكم ببطلانه ان كان بمواطاة البائع و في القواعد بعد تفسير البخش بما تضمن التقييد بالمواطاة انه مع الغبن الفاحش يتخير على الفور على راى انتهى و عن القاضي انه اثبت الخيار مع الغبن و غيره فتحصل ان في المسئلة أقوالا لأن منهم من قال بصحة البيع (مطلقا) مع مؤاطاة البائع و عدمها و منهم من قال ببطلانه في صورة مؤاطاة البائع ثم اختلف القائلون بصحة البيع فمنهم من قال بأنه لا خيار للمشتري (مطلقا) مع مواطاة الناجش مع البائع و عدمها و منهم من فصل بين ما لو كان بأمر البائع و عدمه فاثبت الخيار في الأول دون الثاني و منهم من فصل بين صورتي وجود الغبن الفاحش و عدمه بثبوت الخيار في الأول دون الثاني كالعلامة (رحمه الله) و ظاهره الحكم بهذا التفصيل في صورة مواطاة الناجش و البائع من حيث تفسيره أصل البخش بما يتضمن التقييد بالمواطاة و منهم من حكم بثبوت الخيار (مطلقا) سواء كان هناك غبن أم لا و هو المحكي عن القاضي و الحق هو القول بثبوت الخيار مع الغبن و عدمه مع عدمه لان الحكم ببطلان البيع مما لا موجب له ضرورة انه لم يقم دليل على كون زيادة قيمة المبيع من جملة ما يوجب بطلان العقد بل من المعلوم إجماعا بل ضرورة فقهية خلاف ذلك و لا من جملة ما يوجب الفسخ (مطلقا) بعد قيام الدليل على لزوم البيع نعم ان كان هناك غبن قام أدلة خيار الغبن بإثباته في المقام و الا فلا من دون فرق بين ما لو كان بمواطاة البائع و عدمها ضرورة عدم ثبوت مدخلية لها شرعا في الفسخ و لا في عدمها و ما تقدم في كلام الشيخ (رحمه الله) من انه في صورة عدم أمر البائع بالزيادة لا خيار استناد إلى انه لا يفسخ عليه البيع بفعل غيره مما لا محصّل له لان بيع المالك ماله بزيادة عن قيمة موجبة لغبن المشترى من أفعاله الموجبة للفسخ ضرورة قيام الدليل على كون الغبن موجبا و ثبوت شيء من الأسباب البعيدة التي ليست من فعل المالك البائع غير مناف لذلك ثالثها

127

انه قال في مفتاح الكرامة (الظاهر) جريان النجش في سائر المعاوضات تنقيحا للمناط و تعويل على ما في المصباح المنير و قد يلوح ذلك من عبارة القاموس فيدخل تحت الخبر و فيما لو قال أعطيت بهذه السّلعة كذا فصدقه المشترى و اشترى ثم نبيّن له خلاف ذلك انتهى و أنت خبير بان ما في المصباح لا يدل على ذلك لتضمّنه لفظ الاشتراء فيظهر منه حال خصوص البيع لا غيره الا ان يقال ان المراد بالاشتراء مطلق الاستبدال و هو معنى مجازي لا يحمل عليه اللفظ إلّا بقرينة أو يقال ان ما ذكره في ذيل كلامه من ان الأصل في البخش الأستار لأنه يستر قصده و من المعلوم ان مراده بذلك بيان المعنى اللغوي المأخوذ منه الذي ليس مرادا في الاخبار قطعا و الا لكان الناجش مثلا في الحديث متوجها الى كل من ستر قصده و هو واضح البطلان نعم يلحق بالبيع سائر المعاوضات من جهة تنقيح المناط و كونه غشا و تلبيسا و إضرارا و من ذلك يعلم الحال فيما ذكره من الفرض الأخير و هو ما لو قال أعطيت بهذه السّلعة كذا (انتهى) رابعها انه قال في مفتاح الكرامة انه إذا واطأه على ترك الزيادة ليشتري بالثمن القليل (فالظاهر) انه من البخش (أيضا) ثم قال و نحوه مواطاة المشترى في دفع الزائد اليه و الذهاب عنه ليمتنع عن بيعه حتى ينقضي السّوق و يشتريه بأبخس ثمن الى غير ذلك من أسباب الخدائع و الحيل قلت ان أراد الاندراج في موضوع البخش فتوجه المنع إليه جلي و ان أراد اللحوق حكما فلا بأس به من جهة كونه غشا و تلبيسا

قوله و حرمته بالتفسير الثاني خصوصا لا مع المواطاة يحتاج الى دليل

هذا هو الحق الذي لا محيص عنه فالوجه هو الحكم بجواز للأصل

[المسألة الرابعة و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه النميمة]

قوله سلط اللّه عليه تنينا اسود ينهش لحمه

قال في القاموس تنين كسكيت حية عظيمة و فيه (أيضا) نهشه كمنعه نهسه و لسعة و عضه

[المسألة الخامسة و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه النوح بالباطل]

قوله و على هذا التفصيل دل غير واحد من الاخبار و ظاهر المبسوط و ابن حمزة التحريم (مطلقا) كبعض الاخبار و كلاهما محمولان على المقيد جمعا

اعلم ان في المسئلة أقوالا أحدها ما ذهب اليه الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) و ابن حمزة في فصل أحكام الموتى من الوسيلة من القول بحرمة النوح (مطلقا) غير مقيد بكونه بالباطل بل ادعى الأول عليه الإجماع قال في أخر كتاب الجنائز و اما اللطم و الخدش و جز الشعر و النوح فإنه كله باطل محرم إجماعا انتهى و لازمه حرمة أخذ الأجرة عليه و لم ينقل عنهما الاستناد الى غير الإجماع الذي عرفت حكايته عن أولهما نعم ذكر بعض الأواخر إنهما لعلّهما استندا إلى إطلاق الاخبار المانعة عن أجر النائحة و عن النياحة مثل ما رواه في الكافي عن عمرو الزعفراني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من أنعم اللّه عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفر و من أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفر و ما رواه في الفقيه في حديث المناهي و فيه انه (صلى الله عليه و آله) نهى عن الرنة عند المصيبة و عن النياحة و الاستماع إليها و نهى عن تصفيق الوجه و ما رواه في الخصال و معاني الاخبار عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) عن آبائه عن على (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيمة الفخر بالأنساب و الطعن في الأحساب و الإستستقاء بالنجوم و النياحة و ان النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيمة و عليها سربال من قطران و درع من ضرب كذا و على هذا فالأخبار المشتملة على الحكم بالكراهة يراد بها الحرمة لعدم ثبوت استعمالها في الأزمنة السابقة فيما يستعمل فيه في زماننا هذا و ثانيها القول بالكراهة (مطلقا) و هذا القول مما دل كلام صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) على وجوده فإنه قال فالقول بالكراهة (مطلقا) غير بعيد كما نص عليه في التهذيب و غيره لمكان الموثقة المذكورة يعني موثقة سماعة و غيرها أو تخص بما إذا شرطت الأجرة لمكان خبر حنان بن سدر حيث قال له قل لها لا تشارط كما نص عليه في التذكرة و غيرها و القائل بالإطلاق يقول بتأكدها مع الشرط كما في التحرير و هو الموافق للقواعد الأصولية إذ لا يجب في المقام على المذهب الصّحيح حمل المطلق على المقيّد لأن الكراهة مما تتزايد و تتأكد و لا كذلك الوجوب و التحريم و ان كان بعضه أعظم من بعض انتهى و وجه دلالة الكلام على إطلاق كراهة النوح بالمعنى الذي يعادل القول الأول هو الاستناد إلى موثقة سماعة و هي انه قال سالته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه إذ ليس فيها تقييد بكون النوح بالحق فتدبر ثالثها ما عن المقنعة و في المراسم و النهاية و السرائر و النافع و التذكرة و الروضة و مجمع البرهان و غيرها من التفصيل بين النوح بالباطل و النوح بالحق بحرمته و حرمة أخذ الأجرة عليه في الأول دون الثاني و حكى عن المنتهى دعوى الإجماع على هذا التفصيل و لكني راجعته فوجدته خاليا عنها و في الجواهر انه للجمع بين النهى عن النوح في النصوص الكثير و بين ما دل على الجواز من السيرة و النصوص المستفيضة المعتضدة بالمحكي من فعل فاطمة (عليه السلام) بل و الفاطميات في كربلا و غيرها بل و المحكي في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في المدينة من فعل نساء المسلمين بل زوجاته خصوصا أم سلمة منهن في ندبتها للوليد يعنى انه يكون ذلك تقريرا منه (صلى الله عليه و آله و سلم) على ذلك بل هو (صلى الله عليه و آله و سلم) قد أمر بندب حمزة كما ان الباقر (عليه السلام) قال للصّادق (عليه السلام) فيما رواه عنه يونس يا جعفر أوقف لي من مالي كذا و كذا النوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيّام منى حمل المحرم على النوح بالباطل و المحلل على خلافه بشهادة قوله (عليه السلام) في الخبر لا ينبغي لها ان تقول هجرا فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح و غير ذلك ثم انه (رحمه الله) أشار الى تفسير الباطل في كلمات الفقهاء (رضي الله عنه) فقال و لعله المراد من الباطل في الفتاوى فان الهجر بالضم الإفحاش و الخنا فيراد به (حينئذ) تعداد أفعاله القبيحة و صفاته المذمومة شرعا نحو النياحة على بعض الناس بذكر تهتكهم في المحرمات من الزنا و اللواط و قتل النفوس و السّرقة و النهب و نحو ذلك لا ما يشمل المبالغة في المدح لكن عن جماعة ان المراد به ما لا يجوز ذكره مثل الكذب بل عن جامع المقاصد انه قد

يلحق به أو يدخل فيه ما إذا سمع صوتها الأجانب و فيه منع حرمة ما يدخل في المبالغة منه و ما لا يقصد به الخطاب مع أحد مما يذكر للمدح و قرينة معه و اما الأخير فليس مما نحن فيه قطعا على انه مبنى على حرمة سماع الأجانب ذلك من غير ريبة و فيه منع كما ذكرناه في محله خصوصا مع عدم تمييز الألفاظ أقول ما ذكره من تفسير الباطل في الفتاوى بالأفحاش و الخنا تفسير بما لا يرضى به أهلها لإباء عباراتهم عن ذلك الا ترى ان منها عبارة ابن إدريس (رحمه الله) في السرائر حيث قال و كسب النوائح بالأباطيل حرام و لا بأس بذلك على أهل الدين بالحق من الكلام و منها عبارة العلامة (رحمه الله) في القواعد حيث قال و يحرم أجر النائحة بالباطل و يجوز بالحق و كذلك غيرهما من العبارات التي اشتملت على مقابلة الباطل بالحق و ذلك لان الحق كما في شرح القاموس و غيره هو الشيء الثابت المتحقق قال فيه يقال هو حق اى ثابت أصيل ليس بباطل انتهى و معلوم انه إذا وصف به الكلام أريد به تحقق معناه و ثبوته و كونه مطابقا للواقع و على هذا فلا يكون الباطل المذكور مقابلا له في كلماتهم إلا عبارة عن غير المطابق للواقع إذ لا وجه لمقابلة الحق المطابق للواقع

128

بالأفحاش و الخنا الّذي ليس بطلانه الّا من جهة كون أصل الفعل قبيحا و يكون ذكره إشاعة للقبيح و لا مدخل في بطلانه لعدم المطابقة للواقع لما عرفت من كون أصل الفعل قبيحا و كون نسبته الى الميّت و ذكره به إشاعة للقبيح الذي هو مبغوض للشارع و ان كان واقعا في الخارج و لهذا فسره جماعة بالكذب كما اعترف هو (رحمه الله) به و لم يفسر الباطل أحد في الفتاوى بما فسّره به نعم قال في مفتاح الكرامة انه قد يراد بالباطل الهجر كما في الخبر و لا ينبغي لها ان تقول هجرا فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح و الهجر بالضم الإفحاش و الخنا كما في الصّحاح انتهى و ظاهره انه يريد تفسير الخبر و كونه مصداقا لما قد يراد لا تفسير الفتاوى ثم انه على هذا التفسير لا يكون لما ذكره شاهدا للجمع بين طائفتي الأخبار مساس بالمقام و الشاهد على ذلك ما حكاه في الحدائق عن النهاية رواية مرسلا بقوله و سئل عن أجر النائحة فقال لا بأس إذا قالت صدقا و في الوسائل ما نصه محمّد بن على بن الحسين (عليه السلام) قال قال لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا انتهى و ما عن الفقه الرّضوي حيث قال و لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا فيتجه عليه (حينئذ) ان الاستشهاد بالخبر الذي استشهد به مع كونه في مقام بيان مستند أهل القول بحرمة النوح بالباطل و كونه في مقام الحكاية عنهم كما يعطيه قوله حمل في عبارته المذكورة على ما حكموا به من حرمة النوح بالكذب ممّا لا ارتباط له بمقصودهم و لا ينطبق على مذهبهم مضافا الى ان جملة مما استدل به على الجواز لا دلالة فيها على ما نحن بصدده لان نوح الفاطميات في كربلا انما هو على الحسين (عليه السلام) و المستشهدين معه و ذلك مما ثبت استحبابه بل قد وجبت الجنة لمن اقامه و فعل فاطمة (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لا مجال للتعدي منه الى النوح على الرّعية و كذلك رواية يونس الناطقة بأمر الباقر (عليه السلام) ابنه (عليه السلام) بان يوقف أعيانا لنوادب يندبنه (عليه السلام) بمنى فلا يقاس عليه النوح على غير أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) و من هنا قال العلامة المجلسي (رحمه الله) معلّقا على هذا الحديث في حواشي الكافي انه يدل على رجحان الندبة عليهم و اقامة مأتم لهم لما فيه من تشييد حبهم و بعض ظالميهم في القلوب و هما العمدة في الايمان و (الظاهر) اختصاصه بهم (عليهم السلام) لما ذكرنا انتهى و لكن يمكن دفعه بما روى مرسلا من انه سئل الصادق (عليه السلام) عن أجر النائحة فقال لا بأس به قد ينح على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فان تعليله بأنه قد ينح على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يدل على عدم الفرق بين النوح عليه (عليه السلام) و بين النوح على غيره في الحكم الا ان الإرسال يسقطه عن الاعتبار ثم ان أرباب هذا القول اختلفوا إلى أقوال أحدها إطلاق القول بجواز النوح بالحق من دون تقييد بالكراهة قال في النهاية و كسب النوائح بالأباطيل حرام و لا بأس بذلك على أهل الدين بالحق من الكلام انتهى و عبّر بهذه العبارة بعينها في السّرائر و قال في الناقع في عداد الأعمال المحرمة و النوح بالباطل ما بالحق فجائز انتهى لكن هذه العبارة تفارق العبارتين المتقدمتين في اعتبار التقييد بكون النوحة على أهل الدين و قال في القواعد و يحرم أجر النائحة بالباطل و يجوز بالحق انتهى و في الروضة و النوح بالباطل بان تصف الميت بما ليس فيه و يجوز بالحق إذا لم يسمعها الأجانب و قال في مجمع البرهان من المحرم الذي التكسب به حرام في نفسه النياحة بالباطل بان يذكر ما لا يجوز ذكره مثل الكذب و يمكن ان يكون استماع صوتها للأجانب داخلا فيه على تقدير تحريمه و وجه التقييد به انها بدونه جائزة و الكسب حلال و قد مر ما يدلّ عليه في مبحث الغناء و اما تحريمه مع القيد فهو ظاهر لان المشتمل على الباطل باطل و إذا كان حراما لا يستحق به الأجرة و هو ظاهر عقلا و نقلا و في الجواهر انه لا يبعد الحكم بكراهته يعني أخذ الأجرة (مطلقا) للخبر بل لا يبعد شدّتها مع الشرط لخبر حنان (أيضا) بل لا يبعد كراهة أصل النوح خصوصا في الليل انتهى ثانيها ان جواز النوح بالحق انما هو على سبيل الكراهة قال في المراسم بعد تقسيم المكاسب

إلى أقسام خمسة و امّا المكروه فهو الكسب بالنوحة على أهل الدّين الى ان أخذ في ذكر افراد القسم المحرم و ذكر في عدادها كسب النوائح بالباطل و قال في المنتهى يحرم أجر النائحة بالأباطيل لأنه كذب و حرام و أخذ الأجرة على الحرام حرام و يؤيده ما رواه الشيخ عن سماعة قال سئلته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه إذا ثبت هذا فلا بأس بكسب النائحة إذا لم تعتمد قول الباطل و ان كان مكروها و تشتد الكراهة مع الاشتراط ثم ساق جملة من الاخبار الدالة على الجواز هذا و قد تقدم في كلام صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) ما ينفع التفطن له في هذا المقام ثالثها ان النّوح بالحق إذا اقترن باشتراط الأجرة كان مكروها و الا فلا قال في التذكرة لا بأس بأجر النائحة بالحق و يكره مع الشرط و يحرم بالباطل انتهى و التحقيق في المقام هو ان ما ينبغي البحث عنه فيما بين العلماء انما هو الموضوع الكلى و الا فالعوارض الخارجية غير متناهية فالنوح عنوان كلي في حد ذاته و قد يجتمع مع الكذب و قد يجتمع مع الإفحاش و قد يجتمع مع الات اللهو و قد يجتمع مع إسماع الأجانب صوتها و لهذا احترز عنهما المحقق الثاني (رحمه الله) في قوله و يحرم أجر النائحة بالباطل و يجوز مع الحق بشرط عدم الات اللهو و عدم سماع الأجانب صوتها انتهى و المفروض ان كلّ عنوان من العناوين التي يجتمع معها النوح مما قرر له محلّ خاص وقع البحث منهم عنه فيه على ما هو الشأن في سائر موضوعات هذه الصناعة و موضوعات كل صناعة فإنها لو لم يفرد كل منهما بالبحث عنه في محل خاص من الجهة الخاصة لم ينتظم أمر الصناعات من جهة تداخل العنوانات فلهذا وجب افراد كل عنوان بالبحث عنه من حيث هو ذلك العنوان و (حينئذ) نقول فيما نحن فيه ان الذي ينبغي البحث عنه في المقام انما هو عنوان النوح و أخذ الأجرة عليه مع قطع النظر عن اجتماعه مع الكذب أو الغنا أو الإفحاش أو غير ذلك و ما تراه في بعض الاخبار من التعرض لبعض القيود مثل ان لا تتكلم بالهجر فإنما هو لأمر اقتضاه المقام كعدم تنبه السامع لكون الهجر مثلا محرما و نحو ذلك و لا يقاس حال الصناعات المبنية على المواضعة و التدقيق و رد كل أمر الى ما يليق به على حال الأجوبة الصادرة في الوقائع الشخصية التي يختلف فيها حال المخاطب اللازم مراعاته من جهة الغباوة و الفطانة و الاطلاع على القواعد الشرعية و عدمه و على هذا نقول ان الحق هو كون النوح من حيث هو مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة و المقارنات الاتفاقية مباحا و كذا أخذ الأجرة عليه و يدلّ على الأول جملة من الاخبار الّتي تقدم الإشارة إلى بعضها في كلام صاحب الجواهر منها ما عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال مات الوليد بن المغيرة فقالت أم سلمة للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ان آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم فأذن لها فلبست ثيابها و تهيأت و كان من حسنها كأنها جان و كانت إذا قامت فأرخت شعرها جلل جسدها و عقدت بطرفيه خلخالها فندبت ابن عمها بين يدي رسول اللّه فقالت

أنعى الوليد ابن الوليد * * * أبو الوليد فتى العشيرة

حامى الحقيقة ماجد * * * يسمو الى طلب الوتيرة

قد كان غيثا في السنين * * * و جعفرا غدقا و ميرة

فما عاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك

129

و لا قال شيئا قال في الوافي جلل جسدها غطاه و النعي خبر الموت و يقال فلان حامى الحقيقة إذا حمى ما يجب عليه حمايته كذا في النهاية و الغريبين و يسمو اى يعلو و الوتيرة كأنها من الوتر من الجناية التي يجنيها الرّجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي تعنى انه كان يغلب على ادراك دم قبيلة و ما يجنى به على عشيرته و الغيث المطر و السنين جمع سنة بمعنى القحط و الجعفر النهر الواسع و الملآن و الغدق الماء الكثير و الميرة الطعام انتهى و منها ما روى مرسلا من انه سئل الصادق (عليه السلام) عن أجر النائحة فقال لا بأس به قد ينج على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و يدل على الثاني ما رواه أبو بصير قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت و رواية حنان بن سدير قال كانت امرأة معنا في الحي و لها جارية نائحة فجائت الى ابى فقالت يا عم أنت تعلم أن معيشتي من اللّه ثم من هذه الجارية فأحب أن تسئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك فان كان حلالا و الا بعتها و أكلت من ثمنها حتى يأتي اللّه بالفرج فقال لها ابى و اللّه انى لأعظم أبا عبد اللّه (عليه السلام) ان اسئله عن هذه المسئلة قال فلما قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) تشارط فقلت و اللّه ما أدرى تشارط أم لا فقال قل لها لا تشارط و تقبل ما أعطيت و يمكن الاستدلال بموثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال لي أبي يا جعفر أوقف لي من مالي كذا و كذا النوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيام منى من جهة انه لو لم يبح؟؟؟ الأجر لم يأمر المعصوم بوقف ما يستفاد منه أجر النوادب فان قلت كيف تتمسّك بها هنا و قد منعت من دلالتها على جواز النوح قلت بعد ثبوت جواز النوح (مطلقا) بدليل أخر يتعدى من جواز أخذ الأجر على النوح على المعصوم (عليه السلام) على جواز أخذ الأجر على النوح على غيره بعدم القول بالفصل ثم ان ما عدا الموثقة من الاخبار الدالة على جواز أخذ الأجرة تدل على جواز أصل الفعل بالالتزام لعدم إباحة أخذ الأجر على ما هو محرم في الشرع فتحصل مما ذكرنا ان الاخبار المذكورة دلت على إباحة أصل الفعل و اباحة أخذ الأجرة عليه و هي معتضدة بالشهرة فتبقى الأخبار التي استدلوا بها على حرمة أصل النوح مما تقدم ذكره عند بيان مستند القول الأول غير ناهضة لمعارضتها فتحمل على الكراهة بقرينة تلك الاخبار و كذلك غيرها مثل رواية على بن جعفر (عليه السلام) في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن النوح على الميت أ يصلح قال يكره و روايته الأخرى عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن النوح فكرهه و الكراهة و ان لم تكن حقيقة في الزمن السّابق فيما هي حقيقة فيه ألآن الا انها أعم فيراد بها الخاص بقرينة الأخبار المذكورة هذا و على هذا القياس حال الأخبار التي يستدل بها على حرمة أخذ الأجر فإنها غير ناهضة لمعارضة ما دل على الجواز فما كان منها صالحا للحمل حمل على ما هو صالح له مثل موثقة سماعة قال سئلته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه فإنه لما كانت الكراهة في كسب المغنية بمعنى التحريم و كانت بالنسبة إلى كسب النائحة للكراهة حملت على المعنى الأعم المعبر عنه في علم الأصول بعموم المجاز اعنى مطلق المرجوحية و ما لم يكن منها صالحا للحمل طرح مثل رواية عذافر قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن كسب النائحة فقال تستحله بضرب احديها على الأخرى و ذلك لان الطرح المرخص فيه عندي أولى من ارتكاب التأويلات الباردة و الحمل على المحامل البعيدة و أنت ان كنت من أهل التدبر و السّليقة المستقيمة علمت ان ما نبهنا عليه من المسلك ثم حمل الأخبار الناهية على الكراهة أحسن مما سلكه (المصنف) (رحمه الله) و غيره من حملها على المقيد الذي هو ما لو كان النوح بالباطل تنبيهات الأوّل ان الحكم بحرمة أخذ الأجرة لازم لحرمة أصل النوح فيصح لمن التزم بالثاني ان يلتزم بالأوّل و لو فرض عدم وجود نص عليه و كذا القول بكراهة أخذ الأجرة عليه (مطلقا) فإنه يمكن ان يستند فيه الى كراهة أصل الفعل بخلاف القول بكراهة أخذ الأجرة مع الشرط و عدمها مع عدمه فلا بد و ان يكون

وجود الكراهة في صورة الشرط مستندا الى دليل غير كراهة أصل الفعل و لهذا لا يقول القائل بالكراهة مع الشرط بها مع عدمه فتدبر الثاني انه قد دلّ موثقة يونس المتضمنة لأمره (عليه السلام) بالوقف على النوادب على رجحان الندبة عليهم (عليه السلام) و اقامة ماتمة لهم (عليه السلام) لما فيه من تشييد حبهم و نقص ظالميهم في القلوب و هما العمدة في الايمان و (الظاهر) اختصاصه بهم (عليه السلام) لما ذكرنا فما في الجواهر من إمكان إلحاق العلماء بهم (عليه السلام) مما يطالب بالدليل عليه الثالث انه قد يسبق الى الوهم في بادى الرأي ان امره (عليه السلام) بالوقف للنوادب يدل على مطلوبية ندبتهم عنده (عليه السلام) و هي مما يسمعه لكن أشار في مفتاح الكرامة إلى دفع الاشكال بقوله و أهل الموسم انما يسمعون في النياحة اللفظ و الضجة و لا يميزون بين الأصوات و ليس ذلك بحرام قطعا و ما هو إلا كرؤية المرأة متلفقة بالإزار الشامل ثم قال و قد يقال ان في ذلك دلالة على عدم التحريم مع سماع الأجانب انتهى و ما ذكره أخيرا لا يخلو عن قوة

[المسألة السادسة و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الولاية من قبل الجائر]

قوله و يدل عليه قبل الإجماع ان الولاية ان كانت محرمة لذاتها كان ارتكابها لأجل المصالح و دفع المفاسد التي هي أهم من مفسدة انسلاك الشخص في أعوان الظلمة بحسب الظاهر و ان كانت لاستلزامها الظلم على الغير فالمفروض عدم تحققه هنا

يمكن ان يناقش في هذا الاستدلال بان انتفاء الخاص اعنى الظلم لا يستلزم انتفاء العام اعنى مطلق المعصية و قد اعترف هو (رحمه الله) قبيل هذا بأن الولاية عن الجائر لا تنفك عن المعصية و (حينئذ) فيمكن ان يقال في رد الاستدلال على الجواز ان هناك شقا ثالثا و هو كون الولاية لا تنفك عن المعصية فالدليل غير واف بالمقصود ثم انه قد حكى في الجواهر عن العلامة الطباطبائي (رحمه الله) الميل الى ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من حرمة الولاية لذاتها قال (رحمه الله) بل مال العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في مصابيحه الى كون الولاية في نفسها من المحرمات الذاتية (مطلقا) و انها تتضاعف إثما باشتمالها على المحرمات لتضمنها التشريع فيما يتعلق بالمناصب الشرعية و لما في خبر تحف العقول عن الصّادق (عليه السلام) و اما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر و ولاية الرئيس منهم و اتباعهم و اتباع الوالي ممن دونه من ولاة الوالي إلى أدناهم باب من أبواب الولاية على من هو دال عليه و العمل لهم و الكسب معهم بجهة الولاية منهم حرام و محرم معذب من فعل ذلك على قليل من فعله و كثير لان كل شيء من جهة المعونة معصية كبيرة من الكبائر و ذلك ان في و لولاية الوالي الجائر دروس الحق كله و احياء الباطل كله و إظهار الظلم و الجور و الفساد و إبطال الكتب و قتل الأنبياء و هدم المساجد و تبديل سنة اللّه فلذلك حرم العمل معهم و معونتهم و الكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم و الميتة و لإطلاق النصوص المزبورة الذي لم يفرق فيه بين كونها على محلل أو محرم المعتضد بما دل على النهى عن إعانتهم و لو على المباح بل و لو على بناء مسجد و طاعتهم و الخضوع لهم و إعلاء شأنهم و الركون إليهم و تقوية سلطانهم ثم قال صاحب الجواهر (رحمه الله) و عليه لا يتصور اشتراط حليتها بالتمكن من التخلص من المحرم كما وقع من (المصنف) (رحمه الله) و غيره

130

بل و لا بالتمكن من المعروف ضرورة عدم الوجه لذلك بعد فرض الحرمة الذاتية كما اعترف هو به نعم احتمل ترجيح مصلحة الأمر بالمعروف على المفسدة المقتضية لحرمتها فتحمل (حينئذ) مع توقفه عليها الا انى لم أجد له موافقا عليه عدا تلميذه في شرحه في الجملة بل يمكن تحصيل الإجماع على خلافه فضلا عما سمعته في المعونة بل ادعاه غير واحد كما عن المنتهى نفى الخلاف عنه بل في المحكي عن فقه القران للراوندي أن تقلد الأمر من قبل الجائر جائز إذا تمكن من إيصال الحق لمستحقه بالإجماع المتردد و السنة الصّحيحة و قوله (تعالى) اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ ثم انه (رحمه الله) ساق جملة من النصوص الدالة على الجواز و النصوص الدالة على الحث و الترغيب في التولي من قبله و قد اكتفينا بنقل كلامه لان فيه غنى عن غيره

قوله من تولى عرافة قوم

قال في المصباح عرفت على القوم اعرف من باب قتل عرافة بالكسر فانا عارف اى مدبر أمرهم و قائم بسياستهم و عرفت عليهم بالضم لغة فأنا عريف و الجمع عرفاء ثم قال قيل العريف يكون على نفر و المنكب يكون على خمسة عرفاء و نحوها ثم الأمير فوق هؤلاء انتهى

قوله (عليه السلام) سبعين خريفا

قال في مجمع البحرين نقلا عن معاني الاخبار ان الخريف سبعون سنة ثم قال فيه ما صورته و في مواضع من كتب الحديث الخريف الف عام و العام ألف سنة انتهى

قوله و ظاهرها إباحة الولاية من حيث هي مع المواساة و الإحسان بالإخوان فيكون نظير الكذب في الإصلاح

يعنى ان الولاية بنفسها تصير مباحة و ان اقترن بها ما هو موصوف بالحرمة كتكثير سواد الظلمة مثلا و على هذا لا يتجه الاشكال على (المصنف) (رحمه الله) بأنه كيف يجتمع الاعتراف بأن الولاية من قبل الجائر لا تنفك عن الحرام مع الحكم باستثناء الولاية من قبله لأجل القيام بمصالح العباد من جهة كون هذه الولاية بخصوصها مباحة و وجه اندفاع الاشكال ان المصلحة الخاصة التي هي القيام بمصالح العياذ توجب اباحة نفس الولاية من حيث هي و لا ينافي ذلك اقترانها بما هو محكوم عليه بالحرمة لجواز اختلاف الفعلين المتغايرين المتقاربين في الحكم قطعا فافهم

قوله (عليه السلام) ان للّه في أبواب الظلمة من نور اللّه به البرهان

يعنى انه (تعالى) أتم و أوضح بهم الحجة على عباده من جهة انهم مع كونهم في سلك الجائرين و مقهورين تحت حكمهم يطيعون اليه و يغيبون عياله فإذا لم يطع اللّه غيرهم ممن ليس مقهورا تحت حكمهم فقد حق عليه كلمة العذاب

قوله و أضعف منه ما ذكره بعض بعد الاعتراض على ما في لك

(انتهى) هو صاحب الجواهر (رحمه الله) و قد نقل (المصنف) (رحمه الله) كلامه بتغيير يسير في أوله غير مخل بمعناه المقصود

قوله و اما الاستحباب فيستفاد من خبر محمّد بن إسماعيل و غيره الذي هو (أيضا) شاهد الجمع خصوصا بعد الاعتضاد بفتوى المشهور

عبارة الجواهر هنا مشتملة على زيادة على ما في الكتاب لانه قال فيها و اما الاستحباب فيستفاد (حينئذ) من ظهور الترغيب فيه في خبر محمّد بن إسماعيل و غيره (انتهى) و قوله (أيضا) (الظاهر) انه اشارة الى ان النصوص الظاهرة في الجواز كما انها شاهدة للجمع كذلك خبر محمّد بن إسماعيل و هذا الذي ذكرناه يستفاد من مطاوي كلامه لانه ذكر فيها ظهور جملة وافرة من النصوص في الجوار كالحسن ما يمنع ابن ابى سماك (إلخ) الى ان قال بل في جملة أخرى الحث و الترغيب في ذلك كالخبر المروي في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع (انتهى) و لا مجال لان يكون إشارة إلى كون كلام الأصحاب شاهدا للجمع نظرا الى ما ذكره عند الشروع في التوجيه من قوله و لو بمعونة كلام الأصحاب لأنه يمنع من الإشارة الى ذلك قوله هنا بعد الاعتضاد بفتوى المشهور بعد قوله الذي هو (أيضا) شاهد الجمع و لا لان يكون إشارة الى ما وافق خبر محمّد بن إسماعيل من الاخبار الناطقة بالحث و الترغيب لوجود لفظ غيره في العبارة بعد خبر محمّد بن إسماعيل نعم هنا احتمال أخر و هو ان يكون المعنى ان خبر محمّد بن إسماعيل كما انه ظاهر في الترغيب كذلك هو شاهد جمع لكن يبعد هذا الاحتمال انه لو كان الكلام مسوقا لإفادة هذا المعنى كان اللازم تأخير كلمة (أيضا) عن قوله شاهد الجمع ثم ان كون خبر محمّد بن إسماعيل دليلا على الاستحباب فيما نحن فيه اعنى ارتكاب التولي من قبل الجائر لأجل اقامة الأمر بالمعروف و شاهدا على الجمع في هذا المقام مع كون مؤداه هو الحث و الترغيب على ارتكاب التولي من قبل الجائر لأجل مصالح العباد و إدخال السّرور على الشيعة مبنيّ على انّه يستفاد من ذلك الخبر ان مراعاة مصالح العباد و إدخال السّرور على الشيعة من باب المثال و الا فكل مصلحة بما ذكر و غيرها سبب لجواز التولي من قبله أو على ان المستفاد من طريقة الشرع ذلك و لو من الخارج

قوله و بذلك يرتفع اشكال عدم معقولية الجواز بالمعنى الأخص في مقدمة الواجب ضرورة أن ارتفاع الوجوب للمعارضة أو عدم المعقولية مسلم فيما لم يعارض فيه مقتضى الوجوب

يعنى ان ارتفاع الوجوب عن المقدمة لمعارضة دليله في مورد بما يدل على الحرمة أو لعدم معقولية وجوده من جهة عدم معقولية اجتماعه مع ضده الذي هو الحرمة مسلم في المورد الذي لم يعارض فيه ارتفاع وجوب المقدمة مقتضى وجوب ذي المقدمة بأن كان ارتفاع وجوبها في ضمن الجواز الذي هو أمر وجودي لا في المورد الذي عارض فيه ارتفاع وجوب المقدمة مقتضى وجوب ذي المقدمة بأن كان ارتفاع وجوبها في ضمن ثبوت حرمتها ضرورة ان حرمة المقدمة تنافي وجوب ذي المقدمة بمعنى انه يلزم التكليف بالمحال الذي هو قبيح على الأمر

قوله ثم دليل الاستحباب أخص لا محالة من أدلة التحريم فنخصص به فلا ينظر بعد ذلك في أدلة التحريم بل لا بد بعد ذلك من ملاحظة النسبة بينه و بين أدلة وجوب الأمر بالمعروف

توضيح ذلك ان مقتضى أدلة التحريم انما هو حرمة الولاية من قبل الجائر (مطلقا) و خبر محمّد بن إسماعيل و ما معناه انما أفاد استحباب الولاية من قبل الجائر لقضاء حوائج الشيعة و إدخال السرور عليهم و هو مخصّص لعموم حرمة الولاية فيؤخذ بهذا المخصص لكونه خاصا و يضرب الصفح عن العام الناطق بالحرمة فيقال ان خبر محمّد بن إسماعيل يدل على استحباب الولاية لإدخال السّرور على الشيعة و أدلة وجوب الأمر بالمعروف تعطى وجوب هذا النوع الذي فيه إدخال السرور على الشيعة إذا حصل الأمر بالمعروف في ضمنه فيحكم عليها بالوجوب (حينئذ) لكون مقتضى لسان دليل الاستحباب إثباته مع قطع النظر عن العوارض التي منها صيرورته مقدمة للواجب و مقتضى أدلة الوجوب هو إثباته في المورد الخاص الذي صارت فيه الولاية المستحبة مقدمة للواجب الذي هو الأمر بالمعروف لكن يبقى هنا سؤالان أحدهما ان تقديم التخصيص في أدلّة التحريم ثم ملاحظة النسبة بين أدلة وجوب الأمر بالمعروف و بين ذلك المخصّص لا يستقيم مع ما قرر في الأصول من ملاحظة الأدلة المتعارضة دفعة واحدة و عدم تقديم بعضها على بعض في علاج التعارض و ثانيهما انه ما الوجه في عدم النظر بعد ذلك في أدلة التحريم مع ان مقتضى خبر محمد بن إسماعيل إخراج نوع من العام عن تحته بإثبات الاستحباب في ذلك الصنف بخصوصه فتصير افراد العام نوعين أحدهما ما هو مستحب و هو المشتمل على إدخال السرور على الشيعة و الأخر ما هو محرم و هو ما لم يشتمل على ذلك و معلوم ان كلا من النوعين يصلح

131

ان يكون مقدّمة للأمر بالمعروف الواجب و ان النّسبة بين كل من العام المراد به ما بقي بعد التخصيص و المخصّص و بين أدلّة الأمر بالمعروف هي العموم من وجه فلا وجه لتخصيص معاوضة أدلّة وجوب الأمر بالمعروف بما دلّ على النوع الأوّل و عدم ملاحظة حال العام بالنّسبة الى ما بقي تحته من النوع الأخر و الجواب عن الأوّل ان ما أشير إليه في السؤال من القاعدة مختصّ بما إذا كانت النّسبة بين المتعارضات نسبة واحدة بحسب النّوع و لهذا قال (المصنف) (رحمه الله) في باب التعادل و التراجيح ما نصه و ان كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة فإن كان فيها ما يقدم على بعض أخر منها امّا لأجل الدلالة كما في النّص و (الظاهر) أو الظاهر و الأظهر و امّا لأجل مرجح أخر قدم ما حقه التقديم ثم لوحظ النّسبة مع باقي المعارضات فقد ينقلب النّسبة و قد يحدث الترجيح كما إذا ورد أكرم العلماء و لا تكرم فساقهم و يستحب إكرام العدول فإنّه إذا خصّ العلماء بعدولهم يصير أخصّ (مطلقا) من العدول فيخصّص العدول بغير علمائهم هذا ما أهمنا ذكره من كلامه (رحمه الله) و عن الثاني ان عدم النظر بعد ذلك الى أدلّة التحريم الناطقة بحرمة ما بقي تحتها من الافراد بعد التخصيص انّما هو بالنّظر الى عدم افادته لمن أراد توجيه كلامه لأن غاية ما هناك ان تصير افراد المحرّمة التي هي غير ما اشتمل على إصلاح أمور العباد و إدخال السّرور على الشيعة بواسطة صيرورتها مقدّمة للأمر بالمعروف واجبة أو مباحة و امّا اتّصافها بالاستحباب فهو ما لا مسرح له في المقام و لا مسرى فلا يجدى من حكم باستحباب التولي من قبل الجائر لأن ما دلّ على استحبابه من خبر محمّد بن إسماعيل و ما بمعناه مختصّ بمورد خاص هو أجنبيّ عن مسئلة الأمر بالمعروف اعنى صورة إدخال السّرور على الشيعة و دعوى استفادة حكم غيرها منه ساقطة لا يصغى إليها كما لا يخفى على كلّ ناظر فيه و ليس مراده (رحمه الله) ان مقتضى قاعدة التعارض هو ان لا ينظر بعد ذلك في أدلّة التحريم الناطقة بحرمة ما بقي بعد التخصيص تحت عمومها و كيف يصحّ ان يكون مراده ذلك و هي أدلّة شرعية ناطقة بحرمة جملة من افراد التولي عن الجائر و النسبة بينها و بين أدلّة وجوب الأمر بالمعروف هي العموم من وجه فان استقر البناء على الجمود على كون النّسبة هي العموم من وجه صار اللازم علاج التعارض بينهما بما يعالج به تعارض العامين من وجه في غير هذا المورد و ان استقرّ البناء على انا قد فهمنا من مذاق الشّرع أو من الأدلّة الواردة في الباب كون هذا الحرام مما يرتفع مصلحته بالوصول به الى واجب و ان المقام ليس من قبيل المحرّمات الّتي يسقط التكليف بالواجب إذا صارت مقدّمة له لزم الحكم بوجوب تقلّد الولاية من قبل الجائر (حينئذ) و إذ قد أحطت خبرا بما ذكرناه علمت ان استحباب قبول الولاية من قبل الجائر على ما رامه الموجه ينحصر فيما لو صار قبول الولاية الملحوظ فيه إدخال السّرور على الشيعة مقدّمة للأمر بالمعروف الواجب من جهة انحصار دليل الاستحباب فيه و (حينئذ) نقول انّه مع كون الدّليل أخصّ من المدعى لان مقصود القائل بالاستحباب ليس الّا ما هو أعم من ذلك ممّا كان فيه إدخال السّرور على الشيعة و غيره يلزم ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من انّ دليل الاستحباب انّما يدلّ على استحباب الشيء مع قطع النظر عن عروض ما يوجب الوجوب فلا ينافي ذلك عروض الوجوب له من باب كونه مقدّمة للواجب الذي هو الأمر بالمعروف

قوله و امّا من عبّر بالاستحباب نظير قولهم يستحب تولى القضاء لمن يثق من نفسه مع انّه واجب كفائي

فظاهره ارادة الاستحباب العيني الذي لا ينافي الوجوب الكفائي لأجل الأمر بالمعروف لكن يبقى الكلام في دليل الاستحباب (حينئذ) و يمكن ان يقال انّ الاقدام على الواجب الكفائي مع وجود من به الكفاية مستحب من جهة كونه مسابقة الى الخير و المسارعة اليه و يجرى ذلك فيما نحن فيه لكونه مندرجا في ذلك العنوان

قوله لعموم قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً في الاستثناء عن عموم لٰا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ

لا يخفى عليك انّ هذا لا يتم فيما لو كان الجائر من أهل الإسلام خصوصا إذا كان من أهل المذهب (أيضا) الا ان يتمم بعدم القول بالفصل بين الخوف من الكافر و بين الخوف من غيره من أهل الظلم في جواز مباشرة ما اكره عليه من باب التّقية أو يتمسّك بالأولوية القطعيّة بتقريب ان التقية إذا سوغت انقياد أمر الكافر فتسويغها لانقياد أمر غيره من أهل الجور أولى بالإذعان

[و ينبغي التنبيه على أمور]

[الأول إباحة ما يلزم الولاية بالإكراه من المحرمات عدا إراقة الدم]

قوله و من ان المستفاد من أدلّة الإكراه تشريعه لدفع الضّرر فلا يجوز دفع الضّرر بالإضرار بالغير و لو كان ضرر الغير أدون فضلا عن ان يكون أعظم

لا ريب في ان هذا المنشأ انّما هو منشأ الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما ضرورة انّ الوجه الأوّل هو انّه يباح بالإكراه أعراض الناس و أموالهم و لو بلغت ما بلغت كثرة و عظمة و منشؤه انّما هو أدلّة الإكراه و ان الضّرورات تبيح المحظورات و انّ الوجه الثاني هو انّه لا بدّ من ملاحظة الضّررين و الترجيح بينهما و منشؤه هو انّ المستفاد من أدلّة الإكراه تشريعه لدفع الضّرر فجعل النتيجة هو انّه لا يجوز دفع الضّرر بالإضرار بالغير و لو كان ضرر الغير أدون فضلا عن ان يكون أعظم مناف لكون الوجه الثاني هو ملاحظة الضّررين و الترجيح بينهما كما انّ قوله (رحمه الله) بعد هذا و ان شئت قلت ان حديث الإكراه (انتهى) (أيضا) مناف له

[الثاني بما ذا يتحقق الإكراه]

قوله نعم لو خاف على بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرّمة بل غيرها من المحرّمات الإلهية الّتي أعظمها التبرّي من ائمة الدّين لقيام الدّليل على وجوب مراعاة المؤمنين و عدم تعريضهم للضرر

أراد بالمحرّمات الإلهية المحرّمات التي هي من حقوق اللّه محضا بمعنى انّها عبارة عن مخالفة اللّه عزّ شانه من دون اشتمال على حقوق الناس في مقابل المحرّمات التي هي من حقوق النّاس و ان اشتملت على حقّ اللّه تعالى لكونها تركا لما امره اللّه تعالى به أو فعلا لما نهى عنه مثل غصب مال الغير أو هتك عرضه و نحوه ذلك و يدلّ على ما ذكرناه صريحا قوله (رحمه الله) بعد رواية الاحتجاج لكن لا يخفى انّه لا يباح بهذا النحو من التقية الإضرار بالغير لعدم شمول أدلّة الإكراه لهذا

قوله فإنّك شائط بدمك

اى مبطل لدمك و مذهب له و موجب لصيرورته هدرا

قوله بل اللازم في هذا المقام عدم جواز الإضرار بمؤمن و لو لدفع الضّرر الأعظم من غيره نعم الا لدفع الضرر النفس في وجه

المراد بالنفس ما يقابل بالمال و الأهل و غيرهما من الحقوق مثلا فهو احتراز عن الضّرر المتعلّق بتلك الأمور و ليس المراد به ما يقابل الغير حتى يكون احترازا عن دفع ضرر الغير و هو واضح ثمّ انّ الغالب في استعمال قولهم في وجه هو ارادة الاحتمال فيمكن ان يكون هو المراد في هذا المقام الا انّه جزم به بعد ذلك على ما صرّح به في قوله فلا إشكال في تسويغه لما عدا الدّم من المحرّمات و يؤكده قوله بعد عبارة القواعد و لو أراد بالخوف على بعض المؤمنين الخوف على أنفسهم دون أموالهم و اعراضهم لم يخالف ما ذكرنا و لا ضير في ذلك لأنّهم كثيرا ما يذكرون حكما على طريق الاحتمال ثم يحزمون به و يحتمل في المقام أمر أخر و هو ان يكون المراد بقوله في وجه ما يراد بقولهم في صورة يعنى انّه يستثني دفع ضرر النفس في صورة و هي ما لو كان دفع ضرر

132

النفس بغير ما هو من جنسه اعنى ضرر النفس أخر و يشهد بهذا ما وقع من الاستثناء في قوله فلا إشكال في تسويغه لما عدا الدم

قوله مع ضمان ذلك الضرر

يعنى الضرر الحاصل من دفع ضرر النفس

قوله الا ان يريد و الخوف على خصوص نفس بعض المؤمنين فلا إشكال في تسويغه لما عدا الدم من المحرمات إذ لا يعادل نفس المؤمن شيء فتأمل

(الظاهر) ان الأمر بالتأمل للإشارة الى ان تخصيص الخوف على بعض المؤمنين بالخوف على نفسه خلاف ظاهر ما وقع منهم من العبارة في هذا المقام لان ظاهره مطلق الخوف عليه سواء كان من جهة نفسه أو غيرها و يدلّ على ذلك ان ما تقدمه في كلامهم من النفس و المال و الأهل جميع ما يتعلق بها من وجوه الضرر فيراد بالخوف على النفس ما يشمل الخوف على إتلافها و على نقص في البدن بقطع عضو و على جرح فيه و على حبسها و بالخوف على المال ما يشمل إتلافه و الحجب بينه و بين صاحبه و بالخوف على الأهل ما يشمل قتلهم و أسرهم و حبسهم و الفجور بهم و افضاحهم فعلى هذا لا بد من ان يكون المراد بالخوف على بعض المؤمنين (أيضا) الخوف عليه من الإضرار به (مطلقا) من اى جهات الضرر كان أعني جهة النفس و المال و الأهل و الا كان المراد به خلاف (الظاهر) الذي شهده القرائن بإرادته ثم ان التعليل الذي ذكره لكون الخوف على نفس المؤمن مسوغا لما عدا الدم من المحرمات اعنى قوله إذ لا يعادل نفس المؤمن شيء لا يخلو عن مناقشة و ذلك لان المذكور في الكلام انما هي الصغرى و لا بد هناك من كبرى كلية مطوية و هي ان كل ما لا يعادله شيء أخر لا بد من ان يكون الإضرار به مسوغا للإضرار بذلك الشيء الأخر و (حينئذ) نقول ان كلية هذه الكبرى ان سلمت لزم منها جواز الإضرار بمؤمن لدفع الضرر الأعظم من غيره و قد منعه (المصنف) (رحمه الله) صريحا و ان لم تسلم لم يتم الاستدلال بل نقول ان الثاني هو (الظاهر) لان مجرد كون نفس المؤمن أعز عند اللّه (تعالى) من غيره لا يستلزم خطاب غيره بالإذن في الإضرار بثالث بما دون النفس لدفع ضرر تلف النفس عن الأول و لا مجال لدعوى ان أمر (المصنف) (رحمه الله) بالتأمل إشارة الى هذا الّذي ذكرنا لان قوله بعد عبارة القواعد و لو أراد بالخوف على بعض المؤمنين الخوف على أنفسهم دون أموالهم و اعراضهم لم يخالف ما ذكرنا يدل على ان ما ذكره من تسويغ الخوف على خصوص نفس بعض المؤمنين ما عدا الدم من المحرمات و ما ذكره من التعليل لذلك عنده (رحمه الله) من قبيل المسلم الذي لم يعدل عنه و لا موهن له في نظره فتدبر

قوله و مراده بما عدا الوسط الخوف على نفس بعض المؤمنين و اهله

لا يخفى ان عبارة شرح القواعد في حد ذاتها غير مطابقة لما بنى عليه (المصنف) (رحمه الله) من كون المراد بالخوف على بعض المؤمنين هو الخوف على نفسه فقط لانه جعل الخوف عليه فيها عبارة عما يعم الخوف على نفسه و على اهله و هذا الكلام من (المصنف) (رحمه الله) اعتراف بما ذكرناه في المعنى الا ان يكون المراد بقوله عند الأخذ في ذكر عبارة شرح القواعد و قد شرح العبارة بذلك شرحها به في الجملة فإن الشرح المذكور مطابق لما ذكره من جهة و ان كان مخالفا من جهة أخرى

قوله فهنا عنوانان الإكراه و دفع الضرر المخوف عن نفسه و عن غيره من المؤمنين من دون إكراه

يتصور دفع الضرر المخوف عن نفسه من دون إكراه بان لا يكون أمر ممن يخاف ضرره لكن يكون الضرر المدفوع به محبوبا في نظره بحيث لو حصل لم يوجد الضرر المدفوع هذا فيما إذا كان من يخاف ضرره ملتفتا إلى الأمرين و قد يكون غير ملتفت الى الضرر المدفوع به و انما يكون ملتفتا الى المدفوع لكن يعلم الدافع من حاله انه لو حصل المدفوع به أورث ودّا و حبا يكف بسببه عن المدفوع أو ان ذلك يصير سببا لالتفاته الى المدفوع و غناه بالمدفوع به عنه و يتصور دفع الضرر المخوف عن غيره من المؤمنين بمثل ما ذكر و بما لو كان هناك أمر ممن يخاف منه و وجه عدم تحقق الإكراه (حينئذ) ما افاده (المصنف) (رحمه الله) من اختصاص الإكراه بصورة خوف لحوق الضرر بالمكره نفسه أو بمن يجرى مجراه كالأب و الولد

قوله و الثاني ان كان متعلقا بالنفس جاز له كل محرم حتى الإضرار المالي بالغير

ليس المراد بالنفس خصوص نفس الدافع بل ما هو أعم من نفسه و من نفس غيره كما يشهد به تعميم دفع الضرر المخوف بالنسبة إلى نفسه و غيره من المؤمنين و أراد بكل محرّم ما عدا النفس و لم يصرح باستثنائها اعتمادا على ما تقدم منه (رحمه الله) من الاستثناء و على جعل الضرر المالي مدخول حتى المراد بها هنا الترقي من الأدنى إلى الأعلى و جعله فردا أعلى لسائر المحرمات انما هو بالنظر الى كون الإضرار المالي بالغير من حقوق الناس الموجبة للضمان و لهذا استدرك ان الأقوى استقرار الضمان عليه إذا تحقق سببه

قوله و يمكن ان يريد بالإكراه مطلق المسوغ للولاية

سواء صدق عليه عنوان الإكراه أم لا فيكون النسبة بينه و بين الإكراه هي العموم من وجه فافهم

قوله لكن صار هذا التعبير منه (رحمه الله) منشأ بتخيل غير واحد ان الإكراه المجوز بجميع المحرمات هو بهذا المعنى

وصف الإكراه بالمجوز لمجرد التوضيح و ليس للتقيد و التخصيص لأنّ طبيعة الإكراه انما هي من شأنها تجويز المحرمات فحاصل مراده بهذه العبارة انّهم تخيلوا ان التفسير المذكور من الشهيد الثاني (رحمه الله) تفسير للفظ الإكراه و بيان لحقيقة مفهومه حتى انه كلما قيل في شيء من المحرّمات انه يسوغه الإكراه كان المراد به هذا المعنى لانه ضابط لمطلق المسوغ للولاية الذي هو أعم من الإكراه من وجه فان قلت هذا الكلام من (المصنف) (رحمه الله) مناف لما تقدم منه سابقا و بيانه ان مؤدى التعبير بالتخيل هو ان كون الإكراه المجوز لجميع المحرمات بهذا المعنى غير مسلم عنده و هذا ينافي ما ذكره في أوائل هذا التنبيه بقوله نعم لو خاف على بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرمة بل غيرها من المحرمات الإلهية التي أعظمها التبري من ائمة الدين و ذلك لانه اعترف بان الخوف على بعض المؤمنين مسوغ للمحرمات فيكون المعيار في تسويغها هو هذا المعنى فلا يجتمع مع الإنكار على الجماعة بأنهم تخيلوا ذلك قلت جميع المحرمات في هذه العبارة أعم من المحرّمات الإلهية اعنى الخالصة عن جهة حقوق الناس و من المحرمات المتضمنة لحقوقهم و قد قدمنا لك في ذيل تلك العبارة التنبيه على ان المراد بالمحرمات الإلهية خصوص ما كان متمحّضا في مخالفة أمر اللّه عزّ شانه من دون شوب جهة حقوق الناس فتدبر

[الثالث هل يعتبر العجز عن التفصي من المكره عليه]

قوله إذا لم يكن حرجا و لم يتوقف على ضرر

و ذلك لأدلة نفى الحرج و أدلّة نفى الضرر لا لكونه مأخوذا في مفهوم الإكراه

قوله و كان منشأ زعم الخلاف ما ذكره في (المسالك) في شرح عبارة الشرائع مستظهرا منه خلاف ما اعتمد عليه قال في (الشرائع) بعد الحكم بجواز الدخول في الولاية دفعا للضرر اليسير مع الكراهة و الكثير

توضيح المقام انه قال في (الشرائع) و لو اكره جاز له الدخول دفعا للضرر اليسير على كراهية و تزول الكراهة لدفع الضرر الكثير كالنفس أو المال أو الخوف على بعض المؤمنين ثم قال الخامسة إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول و العمل بما بأمره مع عدم القدرة على التفصي انتهى و

133

و قال في (المسالك) في شرح العبارة الأخيرة قد ذكر (المصنف) (رحمه الله) في هذه المسألة شرطين أحدهما الإكراه و الثاني عدم قدرة المأمور على التفصّى و هما متغايران فإن الإكراه يجوز ان يجامع القدرة كما عرفت من تعريفه فالثاني أخص من الأوّل و (الظاهر) ان مشروطهما مختلف فالأوّل شرط لأصل قبول الولاية و الثاني شرط للعمل بما يأمر به من المظالم و هما متغايران (أيضا) لأن التولية لا تستلزم الأمر بالمظالم بل يجوز ان يوليه شيئا من الأحوال و يرد امره الى رأيه كما قد علم في المسئلة السابقة من جواز قبول الولاية بل استحبابها إذا تمكن من اقاصة الحق و اما أمره بشيء من المحرمات فقد يكون مع الولاية و قد ينفك عنها كما إذا لزم الظالم شخصا بأخذ شيء من الأموال المحرمة أو الأعمال كذلك إذا تقرر ذلك فنقول ان أخذت الولاية منفكة عن الأمر فجواز قبولها لا يتوقف على الإكراه (مطلقا) كما ذكره هنا بل قد يجوز و قد يكره و قد يستحب بل قد يجب كما تقدم فجعل الإكراه شرطا في قبول الولاية (مطلقا) غير جيد و اما العمل بما يأمره به من الأمور المحرمة فإنه مشروط بالإكراه خاصة كما سلف في باب الأمر بالمعروف ما لم يبلغ الدماء و لا يشترط فيه الإلجاء إليه بحيث لا يقدر على خلافه و قد صرح الأصحاب بذلك في كتبهم فاشتراط عدم القدرة على التفصي غير واضح الا ان يريد به أصل الإكراه فيكون التعبير عنه بذلك غير حسن فتبين ان كل واحد من الشرطين غير جيد لمشروط ان جعلنا المشروط متعددا و ان جعلناه متحدا مركبا من الأمرين بمعنى جواز الولاية و العمل بما يأمر به مع الإكراه و عدم القدرة على التفصي حسن قيد الإكراه و غاير ما سبق لكن يبقى الكلام في الشرط الثاني فإن الإكراه مسوغ لامتثال الأمر و ان قدر على المخالفة مع خوف الضرر المتقدم و يبقى (أيضا) مسئلة ما لو اكره على الفعل و ان لم يكن متوليا لولاية فإنه يجوز له الامتثال و بقي في العبارة أمر أخر و هو تعليق العمل بما يأمره به (مطلقا) على شرط مع ظهور ان امره قد لا يكون لمحرم الذي هو مناط الاشتراط لكن الأمر هنا سهل لظهور المراد انتهى و تحصيل حقيقة المراد في هذا المقام يتوقف على شرح المقال في أمرين أحدهما انه قد أشار (المصنف) (رحمه الله) في ذيل هذه العبارة الى ان الشهيد الثاني (رحمه الله) استظهر من عبارة (الشرائع) خلاف ما يراه حقا فاعترض عليه و انه ليس مراد (الشرائع) إلا ما يعتمده هو (رحمه الله) و يراه حقا و بيان ذلك ان الشهيد الثاني (رحمه الله) استظهر ان المراد من عبارة (الشرائع) هو ان هناك أمرين أحدهما ولاية عن الجائر خالية عن اقتران امره بشيء من الأعمال المحرمة من جانب الجائر بأن تكون الأعمال موكولة إلى راى المتولي و الثاني مباشرة الأعمال التي يأمر بها الجائر و ان الإكراه شرط لجواز قبول الأوّل و ان عدم القدرة على التفصي بمعنى كونه ملجأ في القبول مضطرا الى العمل شرط في جواز الثاني و الذي اعتمده هو (رحمه الله) و رآه صوابا انما هو ان جواز قبول الولاية المشتملة على العمل بما يأمره الجائر مشروط بالإكراه و ان عدم القدرة بمعنى كونه ملجأ مضطرا ليس شرطا حتى انه لو قدر على المخالفة مع خوف الضرر ساغ في حقه امتثال ما يأمر به الجائر هذا و لكن (المصنف) (رحمه الله) أفاد ان المراد بعبارة الشرائع هو عين ما اعتمد عليه في (المسالك) و رآه صوابا و محصل ما بينه في وجه ذلك هو ان المراد بالولاية في عبارة (الشرائع) إنما هي الولاية المتعارفة التي هي تولية شخص و امره في ولايته بأوامر كثيرة و لم يشترط في (الشرائع) لهذه الولاية شرطا غير الإكراه و هو عين ما التزم به في (المسالك) نعم اعتبر في امتثال الأوامر عدم القدرة على التفصي و لكن ليس المراد بالتفصي هي المخالفة مع تحمل الضرر حتى يكون المراد بعدم القدرة على التفصي عدم القدرة على المخالفة مع تحمل الضرر بل المراد بالتفصي إمكان ترك المأمور به و لو بتلبيس الأمر على الجائر بأن يريد انه امتثل بما أمر به مع عدم امتثاله به في الواقع فلا يلزم من هذا (أيضا) مخالفة لما اعتمده عليه لان ما نفاه من عدم اشتراط العجز عن التفصي انما هو بمعنى اشتراط العجز عن المخالفة مع تحمل الضّرر ثانيهما ان من استظهر الأقوال الثلاثة من الأصحاب يحتمل ان يكون منشأ تخيله ما عرفته من (المسالك) و الوجه فيه انه يمكن

ان يكون قد جعل ما استظهره في (المسالك) من المحقق (رحمه الله) من اعتبار العجز عن التفصي في المحرمات التي يأمر بها الجائر بعد الولاية دون أصل الولاية المجردة عن الأعمال المحرّمة فيعتبر فيها مجرّد الإكراه هو القول بالتفصيل بين أصل الولاية و بين المحرمات التي يأمر بها الجائر في ضمنها و جعل ما احتمله في (المسالك) في عبارة المحقق (رحمه الله) من كون المشروط مركبا من الأمرين بمعنى جواز الولاية و العمل بما يأمره و جعل الشرطين يعنى الإكراه و العجز عن التخلف معتبرين فيه عبارة عن القول باشتراط عدم القدرة بل يمكن ان يقال انه زعم ظهور عبارة (الشرائع) في هذا القول فالحاصل ان المستظهر زعم ان كلا من المحتملين المذكورين قول في المسئلة قد أراد الشهيد الثاني (رحمه الله) تطبيق عبارة المحقق (رحمه الله) على شيء منهما و جعل ما اختاره الشهيد الثاني (رحمه الله) من انه لا يعتبر في أصل الولاية المجردة شيء أصلا و لكن يعتبر في ارتكاب الأعمال المحرمة التي هي فروع الولاية مجرد الإكراه دون العجز عن التخلف عنه قولا بإنكار اعتبار العجز عن التخلف في كل من الأمرين اللذين هما قبول الولاية و ارتكاب الأعمال المحرمة المأمور بها و بعد ذلك كله لا يخفى عليك بعد ما استظهره من عبارة (المسالك) لخفاء دلالتها على ذلك و ان مجرد الاحتمال لا يقتضي وجود القول بذلك ثم انّه قد ظهر مما ذكرناه ان مراده بالتفصيل بين الولاية المحرمة و بين غيرها من المحرمات هو التفصيل بينها و بين المحرمات التي يقع الأمر بها من الجائر في ضمن الولاية المحرمة فيصير القول باعتبار العجز عن المخالفة (مطلقا) عبارة عن العجز عن المخالفة فيهما و يصير القول بعدم اعتباره (مطلقا) (أيضا) عبارة عن عدم اعتباره في شيء منهما

[بقي الكلام هل يشمل الدم الجرح و قطع العضو]

قوله و لا يخلو عن قوة

بل هو المتعين المتعارف استعمال الدم في ذلك على وجه يكون هو المتبادر في أمثال المقام

[رسالة النجاشي إلى الإمام الصادق ع في أمر الولاية]

قوله روى شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) في رسالته

الى أخر الحديث أقول ينبغي تفسير بعض ما تضمنه الحديث من الألفاظ فنقول المولى قد استعمل في معان انسبها بالمقام معنيان أحدهما الناصر و المعين فيكون المراد انه ورد معين و ناصر من أعوانه و أنصاره و ثانيهما المعتق لكن يكون المراد هنا مطلق العبد من دون تقييد بطروء العتق عليه و الأوّل أظهر

فان راى سيدي ان يحد لي حدّا (انتهى)

جواب ان محذوف بدلالة المقام اى فليفعل

و الى من أستريح

أي لمن أبيّن أسرار فؤادي فالاستراحة اليه كناية عن إظهار سره لان من في قلبه سر يكتمه يكون في قلبه عقده فإذا أظهره استراح

حاطك اللّه بصنعه

قال في المصباح حاط يحوط حوطا رعاه

و كلأك برعايته

قال في المصباح كلأه اللّه يكلؤه مهموز بفتحتين كلائة بالمد و الكسر حفظه

ان تعثر بولي لنا فلا تشم خطيرة القدس

العثرة الزلّة و الخطيئة اى تقع في الخطيئة بسبب ولى لنا من جهة فعلك به ما لا ينبغي فعله أو تركك في حقه ما يجب مراعاته في شانه و حظيرة القدس كناية عن الجنة و أصل الحضيرة كما في المصباح ما حظر به على الغنم و غيرها من الشجر

134

ليحفظها و يمنعها و جعلها مفعولا لقوله فلا تشم باعتبار تقدير الرائحة و لا يراك اللّه يوما و ليلة و أنت تقبل منهم صرفا و لا عدلا

قال في المصباح الصرف التوبة في قوله (عليه السلام) لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا

و العدل الفدية انتهى و عدم قبول الصرف و العدل كناية عن عدم الرضا فأراد الصادق (عليه السلام) في هذا الحديث نهيه عن مسالمة السّعادة و أهل النمائم و مصالحتهم و الرضا عنهم لكن لا يخفى عليك ان بين تركيبي الحديث و الحديث النبوي الّذي أشار إليه في المصباح تفاوتا لان عطف كلمة عدلا على كلمة صرفا في ذلك الحديث من باب عطف المفرد على المفرد و قد أعيد النفي لإفادة ان النفي المصدر به الكلام ليس راجعا الى اجتماع المعطوف و المعطوف عليه بل هو متعلق بكل منهما برأسه كما قرر في محلّه و ليس الحال في هذا الحديث على ذلك المنوال لان كلمة صرفا فيه مفعول لقوله تقبل و هو مثبت فلا وجه لإدخال أداة النفي على ما عطف على مفعوله فالوجه ان العطف هنا من قبيل عطف الجملة على الجملة و التقدير لا يراك اللّه يوما و ليلة و أنت تقبل منهم صرفا و لا يراك اللّه يوما و ليلة و أنت تقبل منهم عدلا

و احذر مكر خوزيّ الأهواز

قال في المجمع بعد ذكر مثل هذه الفقرة من الحديث الخوز جيل من الناس قاله الجوهري و غيره انتهى فعلى هذا تكون الياء المشددة في أخر الكلمة لنسبة الفرد إلى الكلي كما في أنساني

للقواد

جمع قائد و هم الذين يقودون الجيش

و الأحفاد

جمع حفد محركة و هو كما في القاموس الخدم و الأعوان جمع حافد

و أصحاب الشرط و الأخماس

قال في المجمع في حديث على (عليه السلام) لعبد اللّه بن يحيى الحضرمي يوم الجمل أبشر يا بن يحيى فإنك و أباك من شرطة الخميس اى من نخبه و أصحابه المقدمين على غيرهم من الجند و الشرطة بالسكون و الفتح الجند و الجمع شرط مثل رطب و الشرط على لفظ الجمع أعوان السّلطان و الولاة و أول كتيبة تشهد الحرب و تتهيأ للموت سموا بذلك لأنهم جعلوا أنفسهم علامات يعرفون بها للأعداء الواحدة شرطة كغرف و غرفة و صاحب الشرطة يعني الحاكم و إذا نسب الى هذا قيل شرطي بالسكون ردا إلى واحدة كتركى و الخميس الجيش انتهى

و ما أردت ان تصرف في وجوه البر

عطف على لفظ جوائزك الذي هو اسم كان في قوله و ليكن جوائزك و قوله بعد ذلك

من أطيب كسبك

خبر كان و التقدير و ليكن ما أردت ان تصرف وجوه البرّ من أطيب كسبك

من فصل تمركم و رزقكم و خلقكم و خرقكم

قال في المجمع خلق الثوب بالضم إذا بلى فهو خلق بفتحتين و الخرق بكسر الخاء و فتح الراء جمع خرقة أي من خلقكم و خرقكم

و سأنبئك بهوان الدنيا و هو ان شرفها على من مضى

يعنى انها كانت حقيرة عند من مضى و كان شرفها حقيرا عندهم

فناشده اللّه و الرحم ان يكون هو المقتول بالطف

قال في المجمع في الخبر نشدتك اللّه و الرحم اى سئلتك باللّه و بالرحم الى ان قال و يقال نشدتك اللّه أو باللّه و ناشدتك اى سئلتك و أقسمت عليك

فقال بمصرعي منك

(11) اى كفى مصرعي من مصرعك فالباء زائدة

و ما وكدي من الدّنيا إلا فراقها

(12) قال في القاموس الوكد بالضم السعى و الجهد و ما زال ذلك و كدي أي فعلى و بالفتح المراد و الهم و القصد

في بعض حيطانها

(13) جمع حائط و هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط

فإذا بامرأة قد قحمت علىّ

(14) قال في شرح القاموس يقال قحم في الأمر قحوما من الباب الأول إذا رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية و فيه (أيضا) يقال قحم إليه إذا دنى انتهى و تعديته بعلى انما هي بتضمين معنى الحمل أو الإشراف أو نحوهما

فشبهتها ببثينة

(15) بضم الباء و فتح الثاء المثلثة و الياء المكسورة و النون المفتوحة كجهينة اسم امرأة

بنت عامر الجمحي

(16) الجمح كزفر من أسامي الرجال و كذا بكسر الجيم اسم رجل و عبد اللّه بن جمح شاعر و الجيم هنا مكسورة و (الظاهر) ان نسبة عامر الى جمح انما هو من جهة كونه جد قبيلة هو منهم و من هذا القبيل صفوان بن أمية الجمحي و لهذا قال في الوافي في ذيل رواية في سندها صفوان بن أمية الجمحي ما لفظه الجمحي بتقديم الجيم و كسرها انتهى

غروف من الدنيا

(17) قال في المصباح غرف من الشيء غرفا من باب ضرب و قتل و غريفا انصرف الجنادل جمع جندل كجعفر بمعنى الحجار امنى بالكنوز و ودّها يقال مناه إذا اختبره و يقال منى بكذا على صيغة المجهول اى ابتلى به

و يطلب من خزانها بالطوائل

(18) جمع طائل اما بمعنى التفضل كما حكى عن الأصمعي في تفسير المثل السائر أعني قولهم ما عنده طائل و لا نائل من قوله الطائل من الطول و هو الفضل و النائل من النوال و هي العطية و اما بمعنى النفع و الفائدة لكن قيل ان الطائل بهذا المعنى لا يستعمل إلا في خير النفي و المراد بالفوائد أما الفوائد التي يستفيدها الفقراء و المحتاجون منهم أو الفوائد التي تحصل للخزان بسبب الانعام عليهم اعنى المثوبات الّتي تحصل لهم في مقابل انعامهم عليهم و حاصل معنى هذا المصراع هو ان اللّه (تعالى) يطالبهم يوم القيمة بالفوائد فيقول اين فوائدكم التي كان يلزم على أهل الخزائن إفادتها أو تحصيلها

فشأنك يا دنيا و أهل الغوائل

(19) قال في المجمع و اشأن شأنك أي اعمل ما تحسنه فشأنك منصوب على المصدرية انتهى و على هذا نقول ان شأنك هنا مفعول مطلق أقيم مقام فعله بعد حذفه و أهل الغوائل مفعول معه و التقدير اشأني يا دنيا شأنك اى اعملي مع أهل الغوائل عملك الذي تحسنينه و الغوائل جمع غائلة و هي الفساد

و ليس في عنقه تبعة لأحد

(20) قال في المصباح التبعة و الزان كلمة ما تطلبه من ظلامة و نحوها

لم يتلطخوا بشيء من بوائقها

(21) اى غوائلها و شرورها جمع بائقة و هي في الأصل الداهية و منه الخبر لا يدخل الجنة من لا يأمن جواره بوائقه

و حشره على صورة الذر لحمه و جسده و جميع أعضائه حتى يورده مورده

(22) الذر صغار النمل و لحمه و جسده و جميع أعضائه بدل من الضمير المنصوب بقوله حشر و فائدته الإشارة الى ان الجميع تصير في صورة نملة واحدة لا انّ كل جزء يساوى مقدار نملة من اجزائه يصير نملة و قوله مورده معناه المورد الذي يستأهله و يستحقه

من سندس الجنة و إستبرقها و حريرها

(23) السندس ما رق من الديباج و الإستبرق الديباج الغليظ و الديباج من الثياب هو المتخذ من الإبريسم سداه و لحمته ذكر ذلك كله في مجمع البحرين و على هذا يراد بالحرير ما كان غير القسمين المذكورين من أقسام الحرير

ما دام على المكسو منها سلك

(24) اى خيط و هو كناية عن بقاء جزء يسير من تلك الكسوة

من الرّحيق المختوم

(25) قال في المجمع الرحيق الخالص من الشراب و عن الخليل أفضل الخمر و أجودها و المختوم اى يختم أوانيه بمسك يدل عليه قوله (تعالى) خِتٰامُهُ مِسْكٌ اى أخر ما يجدونه منه رائحة المسك انتهى

إنه ليس بمؤمن من أمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه فلا تتبعوا عثرات المؤمنين

(26) في التفريع إشارة الى ان من تتبع عثرات المؤمنين فهو ممن أمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه لان من أمن باللّه بقلبه فهو حبيب اللّه و الحبيب لا يطلب ما يسوء حبيبه

و فضحه في جوف بيته

(27) اى كشف اللّه عيوبه و هو متستر و ساتر لها مع عدم صدور سبب ظاهر للفضيحة

و لا ينتصف من عدوه

(28) في شرح القاموس يقال انتصف منه

135

إذا استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء

و على ان لا يشفي غيظه الا بفصيحة نفسه

الفضيحة يستعمل بمعنى العيب و بمعنى كشفه و الأوّل انسب هنا و المراد ان اللّه (تعالى) أخذ ميثاق المؤمن على ان لا يشفي غيظه الحاصل من إيذاء الخصوم إياه بعيب نفسه بان يقول انا معيوب ناقص مقصر في جنب اللّه غير مراع حقوق إخواني المؤمنين مثلا و ان ذلك صار سببا لابتلائى بما ابتليت و لا يشفي غيظه بعيب الخصوم و ذكر مساويهم و إشاعة قبايحهم

لأن المؤمن ملجم

يعنى ان فاه محدود بحد ليس له ان يتكلم بهوى النفس فهو علة للعقد السّلبي من الحصر

و ذلك لغاية قصيرة و راحة طويلة

للفظ الغاية معنيان أحدهما العلة التي يقع لأجلها الشيء و ثانيهما المسافة و وصفها بالقصر يقتضي إرادة المعنى الثاني فيكون اللام للظرفية على حد قوله (تعالى) وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ لا يجليها لوقتها الا هو و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية حتى مضى الأوّل لسبيله لكن يأبى عن ذلك عطف قوله راحة طويلة على مدخولها فالأولى ان يقال ان الغاية بمعنى العلة و اللام للتعليل فالمعنى ان ذلك اى كون المؤمن مأخوذا عليه المواثيق المذكورة لعلة قصيرة هي كون المؤمن في أذى في الدنيا و وصفها بالقصر باعتبار قصر زمانها و عطف الراحة الطويلة للدلالة على كون الأذى اليسير مجبورا بالراحة الطويلة

و الشيطان يقويه و يمقته و السّلطان يقفو أثره

(الظاهر) ان تغيير أسلوب الكلام بتعريف الشيطان و السّلطان للإيماء الى ان الشيطان و ما بعده ليسا معطوفين على لفظ مؤمن المنكر حتى يكون أيسر الأشياء أربعة المؤمن و الشيطان و السّلطان و الكافر إذ لا أشد منها فلا يجوز ان يقال انها أيسر الأمور التي أخذ ميثاق المؤمن عليها و مجموع هذه الجملة عطف على قوله أيسرها مؤمن و كذا الحال في قوله و السّلطان يقفو أثره فإن السّلطان مبتدإ و يقفو أثره خبره و كذا

قوله كافر بالذي هو مؤمن به

مبتدإ سوغ الابتداء به مع كونه منكرا تقييده بالظرف و

قوله يرى سفك دمه (انتهى)

خبره فما ذكر كله من قبيل الجمل المتعاطفة و حاصل هذا الكلام مع ما قبله هو ان أيسر الأمور الّتي أخذ عليها ميثاق المؤمن هو مؤمن يؤذيه ثم ان هناك أمور أخر عليها ميثاقه و هو ان الشيطان يريد ان يغويه و السّلطان يبحث عن زلته و الكافر يريد سفك دمه

اشتققت للمؤمن اسما من أسمائي سميته

ان المراد انى أفردت له اسما من أسمائي كما يدل عليه جعل المشتق منه هي الأسماء بصيغة الجمع و الا فالاشتقاق المتعارف انما يكون من كلمة واحدة و المراد بالاسم الذي أفرده اللّه (تعالى) هو اسم المؤمن لأنه من جملة أسمائه (تعالى) الا انه عز شأنه سمى بالمؤمن لأنه يؤمن من عذابه من أطاعه و العبد سمى بالمؤمن لتصديقه بإثباته (تعالى) و إثبات أوصاف الجلال و الجمال و الكمال له

لم يكن ليخذل وليه

الخذلان ترك العون و النصر

أولئك لا خلاق لهم

الخلاق كسلام النصيب يعنى انه لا نصيب لهم من فضل اللّه سبحانه في الدار الآخرة

من قال في مؤمن ما رأت عيناه و سمعت أذناه ما يشينه

قوله ما يشينه بدل من قوله ما رأت و سمعت

و الاعتصام بحبله

(11) قال في المصباح الحبل العهد و الأمان و في المجمع و يسمى العهد حبلا لانه يعقد به الأمان كما يعقد الشيء بالحبل انتهى

و اعلم ان الخلق لم يوكّلوا بشيء أعظم من تقوى اللّه

(12) قال في المجمع في الحديث و كل اللّه الرزق بالحمق و وكل الحرمان بالعقل و وكل البلاء بالصبر كان المراد كل واحد من هذه الثلاثة لا يفارق صاحبه انتهى و على هذا فمعنى قوله لم يوكّلوا بشيء انهم لم يقرنوا بشيء

[المسألة السابعة و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه هجاء المؤمن]

قوله و في صدرها دلالة على جواز الافتراء و هو القذف على كراهة

(13) أشار الى ان المراد بالافتراء في الحديث هو القذف و ان عطف قوله و يقذفون على قوله يفترون تفسيري و وجه دلالته على الكراهة هو جعل الكف أجمل لكن لا يخفى عليك ان ما يستفاد من كون الكف أجمل انما هو كونه اولى و من المعلوم ان الفعل (حينئذ) يصير خلاف الاولى و ليس كل ما هو خلاف الاولى مكروها اصطلاحيا لكون المكروه الاصطلاحي عبارة عما اشتمل على نوع حزازة و منقصة غير بالغة جدا يلزم تركه فيجوز ان يكون خلاف الاولى مباحا

[النوع الخامس مما يحرم التكسب به]

قوله مما يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله عينا أو كفاية تعبّدا أو توصلا

(14) توضيح المراد يتم بالتعرّض لأمور الأول انه قال في (المسالك) انه خرج بما يجب فعله من ذلك ما يستحبّ كتغسيله يعنى الميت بالغسلات المسنونة من تثليث الغسل و غسل بدنه و فرجه و وضوئه على القول بندبه و تكفينه بالقطع المندوبة و حفر قبره قامة مع تأدى الفرض بدونها و نقلها الى ما يدفن فيه مع إمكان دفنه في القريب فإن أخذ الأجرة على ذلك كله جائر للأصل و عدم المانع خلافا لبعض الأصحاب محتجا بإطلاق النهي انتهى و لا يخفى عليك ان المستحبات مما ذكر و غيرها خارجة عن هذا العنوان على تقدير القول بجواز أخذ الأجرة عليها (أيضا) إذ لا يعتبر في خروج أمر عن موضوع العنوان مخالفته له في الحكم (أيضا) الثاني انه اختلفت كلماتهم في تعميم العنوان فأطلق المحقق (رحمه الله) حيث قال ما يجب على الإنسان فعله كتغسيل الموتى و تكفينهم و تدفينهم و مثله العلامة (رحمه الله) و جماعة و معلوم ان هذا الإطلاق يشمل الواجب النفسي و الغيري و التعبدي و التوصلي و العيني و الكفائي و التعييني و التخييري و عمّمه (المصنف) (رحمه الله) الى ما عرفت من العيني و الكفائي و التعبدي و التوصّلي و اقتصر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) على تعميمه بالنسبة إلى العيني و الكفائي و مثله في الجواهر حيث قال ما يجب على الإنسان فعله عينيا كان كالصّلوة و الصوم أو كفائيا كتغسيل الموتى (انتهى) لكن في الرياض بعد التعميم على الوجه المذكور قيد الوجوب بالذاتي حيث قال بعد قول المحقق (رحمه الله) أخذ الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات و تكفينهم و حملهم و دفنهم و نحوها الواجبات الأخر التي تجب على الأجير عينا أو كفاية وجوبا ذاتيا و أراد بالذاتي النفسي بدليل قوله بعد ذلك و خرج بالذاتي التوصلي كأكثر الصناعات الواجبة كفاية توصلا الى ما هو المقصود من الأمر بها و هو انتظام أمر المعاش و المعاد فان لفظ التوصلي و ان كان يستعمل في مقابل التعبدي الا ان قوله توصلا يعطي ان المراد بالتوصلي انما هو الغيري و قال بعض الأساطين (رحمه الله) في شرحه على القواعد ما يجب على الإنسان فعله وجوبا (مطلقا) أو مشروطا بغير العوض و قد تحقق شرطه لتعلق ملك و حق مخلوقي أو خالقي يحرم الأجرة عليه و الجعل و سائر الأعواض عينيّا كصلاة الفريضة و صوم شهر رمضان أو كفائيا كتغسيل الموتى و تكفينهم و تحنيطهم و الصلاة عليهم و حفر قبورهم و دفنهم و حملهم الى محالها و نحوها من الأعمال الازمة التي تتعلق بالمال الأصلي كما مر أو عارضي بنذر أو عهد و نحوهما انتهى و حاصل الكلام انه أطلق جماعة و قيّد اخرون ثم اختلف كلام المقيدين حيث اعتبر كل منهم في العنوان ما لم يعتبره الأخر و لذلك قال بعض مشايخنا انه يستفاد من ملاحظة مجموع كلماتهم وجوه أحدهما ان محلّ البحث انما هي العبادات فيجوز أخذ الأجرة على غير العبادات (مطلقا) حتى لو كان واجبا عليه عينا و حكى هذا عن جماعة بل حكاه بعضهم عن فخر المحققين (رحمه الله) بل قيل انه ظاهر كل من جوز

136

أخذ الأجرة على القضاء (مطلقا) حتى في حال يعتنه عليه الثاني ما حكاه بعضهم عن فخر المحققين من ان محل البحث عبارة عما وجب على شخص معين أو وجب كفاية لكن كان عبادة فكل ما وجب على شخص معين لا يجوز له أخذ الأجرة عليه سواء كان واجبا عينيا أم كفائيا و اما الذي وجب كفاية فإن كان عبادة لم يجز أخذ الأجرة عليه و إلا جاز الا ما نص الشارع على تحريمه كالدفن و نحوه الثالث ما عن بعضهم من اختصاص البحث بالواجب العيني و بالكفائي إذا لم يقم به من به الكفاية فالتزم بجواز أخذ الأجرة في الواجبات الكفائية في صورة قيام من به الكفاية لعدم وجوبها (حينئذ) و جعل من هذا القبيل أخذ الأجرة على الصّنائع التي بها قوام النظام و كذا أخذ الأجرة على الجهاد الرابع ان محل البحث انما هي العبادة و ما كان من غير العبادة عينيا غير منوط به النظام فغير العبادة ان كان كفائيا أو عينيا منوطا به النظام جاز أخذ الأجرة عليه نظرا الى ان المقصود لما كان بقاء النظام فذلك مقتضى لجواز أخذ العامل الأجرة لأن حرمانه منها محل بالنظام و هذا هو الذي يعطيه ما حكى عن العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في المصابيح حيث قال ان جواز أخذ الأجرة في غير العبادة انما يصحّ في الكفائي دون العيني لأن أخذ الأجرة على العمل انما يجوز إذا كان العمل مما يستحق عليه الأجرة و انما يستحق عليه الأجرة لو جاز الامتناع عنه بدونها إذ مع امتناعه جاز الامتناع عن إعطاء الأجرة و امتنع الإلزام عليها نعم لو كان المطلوب من العيني دفع الضرورة أو حصول النظام فلا بأس بأخذ الأجرة عليه و الا لاختل النظام لو بقيت الضرورة و لذا جاز الامتناع عن العمل هنا بدونها انتهى الخامس ما افاده بعض الأساطين في شرحه على القواعد من كون محلّ البحث هو ما عدا الواجب المشروط بالعوض و قد عرفت الإشارة إليه فيما حكيناه عنه و على ذلك بنى جواز أخذ الأجرة على الصنائع الواجبة قال (رحمه الله) بعد جملة من الكلام و اما ما كان واجبا مشروطا فليس بواجب قبل حصول الشرط فتعلق الإجارة به قبله لا مانع منه و لو كانت هي الشرط في وجوبه فكل ما وجب كفاية من حرف و صناعات لم يجب الا بشرط العوض بإجارة أو جعالة أو نحوهما فلا فرق بين وجوبها العيني للانحصار و وجوبها الكفائي لتأخر الوجوب عنها و عدمه قبلها كما ان بذل الطعام و الشراب للمضطر ان بقي على الكفاية أو تعين يستحق فيه أخذ العوض على الأصح لأن وجوبه مشروط بخلاف ما وجب (مطلقا) بالأصالة كالنفقات أو بالعارض كالمنذورات و نحوها السّادس ما افاده صاحب (الرياض) (رحمه الله) من كون محلّ البحث هو الواجب النفسي فما كان واجبا لغيره لم يحرم أخذ الأجرة عليه فالمنع مختص بالواجبات العينية أو الكفائية المقصودة لذواتها كأحكام الموتى و تعليم الفقه دون ما يجب لغيره كالصنايع و نحوها هذا و أنت خبير بأن جملة مما ذكر من قبيل ما ساقه صاحب المقال لبيان مذهبه و مختاره في المسئلة لا لتحرير محلّ البحث ففيما ذكره ذلك البعض خلط بين الأمرين فتدبر الثالث انه ذكر بعض مشايخنا انه لا بد من الالتزام بخروج أمرين عن عنوان المسئلة فيجوز أخذ الأجرة عليهما أحدهما الواجب الغيري و ثانيهما الصنائع التي بها قوام النظام اما موضوعا بان يقال ان الواجب للغير ليس واجبا في الحقيقة و ان المراد من وجوب الصنائع المذكورة وجوب وجود العارف بها لا انّه يجب العمل و اما حكما لقيام الإجماع و السيرة على أخذ الأجرة الا ترى انه لم يحكم أحد بحرمة أخذ الأجرة على إحضار الماء في حق من وجبت عليه الطهارة المائية و اما غير ذلك فلا وجه للتقييد به لكونه منافيا لإطلاق عباراتهم في المسئلة و انا أقول لا بأس بذلك بعد العلم بمرادهم و ان ذلك مما تسالموا عليه من الخارج و ان لم يأخذوا بيانه في العنوان فكثيرا ما يترك أمر في العنوان لوضوحه و وقوع التسالم عليه

قوله بل عن مجمع البرهان كان دليله الإجماع

أقول ذكر فيه ذلك بعد استظهاره عدم الخلاف في المسئلة فقال (رحمه الله) (الظاهر) انّه لا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على فعل واجب على الأخير سواء كان عينيا أم كفائيا فكان الإجماع دليله انتهى

قوله و الظاهر ان نسبة الى الشهرة في لك في مقابل قول السيّد (رضي الله عنه) المخالف في وجوب تجهيز الميت على غير الولي لا في حرمة أخذ الأجرة على تقدير الوجوب عليه

قال في (المسالك) في ذيل العبارة التي حكيناها عن المحقق (رحمه الله) ما صورته هذا هو المشهور بين الأصحاب و عليه الفتوى و ذهب المرتضى (رحمه الله) الى جواز أخذ الأجرة على ذلك لغير الولي بناء على اختصاص الوجوب به و هو ممنوع فان الوجوب الكفائي لا يختص به و انما فائدة الخلاف توقف الفعل على اذنه فيبطل منه ما وقع بغيره مما يتوقف على النية انتهى و ظاهر ان خلاف السيّد (رضي الله عنه) انما هو في الصغرى اعنى تخصيص الوجوب بالولي و نفى الوجوب عن غيره حتى جاز له أخذ الأجرة لا انّه مع وجوبه عليه يجوز أخذ الأجرة على ذلك الواجب و لهذا تمسك في (المسالك) في المنع عليه بان الوجوب الكفائي لا يختص بالولي و انما فائدة الخلاف توقف الفعل على اذنه و يشهد بذلك (أيضا) انه قال في الحدائق بعد موافقته للسيّد (رضي الله عنه) في اختصاص الوجوب بالولي بأن يغسله و يصلى عليه و يكفنه و نحو ذلك أو يأذن لغيره في هذه الأمور و بعد حكمه (رحمه الله) بانا لو فرضنا ان الغير امتنع من امتثال أمر الولي إلا بالأجرة جاز له ذلك لانه غير مخاطب بهذه و لا مكلف بها حتى يحرم عليه أخذ الأجرة كما ادعوه ما لفظه نعم لو سلمنا صحة ما ادعوه من الوجوب يصحّ ما رتبوه عليه من تحريم أخذ الأجرة انتهى

قوله و كان مثل هذا و نحوه ذكر في الرياض ان على هذا الحكم الإجماع في كلام جماعة و هو الحجة

أقول ذكر هذا الكلام بعد نفيه الخلاف في المسئلة و في شرح القواعد ما لفظه و في الإجماع المنقول عن جماعة على المنع في خصوص ما ذكر في المتن كفاية و يفهم العموم من تعليلهم ذلك بالوجوب الكفائي و دعوى المحصّل غير بعيدة عند المحصّل و علم الهدى (رحمه الله) موافق في الأصل مخالف في الخصوصية لادعائه ان الوجوب في التغسيل و نحوه على الولي أولا فيكون واجبا مرتبا فلو استاجر عليه من لم يكن وليا غيره قبل الوجوب عليه لم يكن فيه بأس و هو خارج عن المسئلة انتهى

قوله و بعبارة أخرى مورد الكلام ما إذا فرض مستحبا لجاز الاستيجار عليه لان الكلام في كون مجرد الوجوب على الشخص مانعا عن أخذ الأجرة عليه فمثل فعل الشخص صلاة الظهر عن نفسه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لا لوجوبها بل لعدم وصول عوض المال الى باذله فإن النافلة أيضا كذلك

أورد عليه بعض مشايخنا بوجوه الأوّل ان الظاهر ما ذكره من الفروض (أيضا) داخل في العنوان كما دل عليه كلام بعض الأساطين في شرح القواعد حيث مثل للواجب العيني في المقام بالصلاة و صيام شهر رمضان و هو الذي يقتضيه إطلاق الواجب في عنواناتهم على وجه يشمل المفروض و غيره بل صرح غير واحد بدخول الواجبات التعبدية في محلّ البحث فالتقييد الذي صرّح به (المصنف) (رحمه الله)

137

من كون الواجب بحيث لو فرض مستحبا لجاز الاستيجار عليه مبنى على اجتهاده و ليس في كلماتهم منه عين و لا أثر الثاني ما ذكره من التقييد يستلزم اختصاص الكلام بالواجبات التوصّلية و خروج الواجبات التعبدية عن مورد البحث ضرورة انها إذا فرضت مستحبة لم يجز أخذ الأجرة عليها بناء على ما هو خيرة (المصنف) (رحمه الله) من عدم جواز أخذ الأجرة على المندوبات التعبدية و لهذا فرّع عليه فساد الاستدلال على هذا المطلب بمنافاة أخذ الأجرة على المندوبات للإخلاص في العمل و علله بانتقاضه طردا و عكسا بالمندوب و الواجب التوصلي الثالث ان التقييد المذكور لا يتلائم مع ما سيجيء في كلامه من تسليم ان الاستدلال بمنافاة أخذ الأجرة حسن في بعض موارد المسئلة و هو الواجب التعبّدي في الجملة الرابع ان ما ذكره من ان المانع عن جواز أخذ الأجرة على إتيان الرّجل بصلاة الظهر هو كون المعاملة سفهية حيث علل عدم جوازه بعدم وصول عوض المال الى باذله يمكن دفعه بأنه يصحّ فرض منفعة في ذلك تعود الى الباذل فتخرج المعاملة بذلك عن كونها سفهية كما إذا كان مستأجر غيره لصلاة الظهر جاهلا بعدد ركعات الصّلوة أو أفعالها و كيفياتها فاستأجره ليصلي فيتعلم هو فإنه لا يكون الاستيجار (حينئذ) من قبيل المعاملة السفهيّة من جهة وجود نفع عائد إلى الباذل فلا يبقى حينئذ مانع من جواز أخذ الأجرة إلا وجوب الصّلوة على الأجير نفسه فالحاصل ان الكلام في عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب يعمّ ما ذكره من الفرض في فعل الرجل صلاة الظهر لنفسه كما يعم غيره و ان كان عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب أظهر فيما ذكره من الفرض و ذلك لا يوجب خروجه عن محلّ البحث كما بنى عليه

قوله و من هنا يعلم فساد الاستدلال على هذا المطلب بمنافاة ذلك للإخلاص في العمل لانتقاضه طردا و عكسا بالمندوب

اعلم انه وقع التمسك في كلماتهم للحرمة بعد الإجماعات المدعاة بوجوه أحدها هذا الوجه و أورد عليه (المصنف) (رحمه الله) بالانتقاض طردا و عكسا بالمندوب و الواجب التوصلي و اعترضه بعض مشايخنا بان (المصنف) (رحمه الله) ملتزم بان المندوب الذي يعتبر فيه قصد الإخلاص و القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه الا انه لا وجه للنقض به مع وجود النقض بالواجب التوصلي خصوصا مع تصريحه بقوله طردا و عكسا و على هذا فكيف يصحّ الإيراد منه بالنقض بالمندوب أقول (الظاهر) ان الإيراد بالمندوب من باب إلزام المستدل بمذهبه و معتقده فإنه لما كان وفاقا للأكثر بقول بجواز أخذ الأجرة على المندوبات فلذلك اتجه عليه النقض بما يراه حقا و لا يلزم في الإيراد بالنقض ان يكون مما يعتقد به المورد لكن النقض بالواجب التوصلي ان كان الاستدلال صدر من المتمسّك به مقيّدا بما يفيد كون الكلام في الواجب التعبدي كما ذكره في شرح القواعد في مقام الحكاية و زاد انه يقتصر على ما يشترط بالقربة و الإخلاص فهو غير متجه عليه و ان كان قد صدر الحكم بحرمة أخذ الأجرة مطلقا و وقع الاستدلال عليها بمنافاة الإخلاص كان النقض متجها و لا بد من الرجوع الى كلماتهم

قوله و قد يرد ذلك بان تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص

الراد هو الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغمروى (قدس سرّه) قال في شرح القواعد بعد ذكر عنوان المسئلة و حكمها مشيرا الى الدليل المذكور و رده لا لمناط القربة فيما يشترط بها فيقتصر عليه كما ظن لان تضاعف الوجوب يؤكدها ثم اضرب الى ذكر وجوه أخر يأتي ذكرها إنشاء اللّه تعالى

قوله و فيه مضافا الى اقتضاء ذلك الفرق بين الإجارة و الجعالة حيث ان الجعالة لا يوجب العمل على العامل

وجه الإيراد بلزوم الفرق هو انه لما صرّح الراد في العبارة التي قدمنا نقلها عنه بأنه لا فرق في الأجرة المأخوذة على فعل الواجب بين ما لو ثبتت بالجعالة و بين ما لو ثبتت بالإجارة كان اللازم ان يجرى في كلماته على ما قرره و حيث كان رده مستلزما للفرق بينهما الذي هو مناف لما ذكره أورد عليه استلزامه الفرق المنافي لمذهبه هذا و لكن أورد عليه بعض من تأخر بمنع بطلان اللازم إذ لا محذور فيه و لم يدع شارح القواعد ان ثبوت الأجرة في جميع المقامات مؤكد و لم يرد إثبات جواز أخذ الأجرة بما وقع في عبارته حتى (يقال) ان ذلك انما يتم في بعض صور المسئلة و هو ما لو كان أخذ الأجرة بالإجارة لا بالجعالة و ان الدليل أخصّ من المدعى و انما ذكر ان تضاعف الوجوب يؤكد القربة و لا ريب ان هذا الكلام قضية مهملة في قوة الجزئية ناظرة إلى صورة وجود الموضوع الذي هو تضاعف الوجوب فإذا وجد جاء الحكم الذي هو تأكد القربة و لم يدع انه في جميع الموارد يتضاعف الوجوب حتى يورد عليه بلزوم الفرق و الجعالة ليست من مورد التضاعف فلا ضير في عدم تأكد الوجوب هناك و الى هذا الإيراد أشار بعض المعاصرين حيث قال في كتابه انه قد يذبّ عن الأول بعدم قادحيّته في رد الاستدلال و ليس الغرض منه إثبات الجواز به كي يقال بأنه أخصّ من الدعوى ثم ان المعاصر المذكور اتبع الإيراد المذكور بوجه أخر فقال مع انه انما يتم ان لم يكن التقرب بالعقود الجائزة لعدم رجحان الوفاء بها و الا فلا بأس بالتزام التضاعف فيها (أيضا) لأن المراد به على الظاهر انما هو تعدد جهة الإخلاص بسبب تعدد الأمر و ان لم يكن شرطا في سقوطه و لا فرق في ذلك بين التعبديات و التوصليات و الفرق بينهما في الشرطية و عدمها غير قادح في تأكيد أحدهما للآخر إذ لا يشترط فيه اتحادهما من جميع الجهات كما هو واضح انتهى أقول لا ريب في ان ما ذكر أولا من وجه دفع إيراد (المصنف) (رحمه الله) عن شارح القواعد في محله و اماما اتبعه به المعاصر المذكور فلا يخفى سقوطه لا مجرد احتمال إمكان التقرب بالعقود الجائزة و رجحان الوفاء بها مما لا يجدى في بناء الإيراد عليه و الشأن انما هو في تحقيق المبنى ثم انّا نزيد على ذلك و نقول لا دليل على رجحان الوفاء بالعقود الجائزة فهل ترى ان أحدا من فقهائنا (رضي الله عنه) افتى بان من وكل غيره في أمر ترجح في حقه ان لا يعزله أو انه ترجح في حق الوكيل ان لا يعزل نفسه أو انه يستحب في حق الجاعل أو العامل ان لا يرجع عمّا عزم عليه أولا أو انه يترجح للمرتهن أن يفي بعقد الرهانة الجائزة من طرفه و هكذا نعم قد يترجح الوفاء في بعضها لكن لا من حيث انه عقد جائز بل بعنوان آخر مثل رجحان الوفاء المعير بعقد العارية ما دام المستعير ملتزما به و لكن ذلك إنّما هو من جهة رجحان إكرام عباد اللّه و الحاصل انه لا قائل بما ذكره و لا دليل على ذلك (أيضا) الا ان يقال ان احتمال شمول قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ للعقود الجائزة بأن يراد بالأمر بالوفاء مطلق الرجحان الشامل للوجوب و الندب فيكون الوفاء في اللازم واجبا و في الجائز مستحبا كاف في إثبات رجحان الوفاء من باب التسامح من طريق الحسن العقلي لكن هذا مع إمكان دعوى القطع بخلافه غير مفيد في توجيه

138

كلام شارح القواعد لانه عبّر بتضاعف الوجوب و معلوم انه لا يتحقق إلا إلا بتحقق وجوبين فلا يتحقق بوجوب و ندب بل نقول ان قوله (تعالى) وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا يدل الا على انّ العهد المأمور بالوفاء به انما هو المسئول عنه و ليس الا الواجب فيختص حكم الآية بما يجب الوفاء به من العقود و العهود فلا يشمل الجائزة مضافا الى إمكان منع صدق العهد على العقود الجائزة أو منع انصرافه فتدبر

قوله و ان أريد ان تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الإخلاص فلا ريب الى قوله بحكم الوجدان

أورد عليه بعض من تأخر بأنا نختار الشق الثاني فليس مراده ان تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الإخلاص بل مراده ان تضاعفه يؤكد تحقق الإخلاص و (حينئذ) نقول ان ما أورده (المصنف) (رحمه الله) عليه من ان ذلك مخالف للواقع لان ما لا يترتب عليه أجر دنيوي أخلص يدفعه ان مراد الشارح القواعد من تأكد الإخلاص هو حصول جهات متعددة يتحقق بها الإخلاص و يتيسر و ان كان بعضها تعبديا و بعضها توصليا و لا مانع من قصد الإخلاص بالواجب التوصلي لأنه قابل له فإذا تعدد جهة الوجوب تعدد جهة تحصل الإخلاص لقابلية كل منهما لقصده و تعدد الجهة في ثبوت حكم لشيء واحد ليس بعزيز الا ترى ان من زنى و ارتد اجتمع فيه جهتان لوجوب القتل و هذا الوجه (أيضا) وجدته في كلام المعاصر المذكور حيث قال بعد العبارة التي حكيناها عنه ما لفظه و منه يظهر اندفاع الثاني (أيضا) إذ لا يلزم من عدم شرطية فيه عدم إفادته للتأكيد على الوجه المذكور ثم قال مع ان أخذ الأجرة إذا كان راجحا و لو بالعارض أفاد التأكيد المزبور ايضا و لعله المراد لكنّه بعيد جدا انتهى

قوله مع ان الوجوب الناشي من الإجارة انما يتعلق بالوفاء بعقد الإجارة و مقتضى الإخلاص المعتبر في ترتب الثواب على موافقة هذا الأمر و لو لم يعتبر في سقوطه هو إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له بإزاء ماله فهذا المعنى ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه (تعالى) إيّاه

أورد عليه بعض المعاصرين بقوله و اما الثالث فيرد عليه منع كون ذلك مقتضى الإخلاص في الأمر الإجاري مثلا بل مقتضاه انما هو إتيان العمل المستأجر عليه و تسليمه الى صاحبه امتثالا لأمر اللّه تعالى به و ذلك غير مناف لوجوب إتيانه لأجل أمره تعالى به فهو (حينئذ) قادر على إيجاد الفعل الصحيح و دعوى عدم قابلية ما كان من قبيل العبادة لذلك لا تخلو عن مصادرة كدعوى قادحية الغرض الحاصل من غيره تعالى سيما بملاحظة عوده اليه تعالى من جهة تشريعه تعالى لذلك مع انه لا حسن فيه بعد تسليم ورود النقض عليه إذ يكشف ذلك عن فساده في الواقع و ان عجزنا عن منع بعض مقدماته كما هو الشأن في نظائره و الفرق بين العبادات المستأجر عليها و بين المقام تعسف بيّن بل لا بأس بجعل المقام ايضا من قبيل النيابة فيكون الإنسان مخيرا بين ان يصلّى على الميّت لنفسه فلا يستحق الأجرة أو يصلّى عن الباذل لها فيستحقها و لا يكون مصلّيا لنفسه على نحو ما قيل به في الجهاد و عدم كونه عبادة غير قادح في ذلك و دعوى ان ذلك خلاف المفروض هنا محلّ منع نعم لو علم اشتراط المباشرة و عدم شرعية النباته في بعض الواجبات لم تصحّ عليه المعاملة و دعوى ان كل واجب كفائي كذلك محلّ منع فتأمل جيدا انتهى

قوله و اما تأتي القربة في العبادات المستأجرة فلان الإجارة انما تقع على الفعل المأتي به تقربا الى اللّه (تعالى) نيابة عن فعلان

توضيحه ان الشخص يجعل نفسه نائبا عن فعلان في العمل متقربا الى اللّه فالمنوب عنه يتقرب اليه تعالى بعمل نائبه و تقربه (انتهى) قال المحقق بهبهاني (رحمه الله) في حواشي المسالك ما نصه و اما منافاة الأجرة لقصد الإخلاص في العبادات ففيه ان نفس الإجارة لا تحتاج إلى النية و انما المحتاج فعل نفس العبادة و الإجارة من العقود اللازمة شرعا و بعد اللزوم الشرعي يجب الوفاء (فحينئذ) يتحقق القربة و الإخلاص كما إذا حلف أحد ان يفعل شيئا أو يصلّى عن ميت فقبل الحلف لم يكن واجبا عليه و بعده صار واجبا و عند الفقهاء ان الملتزم بالنذر و العهد و اليمين و الإجارة حالها واحد و قد عرفت السبب نعم إذا كان الفعل بقصد الأجرة في صورة عدم تحقق اجارة و من جهة لم يكن صحيحا و إذا فعل اللّه تعالى من حيث انه تعالى يحبّ الإحسان الى أهل الإيمان فهو صحيح فإذا اعطى بعد الفعل الصّحيح شيئا إحسانا من جهة ان جزاء الإحسان إحسان يمكن ان يكون أخذه صحيحا و حلالا من هذه الجهة لأنّه عوض و اجرة (فتأمل) و يمكن ان يقال ان نفس العبادة انما تتحقق نيابة فهي فعل المنوب عنه لا النائب (فكذلك) نية العبادة فكأنه ينوي انى آت بنية المنوب عنه التي منها قصد الإخلاص من المنوب عنه فكما أنّ الصّلوة مثلا ليست صلاة النائب (فكذلك) لنية ليست نيته فكأنه يقول انوى عن فلان كذا و كذا لا انا انوى كذا و كذا (فتأمل) مع انه إذا كان أخذ لاجرة برضى اللّه تعالى و تحصيل ضروري معاشه فيمكن أن يتأتى قصد الامتثال و القربة فتأمل انتهى و لكنك خبير بأنه يرد على الوجه الأول ما أورده (المصنف) (رحمه الله) على من قال ان تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص من ان الوجوب الحاصل بالإجارة توصلي لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة و على الوجه الأخير ان وجوب تحصيل المال لضروري العيش لا يوجب صيرورة العمل الذي أخذ بإزائه المال مما يمكن التقرب به مع كونه يأتي به لتحصيل المال الذي هو عوض و أجرت و اما الوجه الأوسط (فالظاهر) ان المراد به هو ما حققه (المصنف) (رحمه الله) و أورد بعض من تأخر على ما حققه (رحمه الله) أوّلا بأن أمر النيابة لو كان منوطا بتنزيل النائب بنفسه منزلة المنوب عنه و إتيانه بالعمل و التقرب به بعنوان انه منوب عنه حتى ان المنوب عنه هو المتقرب في الحقيقة كما يعطيه كلامه (رحمه الله) كان اللازم على الفقهاء ان ينبهوا عليه لان هذا المعنى الذي ذكره معنى دقيق لا يتنبه له العوام بل كثير من الخواص فإذا فرض كونه قوام عمل النّواب لزم بيانه لئلا تبطل أعمالهم مع انا نرى انهم لم يبينوا و ان النّواب في العبادات بأسرها لم يفهموا الدقيقة المذكورة فلا يلتفتون الى التنزيل المذكور فيلزم على ما ذكره (رحمه الله) إهمال الفقهاء رضى اللّه عنهم لأمر واجب يعم به البلوى و عدم صحة شيء من اعمال النواب حيث انهم لا ينزلون أنفسهم منزلة المنوب عنه في مقام الإتيان بالعمل المستأجر عليه و ثانيا بان ذلك مخالف لظاهر ما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في خصوص استيجاره رجلا ليحج عن ابنه إسماعيل حيث قال (عليه السلام) في ذيل كلامه يا هذا إذا أنت فعلت هذا كان لاسماعيل حجة بما أنفق من ماله و كان لك تسع بما أتعبت من بدنك و مثله قوله (عليه السلام) في رواية أخرى و لك تسع و له واحدة فإن ظاهرهما ان العامل هو المتقرب بالعمل و الا لم يكن للرجل تسع من الثواب و على ما أفاده (رحمه الله) لا يكون المتقرب بالعمل الا المنوب عنه وحده و لا يستحق الثواب الا هو فلا يكون للعامل شيء من ذلك ثم ان المورد اشهد لما ادعاه من كون المتقرب هو العامل بقول المحقق الثاني (رحمه الله) في جامع المقاصد فإنه (رحمه الله) قال في كتاب الإجارة في ذيل

139

قول العلامة (رحمه الله) و لو أجر نفسه للصّلوة الواجبة عليه فإنها لا تقع عن المستأجر و هل يقع عن الأجير الأقوى العدم ما نصّه اى لو آجر من وجبت عليه صلاة نفسه لغيره ليصلي الصّلوة الواجبة على الأجير لم تصح الإجارة قطعا لانه لا يمكن حصولها للمستأجر فلا يصحّ بذل العوض اجارة في مقابلها و هل يقع عن الأجير حيث انه صلاها عن نفسه الأقوى عند (المصنف) (رحمه الله) العدم و وجه القوة انه لم يفعلها عن نفسه لوجوبها عليه بالأصالة بل بالإجارة ليأخذ العوض في مقابلها فلا تكون مطابقة لما في ذمته لأن التي في ذمته هي الواجبة بالأصالة و لمنافاته الإخلاص (حينئذ) لأن العبادة مفعولة لغاية حصول الأجرة و الإخلاص انما يتحقق بقصد القربة خاصة لقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و يحتمل الصّحة لأن ذلك باعث و علة في حصول الداعي كالأمر بالصّلوة و غيرها ممن يطاع و كما في الاستيجار للصّلوة عن الميت و الحج و غيرهما من العبادات و يجاب بان الباعث متى كان غاية اقتضى الفساد إذا نافى الإخلاص و الصّلوة و نحوها في الاستيجار عن الميت و الحي متى لحظ فيها فعلها لحصول الأجرة (أيضا) اقتضى الفساد و ليس من لوازم حصول الأجرة بالفعل قصدها عنده أو يقال ان هذه خرجت بالإجماع و كيف كان فعدم الصحة أظهر انتهى و وجه الاستشهاد ان قوله لم يفعلها عن نفسه لوجوبها عليه بالأصالة بل بالإجارة ليأخذ العوض في مقابلها يدل على ان الفاعل هو الأجير غاية ما في الباب انه فعله لغيره فيكون هو المتقرب فيفعل الفعل قربة الى اللّه للمنوب عنه و ليس الفاعل هو المنوب عنه المستأجر له حتى يكون هو المتقرب ثم قال و بالجملة فتصحيح العبادات المستأجر عليها بالوجه المذكور غير مستقيم بل الأجير يعمل العمل متقربا للمستأجر فالعامل هو المتقرب من دون تنزيل لا المنوب عنه و لعل الوجه في ذلك هو منع وجوب المباشرة في الواجبات الا ما خرج بدليل خاص استنادا الى الجمع بين عمومات المعاملات من الكتاب و السنة و بين أدلة الواجبات و على هذا فيكون الإنسان مخيرا بين إيجاد المأمور به بنفسه و بين إيجاده بواسطة نائبه ثم ذكر انه لا منافاة بين الإخلاص و أخذ الأجرة لأنها ليست وجها للعمل و عنوانا للمأمور به حتى ينافي قصدها قصد الإخلاص بل من جملة الدواعي إلى إيجاد الفعل فقد لا يستطيع الإنسان و لا يقدر على إيجاد الواجب إلا بالأجرة كما لو اشتاق الجهاد الواجب كفاية فلم يتمكن منه الا بان يصير أجيرا لغيره فيأخذ منه الأجرة و يستعد للجهاد هذا غاية ما أمكن من تحرير كلام المورد و أنت خبير بسقوطه برمّته اما ما ذكره أوّلا من لزوم بيان الفقهاء القضية التنزيل لكونها معنى دقيقا و انه يلزم على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بطلان اعمال الاجراء من حيث عدم علمهم بالتنزيل و عدم التفاتهم إليه في مقام العمل فلان الفقهاء اكتفوا عن بيان هذا المقال بما يفيده على وجه الكمال و هو لفظ النيابة ضرورة انها ليست إلّا عبارة عن قيام الإنسان مقام غيره و ان شئت عبّرت عنه بإقامة الإنسان نفسه مقام غيره و ليس معنى التنزيل الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) الا هذا و من المعلوم ان كل من ناب عن غيره فان تنزيل نفسه منزلة ذلك الغير مركوز في ذهنه في مقام الإتيان بذلك العمل و ان كان على وجه البساطة التي لا يستطيع تفضيلها الا العلماء كما هو الشأن في غالب الأمور المركوزة في أذهان العوام فلا يلزم إهمال الفقهاء ما يجب بيانه و لا بطلان عمل الاجراء لان ذلك المعنى البسيط المركوز في أذهانهم كاف في صحة العمل كما في الداعي البسيط الذي يكتفى به عن قصد تفصيل اجزاء العمل و غيرها و اما ما ذكره ثانيا من التمسّك بحديث عبد اللّه بن سنان و ما بمعناه فلسكوت الروايتين عن كيفية الإتيان و عن إتيان العمل على وجه تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه متقربا بعد التنزيل و إتيانه متقربا به بنفسه غاية ما هناك ان الإتيان بذلك العمل لأجل المنوب عنه كيف لا و الدليل على ان المراد بالحديث ما ادعاه انما هو كون تسع له و انه لا يتم الا بان يكون هو المتقرب فنقول على وجه المعارضة ان الحديث قد تضمن كون واحدة لاسماعيل و لو كان الثواب دليلا على كون المثاب هو المتقرب لزم ان يكون إسماعيل هو المتقرب مضافا الى ان سياق الحديث يعطي ان ذلك من باب التفضل لان قوله (عليه السلام) لك تسع في مقابل قوله (عليه

السلام) كان لاسماعيل حجة معناه ان له تسع حجّات لا انّ له تسعة أجزاء من حجة واحدة و يشهد بما ذكرناه من معنى الحديث في الجملة ما روى مسندا عن عمرو بن سعيد الساباطي انه كتب الى أبي جعفر (عليه السلام) يسئله عن رجل اوصى اليه رجل ان يحج عنه ثلاثة رجال فيحل له ان يأخذ لنفسه حجة منها فوقع بخطه و قرانه؟؟؟ حج عنه (إن شاء الله) فان لك مثل اجره و لا ينقص من اجره شيء (إن شاء الله) و روى مرسلا عن الصادق (عليه السلام) عن الرجل يحج عن أخر له من الأجر و الثواب شيء فقال (عليه السلام) للذي يحج عن الرجل أجر و ثواب عشر حجج و يغفر له و لأبيه و لامه و لابنه و لابنته و لأخيه و لأخته و لعمّه و لعمّته و لخاله و لخالته ان اللّه واسع كريم و اما ما ذكره من الاستشهاد بكلام المحقق الثاني (رحمه الله) فلانه لا دلالة له على ما ذكره من كون المتقرب هو العامل بل لا اشعار فيه بذلك ضرورة ان كون الأجير فاعلا للفعل مما لا مجال لإنكاره و الكلام انما هو في ان الفعل و التقرب به هل يجب ان يكون بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه أم لا فتدبر

قوله فذلك الاستدلال حسن في بعض موارد المسئلة و هو الواجب التعبدي في الجملة

أشار بقوله ذلك الاستدلال الى ما تقدم من منافاة أخذ الأجرة للإخلاص و وجه التقييد بقوله في الجملة ما تقدم في كلامه من خروج بعض الواجبات التعبدية عن أصل مورد المسئلة فيكون المسلم منه جريانه فيما هو داخل في موضوع المسئلة و هو ما لو كان وجوب الواجب مانعا من أخذ الأجرة عليه فلا يجري في مثل أخذ الأجرة على إتيانه بصلاة الظهر عن نفسه من جهة خروجه عن موضوع البحث و هذا الوجه هو المناسب لتفريع الكلام على ما تقدم و الا فمقتضى ما يذكره من التفصيل و يختاره هو ان يكون التقييد بقوله في الجملة للإشارة إلى جريان الاستدلال في الواجب التعبدي العيني التعييني و في التخيير التعبدي ان قلنا بان اتحاد وجود القدر المشترك مع الخصوصية مانع من التفكيك بينهما في القصد و كذا في الكفائي التعبدي كما سيتضح الحال بما يذكره (رحمه الله) في مقام التحقيق و التفصيل

قوله نعم قد استدل على المطلب بعض الأساطين في شرحه على القواعد بوجوه أقواها ان التنافي بين صفة الوجوب و التملك ذاتي

قال في شرح القواعد في مقام الاستدلال على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات ما نصه لا لمنافاة القربة فيما يشترط بها فيقتصر عليه كما ظن لان تضاعف الوجوب يؤكدها كما سيجيء تحقيقه بل لان المملوك و المستحق لا يملك و لا يستحق ثانيا و لأن الإجارة له لو تعلقت به كان للمستأجر سلطان عليه في الإيجاد و العدم على نحو سلطان الملاك و كان له الإبراء و الإقالة و التأجيل و كان للأجير قدرة على التسليم و في الواجب يمتنع ذلك و هو في العيني بالأصل أو العارض واضح و امّا الكفائي فلأنه بفعله يتعين له فلا

140

يدخل في ملك أخر و لعدم نفع المستأجر فيما يملكه أو يستحقه غيره لأنه بمنزلة قولك استأجرتك لتملك منفعتك المملوكة لك أو لغيرك و لان (الظاهر) عدم الدخول في عمومات المعاملات في الكتاب و السنة فيبقى على أصل عدم الانتقال عن الحالة الأولى انتهى

قوله ثم ان هذا الدليل باعتراف المستدل يختص بالواجب العيني

الذي هو مقابل الكفائي و وجه الاختصاص هو ان اللّه عزّ شأنه إذا لم يوجه الخطاب الى هذا الشخص على وجه الخصوص بإيجاد الفعل لم يصر فعله مستحقا له تعالى لان الغرض حصول الفعل من واحد من المكلفين

قوله و يكفي في ذلك ملاحظة الأقوال التي ذكرها في لك في باب المتاجر

قال (رحمه الله) في المسالك عند قول المحقق (رحمه الله) و القضاء على تفصيل يأتي ما نصه التفصيل الموعود به هو انه ان تعين بتعيين الامام (عليه السلام) أو بعدم قيام أحد به غيره حرم عليه أخذ الأجرة عليه لأنه (حينئذ) يكون واجبا و الواجب لا يصح أخذ الأجرة عليه و ان لم يتعين عليه فان كان له غنى عنه لم يجز (أيضا) و الّا جاز و قيل يجوز مع عدم التعيين (مطلقا) و قيل يجوز مع الحاجة (مطلقا) و من الأصحاب من جواز أخذ الأجرة عليه (مطلقا) و الأصح المنع (مطلقا) الا من بيت المال على جهة الارتزاق فيتقيد بنظر الامام (عليه السلام) و لا فرق في ذلك بين أخذ الأجرة من السّلطان و من أهل البلد و المتحاكمين بل الأخير هو الرشوة التي ورد في الخبر انها كفر باللّه و برسوله انتهى

قوله و الذي ينساق اليه النظر ان مقتضى القاعدة في كل عمل له منفعة محلّلة مقصودة جواز أخذ الأجرة و الجعل عليه و ان كان داخلا في العنوان الّذي أوجبه اللّه تعالى

أورد عليه بعض من تأخر بأن معنى هذا الكلام هو التمسك بعمومات الإجارة و الجعالة و تسليم شمولها للواجبات و ان كانت عينية و ان عدم جواز أخذ الأجرة عليه انما هو لما يذكره من المانع و هو انما يتم ان قلنا باعتبار الظواهر من باب التعبّد (مطلقا) أو الظن النوعي (مطلقا) حتى يتم التمسّك بها في مقابل الشهرة و الإجماع المنقول كما عليه الحال في هذه المسئلة من مصير الأكثر الى عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات و لو في الجملة و اما لو منعنا من ذلك امّا الاستناد الى كون اعتبار العمومات من باب الظن النوعي مقيدا بان لا يقوم ظن على خلافها و اعتبارها من باب التعبد مقيدا بما ذكر أو للاستناد الى دعوى ان العام المخالف للمشهور ليس بنوعه مفيدا للظن و ان كان هذا محلّ تأمل لأوله إلى الظن النوعي المقيد لم يكن وجه للتمسّك بالعمومات التي صار الأكثر إلى خلافها كما فيما نحن فيه و أنت خبير بسقوطه اما أولا فلان مذهب (المصنف) (رحمه الله) انما هو اعتبار العمومات من باب الظن النوعي و المورد تابع له في ذلك و السلوك على مقتضى المذهب و ان كان مخالفا لمذهب الجماعة بل الأكثر ليس مما يصحّ المؤاخذة عليه و اما ثانيا فلان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بهذا الكلام انما أراد به تأسيس القاعدة الأولية و قد تقرر في محلّه ان للمتكلم ان يلحق بكلامه ما شاء من اللواحق فالإيراد على ما ذكره فيصدر الكلام لتحرير المقام ليس له وجه

قوله بل اللازم التفضيل فان كان العمل واجبا عينيا تعيينيا لم يجز أخذ الأجرة عليه

أورد عليه بعض من تأخر بأن المانع من أخذها عليه اما ان يكون هو مجرد وصف كونه واجبا أو يكون هو وصف كونه معينا على المكلف و الأول يستلزم عدم الفرق بين أنواع الواجبات و أصنافها و الثاني لا نرى فيه منافاة لأخذ الأجرة من حيث انه عيني تعييني لو لم يفهم من دليله وجوب الإتيان به مجّانا نعم ان فهم وجوب إيجاده مجّانا لم يكن وجه لأخذ الأجرة لمنافاته لما فهم من دليله من المجانية كما انه لو فهم في الواجب التخييري من دليله وجوب الإتيان به مجانا كان ذلك مانعا فالمعيار الحقيقي في المقام ما افاده صاحب الجواهر (رحمه الله) من انا لا نجد بين وجوب شيء و بين أخذ الأجرة عليه منافاة الا أنه ان أفاد دليله كون وجوب الإتيان به على وجه المجانية حرم أخذ الأجرة عليه لذلك و الا فلا من دون فرق في ذلك بين العيني التعييني و غيره و يشهد بما ذكر انّه قد وقع في الشرع موارد من الواجب العيني التعييني جواز أخذ الأجرة عليها فيجوز أخذ الأجرة على الجهاد و كذا يجب إعطاء المضطر في المخمصة و غيرها لكن يجوز استرداد عوض ما اعطى و كذا في الصنائع التي بها قوام النظام و كذا في إرضاع الأم ولدها اللبأ مع تعيين الوجوب في ذلك كله و كذا الوصي يجوز له أخذ أجرة مثل عمله ان لم يعين له الموصي شيئا مع تعين وجوب العمل عليه فليس جواز أخذ أجرة المثل الا من حيث كون أخذ الأجرة غير مناف للوجوب و دعوى ان جواز أخذه لذلك مجرد حكم شرعي و ليس بعنوان المعاوضة ممنوعة ضرورة ان أخذ الأجرة انما هو في مقابل العمل لا مجانا و ترخيص الشارع في أخذ أجرة المثل انما هو لذلك العمل (فالشارع) أحدث المعاوضة بينهما قهرا و أنت خبير بسقوط ذلك كله فانا نختار في الأول ان المانع كونه واجبا تعيينيا و قد حرر (المصنف) (رحمه الله) وجه المنافاة بقوله لأن أخذ الأجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع على فعله أكل للمال بالباطل (إلخ) و اما ما استشهد به فقد أجاب (رحمه الله) عن الاستشهاد بها في ذيل الوجه السابع من وجوه الجواب عن الاشكال المشهور الذي يأتي ذكره في كلامه (رحمه الله) فإيراد أمثال هذه الكلمات في مقابل مقالته (رحمه الله) مبنى اما على الإغماض عمّا حققه تشهّيا لمقابلته بالإيراد عليه أو على العقد عن حقيقة مقصودة

قوله كما أجاز للوصي أخذ أخره المثل أو مقدار الكفاية

المراد بالوصي هو الوصي على اليتيم بمعنى من يتولى أمواله و لو لم يكن وصيا عن أبيه أو جده و انما كان له ولاية شرعية سواء كانت بالأصالة كالأب و الجد أم لا كالوصي و يمكن ان يكون المراد في عبارة (المصنف) (رحمه الله) بخصوصها هو خصوص الوصي و ان لحق به غيره في الحكم و لا داعي إلى التعميم في عبارته لعدم انسياقها في مقام إعطاء الضابط و أشار (رحمه الله) بهذا الى الخلاف في تلك المسئلة و فيها أقوال الأوّل أنه يأخذ أجرة المثل عن نظره في مال اليتيم الثاني انه يأخذ قدر كفايته الثالث انه يأخذ أقل الأمرين من اجرة مثله و كفايته مع فقره و اما مع غناه فلا يجوز له أخذ شيء (مطلقا) حجة القول الأول ان اجرة المثل عوض عمله و عمله محترم فلا يضيع عليه و حفظه انما يكون بأجرة مثله مضافا الى ما هو المستفاد من صحيحة هشام بن الحكم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن تولى مال اليتيم إله ان يأكل منه فقال ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك بل لعله المراد بالمعروف في الآية الشريفة و اما قوله (تعالى) وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ فهو محمول على الندب عند أرباب هذا القول بدعوى ان مادة الاستعفاف مشعرة به و كذا عند أرباب القول الثاني حجة القول الثاني ظاهر قوله (تعالى) فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فان (الظاهر) من الأكل أخذ مقدار الكفاية على التدريج لكونه أقرب الى معناه الحقيقي دون اجرة المثل و المعروف ما لا إسراف فيه و لا تقية و الأمر بالاستعفاف في صورة الغنى محمول على الندب حجة القول الثالث ان مقدار الكفاية ان كان أقل من الأجرة فمع حصولها يكون غنيا و من كان غنيا يجب عليه الاستعفاف لقوله (تعالى) وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ و الأمر

141

للوجوب فيجب عليه الاستعفاف عن بقية الأجرة و ان كان اجرة المثل أقل فإنّما يستحق عوض عمله فلا يحل له أخذ ما زاد عليه مع ان العمل لو كان لمكلّف يستحق عليه الأجرة لم يستحق أزيد من اجرة مثله فكيف يستحق الأزيد مع كون المستحق عليه يتيما مضافا الى انه فسّر الأكل بالمعروف بالقوة في صحيحة عبد اللّه بن سنان هكذا قرر بعضهم حجة هذا القول و لكن لا يخفى عليك ان ما قبل الصحيحة من الوجه لا ينطبق على القول بإطلاق جواز أخذ أقل الأمرين بالنسبة إلى الفقير و الغنى لأنه اعترف في طي الاستدلال بكون الأمر بالاستعفاف للوجوب نعم الاستدلال بالصحيحة لا بأس به مع حمل الأمر في الآية على الاستحباب حجة القول الرابع ان العمل ربما كان قليلا و القوت كثيرا فيؤدي إلى الإضرار باليتيم زيادة على المكلف فلا بد من اعتبار اجرة المثل هذا في صورة الفقر و اما في صورة الغنى فيجب استعفافه (مطلقا) عملا بظاهر الآية حجة القول الخامس ما تقدم من الوجه الأول من حجة القول الثالث لان الآية بعد كون الأمر فيها للوجوب تنطبق على التفصيل بين الفقير و الغنى بالتقريب المذكور في ذلك و كذا يصحّ التمسّك بالصحيحة المذكورة مع كون الأمر في الآية للوجوب و أوجه الأقوال هو القول الرابع و هو يتضمن دعويين أوليهما ان المأخوذ انّما هو اجرة المثل و ثانيتهما ان مستحق الأخذ انما هو الفقير دون الغنى لنا على أوليهما صحيحة هشام بن الحكم قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن تولى مال اليتيم إله ان يأكل من أموالهم فقال ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك و يكون هذا مفسرا للمعروف في الآية مضافا الى انّ الأكل بالمعروف يصدق على اجرة المثل اما صدق الأكل فلشيوع استعماله في مطلق التصرف كما في قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً أَنْ يَكْبَرُوا و قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ و قوله (تعالى) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ و غير ذلك من الآيات و الاخبار و دعوى كون أخذ مقدار الكفاية على التدريج أقرب الى المعنى الحقيقي مردودة على مدعيها من جهة ان المناط في المجاز انما هي الأقربية العرفية التي لا تتحقق إلا بكثرة الاستعمال و هي غير متحققة في الأكل بالنسبة الى ذلك المعنى المدعى و ما ذكر في طي الاستدلال انما هي الأقربية الاعتبارية التي لا عبرة بها على ما حققناه في محله و اما صدق المعروف فلان اجرة المثل عبارة عما يعد اجرة عند متعارف الناس لمثل ذلك العمل إذ من المعلوم انه ان كانت اجرة المثل أقل من قدر كفايته فالمعروف بين الناس ان الإنسان يأخذ عوض عمله من غير زيادة عن عوضه المعروف و هو اجرة مثله و مثل هذا يسمى أكلا بالمعروف و الزيادة عليه أكلا بغير المعروف و كذا الحال في الطرف المقابل ثم انا نزيد على هذه الجملة و نقول ان ما تقدم من صحيحة هشام بن الحكم أظهر من الاخبار الأخر الواردة في تفسير الأكل بالمعروف فيحمل الظاهر على الأظهر فمنها موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من كان يلي شيئا لليتامى و هو يحتاج ليس له ما يقيمه فهو يتقاضى أموالهم و يقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر و لا يسرف و ان كان ضيعتهم لا تشغله عما يعالج نفسه فلا يرزأنّ أموالهم بل نقول ان قوله (عليه السلام) فليأكل بقدر و لا يسرف لا يخلو عن ظهور في اجرة المثل و قوله (عليه السلام) في ذيلها فلا يرزأن بالراء المهملة قبل الزاي المعجمة معناه لا ينقص و النون في أخر الكلمة للتأكيد و منها صحيحة عبد اللّه سنان عنه (عليه السلام) (أيضا) قال سئل و انا حاضر عن القيم لليتامى و الشراء لهم و البيع فيما يصلحهم إله ان يأكل من أموالهم فقال لا بأس ان يأكل من أموالهم بالمعروف كما قال اللّه عزّ و جل فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ و وجه كون صحيحة هشام بن الحكم أظهر من هذه الصحيحة هو انه يحتمل احتمالا غير بعيد ان يكون المراد بالقوت ما يكتفى به بحسب المتعارف كما يحتمل ان يكون المراد به ما يؤكل ليمسك الرمق كما في المصباح عن ابن فارس و الأزهري و غاية ما هناك ان يكون ظاهرا في الأول لكن صحيحة هشام أظهر في الأجرة المثل و لو جعل ظاهرا في الثاني لم ينطبق على الشيء من الأقوال و منها خبر ابى الصباح عنه (عليه السلام) في تفسير الآية فان ذاك الرجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس ان يأكل بالمعروف إذا

كان يصلح لهم أموالهم فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا و ذيله يعطي ان العمل إذا كان ليس له اجرة فلا يأخذ شيئا لأن لازم قلة المال هو كون العمل فيه لا يلحقه اجرة و منها رواية أبي بصير المحكية عن تفسير العياشي في الآية المذكورة عنه (عليه السلام) (أيضا) قال هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية و يشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف و ليس له ذلك في الدراهم و الدنانير التي عنده موضوعه و منها رواية زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) في الآية فقال ذاك إذا حبس نفسه في أموالهم فلا يحترف لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم بناء على ان ذلك اجرة مثله لغلبة عدم زيادة احتراف الناس على ما يحتاجون إليه في أقواتهم بل يمكن ان يكون ما ذكرنا هو المراد بمضمرة محمّد بن مسلم المحكية عن تفسير العياشي سالته عن رجل بيده ماشية لابن أخ يتيم في حجره أ يخلط أمرها بأمر ماشيته فقال ان كان يليط حياضها و يقوم مهنتها و يرد شاردها فليشرب من ألبانها غير مجهد و لا مضر بالولد ثم قال و ان كان غنيا فليستعفف و موثقة حنان قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سئلنى عيسى بن موسى عن القيم للأيتام في الإبل ما يحل له فيها قال إذا لاط حوضها و طلب ضالها و هنا جرباها فله ان يصيب من لبنها من غير نهك بضرع و لا فساد لنسل بناء على ان ذلك أجر مثل ذلك أو شيء منه رخص فيه باعتبار كونه منه و النهك المبالغة في كل شيء و المراد به هنا التشديد على الضرع بالحلب على وجه يصيبه الأذى أو العيب و المراد بفساد النسل إسقاط الجنين أو ما يورث عيبا فيه و لنا على ثانيتهما قوله (تعالى) وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ و دعوى أن المارة مشعرة بالندب يتجه عليها أوّلا انّا نمنع من ذلك فقد ذكر بعضهم ما يعطى ان معنى المادة هو الامتناع قال في المصباح عف عن الشيء يعف من باب ضرب عفة بالكسر و عفافا بالفتح امتنع عنه بل صرّح بعضهم بان معنى العفة بالكسر و العفاف و العفافة بالفتح و الاستعفاف و التعفف هو الاحتراز عن القبائح و المحرمات فدعوى إفادتها للندب لا وجه لها و ثانيا انه ليس المدعى سوى الاشعار و هو لا يقاوم ظهور الهيئة في الوجوب خصوصا بعد ملاحظة سياق الآية من مقابلة الغنى بالفقير المرخص فإنه أقوى شاهد على ارادة التحريم بالنسبة إلى الغني و الا كان اللازم الترخيص (مطلقا) ثم تخصيص الغنى باستحباب التنزه عن الأخذ و اما ما افاده صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله ان الآية و ان اشتملت على الأمر الظاهر في الوجوب خصوصا في أوامر الكتاب لكن المادة تشعر بالندب فيضعف الظن بإرادته منه على وجه يعارض ما سمعته من القاعدة و الصحيح و غيرهما سيّما في الأعمال التي لا يجب عليه مباشرتها كالتنمية و نحوها فدعوى ان له بذل الأجرة للغير دون نفسه واضحة الفساد بل هي (كذلك) في كل عمل كان له ذلك فيه ضرورة عدم الفرق بينه و بين غيره في ذلك بل لعله اولى باعتبار بقاء نظره على مال الطفل و احتياطه عليه و من ذلك يظهر ضعف التفصيل بين الفقير و الغنى في الاستحقاق و عدمه انتهى فمدفوع بما عرفت (فحينئذ) لا يبقى مجال للتمسّك بالقاعدة التي هي كون عمل المتولي محترما مستحقا للأجرة عليه لان كثيرا من الأعمال المحترمة قد أمر الشارع ببذلها للغير مجانا كالقضاء و تجهيز الميت

142

و إنقاذ الغريق و غير ذلك مع انّ منها ما يشغل الإنسان طول نهاره و امّا الصّحيح الّذي هو عبارة عن صحيحة هشام بن الحكم (فالظاهر) انّه ترك التفصيل فيها اعتمادا على التصريح به في الآية فيقيّد بالآية كما تفسر به فيحمل (الظاهر) من كلّ منهما على الأظهر من الأخر فتدبر و امّا ما ذكره من وضوح فساد دعوى ان له بذل الأجرة للغير دون نفسه فهو مجرّد استبعاد

قوله ثم انّه قد يفهم من أدلّة وجوب الشيء كفاية كونه حقّا المخلوق يستحقه على المكلفين

هذه القضيّة جزئية لا تسرى في جميع الواجبات الكفائية كما أشار (رحمه الله) الى ذلك بتصدير الجملة المضارعيّة بلفظة قد

قوله و فيه ما تقدّم سابقا من انّ الأقوى عدم جواز أخذ الأجرة عليه

يعنى على المعين و قد تقدم في أوّل التفصيل الّذي ذكره في تحقيق أخذ الأجرة على الواجبات بقوله فان كان عينيا تعيينيّا لم يجز أخذ الأجرة عليه و أشار إليه أيضا قبل ذلك بقوله أقول لا يخفى ان الفخر اعرف بنصّ الأصحاب من المحقق الثاني (رحمه الله) فهذا والده قد صرّح في المختلف بجواز أخذ الأجرة على القضاء إذا لم يتعين

قوله و فيه ان المشاهد بالوجدان ان اختيار الناس للصنائع الشّاقة و تحملها ناش عن الدّواعي الأخر غير زيادة الأجرة

(انتهى) الظّاهر انّ غرضه انّما تعلّق بالإيراد على الجزء الأخير من التوجيه و هو قوله أو ترك الشاق منها و الالتزام بالأسهل و الّا فما ذكره في الإيراد لا يدفع الجزء الأوّل و هو وقوع أكثر الناس في معصية بتركها لأنّهم إنّما يلتزمون بالعمل بالصنائع لتحصيل الأجرة فلو كلّفوا بها مجانا لم يلتزموا بها و يلزم وقوعهم في المعصية

قوله و لو كانت هي الشّرط في وجوبه

كلمة لو وصلية و الضمير يعود إلى أجرة يعني و لو كانت الأجرة هي الشرط في وجوبه

قوله لتأخر الوجوب عنها و عدمه قبلها

أي لتأخر الوجوب عن الأجرة كما هو قضية الشرطية ضرورة انّ المشروط متأخر عن الشّرط طبعا و هذا هو الوجه في عدم الوجوب قبل الأجرة

قوله كالغائب الّذي يعمل في ماله عمل لدفع الهلاك عنه

كلمة يعمل بصيغة المجهول و لفظ عمل مرفوع بها على انّه نائب عن الفاعل و المراد بالعمل ماله اجرة و التقييد بقوله لدفع الهلاك عنه للإشارة الى ما يسوغ التّصرف في مال الغائب

قوله و انّما وقع الخلاف في تعيينه

فقيل بأنّه أجرة المثل و قيل بأنّه مقدار الكفاية و قيل بأنّه أقلّ الأمرين و قد قدمنا تفصيل القول فيه عن قريب فراجع

قوله فهو من قبيل بذل المال للمضطر و امّا من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل

ان قلنا بان العوض الّذي تأخذه انّما هو عوض اللبأ كان من قبيل بذل المال المضطر و ان قلنا بأنّه عوض العمل و هو الإرضاع كان من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل و مدرك جعله من قبيل القسم الأخير هو التعبير بالأجود في الآية

قوله و امّا المستحب

قال بعض من تأخّر انّ المندوبات يصحّ أخذ الأجرة عليها في كلّ مورد جاز التّبرع بها ابتداء و الإتيان بها على وجه النّيابة عن الغير تبرّعا أو الإتيان بها و إهداء ثوابها الى الغير تبرّعا بعد الفراغ منها و قد تحقّق التبرّع بالمندوبات عن الأموات قطعا من حج أو طواف أو زيارة أو صلاة نافلة أو غير ذلك لدلالة الاخبار على انّ الميّت يتسع له بما يهدى اليه من اعمال الخيرات و لا خلاف في ذلك الا ما يحكى عن الشهيد الثاني (رحمه الله) من منعه عن صلاة النّافلة عن الميّت و صحّة الحكاية غير معلومة و امّا الأحياء فقد ثبت التبرّع في حقّهم بما عدا الصّلوة و الصّوم من الزّيارة و الطواف و غير ذلك من المندوبات حتّى ما يستحبّ إضافته إلى الواجبات كمندوبات تجهيز الموتى مثل ما زاد على الواجب من الغسلات و التكفين في القطع الزّائدة و التعميق في القبر فيجوز أخذ الأجرة عليها خلافا للقاضي في هذا القسم اعنى مندوبات تجهيز الميّت حيث حكى عنه المنع من أخذ الأجرة على ذلك و لكنّه لا دليل على ما ذهب إليه لأن دليله لا يخلو عن أمور ثلاثة أحدها النّص و قد ادعى بعضهم قيامه بما ذهب اليه بمعنى إطلاق النّهي عن الأجرة بحيث يشمل مندوبات تلك الأفعال كواجباتها لكنّه مجرّد دعوى إذ لا اثر له في شيء من مضانه و حكى عن كثير منهم الاعتراف بعدم العثور عليه ثانيها ان للميت حقا على الأحياء ثابتا و هو انّ يجهّزوه على الكيفيّة الّتي وردت في الشرع من واجبة و مندوبة فكيف يجوز أخذ الأجرة على ما يستحقه غيره عليه و فيه ان ثبوت حق للميّت على الأحياء في تجهيزه كثبوت حق الأحياء من رد السّلام و نحوه ممنوع خصوصا بالنّسبة إلى المندوبات بل نقول ان واجب تلك الأفعال و مندوبها تكليفات من جانب اللّه تعالى لا يفهم من أدلّتها طلب الإتيان بها مجانا غاية ما في الباب قيام الإجماع على عدم جواز أخذ الأجرة على واجباتها فيبقى مندوباتها تحت أصل الإباحة ثالثها ان الفرد المشتمل على المندوبات من افراد الواجب غاية ما في الباب انّه أفضل من غيره من الافراد فالاستئجار عليها استيجار على الواجب (أيضا) كما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه الله) بل هو (رحمه الله) جعل هذه القاعدة سارية في سائر أفراد الواجب المشتملة على المندوبات و يظهر اثر ما أفاده في قصد الوجوب بذلك الفرد المشتمل على المندوب فيجوز قصده به على ما افاده و لا يلزم قصد الندب بتلك الزّوائد المندوبة و فيه انّه مع تسليم ذلك نقول ان دليلهم على حرمة أخذ الأجرة على الواجب انّما هو الإجماع و نحن نعلم قطعا انّهم لا يلتزمون بحرمة الأجرة على مثل هذا الواجب المؤلف من الواجب و المندوب باعتبار جزئه المندوب فلم يريدوا بالواجب الّا ما هو واجب صرف بدليل انّهم صرحوا بجواز أخذ الأجرة على مثل هذه المندوبات الزّائدة و قال في الرّياض في شرح قول المحقّق (رحمه الله) في عداد المكاسب المحرّمة السّادس أخذ الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات و تكفينهم و حملهم و دفنهم ما لفظه و يستفاد من العبارة جواز أخذ الأجرة على الأمور المندوبة كالتغسيل ثلثا و التكفين بالقطع المستحبّة و نحو ذلك و لا ريب فيه وفاقا للأكثر للأصل و انتفاء المانع من الإجماع و غيره و هو منافاة الأخذ للإخلاص فإن غايتها هنا عدم ترتب الثواب لا حرمة مع إمكان ترتبه (حينئذ) أيضا يعد إيقاع عقد الإجارة فإنها بعده تصير واجبة و تصير من قبيل ما لو وجبت بنذر و شبهه و لا ريب في استحقاق الثواب (حينئذ) و وجهه ان أخذ الأجرة (حينئذ) صار سببا لوجوبها عليه و معه يتحقق الإخلاص في العمل لكونه (حينئذ) لمجرّد الإطاعة و الامتثال للّه سبحانه و ان صارت الأجرة منشأ لتوجّه الأمر الإيجابي اليه و هو واضح و به يتضّح جواز أخذ الأجرة على الصلاة عن الأموات بعد إيقاع عقد الإجارة بل لعل له قبل إيقاعه أيضا وجها فالقول بعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور المندوبة أيضا ضعيف انتهى و أورد عليه بعض من تأخر أوّلا بأنّه إذا جرد الفعل المندوب عن الإخلاص و ترتب الثواب عليه خرج عن كونه مندوبا بل كان الإتيان به على ذلك الوجه تشريعا محرّما فكيف يتصف بالوجوب بعد ذلك و من هنا يعلم ان جعله من قبيل ما لو وجب بنذر و شبهه (أيضا) لا وجه له لانّ المنذور انّما

143

هو المندوب و الطاعة لا ما تجرد عن الإخلاص و ترتب الثواب و ثانيا بان الأمر الناشي من الإجارة لا يفيد سوى الوجوب التوصلي و وجوب الشيء توصلا ليس صالحا لان يجعله عبادة يقصد بها القربة و قد تبعه في المنهاج من حيث كون الوجوب و القربة المنويين بالعمل المستأجر عليه ناشئين من عقد الإجارة و هذا الاشكال يتجه عليه (أيضا) أقول هذا اعترف من ذلك البعض بما أوردناه على ما اختاره بعد ما أورد على (المصنف) (رحمه الله) و هو ان الناوي للوجوب و المتقرب انما هو الأجير و ذلك لانه لا يتيسر له نية الوجوب و التقرب الا تبعا للأمر الناشي من عقد الإجارة الّا ان يفرض ان يعمل و يهدى ثوابه و هو عنوان أخر فتدبر

قوله و (حينئذ) فإن كان حصول النفع المذكور منه متوقفا على نية القربة لم يجز أخذ الأجرة عليه كما إذا استأجر من يعيد صلوته ندبا ليقتدى به

(انتهى) محصّل ما افاده هنا هو التفصيل بين ما لو كان حصول النفع منه موقوفا على قصد القربة و بين غيره كبناء المسجد فمنع من أخذ الأجرة في الأوّل و أجاز أخذها في الثاني لكن أورد عليه بعض من تأخر أوّلا بان ذلك يستلزم بطلان الإجارة على قراءة القران حيث ان المتعارف ان يقرئه القارئ و يهدى ثوابه الى من استوجر لقرائته له و كذا غيره من الأعمال المندوبة و هو يستلزم سد باب الإجارة على المندوبات و ثانيا بان التبرع بقراءة القران و الزيارة و الطواف و أمثالها و إهداء ثوابها مما هو جائز في الشرع و كل ما جاز التبرع به جاز الاستيجار عليه و ثالثا بالمنع من عدم اجتماع قصد القربة مع الأجرة فإنا نرى كثيرا من الناس مشتاقين إلى زيارة بيت اللّه و زيادة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لكن لا يمكنه ذلك فيصير أجيرا للتوصل اليه فكيف يمكن إنكار وقوع قصد القربة من مثله هذا و أنت خبير بسقوط الوجوه المذكورة امّا الأوّل فلان ذلك متعارف العوام و من بحكمهم من عملة الموتى من الجهال الذين لا عبرة بأفعالهم و لا يلزم من بطلان أعمالهم محذور فبطلان التالي ممنوع مع ان تعارف تلك الطريقة انما هو في خصوص قراءة القران دون غيره فالحاصل انا نلتزم ببطلان ما ذكره من المتعارف بحكم الدليل الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) في الكتاب و اما الثاني فلأنا نمنع من كلية الكبرى التي ادعاها و ثبوتها أوّل الكلام و لا نسلم ذلك في المتنازع و اما الثالث فلانه ليس فيه الا دعوى بدون بينة غاية ما هناك انّه ادعاها في ضمن المثال و نحن نعيد الكلام على المثال الذي ذكره فنقول ان قصد القرية هل هو متفرع على الوجوب الناشي من عقد الإجارة أو من اقامة نفسه مقام المنوب عنه فالدعوى فيضمن المثال لا تصير سببا لرفع الاشكال

قوله و من هذا القبيل استيجار الشخص للنيابة عنه في العبادات التي تقبل النيابة كالحج و الزيارة و نحوهما فإن نيابة الشخص عن غيره فيما ذكر و ان كان مستحبا (إلخ)

لما تفطن (رحمه الله) لكون نفس إتيان العمل عن الغير مندوبا على كل مسلم و قد أخذ عليه الأجر حيث صار نائبا عن الغير فيلزم الاشكال بعدم جواز أخذ الأجر على المندوب تفصى عنه بجعله من القسم الثاني الذي يجوز أخذ الأجر عليه اعنى ما لم يعتبر فيه قصد القربة

قوله قلت القربة المانع اعتبارها من تعلق الإجارة هي المعتبرة في نفس متعلق الإجارة و ان اتحد خارجا مع ما يعتبر فيه مما لا يكون متعلقا للإجارة (إلخ)

لا يخفى ان للازم على (المصنف) (رحمه الله) في الجواب هو إثبات التفكيك بين الفعلين اعنى النيابة و الصّلوة و بيان المغايرة بينهما حيث كان محصّل السؤال هو انه لا مغايرة بين النيابة و فعل الصّلوة حتى يتعلق الإجارة بأحدهما و يعتبر الإخلاص في الأخر و لكنه ذكر هذا الكلام مقدمة لإثبات المغايرة فأفاد به ان اعتبار القربة إنما يمنع من تعلق الإجارة إذا كانت معتبرة في نفس متعلق الإجارة و هو فيما نحن فيه عبارة عن نفس النيابة و معلوم انها لم يعتبر فيها القربة لما عرفت من كونها من جملة المندوبات الغير المعتبرة فيها تلك و ان اتحدت في المقام بما يعتبر فيه القربة اعنى الصّلوة ثم أخذ في بيان المغايرة بقوله فالصّلوة الموجودة في الخارج على جهة النيابة فعل للنائب من حيث انها نيابة عن الغير (انتهى) و محصّله انه و ان اتحدت النيابة الا ان هناك عنوانين أحدهما النيابة و الأخر الصّلوة و قد وجدناهما مختلفين بالآثار فان الصّلوة التي صدرت على وجه النيابة لها اعتباران من أحدهما فعل للنائب و هو كونه مباشرا لها محدثا إياها و من الأخر فعل للمنوب عنه و هو كونها صدرت ممن اقام نفسه مقامه فقد وجد في ضمن الصّلوة الصادرة على الوجه المذكور فعلان أحدهما النيابة و هي توصف في حقه بالمباح و الراجح و المرجوح و تسند إلى النائب الذي هو زيد مثلا فيقال ناب زيد و لا يصحّ إسناده إلى المنوب عنه كعمر و مثلا حتى يجوز ان (يقال) ناب عمرو و ثانيهما الصّلوة و هي التي اعتبر فيها القربة فلا يصحّ اتصافها بالإباحة و المرجوحية و يصحّ إسنادها الى زيد النائب باعتبار صدورها عنه بالمباشرة كما يصح إسنادها إلى عمر و المنوب عنه باعتبار صدورها عمن اقام نفسه مقامه و معلوم ان اختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثر فيتحقق هناك عنوانان يعتبر في أحدهما القربة و هو ما لم يتعلق الإجارة به اعنى نفس الصّلوة و لا تعتبر في الأخر تلك و هو ما تعلق به الإجارة أعني نفس الصّلوة و مجرد الاتحاد في الوجود لا يقتضي باتحاد العنوان

قوله مع ان ظاهر ما ورد في استيجار مولينا الصادق (عليه السلام) للحج عن ولده إسماعيل كون الإجارة على نفس الأفعال

ففي الوسائل مسندا عن عبد اللّه بن سنان قال كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل فأعطاه ثلثين دينارا يحج بها عن إسماعيل و لم يترك شيئا من العمرة إلى الحج الا اشترط عليه حتى اشترط عليه ان يسعى في وادي محسر ثم قال يا هذا إذا أنت فعلت هذا كان لاسماعيل حجة بما أنفق من ماله و كان ذلك تسع بما أتعبت من بدنك و وجه الظهور ان ظاهر اشتراط الأفعال هو كون الإجارة عليها لا على المقدمات و احتمال انه (عليه السلام) و ان كان قد اشترط أجزاء ذي المقدمة مفصّلة الا انه أوقع الإجارة على خصوص المقدمات في غاية البعد

قوله لكن ظاهر جماعة جواز الاحتساب في هذه الصورة

يعني في صورة استيجاره لحمل غيره في الطواف و ان ذهب هؤلاء الجماعة الى عدم جواز الاحتساب في الصّورة الاولى و هي ما استوجر للإطافة

قوله و في المسئلة أقوال

أي في أصل عنوان المسئلة الشامل للصورتين المذكورتين لا في خصوص الصّورة الأخيرة

قوله و أشار بالأقوال إلى القول بجواز الاحتساب (مطلقا)

اى سواء كان الحمل تبرعا أم بأجرة و على تقدير الاستيجار لا يختص الحكم بالجواز بشيء من وجوهه التي تأتي في طي التفاصيل

قوله و ظاهر القواعد على اشكال

قال فيها و يجوز النيابة في الطواف من الغائب و المعذور كالمغمى عليه و المبطون لا عمن

144

انتفى عنه الوصفان و الحامل و المحمول و ان تعدد يحتسبان و ان كان الحمل بأجرة على اشكال انتهى

قوله الرابع ما ذكره بعض محشي الشرائع من استثناء صورة الاستيجار على الحمل

سواء كان الحمل المستأجر له (مطلقا) أم مقيدا بكونه في طوافه فإذا استثنى الحمل عن حكم المحقق (رحمه الله) بالجواز آل الى التفصيل بين التبرع و الاستيجار بجواز الاحتساب في الأوّل دون الثاني

قوله الخامس الفرق بين الاستيجار للطواف به و بين الاستيجار لحمله في الطواف و هو ما اختاره في (المختلف)

حكى في الجواهر عن المختلف انه قال فيه التحقيق انه ان استوجر للحمل في الطواف اجزء عنهما و ان استوجر للطواف به لم يجز عن الحامل انتهى و قال فيها بعد حكايته ما لفظه و لعلّه لانه على الثاني كالاستيجار للحج انتهى و هو إشارة إلى دفع ما يسبق الى ذهن كل من نظر في هذا القول من ان الطواف به عبارة عن الإطافة و ليس إطافة الرجل غيره الا عبارة عن حمله في طوافه فالتفصيل بين الاستيجار للإطافة و بين الاستيجار لحمله في الطواف مما لا وجه له و وجه الدفع المشار اليه هو انه ان استوجر للإطافة صارت حركاته المحصّلة للطواف ملكا للمستأجر كما لو استوجر للحج فإنه يصير اعماله (حينئذ) ملكا للمستأجر فلا يصحّ صرفها الى نفسه بأن ينوي الحج عن نفسه لا عن المستأجر ثمّ ان هيهنا قولا سادسا حكى عن الشافعي و لم ينقل عن أحد من الخاصة و هو إطلاق عدم الجواز

قوله و بنى فخر الدين في الإيضاح جواز الاحتساب في صورة الاستيجار للحمل التي استشكل والده (رحمه الله) فيها على ان ضم نية التبرد الى الوضوء قادح أم لا

أراد بالاستشكال اشكال القواعد و لم يصرّح بذلك اعتمادا على ما ذكره من قوله و ظاهر القواعد على اشكال و على كون الإيضاح شرح للقواعد

قوله و المسئلة مورد نظر و ان كان ما تقدم من (المسالك) لا يخلو عن وجه

اعلم ان المسئلة لها صور لان الحمل اما ان يكون تبرعا أو يكون بأجرة و الأول لا اشكال فيه و لا كلام في جواز احتساب كل منهما طوافه لنفسه و انما الكلام في الثاني و هو يتصور على وجوه الأوّل ان يكون هو بنفسه ناويا للطواف و يصير أجيرا لحمل غيره في حال طوافه الذي هو بنفسه ناوله الثاني ان يصير أجيرا للحمل على الطواف (مطلقا) اى مجردا عن التقييد بكونه في حال طواف نفسه الثالث ان يصير أجيرا للإطافة به و هذا الوجه الأخير يرجع الى الثاني لأن الإطافة ليست إلا عبارة عن الحمل للطواف فالتفصيل بينهما كما عرفت لا وجه له فليس هنا الا وجهان و الأول لا اشكال فيه من جهة المبنى لأن فعله لم يصر مملوكا لغيره و انما قادنه أمر عرضي غير مانع و هو حمل الغير فان كونه حاملا في حال طوافه ليس عين الحركة التي هي فعل الحامل المعنون بعنوان كونه طوافا فيبقى الكلام في الثاني من جهة تفرعه و ابتنائه على المبنى المذكور فهو المقصد الأصلي في هذا المقام و إذ قد عرفت ذلك نقول ان القول بالمنع من احتساب الحامل حركة نفسه طوافا أعم من اعتباره (مطلقا) أو في الجملة يستند الى وجوه أحدها ما عن الشافعي من استلزامه أن ينوي بفعل واحد طواف شخصين و مقتضى هذا الدليل سريان المنع في جميع أقسام الحمل تبرعا أو استئجارا و كذا في أقسام الاستيجار و أجاب عنه في الجواهر أوّلا بمنع الملازمة و ثانيا بمنع بطلان اللازم لجواز حمل اثنين فصاعدا له ثم قال (رحمه الله) بل من ذلك يظهر ان المحمول إذا كان مغمى عليه أو صبيا جار للحامل نية طوافه مع طواف نفسه كما نطق صحيح حفص البختري عن الصادق (عليه السلام) في المرأة تطوف بالصبي و تسعى به هل يجزى ذلك عنها و عن الصّبي فقال نعم ثانيها ما عن الإيضاح من إيجاب نية الضميمة بطلان العبادة كضم نية التبرد إلى نية الوضوء فعلى القول بكون الضم موجبا للفساد يفسد طواف الحامل هنا لانه ضم الى طوافه حمل المستأجر و أورد عليه في الجواهر ببداهة صدق الطواف على كل منهما ثم قال بل الظاهر جواز احتساب الحامل و المحمول ذلك لهما و ان كان الحمل بأجرة و استحقاق الحمل عليه في حال طوافه لا ينافي احتسابه له إذ هو كما لو استوجر لحمل متاع فطاف و هو يحمله فان الطواف به لا معنى له الا الحمل ثالثها ما عن ابى على (رحمه الله) من اقتضاء الاستيجار استحقاق هذه الحركة لغيره فلا يجوز صرفها الى نفسه كالاستيجار للحج أقول من الظاهر الواضح اختصاص هذا الاستدلال بصورة الاستيجار فلا يجري في صورة التبرع و هو مع ذلك غير ناهض بإثبات المطلوب و ذلك لان هناك أمرين أحدهما الحركة الذاتية للحامل و الثانية الحركة العرضية للحمول التي هي اثر الحركة الاولى و فعل من الأفعال التوليدية للحامل و الذي يصير ملكا للمستأجر انما هي الحركة العرضية التي هي الأثر دون الحركة الذاتية الّتي هي من قبيل المؤثر و من هنا وقع تشبيه حمله للطواف بحمل الطعام في كلام جماعة و هذا مما لا اشكال فيه غاية ما في الباب كون إحديهما مقدمة للأخرى و لا ضير فيه و من هنا نقول بأن الساعي إذا صار أجيرا في السعي جاز له ان يحمل متاعا لغيره و لو كان نفس الحركة الأصلية الّتي هي من قبيل المؤثر مملوكا لمستأجر الساعي لم يكن له ان يحمل المتاع في حال تلك الحركة فليس المملوك للمستأجر إلا الحركة العرضية التي هي الأثر و مما ذكرنا ظهر انه لو كان المحمول صبيّا جاز ان يباشر نية طواف المحمول أيضا فينوي بحركته الأصلية طوافه و بحركته العرضية طواف المحمول و بالجملة لا مجال للإشكال في صحة احتساب كل منهما حركته طوافا لنفسه في صورة استيجار الحامل بعد القول بجواز الاحتساب فيما لو حمل تبرعا و معلوم ان الجواز هناك في كمال الوضوع و قد أشار الى جملة ممّا ذكرناه صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال بل عن الفاضل في (المختلف) استحسانه الا انه قال و التحقيق انه ان استوجر للحمل في الطواف اجزء عنهما و ان استوجر للطواف لم يجز عن الحامل و لعلّه لانه على الثاني كالاستيجار للحج و لكن الظاهر انحصاره في الطواف بالصبي و المغمى عليه فان الطواف بغيرهما انما هو بمعنى الحمل نعم ان استأجره غيرهما للحمل في غير طوافه لم يجز الاحتساب بل قد يناقش في الأولين أيضا بأنّه إذا جاز تبرعا الطواف بهما مع احتساب طوافه لنفسه كما أومى إليه صحيح حفص جاز

الإجارة عليه و ليس هو كالاستيجار للحج بل أقصاه اشتراك الطوافين بمقدمة واحدة و هي حركته المخصوصة التي تكون سببا لحصول الطواف من كل منهما فتأمل جيدا فإنه دقيق انتهى

قوله ثم انه قد ظهر مما ذكرناه من عدم جواز الاستيجار على المستحب إذا كان من العبادات انه لا يجوز أخذ الأجرة على أذان المكلف لصلاة نفسه إذا كان مما يرجع نفع منه الى الغير يصح لأجله الاستيجار كالاعلام بدخول الوقت أو الاجتزاء به في الصّلوة و كذا أذان المكلف للاعلام عند الأكثر كما عن الذكرى (إلخ)

أفاد كلامه (رحمه الله) ان عدم جواز أخذ الأجرة على أذان المكلف لصلاة نفسه خارج عن محلّ النزاع و ان مرادهم بالأذان فيه انما هو الأذان الإعلامي كما صرح به صاحب الجواهر (رحمه الله) في مبحث الأذان و الإقامة حيث قال الذي يظهر بعد التأمل ان محل البحث الأذان الإعلامي لا الصّلاتى الذي ظاهر الأدلّة كون الخطاب بالنسبة إليه كخطاب الصّلوة و قنوتها و تعقيبها يراد منه المباشرة من المكلفين

145

و الاجتزاء بأذان الغير لصلوته في بعض الأحوال بشرط السماع مثلا لا يلزم منه جواز النيابة التي تقتضي على فرض الصّحة الاكتفاء بما يفعله الغير و ان لم يكن لصلاة و لم يسمعه المصلى كما في غيره مما يصحّ النيابة فيه و يكون بها فعل النائب فعل المنوب عنه و شرع ذلك هنا بعيد عن الأدلة من غير فرق بين أذان الجماعة و المنفرد و ان قلنا ان المخاطب بأذان الأولى أمامها و ان المأمومين يصلون بصلوته و فعل الغير (حينئذ) يسقط عنه إذا كان جامعا للشرائط من السماع و نحوه ضرورة عدم التلازم بين جواز ذلك و النيابة كما عرفت و قاعدة جواز الإجارة في كل ما جاز التبرع فيه مقطوعة هنا بظهور الأدلة في المباشرة و السّماع على وجه المخصوص دون النيابة الأجنبيّة عن ذلك عند التأمل بل لعل التبرع المستلزم لجواز الإجارة غير جائز هنا إذ الجائز هنا فعل الغير على وجه مخصوص بان يكون مسموعا للإمام و ان يكون لصلاة و نحو ذلك فتأمل انتهى و احتمل بعض من تأخر دخول أذان الصّلوة في الجماعة معه (أيضا) و اما غيرهما كالأذان في اذن المولود أو من ترك أكل اللحم أربعين يوما فخارج عن محلّ النزاع قطعا بمعنى انه يجوز أخذ الأجرة عليه بغير خلاف ثم انه ذكر ذلك البعض ان مقتضى الأصل في المسئلة مع قطع النظر عن النصوص و الإجماع ان تحقق انما هو جواز أخذ الأجرة على الأذان و بنى ذلك على ما اختاره من أخذ الأجرة غير مناف لقصد القربة و للوجوب و الندب و ان المناط انما هو ملاحظة دليل الواجب و المندوب فان ثبتا مجانا كان الأجرة حراما و الا فلا ثم اعتذر عما افاده كلام (المصنف) (رحمه الله) من ان مقتضى القاعدة عدم جواز أخذ الأجرة بأنه مبنى على ما اختاره من كون أخذ الأجرة منافيا لقصد القربة

قوله و على الأشهر كما في الروضة

هذا سهو من قلم الناسخين لانه قال فيها و الأجرة على الأذان و الإقامة على أشهر القولين

قوله و في رواية زيد بن على

(انتهى) لا يخفى انّه (رحمه الله) اقتصر على ذكر روايتين إحديهما رواية زيد و الأخرى رواية حمران التي وصفها بالحسن في المستند و قد ذكر في كتب الأصحاب غيرهما كصحيحة محمّد المروية في كتاب الشهادات من الفقيه كما في المستند لا تصل حلف من يبغى على الأذان و الصّلوة بين الناس اجرا و لا تقبل شهادته قال في المستند و هو نص في التحريم و ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال أخر ما فارقت عليه حبيب قلبي ان قال يا على ان صليت فصل صلاة أضعف من خلفك و لا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا و ما روى عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من السحت أجر المؤذن يعني إذ استوجره القوم و قال لا بأس بان يجرى عليه من بيت المال

قوله و لو اتضحت دلالة الروايات أمكن جبر سند الأولى بالشهرة

أشار بهذا الكلام الى ضعف دلالة الروايات امّا الرّوايتان اللتان ذكرهما فلكونهما أعم من الحرمة و شدة الكراهة و تأكيدها بل لكون لسانهما لسان الكراهة كما أشار الى ذلك صاحب الجواهر (رحمه الله) مضافا الى ان في رواية زيد أمارة أخرى على الكراهة و هي اقترانه بأخذ الأخر على تعليم القران فإنه ليس بمحرّم قال المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) بعد ما ذكر رواية زيد دليلا على حرمة أخذ الأجرة على الأذان ما لفظه و الرواية ضعيفة إلا أنها منجبرة بالشهرة لأن المشهور يقولون بالحرمة و الظاهر انها دليلهم و منجبرة (أيضا) بذكر الصدوق (رحمه الله) إياها في الفقيه لكن الأظهر عندي أن أخذ الأجرة بإزاء تعليم القران لا بأس به و ما ورد في خلافه محمول على التقية و هذه الرواية (أيضا) رواية الزيدية مذهبهم في الفروع مذهب العامة فلأجل ذلك يحصل وهن في البناء على الحرمة نعم الحكم بالكراهة ممكن لحصول الشبهة انتهى و لكن بقي الكلام في غيرهما من الروايات مما ذكرناه فنقول اما صحيحة محمّد فلكونها أعم من الحرمة لورود النهى عن الصلاة خلف من يقدم على منافيات المروّة فلعلّ ذلك مما يشبه تلك أو ان النهى انما ورد في مقام تأكيد الكراهة و اما ما بعدها فلكون سياقها سياق بيان ما يترجح فعله أو يترجح تركه و لهذا قال فيها فصل صلاة أضعف من خلفك و اما خبر دعائم الإسلام فليس مما يعتمد عليه الأصحاب (رضي الله عنه) الا ترى ان صاحب الحدائق (رحمه الله) مع كونه ممن يسلك مسلك الاخبار بين لا يعتمد على ما في دعائم الإسلام من الروايات فقد علمنا ان العلماء (رضي الله عنه) لم تكن فتواهم بالحرمة في هذه المسئلة مأخوذة من خبر دعائم الإسلام و انهم لم يعتمدوا عليه و لم يركنوا اليه و مجرد الموافقة في المضمون لا يكفي في جبر الخبر الضعيف و إذ قد عرفت قصور الاخبار عن الدلالة على الحرمة علمت ان القول بالكراهة أقوى لأن القول بالأولى و ان كان مذهب الأكثر بل مشهور الا ان الشهرة في الفتوى لا تجبر ضعف الدلالة و لما ذكر كله اختار السيّد المرتضى (رضي الله عنه) القول بالكراهة و ان كان قد يقال ان اختياره ذلك مبنى على عدم اعتداده باخبار الآحاد لا على ضعف دلالة أخبار المسئلة لكنه مجرد احتمال غير متعين و لا إشكال في كون موافقيه عاملين باخبار الآحاد فليس حكمهم بالكراهة الا ناشئا من قصور الدلالة على الحرمة و ذكر بعض مشايخنا في وجه ضعف دلالة الروايات ان أوضحها دلالة ما دلّ على المنع عن الصّلوة خلف من يأخذ الأجر على الأذان و عن قبول شهادته و شيء منها لا يدل على كون نفس الأجرة المأخوذة محرمة غاية ما هناك انه يدل على حرمة أخذ الأجر على الأذان المستلزمة للفسق المانع من قبول الشهادة و الايتمام به و لا ملازمة بين حرمة الفعل و بين كون نفس الثمن المأخوذ حراما كما عرفت عدم الملازمة في طي جملة من المسائل المتقدمة اللهم الا ان يدعى الملازمة العرفية في مثل المقام و ان لم يكن لزوم عقلي و لا شرعي هذا و لا يخفى عليك ما فيه لانه لم يظهر من كلماتهم انهم بصدد إثبات كون نفس الأجرة المأخوذة محرمة حتى يقال ان الاخبار الموجودة في المسئلة لا تنطبق عليه بل ليس غرضهم إلّا إثبات حرمة الأخذ على ما هو مقتضى ظاهر عباراتهم التي منها عبارة المحقق (رحمه الله) حيث قال أخذ الأجرة على الأذان حرام و حكى عن المصابيح الاستشكال في دلالة رواية زيد بان قوله (عليه السلام) فيها تبغي يحتمل ان يكون من البغي بمعنى الخروج عن الطاعة و ذلك هيهنا بزيادة التّثويب و نقص الندب الى خير العمل كما يفعله العامة كما يؤيده ذكر قوله (عليه السلام) و تأخذ إذ لو كان تبغي بمعنى تطلب لاستغنى عن ذلك انتهى و هذا الاحتمال مبنى على رواية لفظ الحديث بسقوط لفظة كسبا بعد قوله (عليه السلام) تبغي على الأذان كما وجدته منقولا في بعض الكتب (كذلك) أو على جعل كسبا مفعولا له و كيف كان فلا يخفى بعده على وجه لا ينافي ظهور لفظة يبغى في معنى الطلب و اعلم انه لا فرق في تحريم أخذ الأجرة على القول به بين كونها من معين و من أهل البلد و المحلة و بيت المال قاله في (المسالك) و هو (كذلك) ثم انهم بعد الحكم بحرمة أخذ الأجرة بنوا على جواز الرزق من بيت المال قاله في (المسالك) و الفرق بينهما ان الأجرة

146

تفتقر الى تقدير العمل و العوض و ضبط المدة و الصّيغة الخاصة و امّا الارتزاق فمنوط بنظر الحاكم لا يقدر بقدر و محلّه من بيت المال ما أعد للمصالح من خراج الأرض و مقاسمتها و نحوهما هذا كلامه (رحمه الله) في هذا المقام و قال في باب الأذان و الإقامة نعم يجوز ان يرتزق من بيت المال من سهم المصالح لا من الصّدقات و لا من الأخماس لأن ذلك مختص بفريق خاص انتهى و في (المسالك) (أيضا) في هذا المقام ما لفظه و اما أخذ ما يعد من أوقات مصالح المسجد و نحوها فليس بأجرة و ان كان مقدّرا و كان هو الباعث على الأذان نعم لا يثاب فاعله الا مع تمحض ارادة القربة الى اللّه (تعالى) و فيها (أيضا) ما لفظه و هل يوصف أذان أخذ الأجرة بالتحريم فلا يعتد به أم يكون أخذ الأجرة خاصة محرما نصّ بعض الأصحاب على الأول و وجّهه العلامة (رحمه الله) في (المختلف) بأن الأذان على هذا الوجه لا يكون مشروعا فيكون محرّما و هو متجه لكن يشكل بأن النية غير معتبرة فيه و المحرم انما هو أخذ المال لا نفس الأذان فإنه عبادة أو شعار انتهى و لا يخفى ان أخذ الأجرة بعد ان ارتكب الحرام في تعرضها و أخذها لو تنبه و قال في نفسه هب انى فعلت الحرام فيما فعلت لكني أؤذن قربة الى اللّه فأتى بالأذان بقصد القربة لا لداعي الأجرة كان أذانه صحيحا و ترتب عليه اثاره سواء كان أذان الصّلوة أم أذان الاعلام و لا كلام فيه و لا اشكال و انما الكلام فيما لو أذّن لداعي الأجرة (فحينئذ) نقول ان الظاهر ان الأذان للصّلوة عبادة و ان الأذان للإعلام مجرد شعار و ليس عبادة و انما هو من قبيل المعاملة بالمعنى الأعم و لا ريب (حينئذ) في حرمة الأول و فساده لأن العبادة لا تجتمع مع الحرمة و اما الثاني فالمحكي فيه عن القاضي هو الحكم بالحرمة فيما لو فعله لداعي الأجرة كما هو المفروض و عن مفتاح الكرامة ان المشهور عدم حرمته (حينئذ) و قد عرفت الاستشكال في الحرمة من (المسالك) استنادا الى ان النية غير معتبرة فيه و انّ المحرم انما هو أخذ المال لا نفس الأذان لأنه لا يخلو من ان يكون عبادة أو شعار أو على التقديرين لا يسري إليه الحرمة و أنت خبير بضعفه لان إيجاد متعلق المعاملة الفاسدة بقصد ترتب الأثر عليه و هو هنا أخذ الأجرة محرم قطعا حرمة تشريعية و لا كلام في هذه القضيّة الكلية لأحد فلو استوجر على عمل مشروع فيه الإجارة لكن مع انتفاء شرط من شرائطها كتعيين العوض أو كون المستأجر صغيرا ففعل الأجير ذلك العمل المستأجر عليه كان فعله ذلك محرما و ليس مدعى القاضي أزيد من الحرمة التشريعية فتحصل ان الحق ما ذهب إليه القاضي لكون المعاملة الّتي هي الإجارة فاسدة فإيجاد متعلقها لداعي ترتيب الأثر عليه و هو أخذ الأجرة يصير حراما ثم انّه بعد صيرورة الأذان للصّلوة محرما لا إشكال في انّه لا يترتب عليه آثار الأذان الصّحيح فلا يعتد به للصّلوة سواء كان من شأنه اعتداد نفس المؤذن كان ان المنفرد أم كان من شأنه اعتداد من يسمعه كأذان الجماعة و اما الأذان الإعلامي فهل يترتب عليه الأثر أم لا فنقول قد عرفت من كلام (المسالك) حيث قال فيها فهل يوصف أذان أخذ الأجرة بالتحريم فلا يعتد به ان لازم الحرمة عدم الاعتداد به و عدم ترتيب الآثار عليه و لا بعد في ذلك في مقام التصور و ان لم نلتزم به في مقام التصديق لانه يصير بالحرمة فاسدا لا يترتب عليه الآثار التي منها الاعتداد به في مقام الاعلام و لا يتوهم ان الاعلام قد حصل فلا معنى للفساد لأنّا نرى انه قد يحصل الاعلام بغير الأذان كالسّاعات المنصوبة في المشاهد المشرفة كما هو المتعارف في زماننا و مع ذلك لا يسقط أذان الإعلام شرعا و كذا لو اعتيد الاعلام بالناقوس في بلد فإنه يحصل الاعلام و لا يسقط الأذان الإعلامي شرعا فلا بعد في ان يكون الأذان المحرم مثل الساعة و الناقوس لكن قد أشار الى بعض ما ذكرنا مع المناقشة في هذا الحكم صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال فتحرم الإجارة عليه يعني الأذان و لا حرمة فيه مع إيقاعه لا بعنوان كونه عوض الإجارة بل هو كذلك في العبادة المشترط فيها النية الّتي لا يصحّ الاستيجار عليها فضلا عنه إذ الحرمة في قبض المال عوضا عنها لا تقتضي فسادا بعد ان كان فعلها لا بعنوانه و لا بملاحظته امّا إذا فعله بعنوانه فيمكن الحرمة وفاقا

للمحكي عن القاضي باعتبار النهى عن إجراء المعاملة الفاسدة مجرى الصّحيحة المراد منه بحسب الظاهر نفس الصورة ضرورة تعذر الحقيقة مع العلم بالفساد و لا فرق في ذلك بين القول باشتراط النية فيه و عدمه نعم يقع فاسدا على التقدير الأول امّا على الثاني فيمكن القول بحرمته مع عدم الفساد فتترتب عليه أحكامه من الاجتزاء به و استحباب حكايته و نحو ذلك إذ دعوى ظهور الأدلّة في ترتبها على المحلل دون المحرم يمكن منعها على مدعيها و من ذلك يظهر المناقشة في استنباط الجواز فمن ذكر استحباب حكاية الأذان الذي قد أخذ عليه الأجرة حتى نسب اباحة الأذان و حرمة الأجرة خاصة في مقابلة المحكي عن القاضي الى من ذكر استحباب حكايته كما انه ظهر لك ضعف القول بالإباحة فتأمل انتهى هذا كله في الأذان و هل يحرم أخذ الأجرة على الإقامة قد يقال ان فيه وجهين مبنيين على انها أولى بعدم الجواز لانه لا كلفة فيها بمراعاة الوقت بخلاف الأذان كما عن العلامة (رحمه الله) في النهاية فيحرم أخذ الأجرة عليها و على انها خارجة عن تحت النص الدال على حرمة أخذ الأجرة على الأذان و لا نص فيها بخصوصها فيجوز أخذ الأجرة عليها و لكن في الجواهر بعد رد ما عن العلامة (رحمه الله) بأنه لا يعتبر في العمل المستأجر عليه وجود الكلفة فيه تمسك في الحكم بالحرمة بظهور الأدلّة في المباشرة و انها كخطاب الصّلوة و أحال معرفة ذلك الى ما ذكره في الأذان و قد قدمنا لك حكاية ما ذكره هناك ثم انه لو تعلق غرض رجل ببعض مستحبات الأذان كالشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية من جهة كون مقتضى المقام إعلاء اسمه و ذكره (عليه السلام) في البلد مثلا فأخذ المؤذن الأجر ممن تعلق غرضه بذلك في مقابل ذلك الأمر المستحب لا نفس الأذان كان ذلك جائزا لخروجه عن تحت النص و الإجماع على المنع على تقدير ثبوتهما و ان تنظر فيه صاحب الجواهر (رحمه الله)

قوله و من هنا يظهر ما ذكروه في المقام من حرمة أخذ الأجرة على الإمامة

يعني مما ذكره من عدم جواز أخذ الأجرة على المستحب إذا كان عبادة و ذلك لكون الإمامة من جهة المستحبات التي هي عبادة و هو واضح و لا نعرف خلافا في حكم المسئلة بل (الظاهر) قيام الإجماع عليه و يشهد به بعض ما تقدم من النصوص لو سلمنا دلالته على الحرمة و تمسك بعض مشايخنا في الحكم بحرمة أخذ الأجرة على الإمامة بمنافاة ذلك لقصد القربة مع حكمه في مسئلة أخذ الأجرة على الواجبات و المندوبات التي تقدم عنوانها بعدم المنافاة بين القربة و أخذ الأجرة و تفصى عن التنافي بين حكمية بان ما ذكر من عدم المنافاة بينهما انما هو فيما لو كان المكلف راغبا في الإتيان بالعمل المتقرب به كالحج و زيارة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلم يقدر فاستعان بإجارة نفسه و أخذ الأجرة قال و كل عمل يصدر

147

من أجير من صلاة و صيام و زيارة و غير ذلك لو لم يكن على هذا المنوال فهو محكوم ببطلانه فمن صار أجيرا للصّلوة عن الميت ان كان من نيته الإحسان على ذلك الميّت أو ميت مسلم لكن منعه من ذلك الاشتغال بأمر المعيشة فصار أجيرا صح و الا فلا و فيه نظر يعلم مما تقدم فانا نسئل عن انّ قصده للقربة ان كان بالأمر الناشي عن الإجارة لم يتأت قصد القربة من دون فرق بين ما ذكره و بين غيره و ان كان بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه صحّ قصد القربة من دون فرق بينهما فراجع ما تقدم و تدبر مضافا الى انّه يمكن دعوى الإجماع على بطلان التفصيل المذكور فإنه لم يقل به أحد

قوله ثم ان من الواجبات التي يحرم أخذ الأجرة عليها عند المشهور تحمل الشهادة بناء على وجوبه كما هو أحد الأقوال في المسئلة

تقييد حرمته أخذ الأجرة بعد البناء على وجوب تحمل الشهادة بقوله عند المشهور مبنى على الخلاف في أخذ الأجرة على الواجب و قوله كما هو أحد الأقوال للإشارة إلى الخلاف في أصل وجوب تحمل الشهادة فإن فيه أقوالا ثلاثة أحدها ما هو الموصوف بالشهرة في كلام جماعة من وجوب التحمل إذا دعى اليه و حكى عن الشيخ (رحمه الله) في النهاية و المفيد و الإسكافي و الحلبي و القاضي و الديلمي و ابن زهرة و الفاضلين و الفخر و الشهيدين و غيرهم من المتأخرين و احتجوا عليه بقوله (تعالى) وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا فان ظاهر سياق الآية انها للدعاء الى التحمل لأنها منساقة في معرض الإرشاد الى الأمر بالكتابة و نهى الكاتب عن الإباء ثم الأمر بالإشهاد و نهى الشاهد عن الإباء و يشهد بذلك صحيحة هشام في قول اللّه (تعالى) وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ قال قبل الشهادة و في قول اللّه (تعالى) وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا قال بعد الشهادة و ما عن تفسير الامام (عليه السلام) بعد ذكر التفسير الاتى و في خبر أخر قال نزلت فيمن دعى لسماع الشهادة فأبى و نزلت فيمن امتنع عن أداء الشهادة إذا كانت عنده وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ثانيها ما ذهب اليه ابن إدريس (رحمه الله) حاكيا له عن المبسوط من عدم وجوب التحمل قال و الذي يقوى في نفسي انه لا يجب التحمل و للإنسان أن يمتنع من الشهادة إذا دعي إليها ليتحملها إذ لا دليل على ذلك و ما ورد في ذلك فهو اخبار آحاد فامّا الاستشهاد بالآية و الاستدلال بها على وجوب التحمل فهو ضعيف جدا لانه تعالى سماهم شهداء و نهاهم عن الإباء إذا دعوا إليها و انما يسمى شاهدا بعد تحملها فالاية بالأداء أشبه و الى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في مبسوطه انتهى و لكن عن (المختلف) و الإيضاح أنهما نسبا الى (المبسوط) القول الأول و يدلّ على ما ذكره ابن إدريس (رحمه الله) من كون الآية بالأداء أشبه المروي عن تفسير الامام (عليه السلام) في تفسير هذه الآية من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لإقامتها و ليقمها ثالثها التفصيل بين من له أهلية الشهادة و غيره بوجوب التحمل في الأوّل دون الثاني قال في المستند قيد الشيخ (رحمه الله) في النهاية و جماعة الوجوب بأنه انما هو على من له أهلية الشهادة و أطلق جمع أخر ثم قال و التقييد بالنسبة الى من لا يتصور في حقه الأهلية كالولد على والده و المرأة في الطلاق و نحوه واضح و اما من يمكن في حقه الأهلية (فالظاهر) فيه (أيضا) ذلك لان الشاهد المأمور باستشهاده في الكتاب الكريم انّما هو ممن ترضون من الشهداء فالمنهى عن الإجابة (أيضا) يكون هو ذلك انتهى و لا ريب في بطلان ما ذهب اليه ابن إدريس (رحمه الله) لان الخبرين عن تفسير الامام (عليه السلام) بعد صحة سنده متعارضان و سياق الآية و صحيحة هشام يدلان على القول الأول و يبقى الكلام في التقييد فنقول انه لا ريب فيه بالنسبة الى من يتصور في حقه الأهلية كالفاسق بالفعل الذي يتصور في حقه العدول عن الفسق إلى العدالة فلا مانع من الوجوب في حقه و دعوى دلالة قولنا ممن ترضون على عدم الوجوب في حقه مما لا وجه له لان المفروض انه دعى إلى الشهادة و لو لم يكن ممن يرضى لم يدع إليها و كل مكلف مأمور بأن يجعل نفسه عادلا

[خاتمة تشتمل على مسائل]

[الأولى حرمة بيع المصحف]

قوله مثل رواية أبي بصير (إلخ)

اعلم ان متن الرواية في نسخة معتبرة من الوافي و في نسخة معتبرة من الوسائل مغاير لما هو المذكور في الكتاب و ان اذكر لك ما هو الموجود فيهما لاعتبار النسختين و تطابقهما ففيهما عن ابى بصير قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بيع المصاحف و شرائها فقال انما كان يوضع عند القامة و المنبر قال و كان بين الحائط و المنبر قيد ممر شاة و رجل و هو منحرف و كان الرّجل يأتي فيكتب البقرة و يجيء أخر فيكتب السّورة (كذلك) كانوا ثم انهم اشتروا بعد ذلك فقلت فما ترى في ذلك فقال أشتريه أحب الى من ان أبيعه قال في الوافي أراد بالقامة الحائط فإن حائط مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان قدر قامة و القيد و القاد بمعنى القدر انتهى و ذكر صاحب الوسائل في الحاشية ما يوافقه في تفسير القامة

قوله و مثله رواية روح بن عبد الرحمن و زاد فيه قلت

(انتهى) (الظاهر) انه سهو من قلم النساخ ففي الكافي و الوافي و الوسائل روح بن عبد الرحيم و متن الحديث على ما في الأولين عن روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن شراء المصاحف و بيعها فقال انما كان يوضع الورق عند المنبر و كان ما بين المنبر و الحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك ثم انّهم اشتروا بعد ذلك فقلت فما ترى في ذلك فقال لي اشترى أحب الى من ان أبيعه قلت فما ترى ان اعطى على كتابته اجرا قال لا بأس و لكن هكذا كانوا يصغون قال العلامة المجلسي (رحمه الله) في شرح هذه الرواية ما لفظه الحاصل ان بيع المصاحف محدث و لم يكن فيما مضى قوله أو رجل منحرف اى كان المكان ضيقا بحيث لا يمكن للإنسان أن يمر بالعرض الا منحرفا و كان القران موضوعا في ذلك الموضع انتهى

قوله مع ان هذا كالتزام كون المبيع هو الورق المقيد بوجود هذه النقوش فيه لا الورق و النقوش و ان النقوش غير مملوكة بحكم الشارع مجرد تكليف صوري

يعنى ان البناء على انتقال الخط الذي هو النقش مجرد تكليف صوري كما ان الالتزام بكون المبيع هو الورق المقيد بكونه منقوشا و عدم كون المبيع هو مجموع الورق و النقوش بل كون النقوش غير مملوكة على ما هو مقتضى الشق الأوّل من الشقوق المذكورة تكليف صوري فقوله مجرد تكليف صوري في أخر العبارة خبر ان المذكورة في أوّلها

قوله أو يقال ان الخط لا يدخل في الملك شرعا و ان دخل فيه عرفا فتأمل

لعلّ الأمر بالتأمل إشارة الى ان دخول الشيء في الملك شرعا انما يتخلف عن دخوله في الملك عرفا إذا كان الشارع قد الغى انتفاعاته العرفية كمشاعر العبادة مثل عرفات و منى و اما مع بقاء منافعه العرفية فلا مجال للتفكيك الا ترى ان يصحّ وقف المصحف و الوصية به و انه يورث و انه يحبى به الولد الأكبر بحكم فتاوى الأصحاب و نصوصهم و يكشف عما ذكرنا انه لو غصبه غاصب فأتلفه ضمن للمغصوب منه قيمة النقش دون مجرد الورق و الدّفتين و غير ذلك مما عدا النقش

قوله و من المعلوم ان ملك الكافر للمسلم ان كان علوا على الإسلام فملكه للمصحف أشد علوا عليه

ضرورة كون المصحف أعزّ ما في الإسلام حتى انه أطلق عليه الثقل الأكبر بلسان نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم)

148

قوله و في إلحاق الأدعيّة المشتملة على أسماء اللّه كالجوشن الكبير (مطلقا) الى قوله وجوه

لم يذكر عدم الإلحاق (مطلقا) اكتفاء بمقابلة الإثبات و دلالة المقام عليه و لا يبعد انه سقط من قلم الناسخ

قوله و (حينئذ) فيشكل ان يملك الكفار الدراهم و الدنانير المضروبة في زماننا المكتوب عليها اسم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)

أشار بهذا إلى سكة سلطان إيران محمد شاة فإنه كان تصنيف الكتاب فيعهده و كان من نقشه على الدراهم و الدنانير شاهنشه انبيا محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)

[المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة]

قوله جوائز السّلطان و عماله بل مطلق المال المأخوذ منه (إلخ)

أشار بهذا الى ان عنوان الفقهاء (رضي الله عنه) و ان كان هي الجوائز الا ان تلك من باب المثال فينبغي التعميم في مطلق المال المأخوذ من الجائر بل لنا ان نقول ان خصوص السّلطان و عماله من باب للمثال لان الأحوال الأربع التي ذكرها قد تجري في غيرهما فتجري في الغاصب و المربي و المرتشي و السّارق و من لم يخرج الحقوق الواجبة المتعلقة بماله كما تجري في العشار و غيره من عمال السّلطان

قوله لكن و بما يوهم بعض الاخبار انه يشترط في حل مال الجائر ثبوت مال حلال له مثل ما عن الاحتجاج عن الحميري انه كتب الى صاحب الزمان عجل اللّه فرجه (إلخ)

لا يقال ان هذا الحديث لا ينطبق على ما هو المبحوث عنه هنا لان البحث هنا انما هو عن الصّورة الأولى الّتي هي عبارة عن ان لا يعلم ان في جملة أموال هذا الظالم ما لا محرما يصلح لكون المأخوذ هو ذلك المال و قد ذكر السّائل في أول سؤاله ما هو ظاهر في علمه بكون شيء مما في يده محرّما حيث قال الرجل يكون من وكلاء الوقف مستحلا لما في يده و لا يتورع عن أخذ ماله اى مال الوقف و في أخر سؤاله ما هو صريح في علمه بذلك حيث قال و ان اعلم ان الوكيل لا يتورع من أخذ ما في يده فهل على فيه شيء لأنا نقول ان مجرد عدم تورعه عن أخذ مال الوقف لا يدلّ على كون عين ما أخذه منه مما قد خلطه بماله و كونها موجودة في جملة أمواله إذ لعلّه أخذه فأتلفه فأعطاه على وجه النحلة أو صرّفه في الضيافة و نحوها فينطبق الحديث على ما هو المبحوث عنه

قوله بناء على ان الشرط في الحلّية هو وجود مال أخر فإذا لم يعلم به لم يثبت الحل لكن هذه الصّورة قليل التحقق

لفظة بناء في هذه العبارة تعطي ان في المقام احتمال أخر فيما يشترط به الحل كما ان لفظة يوهم في صدر العبارة قبل ذكر الحديث تعطى وجود احتمال أخر أظهر من احتمال كون الشرط هو وجود المال و (الظاهر) ان ذلك الاحتمال عبارة عن ان يكون الشرط مجرد احتمال كون المال المأخوذ حلالا و ان التعبير عنه بوجود مال أو معاش غير ما في يده كناية عن احتمال الحل في المال المأخوذ للملازمة الغالبيّة و الا فلو فرض انه سرى احتمال الحل في المال المأخوذ أو الظن بذلك من جهة انه شيء أهدي اليه مع عدم وجود مال أو معاش حلال له لزم الحكم بالحل قطعا فليس التعبير المذكور إلا كناية ثم انه حكى بعض مشايخنا محصّل هذا الكلام الذي استفاده (المصنف) (رحمه الله) من الحديث المذكور بأنه (رحمه الله) بنى على اشتراط الحلية في هذه الصورة بالعلم بوجود مال حلال له غير ما في يده مما اجازه به ثم أورد عليه أوّلا بأن المذكور شرطا لحل قبول برّه في الرواية انما هو وجود المال في الواقع لا العلم به و (حينئذ) يكون مفهومه انه ان لم يكن له مال حلال غيره فلا يحل قبوله برّه الا انّه ان لم يعلم بوجود مال حلال له فلا يحل قبول برّه غاية ما هناك انه قد صرح بمفهوم الفقر المذكورة في الرواية بقوله و الا فلا فليس معناه الا انه ان لم يكن له مال حلال غيره في الواقع فلا يحلّ قبول برّه و معلوم انه لا يجوز الأخذ (حينئذ) قطعا لانه على هذا التقدير يكون جميع ما في يده حراما و اين هذا من اشتراط العلم بوجود مال حلال له و ثانيا بأنه على تقدير تسليمه نقول ان ما تضمنته الرواية مما قام الإجماع على عدم اشتراطه فلا عبرة بها و لا يخفى عليك انه (رضي الله عنه) لم يذكر الا ان الرواية توهم الاشتراط و لم يحكم بدلالتها عليه و لم يصرح بالفتوى بمضمونها حتى يورد عليه بان ذلك مخالف للإجماع مندفع به و ان ما ذكره من وجه الإيهام و هو انه إذا لم يعلم بوجود الحلال في مال الجائر لم يثبت الحل حق لان مجرد وجود المال له لا مدخلية له في الحل الا من جهة ان وجوده يصير منشأ للشبهة كما اعترف به المورد في بعض كلماته و إذا كان ذلك من جهة صيرورته منشأ للشبهة فلا يتم ذلك الا باعتبار العلم فيكون مقصود الامام (عليه السلام) انه ان علم الأخذ بوجود مال حلال للمعطى حتى لا يتحقق علمه بكون الجائزة حراما بعينها جاز له الأخذ و الا فلا و بهذا البيان يندفع الإيراد أن جميعا فتدبر

قوله ثم انه صرّح جماعة بكراهة الأخذ و عن المنتهى الاستدلال له باحتمال الحرمة و بمثل قوله (عليه السلام) دع ما يريبك و قولهم من ترك الشبهات نجى من المحرمات (إلخ)

قال في المنتهى متى تمكن الإنسان من ترك معاملة الظالمين و الامتناع من جوائزهم كان الاولى له ذلك لما فيه من التنزه هذا إذا لم يكن حراما بعينه اما إذا كان حراما بعينه فلا يحل له أخذه بمعاوضة و غيرها فان قبضه اعاده على المالك فان جهله أو تعذر الوصول اليه تصدق بها عنه و لا يجوز له إعادتها على غير مالكها مع الإمكان و ان لم يعلمه حراما و لا حلا كان الأصل الحل فيجوز له أخذه و المعاملة عليه عملا بالأصل و ان كان مكروها و كذا أكل مال محتمل للخطر و الإباحة كمال المرابي و غيره من نظائره إذا ثبت هذا فان علمه حراما كان حراما و لا يقبل قول المشترى عليه في الحكم لأن البائع معتضد بالظاهر و هو ان الأصل ان ما في يد الإنسان له و اما إذا علم ان في مال السّلطان الظالم أو المرابي حراما و حلالا و لم يتميّز له فإنه يكره له معاملته و قبول صلته لما فيه من الشبهة سواء قل الحرام أم كثر و بقدر قلة الحرام و كثرته يقل الشبهة و يكثر ثم قال و يعضده ما روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال الحلال بيّن و الحرام بيّن و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرء لدينه و عرضه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك ان يرتع الا ان لكل ملك حمى و حمى اللّه محارمه روى الجمهور عن الحسن بن على (عليه السلام) انّه قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) دع ما يريبك الى ما لا يريبك و هذا مذهب الشافعي (أيضا) ثم قال و انّما قلنا انه مباح عملا بالأصل و بما رواه الشيخ (رحمه الله) في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كل شيء يكون منه حرام و حلال فهو حلال ابدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ثم ذكر رواية مسعدة بن صدقة المعروفة

قوله و ما عن الامام الكاظم (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) لو لا انى ارى من أزوجه من عزّاب آل ابى طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلته

في الوسائل مسندا عن عبد اللّه بن الفصل عن أبيه في حديث ان الرشيد أمر بإحضار موسى بن جعفر (عليه السلام) يوما فأكرمه و اتى بحقة الغالية ففتحها بيده فغلفه بيده ثم أمر ان يحمل بين يديه خلع و بدرتان دنانير فقال موسى بن جعفر (عليه السلام) و اللّه لولا انى ارى من أزوجه بها من عزّاب بنى أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها ابدا و الغالية كما في نهاية ابن الأثير ضرب مركب من الطيب و قوله غلفه بيده معناه لطخه بيده و الضمير المرفوع يعود الى الرشيد و المنصوب الى موسى بن جعفر (عليه السلام) قال في النهاية في حديث عائشة كنت أغلف لحية رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بالغالية اى الطخها به و أكثر

149

ما يقال غلف بها لحيته غلفا و غلّفها تغليفا انتهى و البدرة من المال بالفتح فالسّكون عشرة الاف درهم سميت بدرة لتمامها قاله في المجمع و إذ قد عرفت ذلك نقول انه استدل (المصنف) (رحمه الله) بهذه الرواية على الكراهة الشرعيّة و يمكن المناقشة فيه بعدم دلالتها عليها نظر الى ان امتناعه (عليه السلام) عن القبول لعلّه كان ناشئا من عزة نفسه من حيث ان الرشيد و غيره من الخلفاء كانوا يعطون بعنوان الانعام و البذل و التفوق لا من جهة كون الامام (عليه السلام) مستحقا لذلك فلا تدلّ الرواية على الحكم الشرعي و ليس المقام من قبيل ما يكون منصبه قرينة على ارادة الحكم الشرعي لأن كلامه (عليه السلام) انّما صدر في مورد خاص لبيان وجه فعله الخاص الذي لم يعلم كونه لبيان الشرعيّة بل (الظاهر) انه من أفعاله العادية

قوله فتأمل

(الظاهر) ان الأمر بالتأمل إشارة إلى توهين توجيه المستند في الحكم بارتفاع الكراهة من جهة ان الحكم مطلق شامل لما أفاد قول الجائر الاطمئنان بما أخبر به و ما إذا لم يفده و التوجيه مقيد بما إذا أفاد الاطمئنان فلا يتطابقان و ان ما ذكره دليلا على كون الحكم مختصا بصورة الاطمئنان في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) لا دلالة فيه على ذلك ان لم يكن دليلا على خلافه لانه قال في شرح الإرشاد (الظاهر) انه يجوز قبول ما لم يعلم كونه حراما على كراهية و ان علم كونه حلالا فلا كراهة و لا يبعد قبول قوله في ذلك خصوصا مع القرائن بأن يقول هذا من زراعتى أو تجارتي أو انه اقترضت من فلان و غير ذلك مما علم حليته من غير شبهة و قول وكيله المأمون حين يعطى و غير ذلك انتهى و ذلك لان التقييد بالمأمون في الوكيل و عدم التقييد به في الجائر نفسه يدلّ بحكم المقابلة على عدم اعتبار القيد في غير محله مضافا الى انه لو سلّم كون الحكم مقيّدا في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) توجّه ان يقال انه غير مقيّد في كلام غيره كالعلامة الطباطبائي (رحمه الله)

قوله و لعلّه لما ذكر في المنتهى في وجه الاستحباب إخراج الخمس من هذا المال

قال في المنتهى جوائز السّلطان ان علمت حراما وجب دفعها الى أربابها مع التمكن و مع عدمه يتصدق بها عنه الى ان قال و لو لم يعلم حراما جازتنا و لها و ان كان المجيز لها ظالما و ينبغي له ان يخرج الخمس من جوائز الظالم ليطهر بذلك ماله لان الخمس يطهر المختلط بالحرام فتطهير ما لم يعلم فيه الحرام به اولى انتهى

قوله قال في الشرائع جوائز السّلطان الظالم ان علمت حراما بعينها فهي حرام

وجه كون العبارة ظاهرة في حل المشتبه بالمحصور من الجائزة هو ان منطوقها هو ان الجوائز المعلوم حرمتها بعينها حرام و مفهومها انّه ان لم يعلم حرمتها بعينها فهي حلال و هذا على أقسام لانه امّا ان يكون يعلم ان السّلطان لا يتصرف في المال الحرام و ان ما يتصرف فيه و يباشره بالأكل و الشرب و اللبس و البذل انما هو المال الحلال فهو يعلم ان المال الذي يصلح ان تكون الجائزة منه ليس حراما و اما ان يعلم ان أغلب ما بيده حرام و هذا على القسمين لانه قد يكون على وجه لا يعلم ان فيه حلالا و قد يكون على وجه يعلم ذلك و ذلك لان العلم بحرمة أغلب ما بيده حرام و هذا على القسمين لانه قد يكون على وجه لا يعلم ان فيه حلالا و قد يكون على وجه يعلم ذلك و ذلك لان العلم بحرمة أغلب ما بيده إذا أخذ لا بشرط انقسم الى هذين القسمين و الأخير على قسمين لانه اما ان يكون أحد طرفي الشبهة مما لا يبتلى به المكلف كما لو علم إجمالا ان أحد الشيئين من الدرهم الذي يريد الجائر إعطائه إياه و من حلّي نسائه مثلا حرام و اما ان يكون الطرفان كلاهما من قبيل ما يبتلى به كما لو علم ان شيئا من الدراهم الموضوعة بين يدي السّلطان للانعام بها على الناس الذين هو أحدهم و قد خيّر في أخذ شيء منها حرام لكن لا يعلمه بعينه فيصير حال ذلك حال الإنائين المشتبه طاهرهما بالنجس منهما أو المشتبه مباحهما بمحرّمهما فتحصل من ذلك ان المفهوم شامل بحسب الظاهر لما يجب الاجتناب عنه من المشتبه بالمحصور

قوله أقصاها كونها من قبيل قولهم (عليه السلام) كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال

وجه كون ما ذكره من الخبرين أقصى هو كون الأول مشيرا إلى صورة العلم الإجمالي من جهة اشتماله على الغاية التي هي قوله حتى تعرف الحرام منه بعينه كما سيصرح بها و كون الثاني صريحا في كون الشيء مما فيه حلال و حرام و ليس إلا عبارة عن العلم إجمالا باشتمال الشيء على الحلال و الحرام

قوله و قد تقرر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك فلا بد (حينئذ) من حمل الاخبار على مورد لا يقتضي القاعدة لزوم الاجتناب عنه اه

وجه حكومة القاعدة على الخبرين هو انهما مقيدان بغاية هي معروفة الحرام بعينه التي هي عبارة عن العلم التفصيلي و ان القاعدة تعطي ان العلم الإجمالي الذي يصحّ الأمر معه تنجيز التكليف معتبر يجب العمل على طبقها و ليس ذلك إلا عبارة عن كون العلم الإجمالي بمنزلة العلم التفصيلي في صحة تنجيز التكليف معه لان المفروض هو العلم بالتكليف مع الشك في تعيين المكلف به و قدرة المكلف على الامتثال بالاحتياط فتصير القاعدة مبيّنة لكون المراد بالخبرين غير صورة سريانها فيجب حملها على غير موردها

قوله أو على ان ما يتصرف فيه الجائر بالإعطاء يجوز أخذه حملا لتصرفه على الصحيح

أورد عليه بعض من تأخر بأنه لا وجه للحمل على الصحيح في مفروضنا إذ من المعلوم انه مبنى على ان يكون الصحيح عبارة عن تصرف الجائر في الخراج و المقاسمة و الفاسد عبارة عن تصرفه في مال من أخذ منه المال قهرا من دون عنوان مقرر في الشرع و من المعلوم (أيضا) ان ما حكم به الشارع في خصوص الخراج و المقاسمة انما هو جواز أخذ الآخذ لهما من السّلطان كما سيجيء في المسئلة الاتية إنشاء اللّه (تعالى) لا جواز أخذ السّلطان الجائر لهما من الرعية و تصرفه فيهما فأخذهما و التصرف فيهما حرام في حق الجائر غاية ما في الباب انه يباح لغير السّلطان أخذهما منه بالابتياع و الاتهاب و غير ذلك و (حينئذ) يدور أمر تصرف الجائر بين حرامين أحدهما ما هو حرام في حقه مباح بالنسبة الى من يأخذ منه و هو تصرفه في الخراج و المقاسمة حيث ان الشارع امضى تصرفه فيهما بالنسبة إلى غيره و الا فتصرفه في نفسه حرام و الأخر ما هو محرم في حقه و في حق الأخر و هو تصرفه فيما أخذه من الغير قهرا بدون شيء من العنوانين المذكورين و مع دوران فعله بين الحرامين لا مجرى لقاعدة الصحة ضرورة انه لا صحيح بالنسبة إليه في المفروض و لا مجال لدعوى ان أحدهما أحسن من الأخر حتى يتوجه الأمر في قوله (عليه السلام) ضع أمر أخيك على أحسنه هذا و أنت خبير بسقوطه لأن المبنى الذي ذكره مما لم يصدق به (المصنف) (رحمه الله) و انّما اتى به المورد من عند نفسه و من البين ان تصرف الجائر على وجه صحيح يتصور في تصرفه في ماله المملوك له شرعا بإرث أو هبة أو إهداء أو غير ذلك فليس وجه الحمل على الصحيح منتفيا عما عدا تصرفه في الخراج و المقاسمة حتى يقال انه عند دوران الأمر بينه و بين تصرفه في غيرهما يدور الأمر بين حرامين فلا يجري قاعدة الحمل على الصّحيح

قوله فالحكم في هذه الصور بجواز أخذ بعض ذلك مع العلم بالحرام فيه و طرح قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة في غاية الإشكال بل الضعف

قد يورد عليه بان إخراج المشتبه بالمحصور عن تحت الاخبار و كلمات الأصحاب (رضي الله عنه) مما لا وجه له لانّه الفرد الغالب لمال الجائر لأنه ليس له مكسب و لا مال و انّما يأخذ من الناس ظلما و قد يتفق له مال من إرث و غيره فيصير ما تحت يده من الأموال مرددا بين الحلال

150

و الحرام لا يدرى ان الحرام هو الذي قبضه المجاز من الدراهم أو ما لم يقبضه منها و يندفع بأنه سيجيء ان ما يأخذه الجائر باسم الخراج و المقاسمة يجوز ابتياعه و قبول هبته و لا يجب رده الى أربابه و من المعلوم انّ الغالب كون ما في يده من المال انّما هو ما يأخذه باسم الخراج و المقاسمة و انّ استيلائه على شيء من أموال الناس غصبا و قهرا على وجه يخرج عن العنوانين المذكورين و ان كان قد يتفّق الا انه قليل في كثير بل من قبيل ما يتعلق به الشك الابتدائي و وجود مشتبه محصور مردد بين المأخوذ قهرا و المأخوذ على وجه الخراج أو المقاسمة نادر جدا فيصحّ خروجه عن مدلول الاخبار و عنوانات الأصحاب و ربما دلّ على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ما رواه الفضل بن الربيع عن ابى الحسن الموسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث انّ الرشيد بعث اليه بخلع و حملان و مال فقال لا حاجة لي بالخلع و الحملان و المال إذا كان فيه حقوق الأمة فقلت ناشدتك باللّه ان لا ترده فيغتاظ قال اعمل به ما أحببت فإنه دل على ان وجه رده (عليه السلام) لها هو اشتمالها على حقوق الأمة لكن يوهن دلالته ما وقع في ذيله من ترخيصه (عليه السلام) التصرف للراوي بقوله (عليه السلام) اعمل به ما أحببت لأنه كان اللازم بناء على التحريم هو الأمر بالتصدق به على الفقراء فيتعيّن (حينئذ) بحكم ذيله حمله على الكراهة و من ذلك يظهر وهن ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من احتمال حمل الاعتذار في الرواية المتقدّمة في الكتاب بقوله (عليه السلام) لولا انى ارى تزويج غرابى بني أبي طالب (انتهى) على انّه لولا صرفها فيما يصرف فيه المظالم المردودة لما قبلها و انه يجب أو ينبغي ان يأخذها ثم يصرفها في مصارف الحرام المجهول المالك اللهم الّا ان يقال ان ما وقع في ذيل الرواية الّتي ذكرناها من انه (عليه السلام) قال للراوي اعمل به ما أحببت حيث رخّصه في التّصرّف فيه بما شاء و أراد من قبيل حكايات الأفعال الّتي لا يعلم وجهها فيحتمل ان الراوي كان مستحقا للمظالم المردودة فإنه لقيام الاحتمال (حينئذ) يسقط الاستدلال على خصوص كل من الحرمة و الكراهة لكن لا يوجب الوهن في احتمال الرواية الرواية الأخرى للحمل الذي أفاده (رحمه الله) لأن إيراث الدليل الوهن و نفى الاحتمال عن الدليل الأخر موقوف على تعيين دلالة الأوّل

قوله نعم قد يخدش في حمل تصرف الظالم على الصّحيح من حيث انّه مقدم على التصرّف فيما في يده من المال على المشتمل الحرام على وجه عدم المبالاة بالتصرف في الحرام فهو كمن أقدم على ما في يده من المال المشتبه المختلط عنده بالحرام و لم يقل أحد بحمل تصرفه (حينئذ) على الصّحيح لكن الظاهر ان هذه الخدشة غير مسموعة عند الأصحاب (انتهى)

لبعض المعاصرين في المقام كلام مشتمل على التعريض بما ذكره (المصنف) (رحمه الله) قال بل ربما قيل بان من أقدم على ذلك يعنى المشتبه المحصور لم يقل أحد بحمل تصرفه على الصّحيح لفساد تصرفه في ظاهر الشرع فلا يحمل على الصّحيح الواقعي و لا يخفى أن الجائر قادم على ذلك غالبا بل و على معلوم الحرمة لعدم مبالاته بذلك أو لزعمه ان ذلك سائغ له شرعا إذ لا فرق عنده بين بيعه و هبته و أكلمه و نحو ذلك و المنكر لذلك كالمكابر و دعوى ان الأصحاب لا يعتبرون في الحمل على الصحة احتمال تورّع المتصرف عن التصرف الحرام لكونه حراما بل يكتفون باحتمال صدور الصّحيح منه و لو لدواع أخر يدفعها ان ذلك ان تم لزم منه الحمل على الصحيح مع الاقدام على ذلك ايضا لاحتمال كون العقود عليه في الواقع هو الحلال و مجرد اقدامه غير دافع للاحتمال و لذا لو انكشف له بعد ذلك لم يلزمه تجديد العقد قطعا و الفرق بين الفعلين باحتمال قصد الصحيح في الأول و لو لداع غير التحريم فيحمل على الصحّة بخلاف الثاني لعدم قصده و لا عبرة بمجرد احتمال مطابقته للواقع في نفسه غير مجد بعد معلوميّة عدم اعتناء الجائر بالقصد المزبور و انه لا فرق عنده فيما في يده من الأموال بين معلوم الحل و الحرمة و المشتبه بينهما في الأقدم على اجراء جميع أحكام الملك عليها بل لعل الغالب فيه هو الثالث و إخراجه عن ذلك مدفوع بظاهر النصّ و الفتوى بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص و لعلّ لذا فرق البعض المتقدم يعنى شارح القواعد بين الجائر و غيره بإطلاق الجواز في الجائر و تقييده بغير القادم في غيره لعدم اندراجه في دليله فيرجع فيه الى الأصول و احتمال إرجاع القيد إليه (أيضا) كما استظهره بعضهم بعيد جدا ان لم يقطع بعدمه و ان كان في بعض عباراته ما قد يشهد له الا ان ارتكاب خلاف الظاهر فيه بقرينة الفرق المزبور كأنه أولى و أظهر فالإنصاف ان إثبات الخصوصية لجوائز الجائر مما لا مساغ لإنكاره و اما في غير جوائزه من مقاصة له أو غيرها مطلقا فالمرجع فيه الى الأصول و ان كان الأقوى جواز الاقدام عليه (مطلقا) لعدم ثبوت وجوب اجتناب مطلق الشبهة المحصورة أو لما ورد في السرقة و الخيانة و نحوهما مما يشمل بإطلاقه القادم على المشتبه على نحو الجائر مع عدم الفرق بينها و بين باقي المظالم أو لما ذكروا؟؟؟ في الجائر مع عدم الفرق بينه و بين غيره الا انه قد يفرق بينهما بقيام الإجماع عليه دون غير أو بكثرة النصوص فيه دون غيره أو نحو ذلك أو بما في التجنب عنه من العسر و الحرج إذا الدراهم و نحوها مما يتوقف عليها النظام كلها مأخوذة من يده مع غلبة الاختلاط و الاشتباه فيها على وجه يوجب الاجتناب في غيره انتهى و لعل (المصنف) (رحمه الله) أشار الى بعض ما ذكره بالأمر بالتأمل في ذيل الكلام

قوله و لا ريب ان الحلي يستند في تجويز أخذ المال المردّد الى النص بل الى ما زعمه من القاعدة و لا يخفى عدم تماميتها الا ان يريد به لشبهة الغير محصورة بقرينة الاستهلاك فتأمل

وجه الأمر بالتأمل بطلان المستثنى في ذيل الكلام لان سياق كلامه (ظاهر) في المحصور و الاستهلاك لا يستلزم عدم انحصار الشبهة و تعليله بأنه غير قادر على ردها بعينها صريح في الشمول القسمي الشبهة من المحصورة و غيرها و الحاصل ان ملاحظة مجموع كلامه تقتضي بعدم احتماله للاختصاص بغير المحصورة هذا و تلخيص المقال في المسئلة على وجه يستوفى مجامع الكلام هو انه يدلّ على حل جوائز الجائر في الجملة بمعنى الإطلاق الشامل للأقسام على وجه الإهمال الأصل و الإجماع و السيرة المستمرة إلى زمان أهل العصمة (عليه السلام) بل قبولها من الجائرين منقول عنهم (عليه السلام) و أفعالهم (عليه السلام) حجة كأقوالهم (عليه السلام) و لكن في الاستدلال بالأخير نظر من جهة أنّهم (عليه السلام) كانوا مستحقين و مالكين لما يحبيه الجائر في أعصارهم (عليه السلام) فهم (عليه السلام) قد قبضوا شيئا من حقوقهم و أموالهم و قد يستدل على حلها (أيضا) بالأخبار المذكورة في كلام (المصنف) (رحمه الله) و قد عرفت الحال فيها مما أفاده (رحمه الله) و قد يتمسّك في حلها بالأخبار الناطقة بجواز الشراء من عامل السّلطان من إبل الصدقة و متاع السّلطان و ذكرها في المسئلة الاتية اولى بل متعين ثم انه قد اختلف كلمات الأصحاب في تعيين موضوع القضية المهملة المذكورة فظاهر المحقق (رحمه الله) عدم تحريم الجائزة مع عدم العلم بحرمتها بعينها (مطلقا) و لو مع العلم بكونها من افراد الشبهة بل؟؟؟ ادعى كونه ظاهر الأكثر حيث انهم عبّروا بمثل عبارة المحقق (رحمه الله) بل قيل انه معقد بعض الإجماعات المحكية و نفى الخلاف في كلام بعضهم و نفى الاشكال في كلام بعض أخر بل عن جماعة كثيرة منهم ابن إدريس (رحمه الله) النص على حل ما اشتبه بالمحصور و قد حكاه (المصنف) (رحمه الله) كما حكى عبارة