غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج1

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
167 /
151

لك فهؤلاء الجماعة يقولون بالحلّ حتّى لو كانت الجائزة من قبيل المشتبه بالمحصور غاية ما في الباب ان المتعرضين منهم لمدرك حل المشتبه بالمحصور افترقوا فمنهم من استند إلى القاعدة و هي صيرورتها بمنزلة المستهلكة لعدم القدرة على ردها بعينها و منهم من استند الى النص و سلك صاحب الجواهر (رحمه الله) في المقام مسلكا أخر فإنه حكم بالحل مع اشتباه الجائزة في محصور لكن رد ذلك الى الشبهة الغير المحصورة و بنى على كون حكم الاخبار من حل جوائز الجائر مطابقا للقاعدة قال (رحمه الله) و العلم بان في ماله محرما غير قادح فضلا عما لم يعلم و ان علمت انه يأخذ الأموال ظلما فالظالم (حينئذ) بعد ملاحظة صنعه من كلّ ذي مال مختلط حرامه بحلاله كالعشار و السّارق و المربي و المرتشي و من لم يخرج الحقوق و نحوهم و ملاحظة ما تحت أيديهم من الأموال يندرج في غير المحصور من الشبهة الذي سقط التكليف باجتنابه من باب المقدمة للعسر و الحرج المنفيين آية و رواية و لا يقدح في ذلك ان كلّ واحد منهم لولا حظته بخصوصه كان من الشبهة المحصورة ضرورة عدم الخصوصية عقلا و شرعا لاحادهم فليس هم (حينئذ) إلّا صنفا واحدا مندرجا في غير المحصور لما عرفت و الحصر في أفراده غير مجد إذ أقصاه تعدد الشبهة المحصورة فيجري عليها حكم عدم وجوب الاجتناب انتهى و في مقابل ما عرفت من الحكم يحلّ أخذ المشتبه بالمحصور بشيء من الوجوه المذكورة في كلمات من تقدم ذكرهم القول بوجوب الاجتناب و حرمة الأخذ كما صدر من (المصنف) (رحمه الله) و فصل بعض الأساطين في شرحه على القواعد بين جوائز السّلطان و بين غيرها من جوائز غيره فحكم في الأولى بالحلّ (مطلقا) حتى فيما لو علم اقدامه على الإعطاء من المشتبه المحصور استنادا إلى الإجماع و الاخبار و فرق في الثانية بين ما لو لم يعلم اقدامه على المشتبه المحصور فأجازا الأخذ و بين (صح) ما لو علم اقدامه على المشتبه المحصور فلا يجوز الأخذ هذا فيما لو كان في كلّ منهما تصرف هو من فعل المعطى و ان كان بالإشارة إلى معين اما لو لم يكن هناك فعل من المعطى يستند إليه الأخذ كالأخذ للمقاصة و الأكل للمارة في الجائر و غيره و هما لو أشار الجائر بخصوصه الى مبهم فحكم بالحرمة قال (رحمه الله) فيما حكى عنه و لو لم يعلم كون الجوائز غصبا جاز أخذها من الجائر (مطلقا) للإجماع و الاخبار و من غيره ما لم يعلم اقدامه على المشتبه المحصور لقضاء اليد و أصالة الصحّة فيجوز الأخذ (حينئذ) و ان جاء بها من دار أو دكان أو حجرة أو صندوق فيه غصب أو أشار الى معين من جملة كذلك و لا يعلم حصوله في المدفوع و المعين و لو أشار الى منهم منها قوى المنع كالأخذ للمقاصة و الأكل للمارة لو جاز و للدخول تحت رفع الجناح الا بعلاج عملا بالأصل في غير محلّ النص انتهى فقوله (رحمه الله) فيجوز الأخذ (حينئذ) (انتهى) تفريع على حكم الجائر لكون المفروض من قبيل الشبهة المحصورة و الضمير في قوله و لو أشار الى مبهم يعود إلى الجائر فيكون التشبيه بالأخذ بالمقاصة و أمثالها من أحكام جوائز الجائر لكن يعلم منه حكم جوائز غير الجائر في المشبّه و المشبّه به امّا بالمساواة أو بالأولوية فتدبر ثمّ ان تحقيق القول في المسئلة يتم بالتعرض لما ذكروه من الوجوه و المسالك فنقول اما ما ذكره ابن إدريس (رحمه الله) فلا وجه للاستناد اليه و الاعتماد عليه لانه ليس نصا من الشارع و لا قاعدة مستفادة منه و لا مما قام عليه الإجماع و لا دليل العقل و اما ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في لك من النص على خروج الجوائز عن قاعدة الشبهة المحصورة فلا وجه للتعويل عليه أيضا إذ لا نص يصحّ الاعتماد عليه في الخروج عن حكم الشبهة المحصورة الّذي هو وجوب الاجتناب و ذلك لان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من النصوص قد عرفت حالها و اما ما لم يذكره (رحمه الله) منها مما يتخيل الاستناد إليها في المسئلة فهو على أقسام أحدها ما دلّ على حلّ ما يأخذه السّلطان من الخراج و المقاسمة و هذا القسم لا دخل له بهذه المسئلة و لهذا أفردوا مسئلة الخراج و المقاسمة (صح) عن هذه ثانيها مثل خبر الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) عن الرجل منا يشترى من السّلطان من إبل الصّدقة و غنمها و هو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم فقال (عليه السلام) ما الإبل و الغنم الا مثل الحنطة

و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه الحديث و الغرض المسوق له الكلام في هذا الحديث بعد كون حل الصدقات و أمثالها مما يأخذه الجائر مما كان من شأن السّلطان العادل أخذه من المسلمات و انما نشأ الشبهة من أخذه زيادة على الحق المقرر فقد سئل السّائل عن جواز الشراء من العامل الذي يأخذ أزيد من الحق ليسر بان الشبهة في حل ما يأخذه من جهة كونه أزيد من الحق فأجاب الإمام (عليه السلام) بأن إبل الصدقة ليس حالها الا مثل سائر الأشياء بأسرها كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك فكما يحكم في سائر الأشياء بأن مجرد احتمال وجود الحرام فيما يأخذه لا يوجب حرمة الأخذ عليه (كذلك) إبل الصدقة التي يأخذها السّلطان و عامله فيصير الحديث من حيث مسلمية حلّ الصدقات التي يأخذها الجائر و كون سريان الشك في الحل من جهة أخذ العامل زيادة على الحق دليلا على حكم المسئلة الاتية في كلام (المصنف) (رحمه الله) و لا يدل على حكم هذه المسئلة التي هي جواز أخذ ما يعطيه الجائر إذا كان من قبيل المشتبه بالمحصور بل سؤال السّائل و جواب الامام (عليه السلام) ناظر ان الى الشبهات الابتدائية لأنه من أخذ عامل السّلطان زيادة على الحق يجيء الشك في دخول ما أخذه من الزائد في المال الذي يشتريه فأجاب (عليه السلام) بان حال الصّدقات المذكورة حال سائر الأشياء فكما لا يلزم فيها الاجتناب بواسطة الشكّ الابتدائي كذلك فيما نحن فيه و من هنا يعلم عدم جواز الاستدلال على جواز أخذ المشتبه بالمحصور برواية إسحاق قال سئلته عن الرجل يشترى من العامل و هو يظلم فقال (عليه السلام) يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه أحد و المرسل قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) اشترى الطعام فيجيئني من يتظلم يقول ظلموني فقال (عليه السلام) اشتره و خبر معاوية قال قلت له اشترى من العامل الشيء و انا اعلم انّه يظلم فقال (عليه السلام) اشتر منه و رواية البصري قال سئلته عن الرجل يشترى من العامل و هو يظلم فقال (عليه السلام) يشترى منه و ذلك لان هذه الاخبار لم تتضمن الا ان العامل يظلم و كونه يظلم لا يستلزم العلم بدخول ما أخذه ظلما في خصوص المال الذي يشترى منه و كذا تظلم المأخوذ منه و اخباره عن كون العمال ظلموه فإنه لا يستلزم كون ما أخبر عنه من الظلم متعلقا بالمال الذي اشترى منه مضافا الى ان مجرد اخباره لا يفيد العلم و لا يوجب الاجتناب ثالثها ما كان من قبيل رواية محمّد و زرارة قالا سمعناه يقول (عليه السلام) جوائز العمال ليس بها بأس و هذا القسم لا يتأتى منه شمول المشتبه بالمحصور لكونه أندر افراد جوائز العمال و السّلاطين فهو بمنزلة قوله (عليه السلام) كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فكما ان ذلك محمول على المشتبه بغير المحصور أو كان خارجا عن طرف الابتلاء بحكم ما دل على وجوب الاجتناب عن المشتبه بالمحصور فكذا هذه بل هذه اولى بعدم الدّلالة لعدم تحقق الإشارة فيها إلى صورة العلم الإجمالي فيمكن ان يقال ان الإطلاق لا ينصرف إليها فتحصل مما ذكرناه انه ليس في المقام نص يدل على خروج ما نحن فيه عن حكمة الشبهة المحصورة و اما ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) فيتجه عليه أوّلا ان المال الحرام جنس تحته أنواع كثيرة مثل ما أخذه العشار أو سرقة السّارق أو الربا الذي

152

يأخذ المربي كما اعترف هو (رحمه الله) به و يعتبر في وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة الاندراج تحت حقيقة واحدة و مال السّلطان ليس مندرجا في شيء من حقائق الأموال المحرّمة الأخر فتأمل و ثانيا انا لو منعنا عن اشتراط الاندراج تحت حقيقة واحدة على ما هو الحق من منعه قلنا انه يعتبر في وجوب الاجتناب عن المشتبه بالمحصور كونه مما يبتلى به المكلف فلو خرج عن محلّ الابتلاء لم يلزم الاجتناب و الأموال المغايرة للجائزة فيما نحن فيه مما أشير الى ما ذكره خارج عن مورد ابتلاء أخذ الجائزة و لو فتح هذا الباب من أخذ الجائزة و لو فتح هذا الباب الذي فتحه لم يلزم الاجتناب إلا في قليل من موارد الشبهة المحصورة لأولها على حذو ما ذكره الى غير المحصور

قوله فان كان قبله لم يجز له ان يأخذه بغير نيّة الرّد الى صاحبه

من باب الحسبة و كذا تملكه و الانتفاع به الا ان يلحقه اذن صريح من المالك أو يكون هناك مشاهد حال أو فحوى بحسب المقامات اللائق بها ذلك و يدلّ عليه كلّ ما دلّ على حرمة التصرف في مال من يكون ماله محترما الّا يطيب نفسه

قوله و ان كان العلم به بعد وقوعه في يده كان كذلك (أيضا)

يعني يجب عليه إعادته إلى مالكه أو من يقوم مقامه شرعا كالوكيل و الولي و الدليل عليه بعد الإجماع قول الصادق (عليه السلام) في حديث فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت له ثمّ انه ان لم يعزم على الإعادة بعد العلم كان ضامنا فيصير الحاصل من كلامه التفصيل بين ما لو عزم على الردّ الى المالك بعد علمه بالغصب و بين ما لو لم يعزم بالضمان في الثاني دون الأوّل كما انّه فصّل في صورة العلم بالغصب قبل الأخذ بالضمان فيما لو لم يأخذ بنية الرد الى مالكه من باب الحسبة و عدمه فيما لو أخذ لا بنية الرد

قوله و يحتمل قويا الضمان هنا

يعنى فيما لو علم بعد الأخذ (مطلقا) سواء عزم على الرد الى المالك بعد العلم أم لا و هذا هو الذي جزم به بعضهم معللا بان يده قبل العلم يد ضمان لأنها فرع يد الدافع و ان كان المدفوع اليه جاهلا و عزم على إرجاعها إلى مالكه بمجرد علمه بالغصب و استدل (المصنف) (رحمه الله) لما قواه بأنه أخذه في أول الأمر بنية التملك حيث كان جاهلا بكونه للغير لا بنية الحفظ و الرد و بعموم على اليد ما أخذت و زاد بعض المعاصرين نفى البعد عن الضّمان في صورة العلم بنية الاستنقاذ و الردّ الى المالك قال أيّده اللّه تعالى الا ان مقتضى العموم المزبور يعنى عموم قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت الضمان في الأوّل (أيضا) و ان الاذن شرعا بالقبض غير مناف لذلك و خروج مطلق الامانة عنه غير ثابت مع ان الثاني امانة ايضا فالفرق بينهما محلّ منع و إنكار كون الثاني امانة سيما مع مقارنة العزم على الإرجاع على فرض العلم للقبض في غير محلّه و سبق يد الضمان (حينئذ) محلّ منع بل ذلك كاشف عن عدمه ابتناء انما تكون يده يد الدافع إذا قبضه على عنى قبضه بان يعزم على ان لا يرجعه الى مالكه و لو بعد علمه بذلك لا مع العزم على إرجاعه ابتداء أو بعد العلم مع الغفلة حين القبض عن ذلك بحيث لو تنبّه لعزم على الإرجاع لا على عدمه فالمتجه عدم الفرق بينهما و لا يبعد الضمان فيهما معا كما هو ظاهر المحكي عن جامع المقاصد و غيره انتهى و هو كلام حسن لكنه لم يتعرض لدفع التمسّك بقوله تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ و وجه الدفع ان المراد بالمحسن من حصل منه الإحسان كما هو مقتضى وضعه اللغوي مع العرفي لا من قصد الإحسان و لم يحصل منه ذلك و فيما نحن فيه قد قصد أخذ الجائزة بنية إيصالها إلى مالكها مع تحقق التلف قبل الإيصال إلى الإحسان و لكنّه لم يحصل في الخارج كما انّه فيما لو كان حاصلا فقبضها بنية التملك ثمّ علم فقصد الإيصال المالك ليس الحال الا على هذا للنوال و للّه قد صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث صرّح بهذا المعنى في ذيل قول المحقق (رحمه الله) في مسئلة التقاط البعير فالبعير لا يؤخذ في كلاء و ماء أو كان صحيحا لقوله (عليه السلام) خفه حذاؤه و كرشه سقاؤه فلا تهجه فلو أخذه ضمنه فقال فلو أخذه في صورة عدم جواز أخذه ضمنه بلا خلاف أجده بل و لا اشكال لعموم على اليد مع عدم الاذن شرعا و لا مالكا بل في الروضة لا يجوز أخذه ضمنه بلا خلاف أجده (حينئذ) بنية التملك مطلقا و في جوازه بنية الحفظ لمالكه قولان من إطلاق الاخبار بالنهي و الإحسان و على التقديرين يضمن بالأخذ حتى يصل الى مالكه أو الى الحاكم مع تعذره و ظاهره الضمان حتى مع قصد الإحسان و لعل كذلك للعموم المزبور الذي لا ينافيه قاعدة الإحسان المراد منها ما حصل فيه الإحسان لا ما قصد و لم يحصل انتهى ما أهمنا نقله من كلامه (رحمه الله) فان قلت على ما بنيت عليه من معنى الآية يصير نفى السّبيل عن المحسن لغوا لأنه إذا فرض انه محسن واقعا فليس هناك محتمل للسبيل حتى ينفى و مع انتفاع احتمال ثبوت السّبيل يكون نفيه لغوا بل لا يبقى للاية مورد قلت ليس الأمر (كذلك) فانا إذا فرضنا أن دابة شخص تردت في البئر بحيث لو أبقيت على حالها لماتت حتف أنف و خرجت عن المالية رأسا و فرضنا ان المالك غير مطلع على حالها و انها لو أبقيت على تلك الحالة ماتت قبل زمان إمكان إبلاغ الخبر الى المالك فإذا ذبحها غيره ليطهر لحمها و جلدها و لا تخرج عن المالية رأسا كان محسنا و ان نقص قيمتها بالذبح (فحينئذ) يكون المقام مما للسبيل عليه محتمل الا انّه ينفى عنه لإحسانه فلا يضمن و لا يعزم و كذا الحال في قطع العضو الملدوغ بحيث لو لم يقطع لأرى إلى تلف النفس و كذا في الداء المعروف بالأكلة فان قاطع العضو (حينئذ) محسن من جهة حفظه من تلف النفس و ما ذكرناه من باب المثال و لا يخفى عليك اطراده بعد انفتاح الباب هذا و لكن يبقى هنا شيء و هو انه لو أجبر الأخذ على الأخذ فقبضها قهرا عليه مع نية الردّ الى مالكها بل مع الغفلة عن هذه النية أيضا فلا ضمان عليه للأصل مع عدم اندراجه في عموم قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى لأن المتبادر منه انما

هو الأخذ الاختياري و منه كما قيل ما لو أقهر على أصل القبض الا انه نوى التملك يقبضه أو بعده لأن أخذه أو استدامة يده عليه بهذه النيّة تصرّف فيه و لم يعلم رضا صاحبه به فيحرم فيضمن و التقية تتعدى بدون هذه النية الا انه قد يمنع حرمة ذلك لعدم صيرورته اختياريا بمجرد النيّة و انّما يحرم نفس النية في وجه و ليست سببا للضمان ما لم ترجع الى الاختيار في الاستدامة بان ارتفع القهر عنه و لم يرجعه الى صاحبه و اما مجرد نية التملك و انّه لا يرجعه اليه و لو مع التمكن منه فلم يثبت سببية للضمان لأنها محصورة مذكورة في باب و الأصول محكّمة و عن مفتاح الكرامة انه إذا جبر على الأخذ لا يضمن علم أو جهل فتأمل

قوله و على اىّ حال فيجب على المجاز و ردّ الجائزة بعد العلم بغصبيتها الى مالكها أو وليه

و (الظاهر) انّه لا خلاف في كونه فوريّا قال بعض من تأخر الفور هنا حقيقي حتى انّه يجب الإسراع و العدو في الطريق و عدم التأخير بوجه من الوجوه و لا ينزل الفور هنا على العرفي و لا يراعى كونه مشغولا بشغل مانع عرفا ككونه في الحمام أو مشغولا بالأكل لكونه جائعا و ان كان الفور في أداء سائر الحقوق التي هو اعنى من عليه أمين بالنسبة إليها ينزل على العرفي حتى فيما لو قبضه ابتداء بنية الحسبة و الردّ الى المالك و السرّ في الفرق بينهما ان الفور بالردّ فيما لو كان تسلطه عليه على وجه محرّم انّما هو بحكم العقل من باب رفع الظلم الصادر منه بخلاف ما لو كان أمينا فليس هناك ظلم و ان كان للعقل ايضا مدخل فينزل على العرفي لأن المستفاد

153

من دليل الشرع انما هو ذلك و لعدم حكم العقل في المفروض بأزيد منه أقول قد عرفت انّه قد يكون قابض الجائزة عند دفعها اليه عالما بالحرمة و قد لا يكون (حينئذ) عالما بها لكن يحصل له العلم بها بعد القبض امّا في الصّورة الأولى فإن قبضها بنية التملك كان غاصبا ظالما حكم العقل برفع ظلمه عن صاحب المال فورا فهيهنا نسلّم ما ذكره و ان قبضها بنية إيصالها إلى صاحبها لم يكن ظالما أو لا يحكم عليه العقل بان يترك أشغاله المهمة كالأكل و الاستحمام و يتعب نفسه بالعدو و نحو ذلك و انما يحكم بالاهتمام في أمر ذلك المال بان لا يفعل ما يكون فعله خيانة عادة و لا يترك ما يكون تركه خيانة (كذلك) و اما انه يلزم عليه ان يضرّ نفسه أو يحرج عليها حيث أقدم على استنقاذ مال المظلوم فهو ممنوع بل المعلوم خلافه و امّا في الصّورة الثانية فإن قصد البقاء على تملكه كان حكمه كالقسم الأول من الصّورة الأولى لأنه ظالم (حينئذ) من جهة إقدامه على ما يحرم عليه الاقدام و ان عليه قصد بمجرد العلم رده الى صاحبه و لو على مقتضى الإمكان عادة فالحكم (حينئذ) كالقسم الثاني من الصّورة الأولى فنمنع حكم العقل بالفور الحقيقي و كلام (المصنف) (رحمه الله) انّما هو في الصّورة الثانية كما لا يخفى على من لاحظ كلامه من أول المسئلة الى هنا و عبارته هذه أيضا تعطى ما بيّناه لان قوله بعد العلم بغصبيتها طاهر في طرو العلم بها و تمسّكه بعدم الخلاف دون حكم العقل يؤيد ذلك فاستدراكه سقوط وجوب الفور بإعلام صاحبه به يؤيدهما إذ لا معنى لحكم العقل على عنوان بحكم و حكمه بسقوط ذلك الحكم و تبدله بآخر من دون حدوث تبدل في العنوان فنحن نلتزم في قسمي الصورة الثانية بوجوب الفور من جهة تسالم الأصحاب عليه لا من باب حكم العقل فيهما بل حكمه منحصر في أحدهما و لا نقول بسقوط وجوب الفور بإعلام صاحبه في مورد حكم العقل به و انما نقول به في مورد حكم الشرع و ذلك لانه و ان كان حكم الشرع أيضا في أحد قسمي الصورتين موجودا الا ان حكم العقل نص و حكم الشرع ظاهر و النص مقدم على الظاهر و الظاهر عدم الخلاف في غير ما حكم العقل فيه بوجوب الفور من قسمي الصورتين من جهة وجوب الفور و لا نلتزم (حينئذ) بأزيد من الفور العرفي

قوله و ظاهر أدلّة وجوب أداء الأمانة وجوب الإقباض و عدم كفاية التخلية الا ان يدعى انها في مقام حرمة الحبس و وجوب التمكين لا تكليف الأمين بالإقباض

لا ريب في انه لو أنعم الجائر على غيره بدار أو حمام أو بستان أو حانوت أو دكان و نحوها كان ردها الى مالكها عبارة عن التخلية بينه و بينها و كان عدم التعرض لذلك انما هو لوضوحه و ان بحثهم عن انّه يجب الإقباض أو يكفي التخلية انما هو بالنسبة إلى المنقولات و (الظاهر) انسياق أدلّة أداء الأمانة من الآيات و الاخبار لبيان حرمة الحبس و وجوب التمكين لا تكليف الأمين بالإقباض و لا أقل من عدم الظهور في إثبات التكليف بالإقباض فيرجع الى أصالة البراءة عنه حيث انّه تكليف لم يعلم ثبوته ثم ان قلنا بأنّ الواجب انّما هو الرّد و توقف على الأجرة فتفصيل القول فيه انك قد عرفت ان حال القابض يتصور على وجهين الأوّل ان يكون في حال القبض عالما بكون الجائزة حراما بعينها و قد تقدم ان حكمه (حينئذ) حرمة القبض المستتبعة للإثم إلا بنية الرد من باب الحسبة و وجوب الردّ على المالك أو من يقوم مقامه فلو احتاج الردّ إلى أجرة وجب على القابض بذلها لأنه إذا وجب الرد وجب مقدمة التي هي بذلك الأجرة و لو كانت مالا كثيرا يزيد على أضعاف قيمته بل صرّح بعضهم بأنه يجب عليه الرد و لو توقف على تلف النفس و ان كان هذا لا يخلو عن تأمل و تحقيقه في كتاب الغصب إنشاء اللّه تعالى و اما في صورة القبض بنية الرد من باب الحسبة فلا يجب عليه بذل الأجرة لأنه محسن فلا يكلف بنقله الى المالك بل يبقى في يده أمانة شرعية و إذا لم يجب أصل النقل لم تجب مقدمته نعم يجب عليه اعلام المالك بذلك حتى يأخذه ثم انّه لو توقف الاعلام على الأجرة كما لو كان في بلد بعيد لا يمكن اعلامه الا بتوجيه ساع و نحو ذلك احتمل سقوط الوجوب فيدفع المال الى الحاكم الشرعي لأنه لم يقصد إلا الإحسان فلا يوجه اليه الضرر من جانب الشارع و احتمل بقاء الوجوب حذرا من لغوية أخذه إذ لا فرق بينه و بين الجائر (حينئذ) في عدم وصول المال الى صاحبه و (حينئذ) فيمكن ان (يقال) بوجوب دفع الأجرة عليه لانه قبض مال الغير عالما بكونه مال الغير و انه يجب عليه الإيصال و يمكن ان (يقال) انّه يخبر الحاكم الشرعي حتى يؤدى من بيت المال ان قلنا بأنه لا يختص بالمصلحة الّتي تكون بعد حصولها عامة لجميع المسلمين و يحتمل ان يفصل بين ما لو علم بان اخبار المالك يحتاج إلى أجرة فيجب عليه دفعها لتعمّده ذلك و الا لم يكن فرق بينه و بين الغاصب و بين ما لو لم يعلم فيحكم بشيء من الوجوه السّابقة و لو قلنا في سائر أقسام الأمانة الشرعية مما لم يقدم المكلّف إلى إحرازه باختياره كالثوب الذي حملته الريح الى داره بسقوط وجوب الاعلام لو توقف على الأجرة لم يلزم من ذلك سقوطه هنا و الفرق تحقق الاقدام اختيارا هنا دون ذاك الثاني ان يكون في حال القبض جاهلا بكونها محرمة بعينها و يعلم بذلك بعد القبض و لا إشكال في انتفاء الحرمة عن قبضه لكن يجب عليه الرد ثم انّه يجب عليه بذل الأجرة لو توقف عليه و هل يرجع بها على دافع الجائزة إليه قال في الجواهر نعم لانه غرّه بذلك حيث كان جاهلا و المغرور يرجع على من غرّه و فيه نظر لان رجوع المغرور على من غرّه انّما يسلم فيما إذا استند فعل المغرور الى الغار و اما في مطلق ما يترتب على فعل المغرور فلا الا ترى انه لو باع دارا من غيره ببيع فاسد يعلم بفساده البائع دون المشتري فغرّة فبذلك ثم ان المشترى صنع ضيافة في تلك الدار و صرف طعاما فهل يسع أحد ان يحكم بأن المشتري مغرور فيما بذل فيرجع على البائع و هذا الذي ذكرناه هو القدر المتيقن مما أجمعوا عليه من مؤدى القاعدة و لرواية التي ذكرها على طبق مؤداها غير مستجمعة لشرائط الحجية و الاعتبار فلا يؤخذ بها الا بقدر انجبارها بالإجماع ففيما نحن فيه لا يتحقق الغرور من الجائر غالبا لان حاله في الغالب شاهد بأنّه انّما يتصرّف في أموال الناس على حدّ تصرّف الملاك في أموالهم فيأخذ و يشترى بما أخذه و يصل به أرحامه و أعوانه و ينعم به على خدامه و غيرهم فلا يظهر انه لم يأخذه من الناس و انه مما انتقل إليه بالإرث مثلا حتى يكون غارا للآخذ نعم لو أخبره بأن الجائزة انما هي طلق ماله و ليس مما أخذه من الناس فلذلك أقدم على أخذه الأخذ تحقق الغرور (حينئذ) و اتجه الرجوع على

الجائر بالأجرة على هذا التقدير بخصوصه دون غيره هذا و ربما أمكن ان يمنع الرجوع بالأجرة في صورة الأخبار بان الجائزة انما هي طلق ماله ايضا لا لانه لا فرق بين قول الجائر و فعله في عدم الاعتبار ضرورة وجود الفرق من جهة كون الفعل ساكتا و كون القول ناطقا بل من جهة ان الخسران هنا ليس مما يستند الى فعل الغار فليس هو إلا بمنزلة مصارف الضيافة في المثال المذكور (فتأمل)

قوله و لو جهل

154

صاحبه وجب الفحص مع الإمكان (إلخ)

قال في السرائر بعد الحكم بوجوب رد الجوائز إلى أربابها إن عرفهم ما لفظه فان لم يعرفهم عرف ذلك المال و اجتهد في طلبهم انتهى

قوله ثم لو ادعاه مدع ففي سماع قول من يدعيه (مطلقا) لانه لا معارض له أو مع الوصف تنزيلا له منزلة اللقظة أو يعتبر الثبوت شرعا للأصل وجوه

قال بعض مشايخنا ان هذا المقام ليس من قبيل الدعوى التي لا معارض لها لثبوت اشتغال الذمة المحتاج فيه الى تحصيل المبرء و مجرد دعوى المدعى لا يصلح للإبراء و في الجواهر في كتاب القضاء من ادعى ما لا يد لأحد عليه قضى له به من دون بينة و يمين بلا خلاف أجده فيه بل يمكن تحصيل الإجماع عليه لأصالة صحة قول المسلم و فعله بل كل مدّع و لا معارض له و من باب ان يكون كيس مثلا بين جماعة فيسئلون هل هو لكم فيقولون لا و يقول واحد منهم هو لي فإنه يقضى به ثم ذكر صحيحة منصور بن حازم و جملة مما لا يهمنا ذكره ثم قال هذا كله مع عدم اليد اما معها و لو يد غير ملك باعتراف صاحبها فقد يشكل إلزامه بدفعه اليه بمجرد دعواه ضرورة تحقق الخطأ معها بإبصاله الى مالكه الواقعي و مجرد الدعوى ليس طريقا للفراغ عن الشغل كما ستعرف (إن شاء الله) (تعالى) في كتاب اللقطة انتهى فلا وجه لاحتمال قبول قول من يدعيه (مطلقا) استنادا الى عدم المعارض كما انه لا وجه لاحتمال الاكتفاء بوصف المدعى تنزيلا له منزلة اللقطة لأن الاكتفاء بالوصف انّما ثبت على خلاف الأصل بدليل تعبدي مخصوص بها فلا مساغ للتعدي من مورده الى غيره لانه قياس لا نقول به فلا بد من الثبوت شرعا بقيام البيّنة و هذا هو الحق الذي لا محيص عنه

قوله و يحتمل غير بعيد عدم وجوب الفحص لإطلاق غير واحد من الاخبار

اعلم انّه لا بدّ من دعوى الفرق بين العين و الدين بثبوت اشتغال الذمة بالثاني فلا بد من تحقيق المبرئ بخلاف الأول فإن التكليف بالفحص عنه غير معلوم و مقتضى الأصل هو البراءة و تحقيق المقام ان مثل قوله (تعالى) إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا مما يعطى وجوب أدائها و مقتضى الأصول اللفظية لو شك في اشتراط الوجوب بالعلم بصاحبها هو الإطلاق حتى يثبت الاشتراط فيصير الأداء واجبا مطلقا فتجب مقدمة الّا انه وارد في مقام بيان حكم أخر غير الإطلاق أعني مجرد التشريع على وجه الإهمال كما في قوله (تعالى) أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ و لا تعرض فيه لبيان الكيفيّات الا ان الرواية التي يشير إليها (المصنف) (رحمه الله) عن قريب بقوله و ببعض الأخبار الواردة في حكم ما في يد بعض عمال بنى أميّة الشامل بإطلاقها لما نحن فيه من جوائز بنى أميّة حيث قال (عليه السلام) له اخرج من جميع ما اكسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت و هي رواية أبي حمزة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قد وددت في مقام البيان و محلّ الحاجة و لم يذكر الفحص عند امره بالتصدق و لو كان واجبا كان من الواجب ذكره و بيانه و مثلها غيرها فيكون إطلاق الرّواية المذكورة و نحوها من جهة ورودها في مقام البيان أو الحاجة لحكم الآية و أمثالها الواردة في مقام مجرد التشريع فالأقوى عدم وجوب مبيّنة الفحص كما هو مقتضى الأصل لو فقد الدليل أو كان معارضا بمثله و على هذا فالحكم هو وجوب التصدق كما نطق به الرواية المذكورة و لا يشترط الفحص و كلام جماعة من فقهائنا (رضي الله عنه) منهم المحقق (رحمه الله) خال عن اشتراط الفحص و دعوى احالة ذلك على وضوحه كما ادعاه بعض مشايخنا ممّا لا شاهد عليه و لا يجدى مثل ذلك في نسبة الفتوى إليهم و قد ذكرت ما عرفته من تقريب الاستدلال بالرّواية لذلك البعض فقال ان أمر الأم (عليه السلام) بالتصدق في الخبر المذكور مما لا دخل له بالمقام لان ما وقع بيد السائل انما كان من مال الامام (عليه السلام) من جهة ان بنى أميّة كانوا قد غصبوا حقوقهم (عليه السلام) و كان ما يستوفونه يعود إليهم (عليه السلام) بطريق الملك و أنت خبير بما فيه لان من المعلوم ان من يصير في الديوان ينال المال من السّلطان و من غيره ممن يحتاج إليه فالأول هو الجائزة و الثاني غيرها من أموال الناس و معلوم ان ما أخذه من غير السّلطان لا يصير مال الامام (عليه السلام) بل يبقى على ملك مالكه و لو بنينا على ذلك انسحب الحكم في جميع الدول في جميع الأزمنة فيصير المال للإمام (عليه السلام) و مع استتاره يكون لمن يقوم مقامه من الحاكم الشرعي فأين حكم الجائزة بل كان اللازم ردها الى الحاكم عند عدم العلم بصاحبها مع العلم بحرمتها بعينها مضافا الى ان حكم الجائزة على التفصيل الذي ذكروه من إباحتها ان لم تعلم حراما بعينها و حرمتها ان علم حرمتها بعينها و كون الحكم (حينئذ) هو الرد الى المالك مع معرفته و التّصدق بها مع عدم معرفته قد كان ثابتا للجوائز التي كانت تجري في أزمانهم (عليه السلام) من أهل الدول الباطلة و قد علم مما بيناه ان دلالة الخبر على حكم الجائزة انّما هي بإطلاق قول السّائل فأصبت من دنياهم مالا كثير الشامل للقسمين و من عموم قوله (عليه السلام) اخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم و لا يتوهم ان هذا شامل لما لم يعلم حرمته من الجوائز لأن قول السّائل و أغمضت في مطالبه يدلّ على ان ما اصابه لم يكن مباحا خصوصا بعد قوله (عليه السلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت به فان ذلك يدل على ان كون المال للناس كان مسلما عند السّائل و المسئول و جهل السّائل انما كان بتعيين المالك فتدبر ثم ان فقهائنا (رضي الله عنه) ذكروا انّه ان جهل المالك أو تعذر الوصول اليه تصدق بها عنه و جواز التصدق بها انّما هو بعد الياس عن الوصول الى المالك أو وارثه و المراد بالجهل انّما هو الجهل الصرف الذي لا يشوبه العلم للمنجز للتكليف و لو أحمالا فلو علم به في محصورين لم يدخل فيما حكم عليه بالحكم المذكور و قد أشار إليه ما ذكرناه المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح عبارة القواعد قال (رحمه الله) ينبغي ان يكون ذلك بعد الياس من الوصول اليه و الى وارثه بعد موته و هذا إذ لم يلتبس بجماعة محصورين

فإنه يوقف حتى يصطلحوا انتهى و توضيح الحال يتم ببيان أمرين الأول ان مورد جواز التصدق انما هو ما لو حصل الياس من الوصول الى المالك أو وارثه على تقدير موته و امّا بدونه بان كان له رجاء الوصول فلا يجوز التصدق بل يجب التربص الى ان يحصل له المعرفة به أو اليأس عنها لما دلّ على حرمة التصرف في مال الغير بدون اذن منه و لا من الشارع و هو واضح الثاني ان المراد بالجهل ما قابل العلم المنجز للتكليف الذي هو العلم التفصيلي و الإجمالي في محصور فان عرفه في محصور فالمحكي عن كثير منهم وجوب التخلص منهم بصلح و نحوه و لو بان يخليها بين أيديهم جميعا كسائر الأموال المرددة فيما بين جماعة محصورة و قد يحتمل التصدّق بها عنهم لإطلاق قول الصّادق (عليه السلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت له ان قلنا بصدق الجهالة و عدم المعرفة على ذلك لغة و عرفا و لكن لم يعرف بهذا الاحتمال قابل و ان كان قد يدعى ان إطلاق عبارة المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) شامل له فتأمل

قوله ثم ان الفحص لا يتقيد بالسنة على ما ذكره الأكثر هنا

يعني انهم ذكروا عدم التقييد بها لا يخفى انه يجرى على القول بوجوب الفحص في تحديده بالبأس (مطلقا) أو بالحول (مطلقا) أو بأبعدهما أو بأقربهما وجوه مقتضى

155

الأصل و إطلاق الأدلّة هو الأوّل و مقتضى مرسل السرائر من انّه روى انّه بمنزلة اللقطة هو الثاني و يؤيده ما ورد في وديعة اللّص لمشاركة ما نحن فيه له في المعنى حيث ان كلّا منهما مال لمالك مجهول و قد وقع في يده و مقتضى الاستصحاب و الاحتياط هو الثالث و مقتضى الأصل هو الرابع و هذا البيان انما هو معنى ما ذكره بعض مشايخنا و ألفاظ بعض المعاصرين في كتابه و قال عقيبها بلا فصل و لا يخلو يعنى الرابع من قوة بل لعلّ إطلاق الخير فاض به (أيضا) بناء على عدم فهم اعتبار البأس منه و انّما قلنا به للإجماع عليه و نحوه فان ذلك انّما يسلم إذا لم يمض الحول عليها و الا فحل نظر بل ربما يستظهر من الأكثر الاجتزاء بالحول في جواز الصدقة و ان لم يحصل اليأس كاللقطة و عن التحرير ان اجراء حكم اللقطة هما غير بعيد فتأمل جيدا انتهى و أنت خبير بان من يقول بوجوب الفحص انما يقول به من باب المقدّمة من جهة توقف الأداء الواجب عليه إذ لم يقم عليه دليل تعبدي و معلوم انّه (حينئذ) انّما يكون (حينئذ) بحكم العقل و لا يكون المرجع عند الشك فيه الا العقل و لا وجه للتمسك بأصل البراءة حيث شك في سقوطه كما هو الشأن في جميع ما يحكم به العقل من المقدمات الواجبة بحكمه و غيرها و لا ريب ان العقل لا يرفع حكمه بوجوب الفحص الا بعد الياس و إذا تحقق حكم بعدم الوجوب و السر فيه انه مع الياس يرتفع أصل وجوب الرّد الذي هو ذو المقدّمة فيرتفع وجوب مقدمته و الا فوجوب ذي المقدمة ما دام باقيا كان وجوب المقدمة أيضا باقيا فان العقل كما يحكم ابتداء بوجوب المقدمة (كذلك) يحكم ببقاء وجوبها ما دام وجوب ذي المقدّمة باقيا و قد ذكرت هذا لشيخنا المشار إليه فأجاب بأن التعريف هنا (أيضا) قد وقع في الأدلّة الشرعية فيحمل على المتعارف و ذلك في خبر حفص بن غياث الوارد في وديعة اللص المذكور في كلام (المصنف) (رحمه الله) و فقهاؤنا عارفون بمذاق أهل البيت (عليه السلام) فاستدلوا بإيجاب الفحص هناك على إيجابها هنا و أنت خبير بما فيه امّا أوّلا فلأنهم لم يتمسكوا به هنا الإيجاب الفحص و سيصرح (المصنف) (رحمه الله) بأنّهم لم يتعدّوا من الوديعة المجهول مالكها الى مطلق ما يعطيه الغاصب و لو بعنوان غير الوديعة في ما نحن فيه و لو فرضنا الاستدلال به على الحكم به هنا من بعضهم كان قياسا لا نقول به و امّا ثانيا فلان مدلول ذلك الخبر هو صيرورة حكم الوديعة من اللصّ بمنزلة اللقطة و التعريف بها حولا كما هو صريح ذلك الخبر و ليس المراد هنا إثبات التعريف سنة فتدبر ثم انّه لو فرض قيام دليل تعبدي على وجوب الفحص فشك في مقداره فلا بد و ان يكون المعوّل عليه هو الاستصحاب ما دام الشكّ باقيا و لا مجال لاحتمال التمسك بأصل البراءة فان قلت إذا اعترفت بان العقل يحكم بوجوب الفحص من باب المقدّمة فكيف ساغ لك الحكم بعدم وجوبه قبيل هذا قلت العقل انّما يحكم بوجوب مقدّمة الواجب المطلق و من يحكم بوجوب الفحص من باب المقدّمة يزعم ان وجوب الأداء مطلق بالنسبة إلى معرفة المالك و نحن قد استفدنا من قوله (عليه السلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت كون وجوب الأداء مشروطا بالنسبة إلى المعرفة و مقدمة الواجب المشروط ليست واجبة فلا تجب المعرفة المتحصلة بالفحص و قد ظهر مما ذكرنا من كون وجوب الفحص عند القائل به عقليا سقوط التمسّك بالاستصحاب لاعتبار أبعد الأمرين لأن حكم العقل لا يستصحب كما حقق في الأصول و اما مرسل السّرائر فهو مع ما عليه من الإرسال و ما ذكره المرسل من رده بقوله و هذا بعيد عن الصواب لأن إلحاق ذلك باللقطة يحتاج الى دليل انتهى غير معمول به عند الأصحاب و كون ظاهر الأكثر الاجتزاء بالحول ممنوع و لم يتحقق غاية ما هناك ان العلامة (رحمه الله) نفى البعد عن اجراء حكم اللقطة عليه في محكي التحرير و امّا الخبر الذي أشار اليه و هو رواية أبي حمزة فهو أجنبي عن حديث الياس لا مساس له به وجودا و عدما كما لا يخفى على من تدبر و يبقى الاحتياط بالنسبة إلى الوجه الثالث و (حينئذ) نقول ان أريد به الاحتياط الواجب فلا وجه له لعدم ثبوت التكليف على وجه يشك في المكلف به لما عرفت من كون الحكم بوجوب الفحص و بقائه عقليا على القول به و ان أريد

الاحتياط المندوب فلا نمنعه لكنه خارج عن المقصود بالبحث هذا و ممن لم يقيّد بالسّنة ابن إدريس (رحمه الله) حيث قال فان لم يعرفهم عرف ذلك المال و اجتهد في طلبهم و المحقق الثاني (رحمه الله) حيث قال ينبغي ان يكون ذلك بعد اليأس من الوصول اليه و الى وارثه بعد موته و الشّهيد الثّاني (رحمه الله) في (المسالك) حيث قال و انّما يجوز الصدقة عنه بها مع الياس من معرفته و الوصول اليه

قوله ثم ان المناط صدق اشتغال الرّجل بالفحص نظير ما ذكروه في تعريف اللقطة

أراد بهذا الكلام انّه لا يعتبر التوالي في التعريف و انما يكفي صدق اشتغاله به عرفا و وافقه بعض المعاصرين حيث قال و يكفى صدق الاشتغال بالفحص عرفا نظير تعريف اللقطة و سلك مسلكها بعض من تأخر و زاد ان ما ذكروه في باب اللقطة من التعريف و الفحص المتعارف موافق للقاعدة ولي فيه تأمل لأن لفظ التعريف قد وقع في الأدلة الشرعية الواردة في اللقطة فحمل على المتعارف و ليس هنا دليل شرعي لفظي و الحاكم بوجوب الفحص انما يقول به من باب المقدمة لوجوب أداء الأمانة إلى أهلها بحكم العقل فهو (حينئذ) إنّما يحكم بوجوب ما يتحقق به الأداء فلا يكتفى بمجرد المسمى مع إمكان ما فوقه خصوصا مع اعترافه سابقا في بعض صور المسئلة بان ترك الأداء ظلم فلا يصحّ الاكتفاء (حينئذ) بصدق الاشتغال بالفحص عرفا بل لا بد من الاشتغال بالمقدور و الممكن

قوله و الإنصاف ان الرواية يعمل بها في الوديعة أو مطلق ما أخذ من الغاصب بعنوان الحسبة للمالك لا مطلق ما أخذ منه حتى لمصلحة الأخذ

اعلم ان التعدي من وديعة اللص الى مطلق وديعة الغاصب أو مطلق ما أخذ منه على الوجه المذكور في كلام (المصنف) (رحمه الله) غير مسلم عندي فلا يتقيد الفحص في وديعة الغاصب الذي هو غير اللص بالسنة و انّما نعمل بالرّواية في موردها تعبدا من دون تعد الى غيره فإنهم لم يجمعوا على الإلحاق لأن الفتوى في أصل وديعة اللص ليست اجماعية و انما نسبه في الجواهر في كتاب اللقطة إلى المحقق (رحمه الله) و جماعة فكيف بفرعها الذي يراد الحاقه بها و هو وديعة الغاصب التعدي قياس لا نقول به و ليس في لفظ الرواية إشعار بالتعدي فكيف بالدلالة فافهم

قوله ثم القول بالتصدق هو (المشهور) فيما نحن فيه أعني جوائز الظالم و نسبه في السّرائر إلى رواية أصحابنا

قال في السرائر و يجب عليه ردها على أربابها إن عرفهم فان لم يعرفهم عرف ذلك المال و اجتهد في طلبهم و قد روى أصحابنا انه يتصدق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل و الاحتياط حفظه و الوصية به و قد روى انّه يكون بمنزلة اللقطة و هذا بعيد عن الصواب لأن إلحاق ذلك باللقطة يحتاج الى دليل انتهى و قد عرفت انه جعل الاحتياط في الحفظ و الوصية و ذلك خلاف الرواية التي نسبها إلى الأصحاب و خالف العلامة (رحمه الله) فيما ذكر حيث خيّر في التذكرة بين الصّدقة و الحفظ و الدفع الى الحاكم قال (رحمه الله) فيها و ان لم يعرفه يعنى المالك تصدق بها و يضمن أو احتفظها امانة في يده أو دفعها الى الحاكم انتهى و عن مفتاح الكرامة انهما معا خلاف الاحتياط

156

و الوجه في ذلك واضح لان الحفظ امانة في يده فلا يؤاخذ به لو تلف بدون تعد أو تفريط و الوصية به معرض للمال للتلف و زاد بعضهم بعد الحكم بان تعيين الحفظ أو التخيير بينه و بين الصدقة احتياطا خلاف الاحتياط انه كالاجتهاد في مقابلة النص و الفتوى و هو (كذلك)

قوله و يؤيده (أيضا) الأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصياغين من اجزاء النقدين

إشارة إلى رواية على بن ميمون الصائغ قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما اصنع به قال تصدق به فاما لك و اما لأهله قلت فإنّه فيه ذهبا و فضة و حديدا فبأيّ شيء أبيعه فابعه بطعام قلت فان كان لي قرابة محتاج أعطيه منه قال نعم و بسند أخر عن على الصائغ قال سئلته عن تراب الصواغين و انا نبيعه قال اما تستطيع ان تستحله من صاحبه قال قلت لا إذا أخبرته اتهمني قال بعه قلت بأي شيء نبيعه قال بطعام قلت فأيّ شيء اصنع به قال تصدّق به اما لك و اما لأهله قلت ان كان ذا قرابة محتاجا أصله قال نعم و الظاهر ان قوله (عليه السلام) امّا لك و امّا لأهله إشارة إلى أنّه ان كان اهله قد اعرض عنه و جعله لك كان ثوابه لك و ان كان لم يعرض عنه كان ثوابه له ثم ان بعض من تأخر استشكل في العمل بهاتين الروايتين من جهة انّه كيف يجوز التصدق بمال معلوم المالك فإن إعطاء مال هو حق الإنسان لغير ذي الحق مما لا وجه له و كتب صاحب الوسائل في الحاشية ما ينبئ عن بيان كون التصدق يعود نفعه الى المتصدق و عن رفع هذا الاشكال قال (رحمه الله) لعل وجه التصدق به ان أربابه قد تركوه و لم يطلبوه مع العلم عادة بوجوده و ما اعرض عنه المالك و علم منه إباحته جاز التصرف فيه كما يأتي في اللقطة و غيرها مع كونه قليلا دون الدرهم غالبا و جهالة مالكه (أيضا) في الغالب انتهى و لكن غلبة جهل المالك لا تفيد رفع الإشكال في خصوص المورد الذي عرف المالك بعينه كما هو ظاهر الرواية الثانية لكن الاستشكال في اخبار أهل البيت (عليه السلام) بأمثال ذلك مما لا وجه للإقدام عليه لان ترخيص المالك الحقيقي العالم بالمصالح الكامنة هو الأصل الأصيل و ما أبعد ما بين التعرض لهذا الإشكال الذي وجهه الى العمل بالخبر في مورده و بين ما التزم به في وجوب الفحص في هذه المسئلة من كون مستنده ما دلّ على وجوب الفحص عن وديعة اللص مع تغاير الموردين استنادا الى ان المناط واحد

قوله و اما بملاحظة ورود النص بالتصدق (فالظاهر) عدم جواز الإمساك أمانة لأنه تصرّف لم يؤذن فيه من المالك و لا الشارع و يبقى الدّفع الى الحاكم و التصدّق و قد يقال ان مقتضى الجمع بينه و بين دليل ولاية الحاكم هو التخيير بين الصّدقة و الدفع الى الحاكم

اختلفوا في لزوم مباشرة التصدّق بنفسه أو بوكيله و لو كان هو الحاكم من جهة استنابة المكلف القابض إياه لا من جهة حكومته فيه على أقوال أحدها الإثبات و هو الذي استظهره بعض المعاصرين من كثير منهم استنادا الى ظهور النص و الفتوى في لزوم المباشرة ثانيها لزوم دفعه الى الحاكم لتوقف يقين البراءة عليه و لو بملاحظة انه وكيل عمن بيده المال ان لم يكن له ولاية في الواقع على ذلك أو لأنّه ولي الغائب فالايصال اليه بمنزلة الإيصال إلى المالك أو لأن مجهول المالك للإمام (عليه السلام) كما استظهره (المصنف) (رحمه الله) من رواية داود بن ابى يزيد و الحاكم نائب عنه (عليه السلام) فلا بد من دفعه إليه كسائر حقوقه (عليه السلام) و لا فرق بين كون مجهول المالك ملكا له (عليه السلام) و بين رجوعه اليه (عليه السلام) لولايته (عليه السلام) لصدق الصاحب المذكور في الرواية المشار إليها عليهما معا و احتمال ان خصوص هذا المال قد كان ضائعا منه (عليه السلام) فيكون من معلوم المالك و قد تبرع (عليه السلام) بدفعه الى شيعته فيخرج عن المقام بعيد جدا ثالثها ما ذهب اليه صاحب الجواهر (رحمه الله) من الحكم بالتخيير بين التصدق و الدفع الى الحاكم و انه ليس له التراخي عن فعل أحدهما فلكل منهما الولاية و مستنده الجمع بين ما دل على ولاية الحاكم و بين اخبار التصدّق و التحقيق ان يقال ان اخبار التصدق ظاهرها كون المأمور بفعله هو من بيده المال و إنكار ذلك ينشأ من عدم التدرب في أساليب الكلام بل من عدم التدرب في مداليل الخطابات ضرورة ان الأمر يقتضي مباشرة المأمور للمأمور به حتى يكون فعلا له و الا لم يكن من أفعاله و تقييده بكون الفعل بواسطة الغير يفتقر الى مقيد ينفيه الأصل لو شكّ في وجوده أو قابليته للتقييد كما هو مقرر في الأصول و احتمال ان الأمر بالتصدق قد ورد في مقام الاذن من الامام (عليه السلام) للمخاطب في الفعل الذي هو التصدق لولايته عليه قد يدفع بأنه إذا دار الأمر في أمر الإمام (عليه السلام) بين كونه من باب الولاية و كونه من باب بيان الحكم الشرعي المعبّر عنه بالإفتاء بنى على الثاني لكن الإنصاف انه ممنوع لاشتراكهما في كونهما من وظيفة المعصوم (عليه السلام) و عدم غلبة أحدهما بالنسبة إلى الأخر و عدم اعتبار الغلبة في مثل المقام لو سلمنا وجودها إلا انا نقول ان مرسل السرائر الذي هو العمدة في المقام صريح في الحكم و رواية أبي حمزة ظاهرة لان قوله (عليه السلام) تصدقت جملة خبرية ماضويّة أريد بها الإنشاء فهي ظاهرة في الوجوب دون الاذن كما حققناه في الأصول فتأمل و لكن بعد الالتفات إلى رواية داود بن ابى يزيد و الجمع بينهما يصير المحصل هو التصدق بإذن الإمام (عليه السلام) لكونه وليّا و الإنصاف ان تلك الرواية مجملة محتملة لأن يكون المال قد ضاع من الامام (عليه السلام) و تبرع بالتصدق و محتملة لأن يكون المراد به أنّه لا ولاية لأحد عليه إلّا لي و محتملة لأن يكون المراد انّه لا يملكه لكونه مجهول المالك إلا أنا بل يحتمل ان يكون قد استعار الصاحب لنفسه لمشابهته له في تحصيل البراءة له و ان كان من جهة بيان ما يرتفع به الاشكال و الخوف الذي كان حاصلا للسائل و مع ذلك فهي مشتملة على ما هو موهن لكونه من باب الولاية لأن المذكور فيها انه استحلفه ان يدفعه الى من يأمره و ذلك لان الرّجل لو كان ثقة مأمونا كان للوالي أن يستأمنه من دون استحلاف و لو كان غير مأمون لم يجز استيمانه و على التقديرين فالاستحلاف مما لا مجال له بل هو انسب بكونه قد ضاع منه (عليه السلام) و لم يكن الرجل ثقة فاستحلفه لإلزامه بما يأمره من التصدق بماله الا ان يقال ان مجهول المالك ملك الامام (عليه السلام) و (الظاهر) ان هذا لم يقل به أحد بدليل حكمهم بان من بيده يتصدق به خصوصا مع كون رواية داود بن يزيد في اللقطة كما فهمها الأصحاب و تمسكوا بها في ذلك الباب و ذكرها في الوسائل في باب التصدق باللقطة و قد ورد بيان الامام (عليه السلام) للتصدق باللقطة في جواب من سئله عن حكمها بفعله فعن زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن اللقطة فأراني خاتما في يده من فضة فقال ان هذا مما جاء به السيل و انا أريد أن أتصدق به فالوجه هو جواز تصدقه بنفسه و لا يجب عليه الدفع الى الحاكم إذ لم يثبت من النصوص و الفتاوى ولايته على مجهول المالك

بهذا المعنى اعنى وجوب دفع من بيده المال اليه بحيث لو تصدق هو بنفسه لم يكن جائزا و ان ادعى في الجواهر في كتاب اللقطة في مسئلة وديعة اللص ظهور كلماتهم في كون الامام (عليه السلام) هو الولي في مثل ذلك فإنّه ممنوع و ذلك لان كون الامام (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم كالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ليس معناه الا ما ذكره اللّه عز و جلّ في كتابه بقوله وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ و اين ذلك

157

من حرمة إيقاع الفعل بدون اذنه و عدم مضيه كالقضاء بدون اذنه (عليه السلام) و على فرض ثبوته له (عليه السلام) فقيام الحاكم الشرعي مقامه (عليه السلام) في ذلك لم يثبت إذ لم يتحقق نزيله منزلته في جميع الأمور نعم لا نمتنع من ثبوت الولاية له (عليه السلام) و للحاكم الشرعي بمعنى أخر و هو انه لو سلّم المال من بيده اليه (عليه السلام) أو الى الحاكم الشرعي كان لهما العمل على مقتضى الرأي و النظر و ليس لمن بيده تحديد حد لهما كما في الوكيل الذي قد يوكله غيره على وجه العموم و قد يوكله على وجه الخصوص و (الظاهر) ان مراد الفقهاء (رضي الله عنه) من كلماتهم الّتي أشار إليها صاحب الجواهر (رحمه الله) ذلك و هناك معنى أخر و هو انّه (عليه السلام) و من قام مقامه ولى الفقراء و قد أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بقوله نعم يجوز الدفع اليه من حيث ولايته على مستحقي الصّدقة بقي الكلام من الحكم بالتخيير الذي حكيناه عن صاحب الجواهر (رحمه الله) فنقول قد أورد عليه بوجهين أحدهما ما ذكره بعض المعاصرين من عدم الشاهد على هذا الجمع ان لم يكن على عدمه ثانيهما ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) و هو ان النص الدال على وجوب التصدق ظاهر في تعيين التصدق فلا وجه لصرفه الى التخيير و أوضحه المعاصر المذكور بقوله ان الخاص مقدم على العام مع ظهوره في تعيين التصدق به و نحن نقول (الظاهر) ان مراد صاحب الجواهر (رحمه الله) أدلّة ولايته على الغائب و يتجه عليه (حينئذ) ان ولايته على الغائب انّما هو في حفظ ماله لا في التّصرف فيه بالإتلاف و نحوه ثم انّه هل يجب على الحاكم قبول ذلك المال لو سلمه إليه من بيده ليتصدق به أو يحفظه على القول بالفحص لي ان يتفحص من بيده المال عن المالك أو في الزمان الذي هو مرخص في التصدق به عن المالك اعنى ما بعد مضى حدّ الفحص على القول بوجوبه أو (مطلقا) على القول بعدم وجوبه الوجه على ما اخترناه من عدم وجوب تسليمه الى الحاكم عدم وجوب القبول عليه لثبوت الولاية لمن بيده المال على الحفظ و التصدق و الحاكم انما يجب عليه الحفظ من جهة عدم وجود ولى غيره و المفروض هنا ثبوت الولاية لمن بيده و اما ان قلنا بوجوب دفعه الى الحاكم فالواجب عليه القبول و ليعلم ان ما ذكرناه انما هو بمقتضى الاستدلال و من أراد الاحتياط فليسلم المال الى الحاكم على وجه أعم من التوكيل و الولاية أو يستأذنه و يتأكد ذلك في الدين المجهول المالك إذ قد يقال بالتفصيل بين العين و الدّين و ان الثاني يجب تسليمه الى الحاكم نظر الى ان الكلى لا يتشخص للغريم الّا بقبض الحاكم الذي هو ولى المالك و هذا التفصيل و ان كان يرده الأخبار الواردة في الدين المجهول مستحقه لان ظاهرها ثبوت الولاية للمديون في تسليم ما في ذمته الى الفقراء فيتشخص الكلى بدفعه الناشي عن الولاية ان إلا طريق الاحتياط ما ذكرناه من تسليمه الى الحاكم أو استيذانه و محصّل الكلام في مسئلتى الفحص و التصدق هو ان التصدق مأمور به بالنسبة إلى أقسام مجهول المالك بأسرها كما هو المتحصل من ملاحظة الأخبار الواردة في كل نوع من أنواعه بل في الجواهر في مسئلة وديعة اللص المناقشة في بعض الكلمات بإطلاق ما دلّ على الأمر بالتصدّق بمجهول المالك على وجه يظهر منه ان ذلك حكمه لا انه اذن من الامام (عليه السلام) في ذلك انتهى و هو صريح في وجود الأمر بالتصدّق بمجهول المالك (مطلقا) و كيف كان فوجوب التصدّق بمجهول المالك (مطلقا) مما لا اشكال فيه و امّا الفحص فتفضيله انه في مسئلة الجوائز المجهول مالكها مع العلم بحرمتها و هو الذي عليه الكلام هنا لم يثبت وجوبه و في اللقطة قد ثبت مقدرا بالسنة و مثلها وديعة اللص بدلالة رواية حفص بن غياث و نقتصر فيها على موردها و مدلولها و لا نتعدى إلى وديعة الغاصب (مطلقا) وفاقا لجماعة خلافا لأخرى و لا الى غيرها مما وصل من الغاصب بطريق اولى و فيما لو كان دينا ثابتا في الذمة لمالك مجهول نقول بالفحص الى حد اليأس ففي رواية ابن وهب عن الصادق (عليه السلام) في رجل كان له على رجل حق ففقد و لا يدرى اين يطلبه و لا يدرى ا حيّ أم ميت و لا يعرف له وارثا و لا نسبا و لا ولدا قال ان ذلك قد طال فأتصدق به قال اطلبه و عن الكافي و قد روى في هذا خبر أخر ان لم تجد

له وارثا و علم اللّه منك الجهد فتصدق به و علم اللّه الجهد منه عبارة عن سعيه في الطّلب حتى يحصل له الياس و قد أمر بالطلب في الخبر الأول و مقتضى تقييد كل منهما بالاخر هو الطلب الى حدّ الياس و التصدّق به بعد ذلك و دعوى التلازم بين الدين المجهول مستحقه و العين المجهول مالكها كما صدر من بعض مشايخنا في بعض كلمات حتى يكون حكم العين التي منها الجوائز وجوب الفحص ممنوعة بعد ورود الأمر مقيدا في أحدهما و مجردا عن القيد في مقام الحاجة و البيان كما عرفت رواية ابن حمزة في الأخر

قوله ثم ان حكم تعذر الإيصال إلى المالك المعلوم تفصيلا حكم جهالة المالك و تردده بين غير محصورين في التصدق استقلالا أو بإذن الحاكم كما صرّح به جماعة منهم المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) و غيره

قال في (الشرائع) و ان جهله أو تعذر الوصول اليه تصدق بها عنه انتهى أشار (المصنف) (رحمه الله) الى معيار جهالة المالك و هو كونه مرددا بين غير محصورين و الى معيار معرفة المالك و هو كونه معلوما تفصيلا و هناك قسم ثالث و هو تردده بين محصورين و حكمه التخلص منهم بالصّلح و في الجواهر مازجا كلامه بكلام المحقق (رحمه الله) ما لفظه و ان جهله بعينه و كان بين محصورين تخلص منهم بصلح و نحوه و اين لم يكن بين محصورين بل كان في غير محصور و حصل الياس من معرفته أو تعذر الوصول اليه تصدق بها عنه كما في غيرها من أقسام مجهول المالك الذي حكمه ذلك نصا و فتوى لأنه أقرب طرق الإيصال انتهى و قال بعض المعاصرين لو تعذر الإيصال إلى المالك مع العلم به فقد صرّح كثيرا منهم بأنه كجهالته في التصدق عنه بنفسه أو برحمته الحاكم له بل ربما يظهر من بعضهم الإجماع على عدم الفرق بينهما فان تم جرى عليه حكمها و الا كما هو الظاهر لقلة المتعرضين لذلك فالوجه لزوم دفعه الى الحاكم لعدم شمول أكثر نصوص الصدقة لذلك مع عدم القطع بمساواتهما في ذلك و (حينئذ) فلا مخرج عما دلّ على ولايته على الغائب و نحوه بل في جواز الصدقة له (حينئذ) إشكال و الأحوط حفظها عنده الى ان يتيسر الإيصال إليه بل قد يتعيّن ذلك لحرمة التصرف بدون إذن مالكيّة أو شرعيّة لأن الشكّ في جواز التصدق به يوجب بطلانه لأصالة عدمه ثم قال و قد يستدل على الجواز هنا (أيضا) بإطلاق خبر حفص و ذكر الخبر بتمامه ثم قال الا انه قد يحمل على صورة الجهل به كما هو الغالب بل لعلّ ظاهره ذلك فتأمل جيدا انتهى و لم يذكر وجه الاستدلال و لكنه واضح لانّه قال (عليه السلام) في الخبر المذكور فإن أمكنه أن يرده على صاحبه فعل و الا كان بمنزلة اللقطة (انتهى) فجعل مدار وجوب الرد الى المالك إمكان الرد اليه و جعل مدار وجوب التصدق عدم إمكان الرد اليه و هو أعم مما لو كان المالك معلوما تفصيلا و لكن تعذر الإيصال اليه و ما لو كان مجهولا مرددا بين غير محصور هذا و لكن الاستدلال بهذا الخبر مما لا وجه له لانّه مع ظهوره في الجهل بالمالك يلزمه القول بجريان حكم اللقطة عليه من التعريف حولا و ما بعده الا ان يقال ان مورده لما كان وديعة اللص و هو معمول به في مورده و ثبت بإطلاقه عدم الفرق بين الجهل بالمالك و بين تعذر

158

الوصول اليه ثبت عدم الفرق بين الجهل بالمالك و بين تعذر الوصول إليه في سائر أقسام مجهول المالك بعدم القول بالفصل من هذه الجهة أعني الفرق بين ما جهل مالكه و ما تعذر الوصول اليه لكن لا يخفى ما فيه إذ لم يعلم قصدهم الى عدم التفصيل و ليس ذلك الا من قبيل الموافقة الاتفاقية و عدم جواز التفصيل في مثل ذلك غير معلوم ان لم يعلم عدمه و يمكن الاستدلال على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بمصحّحة يونس المتقدم ذكرها في كلامه عند تأييد الاستدلال على وجوب الفحص عن مالك الجوائز و ذكر في الوسائل في باب جواز الصدقة باللقطة بعد التعريف رواية أخرى عن يونس بن عبد الرّحمن قال سئل أبو الحسن الرّضا (عليه السلام) و انا حاضر الى ان قال فقال رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله و رحلنا الى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شيء نصنع به قال تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة قال لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع به قال إذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه قال له على من جعلت فداك قال على أهل الولاية و الاستدلال بهاتين الرّوايتين و ان منعه بعض مشايخنا بعد ما نبهته عليه استنادا إلى انّه في الرواية الأولى اعنى المصححة قال الراوي و قد ذهب القوم و لا نعرفهم و لا نعرف أوطانهم و في هذه الرواية قال لسنا نعرفه و لا نعرف بلده فيكون مورد الروايتين من قبيل مجهول المالك لا من قبيل ما تعذر الوصول الى مالكه مع العلم به بعينه و قد أنكر أصل الحكم (أيضا) و قال انه مع تعذر الوصول الى المالك لو جاز التصدق لجاز التصدق بسهم الامام (عليه السلام) ثمّ استقرب الاستدلال برواية حفص بن غياث المتقدم ذكرها و لكني أقول انهما واضحتا الدلالة على المطلوب لانه ذكر السائل في الرواية انّه رفيق كان لهم بمكة و معلوم انّه من المستحيل ان يكون للرّجل رفيق لا يعرف شخصه و عينه خصوصا مع كون الاختلاط معه على وجه يبقى بعض متاعه معه لان ذلك لا يتيسّر الا بان يكونا في منزل واحد أو منزلين متقاربين بحيث يستعير بعضهم من بعض ما عونا أو غيره من الأدوات و غيرها (فحينئذ) يكون أقلّ ما يراد بقوله لسنا نعرفه باسمه و نسبه و قبيلته التي هو منها و هذا لا ينافي كونه معلوما و معروفا بشخصه بحيث يمتنع ان يوصف بكونه مجهولا و ذلك لان معروفية الإنسان قد تكون بالاسم الخاص المميّز عن غيره مع عدم معرفة نسبه و سائر أوصافه و قد تكون بمعرفة نسبه الخاص الغير المشترك بينه و بين غيره ككونه ابن زيد مع عدم وجود أخ له و قد تكون بسائر أوصافه كعالم البلد الفلاني مع الانحصار فيه و عدم العلم بشخصه و لا باسمه و لا نسبه و لا غير ذلك و كما ان من بيده المال لو كان يعرف صاحبه بشيء من الأمور المذكورة مع اشتباهه من سائر الجهات كان المال الذي بيده من قبيل معلوم المالك (فكذلك) لو عرفه بشخصه الخاص المميّز له عمن عداه مع عدم معرفته بشيء من سائر الجهات بل هذا اولى بتسميته معلوما لان المقصود من معلوميته من سائر الجهات معلوميّة شخصه دون العكس اللّهم الا ان يقال انك قد عرفت ان المجهول عبارة عن المشتبه بغير محصور و لكن لا (مطلقا) حتى يكون معروف الاسم و النسب المشتبه شخصه بغير محصور مجهولا بل هو عبارة عن المشتبه بغير محصور الذي لا يكون له بالفعل عند من ينسب اليه العلم أو الجهل مميز يفيد معرفته متى ما أريد و لا يكفي افادته المعرفة من باب الاتفاق فمعروف الاسم و النسب المشتبه شخصه بغير محصور له بالفعل مميّز و هو اسمه و نسبه متى ما أريد رفع الاشتباه به حصل ذلك و لهذا لا يكون من عرف اسمه المشترك من المعلوم و (حينئذ) نقول ان معرفة الشخص ليست بحيث متى ما أريد رفع الاشتباه عنه حصل ذلك و انّما هو من باب الاتفاق بمعنى انّه لو اتفق رؤيته له عرفه فلا يكون من المعلوم المتعذر الوصول اليه بل من المجهول و السّر فيما ذكرناه واضح لان ما ليس معروفا بالفعل و ليس له شأن المعروفية و التمييز تفصيلا متى ما أريد لا يصحّ إطلاق المعروف و المعلوم عليه كيف لا و لو كان اتفاق المعرفة في بعض الأحيان كافيا لكان كل مجهول (كذلك) و لكن الإنصاف وجود الفرق بين الجهل الصرف و بين معرفة الشخص فإنه في الثاني سبب التمييز

موجود بالفعل و هو معرفة شخصه الذي لو اتفق الرؤية كان معلوما تفصيلا بخلاف الجهل الصرف فإنّه ليس هناك سبب للمعرفة أصلا فيكون منوطا بنفس ارتفاع الجهل اتفاقا و ان كلمات الأصحاب حيث عبروا بالجهل بالمالك كما في عبارة (المصنف) (رحمه الله) لا تشمل معروف الشخص الذي جهل سائر أوصافه و جعل المعيار هو كون الرّجل مشتبها في محصورين أو غير محصور اجتهاد من بعض المتأخرين و المناط في مداليل الألفاظ التي لم يثبت فيها اصطلاح خاص هو العرف و اللغة و لكن بعد ذلك كله يبقى ان الاستدلال برواية يونس غير مفيد لان حكم موردها معلوم بها سواء دخل في المعلوم أم في المجهول لكن يبقى الكلام فيما لو كان معروفا بشخصه و اسمه و نسبه و لكن تعذر الوصول إليه فإنّه الذي يحتاج إلى إقامة الدّليل عليه و يدلّ على حكم التصدّق بعد الفحص في بعض موارد المسئلة رواية ابن وهب بضميمة خبر أخر تقدم ذكرهما في مسئلة الفحص لكنهما لا تشملان العين لظهورهما في الدين الا ان يدعى عدم الفرق بين العين و الدين

قوله ثم ان في الضمان لو ظهر المالك و لم يرض بالتصدق (إلخ)

القول بالضمان على تقدير ظهوره و عدم رضاه مختار جماعة منهم الشهيد الثاني (رحمه الله) في (المسالك) حيث قال و انّما يجوز الصّدقة بها مع اليأس من معرفته و الوصول اليه و لو ظهر بعد ذلك و لم يرض بالصّدقة ضمن له القيمة أو المثل انتهى

قوله و لا ينافيه اذن الشارع لاحتمال انّه اذن في التصدق على هذا الوجه كإذنه في التصدق باللقطة المضمونة

اعلم ان بعض المعاصرين زاد في مقام ذكر أدلّة القول بالضمان التمسّك بما دل على الضمان في اللقطة و نحوها و لم يتمسّك بها (المصنف) (رحمه الله) و ما ذكره بقوله كإذنه في التصدق باللقطة المضمونة فإنما هو رفع استبعاد عن اجتماع الاذن و الضمان و ليس استدلالا على أصل الحكم بالضمان فان كان ذكر المعاصر المذكور مبنيا على كونه مما تمسك به (المصنف) (رحمه الله) كما يعطيه مساق كلامه حيث ذكره في طي ما تمسك به هو (رحمه الله) لكن من دون تصريح باسمه فهو و هم فافهم

قوله و ليس هنا أمر مطلق بالتصدق ساكت عن ذكر الضمان حتى يستظهر منه عدم الضمان مع السّكوت عنه

أورد عليه بعض المعاصرين بقوله ان الإطلاق موجود و الاحتمال غير قادح في الظهور و أشار بالإطلاق إلى مثل قوله (عليه السلام) في رواية أبي حمزة فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت به و عندي ان هذا الإيراد غير متجه عليه لأن الإطلاق إذا تقيّد بدليل مقيّد و لو منفصلا لا يكون ساكتا

159

عن القيد و فيما نحن فيه المقيّد موجود و هو مرسل السّرائر الذي عرفته فإنّه قيد بالضمان و قد عرفت انّه مؤيد بالإجماع المنقول و عدم وجود الخلاف فهو حجة و قد نفى (رحمه الله) الإطلاق الساكت عن ذكر الضمان و نفى الإطلاق الموصوف بالسّكون لا يقتضي انتفاء غير الموصوف به و السّر فيما ذكر واضح لأن الإطلاق السّاكت انّما يستدلّ به من باب ان السّكوت في مقام البيان يقتضي عدم اعتبار السكوت عنه و بعد ورود المقيّد و لو بدليل منفصل لا يكون الإطلاق ساكتا لانه يكشف عن كون المطلق قد أريد به المقيد من أوّل الأمر فتدبر

قوله الا ان يقال انّه ضامن بمجرد التصدق و يرتفع بإجازته فتأمل

الأمر بالتأمل للإشارة إلى توهين ما استدركه بقوله الا ان يقال (انتهى) من جهة كونه مخالفا للاخبار و كلمات الأصحاب الا ترى الى مرسل السرائر حيث وقع التصريح فيه بقوله و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل و الى ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في لك بقوله و لو ظهر بعد ذلك و لم يرض بالصّدقة ضمن له المثل أو القيمة حيث علق الضمان على عدم الرّضا بعد الظهور

قوله اما تحكيما للاستصحاب حيث يعارض البراءة و لو بضميمة عدم القول بالفصل

أورد بعض المعاصرين على استصحاب الضمان في صورة سبق يد الضمان بضميمة عدم القول بالفصل بينها و بين صورة عدم سبق يده بقوله و في الضميمة تأمل كالمنضم اليه بعد توجه الأمر بالصّدقة و قال بعد جملة من الكلام و قد يحتمل الضمان مع سبق يده خاصة للاستصحاب الحاكم على الأصل و فيه مع تسليم اعتباره في نحو المقام ان إطلاق الأمر حاكم عليه (أيضا) و الا كان مقتضى جواز الرجوع بالعين مع بقائها عند الفقير و لم يقل به أحد انتهى فتحصل من مجموع ما ذكره إيرادات ثلاثة أولها عدم جريان الاستصحاب في هذا المقام و هذا الوجه أورده بعض مشايخنا (أيضا) مصرحا بان مراد الأصحاب (رضي الله عنه) ليس هو ترتيب الضمان بمجرّد التصدق حتى يشك في بقائه بعد ظهور المالك فيستصحب بل مرادهم هو التضمين بمعنى ان لصاحب المال ان يضمن المتصدّق فالضمان الأوّل قد زال بالتصدق المأمور به من جانب الشارع فالمقصود إثبات ان لصاحب المال ان يضمن المتصدق و هذا الضمان أمر حادث بتضمين المالك و اختياره العزم فيحتاج الى دليل و ليس له حالة سابقة حتى يستصحب و الا كان حكم الضمان ثابتا بعد ظهور المالك و قبل اختياره العزم بحكم هذا الاستصحاب و لم يقل به أحد من الأصحاب و ليس هذا مرادهم بل كان ثابتا قبل ظهور المالك و بعد التصدّق لجريان هذا الاستصحاب فالحاصل ان ما حكم به الأصحاب انّما هو جواز ان يضمن المالك المتصدق و هو الذي عبّروا عنه بان له ان يختار العزم فيضمن المتصدق و هو غير مسبوق بالعدم بل مقتضاه ان الضمان السابق قد ارتفع بالتصدق فلا يثبت ما أفتوا به باستصحاب الضمان الثابت باليد ثانيها ان إطلاق الأمر بالتصدق عقيب ذلك الضمان الثابت باليد حاكم عليه ثالثها ان عدم القول بالفصل ممنوع و هذا الوجه بظاهره لا وجه له إذ لم يوجد قول بالفصل من أحدكما لم يوجد قول بنفي الضمان (مطلقا) باعتراف المعاصر المذكور في الثاني و هيهنا وجه أخر في الاستدلال على الضمان عند اختيار المالك إياه قد يسبق الى بعض الأوهام و هو ان التصرف في ملك الغير بغير اذنه غير جائز خرج عنه التصدّق على وجه يضمنه و بقي غيره تحت أدلّة حرمة التصرف و لكن لا يخفى على الناقد البصير ان هذا لا وجه له لان مقتضى هذا الوجه هو ان يكون من بيده المال يجب عليه ان يتصدق ناويا للضمان عازما على الخروج من عهدة المال و ليس هذا من مقصد الأصحاب و انما قصدوا ان للمالك ان يضمن المتصدق فهو من الأحكام عندهم لا مما لا يجب ان يقصد و يعتبر في عنوان الفعل الذي هو التصدق و ثبوت الضمان لو اراده المالك لا يعقل ان يكون مخرجا لفعل المتصدق عن عنوان حرمة التصرف لأن إخراجه فرع صلاحيته لصيرورته قيدا للفعل منوعا له و هو فرع كون القيد فعلا له و ليس (كذلك) بل هو فعل غيره و خارج عن اختياره بل لا علم له به أصلا و محصّل الكلام في المسئلة ان الاحتمالات الجارية هنا لا تخلو عن وجوه أحدها ان يكون الحكم بالضمان ثابتا من أوّل الأمر اعنى من حين التصدق الا ان للمالك ان يرفع الضمان بإمضاء التصدق و هذا و ان كان لا يجرى فيه بعض الأدلّة كاستصحاب ضمان اليد متمما بعدم القول بالفصل من جهة ان ثبوت الضمان بالتصدق غير الضمان الثابت سابقا باليد العادية الا ان بعض الأدلة يجري مثل قاعدة الإتلاف لكن ليس هذا مراد الأصحاب كما هو مقتضى تعبيرهم بأنه يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل و نحوه من التعبيرات المفيدة لمعناه مضافا الى ان لازم ذلك هو ان يجرى عليه بعد التصدق حكم الدين و لا يلتزمون به كما عرفت البيان ثانيها ان يكون الحكم هو الضمان من أول الأمر لكن مراعى بعدم الإجازة من المالك و هذا الوجه يندفع أوّلا بأنه ليس من مقصد الأصحاب لأن لازمه جواز ان يرجع المالك الى العين إذا وجدها باقية في يد الفقير و لم يقل به أحد و لو توهم متوهم احتمال كون تحقق التصدق مراعى بإجازة المالك كالفضولي رفعناه بظاهر النص و الفتوى المناطقين بتنجز التصدق و انّما الكلام في الضمان و باستلزامه عدم جواز تصرف المتصدق عليه الا بعد ظهور المالك و أجازته لعدم الجواز قبلها كما هو (كذلك) في المشتبه مع وضوح بطلانه قطعا بالنص و الفتوى و السيرة مستمرة على إجراء أحكام الملك عليه و ثانيا بأنه يحتاج الى دليل خاص يدلّ عليه و لا يكفي في إثباته أدلّة الضمان الواردة على وجه الإطلاق و ليس

فليس و أورد بعض مشايخنا على هذا الوجه بان لازمه ان لا يجوز للفقير التصرّف فيه الى ان يتحقق الإجازة من المالك و لا ارى لهذه الملازمة وجها لان المفروض ان المتصدق صار ضامنا بالتصدق لإخراج المال به عن ملك المالك و صار الضمان مراعى بعدم اجازة المالك فالذي وجد مراعى انما هو الضمان دون التصدق نعم لازم كون تحقق نفس التصدق مراعى هو ذلك و قد ذكرناه و اين هو من كون الضمان مراعى و الفرق بين الوجه الأوّل و هذا الوجه هو ان الضمان في الأول ثابت الا ان للمالك ان يرفعه بإمضاء التصدق و في الثاني الضمان متزلزل كبيع الفضولي مراعى بعدم اجازة المالك فإمضاء التصدق في الأوّل بالنسبة إلى الضمان أشبه شيء بإقالة النادم و عدم اجازة المالك في الثاني بالنسبة إلى الضمان بمنزلة إجازة الفضولي الموجبة لاستقرار البيع ثالثها ان يحدث الضمان بعدم رضى المالك بما فعله المتصدق و تضمينه إياه و هذا هو مراد أصحابنا و لكن

160

لا تنهض تلك الأدلّة بإثباته فأين قاعدة الإتلاف الّتي مقتضاها كونه سببا تامّا من هذا المقام و اين الاستصحاب و غيره رابعها ان يكون المرخص فيه هو التصدّق ناويا للضمان عازما على الخروج عن عهدة المال ان لم يرض المالك بالتصدق و هذا ايضا ليس من مقصد الأصحاب فإنهم لم يعتبر و العزم على الضمان في الموضوع و انّما جعلوا نفس الضمان من أحكام عدم الرّضا المالك بالتصدّق بعد ظهوره و اطلاعه على ما فعله من بيده المال و إذ قد عرفت ذلك كله فاعلم ان الحق في المسئلة هو الضّمان إذا لم يرض المالك بالتصدق و اختيار تغريم المتصدّق دليلنا على ذلك مرسل السّرائر و هو ما ذكره بقوله و قد روى أصحابنا انّه يتصدّق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل انتهى مؤيدا بالإجماع الذي ادعاه بعض الأساطين في شرحه على القواعد و بعدم وجود مخالف في الحكم المذكور و المرسل المؤيّد بالعمل حجة خصوصا مع تأيده بالإجماع

قوله و اما للمرسلة المتقدّمة عن السّرائر و امّا لاستفادة ذلك من خبر الوديعة ان لم نتعد من مورده الى ما نحن فيه من جعله بحكم اللقطة لكن يستفاد منه ان الصّدقة بهذا الوجه حكم الياس عن المالك

لعلّ وجه الاستفادة و ان لم يصرّح به هو (رحمه الله) ان جملة يصيبها فيعرفها حولا صفة للّقطة و يصير الحاصل ان وديعة اللص بمنزلة اللقطة بعد التعريف حولا و ان قوله (عليه السلام) فإن أصاب صاحبها (انتهى) تفريع على قوله (عليه السلام) كان في يده بمنزلة اللقطة فيكون بيانا لوجه الشبه الا ان هذا الوجه ينافيه تأنيث الضمير في قوله (عليه السلام) فإن أصاب صاحبها و قد ذكر الضمائر قبل قوله (عليه السلام) بمنزلة اللقطة في صاحبه و ان يرده و لا يرده مع انّه يستلزم ان لا يعمل بالرواية في موردها الذي هو وديعة اللص و قد اشتمل كلامه (رضي الله عنه) على عدم التعدي من موردها المشعر بالعمل بها فيه و قد صرّح بها سابقا و الظاهر في وجه الاستفادة هو تنقيح المناط بان يقال ان المناط في التصدق على وجه الضمان في اللقطة هو انّه بعد تعريفها سنة يحصل الياس من المالك و هو موجود هنا ايضا ثم ان بعض المعاصرين حكى الاستناد الى الخبر و المرسل المذكورين على عكس الترتيب في ذكرهما الواقع في كلام المصنف (رحمه الله) ثم أورد عليه بقوله و الخبر قاصر الدلالة كالمرسل إذ مقتضى عموم المنزلة لم نعثر على قائل به في المقام بحيث يفرق بين الدرهم فما دون و لقطة الحرم و نحو ذلك مع قصور السّند انتهى و يفهم من هذا الكلام أمران أحدهما قصور دلالة خبر حفص و هو في محلّه و ثانيهما قصور دلالة المرسل و لكنه مندفع بان هذا الإيراد مبنى على ان مراده (رحمه الله) بمرسل السرائر ما ذكر فيها بقوله و روى انه يكون بمنزلة اللقطة و هو توهم فاسد لان مراده بمرسل السرائر ما ذكر فيها قبل هذه الرواية في العبارة التي حكيناها سابقا بعينها و قد روى أصحابنا انه يتصدق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل (انتهى) و هو صريح الدلالة على المطلوب و كان الوهم قد سرى إليه أيده اللّه تعالى من عدم ذكر المصنف (رحمه الله) للضمان عند حكاية مرسل السّرائر سابقا فرأى ان القدر المذكور لا مساس له بمسئلة الضمان فجعل المرسل في كلامه هنا عبارة عن قوله و قد روى انّه يكون بمنزلة اللقطة

قوله و لو مات المالك ففي قيام وارثه مقامه في إجازة التصدق و رده وجه قوي لأن ذلك من قبيل الحقوق المتعلقة بذلك الأموال فيورث كغيره من الحقوق

و هذا هو الأظهر كما لا يخفى على من تدبر في أدلّة المسئلة و قواعد الشرع فانا نفهم منها ان الأمر بالتصدق انّما هو من جهة عدم إلغاء الشارع حق المالك المتعلق بذلك المال فتعلقه به غير منقطع عنه و أدلّة الإرث الجارية في سائر الحقوق جارية فيه ايضا و دعوى ان المتيقن من أدلّة المسئلة الدالة على الرجوع على التصدق انّما هو كون المالك متسلّطا على الرجوع اليه دون غير المالك مدفوعة بعد تسليمها بان عمومات الإرث ناطقة بانتقال الأموال و الحقوق الى الوارث فنحن نستفيد الانتقال منها لا من خصوص اخبار المسئلة فبعد ثبوت الحكم في حق المالك يحصل بانضمام أدلّة الإرث إليها ذلك

قوله و يحتمل العدم لفرض لزوم التصدّق بالنسبة إلى المعين

يعنى انّه حكم تعبدي متعلق بالعين

قوله و لو مات المتصدق فرد المالك فالظاهر خروج الغرامة من تركته

لا يخفى انّه ان لم يكن له تركة لم يكن للمالك سلطنة على ورثة المتصدق و هو واضح و إن كان له تركة فقد استظهر (المصنف) (رحمه الله) خرج الغرم من تركته اما لانه من ديونه كما هو الظاهر من كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال ينبغي ان يعزم على الضمان لو ظهر صاحبه فلم يختر الصّدقة لكن لا يحتسب بذلك من ديونه ما دام صاحبه غير ظاهر انتهى فان مفهومه انّه يحتسب من ديونه إذا ظهر صاحبه و اما لانه من الحقوق المالية اللازمة عليه بسبب فعله قلت الظاهر ان مراد صاحب الجواهر (رحمه الله) ايضا هو هذا الوجه إذ لا نفهم محصلا لكونه دينا بعد ظهور المالك و تغريمه و عدم كونه دينا قبل ذلك الا انّه كان للمالك حق الإلزام بالعزم فإذا تحقق الإلزام من المالك تنجز الدين على المتصدق و عن شرح القواعد إطلاق القول بأنّه لا يحتسب من ديونه و لعلّ مبناه عدم انصراف الدين الى ذلك أو ظهور النصوص في كون الغرامة من المالك ما دام حيا فلا تعطى إثبات الغرامة لو ظهر المالك بعد موت المتصدق و اختياره عدم إمضاء التصدق أو ان المتيقن من نصوص الباب ذلك و الأصل عدم تعلق الحق بالتركة و عموم التسبيب على وجه يشمل المقام محل تأمل و كيف كان فلازم ما ذكره في شرح القواعد كما ذكره بعض مشايخنا عدم تحقق الضمان لو ظهر المالك بعد موت المتصدّق فلم يرض بالتصدق لانّه نفى احتسابه من ديونه فلا يلزم في تركته بظهور المالك ورده للتصدق بعد موته لان ثبوته في تركته ينافي كونه من ديونه هذا و لكن الظاهر ان ذلك حق ماليّ لا مجرّد حكم تعبدي ثبت من جانب الشارع في حال حيوة المتصدق فيتعلّق بتركته على وجه التنجز بمجرد رد المالك التصدق و ان كان بما ذكره في شرح القواعد موافقا للأصل على مذاقه من عدم كونه من ديونه لاستصحاب عدم تعلقه بتركة المتصدق بعد موته بمجرد ردّ المالك

161

قوله و لو دفعه الى الحاكم فتصدّق به بعد الياس (فالظاهر) عدم الضمان

ينبغي ان يعلم أولا انه هل يجوز لمن بيده المال ان يدفعه الى الحاكم بعد الياس بدلا عن التصدق به أو يبقيه امانة في يد الحاكم كذلك ظاهر لك ذلك لانه قال فيها بعد الحكم بجواز التصدق و ترتب الضمان على تقدير عدم رضى المالك بعد ظهوره ما لفظه و يجوز دفعها الى الحاكم و إيقاعها امانة في يده و لا ضمان فيهما انتهى ثم انه قال بعض المعاصرين و لو دفعه الى الحاكم فقد سلم من الضمان كما نص عليه كثير منهم لوصوله إلى ولي المالك باعتبار غيبته أو تعذر الوصول اليه و ذلك بمنزلة الوصول اليه و لو تصدق به الحاكم ففي ضمانه وجهان أو قولان و لا يبعد العدم كما نص عليه بعضهم للأصل و لان تصرف الولي كتصرف المولى عليه مع الشك في انصراف دليل الضمان الى ذلك ان لم يكن ظاهره من بيده المال خاصة و لكن قد يقال بأنه أعم و ان الغرامة حكم شرعي تعلق بالمتصدق (مطلقا) و ان كان حاكما و الفرق بينه و بين غيره بثبوت الولاية له دون غيره مدفوع بثبوتها لغيره (أيضا) و تصرفه ماض كالحاكم و لذا لا يسترد المال من الفقير مع رد المالك (مطلقا) و لا فرق في ذلك بين دفعه الى الحاكم قبل اليأس أو بعده إذا المدار على وقوع التصدق منه من جهة ولايته لا من جهة وكالته عن الدافع التي يكون بها كغيره بمنزلة نفس الدافع و ربما يقال بان المدار على التكليف بالتصدق فان كان المكلف به هو الدافع لكون الياس عنده و الحاكم وكيلا عنه فالغرم على الموكل و ان كان المكلف بالتصدق هو الحاكم لكون الدفع اليه قبل الياس فالغرم عليه و فيه ان الأوّل لو دفعه اليه بعنوان ولايته عن الغائب لا على جهة الوكالة عنه كالثاني و مجرد توجه خطاب التصدق به اليه دون الثاني غير قاض بالفرق بينهما انتهى و علل بعض مشايخنا عدم ضمان الحاكم بعد اختباره بان الشارع قد نصب الحاكم لكفاية مهمات عامة العباد فتضمينه مع إرجاع تلك المهمات الكثيرة التي يتفق فيها الخطاء و أسباب الضمان كثيرا غير موافق للحكمة مضافا الى عدم ظهور الأدلة و الإطلاقات في شمول ضمان الحاكم فيرجع الى الأصل و مقتضاه براءة ذمته عنه للشك في توجه التكليف بالضمان اليه ثم انه لو كان المجاز هو الحاكم ابتدأ و اتفق علمه بكون المالك مجهول فتصدق به ثم ظهر المالك فلم يرض بالتصدق و اختار العزم فهل يضمن الحاكم (حينئذ) أم لا مقتضى تعليله بان الشارع قد نصب الحاكم لكفاية مهمات عامة العباد و هو عدم الضمان و قد صرّح شيخنا المشار اليه بالتزامه و مقتضى ما ذكره المعاصر المذكور من كونه وليا هو عدم الضمان إذ لا فرق في ولايته على مال الغائب بين ما لو وصل اليه ابتداء أو بعد الوصول الى من ارجع أمر اليه و هذا بخلاف التعليل المذكور فان مقتضاه ان التصرف الذي صدر منه لكفاية أمور الناس يعذر فيه دون ما هو فيه كأحد من الناس و مثله ما لو أصاب الحاكم بنفسه لقطة هذا و ينبغي تتميم الكلام في المقام بالتعرض لأمور متعلقة بالتصدق مما لم يتقدم لها ذكر أحدها انه بعد وجوب التصدق هل هو فوري كالزكاة أم يجوز التراخي فيه على وجه لا يؤدى الى ان يصدق عليه انه متهاون في أداء الواجبات و ذلك ان الأموال التي يجب إيصالها إلى الفقراء على قسمين أحدهما ما هو حق للفقير فيصحّ ان يقول الفقير اين حقي و هذا مثل الخمس و الزكاة فإنه يصح لمستحقهما ان يطلق عليه اسم الحق المضاف اليه و ثانيهما ما ليس حقا للفقير كالكفارة فإنه لا يصحّ للفقير ان يقول لمن تجب عليه اين حقي فيطلق عليه اسم الحق المضاف إليه (فحينئذ) نقول لا دليل على كون المال المتصدق به في هذا المقام من قبيل الأول و انما هو من قبيل الثاني فيجوز له التأخير على وجه لا يعد بسبب التأخير متهاونا الا على قول من يلتزم بكون مطلق الأمر للفور الذي حققنا في الأصول بطلانه و الا فليس في المقام بخصوصه دليل على الفور و ربما يستفاد من كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) فإنه قال في مقام إثبات التخيير بين التصدق بنفسه و بين الدفع الى الحاكم ما لفظه الا انه للجمع بينه و بين ما دل على ولاية الحاكم مخيّر بين الأمرين اللذين ليس له التراخي عن فعل أحدهما انتهى و لكنه ليس صريحا في الدلالة على الفور لاحتمال ان المراد بالتراخي الإعراض هذا ثانيها ان المذكور في التذكرة انه ان لم يعرفه تصدق

بها عنه انتهى و في القواعد ما لفظه و تعاد على المالك ان قبضها فان جهله تصدق بها عنه و هما صريحان في كون التصدق عن المالك الذي هو صاحب المال فيعود ثواب بذله اليه و لكن ليس في الاخبار التي هي مستند الحكم بالضمان تصريح بذلك و ان كان يستفاد من الاخبار الواردة في نظائر المسئلة حيث ذكر في بعضها فان جاء صاحبها بعد ذلك خير بين الأجر و الغرم فان اختار الأجر فله الأجر و ان اختار الغرم غرم له و ان كان الأجر له و على تقدير كون ثواب التصدق يعود الى المالك هل يجب ان ينوي كون التصدق عن صاحب المال أم يكفي مطلق قصد التصدق فنقول لا دليل على وجوب قصد كونه عنه و لم يتعرض له الأصحاب و لعله لوضوحه عندهم ثالثها انه هل يجب التصدق بعين المال أم يجوز ان يبيعه و يتصدق بثمنه قال بعض مشايخنا بالثاني لأنّه ورد في تراب الذهب و الفضة و غلة الوقف انه يبيعه و يتصدق بثمنه فيستفاد منها الترخيص من جانب الشارع في هذا النوع من التصدق رابعها ان المذكور في كلام أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) و عبارات الأصحاب انه يتصدق به و ظاهره بل صريحه التصدق بعينه و هل يجوز ان يحفظ العين و يوجرها و يتصدق بما حصل من إجارتها فنقول قد تعارف الإجارة في العقار و الضياع المجهول مالكها و تحصيل الغلة و دفعها الى الفقراء في زماننا هذا و ما دونه من العلماء خصوصا في بلاد العجم و لا نجد لذلك مستندا و لا مفتيا ممن يعد اسمه في عداد الفقهاء و لعله لمراعاة جانب المالك و الاحتياط له من جهة إبقاء العين و الاجتناب عن الضمان لو اتفق ظهوره لانه قد يتفق ظهوره مع الياس و لكن هذا لا يتم على الإطلاق لبنائهم على ذلك فيما حصل القطع بعدم ظهور المالك و على تقدير تمامية ذلك على الإطلاق في الضياع و العقار فهل يصح مثله فيما كان من قبيل المنقولات فيجوز إجارته و التصدق بغلته أم لا لم نجد في ذلك مفتيا و لا دليلا

قوله و على الثاني فالمعروف إخراج الخمس على تفصيل مذكور في باب الخمس

يعنى على الثاني من الأقسام الأربعة لما إذا كان الاشتباه موجبا لحصول الإشاعة و الاشتراك و أشار بوصف إخراج الخمس بكونه معروفا الى خلاف من تأمل في ذلك كالمحقق الأردبيلي (رحمه الله) أو مال الى خلافه كصاحب (المدارك) و تبعه عليه الكاشاني بل و الخراساني في (الظاهر) بل ربما استظهر (أيضا) من ترك جماعة من القدماء التعرض للحكم بوجوب الخمس في المال المختلط بالحرام فأوجب عزل ما يتقن انتفاؤه عنه و الفحص عن مالكه الى ان يحصل الياس و يتصدق به على الفقراء كغيره من

162

مجهول المالك الذي ورد بالتصدق به النصوص و أشار بالتفصيل المذكور في باب الخمس الى صور المسئلة و أقسامها مثل انه لو لم يعلم زيادة الحرام على مقدار الخمس اكتفى بالتخميس (حينئذ) و انه لو علم زيادة الحرام على مقدار الخمس قطعا اكتفى بالتخميس أو تصدق بما علم زيادته عليه بدعوى انصرافه الى غير المفروض على تردد أو خلاف في ذلك و مثل انه لو كان المال الممتزج بالحرام مما لم يخمس بعد فإنه يخمس المجموع ثم يخمس ماله الغير المخمس الى غير ذلك من الصور

قوله و على الثاني فيتعين القرعة أو البيع و الاشتراك في الثمن

يعنى على الثاني في القسمة الأولية و هو ما لا يكون الاشتباه موجبا لحصول الإشاعة و الاشتراك و (حينئذ) فإن أقرع أخذ ما أخرجته القرعة باسمه و دفع ما عداه الى صاحبه ان كان معلوما و الى وليه الذي هو الحاكم الشرعي ان كان مجهولا و ان بيع توقف مضى البيع على اذن المالك أو إجازته ان كان معلوما أو اذن وليه أو إجازته ان لم يكن معلوما ثم بعد حصول الاشتراك في الثمن بعد البيع ينقطع الشركة بقسمة المالك فقد علم من ذلك ان مورد التخميس انما هو ما حصل فيه الإشاعة و الاشتراك دون غيره و لكن هذا الحصر غير مصرح به في كلماتهم ففي الجواهر السابع مما يجب فيه الخمس الحلال إذا اختلط بالحرام و لم يتميز صاحبه اصلاحتى في عدد محصور و لا قدره (أيضا) أصلا و لو على الإشاعة مما اختلط معه انتهى و مثله غيره ممن تقدم عليه و يختلف الحال على التقديرين من تقييد (المصنف) (رحمه الله) و إطلاقهم فيما لو حصلت عنده أصناف من المال من كل من النقدين و الصفر و النحاس و البسط و الفرش و الأواني و نحو ذلك مثلا بأعيانها و فيها حلال و حرام و هو في هذه الحالة لا يدرى ان الحرام واحد من تلك الأصناف أو ما زاد كما انه لا يدرى انه من أي الأصناف بعينه و لا يعرف صاحبه فإنه ليس المال (حينئذ) بالنسبة إلى الأصناف المذكورة مما يحصل فيه الإشاعة فلا يجرى فيه التخميس على مذاق (المصنف) (رحمه الله) بخلاف ما ذكروه من الإطلاق و الأدلة تساعد ما ذكروه ففي رواية ابن زياد عن الصادق (عليه السلام) قال ان رجلا اتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين انى أصبت مالا لا اعرف حلاله من حرامه فقال اخرج الخمس من ذلك المال ان اللّه عزّ و جلّ قد رضى من المال بالخمس ضرورة انه يصدق على المال المفروض انه لا يعرف حلاله من حرامه بل لو فرض انه علم ان واحدا من تلك الأصناف بتمامه حرام من دون احتمال الحرمة فيما زاد على الواحد صدق عليه انه لا يعرف حلال ذلك المال من حرامه و دعوى ان المال ينصرف الى النقود و من شأنها الإشاعة عند الاختلاط تقابل بالمنع من أصله مضافا الى إباء قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية المذكورة عنه حيث قال (عليه السلام) فيه ان اللّه قد رضى من المال بالخمس و معلوم ان الخمس المشروع في الأموال غير مختص بالنقود هذا و لكن الفرض الأخير خارج عن الاخبار الدالة على تخميس المختلط بالحرام عند الجميع و لعل السر فيه ان المنساق من عدم معرفة حرامه من حلاله هو غير الفرض الأخير أو ان كون واحد من تلك الأصناف بمقدار الخمس نادر فيكون وجوب إخراج الزائد عن الواحد موجبا لحرمة ماله الحلال عليه و إخراج الناقص عنه موجبا لحل الحرام له ففي ذلك مخالفة الواقع غالبا فتختص الأدلة الدالة على وجوب تخميس المختلط بالحرام بغير الفرض الأخير و تكون مخصّصة لأدلة القرعة كما انها مخصّصة لأدلة التصدق بمجهول المالك على تقدير شمولها لما نحن فيه و عدم اختصاصها بمعلوم القدر

قوله و اعلم ان أخذ ما في يد الظالم ينقسم باعتبار نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة

أراد باعتبار نفس الأخذ ما لا يكون من جهة المال المأخوذ و ان كان ذلك الاعتبار لأمر خارج وجهة من الجهات

[المسألة الثالثة ما يأخذه السلطان باسم الخراج و المقاسمة و الزكاة]

قوله و كان الامام (عليه السلام) يأبى عن أخذها أحيانا معللا بان فيها حقوق الأمة

قد قدمنا الرواية الناطقة بذلك عند قول (المصنف) (رحمه الله) في صورة الثانية فالحكم في هذه الصور بجواز أخذ بعض ذلك مع العلم بالحرام فيه و طرح قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة في غاية الإشكال

قوله قلت فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا

قال في الوافي المصدق بتشديد الدال العامل على الصدقات و هو القاسم (أيضا) ثم قال و في التهذيب أغنامنا مكان أنعامنا انتهى

قوله و ثانيا من جهة توهم الحرمة أو الكراهة في شراء ما يخرج في الصدقة

يعني في شراء المخرج ما أخرجه هو في الصدقة و ان كان شراؤه ما أخرجه غيره مما لا اشكال فيه

قوله و في وصفه (عليه السلام) للمأخوذ بالحلّية دلالة على عدم اختصاص الرخصة بالشراء بل يعم جميع أنواع الانتقال الى الشخص

لا يخفى ان وصفه (عليه السلام) للمأخوذ بالحلية لم يقع في الرواية صريحا و انما استفيد من نظم الكلام حيث سئل السّائل عن شراء الإبل و الغنم المأخوذة بزيادة عن الحق الذي يجب عليهم فأجاب (عليه السلام) بتعميم المأخوذ بتشبيه الإبل و الغنم بالحنطة و الشعير و غير ذلك ثم نفى (عليه السلام) البأس بقوله لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه فيجتنب يعنى لا بأس بما ذكر من المأخوذ يعرف الحرام بعينه فأفاد ان المناط في الحل عدم معرفة الحرام بعينه و يؤيده الحكم بالاجتناب في صورة معرفة الحرام بعينه الشامل للشراء و غيره

قوله فقال ما يمنع ابن ابى سماك

اختلف نسخ الاخبار في هذه الكلمة ففي بعضها بالسين المهملة و الكاف و في أخر بالسين المهملة و اللام و في فثالث بالشين المعجمة و اللام و الاختلاف المذكور موجود في قوله (عليه السلام) بعد ذلك ما منع ابن أبي سماك

قوله و ان تعجب منه الأردبيلي (رحمه الله) و قال انا ما فهمت منه دلالة ما و ذلك لان غايتها ما ذكر

لم يتقدم لما أشار إليه ذكر في كلام (المصنف) (رحمه الله) و انما تقدم ذكره في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) قبل نقل كلام المحقق الكركي (رحمه الله) حيث انه قال ليس فيها دلالة أصلا الّا على الذم على عدم إعطاء مال من بيت المال الذي لمصالح المستحقين من الشيعة عند إعطائه لغيرهم و اين هذا من الدلالة على جواز أخذ المقاسمة من الجائر على العموم الذي تقدم انتهى

قوله ان الرواية ظاهرة في حل ما في بيت المال مما يأخذه الجائر

و لا اختصاص له بخصوص المنذور و الموصى به

قوله ثم أؤاجرها من أكرتي

الأكرة جمع الأكار و هو الحراث

قوله قال أرادوا بيع تمر عين أبي زياد و أردت أن أشتريه فقلت لا حتى استأمر أبا عبد اللّه (عليه السلام)

(11) يعنى انه خطر بذهني أن أشتريه ثم كففت نفسي عن ذلك الى ان استأمر الإمام (عليه السلام) قال في الوافي أبو زياد كان من عمال السّلطان و لعله أراد بقوله ان لم يشتره اشتراه غيره انه ان أخاف ان يكون ذلك اعانة للظالم فليس كما ظن فإن الإعانة في مثل هذا الأمر العام المتأتي من كل أحد ليس بإعانة حقيقة أو ليس بضائر انتهى و لكن لا يخفى عليك انه بعد تسليم كون أبي زياد من عمال السلطان لا يتم دلالة الحديث الا بما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من إثبات كون عين أبي زياد من الأملاك الخراجية و لا شاهد عليه فيحتمل ان تكون من الأملاك المغصوبة من الامام (عليه السلام) و يؤيد هذا الاحتمال قوله (عليه السلام) ان لم يشتره اشتراه فان (الظاهر) انه مسوق لبيان رفع الشبهة عن قلب السائل من حيث انه وقع ما وقع فلا يتفاوت الحال بالنسبة الى الامام (عليه السلام) من جهة شرائه و شراء غيره و اما ما ذكره صاحب

163

الوافي من ان الإعانة في مثل هذا الأمر العام المتأتي من كل أحد ليس إعانة حقيقة أو ليس بضائر فلا يخفى سقوطه لان العموم لا ينافي صدق مفهوم الإعانة و لا تحقق حكمها كيف لا و جباية الخراج و الصدقات و شهادة الجماعات و الجمعات من قبيل هذا الأمر العام المتأتي من كل أحد و قد ذم الامام (عليه السلام) من أعان بنى أميّة بمثل ذلك و يظهر من كلام العلامة المجلسي (رحمه الله) في حواشي الكافي ان مورد الحديث ليس من موارد الإعانة على الإثم و انما هو من موارد الردع عن المنكر و النهى عنه لانه قال في تفسير قوله (عليه السلام) و انه ان لم يشتره اشتراه غيره اى لا يصير عدم شرائه لرد المال الى صاحب الحق ثم قال و يحتمل ان يكون مما غصب منه (عليه السلام) انتهى و لعل السر في الوجه الأول هو ان الغاصب مسئول على المال يتصرف فيه بأنواع التصرفات من أكل و بيع و إمساك و نحو ذلك فهو واقع في الحرام و لا بوجود المشتري مقدمة للحرام بالنسبة إليه لأن إمساكه (أيضا) حرام لكن إذا صار الامتناع من الشراء سببا لرد المال الى صاحبه كان ذلك نهيا عن المنكر لكنه هنا لما كان لا يؤثر لم يجب فتأمل و ذكر المولى التقي المجلسي (رحمه الله) في توجيه الحديث ما لفظه لعله كانت الأرض مغصوبة و هم زرعوها بحبّهم و الزرع للزارع و لو كان غاصبا و يمكن ان يكون من الأرض المفتوحة عنوة و جوزه (عليه السلام) لان تجويزه يخرجه عن الغصب أو جوز (مطلقا) لدفع الحرج عن أصحابه انتهى

قوله قال قال لي أبو الحسن (عليه السلام) مالك لا تدخل مع علىّ في شراء الطعام إني أظنك ضيقا قلت نعم و ان شئت وسعت علىّ قال اشتره

قال في الوافي كان على يشترى الطعام من مال السّلطان و لعله كان أرخص من غيره و الضيق يحتمل ضيق اليد و ضيق الصّدر انتهى قلت لا محتمل لضيق اليد لانه لا يناسبه قوله (عليه السلام) اشتره في جواب قول السائل ان شئت وسعت على إذ كان اللازم على ذلك التقدير ان يعطيه شيئا من الدراهم أو يحيله بها على أحد و يقول أشتريها كما لا يخفى على من له ادنى خبرة بأساليب الكلام

[و ينبغي التنبيه على أمور]

[الأول هل يشمل جواز شراء الخراج لما لم يأخذه الجائر بعد]

قوله و الظاهر من الأصحاب في باب المساقاة حيث يذكرون ان خراج السّلطان على مالك الأشجار الا ان يشترط خلافه اجراء ما يأخذه الجائر منزلة ما يأخذه العادل في براءة ذمة مستعمل الأرض الذي استقر عليه أجرتها بأداء غيره

لا يخفى انه (رحمه الله) جعل براءة ذمة مستعمل الأرض بأداء غيره بواسطة الاشتراط كناية عن اشتغالها قبل أداء الغير ضرورة توقف صدق البراءة على سبق الاشتغال و استناد اشتغال ذمة مستعمل الأرض من قولهم على مالك الأشجار نظرا إلى دلالة لفظة على على استقرار حق الجائر على ذمته و عندي انه لا دلالة في العبارة المذكورة على ما دامه من اشتغال ذمة المستعمل لان لفظة على في أمثال المقام انما هي لمجرد الاستعلاء المجازي و يكفى فيه كون المستعمل مطلوبا بالخروج و كونه محمولا عليه و غرضهم في باب المساقاة انما هو بيان ان هذا الضرر الموجه من جهة الأشجار انما يتوجه بحسب الأصل إلى مالكها في مقابل توجهه الى العامل و ان الأول هو المكلّف بتحمل الضرر و المأمور بالخروج عن عهدته فيخرج من حصته فليس له حمله على الثاني و تكليفه بخروج الخراج عن حصته الا بان يشترطه عليه في أوّل الأمر و هو حال عقد المساقاة و اين هذا من كون الخراج حقا للجائز في ذمة مستعمل الأرض بل ليس كتاب المساقاة محلّا لمثل ذلك الحكم لكونه بحثا عن حال الخراج و اللازم ذكره في المقام الذي قرر للبحث عنه و من هنا يعلم في الاستشهاد و بما ذكره في باب المزارعة فتدبر

قوله و اما المأخوذ فعلا لكن الوجه في تخصيص العلماء العنوان به جعله كالمستثنى (إلخ)

غرضه ان المراد باللفظ و ان كان هو المعنى الخاص الا ان ذلك لا ينافي كون الغرض اتحاد غيره معه في الحكم نظرا الى ان التعبير باللفظ الدال على المعنى الخاص مبنى على نكتة و هو مراعاة كون ما نحن فيه بمنزلة المستثنى من مسئلة جوائز الظلمة

[الثاني هل للجائر سلطنة على أخذ الخراج فلا يجوز منعه منه]

قوله و دخل تسليمها في الإعانة على الإثم في البداية أو الغاية (إلخ)

انه أراد بالإعانة في البداية ان يكون تسليمها يترتب عليه الإثم بلا واسطة و بالإعانة في الغاية ان يكون التسليم يترتب عليه الإثم في أخر الأمر بواسطة وسائط عديدة هو في أخرها

قوله مثل صحيحة زرارة اشترى ضريس بن عبد الملك و اخوه أرزا من هبيرة (إلخ)

قال في الوافي في بعض النسخ إزار بدل أرز أو كان هبيرة من عمال بنى أمية إنما أمر زرارة ابن أخيه يبعث الخمس الى الامام (عليه السلام) و حبس الباقي لما ظهر من أمارات ذهاب ملكهم و كان ذلك قبل ان يؤدى ثمنه فادى المال اى الثمن و قدم هؤلاء يعني بني العباس فعض على إصبعه أي أمسكها بأسنانه كما يفعله النادم انتهى

قوله فيجب تخميسه أو من جهة احتمال اختلاطه بالحرام فيستحب كما تقدم في جوائز الظلمة

لم يتقدم لتفصيل القسمين بالوجوب في أحدهما و الاستحباب في الأخر هناك ذكر و انما ذكر انه إذا كان القدر و لمالك مجهولين فالمعروف إخراج الخمس على تفصيل مذكور في باب الخمس

قوله ما ذكره من الحمل على وجوه الظلم المحرم مخالف لظاهر العام في قول الامام (عليه السلام) فاتق أموال الشيعة فالاحتمال الثاني أولى لكن بالنسبة الى ما عدا الزكوات لأنها كسائر وجوه الظلم المحرمة

يعنى ان أموال الشيعة ظاهر في العموم فيشمل جميع أقسام أموالهم و مقتضى مراعاة ظاهره ان يكون أموالهم التي تؤخذ على وجه الخراج و المقاسمة داخلة تحت ما أمر بالاتقاء عنه و لا يختص بخصوص وجوه الظلم و لا يتوهم ان الاحتمال الثاني (أيضا) ليس إلا عبارة عن ارادة وجوه الخراج و المقاسمات و الزكوات فيكون مخالفا لظاهر العام (أيضا) لأنّا نقول ان وجوه الظلم داخلة تحت ما أمر بإنقائه قطعا لأنها على تقدير عدم كون المراد هو الاحتمال الثاني مرادة فمع ارادة الاحتمال الثاني تكون مرادة بدون ريب و لا اشكال بل وجوب التحرز عن وجوه الظلم ظاهر بالنسبة إلى العامة و من خرج عن ربقة الإسلام فكيف بالنسبة إلى الشيعة فيكون المراد الأمر باتقاء أموال الشيعة من وجوه الظلم و الخراج و المقاسمة و الزكوات كلها و مقتضى اضافة لفظ الأموال إلى الشيعة عدم لزوم الاتقاء من أموال غيرهم على التفصيل المذكور فيجوز أخذ الخراج و المقاسمة منهم و ان كان لا يجوز توجيه وجوه الظلم إليهم فتخرج عن المفهوم بحكم العقل المانع منها و مثلها الزكوات حتى المأخوذة من العامة لأنها حقوق الفقراء فتدخل في وجوه الظلم في الواقع و ان كانت مغايرة لها في ظاهر العنوان و لهذا قال (المصنف) (رحمه الله) لكن بالنسبة الى ما عدا الزكوات فأشار الى تقييد المفهوم بحكم العقل و هذا المفهوم و ان كان من قبيل مفهوم اللقب الا ان سياق الكلام يعطي إرادته فتدبر

قوله خصوصا بناء على عدم الاجتزاء بها عن الزكاة الواجبة

لأن أخذها (حينئذ) يصير ظلما على المأخوذ منه من حيث انه يجب عليه تحصيل البراءة بإعطاء الزكاة لأهلها (أيضا) كما انه كان ظلما على الفقراء من حيث استيفاء الزكاة التي هي حقهم و منعها عنهم

قوله لقوله (عليه السلام) إنما هؤلاء قوم غصبوكم أموالكم و انما الزكاة لأهلها و قوله (عليه السلام) لا تعطوهم شيئا ما استطعتم فان المال لا ينبغي

164

ان يزكى مرتين

يمكن الاستدلال بهذين الخبرين على عدم اجراء زكاة العامة التي أخذها منهم السّلطان و أعوانه بعد ثبوت كونهم مكلفين بالفروع الواقعية و ان كان ظاهر الخطاب إلى الشيعة و ذلك لدلالة قوله (عليه السلام) و انما الزكاة لأهلها و قوله (عليه السلام) فان المال لا ينبغي ان يزكى مرتين و المراد ان الزكاة المقررة للفقراء لا مناص منها لعدم سقوطها بوجه من الوجوه و لا حال من الأحوال فلا بد من تأديتها إلى أهلها فإذا احتسب ما يأخذه السّلطان زكاة لزم تزكية المال مرتين و التالي باطل فالمقدم مثله فالوجه عدم إعطائهم بقدر الإمكان و الاستطاعة

قوله و جواز منعه عنه

بالرفع عطف على قوله ليس مع اسمه و خبره فيكون خبران

قوله و ان أراد وقف الأرض المأخوذة منه إذا نقلها السّلطان اليه لبعض مصالح المسلمين فلا يخلو عن اشكال

لعدم معلومية الرخصة في بيع رقبة الأرض التي هي للمسلمين

قوله و ليس مراده (رحمه الله) من التوقف التوقف على اذن الحاكم بعد الأخذ من الجائر و لا خصوص صورة عدم استيلاء الجائر على الأرض كما لا يخفى

يعنى انه لم يرد الشهيد الثاني (رحمه الله) بالتوقف الذي عنون به الكلام بيان توقف التصرف فيما أخذه من الجائر على اذن الحاكم الشرعي و كذا لم يرد بيان حكم خصوص صورة عدم استيلاء الجائر على الأرض و هو كون الأمر منوطا باذن الحاكم الشرعي المتسلط و انما أراد بيان انه لا يجوز لمن بيده الأرض الخراجية الاستقلال بالتصرف بل لا بد من الاذن ممّن كان مستوليا على أمور المسلمين و مصالحهم فان كان هو الحاكم الشرعي بأن كان متمكنا من صرف الخراج و المقاسمة على وجههما كان اللازم الاستيذان منه و ان كما هو الجائر كان اللازم الاستيذان و هذا غير خفي على من له معرفة بأساليب الكلام

قوله أو كان على الحدّ فيما بينهم

مقتضى الإتيان بالضمير بصيغة الجمع هو انه يرجع الى الجائرين و معنى العبارة (حينئذ) هو انه ان كان هناك سلاطين متعددة و كان هو في منتهى مملكة كل واحد منهم بحيث لم يجر عليه حكم أحدهم و ان كانت مملكته في وسط ممالكهم و في منتهى كل واحدة منها

[الثالث هل يحل خراج ما يعتقده الجائر خراجيا و إن كان عندنا من الأنفال]

قوله و هذا الدليل و ان كان فيه ما لا يخفى من الخلل

لأن أخذ غير مستحقه لا لا يصير سببا لبراءة ذمة المأخوذ حتى يفرّغ عليه بل هو سبب لعدم براءة الذمة ضرورة ان الحق ما لم يصل الى أهله لا يسقط الاشتغال

قوله و كذا ما تقدم من التنقيح حيث ذكر بعد دعوى الإجماع على الحكم ان تصرف الجائر في الخراج و المقاسمة من قبيل تصرف الفضولي إذا أجاز المالك

وجه ظهور الاختصاص من هذه العبارة هو انه بعد اباحة الامام (عليه السلام) التصرف في الأنفال لشيعة في حال ظهوره لا يكون تصرف أخذ الأجرة منهم تصرفا اجازه المالك و انما يكون تصرف من بيده الأنفال تصرفا مأذونا فيه من المالك قبل وقوعه و هو اضح

قوله و الإنصاف أن كلمات الأصحاب بعد التأمل في أطرافها ظاهرة في الاختصاص بأراضي المسلمين

لمّا ذكر ان ظاهر الاخبار و إطلاق الأصحاب هو حل ما يأخذه الجائر من الأنفال بعنوان الخراج المضروب من قبله استدرك ان ذلك هو الظاهر في بادى النظر و ان الظاهر من كلمات الأصحاب بعد التأمل هو حل الخراج المأخوذ من أراضي المسلمين يعنى المختصة بهم التي يصرف حاصلها في مصالحهم و هي المفتوحة عنوة العامرة حال الفتح فلا تشمل الأنفال

قوله نعم لو فرض انه ضرب الخراج على ملك غير الامام

من الرعية مثل الاملاك الّتي لم يستول عليها أهل الإسلام في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليه السلام) أصلا و بقي أهلها على الكفر الى زماننا هذا و أسلموا لكن ضرب عليها السّلطان الجائر المخالف الخراج باعتقاد استحقاقه له و كونه من جملة اولى الأمر الذين أمر اللّه بإطاعتهم و زعم كونه امام زمانه

قوله أو على ملك الامام (عليه السلام) لا بالإمامة

بأن كان السّلطان قد ضرب الخراج على الأنفال التي أحياها أحد الشيعة أو غيرهم لكن لا باعتقاد كونه اماما مستحقا للخراج كما إذا كان السّلطان من الشيعة أو كافرا فان ضربهما للخراج انما يكون بعنوان السّلطنة التي هي رئاسة عرفية دون الإمامة و الخلافة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) التي هي رئاسة شرعية إسلامية

[الرابع المراد من السلطان هو الجائر المدعي للرئاسة العامة]

قوله و الحاصل ان الاستدلال بهذه الاخبار على عدم البأس بأخذ أموالهم مع اعترافهم

(11) الضمير المضاف إليه في أموالهم و اعترافهم راجع الى السّلطان و عمالهم و المراد بأموالهم خصوص الأموال التي يأخذونها من الناس كما هو متعارف السّلاطين

قوله و قد تمسك في ذلك بعض بنفي السّبيل للكافر على المؤمن فتأمل

(12) يعنى انه تمسك بعضهم في عدم حل الخراج الذي يأخذه الكافر فيكون لفظة ذلك إشارة الى ما هو لازم انصراف إطلاق النص و الفتوى الدالين على حل الخراج الى غير الكافر و اما الأمر بالتأمل فهو الإشارة الى ان التمسك بنفي السبيل انما يتجه ان لو كان البحث عن استحقاق الجائر أو الكافر و ليس كل إذ عدم استحقاقهما من قبيل المسلمات و انما البحث عن ان الخراج الذي أخذه المسلم منه هل يحل له على حد حل الخراج الذي أخذه من السّلطان الجائر المخالف أم لا و معلوم ان حله بالنسبة إلى الكافر لا يوجب جعل سبيل للكافر على المسلم

[السادس المناط في قدر الخراج]

قوله و يدل عليه قول ابى الحسن (عليه السلام) في مرسلة حماد بن عيسى و الأرض التي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها و يحييها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج (إلخ)

(13) قال ابن الأثير في النهاية في حديث الفتح انه دخل مكة عنوة اى قهرا و غلبة و قد تكرر ذكره في الحديث و هو من عنا يعنو إذا ذل و خضع و العنوة المرة الواحدة منه كان المأخوذ بها يخضع و يذل انتهى و في المصباح عنا يعنو عنوة إذا أخذ الشيء قهر أو كذلك إذا أخذه صلحا فهو من الأضداد و قال الشّاعر

فما أخذوها عنوة عن مودّة * * * و لكنّ ضرب المشرفي استقالها

و فتحت مكة عنوة اى قهرا انتهى و المراد هنا هو المعنى الأول قطعا و الركاب كما في المجمع بالكسر الإبل التي تحمل القوم واحدتها راحلة و لا واحد لها من لفظها و الجمع ركب ككتب و ركائب انتهى و ليس المراد بقوله (عليه السلام) فهي موقوفة المعنى المصطلح عليه بين الفقهاء بل المراد به المعنى اللغوي الذي يفسره ما بعده من قوله (عليه السلام) متروكة في يد من يعمرها و قوله (عليه السلام) على صلح ما متعلق بقوله متروكة و هي بالتنوين دون الإضافة و ما لتأكيد التنكير كما في قولهم شيء ما و فرد ما و أراد بالصّلح ما وقع به الصّلح و التراضي اعنى المال الذي جعل عوضا يكف به الطالب عن المطلوب منه و قوله (عليه السلام) يصالحهم الوالي بيان لقوله متروكة في يد من يعمرها و يحييها على صلح ما

قوله ان كان مختارا في استعمالها فمقاطعة الخراج و المقاسمة باختياره و اختيار الجائر فإذا تراضيا على شيء فهو الحق قليلا كان أو كثيرا

(14) أراد بكونه مختارا في استعمالها المعاملة ابتداء على وجه لا يكون فيه إلجاء و اضطرار و الوجه في كون الحق (حينئذ) ما تراضيا عليه واضح لان ذلك نوع من المعاملة و انما تتفقد و تستقر على ما تراضى به الطرفان و اما عدم كون المضروب مضرا في الصورة اللاحقة فلكون ذلك مورد النص

[السابع هل يشترط استحقاق من يصل إليه الخراج]

قوله أو يقطعه الأرض الخراجية اقطاعا

(15) قال في المجمع أقطعته قطيعة أي طائفة من ارض الخراج و الإقطاع إعطاء الإمام قطعة من الأرض و غيرها و يكون تمليكا و غير تمليك انتهى

[الثامن ما يعتبر في كون الأرض خراجية]

قوله و اما ثبوتها بغير ذلك من الأمارات الظنية حتى قول من يوثق به من المؤرخين فمحل اشكال

(16) حكى في

165

في المستند عن صاحب الكفاية انه إذا لم يحصل العلم بكون أرض مفتوحة عنوة و لا العلم بعدمه اعتبر بمطلق الظن

قوله و ما دل على كونها ملكا للمسلمين يحتمل الأمرين

يعني الفتح عنوة و الفتح صلحا على ان يكون الأرض المسلمين اعلم انه لا خلاف في كون الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة و مثله ما اصطلح على كونها لهم و قد تكرر نقل الاتفاق عليه في كلماتهم و وقع التصريح به في الاخبار كصحيحة الحلبي و رواية الشامي المذكورتين في المتن و رواية محمّد بن شريح عن شراء الأرض من ارض الخراج فكرهه و قال إنما أرض الخراج للمسلمين الحديث و رواية أبي بردة كيف ترى في شراء ارض الخراج قامن يبيع ذلك و هي أرض المسلمين الحديث لكن يبقى الكلام في ان كونها لهم هل هو بعنوان تملك الرقبة أو ان لها نوع اختصاص بهم و لو من جهة صرف منافعها في مصبالحهم صرح بعضهم بعدم تملك الرقبة و بعض أخر بالتملك و هذا هو الذي يدلّ عليه قول (المصنف) (رحمه الله) و ما دل على كونها ملكا للمسلمين (انتهى) و كلام الأكثر خال عن القيدين بل قالوا انها لهم و عن كتاب احياء الموات من الكفاية ان المراد بكونها للمسلمين ان الامام يأخذ ارتفاعها و يصرفه في مصالحهم على حسب ما يراه الا ان من شاء من المسلمين له التسلط عليها أو على بعضها بلا خلاف و التّحقيق انه ليس في الاخبار ما يدل على الملكية و غاية ما فيها امّا الإضافة و يكفى فيها أدنى ملابسة أو للأم و ليست إلا حقيقة في الاختصاص و الاستحقاق غاية ما في الباب ان الاختصاص و الاستحقاق يظهر في كل مقام بصورة من الصور ففي مثال المال لزيد مما كان مدخول اللام صالحا للتملك يظهر في ضمن الملك و في مثل الجل للفرس مما لم يكن صالحا للتملك يظهر بصورة الاختصاص المجرد و ليس اللازم حقيقة في خصوص الملك و لا مشتركة بين معان أحدها الاختصاص و الأخر الملك كما قد يتوهم و على ما ذكر فلا يتعين معنى الملك فيما لو كان المقام صالحا لإرادة الملك و الإرادة مجرد الاختصاص فإثبات الملك بخصوصه يحتاج الى دليل فيحصل من الاخبار اختصاص المسلمين بها الا ان الانتفاع بمنافعها لما كان مخصوصا بالموجودين منهم بحكم العقل فلا جرم ترتب اثر الاختصاص على الموجودين دون غيرهم فان قلت يلزم بقاء رقبتها بلا مالك قلنا لا محذور فيه كما في الزكاة قبل تسليمها الى مستحقها و هو أحد محتملات قوله موقوفة في مرسلة حماد اى موقوفة عن الملكية مع انه يمكن ان يكون ملكا للّه سبحانه كما في المباحات الأصلية و كما في الأعيان الموقوفة على قول و يدل على ذلك قوله (تعالى) إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ و اما ما في رواية صفوان و البزنطي من ان ما أخذ بالسيف فذلك للإمام يقبله بالذي يرى فالمراد به ان ولايته له (عليه السلام) فالحاصل ان المتيقن الثابت من الاخبار و غيرها كون منافعها للمسلمين بمعنى انها تصرف في مصالحهم العامة

قوله و رواية أبي الرّبيع الشامي لا تشتر من ارض السواد شيئا الا من كانت له ذمة فإنما هي فيء للمسلمين

وجه استثناء الشراء ممن كانت له ذمة هو ان التزامه بأحكام الذمة يوجب صيانة أمواله التي من جملتها أرضه التي كان يملكها على ملكه فلا يجرى عليها بعد فتح ما جاورها من الأراضي عنوة حكم الفتح عنوة و قوله فإنما هي فيئ للمسلمين بيان و تعليل لحكم المستثنى منه

قوله مما ذكر أو اشتهر فتحها عنوة

لفظ فتحها مرفوع بذكر و اشتهر على سبيل التنازع

قوله إذا لم يتعدد عنوان الفساد كما لو دار الأمر بين الزنا مكرها للمرئة و بين الزنا

برضائها مثال للمنفي الذي هو تعدد عنوان الفساد و أشار الى وجه التعدد بان الظلم محرم أخر غير الزنا

قوله و لو احتمل تقليدهم لمن يرى تملك الأرض الخراجية لم ينفع

ضرورة عدم علمهم بكون الأراضي التي يجرون عليها أحكام الأراضي الخراجية من جملة الخراجية فكون ما بأيديهم من مصاديق ما قلدوا من يقول بجوار تملكه غير معلوم ثم انه يظهر من هذه العبارة وجود القول بجواز تملك الأرض الخراجية و هو كذلك فان (الظاهر) من كلام الشيخ (رحمه الله) في (التهذيب) ذلك حيث قال و اما أراضي الخراج و أراضي الأنفال و التي قد انجلى أهلها منها فانا قد أبحنا (أيضا) التصرّف فيها ما دام الامام مستتر انتهى و احتمله صاحب الكفاية حيث قال فيما حكى عنه بعد نقل كلام عن بعضهم دال على ان المتولي هو السّلطان الجائر و يحتمل جواز التصرف (مطلقا) انتهى و بما عرفت من كلام الشيخ يسرى الوهن الى ما تقدم عن لك من نفيه الوقوف على قائل بأنه يجوز التصرف في الأراضي الخراجية كيف اتفق لكل أحد من المسلمين

قوله و لو فرض احتمال علمهم بكونها خراجية كان اللازم من ذلك جواز التناول من أيديهم لا من يد السّلطان

لان حمل فعلهم على الصحة انما يقتضي ترتب أثار ذلك الفعل عليه دون ترتب الآثار على فعل الغير فاحتمال علمهم بكونها خراجية بناء على حمل فعلهم على الصّحة انّما يقتضي جواز أخذ ما وقع بأيديهم من الخراج لا من السّلطان قبل وقوعه في أيديهم لأن الأصول لا تثبت اللوازم و لا الملزومات و لا المقارنات

قوله ان يكون الفتح بإذن الامام و الا كان المفتوح مال الامام بناء على المشهور

قال في المستند لا اشكال فيما ذكر من الأحكام إذا كان القتال و الاستغنام بإذن الإمام الحق و اما إذا لم يكن كذلك فهل هو ايضا كذلك أم يكون الأرض من الأنفال و رقبتها و منافعها للإمام (عليه السلام) صرح فخر المحققين (رحمه الله) و والده العلامة (رحمه الله) على ما نقل عنهما على بن عبد الحميد الحسني في شرح النافع بالثاني و ذكر الشيخ في (المبسوط) ايضا و الحق ان الأصل فيما فتح بغير اذن الامام عليه السّلم و ان كان كونه من الأنفال كما دلت عليه مرسلة الوراق الا ان حكم الأراضي المفتوحة بعد زمان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) بأجمعها حكم المفتوحة عنوة بإذن الإمام (عليه السلام) بمعنى ان الامام الذي هو مالك الأنفال أجرى عليها حكمها كما يدل عليه صحيحة محمّد عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فقال ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد سار في أهل العراق بسيرة فهي إمام لسائر الأرضين بضميمة صحيحة الحلبي و رواية الشامي و لا تعارض بينها و بين مرسلة الوراق لان مدلولها ان ما اغتنمتم بغير اذن الامام كله للإمام و مدلول هذه ان الامام (عليه السلام) سار في الأراضي التي فتحت بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) سيرة المفتوحة عنوة مع انه لو قلنا بالتعارض كانت هذه بملاحظة أصالة عدم الإذن أخص مطلقا من مرسلة الوراق فيخصّصها قطعا و بما ذكرنا ظهر وجه ما قاله الأكثر من كون ارض السواد مفتوحة عنوة أي أنها بحكمها و يريدون ذلك المعنى و اما الحكم بكونها مفتوحة بإذن الإمام (عليه السلام) فليس هو مراد الأكثر و ان ذكره بعضهم هذا كلامه (رحمه الله) و لكنه يسقط بما ذكره المصنف (رحمه الله) في ذيل شرط الثالث من قوله و لا يعارضها إطلاقات الإجماعات و الاخبار الدالة على ان المفتوحة عنوة للمسلمين لان موارد الإجماعات هي الأرض المغنومة من الكفار كسائر الغنائم التي يملكونها منهم و يجب فيها الخمس و ليس الموات من أموالهم و انما هي مال الامام (عليه السلام)

166

و لو فرض جريان أيديهم عليه كان بحكم مغصوب لا يعد في الغنيمة و ظاهر الاخبار خصوص المحياة مع ان الظاهر عدم الخلاف

قوله و الظاهر ان ارض العراق مفتوحة بالإذن كما يكشف عن ذلك ما دلّ على انها للمسلمين

لم يقيد الفتح بكونه عنوة لان مجرد كونها للمسلمين لا يعطى ذلك فان كونها لهم أعمّ من ان تكون فتحت عنوة أو ان تكون فتحت صلحا على ان تكون الأرض للمسلمين و قد تقدم منه الإشارة الى ذلك و الى الخلاف في أرض العراق و ان المعروف بين الخاصة بلا خلاف ظاهر كونها مفتوحة عنوة و ان المحكي عن بعض العامة انها فتحت صلحا على ان تكون الأرض للمسلمين و كيف كان فالأخبار الدالة على انها للمسلمين وافية بكونها خراجية فإن الاذن و الأمر في مرسلة الوراق عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام (عليه السلام) و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس و ان كانا ينصرفان لي الاذن و الأمر على وجه الاستقلال و في حال كون يده مبسوطة المنتفى فيما نحن فيه الا ان تلك الأخبار الناطقة بكونها للمسلمين قرينة واضحة على دخول الفرد الغير المنصرف إليه في مرسلة الوراق و كونه من جملة أفراد ما أريد بها

قوله و في سند الرواية جماعة تخرجها عن حد الاعتبار

فمنهم احمد بن الحسين بن سعيد ضعفه العلامة المجلسي (رحمه الله) و قال الشيخ الحرّ العاملي أنه غال و يعقوب بن الرايد فإنه مجهول كما يعطيه كلام العلامة المجلسي (رحمه الله) و مثله يعقوب بن عبد اللّه و منهم موسى بن عنيد فإنه ضعيف و منهم عمر بن ابى المقدام فإنه مختلف فيه ضعيف و قد صرّح (رحمه الله) بضعفهما

قوله الا ان اعتماد القميّين عليها و روايتهم لها الى قوله جابر لضعفها في الجملة

لا يخفى انه لم يظهر منهم الفتوى بمضمونها فالاعتماد عليها ليس إلّا عبارة عن تدوينهم لها في كتبهم و كونه جابر الضّعف رواية اشتمل سندها على جماعة معروفين بالضّعف مضافا الى المجهول في غاية الضعف

قوله مضافا الى ما اشتهر من حضور ابى محمّد الحسن (عليه السلام) في بعض الغزوات

لا يخفى انه (عليه السلام) في ذلك الزمان لم يكن اماما و انما كانت الإمامة يومئذ حق أبيه (عليه السلام) فينبغي ان يتمسك في ذلك برواية معاوية بن وهب قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) السّرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم قال ان قاتلوا عليها مع أمير أمره الإمام عليهم اخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسم بينهم ثلاثة أخماس و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا الأمام يجعله حيث أحب بتقريب ان أباه أمير المؤمنين (عليه السلام) اذن له بل امره بذلك و رضى بكونه أمير؟؟؟ مع تعميم الاذن كما عرفت و لكن لا يخفى عليك بعد ذلك انه لا يكاد يظهر لذلك أثر في الخارج لان تعيين الغزوة التي حضر فيها و الأرض التي فتحها بحيث تطمئن به النفس ممّا تطمئن بعدم تحققه النفس

قوله و دخول بعض خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) من الصّحابة كعمار في أمرهم

لا يخفى انه لا حجة في فعلهم الا من باب الكشف عن رضى أمير المؤمنين (عليه السلام) و خص الكشف مع كون فعلهم غير معلوم الوجه محتملا لكونه ناشئا عن الخوف ممنوع

قوله مضافا الى انه يمكن ان الاكتفاء عن اذن الامام النصوص في مرسلة الوراق بالعلم بشاهد الحال (إلخ)

لا يخفى ان لازم المقال هو الالتزام بكون جميع ما فتحه سلاطين الإسلام بعد انقضاء الخلفاء الأموية و العباسيّة (أيضا) من قبيل الأراضي الخراجية و هو مشكل

قوله مع انه يمكن ان يقال ان عموم ما دل من الاخبار الكثيرة على تقيد الأرض المعدودة من الأنفال بكونها مما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب (انتهى)

قال في كنز العرفان اختلف في الأنفال ما هي فقال ابن عباس و جماعة انها غنيمة بدر و قال قوم هي أنفال السّرايا و قيل هي ما شذ من المشركين من عبد و جارية من غير قتال و قال قوم هو الخمس و الصّحيح ما قاله الباقر و الصّادق (عليهما السلام) انّها ما أخذ من دار الحرب بغير قتال كالتي انجلى عنها أهلها و هو المسمى فيئا و ميراث من لا وارث له و قطائع الملوك إذا لم تكن مغصوبة و الآجام و بطون الأودية و الموات فإنها للّه و لرسوله و بعده لمن قام مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالحه و مصالح عياله انتهى و الإيجاف سرعة السّير كذا في نهاية ابن الأثير ثمّ قال فيها و قد أوجف دابته يوجفها ايجافا إذا حثها و قال فيها (أيضا) الوجيف هو ضرب من السّير سريع و قد وجف البعير يجف و جفا و جيفا و قال في كنز العرفان الإيجاف من الوجيف و هو سرعة السّير انتهى

قوله نعم ما وجد منها في يد مدّع للملكية حكم بها له

قسمنا لحق اليد المقتضية للملكية فيما تحتمل فيه و قيام الاحتمال هنا ظاهر من جهة ان إبائه لعلّهم كانوا من أهل الذمة و قد انتقلت إليه بالإرث أو انه اشتراها من أهل الذمة أو ممن انتقلت اليه من قبلهم

قوله و بين غيره

كما ذكرنا من المالك بالإرث من أهل الذمة لو المشترى منهم أو ممن انتقلت اليه منهم

قوله المسمى بأرض السّواد

قال في المصباح العرب تسمى الاحضر اسود لانه يرى (كذلك) على بعد و منه سواد العراق لحضرة أشجاره و زروعه

قوله ان حد سواد العراق ما بين منقطع الجبال يجلو ان الى طرف القادسية المتصل بعذيب من ارض العرب عرضا

(11) قال في المصباح حلوان بلد مشهور من سواد العراق و هي أخر مدن العراق و بينها و بين بغداد نحو خمس مراحل و هي من طرف العراق من المشرق و القادسية من طرفه من الغرب فيل سميت باسم بانيها و هو حلوان بن عمران بن الحارث بن قضاعة انتهى و فيه (أيضا) ان القادسية موضع يقرب الكوفة من جهة الغرب على طرف البادية على نحو خمسة عشر فرسخا و هي أخر أرض العرب و أول سواد العراق و كانت هناك واقعة مشهورة في زمان خلافة عمر انتهى و قوله المتصل صفة لطرف القادسية و قوله من ارض العرب صفة لعذيب و قوله عرضا تمييز يرفع الإبهام عن حد سواد العراق و العذيب كما في النهاية الأثيرية اسم ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة مسمى بتصغير العذب ثم قال فيها و قيل سمى به لانه طرف ارض العرب من العذبة و هي طرف الشيء انتهى ثم ان الظاهر انه أراد بحد سواد العراق ما هو المحكوم عليه بكونه عامرا حال الفتح بأجمعه و يكشف عن ذلك إلحاق ما يحكيه عن العلامة (رحمه الله) فاما العزبى الذي يليه البصرة فإنما هو إسلامي إلى قوله كانت مواتا فأحياها عثمان فتدبر

قوله و من تخوم الموصل الى ساحل البحر ببلاد عبادان طولا

(12) قال في المصباح التخم حد الأرض و الجمع تخوم مثل فلس و فلوس و قال ابن الأعرابي و ابن السكيت الواحد تخوم و الجمع تخم مثل رسول و رسل و فيه (أيضا) ان عبادان على صيغة التثنية اسم بلد على بحر فأس بقرب البصرة شرقا منها يميل الى جنوب و قال الصنعا عبادان اسم جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة ساكبتين في بحر فارس

قوله

167

و يظهر من هذا التقييد ان ما عدا ذلك كانت محياة

أراد بالتقييد المشار اليه تقييد الغربي بوصفه أعني الذي يليه البصرة فيصير المراد ان هذا القسم من الغربي كان مواتا ثم أحياها عثمان و اما القسم الأخر من الغربي و هو الذي لا يليه البصرة فإنه داخل في الأرض التي كانت عامرة حال الفتح فالحاصل انه قد استفاد (المصنف) (رحمه الله) من كلام العلامة (رحمه الله) الذي تقدم ذكره ان ارض العراق على ثلاثة أقسام ما هو شرقي دجلة و هو محكوم عليه بكونه عامرا حال الفتح و ما هو غربي دجلة الذي يليه البصرة و هو لم يكن عامرا حال الفتح و ما هو غربي دجلة الذي لا يليه البصرة و هو محكوم عليه بكونه عامرا حال الفتح كأول الأقسام الثلاثة

هذا ما يتعلّق بالجزء الأول من هذا الكتاب و الحمد للّه ربّ العالمين و قد اتفق الفراغ من التعليق بيد الفقير الى اللّه الغنى محمّد حسن بن عبد اللّه المامقاني في النجف الأشرف في اليوم السّادس عشر من شهر ربيع الأوّل من سهور سنة 1493 و يتلوه الجزء الثاني في كتاب البيع أنشأ اللّه تعالى قد وقع الفراغ من تحريره و تسويده في شهر ذي الحجة الحرام سنة 1315 خمسة عشر و ثلثمائة بعد الالف من الهجرة النبويّة على هاجرها الاف السّلام و التّحية بيد أقلّ أبناء العلماء مصطفى النّجمآبادي غفر اللّه له و لوالديه