كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
1095

..........

____________

و بالجملة، لا إشكال في أنّ الحق في الفرض هو عدم سماع الإقرار من ذي اليد كما في التداعي في الأملاك أيضاً لعدم دليل على سماعه في المقام، لأنّ الّذي دلّ الدليل عليه هو سماعه فيما كان راجعاً على نفس المقر بحيث لو لا الإقرار لحكمنا به له. فالإقرار الّذي هو قسم من الإخبار إن كان راجعاً إلى الإخبار عمّا على المقر بعد الإقرار و له قبل الإقرار كان مقتضى قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1) سماعه و اعتباره، و إلّا فلا. ففي المقام لمّا كان مقتضى البينتين خروج المال عن ملك البائع فإقرار البائع بعدهما ليس إخباراً عمّا عليه بعد الإخبار و له قبله، لأنّه لولاه لحكمنا بخروجه عن ملكه و سلطانه بمقتضى البينتين.

نعم، لو قلنا بتساقط البينتين عند التعارض مع التساوي مطلقاً حتّى بالنسبة إلى نفي الثالث و الرجوع إلى القرعة لم يكن بعد في الحكم بسماع الإقرار من البائع، كما لو لم يكن بيّنة هناك أصلًا كما هو مفروض كلام الشيخ و الفاضل في الكشف (2) حسب ما عرفت، لكنّ الحكم بترتّب أحكام بيّنة الداخل و الخارج بعدها بمجرّد إقامة السابق لا يخلو عن إشكال.

و كيف كان، فلا بدّ من أن يبتني القول بالسماع على القول بالتساقط، لكن أصل القول بالتساقط ضعيف، لأنّه لا مانع من سماع البينتين بالنسبة إلى نفي الثالث لتعاضدهما فيه. و قياس المقام على البيّنة التي شهدت لأحدهما لا على التعيين قياس فاسد، حيث إنّ في الصورة لا مقتضي لسماع البينة أصلًا حتّى ينفى بها الثالث. و هذا بخلاف المقام، فإنّ المانع من العمل إنّما هو التعارض الغير الموجود بالنسبة إلى نفي الثالث.

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 223 و 2/ 257 و 3/ 442؛ وسائل الشيعة: 23/ 184.

(2) كشف اللثام: 2/ 365 366.

1096

..........

____________

و القول بأنّه لا معنى لتصديق البينتين بالنسبة إلى نفي الثالث مع فرض عدم تصديقهما بالنسبة إلى ما تشهدان عليه، لقضية التنافي من حيث استلزامه للتفكيك بين التابع و المتبوع من جهة تبعية دلالة الالتزام للمطابقة، فاسدٌ جدّاً، حيث إنّ قضيّة التبعية هي عدم جواز الانفكاك بين دلالة الالتزام و المطابقة من حيث الوجود لا من حيث الاعتبار، و هذا أمر واضح قد فصّلنا القول فيه في مسألة تعارض الأدلّة في الأصول. هذا، مضافاً إلى إمكان أنْ يقال: إنّه على القول بالتساقط أيضاً نحكم بعدم السماع من جهة ما دلّ على أنّ الحكم بعد تعارض البينتين هو القرعة، و هي الميزان ليس إلّا. هكذا ذكر الأستاد العلّامة.

و فيه تأمّل من حيث إنّ سماع الإقرار لا ينافي إطلاق ما دلّ من الأخبار على أنّ الميزان في صورة تعارض البينتين هو القرعة، حيث إنّه في مورد تساوي البيّنتين من جميع وجوه التراجيح فالإقرار يرفع موضوع القرعة، لا أن يكون ما دلّ على سماعه معارضاً و منافياً لما دلّ على اعتبار القرعة و إلّا حكم بعدم سماع الإقرار في صورة عدم وجود البينة أيضاً من جهة ما دلّ على أنّ الميزان هو اليمين، فتأمّل.

لا يقال: لو كان الأمر كما ذكرته من عدم سماع الإقرار إلّا فيما كان على المقر بعد الإقرار و له قبله، للزم الحكم بعدم سماع إقرار ذي اليد في صورة عدم وجود البينة أيضاً لو أقرّ أوّلًا لأحدهما على سبيل الإهمال ثمّ أقرّ لأحد معيّن من المتداعيين، أو قال أوّلًا: ليس لي، ثمّ أقرّ لأحد المتداعيين، أو أقرّ لواحد غير معيّن من غير المتداعيين، ثمّ أقرّ لأحدهما المعيّن، لعدم وجود المعنى الّذي ذكرته في هذه الصور حيث إنّه بإقراره أوّلًا خرج المال عن كونه له و حكم بعدم كون يده يد مالك إلى غير ذلك، مع أنّ قضية كلمتهم الإطباق على سماعه في جميع الصور المذكورة و أمثالها ممّا لم نذكره.

لأنّا نقول: الإقرار في الصور المذكورة لواحد معيّن من المتداعيين بعد الأقارير‌

1097

..........

____________

المفروضة إنّما هو تفصيل لما أجمله أوّلًا، فكأنهما إقرار واحد في غير الصورة الثالثة، و أمّا فيها فالحقّ عدم سماع الإقرار السابق أصلًا بمعنى عدم تأثير له حتّى بالنسبة إلى النفي عن نفسه، و لهذا يسمع إقراره ثانياً لنفسه و يحكم بكونه منكراً لو نفى ملكيته من غيره و قد تقدّم تفصيل القول فيه فيما قدّمنا لك من الكلمات، فراجع إليها. هذا ملخّص ما ذكره دام ظله.

و يمكن الخدشة فيه بأنّه لو كان البناء على ما ذكر في ضابط الإقرار المسموع، للزم الحكم بعدم سماع إقرار ذي اليد لشخص بعد إقراره لشخص آخر مع أنّ بناء المشهور بل الكلّ عدا الشيخ (رحمه الله) في أحد قوليه (1) على سماع كلا الإقرارين، فيحكم للأوّل بالعين و للثاني بالقيمة. و القول بأنّ إلزامه بالقيمة إنّما هو بالإقرار بحيث لولاه لم يلزم به، و هذا معنى ما ذكره من الضابط من الاخبار بما له قبل الإقرار و عليه بعده، فيه ما لا يخفى.

فالحقّ أن يقال: إنّ كلّما صدق على إقرار المقر أنّه إقرار على النفس يسمع الإقرار منه سواء كان المقر له قبل الإقرار أو لا. و حينئذٍ نقول: إن كان خروج ما في اليد عن ملك ذيها بمقتضى إقراره، فلا يضرّ في صدق هذا العنوان على إقراره ثانياً.

و إن كان من جهة أمر آخر كالبينة و نحوها، يكون مضراً بصدق العنوان المذكور.

فإن شئت قلت: إنّه كلّما رجع إخبار ذي اليد إلى الإخبار عمّا عليه بحيث لو لم يسبق منه إقرار آخر كان له، يسمع إقراره، و كلّما لم يرجع إلى ذلك لم يسمع إقراره، سواء كان عدم الرجوع من جهة البينة أو غيرها. هذه غاية ما قيل أو يقال، و مع ذلك المسألة في غاية الإشكال.

____________

(1) راجع المبسوط: 4/ 150.

1098

[لو نكلا عن اليمين قسّمت بينهما و يرجع كل منهما بنصف الثمن]

قوله: «و لو نكلا عن اليمين، قسّمت بينهما، و يرجع كلّ منهما بنصف الثمن» (1) (1).

____________

أقول: لا ريب و لا إشكال في أنّه بعد نكول من خرج باسمه القرعة من الحلف مع نكول صاحبه عنه أيضاً قسّمت العين بينهما، حسب ما هو قضية ما قرّرناه في كلماتنا السابقة فيما إذا كان المقصود من التداعي هو أخذ المال، لا بمعنى تقسيم البيع الواقع عليها كما قد يتوهّم لعدم قابليته للتقسيم بل بمعنى تقسيم أثره و يرجع كلّ من المتداعيين إلى البائع بنصف الثمن حيث كان المفروض قبضه للثمنين.

هذا فيما إذا لم يعترفا و لم يعترف أحدهما و لم تشهد بينتهما و لا بيّنة أحدهما على قبض المبيع.

و أمّا إذا اعترفا، أو أحدهما، أو شهدت بينتهما أو بيّنة أحدهما على قبضه، فالمصرّح به في كلام جماعة هو عدم رجوع من اعترف بالقبض أو شهدت بينته عليه إليه، لأنّه قد تلف عليه بعد قبضه فلا معنى لرجوعه على البائع. قال في المسالك في المسألة الأخيرة ما هذا لفظه: «و حيث قلنا بثبوت الخيار على تقدير القسمة، فذلك إذا لم يتعرّض البينة لقبض المبيع، و لا اعترف به المدّعي. و إلّا، فإذا جرى القبض استقر العقد، و ما يحدث بعده فليس على البائع عهدته» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 900.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 111 112.

1099

..........

____________

و قال في محكي التحرير (1) مثله، و قال في محكي كشف اللثام في المسألة بعد الحكم برجوع كل منهما إلى البائع بنصف الثمن ما هذا لفظه: «إلّا إذا اعترفا، أو اعترف أحدهما، أو شهدت بينتاهما، أو إحداهما بقبض المبيع. فمن قبضه من بايعه باعترافه أو بشهادة بينته [بيّنةٍ] لم يكن له الرجوع عليه بشي‌ءٍ من الثمن، لثبوت استحقاقه له بالإقرار أو بالبينة، غاية الأمر أنّه اغتصب منه نصف العين بعد ذلك» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه، هذا.

و لكنّ المصرّح في كلام بعض مشايخنا جواز الرجوع في الفرض أيضاً، حيث ذكر بعد نقل ما عرفته من المسالك و الكشف ما هذا لفظه: «و فيه: أنّ الاعتراف بالقبض أو ثبوته بالبينة لا ينافي الرجوع بالثمن بعد ثبوت استحقاق المبيع لغير البائع بالبيّنة، كما هو واضح. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ عدم الرجوع بعد القبض لتركهما اليمين باختيارهما، و لكن ذلك غير موافق لما سمعته من التعليل، بل لا يتمّ فيما سمعته من كشف اللثام أخيراً على أنّ ترك اليمين لو كان مقتضياً لذلك فلا فرق فيما بين قبل القبض و بعده» (3) انتهى كلامه.

و أنت خبير بأنّه لا ورود لما اعترضه عليهم أصلًا، لأنّ المفروض أنّ كلّاً من المتداعيين يعتقد كذب الآخر في دعواه، و أنّ البائع إنّما بايعه ليس إلّا، فلا ربط لهذا بحديث خروج المبيع مستحقّاً لغير البائع، المفروض فيما إذا وقع بيعه على مال الغير بغير اطّلاع من المشتري ثمّ انكشف خلافه. فتلف بعض المبيع بالبينة على كلّ من المتداعيين في المقام ليس إلّا كتلف المبيع بعد قبضه بآفة سماوية أو حصول الحيلولة بين المبيع و المشتري بعد قبضه مع اعتقاده بكون المبيع ماله، و أنّ البائع إنّما‌

____________

(1) تحرير الأحكام: 2/ 198؛ حكاه عنه في الجواهر: 40/ 465.

(2) كشف اللثام: 2/ 359.

(3) جواهر الكلام: 40/ 465.

1100

..........

____________

وقع البيع على ملك نفسه. و أين هذا من مسألة خروج المبيع مستحقاً للغير.

و الحاصل أنّ المفروض في المقام اختلاف المتداعيين في العقد الشخصي الواقع بين البائع و أحدهما، بحيث يكون ملكية المبيع للبائع مفروغاً عنها بينهما.

و مع ذلك كيف يتصوّر مسألة خروج العين مستحقة للغير. نعم، لو أثبت أحدهما كون اشترائه متقدّماً على اشتراء الآخر مع عدم اعتقاد الآخر بكذبه، كان الأمر كما ذكره، لكن من المعلوم أنّ مفروض كلماتهم كما فرضناه أوّلًا بحيث لا يرتاب فيه ذو مسكة.

و ممّا ذكرنا كلّه يعلم الوجهُ في فرض المصنّف و جماعة بثبوت الخيار لكلّ منهما في صورة التقسيم من حيث تبعّض المبيع عليه و عدم مانعية الامتناع عن الحلف عنه فيما قبل القبض، و إلّا فلا خيار. و قد صرّح بعدم ثبوت الخيار بعد ثبوت القبض الفاضل في الكشف (1)، معلّلًا بما عرفته. و فسادُ ما أورده عليهم شيخنا المتقدّم بقوله: «و فيه ما عرفت من عدم الفرق في ثبوت الخيار بالتبعّض [بالتبعيض] قبل القبض و بعده بعد أن كان ذلك بثبوت استحقاقه للغير بالبينة» (2) انتهى كلامه زاد اللّٰه في علو مقامه.

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 359.

(2) جواهر الكلام: 40/ 466.

1101

[لو تنازعا في بيع عين وجب الجمع بين البيّنتين بقدر الإمكان]

قوله: «و إن أنكرهما و كان التأريخ مختلفاً أو مطلقاً، قضي بالثمنين جمعاً [جميعاً]» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ القضاء بالثمنين جميعاً في الصورتين، كما صدر عن المصنّف و جماعة، إنّما هو مبني على ما تقدّم تفصيل القول فيه مراراً كثيرة في طي كلماتنا السابقة، من قاعدة وجوب الجمع بين البينتين بقدر الإمكان. و من هنا يعلم أنّ الحكم مختصّ بما إذا لم يعلم من حالهما الاتفاق على العقد الشخصي، و إلّا فيكون حال الصورتين كما إذا اتّحد التاريخ، هذا.

و قد يتأمّل في الحكم المذكور فيما لو كان الظاهر من حالهما الاتّفاق على عدم وقوع أزيد من عقد، بحيث أقام كلّ منهما البينة على كون العقد الواقع الشخصي واقعاً بينه و بين المشتري من حيث عدم دليل يعتدّ به، لعموم القاعدة في المقام (2).

و لهذا احتمل في المسالك (3) عدم القضاء بالثمنين فيما لو كانت البيّنتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة و الأخرى مورّخة، بل الحكم كمتحدي التاريخ. و حكى عن الشيخ (رحمه الله) التردّد. و منه يظهر أيضاً ضعف ما استدلّ به بعض مشايخنا للقضاء بالثمنين بقول مطلق بعد نقل التردّد من الشيخ (رحمه الله) بقوله: «لكن لا يخفى عليك ظهور البينة في التعدّد، و الأصل تعدّد المسبّب بتعدّد سببه» (4) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 901. و فيه «و لو أنكر و كان التأريخ مختلفاً أو مطلقاً ... جميعاً».

(2) للمقام، خ ل.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 110.

(4) جواهر الكلام: 40/ 468.

1102

..........

____________

ثمّ إنّ الوجه في فرق جماعة من الأصحاب كالمصنّف و الفاضل (1) و غيرهما (2) بين المسألة و المسألة السابقة التي فرض فيها النزاع بين المشتريين حيث حكموا فيها بالرجوع إلى القرعة بعد تساوي البينتين بقول مطلق من غير فرق بين صور شهادة البينة من حيث الإطلاق و التاريخ و في المسألة فرقوا بين الصور و حكموا في بعضها بالقضاء بالثمنين هو ما أشار إليه الفاضل في محكي القواعد (3) بأنّ الإنسان لا يشتري مال نفسه، ففرض تعدّد الشراء لا يمكن إلّا بتوسّط النقل، فيلزم تعدّد الثمن. و هذا بخلاف البيع، فإنّ الإنسان قد يبيع مال غيره.

و أورد عليه بعض مشايخنا طاب ثراه (4) بأنّ احتمال الشراء لمال نفسه فضولًا عن الغير أيضاً ممكن، إذ كما أنّ الإنسان قد يبيع مال غيره فضولًا كذلك قد يشتري مال نفسه لغيره فضولًا، ففرضه في المقام بأنْ يشتري المال عن أحد المتداعيين بثمن معيّن ثمّ يوكّل المدّعي الآخر لأنْ يبيع ما اشتراه من شخص آخر ثمّ يقبل هو فضولًا عن هذا الشخص.

ثمّ قال بعد الحكم بجريان ما ذكر في المسألة السابقة في المقام فلا يصلح فارقاً ما هذا لفظه: «فالأولى في وجه الفرق اتّحاد المدّعَى به في المسألة السابقة، و هو شراء المبيع من مالكه، إلّا أنّه لم يعلم السابق منهما ليكون الشراء [شراء] اللاحق في غير محلّه، بخلاف المقام، فإنّ المدّعَى به استحقاق الثمن الّذي ثبت بثبوت سببه، فمع فرض قيام البينة به في وقتين مثلًا وجب المسبّب، حتّى لو كان المدّعَى واحداً. نعم، لو فرض كون الثمن معيّناً، و كلّ منهما قد ادّعاه بسبب كونه‌

____________

(1) راجع قواعد الأحكام: 3/ 478.

(2) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 391؛ الدروس: 2/ 105؛ و مسالك الأفهام: 14/ 109 110؛ و مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 259؛ و كشف اللثام: 2/ 359.

(3) قواعد الأحكام: 3/ 478.

(4) جواهر الكلام: 40/ 467.

1103

..........

____________

البائع لمثمنه و أقام كلّ منهما بيّنة، تحقّق التعارض و لو مع إطلاقهما» (1) انتهى كلامه زاد اللّٰه في علو مقامه.

و فيه: أنّ فرض كون الشخص مشترياً لمال نفسه فضولًا و إن كان ممكناً فيفرض وقوع شراءين أحدهما أصالة و الآخر فضولًا مع عدم تخلّل الانتقال، إلّا أنّ فرضه في المقام غير ممكن، حيث إنّ المفروض أنّ المتداعيين كلّ منهما يدّعي الثمن من المشتري و إن كان نزاعهما في العقد، إلّا أنّ المقصود منه أخذ الثمن و لا معنى لمطالبة الفضولي منهما للثمن كما لا يخفى. و هذا بخلاف البيع، فإنّه قد يبيع الإنسان مال غيره مع زعم المشتري أنّه مال البائع. هكذا ذكره الأستاد العلّامة.

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 467 468.

1104

[حكم ما إذا كان في يد واحد صغير مجهول النسب]

قوله: «الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد و ادّعى رقيّته، قضي [له] بذلك ظاهراً» (1) الخ (1).

____________

أقول: هذا الحكم ممّا لم يوجد فيه مخالف بل و لم ينقل فيه خلاف أيضاً في الجملة، و إن اختلفت كلمتهم فيه من حيث الافتقار إلى انضمام اليمين، كما ذهب إليه الشيخ في أحد قوليه (2) حسب ما حكاه الأستاد العلّامة عنه، و عن العلّامة في التذكرة (3) أيضاً، و عدمه كما عن الآخرين (4). نعم، حكي عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط (5) توقّف ثبوت رقية المميّز إلى البينة بحيث لا أثر لدعوى ذي اليد فيه أصلًا.

و من حيث سماع دعوى الصبي بعد البلوغ الحرية، كما جزم به في محكي الإرشاد (6) و موضع من القواعد (7)، و يظهر من المصنّف أيضاً، أو عدم سماعها كما في المسالك (8) و محكي التحرير (9)، و موضع آخر من القواعد (10) و التذكرة (11) أيضاً في الجملة.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 902.

(2) المبسوط: 3/ 352 و 8/ 289.

(3) تذكرة الفقهاء: 2/ 282.

(4) الإيضاح: 4/ 382؛ مسالك الأفهام: 14/ 118؛ المجمع: 12/ 247؛ و الجواهر: 40/ 476.

(5) راجع المبسوط: 8/ 289 و 298.

(6) إرشاد الأذهان: 2/ 150.

(7) قواعد الأحكام: 3/ 485.

(8) راجع مسالك الأفهام: 12/ 481 482.

(9) تحرير الأحكام: 2/ 197.

(10) قواعد الأحكام: 2/ 204.

(11) راجع تذكرة الفقهاء: 2/ 281 282.

1105

و بالجملة، الأقوال في كلّ من سماع دعوى ذي اليد رقية الصبي الّذي في يده و دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ ثلاثة:

أمّا في الأوّل،

فأحدها السماع مطلقاً من غير احتياج إلى الحلف و لا إلى غيره.

و سواء كان الصبي مميّزاً أو غيره بحيث [إذا] كان القضاء واقعاً لا يسمع دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ و لو مع البينة، كما هو ظاهر جماعة منهم ثاني الشهيدين في المسالك حيث قال بعد الجزم بثبوت الحكم في المسألة ما هذا لفظه: «و حيث ثبت [تثبت] الرقية لا يلتفت إلى إنكار الصغير بعد بلوغه، لسبق الحكم بالرقية» (1) انتهى. و ظاهر هذا الكلام كما ترى عدم سماع دعوى الصبي و لو مع البينة، هذا.

و لكن ذكر شيخنا دام ظلّه في طي إفاداته في مجلس البحث أنّ القول بعدم السماع حتّى مع إقامة البينة غير موجود، و أنّ المقصود من عدم الالتفات إلى إنكاره إنّما هو من حيث عدم تأثيره في توجّه الحلف على ذي اليد لا سقوط قوله و لو مع البينة. و بعبارة أخرى: المقصود منه عدم سماع إنكاره من حيث الإنكار، لا عدم سماع دعواه مع البينة. هكذا ذكره و هو لا يخلو عن تأمّل.

ثانيها: السماع ظاهراً من دون ضميمة الحلف،

كما ذهب إليه المصنّف و جماعة (2)، أو معها كما عن الشيخ (3) و العلّامة في التذكرة (4) من غير فرق بين المميز و غيره.

ثالثها: السماع في غير المميّز و عدمه في المميّز

إلّا بضميمة البينة الّذي يرجع حقيقة إلى عدم السماع من الجهة المقصودة في المقام. و هذا هو المحكي عن‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 118.

(2) تقدم ذكر مآخذها.

(3) المبسوط: 3/ 352 و 8/ 289.

(4) تذكرة الفقهاء: 2/ 282.

1106

الشيخ (رحمه الله) في المبسوط (1).

و أمّا في الثاني،

فأحدها: عدم السماع مطلقاً كما تقدّم استظهاره من جماعة و إن استظهر الأستاد العلّامة خلافه و أنّه لم يذهب أحد إلى القضاء التنجيزي في المقام بحيث لم تسمع دعوى الصبي بعد البلوغ مع البينة أيضاً حيث إنّ جهة السماع إمّا اليد أو نفس الدعوى من حيث عدم المعارض لها، و معلوم أنّ شيئاً منهما لا يصلح للقضاء التنجيزي.

ثانيها: السماع مطلقاً، فإن كان له بيّنة فهو، و إلّا فله استحلاف ذي اليد.

ثالثها: السماع إذا كان له بيّنة، و عدمه فيما إذا لم تكن.

ثمّ إنّ جهة سماع دعوى ذي اليد في المقام يحتمل أن يكون دعواه، حسب ما هو ظاهر جماعة (2)، حيث علّلوا السماع بأنّ دعوى ذي اليد الرقية دعوى لا معارض لها. و يحتمل أن يكون يده، و يحتمل أن يكون اليد و الدعوى معاً، لأنّه لو لم يكن في يده لم يسمع دعواه فيكشف ذلك عن مدخلية اليد. و يظهر الثمرة فيما إذا ادّعى الصبي الحرية بعد البلوغ مع إقامة البينة من كلّ منهما، فإنّه لو قيل بأنّ جهة السماع اليد فيحكم بتقديم بيّنة الصبي بناءً على المشهور من تقديم بينته. و لو قيل بأنّ جهة السماع الدعوى لا اليد بحيث يكون وجودها كعدمها و إنّما سمعت دعوى صاحبها الرقية على خلاف أصالة الحرية من جهة عدم وجود المعارض لدعواه، فيحكم بتقديم بيّنة ذي اليد على القول المشهور، لأنّه يصير خارجاً و الصبي داخلًا من حيث موافقة قوله للأصل. و إنّما سمعت دعوى ذي اليد الرقية ظاهراً من جهة ما دلّ على سماع الدعوى التي لا معارض لها. هذا كلّه بناءً على عدم القول بأنّ معنى سماع الدعوى ممّن لا معارض له هو جعله ذا اليد، و إلّا فيرتفع الثمرة من البين.

____________

(1) المبسوط: 8/ 289 و 298.

(2) راجع مسالك الأفهام: 14/ 118.

1107

ثمّ إنّ انضمام اليمين على القول بكون جهة السماع هي اليد يحتمل أن يكون من باب الاستظهار، أو عموم ما دلّ على حصر ميزان القضاء بالبينة و الايمان (1)، أو تقديم الحلف الّذي يستحقّه الصبي بعد دعوى الحرية مع عدم البينة كما في القضاء على الغائب و على القول بكون جهة السماع هي الدعوى يحتمل أحد الاخيرين.

ثمّ إنّ المراد من القضاء بالرقية يحتمل أمرين: أحدهما: ما هو الظاهر منه سواء كان معلّقاً أو منجّزاً. ثانيهما: هو البناء على كون الصبي رقّاً و يترتّب آثار الرقية عليه إلى أن يبلغ. و ظاهرهم هو الأوّل، و إن كان الثاني هو الأظهر بناءً على احتمال كون جهة السماع هي اليد مع عدم انضمام اليمين. هذا كلّه بناءً على فرض وجود الثمرة بين القضاء التعليقي و البناء العملي و إلّا كما ربما يستظهر من الأستاد العلّامة فلا يفترق المعنيان.

إذا عرفت ذلك كلّه علمت أنّ تحقيق القول في المرام و تفصيل الكلام في المقام لا بدّ أن يقع في موضعين: أحدهما، في سماع دعوى ذي اليد الرقية قبل البلوغ.

ثانيهما، في سماع دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ.

أمّا الكلام في الموضع الأوّل، [في سماع دعوى ذي اليد الرقية قبل البلوغ]

فنقول: إنّ الحق فيه سماع دعوى ذي اليد من غير فرق بين كون الصبي مميّزا و عدمه من غير احتياج إلى انضمام اليمين أصلًا، بل و يحكم بملكيته بمعنى بناء العمل عليها و إن لم يدّع الرقية إذا تصرّف فيه تصرّف الملاك في أملاكهم كعرضه معرض البيع و نحوه من تصرّف الملاك، فالمناط في الحكم بالرقية هو ادعاء ذي اليد لها إمّا قولًا أو فعلًا.

و يدلّ على ما ذكرنا مضافاً إلى ظهور عدم خلاف يعتدّ به بين أصحابنا الأخيار (رضوان اللّٰه عليهم) ما دلّ على اعتبار اليد و الحكم بمقتضاها من السيرة و الأخبار.

توضيح ما ذكرنا على سبيل الاختصار بحيث لا يوجب الملال و يرفع كلّ شبهة‌

____________

(1) راجع الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

1108

حدثت أو تحدث من [في] هذا المضمار بعون الملك المتعال، هو أنّ موارد الحكم باليد و الاستكشاف منها حسب ما يستفاد من كلماتهم في الجملة ثلاثة متدرجة من حيث العموم و الخصوص.

أحدها: في مورد الشك في الاختصاص بحسب ما في اليد بقول مطلق فيجعل دليلًا على الاختصاص الملكي و غيره، فيتمسّك بها للحكم بسماع دعوى ذي اليد النسب كالبنوة و الأخوة و غيرهما بالنسبة إلى من في يده لا من جهة إقراره بما يرجع على نفسه، فإنّ هذا أمر واضح لا سترة فيه و لا دخل لليد فيه أصلًا، بل من جهة دعواه فتثبت النسب الواقعي بينهما كما لو أقام البينة عليه.

ثانيها: في مورد الشك في ثبوت الاختصاص الملكي، سواء كان من جهة الشك في كون ما في اليد ممّا يقبل الملك، أو كونه ممّا لا يقبله، أو من جهة الشك في اختصاصه بذي اليد بعد مفروغية قابليته للتملّك ففي هذا المورد يستكشف من اليد زائداً على التخصيص المالكي أصل الاختصاص و قابلية التملك أيضاً.

ثالثها: في مورد الشك في المالك بعد الفراغ من إثبات قابلية التملّك لما في اليد بحيث يكون الشك ممحّضاً من هذه الجهة و هو أخصّ من الأوّلين. و هذا معنى ما اشتهر في ألسنة أهل العصر و من قاربه من أنّ اليد إنّما تكون معتبرة في تشخيص المالك لا في تشخيص الملك و إثبات أصل قابلية التملك و الاستيلاء العرفي. و من هنا قال بعض مشايخنا في جملة ما يستشكل به على ما ذكره من سماع دعوى ذي اليد ما هذا لفظه: «مع أنّ اليد مقتضاها الملك في معلوم المالية، لا أنّها تنقّح المشكوك في ماليته أنّه مال» (1) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

إذا عرفت أنّ موارد استعمال اليد و الاستكشاف بها ثلاثة، فنقول: أمّا المورد الأوّل، فالحقّ أنّه لا دليل على اعتبار اليد فيه و أنّها أمارة معتبرة بالنسبة إلى مطلق‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 477.

1109

الاختصاص حتّى بالنسبة إلى النسب لا من السيرة و لا من الاخبار، أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فكذلك أيضاً، لأنّ كلّ من راجع الأخبار الواردة في اليد يعلم علماً يقينياً بحيث لا يعتريه شك بعدم دلالتها على اعتبار اليد بالنسبة إلى مطلق الاختصاص و أنّها مختصّة بالاختصاص الملكي. كما أنّه لا إشكال في وجود الدليل على اعتبارها في المورد الثالث مطلقاً.

و أمّا المورد الثاني، فالحق اعتبار اليد إذا كانت مجتمعة مع تصرّف الملاك.

و بعبارة أخرى: إذا كانت مقرونة بالدعوى القولية أو الفعلية من ذي اليد. و أمّا إذا لم تكن كذلك، فالحق عدم دليل على اعتبارها. ففي المقام دعويان، لنا على أوليهما ما دلّ على اعتبار اليد من السيرة و الأخبار، أمّا السيرة فواضحة، لأنّا نرى بالوجدان استقرار طريقة المسلمين و بنائهم على سماع دعوى ذي اليد رقية من في يده و الاشتراء منه إذا عرضه معرض البيع. و أمّا الأخبار فلإطلاقها، كما لا يخفى لكلّ من راجعها، خصوصاً قوله (عليه السلام) في رواية فدك: «إذا كان شي‌ء في يد المسلمين يملكونه» (1) لأنّك قد عرفت أنّ المراد من تملّكهم ليس هو التملّك الشرعي، و إلّا لجاء الدور، بل التملّك العرفي الّذي يعبّر عنه بالاستيلاء.

و يدلّ على ما ذكرنا زيادة على ما مرّ، الأخبار الواردة في المقامات الخاصة، منها: رواية مسعدة بن صدقة: «كلّ شي‌ء هو لك حلال حتّى تعرف الحرام [تعلم أنّه حرام] بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل ثوب [الثوب] يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك [و] لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر» الحديث (2).

و منها: صحيحة العيص: «عن مملوك ادّعى أنّه حر و لم يأت بيّنة [ببيّنة] على‌

____________

(1) وسائل الشيعة: 27/ 293. و لفظه هكذا: «فإن كان في يد المسلمين شي‌ء يملكونه».

(2) الكافي: 5/ 313 314؛ تهذيب الأحكام: 7/ 226؛ وسائل الشيعة: 17/ 89.

1110

ذلك، أشتريه؟ قال: نعم» (1).

و منها رواية حمزة بن حمران: «أدخل السوق فأريد أن أشتري جارية تقول:

إنّي حرّة. فقال (عليه السلام): اشترها إلّا أن تكون لها بيّنة» (2).

وجه دلالة الأولى ظاهر، لأنّ المقصود من المملوك فيه هو المملوك بحسب اليد و إلّا لم يحتمل الحرية إلّا بالتحرير و العتق و هو خلاف ظاهر الرواية، لأنّ ظاهرها احتمال الحرية الأصلية لا العرضية. و أمّا الأخيرتان، فظاهرهما و إن كان في البالغ إلّا أنّ المقام يثبت منهما بالأولوية، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في أصل دلالتهما على المدّعَى و ظهورهما فيه، لأنّ الأمر فيهما دائر بين ارتكاب التأويل في أحد الظاهرين إمّا بحمل الجارية و المملوك فيهما على ما تكون كذلك بحسب الظاهر مع كون المراد من الحرّ هو الحرّية الأصلية، فيدلّ بناءً عليه على المدّعَى.

و إمّا بحمل الحر على ما حصل بالعرض من التحرير، مع إبقاء الجارية و المملوك على ظاهرهما و لو في الجملة، فلا يدلّ على المدّعى و إن لم نقل بكون الثاني هو الأظهر فلا أقل من التساوي فيسقط الاستدلال بهما على المدّعى. هذا، مع أنّه لو كان لهما ظهور في المعنى الأوّل بالنظر إلى أنفسهما تعيّن صرفهما عنه و الحكم بكون المقصود هو المعنى الثاني، إذ ظاهرهما خلاف الإجماع؛ حيث إنّه لم يذهب أحد إلى سماع دعوى ذي اليد الرقية بمجرّدها و لو كان من في يده مدّعياً للحرية مع كبره. فلا بدّ إمّا من حملهما على سبق تصرّف من ذي اليد بحيث يكشف‌

____________

(1) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 222؛ تهذيب الأحكام: 7/ 74؛ وسائل الشيعة: 18/ 250 و 23/ 55.

(2) الكافي: 5/ 211؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 222؛ تهذيب الأحكام: 7/ 74؛ وسائل الشيعة: 18/ 250.

1111

عن الملكية فينطبق على المدّعَى أيضاً، و إمّا على دعوى التحرير، و كيف كان فيما قدّمنا من السيرة و إطلاقات أخبار اليد غنى و كفاية. و إن بني على الخدشة في إطلاقات الأخبار بأنّها واردة في مقام بيان الحكم باليد في معلوم القابلية، أو هي ساكتة عن ذلك و عن التعميم، فيكون القدر المتيقّن منها هو ذلك أيضاً، فلتتمسّك بذيل السيرة فإنّها تغنيك مئونة التمسّك بغيرها.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من اعتبار اليد في المقام في إثبات أصل القابلية لا ينافي ما اتّفقت كلمتهم عليه في باب الغصب من أنّ اليد لا تتعلّق بالحر و لو كان صغيراً، لأنّ المقصود من نفي اليد ليس هو نفي الاستيلاء العرفي بل الاستيلاء المتعقّب للضمان شرعاً؛ حيث إنّه لم يثبت من مجرّد اليد، فإنّ القدر الثابت منه من قوله (صلى الله عليه و آله): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1) هو القيمة على القول بثبوتها منه، و أمّا الذمة فلا، هذا.

ثمّ إنّ هنا أموراً تدلّ على خلاف ما ذكرنا لا بدّ من التعرّض لها و التفصّي عنها:

أحدها: الأصل الأوّلي، فإنّ الملكية أمر حادث لا توجد إلّا بسبب، و الأصل عدمها.

نعم قد يحكم بكون نفس الدعوى سبباً لها من حيث كشفها عن سببها كما في الكافر الحربي و المباحات الأصلية إذا ادّعيت ملكيتهما مع ثبوت اليد عليهما فإنّ نفس الدعوى حينئذٍ كاشفة عن قصد الحيازة.

ثانيها: ما ورد في بعض الأخبار من قوله (عليه السلام): «النّاس كلّهم أحرار إلّا من أقرّ على نفسه بالرقية و هو مدرك» (2) أو شهدت البيّنة عليها صغيراً كان أو كبيراً (3) و هذا مساوق للأصل الأوّلي، لأنّ الاستثناء المذكور فيه يكشف عن عدم كون المقصود‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 224 و 389، 2/ 345، 3/ 246؛ مستدرك الوسائل: 14/ 8، 17/ 88.

(2) الكافي: 6/ 195، 7/ 420؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 141؛ تهذيب الأحكام: 6/ 236، 8/ 235؛ وسائل الشيعة: 23/ 54، 27/ 253 مع اختلاف فيها.

(3) هذا مستفاد ممّا جاء في ذيل بعضها.

1112

هو الرقية الواقعية و إلّا لم يعقل استثناء صورة الإقرار و قيام البينة، ضرورة أنّ الإقرار و البينة لا يغيّران الشي‌ء عمّا هو عليه في الواقع، بل الرقية الظاهرية على ما هو الشأن في كلّ حكم أخذ فيه عدم العلم، أو عدم ما يقوم مقامه من الطرق مثل قوله (عليه السلام) في ذيل رواية مسعدة بن صدقة: «و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غيره أو يقوم [تقوم] به البينة» (1) فالرواية مقرّرة لمقتضى الأصل الأوّلي. و هذا معنى ما اشتهر في ألسنتهم من أنّ الأصل الحرّية.

ثالثها: خبر حمران بن أعين: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن جارية لم تدرك بنت سبع سنين مع رجل و امرأة ادّعى الرجل أنّها مملوكة له و ادّعت المرأة أنّها ابنتها.

فقال (عليه السلام): قد قضى علي (عليه السلام). قلت: و ما قضى؟ قال: كان يقول: «النّاس كلّهم أحرار إلّا من أقرّ على نفسه بالرقية [بالرّق و هو مدرك]، و من أقام بيّنة على من ادّعى من عبد أو أمة فإنّه يدفع إليه فيكون [له] رقّاً. قلت: فما ترى أنت؟ قال: أرى أن تسأل [أسأل] الّذي ادّعى أنّها مملوكة له بيّنة على ما ادّعى، فإن أحضر شهوداً يشهدون أنّها مملوكة [له] لا يعلمون أنّه باع و لا وهب دفعت الجارية إليه حتّى تقيم المرأة من يشهد لها أنّ الجارية ابنتها حرّة مثلها فلتدفع إليها و تخرج من يد الرجل. قلت: فإن لم يقم الرجل شهوداً أنّها مملوكة له؟ قال: تخرج من يده، فإن أقامت المرأة البينة على أنّها ابنتها دفعت إليها، و إن لم يقم الرجل البينة على ما ادعى [ادعاه] و لم تقم المرأة البينة على ما ادّعت، خلّي سبيل الجارية تذهب حيث شاءت» (2) هذا.

و لكنّك خبير بعدم مقابلة ما ذكر لما ذكرنا؛ أمّا الأوّل، فلأنّ الأصل و إن كان ما ذكر، إلّا أنّ ما قدّمنا على اعتبار اليد و الظهور المستفاد منها حاكم عليه؛ كما في سائر الأصول و الظواهر المعتبرة القائمة على خلافها. و أمّا الثاني، فلأنّ صدره‌

____________

(1) الكافي: 5/ 314؛ تهذيب الأحكام: 7/ 226.

(2) الكافي: 7/ 420 421؛ تهذيب الأحكام: 6/ 235 236؛ وسائل الشيعة: 27/ 253.

1113

موافق للأصل المتقدّم. و أمّا ذيله فهو و إن كان له ظهور بحسب بادي النظر في الخلاف من حيث إنّ الاستثناء كاشف عن أنّ المخرج عن هذا الأصل ليس إلّا الإقرار أو البينة فيحكم بمقتضى الحصر المستفاد منه بعدم سماع دعوى ذي اليد في المقام لخروجها عن المستثنى، إلّا أنّ مقتضى النظر الدقيق خلاف ما ذكر، لأنّ الحصر ليس بالنسبة إلى جميع المقامات بل إنّما هو في مورد التنازع و التداعي بقرينة قوله: «أو شهدت البينة عليه» فإنّه ظاهر في مورد التداعي؛ أمّا في الكبير فواضح. و أمّا في الصغير فبأن يكون المدّعي غيره، فالحكم بسماع دعوى ذي اليد في المقام ليس تخصيصاً في الخبر، حيث إنّ المفروض كون الحصر الواقع فيه مختصّاً بمورد التنازع.

نعم، لو لم يكن لنا دليل على سماع دعوى ذي اليد لحكمنا بعدم سماعها، لا من جهة الحصر بل من جهة صدر الرواية المطابق للأصل الأوّلي. هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لو فرضنا دلالة الخبر على عدم اعتبار اليد في المقام لوجب الخروج عنه بمقتضى ما قدّمنا من الأدلّة على اعتبارها من السيرة و الأخبار. هذا ملخّص ما ذكره دام ظله.

و يمكن الخدشة فيه بأنّه كيف يحكم بالخروج عن مقتضى الخبر بالأدلّة المذكورة مع أنّ بعضها غير تامّ في نفسه كالأخبار الخاصة، و بعضها لا يقاوم الخبر كالسيرة، فإنّ اعتبارها مشروط بعدم الردع فلا يعقل أنْ تعارض ما يشتمل على الردع. و بعضها يصلح للمعارضة لكن يرجع التعارض بينه و بين الخبر إلى تعارض العامين من وجه كما في أخبار اليد، فيحكم في مادة الاجتماع و هي محلّ البحث بالتساقط و الرجوع إلى الأصل الأوّلي و هو أصالة عدم الرقية، أو ترجيح الخبر بناءً على كون دلالته من باب العموم و دلالة تلك من باب الإطلاق.

و أمّا الثالث فيعلم الجواب عنه بملاحظة ما ذكرنا في الجواب عن الثاني، مضافاً‌

1114

إلى إمكان القول بخروج مقتضاه عن محلّ الفرض، فإنّ ظاهر الحديث كون الجارية في يدهما و الكلام في اليد الغير المعارضة، لأنّ اليد المعارضة ليس لها ظهور في الرقية. هذا مجمل القول في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو عدم اعتبار اليد في الحكم بالرقية بمجرّدها ما لم ينضمّ إليها تصرّف أو دعوى، فلعدم الدليل على اعتبار اليد في إثبات أصل القابلية بمجرّدها و إن قلنا باعتبارها في تشخيص المالك فيما ثبت مملوكية ما في اليد في الجملة، لا من السيرة و لا من الاخبار. هذا كلّه مضافاً إلى أنّ النزاع في دلالة اليد بمجرّدها على الرقية و عدمها في المقام غير مفيد، لأنّ اليد الظاهرة في الملك لا توجد في المقام بحسب الموضوع إلّا بالتصرّف الظاهر في الملك أو الدعوى، لأنّ مجرّد اليد على الإنسان سيّما إذا كان أبيض لا ظهور لها في الملكية أبداً، و من المعلوم أنّ من يقول باعتبار اليد بمجرّدها في إثبات القابلية لا يقول إلّا فيما كان لها ظهور فيها، و اليد على الإنسان أعمّ من اليد المالكية. و من هنا يعلم أنّه لا بدّ من أن يحمل كلامهم في المقام لو كان المقصود منه القضاء بدعوى الرقية من ذي اليد من جهة ظهور يده في الرقية مع قطع النظر عن الدعوى على ما ذكرنا.

نعم، يمكن أن يقال بظهور اليد بمجرّدها في الملكية لو كان من تعلّق اليد به أسود.

ثمّ إنّه يعلم أدلّة سائر الأقوال و الجواب عنها بالتأمّل فيما ذكرنا، فتأمّل حتّى يظهر لك حقيقة الأمر. هذا مجمل القول في الموضع الأوّل.

و أمّا الكلام في الموضع الثاني، و هو سماع دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ و عدمه،

فقد عرفت اختلاف كلمتهم فيه و الحق سماعها، سواء كان له بيّنة على ما يدّعيه أو لا، لأنّ ما قام الدليل عليه هو القضاء بمقتضى دعوى ذي اليد ظاهراً بل قد يتأمّل في ذلك أيضاً لو كان هناك ثمرة بينه و بين العمل باليد. و من المعلوم أنّ القضاء الظاهري المراعى بعدم البلوغ و الدعوى لا يقتضي عدم السماع، فإن لم يكن له بيّنة‌

1115

فله استحلاف ذي اليد إنْ قلنا بظهور اليد و اعتباره مع دعوى الحرية و عدم تعليقها بعدم دعواه مع بلوغه، و إن كان له بيّنة، فيقضى بها ان لم يكن لذي اليد بيّنة و إلّا فيبنى على الترجيح بالدخول أو الخروج. و أدلّة سائر الأقوال و أجوبتها ظاهرة، فلا جدوى في تعرّضها، فالإعراض عنها أجدر.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: أنّه هل يجري ما ذكرنا في الصغير الّذي لا يد عليه مع عدم معارضة دعوى المدّعي بدعوى غيره أو لا؟

وجهان: من عموم ما تمسّك به جماعة للحكم في الفضولي من سماع الدعوى إذا لم يكن لها معارض للمقام أيضاً. و من أنّ القدر المتيقّن من كلماتهم هو الصورة الأولى و لا دليل على سماع الدعوى التي لا معارض لها كلية و إنّما الّذي قام الدليل عليه هو سماعها في الأملاك. و هذا هو الوجه فتوجّه.

الثاني: أنّه هل يجري ما ذكروه في الصغير المجهول النسب، في المعلوم النسب أيضاً إذا كان ممكن الرقية أم لا؟

وجهان، أوجههما الأوّل، لعموم ما تقدّم من الدليل في القسم الأوّل. و التقييد الواقع في كلماتهم بمجهول النسب إنّما هو لإخراج معلوم النسب الّذي يمنع العلم بنسبه من الحكم بالرقية. و قد صرّح بما ذكرنا بعض مشايخنا (1) طاب ثراه و قد كان الأستاد العلّامة مائلًا إليه.

الثالث: أنّه هل يجري ما ذكرنا في الصغير في المجنون الكبير أو العاقل الكبير إذا كان ساكتاً أم لا؟

وجهان، أوجههما الأوّل، لعموم ما تقدّم من الأدلّة في الصغير. قال في محكي غاية المراد: «و الصحيح الحكم برقية الكبير الساكت و هو قضية كلام الأصحاب» (2) انتهى كلامه. و حكي عن المصنّف التصريح به‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 478.

(2) غاية المراد: 4/ 78، في المخطوطة و المطبوعة «غاية المرام»، و الصواب ما اثبتناه كما في جواهر الكلام: 40/ 478.

1116

في كتبه (1). و لكن عن العلّامة في الإرشاد (2) الإشكال في الأخير لأصالة الحرية في الآدمي. هذا كلّه فيما إذا كان العاقل الكبير ساكتاً. و أمّا إذا كان منكراً للرقية فإن تقدّم على إنكاره يد ظاهرة في الملكية فالقول قول مدّعي الرقية، و لا يلتفت إلى إنكاره إلّا ببينته و إلّا فالقول قوله و إلى ما ذكرنا يحمل الأخبار الواردة (3) في عدم سماع دعوى الحرية من المملوك كما تقدّم إلى جملة منها الإشارة. و اللّٰه العالم.

____________

(1) أي العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام: 2/ 196؛ قواعد الأحكام: 2/ 223.

(2) إرشاد الأذهان: 1/ 365.

(3) الكافي: 5/ 211؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 222؛ تهذيب الأحكام: 7/ 74؛ وسائل الشيعة: 18/ 250 و 23/ 55.

1117

[حكم ما إذا تداعيا رقية انسان و لم تكن لهما بيّنة]

قوله: «و لو ادّعى اثنان رقيته، فاعترف لهما، قضي عليه» (1) (1).

____________

أقول: إذ ادّعى اثنان رقية إنسان، فلا يخلو إمّا أن يعدما البينة، أو يجداها، أو يعدمها أحدهما و يجدها الآخر. فإن عدما البينة، فلا يخلو إمّا أن ينكرهما المدّعَى عليه، أو يقرّ لهما، أو يقر لأحدهما. فإن أنكرهما فلا شي‌ء لهما عليه. و إن أقرّ لهما فيحكم به لهما على سبيل الإشاعة. و إن أقرّ لأحدهما فيقضى به له. كلّ ذلك لعموم ما دلّ على نفوذ الإقرار على النفس (2) و خصوص ما ورد من الأخبار الكثيرة التي قد تقدّم إلى جملة منها الإشارة، الصريحة في نفوذ الإقرار بالرقية مع كون المقرّ مدركاً (3).

و الخدشة في صدق موضوع الإقرار على النفس على إقراره، كما وقعت عن بعض لأنّه إن كان حراً فلا يملك نفسه و لا يد له على نفسه، و إن كان عبداً فكذلك أيضاً لأنّه لمالكه، فاسدةٌ جدّاً، لأنّه إذا فرض كون مملوكيته لأحد ضرراً عليه فإذا أقرّ بها فقد أقرّ على نفسه فيدخل في عموم ما دلّ على نفوذ الإقرار. هذا كلّه مضافاً إلى كونها مصادمة للأخبار المصرّحة بلفظ: «أقرّ على نفسه» (4) فراجع.

و من هنا يظهر ما فيما حكي عن الشيخ (رحمه الله) في مسألة دعوى العبد العتق و الآخر الشراء في إنكار كون العبد ذا يد على نفسه، ما يظهر منه عدم قبول الإقرار‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 902.

(2) وسائل الشيعة: 23/ 184؛ عوالي اللئالي: 1/ 223، 2/ 257، 3/ 442.

(3) الكافي: 6/ 195 و 7/ 420؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 141؛ تهذيب الأحكام: 6/ 236 و 8/ 235؛ وسائل الشيعة: 23/ 54 و 27/ 253.

(4) وسائل الشيعة: 23/ 184؛ عوالي اللئالي: 1/ 223، 2/ 257، 3/ 442.

1118

..........

____________

بالرقية حيث إنّه علّل عدم يده، بأنّه لو كان ذا يد لقبل إقراره بالملكية لأحد المتنازعين فيه (1). و هذا الكلام كما ترى يظهر منه المفروغية من عدم قبول إقراره، و لكنّا لا نفهمه.

و إن وجداها، فالحكم هو ما تقدّم في تعارض البينتين في الأملاك.

و لكنّ المحكي عن الفاضل في كشف اللثام أنّه لو أقرّ بالرقية لأحدهما لم يلتفت إلى إقراره و لا يترجّح به إحدى البينتين مع ذهابه إلى الترجيح بالاقرار من ذي اليد بعد إقامة البينة من المتداعيين في الأملاك و علّله بما لا يسلم عن المناقشة حيث قال: «و إذا أقاما بينتين متعارضتين فصدق احداهما خاصة لم تترجّح به بينته، لأنّه لا يد له على نفسه، فإنّه إن كان حرّاً فلا يد له [لأحد عليه]، و إن كان مملوكاً فلا يد عليه إلّا لمالكه» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و هو كما ترى بظاهره فاسد، لاقتضائه عدم سماع إقراره مطلقاً حتّى فيما لم يكن هناك بيّنة أصلًا، و هو مناف لما اعترف به سابقاً من قبول إقراره في صورة عدم البينة منهما.

بل ظاهره المحكي الإجماع عليه، هذا.

و لقد كان الأستاد العلّامة في مجلس البحث ذاهباً إلى الفرق بين المقامين و موجّها لما ذكره الفاضل في الكشف بما حاصله: إنّه قد تقرّر في محلّه أنّ الوجه في الترجيح بإقرار ذي اليد وجهان ذهب إلى كلّ فريق: أحدهما: صيرورة المقر له بالاقرار ذا اليد عرفاً بحيث يكشف الإقرار عن كون يد المقر هي يد المقر له، فكأنّه نائب عنه. فحينئذٍ إمّا أن يقدّم بيّنة المقر له، أو صاحبه، على الخلاف في ترجيح بيّنة الداخل أو الخارج، و قد تقدّم في مطاوي كلماتنا السابقة أنّ هذا الوجه يظهر من جماعة من الأصحاب.

____________

(1) المبسوط: 8/ 286. و عبارته: «فلو كانت يده على نفسه سمع، هذا».

(2) كشف اللثام: 2/ 356.

1119

..........

____________

ثانيهما: صيرورة المقر له بالإقرار ذا الحجة شرعاً، فيقدّم بيّنته، أو بيّنة صاحبه، على الخلاف في ترجيح بيّنة الداخل و الخارج؛ حيث إنّك قد عرفت فيما سبق أنّ المراد من الداخل و الخارج ليس هو خصوص ذي اليد و غيره بل كلّ متشبث بالأمارة الشرعية سواء كانت أصلًا أو غيره و لم توجد للآخر.

أمّا الوجه الأوّل، فلا يمكن إجراؤه في المقام، ضرورة أنّه لا يد للإنسان على نفسه، سواء كان حرّاً أو رقّاً، حتّى يعطيها بمن يقر له بالرقية. و هذا معنى ما ذكره الفاضل في الكشف.

لا يقال: لو لم يكن يد المقر في المقام على نفسه، فكيف يجعل المقر له ذا يد عليه في صورة عدم البينة حسبما اعترف به الفاضل في الكشف (1).

لأنّا نقول: صيرورة المقر له ذا يد على المقر في صورة عدم البينة ليست من جهة كشف الإقرار عن بدلية يد المقر عن يد المقر له، بل من جهة أنّ بعد قيام الحجة على ملكية المقر للمقر له و هي إقراره يحكم بكونه ملكاً له، فيصير ذا يد عليه. فهو كما لو شهدت البينة على الملكية فإنّ صيرورته ذا اليد بعدها إنّما هي من الحيثية التي ذكرناها.

و أمّا الوجه الثاني، فهو و إن كان جارياً في صورة عدم البينة منهما حسب ما عرفته، لكنّه لا يجري في صورة إقامة البينة منهما، لأنّ البيّنتين اتّفقتا على عدم صلاحية المقرّ للإقرار، و خروجه عن القابلية من حيث كونه مملوكاً لأحدهما. و هذا بخلاف البينتين القائمتين على ملكية ما في يد الثالث للمتداعيين، فإنّهما لا تخرجان المقر عن قابلية الإقرار، فيمكن القول بسماع الإقرار ثمّة و صيرورته مرجّحاً لإحدى البينتين و لا نقول به في المقام. نعم، لو لم نقل بسماع الإقرار هناك ففي المقام لا نقول به بالأولوية.

____________

(1) نفس المصدر.

1120

..........

____________

و إن شئت قلت في وجه الفرق: إنّ البينة القائمة على خلاف المقر و يخالفها الإقرار تخرج المقر عن قابلية الإقرار في المقام. و هذا بخلاف ذلك المقام، فإنّ المقر باق على قابلية الإقرار و لو بملاحظة البينة القائمة على خلاف إقراره. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه و هو كما ترى لا يخلو عن شوب الإجمال و تطرّق النظر.

أمّا أوّلًا: فلإمكان أن يقال بثبوت اليد للإنسان على نفسه، لأنّ المراد من اليد ليس هو الملك حتّى يقال بعدم تعقّل كون الشخص مالكاً لنفسه، بل هو الاستيلاء الكاشف عن الاختصاص الملكي لو وجد محلًا قابلًا و إلّا لأمكن المناقشة في صدق الإقرار على النفس على إقراره، لأنّ من لا يكون مسلّطاً على شي‌ء لا يصدق على إقراره به أنّه إقرار على نفسه، فتأمّل.

و ثانياً: سلّمنا أنّه لا يد له على نفسه، لكن نقول إنّه لا يعقل الفرق بين المقامين في سماع الإقرار، لأنّه لو بني على ملاحظة ما اتّفقت عليه البينتان و اعتبارهما فيه، فلا يعقل الحكم بسماع الإقرار في المقامين، لأنّهما كما تخرجان المقر عن قابلية الإقرار في المقام، كذلك تخرجان المقر به عن قابلية الإقرار به في ذلك المقام.

و بعبارة أخرى أوضح: كما يتوقّف صدق الإقرار على النفس الّذي أمضاه الشارع على قابلية المقر، كذلك يتوقّف على عدم كون المقر به مالًا لغير المقر بالبينة الشرعية، و إلّا لم يصدق على الإقرار به أنّه إقرار على النفس بل على الغير.

فالفرق على هذا التقدير غير معقول و إن لم يبن على ملاحظة ما اتفقت عليه البينتان بل ملاحظة الإقرار مع قطع النظر عن البينتين أو معه، و الحكم بعدم اعتبارهما حتّى في القدر المتّفق عليه، فلا معنى للتفرقة أيضاً بل لا بدّ من البناء على السماع في المقامين. و بالجملة، كلّما نتأمّل لا نعقل الفرق بينهما، و اللّٰه العالم.

1121

[حكم ما لو ادّعى احد المدّعيين ملكيّة دار، و ادّعى الآخر ملكية نصفها]

قوله: «لو ادّعى داراً في يد زيد، و ادّعى عمرو نصفها، و أقاما البينة» (1) الخ (1).

[إذا كان التداعي بين شخصين]

____________

أقول: لا إشكال في القضاء لمدّعي الكلّ بنصفه حسب ما عليه المشهور، سواء أقرّ له مدّعي النصف به أو سكت لتمحّض النزاع على كل تقدير في النصف من الكل، فإن حلف من خرج باسمه القرعة أو حلف صاحبه على تقدير نكوله عن الحلف فهو، و إلّا فيقضى بينهما نصفين، فيكون لمدّعي الكل ثلاثة أرباع منه و لمدّعي النصف ربع.

و كذا لا إشكال في القضاء لمدّعي الكلّ بالكلّ لو كان في يدهما و أقاما بيّنة على ما هو المشهور من تقديم بيّنة الخارج، لخروج النصف عن يد مدّعي الكلّ و دخوله في يد مدّعي النصف، فيأخذه مدّعي الكل بالبينة و النصف الآخر من جهة عدم المعارضة.

هذا هو المشهور في المقامين و يقتضيه التحقيق، خلافاً لابن الجنيد فذهب إلى تقسيم العين في المقامين أثلاثاً على طريق العول (2). و الّذي حكاه عنه في المسالك (3) و إن كان فيما لو كانت العين في يدهما مع البينة منهما أو بدونهما، إلّا أنّ من التأمّل في كلامه يعلم عدم فرقه بين الصور.

قال فيما حكي عنه: «و يقتسمان الدار مع البينة و عدمها على طريق العول،

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 902.

(2) حكاه العلّامة عنه في المختلف: 8/ 406.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 121.

1122

..........

____________

فيجعل لمدّعي الكل الثلثان و لمدّعي النصف الثلث. لأنّ المنازعة وقعت في أجزاء غير معيّنة و لا مشار إليها، بل كلّ واحد من أجزائها لا يخلو من دعوى كل منهما باعتبار الإشاعة. فلا يتمّ ما ذكروه من خلوص النصف لمدّعي الكل بغير منازع، بل كلّ جزء يدّعي مدّعي النصف نصفه، و مدّعي الكل كله و نسبة إحدى الدعويين إلى الأخرى بالثلث فتقسم العين أثلاثاً، واحد لمدّعي النصف، و اثنان لمدّعي الكل فيكون كضرب الديّان في مال المفلس و الميت» (1) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و هذا الكلام منه مبني على ما تقدّم منّا في معنى الإشاعة، و أنّه عبارة عن تعلّق حق كلّ من الشريكين بكلّ جزء يفرض من العين. فإذا فرض كون النصف الّذي يدّعيه مدّعي النصف هو النصف المشاع لا المعيّن حسب ما هو المفروض فيتعلّق دعواه بكلّ جزء يفرض من العين، فلم يبق هناك جزء يتسالم لمدّعي الكلّ.

فإذا أردنا تصديقهما مع عدم قابلية العين لتصديقهما فيها بالنسبة إلى تمام ما يدّعيانه، فلا بدّ من أن يرد النقص على كلّ منهما بالنسبة إلى نصيبه بحيث تكون نسبتهما بعد ورود النقص عليهما كنسبتهما قبله مثلًا نسبة النصف و الكل نسبة الثلث و الثلثين، فلا بدّ من أن يكون نسبة ما ينقص عنهما أيضاً هو الثلث و الثلثين. و هذا معنى العول، و لازمه إعطاء الثلث لمدّعي النصف و الثلثين لمدّعي الكلّ، كما في الغريمين للميت إذا كانت نسبة حقّهما نسبه النصف و الكل. نعم، لو كان نزاعهما في النصف المعين من العين بحيث كان هو مورد النزاع ليس إلّا، لتمّ ما ذكره المشهور، إذ وقوع النزاع في جزء معيّن من الدار لا يقتضي وقوعه في الجزء الآخر.

هذا ملخّص ما ذكره (قدس سره) و هو كما ترى يرجع إلى دعوى سببية كلّ من الدعويين أو البينتين بالنسبة إلى ما يتعلّق به، و المفروض أنّ مدّعي الكل إنّما يريد تخليص كلّ جزء من العين و ملكيته له و مدّعي النصف يريد الأخذ من كل جزء يفرض من‌

____________

(1) راجع الجواهر: 40/ 482.

1123

..........

____________

العين و يدّعي استحقاقه في الجملة، فليس هنا جزء من العين متسالم ملكيته لمدّعي الكل أو غير متنازع فيه لمدّعي النصف بل تزاحمهما (1) بالنسبة إلى الجميع.

و فيه أوّلًا: أنّ هذا إنّما لا يستقيم على تقدير القول باعتبار البينة أو اليد من باب الطريقيّة (2)، و إنّما يستقيم مع غمض النظر عمّا سيجي‌ء على تقدير القول به من باب السببية فإنّ صورة الاجتماع حينئذٍ تصير مورد التزاحم، لوجود ما هو المناط للتأثير في كلّ واحد منهما على ما هو شأن المتزاحمين من بقاء الجهة في كلّ منهما في مورد الاجتماع و إنّما القصور من المحلّ ليس إلّا. و هذا بخلاف القول بالطريقية، فإنّ جهة الاعتبار و مناطه غير موجودة في أحدهما قطعاً، فلا مقتضي للأخذ بكلّ منهما في مورد الاجتماع قطعاً، هذا.

و لكنّك خبير بعدم ورود ما ذكر عليه، لأنّ كلامه إنّما هو على المشهور الملتزمين بالتقسيم في أمثال المقام من جهة أدلّة تصديق البينتين أو غيرها، فأمّا مبنى الكلام منه و منهم على اعتبار الأمارات من باب السببية في مقام الترافع أو على اعتبارها من باب الطريقية و الإلزام (3) بالتبعيض بالنسبة إلى جهة كشفها و ترتّب الأثر عليها و الحكم بصدقهما على ما هو معنى تبعيض الشي‌ء بالنسبة إلى ما يقتضيه.

و ثانياً: أنّ مجرّد وقوع النزاع على سبيل الإشاعة السارية في جميع الأجزاء لا يقتضي عدم سلامة جزء لمدّعي الكل، إذ كما يقال: إنّ كل جزء يفرض من العين يريد مدّعي النصف نصفه، كذلك يقال: إنّ كلّ جزء يريد مدّعي النصف من المجموع نصفه يبقى نصفه الآخر لمدّعي الكلّ بلا منازع. و مدّعي الكلّ و إن كان مقصوده رفع‌

____________

(1) نزاعهما، خ ل.

(2) في المخطوطة و المطبوعة «السببية» و ما اثبتناه هو الصحيح.

(3) الالتزام، خ ل.

1124

..........

____________

يد مدّعي النصف من كل جزء، لكن بالنسبة إلى نصفه فهو إنّما يقيم البينة على المجموع من حيث اشتماله على المدّعَى و هو النصف، لا أن يكون المقصود هو إثبات الكلّ من البينة من حيث الكل كما قد يتوهّم. فالتزاحم إنّما وقع حقيقة بالنسبة إلى نصف الكلّ فلا بدّ من الحكم بتقسيم البينتين بالنسبة إليه فيقسّم العين أرباعاً، ثلاثة أرباع لمدّعي الكلّ، و واحد لمدّعي النصف.

و هذا لا دخل له بمسألة العول، و لا مسألة اجتماع حقوق الغرماء في مال المفلّس و الميت الغير الكافي بها. فإنّ المفروض في هذه المسائل تعلّق كلّ من الحقّين الزائد و الناقص بالمال واقعاً، و إنّما القصور في العين، فصاحب الحق الزائد فيها معترف بثبوت الحقّ الناقص لصاحبه و أنّه لو وفى به المال كان له جميع حقّه و كذا صاحب الحق الناقص بالنسبة إلى الزائد.

و هذا بخلاف المقام، فإنّ الّذي يدّعيه مدّعي النصف هو بعينه الّذي يدّعيه مدّعي الكل، و يكذّب مدّعي النصف بالنسبة إليه، و أمّا مدّعي الكل فلا يكذّبه مدّعي النصف بالنسبة إلى النصف المشاع من المال و إنّما يكذّبه بالنسبة إلى نصف من الكلّ مشاعاً، فيحكم بالتقسيط بينهما بالنسبة إلى مورد التداعي و هو النصف من العين في مقابل النصف الآخر الّذي يكون آخريته باعتبار المعتبر. و بالجملة، لا أرى وجهاً للحكم بالتقسيم على طريق العول في المقام.

ثمّ إنّه حكي تنظير ما نحن فيه عن ابن الجنيد (1) بما لو كانت تركة الميت بمقدار ألف دينار و كان لأحد الغريمين عليه ألف و للآخر عليه ألفان، فكما أنّه في الفرض لا يحكم بتقسيم الألف أرباعاً من حيث اعتراف صاحب الألف بكون نصفه لصاحب الألفين بإزاء الألف، بل تقسّم بينهما على سبيل العول أثلاثاً، كذلك في‌

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 8/ 406.

1125

..........

____________

المقام. و أجاب عنه العلّامة (قدس سره) (1) بخروجه عن محلّ الفرض، لأنّ الحق من كلّ منهما في المثال مستوعب لتمام المال، فكلّ منهما يريد تمامه، فلا جزء هنا يسلم لمريد الزيادة و هذا بخلاف المقام.

و أورد شيخنا الأستاد دام ظلّه العالي على ما ذكره العلّامة (قدس سره) بأنّ ما ذكره من التقسيم على طريق العول جار فيما إذا كان حق أحد الغريمين في المثال أنقص من الألف، فهو فرار عن الجواب. و الحق في الجواب ما ذكرنا من فساد المقايسة على ما عرفته.

ثمّ إنّ هذا كلّه فيما إذا كان التداعي بين شخصين،

و أمّا إذا كان بين أزيد من الشخصين،

فتارة لا يستوعب ما يدّعيه غير مدّعي الكلّ بأن ادّعى أحدهما النصف و الآخر الثلث. و أخرى يستوعبه، سواء ساواه، كما لو ادّعى أحدهما الثلثين و الآخر الثلث، أو زاد عنه، كما لو ادّعى أحدهما الثلثين و الآخر النصف.

أمّا الأوّل، فالظاهر أنّه لا إشكال في مساواة حكمه للصورة السابقة، فيبقى السدس سليماً عن المزاحم لمدّعي الكل، فيقسم الباقي بإعطاء اثنين لمدّعي النصف، و واحد لمدّعي الثلث، و ثلاثة لمدعي الكل. إذ مزاحمة مدّعي الثلث إنّما هو مع مدّعي الكلّ، إذ لا تعارض بينه و بين مدّعي النصف أصلًا، فلا معنى لورود النقص على حصّته و لا فرق فيما ذكرنا بين ملاحظة المدّعيين للكسرين و مدّعي الكلّ مجتمعين أو متفرّقين كما لا يخفى. و احتمل في القواعد (2) في المقام القول بالتقسيم على طريق العول على ما ذهب إليه ابن الجنيد. و يحتمله عبارته في المختلف 3 أيضاً. و لم يعلم وجه الفرق بينه و بين الصورة الأولى، و هي ما لو كان‌

____________

(1) 1 و 3 مختلف الشيعة: 8/ 406.

(2) 3 قواعد الأحكام: 3/ 471 473.

1126

التداعي بين النصف و الكل.

و أمّا الثاني و هو صورة الاستيعاب، سواء كان مع مساواة الكسور للكل، أو زيادتها منه، فالذي عليه المشهور عدم الفرق أيضاً، فيقسّم على غير طريق العول من غير فرق بين ملاحظة المدّعيين مجتمعين أو متفرّقين. و يظهر من العلّامة (رحمه الله) (1) موافقته لابن الجنيد في الصورة، لعدم بقاء جزء من العين خالياً عن المزاحم له.

و كلامه و إن كان مطلقاً شاملًا للصورة السابقة أيضاً، إلّا أنّه حمله الفاضل في الكشف على صورة الاستيعاب من حيث عدم وجه للفرق بين صور عدم الاستيعاب حيث قال بعد نقله ما ذكره الفاضل في المختلف من قوله بعد نقل خلاف ابن الجنيد: «و هو الأقوى عندي لو زاد المدّعون على اثنين» 2 ما هذا لفظه: «يعني و استوعب دعاوى غير مدّعي الجميع للعين، أو زادت عليها، كما إذا ادّعى أحد الثلاثة الجميع، و آخر منهم الثلثين، و آخر منهم الثلث أو النصف. فإنّه حينئذٍ لا يبقى في العين جزء لا تزاحم [لا نزاع] فيه. بخلاف ما إذا ادعى أحد [هم] الجميع و كلّ من الآخرين الثلث» 3 انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة أو أربعة، و الحق هو ما ذهب إليه المشهور في جميع الصور. و يدلّ على ما ذكرنا، مضافاً إلى ما عرفت، مرسل ابن المغيرة عن الصادق (عليه السلام): «في رجلين كان بينهما [معهما] درهمان، فقال أحدهما:

الدرهمان لي. و قال الآخر: هما بيني و بينك. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أمّا الّذي قال: هما بيني و بينك، فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له في شي‌ء و أنّه لصاحبه. و أمّا الآخر فبينهما خلاف» 4 و كذا مرسل ابن أبي حمزة عنه أيضاً 5. وجه الدّلالة: أنّك قد عرفت‌

____________

(1) 1 و 2 مختلف الشيعة: 8/ 406.

(2) 3 كشف اللثام: 2/ 356 357.

(3) 4 كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 35؛ تهذيب الأحكام: 6/ 208؛ وسائل الشيعة: 18/ 450. مع اختلافات متعددة فيها.

(4) 5 تهذيب الأحكام: 6/ 292؛ وسائل الشيعة: 18/ 450.

1127

في طي كلماتنا السابقة أنّ الرواية ظاهرة في صورة الإشاعة بملاحظة قوله: «بيني و بينك» و لو لم تكن ظاهرة فيها يمكن القول بظهورها في المدّعَى أيضاً بملاحظة التعليل. هكذا ذكره الأستاد العلّامة. و توهّم اختصاص كلام ابن الجنيد بصورة عدم الإقرار ممّا هو فاسد جزماً، هذا.

و ذكر بعض مشايخنا طيب اللّٰه تربته بعد كلام له في المقام على ما ذكره ابن الجنيد ما هذا لفظه: «و لكنّ الإنصاف مع ذلك عدم خلوّ كلام ابن الجنيد من قوة، مع تزاحم الأمارات الشرعية، و لم يكن شي‌ء متسالم عليه فيما بينهم أنّه لأحدهم و لعله لذلك أو لما يقرب منه سمعت الميل إليه في المختلف (1) فيما فرضه، فلاحظ و تأمّل» (2) انتهى كلامه.

____________

(1) مراده قوله: «و هو الأقوى عندى لو زاد المدّعون على اثنين». مختلف الشيعة: 8/ 406.

(2) جواهر الكلام: 40/ 483.

1128

[إذا تداعى الزوجان في متاع البيت و لم تكن هناك بيّنة]

قوله: «إذا تداعى الزوجان متاع البيت» (1) الخ (1).

أقول: في المسألة و نظائرها أقوال:

أحدها: [أنّه لو كانت لأحدهما بيّنة قضي له بها.]

____________

ما عليه المشهور حسب ما حكي، بل حكى عليه في الرياض (2) عدم الخلاف، أنّه لو كانت لأحدهما بيّنة قضي له بها. و إن كانت لكلّ منهما بيّنة يدخل فيما تقدّم حكمه كلية في باب تعارض البينات إذا كانت العين بيدهما. و إن لم تكن هناك بيّنة أصلًا فيقضى بينهما بالتنصيف بعد حلف كلّ منهما لصاحبه، من غير فرق في ذلك كلّه بين ما يختصّ بالرجال مثلًا كالعمائم، أو النساء كالحلي و المقانع مثلًا.

و بين أن يكون الدار لهما أو لأحدهما، و سواء كانت الزوجية باقية أو زائلة. بل في محكي كشف اللثام: «و سواء كانت يداهما عليه مشاهدةً كالعمامة أو الخلخال يلبسانه [تشبثا به]، أو حكماً و هو الكون في بيت يسكنانه. و سواء جرت العادة بجهاز [في جهاز] مثلها بقدره، أم [أو] لا» (3) انتهى.

و استدلّوا عليه بعموم ما دلّ على أنّ البينة على المدّعي و اليمين على من أنكر (4). و لا يخفى عليك أنّ هذا الدليل على فرض تماميته لا يقتضي الحكم بالتمام إذا كان لأحدهما بيّنة، بناءً على القول المشهور من عدم سماع البينة من المنكر أصلًا‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 907.

(2) رياض المسائل: 2/ 417.

(3) كشف اللثام: 2/ 355.

(4) وسائل الشيعة: 27/ 293؛ عوالي اللئالي: 1/ 244 و 453، 2/ 258 و 345، 3/ 523.

1129

..........

____________

و المفروض أنّ كلّاً منهما بالنسبة إلى نصف ما في يدهما منكر. نعم، بناءً على ما ذكرنا من سماع البينة من المنكر إذا لم يكن بيّنة للمدّعي كان ما ذكروه في غاية الوجاهة.

ثانيها: ما حكي عن الشيخ (رحمه الله) في الخلاف (1) من أنّه ما يصلح للرجال للرجل، و ما يصلح للنساء للمرأة،

و ما يصلح لهما يقسّم بينهما بعد التحالف أو النكول. و قد سبقه إلى ذلك الإسكافي (2) و لحقه جماعة (3)، بل في المسالك (4) نسبته إلى الأكثر، بل عن نكت النهاية (5) للمصنف نسبته إلى المشهور، بل عن الخلاف 6 و السرائر 7 الإجماع عليه. و مستند هذا القول صحيح النخّاس عن الصادق (عليه السلام): «إذا طلّق الرجل المرأة و في بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، و ما يكون للرجال و النساء يقسّم بينهما. قال:

و إذا طلّق الرجل المرأة فادّعت أنّ المتاع لها و ادّعى الرجل أنّ المتاع له، كان له ما للرجال و لها ما للنساء» 8. و بمضمونه أيضاً روايات 9 إلّا أنّها مختصة ببعض الأشياء و بما يصلح للمرأة إلّا أنْ يفهم منها التعميم من الجهتين بالحمل على التمثيل و المفهوم، فراجع إليها.

ثالثها: أنّه للمرأة،

و أفتى بها الشيخ (رحمه الله) في المبسوط [الاستبصار] 10، و تبعه‌

____________

(1) 1 و 6 الخلاف: 6/ 352.

(2) حكاه عنه في رياض المسائل: 2/ 417.

(3) المهذب: 2/ 579؛ الجامع للشرائع: 526 527؛ التحرير: 2/ 200؛ رياض المسائل: 2/ 417.

(4) مسالك الأفهام: 14/ 136.

(5) لم نعثره في نكت النهاية، و لكن حكاه عنه في الجواهر: 40/ 494.

(6) 7 السرائر: 2/ 192 193.

(7) 8 الاستبصار: 3/ 46 47؛ وسائل الشيعة: 26/ 216، و في التهذيب أيضاً مع اختصارٍ.

(8) 9 راجع الاستبصار: 3/ 44 46؛ و وسائل الشيعة: 26/ 213.

(9) 10 أفتى بها الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار: 3/ 47 و لم نجده في المبسوط؛ و مسالك الأفهام: 14/ 137 و فيه حكاه عن الاستبصار لا المبسوط؛ الكفاية: 278؛ الجواهر: 40/ 495.

1130

جماعة (1) و مستنده صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و خبر آخر. قال عبد الرحمن بن الحجاج: «سألني أبو عبد اللّه (عليه السلام): كيف قضاء [قضى] ابن أبي ليلى؟ قلت له: قد قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه، في التي يتوفّى عنها زوجها فيجي‌ء [فيختلف] أهلها و أهله في متاع البيت، فقضى فيها بقول إبراهيم النخعي ما كان من متاع الرجل فللرجل [يكون للرجل فللرجل]، و ما كان من متاع النساء فللمرأة، و ما كان من متاع يكون للرجل و المرأة قسّمت بينهما نصفين. ثمّ ترك هذا القول فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل، لو أنّ رجلًا أضاف رجلًا فادّعى متاع بيته كلّف [كلّفه] البينة، و كذلك المرأة تكلّف البينة، و إلّا فالمتاع للرجل. و رجع إلى قول آخر فقال: إنّ القضاء أنّ المتاع للمرأة إلّا أن يقيم الرجل البينة على ما أحدث في بيته. ثمّ ترك هذا القول و رجع إلى قول إبراهيم الأوّل، فقال (عليه السلام): القضاء الاخير [الآخر] و إن كان رجع عنه، المتاع متاع المرأة، إلّا أن يقيم الرجل البينة و قد علم من بين لابتيها يعني بين جبلي منى لأنّه قال له و نحن يومئذ بمنى أنّ المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع» الحديث (2). و الخبر (3) أيضاً قريب منه إلّا أنّ فيه استثناء الميزان. هذا ملخّص الأقوال و ملخّص أدلّتها.

و قد ذكر الأستاد العلّامة أنّه لا إشكال أنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو الحكم بخروج يد المرأة عن المتاع لو كان الدار للرجل. و كذا بالعكس لو كان الأمر بالعكس، لأنّ اليد على الدار في نفسها تقتضي اليد على متاعها. نعم، لا إشكال في كون كلّ منهما ذا اليد بالنسبة إلى ما في يده حقيقة كلباسه و هو خارج عن إطلاق‌

____________

(1) راجع الخلاف: 6/ 352.

(2) الاستبصار: 3/ 45؛ تهذيب الأحكام: 6/ 297. مع تفاوت يسير.

(3) الكافي: 7/ 130 131؛ الاستبصار: 3/ 45 46؛ تهذيب الأحكام: 6/ 298، 9/ 300 301؛ وسائل الشيعة: 26/ 214.

1131

المتاع، ففيه يحكم بمقتضى القاعدة.

و يدلّ على ما ذكرنا ما في بعض الروايات: «من استولى على شي‌ء فهو له» (1) و إن تمّت الأخبار الواردة في حكم المتاع من غير فرق فيما ذكرنا من مقتضى الأصل بين ما يصلح للرجل و ما يصلح للمرأة و ما يصلح لهما، و بين جريان العادة على حمل المتاع من بيت الرجل و بالعكس، إلّا أنّه في بعض الصور يكون مقتضى العادة الظنية و الظهور على خلاف ما ذكرنا و هما لا يقتضيان الخروج عن مقتضى الأصل الأوّلي ما لم يقم الدليل على اعتبارهما، لأنّك قد عرفت أنّ المناط في صدق المدّعي و المنكر هو الظهور المعتبر لا مطلق الظهور، سيّما و إنّ المقام من الموضوعات، فكيف يقال باعتبار مطلق الظهور فيه. نعم، ما جرى عليه الأوّلون يكون على طبق الأصل لو كانت الدار بينهما. هذا بالنظر إلى مقتضى الأصل الأوّلي، إلّا أنّ مقتضى صحيحة عبد الرحمن [بن] الحجاج (2) الحكم بكون اليد للمرأة.

و لا يخفى أنّ مقتضى التعليل المذكور فيها هو كون المناط في الحكم بتحقّق اليد هو استقرار العادة بحيث أمكن الحكم بمقتضاها على سبيل الاطمينان و الوضوح، فلو فرض أنّ في بلد استقرّت العادة على عكس ما في مكة، يحكم بمقتضاها فيحكم باليد للرجل، و لو لم تستقرّ عادة من الطرفين يرجع إلى الأصل الّذي قرّرناه.

و يمكن أن يحمل عليه ما في جملة من الروايات من الحكم باختصاص ما يصلح للرجال بالرجل و ما يصلح للنساء بالمرأة فيقال: إنّ الرواية واردة فيما استقرّت العادة على أنّ ما يصلح للرجال فيشتريه الرجل و ما يصلح للنساء فتشتريه المرأة و تزف إلى بيت الرجل. فتصير الصحيحة بمقتضى ظهور التعليل دليلًا على‌

____________

(1) تهذيب الأحكام: 9/ 302؛ وسائل الشيعة: 26/ 216.

(2) الاستبصار: 3/ 45؛ تهذيب الأحكام: 6/ 297.

1132

اعتبار مثل الظهور المفروض فيه في جميع المقامات.

و بالجملة لو قامت حجّة قاطعة على الخروج من مقتضى الأصل الأوّلي فهو، و إلّا فالمتعيّن الجري عليه. و ممّا ذكرنا كلّه يظهر فساد ما ربما تمسّك به جماعة للقول الرابع من الاعتياد. و وجه الظهور ظاهر.

هذا ملخّص ما أفاده دام ظلّه و قد سبقه إلى ما ذكره في كيفية الاستدلال بالرواية، ثاني الشهيدين في المسالك (1) و إن خالفه في تقرير الأصل الأوّلي و بعض أشياء أخر حيث قال ما هذا لفظه: «و المعتمد أنْ نقول: إنّه إن كان هناك قضاء عرفي يرجع إليه و يحكم به بعد اليمين، و إلّا كان الحكم فيه كما في غيره من الدعاوى» إلى أن قال: «لنا أنّ عادة الشّرع في باب الدعاوى بعد الاعتبار و النظر، راجعة إلى ما ذكرناه، و لهذا حكم بقول المنكر مع اليمين بناءً على الأصل، و بأنّ المتشبّث أولى من الخارج لقضاء العادة بملكية ما في يد الإنسان غالباً» (2) إلى أن قال: «و اعلم أنّ ما رواه الشيخ (رحمه الله) من الأحاديث يعطي ما فصّلناه نحن أوّلًا. و يدلّ عليه حكمه [بحكمه] (عليه السلام) بأنّ [فإنّ] العادة قاضية بأنّ المرأة تأتي بالجهاز من بيتها فيحكم لها به، و أنّ العادة قاضية [أيضاً] بأنّ ما يصلح للرجال خاصّة فإنّه من مقتضياته [مقتنياته] دون مقتضيات [مقتنيات] المرأة، و كذا ما يصلح للمرأة خاصة يكون من مقتضياتها [مقتنياتها] دون مقتضيات [مقتنيات] الرجل» إلى أن قال: «و لو فرض خلاف هذه العادة في وقت من الأوقات أو صقع من الأصقاع لم يحكم لها» (3)، «ضرورة أنّ مبناه‌

____________

(1) لا يخفى أنَّ العبارة الآتية هي عبارة العلّامة في المختلف، و لكن المصنّف اعتمد في نقله على ما نقله صاحب الجواهر عنه و اشتبه عليه الأمر في نقله اسم المنقول عنه كما يوجبه عبارته و لهذا عدّ جملة من كلام الجواهر في آخره (أي قوله: ضرورة أنّ مبناه أوّلًا و آخراً الرجحان الناشي من العادة) تتمّة لعبارة المختلف. راجع الجواهر: 40/ 496 497.

(2) مختلف الشيعة: 8/ 391.

(3) مختلف الشيعة: 8/ 393 394. و فيه: «و لو فرض خلاف هذه العادة ... لحكم لها».

1133

أوّلًا و آخراً الرجحان الناشئ من العادة» إلى آخر ما ذكره (قدس سره) (1).

أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره الأستاد العلّامة من مقتضى الأصل الأوّلي لم يسبقه إليه أحد، بل ظاهر كلماتهم خلافه و هو الحق، لأنّ من الواضح أنّه لا يحكم أهل العرف بتسلّط المالك منهما للدار بالنسبة إلى ما فيها من المتاع المشترك بينهما في الاستعمال سيما مع ملاحظة استقرار السيرة على حمل المتاع إلى بيت الرجل من المرأة و لو في الجملة. و من المعلوم أنّ الحكم بتحقّق اليد عرفي لا يتبع مالكية الدار و عدمها. فما ذكره الأوّلون هو مقتضى الأصل الأوّلي بالنسبة إلى غير ما في يدهما حقيقة كاللباس و نحوه. نعم، ما ذكره في استفادة المطلب من الروايات في غاية المتانة إلّا أنّ عدم العمل بها سيما مع استثناء الميزان و نحوه في بعضها يوجب الوهن فيها، فتأمّل.

____________

(1) في جواهر الكلام: 40/ 496 497.

1134

[لو مات الأب المسلم عن ابنين فتصادقا على تقدم اسلام احدهما على موت الأب]

قوله: «لو مات [الأب] المسلم عن ابنين، فتصادقا على تقدّم إسلام» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ ما ذكره من باب مجرّد المثال، ضرورة أنّه لا فرق في الحكم المذكور بين كون المورّث الأب و غيره. فحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يكون تاريخ إسلام المختلف في زمان إسلامه مع تاريخ موت المورّث كلاهما مجهولين، و إمّا أن يكون تاريخ الموت معلوماً و تاريخ الإسلام مجهولًا، و إمّا أن يكون الأمر بالعكس.

لا إشكال عندنا و عند كل من تعرّض للمسألة، حسب ما حكي، في كون القول في الصورتين الأوليين قول المتّفق على اسلامه زمان الموت، لأنّه مقتضى أصالة عدم إسلام الآخر في زمان موت المورّث، فيثبت تمام الإرث للمتّفق على إسلامه مع حلفه على نفي علمه إن ادّعي عليه العلم، بناءً على ما هو المشهور من اشتراط دعوى العلم فيما يكون الميزان فيه اليمين على نفي العلم. و لا يعارضها في الصورة الأولى أصالة عدم تقدّم الموت على الإسلام، لأنّه لا يترتّب عليها أثر إلّا على القول باعتبار الأصول المثبتة الغير الثابت عندنا، لأنّ الّذي يترتّب عليه الأثر هو كون الموت مؤخّراً عن الإسلام و بعده، و من المعلوم أنّ هذا لا يجوز إثباته بالأصل المذكور على ما عرفت، و مثل هذا لا يجري في الأصل الجاري في الطرف المقابل، لأنّ مجرّد عدم إسلام الابن في زمان موت المورّث الّذي هو عين المستصحب، يكفي في الحكم بعدم استحقاقه للإرث، لأنّه عبارة عن استحقاق القريب من قريبه‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 907.

1135

..........

____________

شيئاً بموته، و انتقال المال منه إليه بواسطة موته بشرط كونه مسلماً، فالسبب هو الموت عن قريب مسلم، فمجرّد عدم الإسلام في زمان الموت يكفي في الحكم المذكور من غير احتياج إلى شي‌ء.

و محصّل ما ذكرنا في المقام أنّا قد ذكرنا في الأصول غير مرّة بل في الفقه أيضاً بحسب اقتضاء المقام أنّه كلّما تعارض الأصل في حادثين شكّ في تقدّم أحدهما على الآخر مع عدم معلومية تاريخ أحدهما، فلا بدّ من أن يلاحظ أنّ الأثر الشرعي هل يترتّب على عدم كلّ منهما في زمان وجود الآخر، أو على تأخّر كلّ منهما وجوداً عن الآخر، أو على عدم أحدهما في زمان وجود الآخر، ففي الأوّل لا إشكال في وقوع التعارض، و في الثاني لا إشكال في عدم اعتبارهما بالنسبة إلى هذا الأثر إلّا على القول باعتبار الأصول المثبتة فيصير كالأوّل، و في الثالث يؤخذ بالأصل الّذي يترتّب الحكم الشرعي على نفس مجراه و هو عدم وجوده في زمان وجود الآخر، و لا يعارض بالأصل الّذي لم يترتّب الحكم الشرعي على مجراه بل على تأخّره عن وجود الحادث الآخر. ففي هذا المقام لا يحكم بوقوع المعارضة بينهما كما لا يخفى على الفطن. هذا ملخّص ما يستفاد من كلامهم في المقام.

و استشكل فيه بعض مشايخنا بأنّ ذلك إنّما يتمّ على تقدير كون الإسلام شرطاً في الإرث، لا كون الكفر مانعاً، حيث قال: «و لكن قد يشكل الأوّل بل و الثاني بناءً على أنّ أصالة تأخّر الحادث لا تفيد تأخّر نفس المدّعَى به عن نفس الآخر المعلوم تاريخه بأنّ ذلك يقتضي عدم الحكم بإسلامه قبل موت الأب، و ذلك لا يكفي في نفي الإرث المقتضي له نفس الولدية، و الكفر و الرق مانعان، لا الإسلام و الحرية شرطان حتّى يكفي فيه عدم تحقّق الشرط» (1) انتهى كلامه.

و تحقيق القول و تفصيله في المقام على وجه يرفع غواشي الأوهام عن وجه‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 504.

1136

..........

____________

المرام يقتضي التكلّم في المقامين: أحدهما، في توريث المختلف في زمان إسلامه و عدمه. ثانيهما، في إثبات كون جميع الإرث للمتّفق على إسلامه بعد البناء على الحكم بعدم توريث الآخر.

فنقول:

أمّا المقام الأوّل: [توريث المختلف في زمان إسلامه و عدمه]

فلا إشكال في أنّ الحق هو ما عليه المشهور من عدم توريث المختلف في بدو زمان إسلامه فيما لم يكن له بيّنة، بناءً على ما عرفت من تحقيقنا المتقدّم من عدم التعارض بين الأصلين في الحادثين إذا ترتّب على عدم أحدهما في زمان الآخر أثر شرعي من غير عكس.

و أمّا ما ذكره شيخنا المتقدّم، ففيه أوّلًا: أنّ ما ذكره إنّما يكون صحيحاً إذا قلنا بأنّ الكفر أمر وجودي فإنّه حينئذٍ يمكن أن تردّد الأمر بين كونه مانعاً، أو كون الإسلام شرطاً. و أمّا إذا قلنا بكونه عدمياً، حسب ما عليه جماعة و مال إليه الأستاد العلّامة في مجلس البحث، فلا معنى للترديد المذكور، لأنّ المانع لا يكون إلّا وجودياً، فيستكشف من استلزام العدم للعدم أن الوجود شرط، لأنّ هذا هو معنى الشرط. و لعمري إنّه وقع كثيراً ما هذه المغالطة في كلماتهم في جملة من المسائل، كما في مسألة الموت، و التذكية، و غيرها. و أمّا ذكرهم الكفر في عداد المانع فإنّما هو مبني على التسامح، كما في كثير من الموانع التي ذكروها، فارجع إلى قواعد الشهيد (1) حتّى تعلم حقيقة الحال.

و ثانياً: أنّه على فرض تسليم كون الكفر أمراً وجودياً نقول: إنّ الحكم الشرعي و هو الإرث و عدمه إنّما ترتّب في الشّرع على الإسلام و عدمه، لا على الإسلام و الكفر، لأنّا نقطع بأنّ الحكم الشرعي عدم توريث غير المسلم من المسلم و إن فرض عدم تديّنه بإحدى الملل الفاسدة.

و ثالثاً: سلّمنا أنّ الكفر مانع، لكنّه لا يجدي في المقام، لأنّ الرجوع إلى أصالة‌

____________

(1) راجع القواعد و الفوائد: 1/ 187 و القاعدة 38 و 106 من القواعد و الفوائد.

1137

عدم المانع إنّما هو فيما لم يكن المانع مسبوقاً بالوجود، و إلّا فيستصحب بقاؤه فيرتفع الثمرة حينئذٍ بين كون الإسلام شرطاً و الكفر مانعاً. و هذا أمر واضح عند ذوي الأفهام المستقيمة.

ثمّ إنّه ربما يستفاد من مطاوي كلمات شيخنا المتقدّم التمسّك في قبال المشهور بعموم ما دلّ على إرث القريب من القريب، خرج منه معلوم الكفر، فيبقى الباقي.

و قد وقع مثل هذا كثيراً في كلماتهم و هو أيضاً فاسد، لأنّا حقّقنا في محلّه أنّ التمسّك بالعام في المجمل المصداقي لا يجوز إلّا إذا كان هناك أصل موضوعي يشخص كونه من المخصّص لا من أفراد المخصص، كما إذا ورد من المولى: (أكرم العلماء)، ثمّ ورد: (لا تكرم فسّاقهم)، و شككنا في فرد غير معلوم الفسق سابقاً أنّه فاسق أو عادل، فبأصالة عدم فسقه يحرز كونه غير فاسق. و تمام الكلام مذكور في محلّه، فافهم. هذا كلّه بالنسبة إلى الكفر.

و أمّا الرقية، فلا يخلو إمّا أن نقول بأنّ الرق غير قابل للتملّك أصلًا بحيث إنّ مقتضى التملّك فيه ليس بموجود كما عليه المشهور، و إمّا أن نقول بأنّ عدم تملّكه من جهة المانع. فعلى الأوّل يكون كالأوّل فيجري فيه جميع ما عرفته فيه. و أمّا على الثاني و إن لم يرد عليه جميع ما تقدّم في الأوّل إلّا أنّه يجري فيه أيضاً الإيراد الثالث كما لا يخفى. هكذا ذكره الأستاد العلامة.

و لكن يرد على المشهور في القسم الأوّل، أنّ ما ذكروه إنّما يكون وجيهاً بناءً على ما عرفته منّا من عدم جواز الاتّكال على الأصول المثبتة، و هذا هو الّذي دعانا إلى التفصيل بين الأصلين الجاريين في الحادثين بما عرفته. و أمّا بناءً على ما عليه الأكثرون من كون اعتبار الاستصحاب من باب الظن و عدم الفرق فيه بين الأصول المثبتة و غيرها، فما ذكروه لا يخلو عن إشكال، لأنّ أصالة عدم الاسلام في زمان الموت على هذا التقدير لا تسلم عن معارضة أصالة عدم تحقّق الموت قبل‌

1138

الإسلام، فثبت تحقّقه بعده. و هذا الإشكال ممّا لا مدفع له عن كلام المشهور.

نعم، ذكر الأستاد العلّامة في وجه دفعه أنّ المشهور إنّما يلتزمون بالأصول المثبتة فيما كان من اللوازم العقلية للمستصحب أو العادية، لا فيما كان من الاتّفاقيات و المقارنات. و فيه على تقدير صدق النسبة أنّا نطالبهم بدليل هذا التفصيل بعد فرض كون اعتبار الاستصحاب من باب الظن و الطريقية. نعم، يمكن أن يقال: إنّ بعد تعارض الأصلين و تساقطهما يكون المرجع أصالة عدم تحقّق الاستحقاق، فتأمّل. هذا مجمل القول في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني و هو إثبات تمام الإرث للمتّفق على إسلامه زمان الموت،

فالحقّ فيه أيضاً مع المشهور، حيث إنّ الّذي يقتضيه التحقيق المحقّق في محلّه كون نفس القرابة مقتضياً لانتقال تمام المال إلى القريب، فيقع التزاحم بين الوارثين فيكون التقسيط بينهما من جهة وجود مقتضي التمام في كلّ منهما فيفضي إلى التبعيض بمقتضى التزاحم بعد بطلان التخيير. فالمانع من انتقال تمام المال إلى كلّ من الوارثين ليس إلّا وجود الوارث الآخر، فإذا ثبت عدم وجوده فيترتّب حكمه عليه. و بعبارة أخرى: المقتضي لانتقال تمام الإرث إلى الابن مثلًا، عدم وجود ابن مسلم آخر مثلًا معه، فإذا ثبت عدم وجوده فلا بدّ من الحكم بانتقال تمام المال إليه.

و هذا ممّا لا إشكال فيه إن شاء اللّٰه. هذا مجمل القول في الصورتين الأوليين.

و أمّا الكلام في الصورة الثالثة، و هي ما إذا كان زمان الإسلام معلوماً و زمان الموت مجهولًا، فالذي يظهر من المصنف في المتن (1) و من غيره في غيره أنّ القول قول من يدّعي تأخّر زمان الموت، إمّا لاستصحاب بقاء حياة المورّث إلى زمان حصول العلم بالموت كما عن جماعة (2)، و إمّا من جهة عدم العلم بتحقّق المانع مع‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 908.

(2) المبسوط: 8/ 273؛ قواعد الأحكام: 3/ 480؛ تحرير الأحكام: 2/ 200؛ إيضاح الفوائد: 4/ 395؛ مسالك الأفهام: 14/ 142؛ مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 269؛ كشف اللثام: 2/ 361.

1139

وجود المقتضي حسب ما صرّح به بعض مشايخنا (1)، بناءً على ما عرفت منه و عرفت ما فيه (2).

و لكن الّذي يقتضيه التحقيق تطرّق الإشكال إلى ما ذكروه بناءً على ما هو المحقّق عندنا من عدم الاعتبار بالأصول المثبتة، لأنّ استصحاب حياة المورّث لا يثبت تأخّر زمان موته عن زمان الإسلام، و بدونه لا ينفع. نعم، ما ذكروه بناءً على ما بنوا عليه الأمر من عدم الفرق بين الأصول المثبتة و غيرها ممّا لا ضير فيه.

لا يقال: لا حاجة إلى إثبات تأخّر الموت عن زمان الإسلام حتّى يقال: إنّ إثباته بالأصل لا يجوز، لأنّه بعد ما علم من الشّرع أنّ موت أحد القريبين مع إسلام الآخر يوجب انتقال ماله إليه، فيحكم بمقتضى استصحاب الحياة التعليقي إلى زمان الإسلام و بعده بانتقال المال إلى الوارث المسلم.

لأنّا نقول: الشرط في الإرث هو الموت عن قريب مسلم، و هذا العنوان لا يمكن إثباته باستصحاب الحياة، لأنّه غير نفس الحياة إلى زمان الإسلام و بعده، فتدبّر.

هذا كلّه فيما إذا كان الاختلاف في زمان إسلام أحد القريبين المتيقّن كفره في برهة من الزمان. و أمّا إذا كان الاختلاف بين المتّفق على إسلامه و غيره في أصل إسلام الغير، فمقتضى الأصل و إن كان ما ذكرنا من عدم الحكم بالإسلام و أنّ القول قول المتّفق على إسلامه إلّا أنّه إذا كان هناك أمارة شرعية على إسلامه فيرفع اليد عن الأصل بها، كما إذا كان في دار الإسلام، كما أنّه إذا كان مقتضى الأمارة الشرعية الكفر، كما إذا كان في دار الكفر لم يحكم بالإرث حتّى على قول من يذهب إلى الحكم بالإرث بمقتضى الأصل.

____________

(1) راجع جواهر الكلام: 40/ 506.

(2) من بنائه على كون الكفر مانعاً، و إيراد المصنف عليه بأن الكفر ليس أمراً وجودياً كي يكون مانعاً، بل هو أمر عدمي و ليس قابلًا للمانعية، فالإيمان هو المقتضي.

1140

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا كلّه أيضاً فيما إذا كان هناك من يتّفق على إسلامه قبل موت المورّث. و أمّا إذا اتّفقا على عدم إسلامهما في جزء من زمان حياة الأب و ادعى كلّ منهما إسلامه قبل زمان موته و إسلام صاحبه بعده، فهل يحكم لو لم يكن هناك بيّنة لأحدهما بالتنصيف بينهما نظراً إلى ثبوت المقتضي للتوريث و عدم ثبوت المانع حسب ما يظهر من كلام شيخنا المتقدّم ذكره (1)، أو من جهة ظهور يد كلّ منهما على الدار في الفرض المذكور في المتن في كونه ملكاً له، فيأخذ كلّ منهما نصفه بعد الحلف لصاحبه كما في المسالك (2)، أو لا يحكم به لشي‌ءٍ منهما نظراً إلى عدم ثبوت الشرط في زمان الموت لو قلنا بأنّ الإسلام شرط أو انتفاء المانع و لو بالأصل، و لو قلنا بأنّ الكفر مانع، لأنّ المفروض سبق كفر كلّ منهما فيستصحب؟

وجهان، أوجههما الأخير حسب ما يستفاد من كلام الفاضل في كشف اللثام (3) فراجع. و الوجه فيه يعلم من ملاحظة ما ذكرنا، فلاحظ.

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 504.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 141.

(3) كشف اللثام: 2/ 361.

1141

[لو كان دار في يد انسان و ادعى آخر أنّها له و لأخيه الغائب]

قوله: «دار في يد انسان [و] ادّعى آخر» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ الأمر لا يخلو في الصورة عن أنّ المدّعي إمّا يقيم بيّنة كاملة على ما ادّعاه أو لا. فإن أقام بيّنة كاملة فلا إشكال بل لا خلاف في أنّه يدفع إليه نصفه، و الوجه فيه واضح. فالمناقشة في عدم ثبوت النصف له بعد فرض عدم تسلّطه على تمام الدار بمكان من السقوط. و كذا لو فرض كون المدّعي غير الابن أو الحق غير النصف، بأن يكون الوارث أزيد من اثنين فيدفع إليه بقدر نصيبه أيضاً إن أراده و طالبه و إلّا فيحكم له بثبوت الحق في العين على وجه الإشاعة بنسبة حقّه، فهل ينتزع النصف الآخر عن يد المنكر و يجعل في يد أمين، أو يحفظه حاكم الشّرع إلى حضور الغائب، أو لا ينتزع منه إلّا النصف الّذي هو حقّ المدّعي، و أمّا النصف الآخر فيبقى في يده إلى زمان حضور الغائب؟ وجهان بل قولان للشيخ في الخلاف (2) و المبسوط (3) و تبعه في كلّ منهما جماعة ممّن تأخّر عنه (4).

للأوّل عموم ما دلّ على كون البينة حجّة شرعية، و المفروض أنّ الحاكم ولي الغائب فيأخذ نصيبه ممّن قام البينة عليه، و لأنّه بإنكاره سقط عن الأمانة. و لما في‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 908.

(2) الخلاف: 6/ 340.

(3) المبسوط: 8/ 274.

(4) تبعه في قول المبسوط، الفاضل الأصفهاني في كشف اللثام: 2/ 361، و في قول الخلاف، العلّامة في المختلف: 8/ 447، و الفخر في الإيضاح: 4/ 396؛ و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: 14/ 143؛ و صاحب الجواهر في الجواهر: 40/ 507.

1142

..........

____________

كشف اللثام على ما حكي عنه من: «أنّ الدعوى للميّت و البينة له، و لذا يقضى منها ديونه» (1).

و للثاني عدم موجب للانتزاع لعدم صلاحية ما ذكر له. أمّا العموم، فإن كان المراد منه عموم ما دلّ على وجوب العمل بالبينة حسب ما هو الظاهر من كلام المستدلّ ففيه: أنّه على فرض وجوده لا ينفع إلّا لترتّب الآثار العملية عليها لا الانتزاع من يد المنكر الّذي بمعنى الحكم و القضاء بمقتضى البينة. و إن كان المراد منه عموم ما دلّ على وجوب القضاء بالبينة، ففيه: أنّه مختصّ بما إذا كان هناك مدّع كما قد مضى تفصيل القول فيه في طي كلماتنا السابقة؛ مضافاً إلى كونه من الأمور الواضحة و إقامة البينة من أحد الوارثين لا يقتضي إلّا جواز القضاء بالنسبة إلى ما يتعلّق به و يصحّ له دعواه و تسمع فيه.

و أمّا الثاني، فلأنّ خروجه عن الأمانة موقوف على حجية البينة بالنسبة إلى حق الغائب أيضاً و قد عرفت ما فيها. و أمّا ما ذكره في كشف اللثام 2، فبعدم دلالة له على المدّعَى إن لم يدلّ على الخلاف، حيث إنّ مقتضى كون الدعوى للميّت و البينة له و إنّما يدّعيه الوارث من حيث كونه وليه عدم ثبوت شي‌ء من المال بدون حضور جميع الورثة، حيث إنّ الولاية قائمة بهم جميعاً. سلّمنا عدم قيامها بالمجموع من حيث المجموع، لكنّه لا ينتج إلّا ولايته بالنسبة إلى مقدار حقّه في مال الميّت، فتدبر. هذا.

و قد ذكر في المسالك 3 الدليل الأخير للقول الثاني و لم يعلم له وجه أيضاً. و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في دلالة ما ورد في بعض الروايات من أنّ الحق للميت و الدعوى له و أنّه لا حقّ للوارث بالنسبة إلى غير نصيبه.

____________

(1) 1 و 2 كشف اللثام: 2/ 361.

(2) 3 مسالك الأفهام: 14/ 143.

1143

..........

____________

ثمّ إنّ المراد من البينة الكاملة حسب ما صرّح به جماعة، هي البينة العادلة الخبيرة التي تشهد على عدم وارث للميّت غير المدّعي. و من يقرّ به من جهة عدم علمه به.

و بعبارة أخرى: هي البينة التي تشهد بانحصار الوارث في المدّعي و من يقرّ به من جهة عدم علمه به مع كونها من أهل الخبرة؛ فلو شهدت بعدم الوارث عن علم لم تبطل شهادتها بذلك و إن لم يكن دعوى العلم منها صحيحة، لا بمعنى كونها محرّمة، بل بمعنى كونها في غير محلّها و جزافاً لبعد حصول العلم على العدم في أمثال المقام، فالقاطع فيه يكون قطاعاً لكن لا إشكال (1) في سماع شهادته، لأنّها ليست بأدون من الشهادة المستندة إلى عدم العلم و الأصل. لكن لا تعارض بيّنة الإثبات قطعاً إلّا أنْ تسند علمها إلى السبب المتعارف كأنْ تدّعي علمها بكون الميّت خصياً، هذا. و يظهر من بعض مشايخنا عدم سماع الشهادة على وجه عدم العلم و اشتراط الشهادة على النفي واقعاً و سيجي‌ء ما فيه.

ثمّ إنّه لا إشكال في اشتراط الخبرة في البينة في المقام كنظائره، مثل مسألة التقويم و غيرها لفحوى ما دلّ على وجوب التبيّن في خبر الفاسق، لأنّ الفسق ربّما لا يقتضي الكذب لحصوله بغيره من المعاصي. و هذا بخلاف عدم الخبرة في أمثال المقام فإنّه يوجب الوقوع في خلاف الواقع كثيراً ما، فيكون مثل خبر الكذوب في كثرة مخالفة الواقع.

فممّا ذكرنا يظهر فساد ما ربما يظهر عن بعض المشايخ من الحكم بعدم اشتراط الخبرة لإغناء اشتراط العدالة عنه حيث قال: «و دعوى المفروغية من‌

____________

(1) قد يستشكل في سماع الشهادة على نفي الوارث عن علم بناءً على عدم شمول أدلّة تصديق البينة و القضاء بها البينة التي تستند في شهادتها إلى الأسباب الغير المتعارفة، فيحصل لها القطع فيما لا يحصل القطع فيه لمتعارف النّاس مع عدم استنادها إلى الأصل المعتبر شرعاً بالفرض، فمستند شهادتها فاسد فلا يقبل شهادتها، فتأمل (منه (قدس سره)).

1144

..........

____________

الاجتزاء بشهادة ذي الخبرة بنفي العلم محلّ منع، و إن جزم به في الدروس (1) كدعوى المفروغية من عدم قبول شهادة غير ذي الخبرة بالنفي على وجه القطع، بل هو في الحقيقة قدح في الشاهد العدل. فالتحقيق حينئذٍ الاكتفاء بالشهادة بالنفي من العدل مطلقاً و عدم الاكتفاء بها إذا كانت بنفي العلم كذلك، إلّا إذا أريد من عدم العلم، النفي فيما يعلم، فإنّها شهادة بالنفي حينئذٍ» (2) انتهى كلامه.

و أنت خبير بما فيه، لأنّ ما ذكره أخيراً يرجع إلى ما تقدّم منه غير مرّة من الإشكال في صدق الشهادة على الشهادة على نفي العلم، و قد عرفت أيضاً في طي كلماتنا السابقة وجوه فساده و أمّا ما ذكره أوّلًا من أنّ اشتراط الخبرة قدح في الشاهد العدل، ففيه: أنّ الإخبار بعدم العلم بالوارث بل و بالنفي واقعاً عن علم به و إن كان في غير محلّه مع عدم الخبرة لا ينافي العدالة أصلًا. و ما ذكرنا من عدم السماع بدون الخبرة إنّما هو بالنسبة إلى تكليف الحاكم و القاضي. و من هنا ذكروا في شرائط قبول خبر المخبر الضبط مع اشتراطهم العدالة.

ثمّ إنّه يظهر من شيخنا الشهيد في المسالك وقوع الخلاف في معنى البينة الكاملة حيث قال: «و اعلم أنّه قد اختلف عبارات الأصحاب في معنى البينة الكاملة هاهنا، فمقتضى عبارة المصنّف و الأكثر أنّ المراد بها ذات الخبرة و المعرفة بأحوال الميّت، سواء شهدت بأنّها لا تعلم وارثاً غيرهما، أم لا؟ و حينئذٍ تنقسم إلى ما يثبت بها حقّ المدّعي بأن تشهد بنفي وارث غيره، و إلى غيره و هي التي لا تشهد بذلك.

و يوجد في كلام بعضهم و به صرّح في الدروس 3، أنّ المراد بالكاملة ذات الخبرة كذلك مع شهادتها بنفي وارث و لو بعدم العلم بغيره، فانتفاء الكمال يحصل بانتفاء الخبرة و الشهادة بنفي العلم أو أحدهما. و لكلٍّ وجهٌ، لأنّ الكمال أمر إضافي فيصدق‌

____________

(1) 1 و 3 الدروس: 2/ 108.

(2) جواهر الكلام: 40/ 509.