كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
695

و يظهر الثمرة فيما لو مات أحد المنكرَين مع بقاء الآخر و كان للمنكر الميّت ابن، فإنّه على الأوّل يحكم بتشريكهما في المال لقيام الابن مقام أبيه في المقام.

و على الثاني يعطى المال بالعم المنكر لكونه أقرب إلى الواقف من ابن الابن.

و يحتمل أن يكون مراد من ذكر احتمال الرجوع إلى أقرب النّاس كصاحب المسالك و غيره، الصرف في وجوه البرّ، كما هو أحد محتملي الشيخ في محكي المبسوط (1) مدّعياً أنّ مراد مَن حكم من الأصحاب بالرجوع إلى أقرب النّاس هو الصرف إلى وجوه البرّ، فكأنّ هذه الكلمة اصطلاح عندهم في المعنى المزبور. نعم، صرّح الشيخ (رحمه الله) في محكي المبسوط 2 أيضاً بأنّه لو كان الأقرب إلى الواقف جامعاً للشرائط كالفقر و نحوه يدفع إليه أيضاً، بل هو أولى من غيره. و لعلّ بهذا الاعتبار ذكروا أنّه يرجع إلى الأقرب إلى الواقف مع أنّ المقصود، الصرف في وجوه البرّ، لا العود إرثاً كما في المعنيين المتقدّمين.

و من التأمّل في جميع ما ذكرنا تعرف فساد ما أورده بعض مشايخنا طاب ثراه على ما ذكر في المسالك فيما لو كان البطن الثاني غير منحصرين، فالأولى نقل عبارتهما حتّى تطّلع على صدق ما ادّعيناه. قال في المسالك تفريعاً على القول بالتلقّي من الواقف و الاحتياج إلى اليمين: «و عليه فلو كان الاستحقاق بعد الورثة كالأولاد مثلًا للفقراء و كانوا محصورين كفقراء قرية و محلّة، فالحكم كالأوّل، و إن لم يكونوا محصورين بطل الوقف لعدم إمكان إثباته باليمين، و عادت الدار إرثاً.

و هل تصرف إليهم بغير يمين؟ وجهان، و يحتمل عودها إلى أقرب النّاس إلى الواقف، بناءً على أنّه وقف تعذّر مصرفه كالوقف المنقطع، و يجري فيه الخلاف الّذي تقدّم في الوقف» 3 انتهى ما في المسالك.

____________

(1) 1 و 2 المبسوط: 3/ 293.

(2) 3 مسالك الأفهام: 13/ 523 524. و مراد الشهيد الثاني من الذي تقدّم في الوقف ما هو في مسالك الأفهام: 5/ 353 356.

696

و قال في الجواهر بعد ذكر ما حكيناه عن المسالك بألفاظه بما هذا لفظه: «و هذا الكلام أغرب من الأوّل، إذ ما ذكره من الاحتمال الأخير لم نعرف أحداً ذكره في الوقف المنقطع، و لا وجه له، فإنّ أقرب النّاس إلى الواقف لا مدخليّة له في شي‌ءٍ من ذلك، و احتمال ارادة الإرث منه كما عساه يشعر به كلامه في آخر المسألة، يدفعه أنّه ذكره بعد أنْ ذكر البطلان و أنّه صار إرثاً، و البحث في كونه لورثة الواقف حين الوقف أو حين الانقطاع أو غير ذلك تقدّم في محلّه». إلى أن قال: «و كذا ما ذكره من الوجهين بعد الجزم ببطلان وقفه و عوده إرثاً في توقّف صرفه إليهم على اليمين و عدمه، إذ لا استحقاق لليمين على الوارث بعد عدم مدّع لكون المفروض وقفه على الفقراء و هم غير منحصرين. بل ما ذكره أوّلًا من الحلف على فرض كون الوقف على فقراء قرية أو محلّة قد يُناقش فيه بأنّه لا وجه له، مع فرض كون المراد الجنس و إن اتّفق انحصار أفراده في الخارج، فإنّ ذلك لا يجعل للمخصوصين من حيث كونهم كذلك حقّ الدعوى على وجه لهم الحلف مع الشاهد و اليمين المردودة و نحو ذلك، فتأمّل» (1) انتهى كلامه.

وجه الفساد، أمّا أوّلًا: فلأنّ ما ذكره أوّلًا من قوله: «إذ ما ذكره» الخ، قد عرفت فساده من جهة القول به على تقدير أنْ يكون المراد بأقرب النّاس ما ذكره في محكيّ المبسوط (2). و أمّا على تقدير أن يكون المراد به ما ذكرناه أوّلًا فهو في الحقيقة أيضاً معنى العود إرثاً، و لا معنى لنفي القول به و إنّما ذكره في مقابل احتمال العود إرثاً مع أنّه إرث في الحقيقة من جهة ملاحظة ما ذكرنا من الثمرة بينهما. فظهر أيضاً فساد قوله: «و احتمال إرادة الإرث منه» الخ، فتأمّل. و أمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 292 293.

(2) المبسوط: 3/ 293.

697

من قوله: «و كذا ما ذكره من الوجهين» الخ، قد عرفت فساده أيضاً ممّا ذكرنا من مطالبة حاكم الشّرع لليمين عنهم فهو مدّع نائباً عنهم. و لو لا تأمّله في قوله: «بل ما ذكره أوّلًا من الحلف على فرض كون الوقف على فقراء قرية» الخ، لذكرنا بعض ما فيه. هذا جملة الكلام في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني و هو ما لم يحلف أحدهم و امتنعوا عن الحلف جميعاً،

فيقع أيضاً في مقامين: أحدهما بالنسبة إلى البطن الأوّل، ثانيهما بالنسبة إلى البطن الثاني.

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فلا إشكال بل لا خلاف في سقوط دعواهم لو لم يطالبوا اليمين من المنكرين، أو طالبوا و حلفوا، كما أنّه لا إشكال في ثبوت الدعوى لو طالبوها و امتنعوا عن الحلف. ثمّ فيما حكم بسقوط دعواهم يقسّم المدّعى بينهم ميراثاً إنِ امتنع البطن الثاني أيضاً من اليمين، لكن يكون نصيب المدّعين وقفاً بمقتضى إقرارهم بما يرجع عليهم.

و أمّا الكلام في المقام الثاني: فيقع تارة فيما لو كان البطن الثاني هم الورثة للبطن الأوّل، و أخرى فيما لو كان الوارث غيرهم. أمّا الكلام من الجهة الأولى، فيقع أيضاً في موضعين: أحدهما بالنسبة إلى نصيب المورّث الممتنع عن اليمين، ثانيهما بالنسبة إلى تمام ما ادّعوا وقفيّته.

أمّا الكلام في الموضع الأوّل: فلا إشكال في الحكم بالانتقال النصيب إليهم وقفاً، سواء ادّعوا وقفيّته، أو أنكروها، لنفوذ إقرار المورّث عليهم، لأنّ إقراره في حال حياته بما يرجع إلى نفسه إقرار عليهم و نافذ بلا إشكال.

و لا يتوقّف الحكم بانتقاله إليهم على يمينهم أصلًا، سواء على القول بالانتقال عن الواقف أو الموقوف عليه، لأنّ نفوذ إقرار المورّث الموقوف عليه، عليه و على أولاده ممّا لا إشكال فيه، و المفروض ثبوت وقفيّة مقدار النصيب بمقتضى الإقرار‌

698

و لا مدّعي أيضاً في مقابله، و إن فرض، كما لو ادّعى بعض ورثته كذب المورّث في إقراره فلا تسمع دعواه لأنّها كتكذيب إقرار نفسه.

و بالجملة، الحكم ممّا لا إشكال فيه أصلًا. و العجب من الشهيد في المسالك (1) حيث بنى الافتقار إلى اليمين و عدمه على [ما] عرفته منه سابقاً من القولين، في تلقّي البطن الثاني، لأنّك قد عرفت أنّه لا دخل للفرض بالابتناء المذكور مع فساده أيضاً من أصله.

و أمّا الكلام في الموضع الثاني: فلا إشكال أيضاً في الحكم بثبوت الوقفيّة لهم لو حلفوا جميعاً، سواء على القول بالتلقّي من الواقف أو الموقوف عليه. أمّا على الأوّل فظاهر، و أمّا على الثاني فلأنّ امتناعهم و نكولهم إنّما أسقط حقّهم أمّا إسقاط حقّ البطن الثاني فلا، فهم لا يتبعونهم لا في الثبوت و لا في السقوط، بل و لو قلنا بالتبعيّة في الأوّل على تقدير القول بصحّة ما ذكره في المسالك من البناء على القولين لم نقل بالتبعيّة في الثاني، لعدم الملازمة بينهما كما لا يخفى.

و من هنا تعرف فساد ما ذكره في المسالك من البناء حيث قال: «و هل للأولاد أن يحلفوا أنّ جميع الدار وقف؟ وجهان: من كون الأولاد تبعاً لآبائهم فإذا لم يحلفوا لم يحلفوا. و من أنّهم يتلقّون الوقف من الواقف، فلا تبعيّة» (2) انتهى. و فيه ما لا يخفى من وجوه الفساد.

نعم، هنا شبهة ترد على كلّ من القولين و هي: إنّه لا إشكال في أنّ صحّة الوقف على البطن الثاني موقوفة على الوقف على البطن الأوّل، سواء على القول بالتلقّي من الواقف أو الموقوف عليه، فإذا لم يثبت الوقف في حقّ البطن الأوّل من جهة نكولهم لم يثبت في حقّ البطن الثاني أيضاً للتوقف المذكور. و من هنا بنى بعضهم‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 13/ 524.

(2) مسالك الأفهام: 13/ 524 525.

699

الخلاف هنا على الخلاف في صحّة الوقف المنقطع الابتداء و عدمها. و ربّما يدفع الشبهة بأنّ حلف البطن الثاني يقتضي ثبوت الوقف في حقّ البطن الأوّل، و عدم ثبوته قبله ظاهراً من جهة نكولهم لا يضرّ فيه، فلا معنى للابتناء المذكور أيضاً.

قال في المسالك: «و الحقّ مجيئهما و إن منعنا من الوقف المنقطع الأوّل، لأنّ حلف الأولاد اقتضى عدم انقطاعه في الواقع و إن انقطع بالعارض حيث لم يحلف آباؤهم لأنّ البطن الثاني كالأوّل لأنّ الوقف صار إليهم بالصيغة الأولى عن الواقف.

و لأنّ منع الثاني عن الحلف يؤدّي إلى جواز إفساد البطن الأوّل الوقف على الثاني، و هذا لا سبيل إليه. فالقول بجواز حلفهم أقوى، و هو خيرة الشيخ في المبسوط و المصنّف و غيرهما» (1) انتهى كلامه.

و أورد عليه بعض مشايخنا طاب ثراه بما هذا لفظه: «و فيه أيضاً بعد الإغضاء (2) عمّا في الأوّل من الوجهين أنّ يمين الأولاد لا تصلح لإثبات اتّصال الوقف، لأنّها حينئذٍ تكون يميناً للغير. و احتمال الاتصال بعد كونه منقطعاً في ظاهر الشّرع غير مجد. و إطلاق الإثبات بالشاهد و اليمين لا ينافي الفساد من جهة أخرى». ثمّ قال بعد ما ذكره من الإيراد: «فتأمّل، إذ الظاهر عدم مخالف محقّق في أنّ للبطن الثاني اليمين مع نكول البطن الأوّل عنها، بناءً على تلقّيهم من الواقف.

و يكفي في صحّة الوقف في حقّهم احتمال الاتّصال و إن كان منقطعاً في ظاهر الشّرع بمعنى عدم ثبوته للبطن الأوّل» (3). انتهى كلامه.

و أنت خبير بفساد ما أورده من لزوم إثبات اليمين حقّ الغير، لمنع اللزوم، لأنّها‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 13/ 525، راجع المبسوط: 8/ 198 199؛ و القواعد: 2/ 214، و روضة الطالبين: 8/ 259.

(2) الإغماض، خ ل.

(3) جواهر الكلام: 40/ 294.

700

إنّما تثبت حقّاً لنفسه لأنّ يمينه للوقف على البطن الأوّل لا يترتّب عليها فائدة إلّا إثبات الوقفيّة له، و لا ينفع للمحلوف له أصلًا. و إنْ هي إلّا كيمين الوارث فيما يدّعيه لمورّثه. و إنْ سمّيتها باليمين للغير فلا نتحاشى من التسمية لأنّك قد عرفت غير مرّة المنع من قيام دليل على المنع من القضاء بمثل اليمين التي في محلّ النزاع، فراجع.

ثمّ إنّ ما ذكره من عدم الخلاف في وجه التأمّل ينافي ما ذكره من الابتناء، كما لا يخفى. و القول بأنّ مقصوده عدم الخلاف بين من قال بالتلقّي من الواقف، مع كونه خلاف ظاهر كلامه، يمنع من جعله وجهاً للتأمّل بعد قضاء الدليل على خلافه، كما هو المفروض في كلامه.

و فيه أيضاً بعض ما لا نذكره ممّا لا يخفى على المتأمّل. هذا مجمل القول في الجهة الأولى.

و أمّا الكلام في الجهة الثانية، و هي ما لو كان الوارث للبطن الأوّل غير البطن الثاني، كفقراء محلّة: فلا إشكال في عدم جواز تصرّف الوارث فيما يدّعون وقفيّته، و وجوب إعطائهم إيّاه البطن الثاني، سواء حلفوا أو نكلوا، لنفوذ إقرار المورّث لوقفيّته عليهم، و ليس لهم أيضاً الدعوى مع البطن الثاني لِما ذكر. هذا كلّه فيما لو كان البطن الثاني منحصرين. و أمّا لو كانوا غير منحصرين، فقد علم حكمه ممّا ذكرنا في المقام الأوّل فلا نطيل بالإعادة، و عليك بالمراجعة و هو وليّ الإعانة. هذا مجمل القول في المقام الثاني.

و أمّا الكلام في المقام الثالث، و هو ما إذا حلف بعض المدّعين و نكل الآخر:

فقد عرفت أنّه أيضاً يقع في مقامين: أحدهما بالنسبة إلى البطن الأوّل، ثانيهما بالنسبة إلى البطن الثاني.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، فنقول: إنّه لا إشكال بل لا خلاف في الحكم بوقفيّة‌

701

نصيب الحالف، و أمّا نصيب الناكل ففيه قولان: أحدهما: ما يظهر من عبارة المصنّف على ما استظهره في المسالك، من كونه تركة يقضى منه الديون و الوصايا، و الفاضل يقسّم بين جميع الورثة حتّى الحالفين، لاعتراف الورثة باشتراكهم معهم في تمام المال، لكن ما يخصّ الحالف يحكم به وقفاً للناكل بمقتضى إقرار الحالف لا ميراثاً.

قال في المسالك: «و لو حلف بعضهم دون بعض، بأن كانوا ثلاثة فحلف واحد و نكل اثنان، يأخذ الحالف الثلث و الباقي تركة يقضى منه الديون و الوصايا، و ما فضل يقسّم بين جميع الورثة على ما يقتضيه ظاهر العبارة، فإنّه حكم بأن ما فضل يكون ميراثاً، و مقتضاه اشتراك جميع الورثة فيه. و العلّامة (رحمه الله) تبعه على هذه العبارة (1)، و صرّح بذلك بعضهم (2). و وجهه ان الوارث [الوراث الذين لم يدعوا] الّذي لم يدّع الوقف و هم المستحقّون لهذه الحصّة يعترفون بأنّها حقّ لجميع الورثة، و إن كان بعضهم و هو مدّعي الوقف قد ظلم في أخذ حقّه (3) منه بيمينه، و لا يحسب عليه ما أخذه من حقّه 4 في الباقي، لأنّه معيّن و هو الدار المفروضة لا مشاع، فيؤخذون بإقرارهم و يقسّم على الحالف و غيره. و على هذا فما يختصّ الحالف يكون وقفاً على الناكلين، لأنّ الحالف يعترف لهم بذلك» 5 انتهى كلامه.

ثانيهما: ما يظهر من الشيخ في محكي المبسوط من كونه مشتركاً بين الناكلين و المنكرين من الورثة دون الحالف، حيث قال: «لو حلف واحد منهم دون الآخرين، فنصيب من حلف وقف عليه و الباقي ميراث بين الآخرين و بقية الورثة» 6 ثمّ حصّة‌

____________

(1) راجع قواعد الأحكام: 3/ 451.

(2) راجع روضة الطالبين: 8/ 259.

(3) 3 و 4 حصّته، خ ل.

(4) 5 مسالك الأفهام: 13/ 525 526.

(5) (6) المبسوط: 8/ 199.

702

الناكلين تصير وقفا باقرارهم.

أقواهما القول الثاني، لأنّ الورثة إنّما يعترفون بالاشتراك في الجميع إرثاً، و المفروض أنّ الحالف قد أخذ مقدار نصيبه و يعترف بأنّه لا يستحق إلّا ما أخذه، فكيف يحكم باشتراكه مع الباقي؟ و هو ظاهر لا غبار فيه أصلًا. و العجب ممّا ذكره في المسالك من قوله: «و لا يحسب عليه ما أخذه من حقّه في الباقي، لأنّه معيّن و هو الدار المفروضة لا مشاع» (1) إذ لا شاهد لما ادّعاه من كونه معيّناً لا مشاعاً.

ثمّ إنّ هذا كلّه فيما لو كان نصيب الحالف إرثاً مساوياً لنصيبه وقفاً. و أمّا لو كان نصيبه إرثاً زائداً على نصيبه وقفاً، فقد حكم جماعة من الأصحاب بكون الزائد مجهول المالك. و ظاهر كلامهم هذا هو كونه من المجهول (2) مطلقاً.

و استشكل فيه الأستاد العلّامة و ذكر تفصيلًا في المقام على سبيل الضابطة لبيان حكم ما يرد على الشخص في مثل المقام ممّا ينفيه المتداعيان من أنفسهما، أو ينفيه أحدهما عن نفسه في باب التداعي لا بأس في التعرّض له على ما يقتضيه المجال، و هو: أنّ الشخص إذا نفى شيئاً عن نفسه و أقرّ لغيره و لو من باب الالتزام، فلا يخلو إمّا أن يكون واحداً أو متعدّداً كلّ واحد منهما ينفيه عن نفسه و يثبته لغيره. فإن كان واحداً فلا يخلو إمّا أن يحتمل صدقه في إقراره، أو لا يحتمل ذلك، بل يعلم تفصيلًا أنّ ما ينفيه يكون لنفسه.

فعلى الأوّل فلا إشكال في الحكم، لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

و على الثاني فيجب على من كان في يده دسّه في ماله، لأنّ التصرّف في مال الغير بغير إذنه محرّم عقلًا و نقلًا كتاباً و سنّةً و إجماعاً.

لا يقال: إنّ قدر ما ثبت من الأدلّة وجوب الإعلام في الأمانة الشرعيّة لا‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 13/ 526.

(2) مصاديقه، خ ل.

703

الإيصال إلى صاحبه.

لأنّا نقول: الإعلام و الإيصال إنّما وجب كلّ منهما مقدّمة للوصول، فإنْ تمكّن منهما فيكون مخيّراً بينهما. و إن لم يتمكّن من أحدهما تعيّن الآخر، و المفروض في المقام عدم التمكّن من الإعلام، فيجب الإيصال فيجب الدسّ. نعم، لو فرض التمكّن من الإيصال بغير الدسّ أيضاً كان مخيّراً بينهما.

و إن كان متعدّداً فلا يخلو إمّا أن يحتمل أن يكون ما ينفيانه عن أنفسهما و يقرّان به لغيرهما لغيرهما، فلا إشكال أيضاً في الحكم، لأنّ جميع موارد الإقرار التي يكون الإقرار فيها نافذاً على المقرّ يكون من هذا القبيل، أي ممّا يحتمل أن يكون المقرّ به للمقرّ و لغيره، فيؤخذ المقرّ به عنهما، أو لا يحتمل ذلك، بل يعلم إجمالًا بأنّه لأحدهما.

ففي هذا وجوه: أحدها: أن يقال بكونه داخلًا في مجهول المالك، فيُراعى فيه حكمه، فيتصدّق من مالكه. و الوجه فيه: التعذّر شرعاً من إيصاله إلى صاحبه فيكون مثل ما لو لم يعلم بالمالك أصلًا لا إجمالًا و لا تفصيلًا، لأنّ عمدة المناط في حكم مجهول المالك هو التعذّر، و لهذا يتعدّى عنه إلى ما لو علم بالمالك تفصيلًا و لكن تعذّر إيصال المال إليه، فإنّه و إن ورد بعض الأخبار في خصوص مجهول المالك الظاهر في غير المقام إلّا أنّ المستفاد من أكثرها كون المناط هو تعذّر الإيصال فالتصدّق في الحقيقة نوع من الردّ إلى المالك الّذي قضى بوجوبه العقل و النقل، لكنّه رد يعود نفعه إليه في الآخرة.

ثانيها: أنْ يقرع بينهما، لأنّ القرعة لكلّ أمرٍ مشكل، فيرجع الأمر بعد القرعة حكماً إلى ما لو علم بكذب المقرّ في إقراره في وجوب الدسّ. ثالثها: أن يحكم بالتنصيف بينهما لأنّ إيصال المال إلى صاحبه و لو في الجملة أولى من إعطائه لغيره و لو على سبيل الاحتمال، كما روعي هذا الحكم في مسألة التداعي‌

704

في بعض الصور.

أوجهها الأوّل، لما عرفت من عموم المناط. و الثاني مردود بعدم معارضة القرعة للإقرار المكذّب لها. و الثالث مردود بأنّه وجه اعتباريّ لا يمكن الحكم بمقتضاه، و أمّا الحكم بالتنصيف في مسألة التداعي فإنّما هو من جهة الأخبار و الإجماع و إلّا فالحكم فيه بالنظر إلى القاعدة الأوّليّة هو ما ذكرنا في المقام. إذا عرفت ذلك علمت أنّ ما ذكروه في المقام من الحكم بكون المقدار الزائد داخلًا في مجهول المالك، من حيث نفي كلّ من الحالف و المنكر له من نفسه لا يتمّ في جميع الصور. هذا كلّه فيما لو كان كلّ من الحالف و الناكل حيّاً.

و أمّا لو مات أحدهما، فلو مات الناكل فنصيبه للحالف الحيّ و لا يحتاج إلى يمينه على ما تقدمت إليه الإشارة، و لا دخل لورثته فيه أصلًا لانقطاع يدهم عنه بإقرار مورّثهم. و لو مات الحالف ففي المسالك: «أنّ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه يصرف إلى الناكلين، لأنّه قضيّة الوقف، إذ لا يمكن جعله للبطن الثاني لبقاء البطن الأوّل، و لأنّه أقرب النّاس إلى الواقف. و على هذا ففي حلفهم الخلاف السابق، فإن قلنا بالحلف سقط بالنكول كالأوّل. و الثاني: أنّه يصرف إلى البطن الثاني، لأنّه بنكول الناكل سقط حقّه و صار كالمعدوم، و إذا عدم البطن الأوّل كان الاستحقاق للثاني.

و هذا هو الّذي اختاره الشيخ في المبسوط (1) و الثالث و هو أضعفها: أنّه وقف تعذّر مصرفه، لأنّه لا يمكن صرفه إلى الباقين من البطن الأوّل، لنكولهم، و لا إلى البطن الثاني، لأنّ شرط استحقاقه انقراض البطن الأوّل، فإذا تعذّر مصرف الوقف بطل كالمنقطع الآخر، و رجع إلى أقرب النّاس إلى الواقف» (2) انتهى ما أردنا حكايته.

و لا يخفى عليك أنّ الوجيه من هذه الوجوه هو الوجه الأوّل، و الوجه فيه‌

____________

(1) المبسوط: 8/ 199 200.

(2) مسالك الأفهام: 13/ 826 827.

705

ظاهر، و متمسّك المخالف ضعيف، لأنّا نمنع من كون مقتضى نكوله المنع من استحقاقه في خصوص المقام كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا كلّه من الكلام إنّما هو في الوقف على الترتيب. و أمّا الوقف على التشريك فلا إشكال بل لم أجد مخالفاً في أنّه ينحلّ إلى أوقاف متعدّدة مستقلّة غير مربوط أحدها بالآخر، فلازمه أنّ يمين أحد المدّعين لا تنفع إلّا في حقّه، سواء كان بالنسبة إلى البطن الأوّل أو الثاني، كما أنّ لازمه أنّ نكول أحدهم لا يوجب إلّا سقوط حقّه. و عليك بالتأمّل فيما ذكرنا في الوقف على الترتيب و استنباط حكم الصور المتصوّرة في المقام منه.

706

[إنهاء حكم الحاكم: إمّا بالكتابة، أو القول، أو الشهادة]

قوله: «في كتاب قاض إلى قاض» (1) الخ (1).

____________

أقول: إذا حكم الحاكم بحكم، فإن علم الحاكم الآخر بحكمه فيجب عليه إمضاؤه و إنفاذه، سواء كان السبب لعلمه به قول الحاكم، أو كتابته، أو البيّنة، أو غيرها من الأمور، لاستحالة الفرق في مقام اعتبار العلم من باب الطريقية بين أسبابه كما استقصينا الكلام فيه غير مرّة. و إن لم يعلم به، فطريق وصوله و بلوغه و انتهائه إليه لا يخلو إمّا أن يكون كتابة القاضي إليه، أو قوله، أو قيام البيّنة عليه، أو إقرار المحكوم عليه به.

و إن شئت قلت: إنّ إبلاغ الحكم و إنهاؤه إلى حاكم آخر لا يخلو إمّا أن يكون بلا واسطة أو مع الواسطة، و الأوّل لا يخلو إمّا أن يكون بالكتابة أو بالقول، و الثاني لا يخلو إمّا أن يكون بالبيّنة أو بإقرار من المحكوم عليه. و في جعل الإقرار طريقاً لإنهاء الحكم و إبلاغه كما صنعه الاستاد العلّامة في مجلس البحث مسامحة لا تخفى، و لهذا لم يجعلوا الإقرار طريقاً لإنهاء الحكم، و إنّما ذكروه في مقام الاستدلال على اعتبار البيّنة على الحكم كما لا يخفى لمن راجع إلى كلماتهم و مقالتهم.

و من هنا يظهر أنّ البيّنة التي ذكروها طريقاً لإنهاء الحكم و ذهب المشهور إلى اعتبارها إنّما هي البيّنة التي أشهدها الحاكم على حكمه. و أمّا البيّنة التي شهدت الحكم من غير اشهاد الحاكم إيّاها ثمّ شهدت عند حاكم آخر بالحكم، فلا يسمّى طريقاً لإنهاء الحكم، بل الظاهر من سيّد مشايخنا في الرياض (2) عدم الخلاف في‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 884.

(2) رياض المسائل: 2/ 408.

707

..........

____________

عدم اعتبارها، و إن كان لنا كلام فيه.

و كيف كان، فالكلام يقع في أربعة مواضع:

[الموضع الأول الكتابة]

أمّا الكتابة: فالذي نقل الإجماع عليه جماعة ممّن تقدّم و تأخّر، منهم الشيخ في محكي الخلاف (1)، و الفاضل في محكي القواعد (2) و التحرير (3)، و ابن ادريس في السرائر (4)، عدم اعتبارها حتّى مع البيّنة على الكتابة، حسبما هو قضيّة إطلاق كلام بعضهم (5) و تصريح آخر (6). و استدلّوا عليه أيضاً بخبري السكوني و طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم): «انّه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حدّ و لا غيره حتّى وليت بنو أميّة فأجازوا بالبيّنات» (7) المشهورين المستفيضين كما عن المختلف (8)، هذا.

و لكنّ الظاهر من أبي علي (9) من أصحابنا الاعتبار بها مطلقاً في حقوق النّاس حسبما نسب إليه (10)، و تبعه بعض المتأخّرين في هذا القول في الجملة. و الظاهر من الشيخ في المبسوط الاعتبار بها إذا شهدت البيّنة على أنّها كتابة القاضي، و أنّ ما‌

____________

(1) الخلاف: 6/ 224 225.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 457.

(3) تحرير الأحكام: 2/ 188.

(4) السرائر: 2/ 176.

(5) راجع الوسيلة: 214؛ جامع الخلاف و الوفاق: 611.

(6) غنية النزوع: 443؛ إيضاح الفوائد: 4/ 363.

(7) تهذيب الأحكام: 6/ 300؛ وسائل الشيعة: 27/ 297 298.

(8) مختلف الشيعة: 8/ 428.

(9) و هو ابن الجنيد ابو على الإسكافي.

(10) كما نسب اليه الأردبيلى في المجمع بقوله: «و نقل عن ابن الجنيد انّه يظهر منه جواز الاعتبار و الاعتماد عليها في حقوق الآدميين دون حقوق اللّٰه» ثمّ ايّده بقوله: «و ذلك غير بعيد» راجع مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 209؛ و الجواهر: 40/ 303.

708

اتّفقت الإماميّة عليه قبالًا للعامّة هي الكتابة المجرّدة عن البيّنة، حيث قال: «فإذا ثبت حكمت (1) قاض إلى قاض كتاباً لم يجز أنْ يحكم بما فيه و لا يمضيه حتّى يثبت عنده بالبيّنات أنّه كتاب فلان إليه، سواء وصل مختوماً أو غير مختوم. و قال قوم إذا وصل مختوماً حكم به و أمضاه، فإذا ثبت أنّه لا يقبل و لا يعمل عليه إلّا بالشهادة، فالكلام في فصلين» إلى آخر ما ذكره (2).

و أنت إذا أعطيت حقّ النظر في هذا الكلام و فيما لم نذكره ممّا قبله و بعده لم يدخلك شكّ في ظهور كلامه فيما استظهرناه عنه.

و يمكن أن يستظهر هذا القول أيضاً من كلام كلّ من أطلق القول بعدم اعتبار الكتابة، ثمّ علّله باحتمال التشبيه و التزوير (3). نعم، من أضاف إليه احتمال عدم القصد أو غيره من الاحتمالات في عدم اعتبار الكتابة كالشهيد في المسالك (4) و غيره في غيره، الظاهر منه عدم الفرق.

و كيف كان، الحكم بعدم اعتبار الكتابة و لو بعد قيام البيّنة على أنّها كتابة القاضي و أنَّه كتبها بمحضرها، الظاهر أنّه المشهور بين الأصحاب لِما قد تقدّم من الروايتين (5)، بل قد ادّعى في السرائر (6) في باب نوادر القضاء الإجماع عليه صريحاً، كما سيأتي نقله، هذا.

و لكن قد يناقش في الروايتين سنداً و دلالة. أمّا السند، فبضعفه بالسكوني و طلحة، و الأوّل عامي لم يصرّح أحد بوثاقته، و الثاني أيضاً فاسد المذهب لم يصرّح‌

____________

(1) فكتب، خ ل.

(2) المبسوط: 8/ 123 124.

(3) كما قال به المصنف في شرائع الإسلام: 4/ 884؛ و السيد في رياض المسائل: 2/ 408.

(4) مسالك الأفهام: 14/ 7.

(5) و هما خبرا السكوني و طلحة بن زيد المذكوران.

(6) السرائر: 2/ 187.

709

أحد بمدح فيه. قال في المسالك في مقام القدح في الروايتين بما هذا لفظه: «و عن الرواية بأمرين: أحدهما: ضعف سندها، فإنّ طلحة بن زيد بتريٌّ، و البتريّة (1) فرقة من الزيدية. و قال الشيخ في الفهرست (2) و النجاشي (3): إنّه عامي. و السكوني أيضاً عامي مشهور الحال. مع أنّه لم ينصّ أحد من الأصحاب فيهما على توثيق و لا مدح، مضافاً إلى فساد العقيدة، فلا يعتدّ بروايتهما» إلى أن قال: «و أجاب في المختلف (4) عن ضعف الروايتين بأنّ الرواية من المشاهير فلا يضرّها الطعن في الراوي. و هو يرجع إلى جبر الشهرة للضعف و قد تكلمنا عليه غير مرّة» (5) انتهى كلامه.

و أمّا الدّلالة فباحتمال أن يكون المراد منها إنشاء الحكم بالكتابة لا الإخبار بها عن وقوعه، و بكونها موهونة من جهة إعراض المشهور عنها حيث إنّ كلمتهم متّفقة على وجوب إجازتها مع قيام البيّنة في الجملة، إلى غير ذلك من الكلمات التي وقعت في البين لا يسع ذكرها هذا المضمار و من أراد الاطلاع عليها فليطلبها من كتبهم.

أقول: الظاهر أنّ الروايتين سالمتان عن المناقشة سنداً و دلالة، أمّا سند رواية السكوني فمن وجوه: أحدها: ما ذكره الشيخ في العدة (6) حسبما حكاه الأستاد مِن أنّ الطائفة قد عملت برواية السكوني و أضرابه من العامّة، فإنّه كما ترى كاف في‌

____________

(1) و البترة، خ ل.

(2) الفهرست: 149 رقم 372.

(3) رجال النجاشي: 207، رقم 550.

(4) مختلف الشيعة: 8/ 429.

(5) مسالك الأفهام: 14/ 13 14.

(6) عدة الأصول: 1/ 149.

710

توثيقه، و لهذا جعله في المعتبر (1) حسبما حكي عنه وجهاً لوثاقته و ذكر أنّ ما اشتهر أنّه ضعيف لا أصل له. ثانيها: رواية ابن المغيرة و أحمد بن محمّد بن عيسى عنه، و الأوّل من أصحاب الإجماع، و الثاني معروف في المداقّة في أمر الرواية. ثالثها:

كونها مشهورة، فإنّه لو كان ضعيفاً لصار اشتهار الرواية بين الأصحاب جابراً لضعفه.

و ما ذكره في المسالك (2) من ضعف الجبر بالشهرة ضعيف، قد بيّنا القول فيه مشروحاً في الاصول.

و أمّا سند رواية طلحة فباشتهارها بين الطائفة، فإنّ فيه غنى و كفاية. و أمّا دلالةً، فلأنّ احتمال كون المراد من الروايتين هو إنشاء الحكم بالكتابة ضعيف جدّاً، لأنّ ما يجيزه المخالفون مع البيّنة ليس هو إنشاء الحكم بها، بل الإخبار عنه بها كما لا يخفى، لأنّ إنشاء الحكم بالكتابة الظاهر أنّه لم يجوّزه أحد.

و أمّا ما ذكره في وجه ضعفهما أخيراً من إعراض المشهور عنهما، ففيه:

أنّ المراد من البيّنة فيهما حسبما هو ظاهرهما و صرّح به جماعة من الأعلام، هي البيّنة على الكتابة، لا البيّنة على الحكم، لأنّ البيّنة على الحكم ليست حقيقة بيّنة على الكتابة.

قال في السرائر بعد نقل الروايتين ما هذا لفظه: «يريد بذلك (3) أنّ هذا كتاب فلان القاضي، لا أنّ المقصود أجازوا الأحكام بالبينات. و قد بيّنا أنّه لا خلاف بين أصحابنا، سلفهم و خلفهم، بل إجماعهم منعقد على أنّه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض و لا يعمل به و لا يحكم» (4) انتهى كلامه.

____________

(1) المعتبر: 1/ 252.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 14.

(3) أي قوله في الروايتين: «حتى وليت بنو أمية فأجازوا بالبيّنات».

(4) السرائر: 2/ 197.

711

و هكذا ذكره غيره أيضاً في معنى الرواية كما في المتن (1) و غيره، فإذاً ما ذكروه من الإيراد على الروايتين لا ورود له.

فبالحريّ أن نذكر أوّلًا جميع الاحتمالات التي ذكروها في مستند منع كفاية الكتابة في ثبوت الحكم بها على القول بكفاية إخباره اللفظي، لأنّه على القول بعدم اعتباره كما هو صريح الشيخ في بعض كتبه (2)، يكون عدم اعتباره (3) أولى، ثمّ نورد ما هو مقتضى التحقيق في المقام و في معنى الرواية.

فنقول بعون الملك العلّام: إنّ ما قيل أو يقال إنّ معه لا يعتبر الكتابة أحد أمور أربعة على سبيل مانعة الخلو: أحدها: احتمال التزوير و التشبيه بأنْ كتبها غير الحاكم، و هذا هو الّذي علّل به عدم اعتبار الكتابة جماعة من الأصحاب كالمصنّف (4) و غيره (5). ثانيها: احتمال عدم القصد بأن كتبها مثلًا قاصداً للمشق (6)، و هو الّذي علّل به عدم اعتبارها جماعة مضافاً إلى الاحتمال السابق، كالشهيد في المسالك (7) و الأردبيلي (8)، و لهذا ذهب إلى أنّه إذا انتفى احتمال عدم القصد تكون معتبرة. ثالثها: احتمال إنشاء الحكم بالكتابة، ذكره بعض مشايخنا المتأخّرين (9). رابعها: إثبات عدم اعتبار خصوص الإخبار اللفظي في مقام الكشف عن الحكم و كفاية الكتابة أيضاً،

____________

(1) شرائع الاسلام: 4/ 885.

(2) راجع المبسوط: 8/ 124.

(3) اعتبارها، خ ل.

(4) شرائع الإسلام: 4/ 884.

(5) جواهر الكلام: 40/ 303.

(6) أي التمرين للكتابة.

(7) مسالك الأفهام: 14/ 7.

(8) مجمع الفائدة و البرهان، 12/ 209.

(9) جواهر الكلام: 40/ 305.

712

ذكره الأُستاد العلّامة مع الاحتمالات السابقة.

فإذا انتفت الاحتمالات الأربعة أو ثبت شرعاً عدم الاعتناء بها مع وجودها، تصير الكتابة كالقول، فإن قلنا باعتباره في المقام تكون الكتابة أيضاً معتبرة، و إلّا فلا.

أمّا الاحتمال الأوّل، فلا رافع له إلّا القطع بكونها من القاضي. و أمّا البيّنة فمقتضى الروايتين عدم اعتبارها في المقام. و أمّا الاحتمال الثاني، فقضية كلمات جماعة منهم الأردبيلي (1) عدم ارتفاعه أيضاً إلّا بالقطع لعدم الدليل على اعتبار الأصول في الكتابة لأنّ الّذي قام عليه الإجماع و دلّت الأدلّة عليه هو اعتبار الأصول في الألفاظ و الأقوال. و أمّا الأصول في باب الكتابة، فلا دليل على اعتبارها، هذا.

أقول: لا يخفى عليك أنّ ما ذكروه من انحصار الرافع لاحتمال عدم القصد بالقطع غير مستقيم، لأنّ بناء العقلاء على الأخذ بالأُصول الّذي هو عمدة ما دلّ على اعتبار الظواهر في باب الألفاظ جار في الكتابة أيضاً، فارجع إلى بنائهم في المكاتيب و المراسيل، فهل تجد من نفسك أن تقول بالفرق عندهم في إعمال الأُصول بينها و بين الألفاظ؟ حاشاك ثمّ حاشاك.

و أيضاً ارجع إلى بناء العلماء بل كلّ من له سواد القراءة في الكتب المصنّفة فهل تجد في بنائهم الفرق بينها و بين ظواهر الألفاظ؟ لا يكون ذلك قطعاً.

و القول بأنّ أكثر الأوقات يحصل القطع ممّا ذكر من جهة القرائن، و بعض الأحيان الّذي لا يحصل القطع منها لا نسلّم بناءهم على العمل بالظن و الظهور فيها، فاسدٌ جدّاً لأنّا نجد أنّهم مطبِقون على العمل بها و لو لم يحصل منها القطع بالمراد، أ لا ترى أنّه لو أرسل المولى إلى عبده كتابه و فيه أوامر و نواهي فأخذ العبد بما يقطع‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 209.

713

به منها، و ترك إطاعة ما يظنّ به منها يحسن من المولى عقابه و عتابه و يذمّونه العقلاء على ترك امتثال المظنون منها؟ و ليس هذا إلّا من جهة عدم الفرق في اعتبار الأصول عندهم بين الألفاظ و الكتابة. فالحقّ أنّ وجود هذا الاحتمال لا يضرّ، لما عرفت من الوجه. و أمّا الاحتمال الثالث، فإن حصل القطع بانتفائه فلا كلام، و إلّا ففي الأخذ بالظنّ لو حصل من الكتابة ظنّ بأنّ ظاهرها الإخبار لا الإنشاء، الوجهان، فالحقّ جواز الأخذ به أيضاً. و أمّا الاحتمال الرابع، فظاهرهم عدم الاعتناء به، لأنّك قد عرفت أنّه لم يذكره في عداد ما يوجب منع كفاية الكتابة أحد من الأصحاب غير الأُستاد العلّامة دام ظلّه بل ذكروا أحد الاحتمالات الثلاثة.

و لكن تحقيق الحقّ في المقام بحيث يرفع غواشي الأوهام عن وجه المرام يقتضي بسطاً في الكلام، فنقول بعون الملك العلّام: إنّ من المواضع ما نقطع باعتبار خصوص القول فيه في الكشف عن الواقع كما في الشهادة و أمثالها، فإنّ الإجماع منعقد ظاهراً على عدم اعتبار الكتابة في باب الشهادة. كما أنّ من الإنشاءات ما يعتبر فيه اللفظ، و لا يكفي فيه الكتابة، كما في العقود اللازمة حسبما عليه بناء أكثر الأصحاب بل كلّهم، عدا بعض المتأخّرين حيث ذهب إلى أنّ المطلوب فيها نفس المعنى القائم بنفس العاقد، سواء كشف عنه بالقول أو الفعل كتابةً كان أو غيرها؛ و كما في إنشاء الحكم فإنّ بناء الأصحاب على عدم اعتبار الكتابة فيه.

و من المواضع ما يقطع بعدم الفرق فيه في مرتبة الكشف بين القول و الكتابة كما في الكاشف عن رأي المجتهد للعامي، فإنّه لا فرق فيه بين قوله و كتابته، فإنّ الحجّة في حقّ المقلّد ليست هي فتوى المجتهد من حيث هي حتّى نقول باختصاصها بالقول، بل الحجّة في حقّ المقلّد هو اعتقاد المجتهد، كما أنّ الحجّة في حقّ نفسه هو اعتقاده، سواء كان الكاشف عنه القول أو الكتابة أو غيرهما.

و من هنا يعلم أنّه لو قطع العامي باعتقاد المجتهد يجوز العمل بمقتضاه و إن لم‌

714

يظهره المجتهد أصلًا.

و كما في الحكاية عن السنّة، فإنّه لا فرق فيها بين القول و الكتابة.

و أمّا ما ادّعاه الحلّي في باب نوادر القضاء من السرائر (1) من قيام الإجماع على عدم اعتبار الكتابة مطلقاً حتّى في باب الكشف عن رأي المجتهد و الحكاية عن أحد أمناء اللّٰه تعالى في أرضه، فذكر أنّ الحجّة في حقّ المقلّد هو خصوص قول المجتهد لا كتابته، فالظاهر أنّه أخطأ فيه، لأنّ كلمة الشيعة بل المسلمين مُطبِقة على عدم الفرق فيما ذكرنا بين اللفظ و الكتب، و عملهم عليه أيضاً في جميع الأعصار.

فالإجماع عملًا و قولًا على خلاف ما ادّعاه لا على طبقه، كما أنّ من الإنشاءات ما لا يعتبر فيه اللفظ بل يكفي الكتب أيضاً كما في الوكالة و أمثالها من العقود الجائزة الإذنية، فإنّ المناط فيها إذن المالك و رضاه بأيّ شي‌ء حصل.

و من المواضع، ما يشتبه فيه الحال و يلتبس علينا الأمر فيه فلا ندري أنّه من أيّ القسمين كما أنّ من الإنشاءات ما اختلفوا في اعتبار اللفظ فيه، كما في الوصيّة، فمقتضى القاعدة فيه الرجوع إلى أصالة عدم اعتبار غير اللفظ.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان حكم خصوص المقام، فنقول: الظاهر أنّه لا فرق في مقام الكشف عن وقوع الحكم سابقاً بين القول و الكتابة و إن كان بينهما فرق في مقام إنشاء الحكم. فلو دلّ الدليل على اعتبار القول في الكشف عن وقوع الحكم نقول باعتبار الكتابة أيضاً. هذا ما يقتضيه النظر الجليّ على القول باعتبار القول، لكن يمكن أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق الروايتين عدم اعتبار الكتابة و لو بعد رفع الاحتمالات الأربعة. و فيه: أنّه لا إطلاق للروايتين بالنسبة إلى الفرض، لأنّهما مسوقتان لبيان حكم الكتابة الغير المعلوم كونها من الحاكم، كما يشهد عليه ذيلهما حسبما هو ظاهر لكلّ من أعطى حقّ النظر فيه، لكن مع ذلك في إلحاق الكتابة‌

____________

(1) السرائر: 2/ 187.

715

بالقول إشكال. فتبيّن لك من جميع ما ذكرنا ما هو المقصود من الروايتين أيضاً فلا نطيل بالبيان.

[الموضع الثاني القول]

فالأولى نقل الكلام إلى الموضع الثاني، فنقول: أمّا القول، فقد نسب إلى المشهور القول باعتباره، و صرّح الشيخ في الخلاف (1) على ما حكاه المصنّف عنه بعدمه، و تردّد في المتن (2). و استدلّ لما ذهب إليه المشهور بوجوه: أحدها: ما ذكره في المسالك من أنّ ما دلّ على اعتبار الشهادة على الحكم في المقام يدلّ على اعتبار إخبار الحاكم بالأولويّة، حيث قال بعد نقل الخلاف في المقام ما هذا لفظه: «و الأصحّ القبول، لما سيأتي إن شاء اللّٰه من جوازه مع الشهادة على حكمه، فمع مشافهته أولى» (3) انتهى. و فيه منع الأَولويّة و فساد القياس و أنّه مع الفارق، لأنّ اعتبار الشهادة من حيث إنّها بيّنة شرعيّة، و أين هذا من اعتبار خبر الواحد.

ثانيها: ما حكاه الأُستاد العلّامة عن الفخر في الإيضاح (4) من أنّ مَن يكون فعله ماضياً يكون قوله ماضياً أيضاً. ذكره في مسألة ما لو تنازع الولي مع المولّى عليه بعد ارتفاع ولايته. و فيه منع الدليل على هذه الملازمة، فالأصل يقتضي عدم اعتبار قوله.

ثالثها: ما استدلّ به بعض المشايخ (5) من أنّ وقوع الحكم لا يعرف إلّا من قِبَله، فيدلّ على سماع قوله فيه كلّ ما دلّ على سماع قول المدّعي في أمثال المقام. و فيه ما لا يخفى، لأنّا نمنع من أنّ وقوع الحكم من الحاكم لا يعرف إلّا من قبله و هو‌

____________

(1) الخلاف: 6/ 245.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 884.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 8.

(4) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 363.

(5) راجع رياض المسائل: 2/ 408.

716

أعرف به، و صحّة هذا المنع ظاهرة لكلّ من له أدنى مسكة.

رابعها: ما ذكره جماعة (1) من أنّ مقتضى ما دلّ على كون الحاكم حجّة على الخلق و أنّ الرادّ عليه رادّ على أئمّة الهدى (عليهم السلام) اعتبار إخباره عن حكمه و وجوب سماع قوله فيه.

و فيه: أنّه ليس معنى ما ذكر كون الحاكم واجب الاتّباع في جميع الأشياء و أنّه يحرم ردّه فيها، لأنّ هذا مخالف للإجماع بل الضرورة، و إلّا لزم حجّية إخباره عن كلّ شي‌ء، فلو أخبر بأنّ هذا الدار مال زيد، لا من باب الحكم بل من باب الشهادة وجب تصديقه فيه و عدم الاحتياج إلى شاهد آخر، بل المراد من الرواية وجوب متابعته فيما يحكم به أو يفتي به و يحرم ردّه فيهما، و أين هذا من حجّية إخباره بوقوع الحكم سابقاً. و هذا الّذي ذكرنا أمر ظاهر لا يريب فيه كلّ من تأمّل في الرواية بل نظر إليها من دون تأمّل، فإنّ الرواية ظاهرة فيما ذكرنا غاية الظهور.

خامسها: ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي من أنّه يدلّ على اعتباره القاعدة المشهورة: (مَن مَلك شيئاً ملك الإقرار به)، و هي قاعدة إجماعيّة مسلّمة بينهم قد بنوا عليها فروعاً كثيرة متفرّقة في أبواب الفقه.

و فيه: أنّ هذا الوجه و إن كان أحسن من الوجوه السابقة عليه إلّا أنّه لا يفي بتمام المقصود و لا يجري في جميع الصور، لأنّه إنّما يجري فيما لو كان الحاكم مالكاً للحكم حين الإخبار به. و أمّا لو لم يكن مالكاً له في زمن الإخبار، سواء كان من جهة عدم قابليّته بنفسه كما لو أخبر حين العزل أو بعد الفسق أو نحوهما، أو من جهة عدم قابليّة المورد كما لو رجع الشاهدان قبل الإخبار عن الشهادة أو فسقا قبله، فإنّه ليس للحاكم إنشاء الحكم من جهة عدم الميزان الشرعي، فلا تدلّ القاعدة على اعتبار قوله و إخباره. و تتميم المدّعى فيما لا يجري فيه القاعدة بالإجماع‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 210.

717

المركّب أو عدم القول بالفصل فيه ما لا يخفى على المتأمّل، فليتأمّل.

و القول بأنّه لا يشترط في صدق القاعدة كون المقرّ مالكاً حين الإقرار بل يكفي في صدقها كونه مالكاً في زمان و إن زال الملك عنه حين الإخبار نظراً إلى ظهور القضيّة فيما ذكر؛ فيه ما لا يخفى على المتأمّل، لأنّا لو سلّمنا أنّ القضيّة ظاهرة فيما ذكر بالظهور الأوّلي، لكنّا لا نسلّم أنّ المراد منها ما ذكر، لأنّ الحكم بأنّ من مَلك شيئاً في زمانٍ، ملك الإقرار به و لو بعد مضيّ مائة سنة منه، الظاهر أنّه خلاف الإجماع، كيف؟ و هم ذكروا أنّ القاعدة كما تدلّ بالمنطوق على أنّ: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)، كذلك تدلّ بالمفهوم على أنّ من لم يملك شيئاً لم يملك الإقرار به. و بنوا عليه فروعاً كثيرة؛ مثل ما ذكروا في العبد المأذون من أنّه لو أقرّ بشي‌ءٍ بعد ارتفاع الإذن لم يكن إقراره ماضياً، لأنّه لا يملك المقرّ به. و مثل ما ذكروا في باب الجهاد (1) من أنّه لو ادّعى أحد المجاهدين من المسلمين أنّه أمن أحد المحاربين، فلو كان في زمان يصحّ فيه الأمان قبل قولُه، و أمّا لو كان في زمان لا يصحّ فيه الأمان و وضعت الحرب أوزارها لم يقبل قولُه، لأنّه لا يملك شيئاً حين الإخبار. إلى غير ذلك من الفروع التي يقف عليها المتتبع في كلماتهم، و لو بني على ما ذكر في معنى القاعدة لم يكن وجه لهذه الكلمات و هذه الفروع أصلًا، كما لا يخفى.

سادسها: ما ذكره الأستاد العلّامة أيضاً و حمل عليه قول المصنّف أيضاً: «لأنّ حكمه كما كان ماضياً كان إخباره ماضياً» بعد ما احتمل أن يكون مراده ما ذكره في الوجه السابق، من أنّ ما دلّ على أنّ القضاء و الفصل من شأن الحاكم يدلّ باللزوم على اعتبار إخباره عن خصوص الفصل و الحكم الواقعي السابق.

بيان الدّلالة أنّه لمّا لم يكن وقوع الحكم من الحاكم في الواقع مؤثّراً في رفع‌

____________

(1) المهذّب: 1/ 308؛ مختلف الشيعة: 4/ 397.

718

الخصومة الظاهريّة بين النّاس في أغلب الأوقات من حيث عدم العلم به بحيث يكون رفعها نافعاً و المطلوب من تشريع الحكم بين النّاس رفع الخصومة بينهم، فيلزم أن يكون إخبار الحاكم بوقوعه حجّة و معتبراً، لأنّه من حيث كونه كاشفاً عن الحكم الواقعي موجب لرفع الخصومة الظاهريّة، و لو لا اعتباره لزم بقاؤها و هو خلاف المقصود.

و إن شئت قلت: إنّه فاصل ظاهريّ للخصومة، فيكون معتبراً، لأنّ كلّ ما يكون فاصلًا يدلّ ما دلّ على أنّ فصل الخصومات من شأن الحاكم على اعتباره، و هذا الوجه لا يختصّ بما إذا كان الحاكم مالكاً حين الإخبار، بل يجري فيما لو زال الملك عنه. هذا ملخّص ما أفاده دام ظلّه في مجلس البحث. و هو مشتبه المراد، لأنّ ما ذكره أوّلًا من أنّ ما دلّ على تشريع القضاء و أنّه من شأن الحاكم، يدلّ باللزوم على اعتبار إخباره إن أريد منه أنّه لمّا لم يمكن العلم بالحكم بدونه، فيلزم نقض الغرض.

ففيه منع اللزوم، لأنّ من عدم اعتباره لا يلزم نقض الغرض لإمكان التوصّل إلى الحكم في غالب الأوقات إمّا بالعلم أو البيّنة الشرعيّة أو غيرهما.

و إن أريد أنّه قد يفوت فائدة الحكم الواقعي لو لا اعتبار القول، ففيه بعد تسليمه: أنّه لا يقتضي اعتبار القول كما لا يخفى.

و أمّا ما ذكره أخيراً من أنّه فاصل ظاهريّ للخصومة، الخ.

ففيه أوّلًا: أنّ صيرورته فاصلًا ظاهريّاً يتوقّف على اعتباره، فلو أريد إثبات اعتباره بكونه فاصلًا ظاهريّاً لم ينفكّ عن لزوم الدور. و إن أريد أنّه فاصل شأناً بمعنى أنّه لو اعتبره الشارع يكون فاصلًا للخصومة، فهذا لا ينفع، لأنّه جار في غيره أيضاً، مع عدم قيام الدليل عليه.

و ثانياً: أنّ ما دلّ على أنّ الفصل من شأن القاضي، لم يدلّ على أنّه من شأنه‌

719

بأيّ شي‌ء حصل و بأي شي‌ء يريد، بل دلّ على أنَّ له الفصل بالموازين الشرعيّة، و الكلام في أنّ إخباره من الموازين مع أنّ مقتضى ظواهر ما دلّ على حصر الموازين أنّه ليس من الموازين.

و بعبارة أخرى: إن أريد أنّه ميزان واقعي للفصل، فهو خلاف مقتضى الأدلّة و إن أريد أنّه كاشف عن الفصل الواقعي و طريق إليه، فلا بدّ من إقامة الدليل على اعتباره.

و ما دلّ على أنّ الفصل من شأن الحاكم، لا دخل له باعتبار إخباره عن الفصل.

هذا، مضافاً إلى ما فيما ذكره أخيراً من أعمّية هذا الوجه لجميع صور المسألة، و اللّٰه العالم. هذا تمام القول في متمسك المثبت. و أمّا دليل المانع فليس إلّا الأصل، لأنّ الأصل عدم اعتبار غير العلم. و ما ذكره بعضهم من أنّ موازين القضاء منحصرة و ليس إخبار الحاكم من أحدها، فيه تأمّل لا يخفى وجهه. هذا مجمل القول في الموضع الثاني.

[الموضع الثالث، و هو اعتبار البيّنة القائمة على وقوع الحكم من الحاكم و صدوره عنه و عدمه.]

و أمّا الكلام في الموضع الثالث، و هو اعتبار البيّنة القائمة على وقوع الحكم من الحاكم و صدوره عنه و عدمه.

فنقول: إنّ المشهور بين الأصحاب بل لم أعرف مخالفاً منهم فيه، بل نقل الاتّفاق عليه في محكي الإيضاح (1)، هو اعتبارها في الجملة. نعم، نقل في المسالك (2) عن بعضٍ القول بعدم اعتبارها، و القائل غير معلوم و مستنده معلوم و هو الأصل.

و استدلّ على ما ذهب إليه المشهور بوجوه: أحدها: ما ذكره بعض مشايخنا (3) من أنّه يدلّ على اعتبارها عموم ما دلّ على وجوب قبول حكم الحاكم (4) الّذي هو‌

____________

(1) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 364.

(2) راجع مسالك الأفهام: 14/ 8.

(3) راجع جواهر الكلام: 40/ 306.

(4) راجع الكافي: 1/ 67، 7/ 412؛ تهذيب الأحكام: 6/ 218؛ وسائل الشيعة: 1/ 34، 27/ 137.

720

من حكمهم. و فيه: أنّ إجراء العموم في المقام يتوقّف على اعتبار البيّنة، ضرورة عدم العلم بوقوع الحكم من الحاكم، فلو أثبت اعتبارها به فيلزم عليه الدور الظاهر، كما هو الظاهر.

ثانيها: ما ذكره (1) أيضاً مع بعض من تقدّم عليه، من عموم ما دلّ على اعتبار البيّنة (2). و فيه: إنّه قد بيّنّا غير مرّة في الأصول و الفروع أنّه ليس لنا عموم يدلّ على اعتبار البيّنة في كلّ موضع. و لهذا ترى الأصحاب لم يتمسّكوا في المقام و أمثاله على اعتبار البيّنة بعموم من العمومات.

ثالثها: ما ذكره في المتن (3) و في أكثر الكتب من أنّ ذلك ممّا تمسّ إليه الحاجة، لأنّ أرباب الحقوق يحتاجون كثيراً ما إلى إثباته في البلاد المتباعدة، و لا يكون لهم شهود فيها على الحقّ، و نقلهم الشهود إليها متعسّر عليهم غالباً و لا يكون لهم وسيلة إلى استنقاذ الحقوق إلّا برفع الأحكام إلى الحكّام في البلد الّذي فيه الحقّ، فلو لم يعتبر البيّنة على الحكم مع ذلك لزم تعطيل الحقوق و هو مناف للحكمة التي شرّع لأجلها القضاء و الحكم بين النّاس.

لا يقال: يتوصّل إلى ذلك بالشهادة على شهود الأصل. لأنّا نقول: قد لا تساعد شهود الفرع على النقل، و الشهادة الثالثة لا تسمع.

رابعها: ما ذكره فيهما أيضاً من أنّه لو لم يشرّع إنفاذ الحكم بالبيّنة لبطلت الحجج مع تطاول المدّة، و الملازمة ظاهرة و عدم اللزوم على تقدير التشريع أظهر.

خامسها: ما ذكره فيهما أيضاً من أنّ المنع من سماع البيّنة في المقام يؤدّي إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة بأنْ يرافعه المحكوم عليه إلى الآخر، فإن لم‌

____________

(1) راجع جواهر الكلام: 40/ 306.

(2) راجع الكافي: 7/ 415؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 229.

(3) شرائع الإسلام: 4/ 884.

721

ينفذ الثاني ما حكم به الأوّل بعد قيام البيّنة عليه اتّصلت المنازعة.

سادسها: ما ذكره فيهما أيضاً من أنّ الغريم لو أقرّ عند الحاكم أنّ حاكماً حكم عليه بالحقّ ألزم الحاكم المقرّ عنده به بالحقّ، فكذا لو قامت البيّنة لا بدّ من أن يلزمه بالحقّ، لأنّها مثبتة ما لو أقرّ الغريم به [لزم].

هذا محصّل ما ذكروه من الوجوه الدالّة على اعتبار البيّنة، و أكثرها نقيّة عن المناقشة. فالحكم باعتبارها هو المتعيّن و لا معارض له أصلًا، لأنّ ما اتّفقت كلمة الأصحاب على عدم اعتباره و دلّت الروايتان على عدمه أيضاً هي البيّنة على الكتابة، و أمّا البيّنة على الحكم فلا، حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقاً.

و دليل المانع ليس إلّا الأصل، و هو مرتفع، بعد قيام ما قدّمنا. و ما ذكره بعضهم من انحصار موازين القضاء في الشّرع، و البيّنة على الحكم ليس منها، و فساده ظاهر.

هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.

و إنّما الإشكال في أمور: أحدها: أنّ ما ذكرنا من اعتبار البيّنة هل هو مختصّ بما إذا أشهدها الحاكم على الحكم، أو يعمّ ما إذا شهدت الحكم من دون إشهاد، أو علمت بالحكم من دون حضور مجلس؟ وجهان: صريح سيّد مشايخنا في الرياض (1) الاختصاص، مدّعياً عدم الخلاف فيه، مستشهداً بظهور كلمتهم فيه. و صريح المحكيّ عن جماعة كالفاضل في كشف اللثام (2)، و المحقّق الأردبيلي في الفوائد (3)، و ظاهر المحكيّ عن بعضهم التعميم، و هو الّذي اختاره بعض مشايخنا المتأخّرين (4) و الأستاد دام ظلّه‌

____________

(1) رياض المسائل: 2/ 409.

(2) كشف اللثام: 2/ 348.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 215.

(4) جواهر الكلام: 40/ 306.

722

لعموميّة بعض ما تقدّم من الوجوه على اعتبارها، و هذا هو الحقّ لما قد عرفت.

و أمّا ما ذكره في الرياض (1) من عدم الخلاف في الاختصاص، فهو موهون بذهاب من عرفت إلى التعميم، مع أنّه لم يظهر أنّ مراد من ذكر الإشهاد هو اعتباره، بل الظاهر أنّه ذكره استظهاراً و احتياطاً في المشهود به، و لهذا ذكر المصنّف: «و أتم ذلك احتياطاً ما صوّرناه» (2).

ثانيها: أن المشهور بين الأصحاب بل لم يعرف فيه مخالف، اختصاص العمل بالبيّنة على الحكم بحقوق النّاس، و أمّا في حقوق اللّٰه و الحدود فلا يعمل بها. فقد يستشكل في هذا بأنّه إن كان هناك دليل على اعتبار البيّنة، فأيّ خصوصيّة لحقوق اللّٰه فليحكم باعتبارها في المقامين، و إن لم يكن هناك دليل على اعتبارها، فلا وجه للحكم باعتبارها في حقوق النّاس أيضاً.

و قد يتفصّى عنه بوجوه: أحدها: ما ذكره في المسالك من انّ: «حقوق اللّٰه مبنيّة على التخفيف» (3) و فيه: أنّه لو كان هناك عموم يدلّ على اعتبار البيّنة لا وجه لرفع اليد عنه من جهة ما ذكر، لأنّه اعتبار لم يقم دليل على اعتباره.

ثانيها: أنّ وجوب إمضاء حكم الحاكم إنّما هو من باب الأمر بالمعروف و إلزام المدّعَى عليه بما صار تكليفه بمقتضى حكم الحاكم عليه، و معلوم أنّ هذا لا يجري في الحدود، فإنّ إقامتها من شأن الحاكم الّذي ثبت عنده موجبها أو من يأمره بها.

و أمّا من لم يكن كذلك فلا يجوز له إقامتها و إن كان حاكماً.

و بعبارة أخرى: البيّنة ليست بأولى من حضور الحاكم مجلس حكم الحاكم بأنّ المحكوم عليه مستحقّ للحدّ الفلاني. و كذا ليس أولى من إقرار المحكوم عليه بأنّه‌

____________

(1) رياض المسائل: 2/ 409.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 884.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 14.

723

محكوم عليه.

و في هاتين الصورتين نمنع من جواز إقامة الحدّ من باب إمضاء الحكم للحاكم إذا لم يأمره الحاكم الّذي ثبت عنده موجب الحدّ، فضلًا عمّا إذا قامت البيّنة عليه.

نعم، لو أذن له أو أمره بها لم يكن إشكال في جواز إقامتها، كما أنّه لا إشكال في جواز إقامتها للعوام أيضاً في هذه الصورة، هذا.

و قد يورد عليه بأنّ الدليل على وجوب إمضاء حكم الحاكم هو ما دلّ على حرمة ردّ حكمه و وجوب قبوله، و لا دخل له بأدلّة الأمر بالمعروف و إن أمكن التمسّك بها في بعض الصور أيضاً. و ما ذكر لا يفرق فيه بين الحدود و غيرها، هذا.

و يمكن الذبّ عنه بأنّه و إن كان مقتضى الدليل هو ما ذكر، إلّا أنّ ما دلّ على اشتراط مباشرة الحاكم لاستيفاء الحدود أو من هو وكيله يمنع من جواز إقامتها لغيره من دون إذنه. و ما يقال: إنّ المستوفي في المقام أيضاً هو الحاكم لأنّ الكلام في وجوب إمضائه، فاسدٌ جدّاً لأنّ الحاكم الّذي يعتبر استيفاؤه هو الّذي يثبت عنده موجب الحدّ، فتأمّل.

ثالثها: ما خطر ببالي القاصر من عدم الدليل على اعتبار البيّنة على الحكم في الحدود، لأنّ الدليل عليه إن كان هو عمومات اعتبارها، فقد عرفت منع العموم، و إن كان غيره من الوجوه الأربعة المذكورة في كتب الجماعة، فلا يشمل المقام كما لا يخفى على من تأمّل فيها و سبرها سبراً إجماليّاً.

ثالثها: أنّ المشهور بين الأصحاب، بل نفى الخلاف عنه بعض المشايخ (1)، أنّه لو تغيّر حال الحاكم بموت أو عزل أو جنون لم يقدح ذلك في العمل بحكمه، و لو تغيّرت بفسق لم يعمل بحكمه. و هذا التفصيل بأيّ معنى فرض للعمل بالحكم إن كان عليه إجماع فهو، و إلّا فهو خلاف مقتضى القاعدة، لأنّ مقتضى القاعدة بعد‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 317.

724

حكم الحاكم جامعاً لشرائطه حينه وجوب العمل عليه، سواء بقي على الشرائط أم لا. فالحكم نظير الرواية لا الفتوى حتّى يتوقّف بقاء اعتبارها في حقّ المقلّد على استجماعه لشرائط الفتوى في كلّ زمان.

فالحاصل: أنّه إمّا أن يجعل الحكم من قبيل الرواية فلا معنى للفرق بين ارتفاع الشروط و عدمه، و إن جعل من قبيل الفتوى فلا معنى للفرق أيضاً.

و ما ذكره بعضهم (1) في وجه الفرق من أنّ عروض الفسق له يكشف عن وجود الخباثة فيه حين الحكم، بخلاف ارتفاع سائر الشروط، فيه ما لا يخفى على من له أدنى دراية. هذا مجمل القول في الموضع الثالث.

[الموضع الرابع، و هو اعتبار إقرار المحكوم عليه]

و أمّا الكلام في الموضع الرابع، و هو اعتبار إقرار المحكوم عليه بأنّه قد حكم عليه، فالظاهر بل المقطوع عدم الإشكال فيه، لعموم ما دلّ على نفوذ إقرار العاقل على نفسه. مضافاً إلى قيام الإجماع عليه ظاهراً في المقام، فراجع إلى كلمات الأعلام حتّى تطّلع على حقيقة المرام.

ثمّ إنّ هنا فروعاً و مسائل قد تعرّض لها في المتن و غيره من كتب الأصحاب لا إشكال فيها، فبالحريّ صرف العنان عن التكلّم فيها و الاشتغال بغيرها، لأنّ الاشتغال بالأهمّ أولى من الاشتغال بغيره.

____________

(1) نقله الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 216.

725

[أحكام القسمة: القاسم، و المقسوم، و الكيفيّة]

قوله: «الفصل الثاني: في لواحق من أحكام القسمة» (1) الخ (1).

____________

أقول: الكلام في القسمة يقع في مقامات‌

[في اللواحق من أحكام القسمة]

و قبل التكلّم فيها ينبغي التعرّض لأمور:

الأوّل: أنّ ذكر القسمة في باب القضاء

مع أنّ لها أحكاماً برأسها كما صنعه جماعة (2) إنّما هو من جهة احتياج الحاكم إلى القسّام لقسمة المشتركات، و مَن أفردها كتاباً برأسها نظر إلى استقلالها بالأحكام كغيرها من الكتب، و كيف كان الأمر فيه سهل.

الثاني: أنّه لا إشكال و لا ريب في شرعيّة القسمة

بل الإجماع و الضرورة عليها.

و يدلّ عليها قبلهما، الكتاب و السنّة، فمن الكتاب قوله تعالى: «وَ إِذٰا حَضَرَ الْقِسْمَةَ» الآية (3). و قوله تعالى: «وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمٰاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ» (4) و من السنّة ما روي أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قسّم خيبر على ثمانية عشر سهماً (5)، و قال: «الشفعة فيما لم يقسّم، فإذا وقعت الحدود و عرفت الطرق فلا شفعة» (6) و ما روي أنّ عبد اللّٰه بن يحيى كان قسّاماً‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 887.

(2) كما صرح به في رياض المسائل: 2/ 409.

(3) النساء (4): 8.

(4) القمر (54): 28.

(5) سنن ابي داود: 1/ 622؛ سنن الدارقطنى: 4/ 61؛ نيل الأوطار: 8/ 116؛ امالي الطوسي: 262 ح 477؛ بحار الأنوار: 21/ 10.

(6) سنن النسائي: 7/ 320؛ كنز العمال: 7/ 8 ح 17707؛ سنن الدارقطني: 4/ 149؛ السنن الكبرى: 6/ 102؛ سنن الترمذي: 2/ 413؛ سنن ابي داود: 2/ 147؛ سنن ابن ماجة: 2/ 835. مع اختلافات فيها في العبائر.

726

لأمير المؤمنين (عليه السلام) (1) إلى غير ذلك من الروايات. و كيف كان، لا شبهة في تشريعها بعد ما عرفت.

الثالث: أنّ الحاجة الدّاعية إلى تشريع القسمة ظاهرة،

لتوقّف حفظ النظام عليها، لأنّه قد لا يقوم الشركاء أو بعضهم بالمشاركة أو يريدون الاستبداد بالتصرّف.

و من هنا يمكن التمسّك على تشريعها بالعقل أيضاً.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى التكلّم في المقامات و هي ثلاثة:

[المقام] الأوّل: في بيان مفهوم القسمة،

فنقول: قد ذكر الأُستاد العلّامة و جماعة (2) أنّها تمييز أحد النصيبين عن الآخر أو أحد الأنصباء عن غيره. فعلى الأوّل يشمل ما لو قسّم شريكان مالًا بينهما و بين غيرهما على قسمين بحيث كان بعض من نصيب الغير داخلًا في نصيب أحدهما و بعضه الآخر داخلًا في نصيب الآخر على القول بصحّة هذه القسمة حسبما نبيّن القول فيه مشروحاً بعد هذا إن شاء اللّٰه، لأنّ نصيب كلّ من الشريكين في الفرض يتميّز عن نصيب صاحبه و إن لم يتميّز عن نصيب الثالث.

و على الثاني لا يشمله، لأنّ نصيب أحد الشريكين لم يتميّز عن نصيب غيره بقول مطلق كما لا يخفى. فظهر ممّا ذكر أنّ القسمة عبارة عن تمييز نصيب أحد الشركاء أو الشريكين و افرازه عن نصيب باقي الشركاء أو الشريك الآخر.

[المقام الثاني إنّ المراد من التمييز في المقام ليس هو تعيين ما كان معيّناً في الواقع و عند اللّٰه تعالى]

ثمّ إنّ المراد من التمييز في المقام ليس هو تعيين ما كان معيّناً في الواقع و عند اللّٰه تعالى، حسبما هو قضيّة ظاهر لفظ «التمييز»، بل المراد منه هو جعل التعيين بعد ما لم يكن هناك تعيّن بحسب الواقع أصلًا، لأنّ كلّ جزء فرض من المال فهو‌

____________

(1) رواه الشيخ في المبسوط: 8/ 133. راجع مسالك الأفهام: 14/ 25؛ كفاية الأحكام: 273؛ كشف اللثام: 2/ 349؛ رياض المسائل: 2/ 409؛ جواهر الكلام: 40/ 326.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 459؛ إيضاح الفوائد: 4/ 367؛ اللمعة الدمشقيّة: 83؛ الروضة البهية: 3/ 113؛ مسالك الأفهام: 14/ 26.

727

مشترك في الواقع بين الشريكين فلا تميّز في الواقع بين نصيبهما و إنّما يتميّزان بالجعل العرفي بواسطة القسمة، فالقسمة مميّز جعلي عرفي أمضاه الشارع. و من هنا يعلم أنّه لا قسمة في صورة الاشتباه و اختلاط مال أحد الشخصين بمال الآخر إلّا إذا حكم باشتراكهما في المال المختلط بحسب قيمته و ماليّته. فالقسمة نظير القرعة لو قلنا بجريانها فيما لم يكن هناك تميّز واقعي أصلًا بل كان مشكلًا واقعاً و ظاهراً حسبما هو المختار فإنّها موجبة للتعيين في الفرض و محدثة له لا أنّها كاشفة عن كون ما تعلّقت به هو المعيّن واقعاً كما في صورة ما كان مشكلًا ظاهراً و في نظرنا دون الواقع، لاستحالة الكشف في الفرض، فهي محدثة للتعيين بجعل الجاعل فلا واقع لها إلّا بالجعل كما في القسمة.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أنّه لا دخل لمفهوم القسمة بمفهوم البيع. مضافاً إلى عدم الخلاف بيننا في عدم كونها بيعاً، فلا حاجة إلى الوجوه التي ذكرها في المسالك (1) لعدم كونها بيعاً، و التعرّض لما أجابوا به عنها، و القدح فيه، لأنّ مَن تأمّل فيما ذكرنا في مفهوم القسمة يعلم علماً وجدانيّاً بحيث لا يعرضه شكّ بأنّه لا دخل لها بالبيع.

و كذا يظهر ممّا ذكرنا أنّه لا دخل لها بمطلق المعاوضة و المبادلة، و ليست من أفرادها حسبما يظهر عن جماعة، منهم ثاني الشهيدين في المسالك، حيث قال بعد كلام له في ردّ الأجوبة التي أجابوا بها عمّا تمسّكوا به لعدم كونها بيعاً بما هذا لفظه:

«فالقسمة إفراز ما كان له منه، و معاوضته على ما كان لصاحبه» (2) انتهى ما أردنا نقله، لعدم أخذ عنوان العوضيّة فيها حسبما عرفت من مفهومها.

و استدلّ على كونها معاوضة بأنّ المفروض قبل القسمة كون كلّ جزء فرض من المال مشتركاً بين الشريكين، فصيرورة البعض المعيّن من المال المشترك بعد‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 31.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 32.

728

القسمة لأحد الشريكين و بعضه الآخر المعيّن للشريك الآخر لا يمكن إلّا بصيرورة كلّ ما يستحقّه أحدهما في نصيب صاحبه بمقتضى الشركة في مقابلة ما يستحقّه صاحبه في نصيبه، و لا نعني بالمعاوضة المطلقة إلّا هذا. هذا ملخّص ما ذكروه في وجه كونها معاوضة مستقلّة.

و لكنّك خبير بفساده، لأنّك قد عرفت أنّ حقيقة القسمة ليست إلّا تمييز أحد النصيبين و إفرازه عن الآخر و إزالة الشركة عن بين الشريكين، و لا دخل لهذا بحديث المعاوضة و لا ربط له بحكاية المبادلة، لأنّ في المعاوضة يشترط أن يكون نقل أحد العوضين بإزاء العوض الآخر و في مقابله، و من المعلوم ضرورة أنّ في القسمة لا يلاحظ ذلك. نعم، لازمها عقلًا حدوث نقلين مستقلّين بالنسبة إلى كلّ من نصيب الشريكين، لا أن يكون المقصود منها نقلًا بإزاء نقل، كما هو المأخوذ في مفهوم المعاوضة، فهي ليست إنشاء نقل أيضاً، و إنّما النقل من لوازم إزالة الشركة.

و نظير هذا ما ذكرنا في باب الصلح، حيث اختلفوا في أنّه بيع مطلقاً أو معاوضة مستقلّة، أو تابع للموارد، ففي صلح العين بيع، و في صلح المنفعة إجارة و هكذا؟ من أنّ الصلح بحسب المفهوم الّذي يعبّر عنه بالفارسيّة: (سازش)، لا دخل له بأحد هذه المذكورات.

[المقام الثالث إنّ الثمرة بين كون القسمة بيعاً، أو معاوضة مستقلّة، أو مجرّد تفريق الحقّ و تمييزه من دون أن يكون شيئاً منهما، إنّما تظهر في مسألة الربا و غيرها]

ثمّ إنّ الثمرة بين كون القسمة بيعاً، أو معاوضة مستقلّة، أو مجرّد تفريق الحقّ و تمييزه من دون أن يكون شيئاً منهما، إنّما تظهر في مسألة الربا و غيرها، فعلى القول بكونها بيعاً يجري فيها حكم الربا قطعاً؛ و أمّا على القول بكونها معاوضة مستقلّة، فهل يجري فيها حكم الربا أم لا؟ وجهان، بل قولان. ظاهر الأكثرين حسبما في آيات الأحكام (1) للمقدس الأردبيلي، نعم، و هو الأقوى لإطلاق الأدلّة، بل ظاهر جماعة جريان حكم الربا في كلّ ما كان فيه معنى العوضيّة و إن لم يكن‌

____________

(1) لم نعثر عليه في زبدة البيان.

729

معاوضة متعارفة. قال المصنّف في باب الغصب في مسألة الضمان بالقيمة، بعد ما لم يكن هناك ما كان مساوياً للمضمون في الوزن بما هذا لفظه: «و إن كان أحدهما أكثر، قُوّم بغير جنسه ليسلم من الربا، و لا يظنّ أنّ الربا يختصّ بالبيع، بل هو ثابت في كلّ معاوضة على ربويّين متّفقي الجنس» (1) انتهى كلامه. و وافقه على ذلك جماعة من الأصحاب (2).

و ذكر أيضاً في باب الوصيّة ما هو صريح في عدم اختصاص الربا بالبيع حيث قال: «الثالثة: إذا باع كرّاً من طعام، قيمته ستّة دنانير، و ليس له سواه، بكرّ ردي‌ء قيمته ثلاثة، فالمحاباة هنا بنصف تركته، فيمضي في قدر الثلث. فلو رددنا السدس على الورثة لكان ربا. و الوجه في تصحيحه أن يردّ على الورثة ثلث كرّهم، و يردّ على المشتري ثلث كرّه، فيبقي مع الورثة ثُلُثا كرّ قيمتهما ديناران، و مع المشتري ثُلُثا كرّ قيمتهما أربعة، فيفضل معه ديناران و هي قدر الثلث من ستّة» (3) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و أمّا على القول بعدم كونها بيعاً و معاوضة، فلا إشكال بل لا خلاف ظاهراً في عدم جريان حكم الربا فيها، بل الحقّ المنع من تحقّق موضوعه بالنسبة إليها بعد البناء على عدم كونها معاوضة أصلًا، فلا معنى حينئذٍ للتمسّك بما دلّ على حرمة الربا عموماً، حسبما هو ظاهر لكلّ من له أدنى تأمّل، فتأمّل.

ثمّ إنّ الربا المنتفية في القسمة إنّما هي بالنسبة إلى الزيادة الحاصلة في نفسها.

و أمّا بالنسبة إلى الزيادة الحاصلة في الشركة، فهل يجري فيها حكم الربا أم لا؟

وجهان بل قولان؛ صريح العلّامة في التذكرة و بعض من تبعه أنّه لا يجري فيها.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 766.

(2) المهذب البارع: 2/ 537؛ مسالك الأفهام: 12/ 190.

(3) شرائع الإسلام: 2/ 489.

730

و صريح شيخ الطائفة حسبما تعرف من كلامه جريانه فيها، لأنّ مرجعها إلى الزيادة في المعاوضة و هي ربا قطعاً حسبما عرفت تفصيل القول فيه.

توضيح ذلك: أنّ الزيادة قد تجي‌ء من قبل القسمة، كما إذا أعطى كرّاً من الحنطة من المال الموروث بأحد الولدين، و أعطى كرّين من الشعير في مقابله بالآخر، فإنّ زيادة أحد الجنسين قد حصلت في المقام بنفس القسمة. و هذه هي التي ذكرنا أنّها لا ربا فيها، و قد تجي‌ء من قبل الشركة، كما إذا امتزج جرّة من الزيت لشخص تساوي درهمين بجرّة من الزيت تساوي درهماً لشخص آخر مثلًا بحيث صارا بالامتزاج شيئاً واحداً، فإنّه يحكم حينئذٍ باشتراكهما في المجموع، لاستحالة بقاء اختصاص كلّ منهما بالنسبة إلى ماله عقلًا أو عرفاً بحسب مراتب الامتزاج لو قلنا بإمكان تحقّق المزج الحقيقي، و إلّا فجميع مراتبه عرفيّ غاية الأمر اختلافها ضعفاً و شدةً، لأنّ كلّ جزء فرض من المال حينئذٍ يكون مشتركاً بينهما، فلا يعقل بقاء اختصاص كلّ منهما بالنسبة إلى ماله، فالمجموع حينئذٍ يصير مشتركاً بينهما واقعاً بمعنى أنّ الاختصاص الّذي كان لكلّ منهما بالنسبة إلى ماله يرتفع عن عينه و يقوم بماليّته. و حصول هذا المعنى لمّا لا يمكن إلّا بتحقّق معاوضة بين بعض من مال أحدهما و بعض من مال الآخر، فلو حكمنا حينئذٍ باشتراكهما في المجموع بحسب قيمة مالهما، حسبما عليه جماعة كالعلّامة و غيره بأن يحكم في الفرض بأنّ ثلثين من مجموع الزيت لمن يساوي جرّته (1) درهمين، و ثلثه لمن يساوي جرّته درهماً مثلًا لحصل الربا في المعاوضة التي تحقّقت في البين لا محالة، فلا بدّ إمّا من الحكم ببيعه و أخذ كلّ منهما من الثمن بحسب قيمة ماله، حسبما يظهر من بعض، أو الحكم ببطلان حقّ صاحب الأردأ من العين و انتقاله إلى القيمة من جهة لزوم الضرر على صاحب الأجود.

____________

(1) زيته، خ ل.

731

و ذكر شيخ الطائفة و رئيس الإماميّة كلاماً في المبسوط في باب المفلّس فيما إذا امتزج مال الغريم بمال المفلّس قد صرّح في طيّه بفساد القول باشتراكهما في العين بحسب القيمة إذا كانا مختلفين، معلّلًا باستلزامه الربا في المعاوضة. و الأولى نقل عبارته بعينها حتّى يقف الواقف عليها بما وقفنا عليه. قال في طيّ فروع مسألة كلّ من وجد عين ماله من الغرماء في أموال الغريم فهو أولى به بما هذا لفظه: «إذا باع من رجل مكيالًا من زيت أو شيرج أو غيره ثمّ أفلس المشتري بالثمن، و وجد البائع عين زيته قد خلطه المشتري بزيت له، فإنّه لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ إمّا أن يختلطه بمثله، أو بأردأ منه، أو بأجود منه» إلى أن قال: «و إن كان الزيت الّذي اختلط به أجود من زيته، فهل يسقط حقّه من عينه، أم لا؟ قيل: فيه وجهان؛ أحدهما: أنّه يسقط حقّه و هو الصحيح. و الثاني: لا يسقط. و وجه الأوّل: أنّ عين زيته تالفة لأنّها ليست بموجودة من طريق المشاهدة و لا من طريق الحكم، لأنّه ليس له أن يطالبه بقسمته. و إذا لم يكن موجوداً من الوجهين كان له ذلك بمنزلة التالف، و لا حقّ له في العين و تضرب بزيته مع الغرماء. و من قال بالقول الثاني قال:

يباع الزيتان معاً و يؤخذ ثمنه فيقسّم بينهما على قدر قيمة الزيتين. و قيل: إنّه لا يباع الزيت، لكن يدفع إلى البائع الّذي زيته دون زيت المفلس من جملة الزيت بقدر ما يخصّه، مثل أن يكون للبائع جرّة تساوي دينارين و اختلطت بجرّة للمفلس تساوي أربعة دنانير، فإنّ جملة الزيت تساوي ستّة دنانير فيكون قيمة جرّة البائع ثلث قيمة جميع الزيت فيدفع إليه ثلث جميع الزيت و هو ثُلُثا جرّة. و هذا غلط، لأنّه يقال لهذا القائل إذا أعطيته ثُلُثي جرّة، فلا يخلو إمّا أن تدفعه بدلًا عن جرّته، أو تدفع بدلًا عن ثُلُثي جرّته و تسأله أن يترك الثلث الباقي، فإن دفعت الثلثين بدلًا عن الجرّة، فهذا محض الربا فلا يجوز، و إن دفعته إليه بدلًا عن ثلثي الجرّة و سألته ترك ما بقي، فله ألّا يجيبك، لأنّه لا يلزمه الهبة و التبرّع» (1) انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى‌

____________

(1) المبسوط: 2/ 262 263.

732

صريح فيما حكينا عنه.

و ذكر في المسالك بعد نقل ما حكينا عن الشيخ من تغليطه القول باشتراكهما في العين بحسب قيمة ما كان لهما، ما يظهر منه أنّ ما ذكره (قدس سره) على القول بثبوت الربا في كلّ معاوضة ممّا لا إشكال فيه، حيث قال: «و هو يتمّ على القول بثبوته في كلّ معاوضة، و لو خصّصناه بالبيع لم يكن القول بعيداً» (1) انتهى كلامه.

و يظهر من جماعة من المتأخّرين منهم سيد مشايخنا في الرياض (2)، و شيخنا في الجواهر (3)، متابعة الشيخ فيما صار إليه من الحكم بعدم جواز الحكم باشتراكهما في العين في الفرض بحسب القيمة، نظراً إلى استلزامه للربا في المعاوضة، حسبما عرفت بيانه منّا. فقد تبيّن من جميع ما ذكرنا متمسّك القول بجريان حكم الربا في الفرض.

و أمّا متمسّك القول بعدم جريانه فيه، كما عليه العلّامة و بعض من تقدّم عليه و تأخّر عنه، فهو الّذي تمسّك به العلّامة في محكيّ التذكرة (4) من عدم جريان الربا في القسمة، لأنّها ليست معاوضة. و فساد هذا الدليل ظاهر، لما قد عرفت سابقاً من أنّ الربا في الفرض قد حصل قبل القسمة. هذا محصّل ما قيل أو يقال من الطرفين.

و الحقّ بحسب بادي النظر و إن كان هو قول الشيخ (رحمه الله) و تابعيه، إلّا أنّ مقتضى عميق النظر و دقيقه هو خلافه و أنّ الحقّ مع العلّامة و تابعيه، لا لما ذكره في محكي التذكرة، لما قد عرفت من فساده، بل للمنع من كون الشركة معاوضة حتّى يجري فيها حكم الربا على القول بجريانه في كلّ معاوضة.

____________

(1) مسالك الأفهام: 4/ 113.

(2) راجع رياض المسائل: 2/ 305 306.

(3) راجع جواهر الكلام: 26/ 291 293.

(4) تذكرة الفقهاء: 2/ 69.

733

توضيح المنع و فساد ما ذكروه لا يظهر إلّا ببيان ما توهّمه بعض في معنى الشركة، و ما هو قضية التحقيق في معناها، فنقول: إنّ لها بحسب التوهّم الفاسد و التحقيق ثلاثة معان: أحدها: ما توهّمه بعض من أنّها عبارة عن اختصاص كلّ من الشخصين بجزء معيّن من المال الممزوج بحسب الواقع و عند اللّٰه مجهول عندنا، فكلّ من الشريكين مالك لجزء معيّن في الواقع قد التبس علينا أمره في الظّاهر، لا أنّه يكون مالكاً لما لا تعيّن له بحسب الواقع. هذا محصّل ما توهّمه، و لكنّك خبير بفساده، لإطباق اللغة و العرف على خلافه. مضافاً إلى عدم مصير أحد من الأصحاب بل و لا من غيرهم إليه. و الحاصل: أنّ الالتباس و الشركة ضدّان عندهم كما يعلم من الرجوع إلى مقالتهم، فكيف يمكن تفسير أحدهما بالآخر.

ثانيها: ما يظهر من بعض مشايخنا (1) من أنّها عبارة عن اختصاص كلّ من الشريكين بمفهوم متعلّق بالعين المشاعة منتشر في أفراده المتصوّرة انتشار الكلّي في أفراده مثل النصف مثلًا، فإنّ أحد الشريكين مالك له بمعنى أنّ أيّ نصف من العين فُرض، يكون هو مالكاً له على البدل، و الشريك الآخر أيضاً مالك للنصف الآخر أيضاً كذلك. فكلّ منهما مالك لمفهوم صادق على الكثيرين بحسب الفرض، لكن على سبيل البدل لا الاستغراق، فالنصف الّذي يكون مملوكاً لأحد الشريكين و إن لم يكن له تعيّن بحسب الواقع أصلًا إلّا أنّه يصدق على كل نصف فرض تجزيته من العين بحسب العرض أو الطول أو غيرهما على سبيل البدل.

فمملوكيّة النصف لأحد الشريكين في المقام نظير مملوكيّة الصاع من الصبرة للمشتري في مسألة بيع الصاع من الصبرة في كون كلّ منهما منتشراً انتشار الكلّي في الأفراد. هذا حاصل ما يذكر في بيان مرامه، و أنت خبير أيضاً بفساد جعل معنى‌

____________

(1) راجع جواهر الكلام: 26/ 291.

734

الشركة ما ذكره من العرف ضرورة عدم اختصاص كلّ من الشريكين بأيّ جزء فرض من العين على سبيل البدل، بل هما شريكان في أيّ جزء فرض منه ما دام يقبل القسمة، كما سيأتي توضيحه.

ثالثها: ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي و الظاهر بل المقطوع أنّ معناها عند الأكثرين هو ما ذكره، حسبما يظهر من الرجوع إلى كلماتهم، و هو الحقّ الحريّ بأنْ تفسّر به من أنّها عبارة عن مالكيّة كلّ من الشريكين لجزء من أيّ جزء فرض من العين المشتركة في الخارج إلى أن ينتهي إلى جزء لا يقبل التجزية و التقسيم. فإذا فرض جزّينا العين جزءين فجزء من كلّ منهما لأحد الشريكين و الجزء الآخر منه للشريك الآخر، لا أن يكون أحدهما لأحد الشريكين على البدل و الآخر للآخر كذلك. و كذا إذا فرضت الجزء أيضاً مجزّى إلى جزءين فكلّ جزء منه يكون مملوكاً لهما معاً، و هكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى جزءين غير قابلين للتجزية، فكلَّما فرض في الخارج جزء من العين يكون مملوكاً لهما معاً، و هذا إذا لاحظت العين متجزّية.

و أمّا إذا لاحظتها غير متجزّية متّصلة الأجزاء، فالذي يملكه كلّ من الشريكين نصفها المعبّر (1) من أنصاف الأجزاء حال التفريق، بمعنى أنّه يلاحظ كلّ نصف من كلّ جزء قابل للتقسيم بلحاظ الاجتماع، فيقال إنّه لأحد الشريكين و نصفه الآخر أيضاً كذلك و يقال إنّه للشريك الآخر. فإذا لاحظنا العين مجتمعة الأجزاء فيقال إنّ نصفه لأحدهما بالمعنى المتقدّم و نصفه الآخر للشريك الآخر، فهي بهذا الاعتبار لمّا كانت غير قابلة للتجزية في عالم اللحاظ فمعنى الشركة فيها كون كلّ منهما مالكاً لنصفها الملحوظ من أنصاف أجزائه حين التفريق. فهذه الانصاف إذا لوحظت حين ملاحظة الأجزاء متفرّقة فتكون كثيرة في عالم اللحاظ، و لكن إذا لوحظت حين‌

____________

(1) المعتبر، خ ل.

735

ملاحظة الأجزاء مجتمعة فلا تكون إلّا واحدة، فكلّ من الشريكين مالك حين ملاحظة الأجزاء مجتمعة، ما هو مساوق لما يملكه بلحاظ التفريق، لكنّ المملوك لكلّ منهما في الفرض يكون واحداً بمقتضى اللحاظ.

فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ كلّ مرتبة من العين فرضت قابلة للتجزية إلى جزءين قابلين للتجزية و تعلّق الملكيّة بهما، فمعنى الشركة فيه كون كلّ جزء فرض مملوكاً لهما معاً. و أمّا إذا انتهى الأمر إلى مرتبة لا تقبل التجزية إلى جزءين قابلين للتجزية و تعلّق الملكيّة بهما، و هي آخر مرتبة التجزية. فمعنى الشركة فيهما كونهما مالكين للمجموع لفرض عدم قابليّة الجزءين لتعلّق الملكيّة بهما لفرض عدم كونهما جسماً، و إلّا لكانا قابلين للتجزية.

و الحاصل: أنّا و إن قلنا بوجود الجزء الّذي لا يتجزّأ، إلّا أنّ من المعلوم خروجه عن مرتبة الجسميّة، فإذا لم يكن جسماً لم يكن قابلًا لتعلّق الملكيّة و الاختصاص به، و إذا لم يكن قابلًا لتعلّق الملكيّة به لم يعقل تعلّق الشركة به فالشركة في المرتبة الأخيرة من مراتب الجسم إنّما تلاحظ بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع بلحاظ الاختصاص، بمعنى أنّ هنا اختصاصاً واحداً قائماً بهما، فاشتراكهما إنّما هو بحسب الاختصاص، لا المختصّ بمعنى كونهما شريكين في أيّ جزء فرض منه، حسبما هو معناه في المراتب المتقدّمة على المرتبة الأخيرة.

فإن أبيت عن ذلك و قلت: إنّ العرض لا يقبل القيام بمحلّين، فقل: إنّ لكلّ منهما اختصاصاً ناقصاً بالنسبة إلى مجموع العين، لا اختصاصاً تامّاً بالنسبة إلى مجموعه، لعدم تعقّله، و لا اختصاصاً بالنسبة إلى كلّ من جزئيه مطلقاً ناقصاً أو تامّاً لفرض عدم قابليّته للتجزية.

نعم، يمكن أن يقال في المرتبة الأخيرة أيضاً إنّ كلّاً منهما مالك لنصفه، لكن لا على سبيل الحقيقة بل على سبيل المسامحة من حيث وجود موادّ الجزءين في‌

736

ضمن الأجزاء القابلة للتقسيم و تعلّق الملكيّة بها في المراتب المتقدّمة.

فالنصف المشاع بالبيان المختار عبارة عن نصف من العين ملحوظة من اجتماع بعض كلّ جزء فرض منها قابل للتقسيم، لا أنّه عبارة عن نصفه المعيّن عند اللّٰه المجهول عندنا. و لا أنّه عبارة عن مفهوم كلّي صادق على كلّ نصف فرض من العين المشاعة على سبيل الترديد، كما توهّمه بعض المشايخ (1).

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا لمفهوم النصف المشاع ليس مختصّاً به، بل يجري في جميع الكسور، كالثلث و الربع و الخمس و غيرها. و ليس أيضاً مختصّاً بالمال المشترك، بل يجري في المال المختصّ أيضاً، فالثلث المشاع مثلًا عبارة عن جميع الأثلاث من كلّ جزء الملحوظة بلحاظ اجتماعها من الأجزاء المتلاشية في ظرف اللحاظ. و هذا الّذي ذكرنا في معنى الإشاعة الظاهر أنّه المشهور بينهم.

نعم، يشكل ما ذكرنا في معنى النصف المشاع بما ذكروه في باب الطلاق قبل الدخول حيث إنّه يُردّ فيه نصف المهر إلى الزوج و يبقى نصفه في ملك الزوجة بمقتضى الآية الشريفة: «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» الآية (2) من أنّه لو تلف من المهر مقدار النصف يكون الباقي بتمامه للزوجة، و يجب إعطاؤه إيّاها مع أنّ مقتضى ما ذكرنا في معنى النصف المشاع أن يكون النصف من الباقي للزوجة لا تمامه، لأنّ مقتضى ملكيّتها للنصف المشاع دخول النقص عليها أيضاً بالنسبة إلى التالف لفرض تعلّق حقّها بالنسبة إلى كلّ جزء من المال، حسبما هو قضية الشركة المفروضة، لا أنْ يدخل النقص جميعه على الزوج و يبقى حقّ الزوجة سليماً، حسبما هو قضيّة كلماتهم، هذا.

و لكنّك خبير بأنّه لا يرد إشكال على ما ذكرنا بما ذكروه في ذلك الباب، لأنّ ما‌

____________

(1) راجع جامع المدارك: 6/ 62.

(2) البقرة (2): 237.

737

ذكرنا في معنى الإشاعة و الجزء المشاع أمرٌ ظاهر لا يريب فيه ذو مسكة، فلا يرفع اليد عمّا هو ظاهر مبيّن بما هو مشكل مشتبه، فلا بدّ إمّا من حمل كلامهم على أنّهم فهموا من الآية الشريفة أنّ النصف الّذي للزوجة ليس المراد منه في خصوص المقام هو ما ذكرنا في معنى النصف المشاع، بل ما ذكره بعض المشايخ (1) في معناه من كون المراد منه المفهوم الكلّي الصادق على كلّ نصف فرض من العين على سبيل البدليّة.

فإذا فهموا من الآية أنّ المراد من النصف هو ما ذكر، فلا بدّ من أن يحكموا بأنّ النصف الباقي في الفرض المزبور تمامه للزوجة، لأنّه لا معنى لتلف الكلّي بعد فرض بقاء فرد منه و إنّما تلف الكلّي بتلف جميع أفراده فما دام فرد منه موجوداً في الخارج لا يعقل الحكم بتلفه، كما لا يخفى على ذوي الأفهام المستقيمة. و لهذا ذكروا في مسألة بيع الصاع من الصبرة أنّه لو تلف جميع الصياع إلّا صاعاً واحداً يكون للمشتري، لا أنهم يقولون إنّ معنى النصف المشاع في جميع المقامات هو ما ذكر، كيف، و هم لا يلتزمون بلازمه في سائر المقامات؛ فإذا تلف بعض من المال المشترك فهل تجد في نفسك أن تقول بأنّ بناءهم على الحكم بأنّ التالف من أحد الشريكين فتعيّنه بالقرعة؟ حاشاك. بل تجد من نفسك و من الرجوع إلى كلماتهم أنّ بناءهم على الحكم بأنّ التالف منهما، أو حمله على غير ما ذكرنا ممّا لا ينافي ما بيّناه في معنى النصف المشاع. و إلّا فإن كان هناك إجماع على الحكم فنأخذ به، و إن لم يكن إجماع فنحكم بمقتضى ما بيّناه في معنى النصف المشاع.

إذا عرفت ذلك فنقول بياناً للمرام و توضيحاً لما هو المقصود في المقام: إنّه إذا اختلط مالان لشخصين فلا يخلو إمّا أن يحصل مزج بينهما عرفاً بالاختلاط أو لا، و على الأوّل لا يخلو إمّا أن يكون المزج بينهما بما هو أقرب إلى المزج الحقيقي أو بما يكون الأقرب إلى الأقرب فهكذا. فإنّه لمّا لم يمكن حصول المزج الحقيقي بين‌

____________

(1) راجع جامع المدارك: 6/ 62.

738

الجسمين لاستحالة تداخل الأجزاء بعضها في بعض، فكلّ ما يوجد في الخارج من المزج فهو عرفيّ، لكن لا ريب في أنّ مراتب المزج بحسب اختلاف الأعيان الممزوجة في شدّة المناسبة و عدمها بحسب صغر أجزاء كلّ منهما في نظرهم مختلفة، فبعضها أقرب إلى المزج الحقيقي كاختلاط الماءين مثلًا، و بعضها أقرب إليه بعد المرتبة الأولى كاختلاط الزيتين المائعين، و هكذا الأمر إلى أن ينتهي إلى مرتبة يطلقون عليها المزج تسامحاً و يشكل عليهم إطلاق المزج بعدها.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا يشترط في صدق المزج و تحقّقه اتّحاد الممزوجين في الجنس حسبما هو قضيّة ظاهر كلماتهم كما يعلم من الرجوع إليها، ضرورة حصول المزج بين مختلفي الجنس أيضاً كما في الخلّ و الأنكبين، كما يحصل في متّحدي الجنس من غير تفاوت بينهما، و هذا أمر ظاهر لا غبار فيه. فلا بدّ من حمل كلامهم إمّا على أنّ المراد من الاتحاد في الجنس هو الاتّحاد في الأوصاف المشتركة بمعنى أنّه يشترط في الممزوجين مناسبتهما و لو في بعض الأوصاف و إلّا لامتنع امتزاجهما، لما تقرّر في علم المعقول من استحالة اجتماع المتباينين من جميع الجهات؛ أو على أنّ مرادهم ممّا ذكروا ليس بيان الاشتراط، بل هو منزَّل على الغالب، أو على غير ذلك من المحامل.

أمّا إذا كان المزج بينهما بما هو أقرب إلى المزج الحقيقي، فلا اشكال في عدم حصول التعاوض و التبادل بالشركة، بل لا يعقل الحكم بحصوله، لأنّ معنى المزج المذكور هو خروج كلّ جزء من أجزاء مال كلّ من الشريكين عن الاتّصال الّذي كان له بماله و اتّصاله بجزء من مال الشريك الآخر (1). فإذا حصل التفرّق بين الأجزاء و اتّصل كلّ جزء منها بجزء من مال آخر متفرّق الأجزاء، حصل المزج بينهما.

____________

(1) لأنّه ما لم يحصل التلاشي و التفرّق بين أجزاء المال لم يمكن امتزاجه مع المال الآخر، خ ل.

739

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّه لا يمكن حصول المزج بين المالين إلّا بخروج كلّ جزء منهما عن الاتّصال الّذي كان له و اتّصاله بجزء من مال الآخر. فإذا خرج كلّ جزء عن الاتصال الّذي كان له خرج عن قابليّة تعلّق اختصاص المالك به من جهة شدّة حقارته الحاصلة له بالمزج. نعم، هو مع الجزء الآخر الّذي فرض اتّصالهما يكونان قابلين لتعلّق الاختصاص بهما بوصف الاجتماع، لكن لمّا كان الجزء الآخر من أجزاء مال شخص آخر حسبما هو قضيّة الفرض فالاختصاص المتعلّق بهما بوصف الاجتماع قائم بهما، فهناك اختصاص واحد قائم بشخصين تعلّق بالمجموع المركّب من الجزءين، فتحصل الشركة بينهما قهراً. فالأمر فيما نحن فيه نظير الأمر في المرتبة الأخيرة من تجزية العين المشتركة بغير المزج، في كون الاختصاص في كلّ منهما متعلّقاً بالمجموع المركّب من الجزءين القائم بشخصين لوحظا شخصاً واحداً، فالشركة في كلّ منهما إنّما هو بحسب الاختصاص، فلازم ما ذكرنا من ارتفاع الاختصاص الّذي كان للمالك لكلّ من جزء ماله حين الاتّصال بعد التفريق و حصول اختصاص آخر متعلّق به متّصلًا مع جزء من مال الشريك الآخر ارتفاع ماليّته و ملكيّته و حصول ماليّة و ملكيّة جديدتين مشتركتين بين الشخصين. فإذا تحقّق أنّه يرتفع اختصاص المالك بالنسبة إلى جزء ماله بعد التفريق، و يحصل اختصاص جديد بينه و بين المالك الآخر متعلّق بمجموع الجزءين لا بكلّ واحد منهما، فكيف يعقل الحكم بحصول المعاوضة بالمزج و التشريك مع أنّ من المعلوم ضرورة أنّه يشترط في تحقّق المعاوضة كون كلّ من العوضين مملوكاً.

فإذا علم أنّه لا يكون هنا معاوضة فنقول: إنّه إن كانت الأجزاء المتّصلة بعد الخروج عن الاتصال الّذي كان لها متساوية القيمة حينه، فيحكم بحصول الشركة لهما في العين بالسويّة. و إن كانت مختلفة بحسب اتّصالها السابق بأن يكون أحد الممزوجين أجود و الآخر أردى، فيحكم بحصول الشركة بينهما في العين بحسب‌

740

قيمة مالهما قبل المزج و التفريق و لا مانع للحكم على النهج المذكور أصلًا لما قد عرفت أنّ المانع منه ليس إلّا حصول الربا المبنيّ على كون الشركة الحاصلة في المقام معاوضة، و قد عرفت فساد المبنى.

و ممّا ذكرنا تبيّن فساد ما ذكره في المسالك (1) في كتاب المفلس من القطع ببقاء الاختصاص بعد المزج، و إيراده على من ذهب إلى ارتفاع الاختصاص بعد المزج.

ثمّ إنّ ما ذكرنا كلّه مبنيّ على ما هو التحقيق من ارتفاع الاختصاص و الملكيّة بالامتزاج في الفرض. و أمّا لو قلنا ببقاء الملكيّة فلا بدّ من أن يحكم أيضاً بعدم حصول المعاوضة في الفرض، لأنّ مصحّح المعاوضة ليس مجرّد ملكيّة كلّ من العوضين، بل لا بدّ من أن يكون كلّ منهما مالًا. و من المعلوم ضرورة ارتفاع الماليّة للأجزاء لو لم نقل بارتفاع الملكيّة.

و هذا الّذي ذكرنا، أي ارتفاع الملكيّة و الماليّة، أو الماليّة فقط بالمزج، هو مراد كلّ من قال بحصول التلف لو مزج الغاصب المغصوب بماله كابن إدريس في السرائر (2)، لاستحالة صيرورة الموجود معدوماً، فالمواد باقية و ماليّتها تالفة. و بالجملة، الأمر فيما نحن فيه نظير القسمة، فكما أنّ خروج المال من الإشاعة إلى التعيين لا يستلزم معاوضة أصلًا حسبما عرفت تفصيل القول فيه، كذلك خروجه من التعيين إلى الإشاعة لا يستلزم معاوضة أصلًا. هذا كلّه في المزج الأقرب إلى المزج الحقيقي.

و أمّا المزج الأبعد عنه، و هو آخر مرتبة يطلقون عليه المزج، كمزج رطل من الحنطة برطل من الحنطة مثلًا، فلولا قيام الدليل من الخارج على حصول الشركة فيه لم يكن بعيداً أن نقول ببقاء اختصاص كلّ جزء بحاله، غاية الأمر أنّه لمّا اشتبه‌

____________

(1) راجع مسالك الأفهام: 4/ 112 113.

(2) راجع السرائر: 2/ 482.

741

علينا يخرج بالقرعة، فإنّ الخروج بالقرعة ليس دليلًا على حصول الشركة و رفع اختصاص المالك من كلّ حبّة، ضرورة أنّ مورد القرعة أعمّ من الشركة، و العامّ لا يدلّ على الخاصّ، لكن بعد قيام الدليل على حصول الشركة و اعتبار المزج التسامحي في المقام نحكم فيه أيضاً بما حكمنا في المراتب المتقدّمة عليه. هذا ملخّص ما أفاده أستادنا العلّامة دام ظلّه.

و لكن لا يشكل عليك أنّه بناءً على ما ذكر من بقاء الاختصاص فيلزم من الحكم بالشركة حصول معاوضة في البين، فلو كان أحدهما أجود و الآخر أردى فلا يجوز الحكم باشتراكهما في العين بحسب القيمة كما هو المدّعَى، لأنّك قد عرفت في طيّ ما قدمنا لك من الكلمات أنّ مجرّد الملكيّة و الاختصاص ليس مصحّحاً للمعاوضة، بل يشترط زيادة عليه أن يكون كلّ من العوضين مالًا، فبقاء الاختصاص قبل حصول الشركة بعد المزج و إن كان مانعاً في نفسه من احكم بحصول الشركة إلّا أنّه بعد قيام الدليل عليه لا يصير دليلًا على حصول المعاوضة، فتأمّل.

هذا كلّه فيما إذا صار الاختلاط سبباً لتحقّق المزج عرفاً. و أمّا إذا لم يحصل من الاختلاط مزج أصلًا كما إذا اشتبه فرس من مال شخص بفرس من مال شخص آخر مثلًا فإنّه ليس بمزج قطعاً، بل يشكل إطلاق الخلط عليه أيضاً، فإنّما هو مجرّد التباس و اشتباه، فلا إشكال في بقاء كلّ من المالين في ملك مالكه و عدم حصول الشركة بينهما و إن اشتركت الصورة مع ما إذا حصل الاشتراك في الاخراج بالقرعة، لأنّ المشاركة في بعض الأحكام لا تدلّ على اتّحاد المشتركين في الموضوع، حسبما عرفت تفصيل القول فيه.

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا من أحكام الأقسام لا إشكال فيه إن شاء اللّٰه تعالى. إنّما الإشكال في تمييز ما يتحقّق فيه المزج عمّا لا يتحقّق فيه، فنقول: إنّ الحكم في‌

742

التمييز و الميزان فيه هو العرف من حيث الحكم باتّحاد المختلطين و عدمه، فكلُّ ما حكموا فيه باتّحاد المختلطين و عَدّوهما شيئاً واحداً، فلا إشكال في تحقّق المزج بالنسبة إليه و صدقه عليه، و كلُّ ما لم يحكموا فيه بالاتحاد و لم يعدّوا المختلطين شيئاً واحداً فلا إشكال في عدم تحقّق المزج و كلُّ ما حصل الشك فيه فيرجع إلى القواعد و الأصول فيحكم بعدم حصول الشركة.

ثمّ إنّ حكم العرف بالوحدة و عدمها قد يختلف بالنسبة إلى شيئين بحسب قلّتهما و كثرتهما، كما في اختلاط رطلين من الحنطة أو حنطتين، فإن في الأوّل يحكمون بالاتّحاد، و في الثاني لا يحكمون به بل هو من قبيل اشتباه الفرسين أو البعيرين عندهم. ثمّ إنّك إذا عرفت مفهوم القسمة و أنّه لا دخل لها بالمعاوضة أصلًا فلا يجري فيها الربا،

فالكلام يقع في المقام تتميماً للمرام في أمور:

الأوّل: في أنّ القسمة من العقود، أو الإيقاعات، أو الأحكام؟ وجوه،

أوجهها عندنا هو الأخير، و وجهه ظاهر من حيث صدق تعريفها عليها من جهة كونها فعلًا من الأفعال قد رتّب الشارع عليه حكماً من الأحكام. و مجرّد اشتراط التراضي فيها من الشريكين أو من يقوم مقامهما كالوكيل و حاكم الشّرع و غيرهما لا يدلّ على كونها عقداً من العقود كما قد يتوهّم. نعم، من جعل القسمة بيعاً أو معاوضة مستقلّة فلا بدّ من أن يذهب إلى كونها من العقود كما لا يخفى، و لكنّك قد عرفت فساد القولين مشروحاً.

الثاني: أنّك قد عرفت من تضاعيف كلماتنا السابقة أنّه لا إشكال في تشريع القسمة و إمضاء الشارع إيّاها في الجملة لقيام الأدلّة الأربعة عليه.

إنّما الكلام هنا فيما أمضى معه الشارع القسمة، فنقول: إنّ ما يستفاد من كلمات الأصحاب في المقام قولان: أحدهما: كفاية التراضي من الشريكين بعد التعديل بأن يكون أحد السهمين لأحدهما و الآخر للآخر و حصول القسمة به من دون أن يحتاج إلى القرعة بعده، بل‌

743

لا معنى له للزوم اللغويّة. نعم، لو تراضيا أوّلًا على ما عيّنه القرعة فلا إشكال في عدم حصول القسمة إلّا بها، ذهب إليه جماعة منهم الشهيدان في اللمعة (1) و شرحها 2، و المقدّس الأردبيلي 3، و المحدّث البحراني في الحدائق 4، بل يستفاد من كلام المصنّف أيضاً في كتاب الشركة 5، بل نسبه في الكفاية 6 إلى الأكثر، و إن أورد عليه بعض مشايخنا 7 بعدم التحقّق.

قال في اللمعة في كتاب القضاء: «و إذا عدلت السهام و اتّفقا على اختصاص كلّ واحد [بسهم] لزم، و إلّا أقرع» 8. قال في الروضة في شرح العبارة: «لزم من غير قرعة، لصدق القسمة مع التراضي الموجبة لتميّز الحقّ، و لا فرق بين قسمة الردّ و غيرها. و إلّا يتّفقا على الاختصاص أقرع» 9 انتهى. و هذان الكلامان كما ترى صريحان في عدم اعتبار القرعة في القسمة مع التراضي.

و قال المحدّث البحراني بعد كلام له في إنكار العثور على القرعة في شي‌ء من أخبار القسمة حسبما حكي عنه، ما هذا لفظه: «بل ليس المقام في شي‌ء من موارد نصوص القرعة و إنّما غاية ما يدلّ عليه بعض أخبارها كقوله: «ما تنازع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّٰه عز و جل إلّا خرج سهم المحقّ» 10 الرجوع إليها عند التنازع، و أمّا مع التراضي فلا أثر في الأخبار لاعتبارها. و كأنَّ الشيخ و من تبعه من‌

____________

(1) 1 و 2 و 4 سيأتي عبارته.

(2) 3 مجمع الفائدة و البرهان: 10/ 214 215.

(3) 5 لم نقف عليه في كتاب الشركة من شرائع الإسلام.

(4) 6 كفاية الأحكام: 118 119؛ و نقل عنه في الجواهر: 26/ 310.

(5) 7 راجع الجواهر: 26/ 310.

(6) 8 اللمعة الدمشقية: 83.

(7) 9 الروضة البهية: 3/ 117.

(8) 10 وسائل الشيعة: 27/ 261.

744

الأصحاب قد تبعوا العامّة فيها و فيما ذكروه من أحكام القسمة، بل ظاهر جملة من النصوص الاكتفاء بالرضا من دون قرعة، كخبر غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «في رجلين بينهما مال بأيديهما و منه غائب عنهما اقتسما ما في أيديهما و أحال كلّ واحد منهما نصيبه فاقتضى أحدهما و لم يقتض الآخر، قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، و ما يذهب بينهما» (1) و مثله خبر الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) (2)، و خبر محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3)، و صحيحا معاوية بن عمّار 4 و عبد اللّٰه بن سنان 5، و خبر سليمان بن خالد 6» 7 انتهى ما حكى عنه.

و كيف كان، استدلّوا على كفاية التراضي بالمعنى الّذي ذكرنا بوجوه: أحدها:

قوله (صلى الله عليه و آله): «النّاس مسلّطون على أموالهم» 8 و فيه: أنّه لا عموم بل و لا إطلاق للحديث بالنسبة إلى أسباب التصرّف، و إنّما يدلّ على أنّهم مسلّطون على كلّ فرد من أفراد التصرّف في المال، و هذا لا دخل له بحديث عدم الاحتياج إلى الأسباب، مثلًا إذا شككنا أنّه هل يجوز التصرّف في المال بالهبة و العارية، و بإعطائه القليل منه أو الكثير، أو تمليكه بشخص مع العوض، إلى غير ذلك من أفراد التصرّف في المال، فيجوز التمسّك بالحديث لجوازه و صحّته، لأنّ الحكم بعدمه محجر للمالك في بعض أفراد التصرّف و هو ينافي قضيّة دلالة الرواية بالعموم أو الإطلاق على سلطنته على جميع التصرّفات، و لكن لو شككنا بعد القطع بأنّه يجوز له تمليك ماله بالغير، في أنّه‌

____________

(1) تهذيب الأحكام: 6/ 195 و 212، مع اختلاف يسير؛ و في كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 97 98؛ و وسائل الشيعة: 18/ 435 436 مثله.

(2) تهذيب الأحكام: 7/ 185 186؛ وسائل الشيعة: 19/ 12.

(3) 3 و 4 و 5 تهذيب الأحكام: 7/ 186؛ وسائل الشيعة: 19/ 12.

(4) 6 تهذيب الأحكام: 6/ 207؛ وسائل الشيعة: 18/ 371.

(5) 7 راجع الحدائق الناضرة: 21/ 174 175.

(6) 8 عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457؛ 2/ 138؛ 3/ 208.