كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
745

هل اعتبر فيه عند الشارع كيفيّة خاصّة كالصيغة و العربيّة و الماضويّة مثلًا، فلا يصحّ لنا التمسّك به على نفي اعتبار هذه الأمور، لأنّ الحكم بعدم جواز التمليك بدون الصيغة مثلًا ليس منعاً للمالك عن بعض أفراد التصرّف كما كان لو منعناه عن أصل التمليك، لأنّ التمليك بدون الصيغة و معها ليسا فردين للتصرّف، بل هما من كيفيات التصرّف، فنقول له، إنّه يجوز لك التمليك لكن مع الصيغة.

و بالجملة، الرواية غير مسوقة لبيان كيفيّة التصرّف في المال، و ليس لها إطلاق بالنسبة إليها أصلًا. فهي من هذه الجهة نظير قوله (صلى الله عليه و آله): «النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (1) فإنّه لا يجوز التمسّك به لعدم اعتبار العربيّة في صيغة النكاح لو شككنا فيه كما لا يخفى. ففي ما نحن فيه لو قيل بالشريكين: تصرّفوا في مالكم بالسبب الفلاني، لم يكن حجراً لهما عن التصرّف في المال، فتأمّل.

ثانيها: قوله: «لا يحلّ مال امرء لامرئ إلّا بطيب نفسه» (2) و المفروض تحقّق طيب النفس من المالكين، فيدلّ على عدم الاحتياج بشي‌ءٍ آخر. و فيه أيضاً: أنّ الرواية ليست مسوقة لبيان سببيّة طيب النفس و رضاها للحليّة، بل هي مسوقة لبيان أنّ الحلّية لا تتحقّق بدون الرضا. و بالجملة، هي مسوقة لبيان شرطيّة الرضا لا سببيّته، و هذا أمر ظاهر لا خفاء فيه لمن تأمّل في الرواية و نظائرها، كقوله: «لا صلاة إلّا بطهور (3)»، و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (4) و أمثالها ممّا يدلّ على مدخليّة‌

____________

(1) بحار الأنوار: 100/ 202؛ مستدرك الوسائل: 14/ 153؛ سنن ابن ماجة: 1/ 592؛ كنز العمال: 16/ 271، و فيها اختلافات في التعابير.

(2) عوالي اللئالي: 1/ 222، و لفظه: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه» و مثله في سائر المصادر.

(3) كتاب من لا يحضره الفقيه: 1/ 58؛ تهذيب الأحكام: 1/ 50 و 2/ 140؛ وسائل الشيعة: 1/ 315 و 365.

(4) عوالي اللئالي: 2/ 218 و 3/ 82؛ كنز العمال: 8/ 281.

746

مدخول «إلّا» لا سببيّته.

ثالثها: قوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (1) و فيه، منع صدق التجارة في المقام كما لا يخفى على من راجع ما أسلفناه في طيّ كلماتنا السابقة.

رابعها: ما ذكره بعضهم من أنّ بالتراضي يحصل التميّز الّذي هو مفهوم القسمة، فلا معنى للاحتياج إلى شي‌ء آخر. و فيه ما لا يخفى على المتأمّل، لأنّ صيرورة مجرّد التراضي مميّزاً و مزيلًا للشركة إنّما هو بعد ثبوت كفايته من الشّرع، فلو أريد إثبات كونه كافياً بكونه مميّزاً لزم عليه الدور الظاهر. اللّهم [إلّا] أن يكون المراد ممّا ذكره، هو التمسّك بالعمومات، بتقريب أنّ بمجرّد التراضي بعد التعديل يحصل التميّز العرفي و القسمة العرفية، فيدلّ ما دلّ على إمضاء القسمة العرفيّة بالعموم على كفايته و عدم الاحتياج إلى شي‌ء آخر، و سيجي‌ء التكلّم عليه إن شاء اللّٰه.

خامسها: ما دلّ بعمومه على كفاية كلّ ما يحصل به القسمة العرفيّة، ذكره بعضهم. و فيه: أنّا لم نجد في باب القسمة عموماً يدلّ ما ذكر.

سادسها: ما ذكره المحقّق الأردبيلي مع بعض الوجوه السابقة (2)، من فحوى قوله في رجلين لم يدريا كم لهما عند صاحبه، فقال كلّ واحد: لك ما عندك ولي ما عندي: «لا بأس إذا تراضيا و طاب أنفسهما» (3) و فيه ما لا يخفى من كونه مخالفاً لفتوى الأصحاب، حيث إنّه دلّ على كفاية التراضي مع جهل كلّ واحد منهما بما كان عند صاحبه، و قد اتّفقت كلمة الأصحاب على اشتراط التعديل بين السهمين في‌

____________

(1) النساء (4): 29.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: 9/ 330.

(3) الكافي: 5/ 285؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 33؛ تهذيب الأحكام: 6/ 206؛ وسائل الشيعة: 18/ 445. و فيها: «لا بأس بذلك». و فيها «طابت» بدل «طاب».

747

حصول القسمة.

سابعها: ما تمسّك به في الحدائق (1) من الأخبار المتقدّمة. و فيه: أنّ الأخبار المذكورة ساكتة عن بيان طريق القسمة و أنّ الرجلين بأيّ نحو اقتسما مالهما بالقرعة أو بالتراضي، فتأمّل. هذا محصّل ما استدلّوا به للقول الأوّل.

و استدلّوا للقول الثاني (2) بما دلّ على اعتبار القرعة (3)، الشامل للمقام بالعموم أو الإطلاق، فلا يجوز الاكتفاء بغيرها للأصل، و لظهور الأخبار في الحصر، فتأمّل.

و من هنا يعلم أنّه لو كان فيما ورد في باب القسمة عموم أو إطلاق يدلّ على الاكتفاء بالتراضي أيضاً لحكّمنا عليه أخبار القرعة، هكذا ذكره بعضهم. و فيه نظر يظهر من بعض كلماتنا الآتية إن شاء اللّٰه، و كيف كان أجيب عنه بوجوه: أحدها: ما يستفاد من كلام بعضهم من منع العموم فيما دلّ على اعتبار القرعة، فإنّ الظاهر من جميع ما ورد في اعتبارها، الاختصاص بما إذا كان الحقّ معيّناً بحسب الواقع مجهولًا في نظرنا. و أمّا ما لا يكون له تعيّن واقعاً كما في المقام، فلا يشمله أخبار القرعة.

و فيه: أنّ ظاهر أكثر أخبار القرعة و إن كان الاختصاص بما كان الحقّ معيّناً في الواقع، إلّا أنّ ظاهر بعضها التعميم، مثل ما رواه في المفاتيح (4) من: «أنّ رجلًا من الأنصار أعتق ستّة عبيد في مرض موته و لا مال له غيرهم، فلما رفعت القضية إلى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قسّمهم (5) بالتعديل و أقرع بينهم و أعتق اثنين بالقرعة» (6). و مثل ما رواه‌

____________

(1) الحدائق الناضرة: 21/ 174 175.

(2) لم يصرّح بالقول الثاني، و إنّما يستفاد من ظاهر كلامه.

(3) كقوله (عليه السلام): «القرعة لكلّ أمر مشكل، أو مشتبه» المشهور في ألسنة الفقهاء.

(4) راجع مفاتيح الشرائع: 3/ 228.

(5) سهمهم، خ ل.

(6) عوالي اللئالي: 2/ 258. مع تفاوت يسير.

748

الشهيد في قواعده من إقراع النبي (صلى الله عليه و آله) بين أزواجه (1). إلى غير ذلك من الروايات التي يظهر منها التعميم.

هذا، مضافاً إلى ما ذكره بعض الأساطين بعد الاستدلال بالرواية و الآية الشريفة: «إِذْ يُلْقُونَ أَقْلٰامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» (2) على التعميم، من قيام الإجماع على اعتبار القرعة في الموضعين، و هو كذلك كما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم في باب تزاحم الحقوق و غيرها مثل تزاحم المتعلّمين، و المدّعيين، و الإمامين، إلى غير ذلك من الفروع، فإنّ كلمتهم مطبقة على الرجوع إلى القرعة في الموارد المذكورة و غيرها، بل الرجوع إلى القرعة في المقام أيضاً في الجملة و لو في صورة التنازع، الظاهر أنّه قد انعقد الإجماع عليه. نعم، يظهر من الشهيد الثاني في مواضع من الروضة (3)، الإشكال في شمول أدلّة القرعة لما لم يكن الحقّ معلوماً واقعاً، لكنّه أيضاً تسالم اعتبارها في المقام (4) في الجملة.

هذا، مضافاً إلى ما ذكره الأستاد العلّامة من إمكان إدراج ما لا تعيّن له بحسب الواقع في جميع عمومات القرعة بأن يقال: إنّ لما أخرجه القرعة لكلّ من الشريكين خصوصيّة و تعلّقاً به بحسب المرجّحات الجزئية التي يعلمها اللّٰه تعالى، و إن كانا متساويين فيه بحسب ما وصل إلينا من الضوابط و المرجّحات الكلّية، فإنّ هذا لا ينفي وجود المرجّحات الجزئية. و هذا نظير ما ذكروه في الاستخارة من أنّها كاشفة عن المرجّحات الجزئيّة فيما يتعلّق (5) بها و إن كان متساوياً مع خلافه في نظرنا بحسب المرجّحات الكلّية الواصلة إلينا من الشّرع، فعدم وجود المرجّح‌

____________

(1) القواعد و الفوائد: 2/ 187.

(2) آل عمران (3): 44.

(3) الروضة البهية: 5/ 39 و 6/ 292 و 7/ 177 و 8/ 178.

(4) راجع الروضة البهية: 3/ 117.

(5) يتعين، خ ل.

749

الكلّي لا ينفي وجود الجزئي.

فنقول: إنّ مقتضى قوله (عليه السلام) في الأخبار: «إنّ القرعة لا تخطئ» (1) أن يكون لما عيّنته القرعة خصوصيّة و تعلّق بمن عيّنته له في نظر اللّٰه تبارك و تعالى بحسب المرجّحات الجزئية. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه.

و يمكن أن يورد عليه: بعد إمكان ادّعاء التسوية بين الشريكين في المال المشترك من جميع الجهات حتّى بالنظر إلى المرجّحات الجزئيّة بأنّ ما ذكره من التوجيه إنّما هو بعد تسليم شمول الروايات لأمثال المقام، فإنّه يمكن أن يقال حينئذٍ من جهة بطلان الترجيح بلا مرجّح: إنّه لا بدّ أن يكون هناك مرجّحات جزئيّة في نظر الشارع، و المدّعَى عدم شمولها للمقام، لأنّ الظاهر منها الاختصاص بصورة الالتباس و الاشتباه، هذا. مع أنّ لنا أنْ نقول بأنّ جريان القرعة في المقام بعد القطع به من جانب الشّرع لا يحتاج إلى مرجّح أصلًا لأنّ مرجع إيجاب الشارع القرعة في الفرض إلى إمضاء بناء العرف على التقسيم بها، و معلوم أنّ بناءهم عليها ليس من جهة وجود مرجّحات جزئيّة، لأنّك قد عرفت أنّ القسمة مميّز جعلي لا واقعي.

فالقرعة (2) محدثة للتميّز لا كاشفة عنه، فتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر.

____________

(1) لم نقف على لفظه و لكن في الأخبار: «عن محمّد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن شي‌ء، فقال لي: كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له: إنّ القرعة تخطئ و تصيب، قال (عليه السلام): كلّ ما حكم اللّٰه به فليس بمخطئ» كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 92؛ وسائل الشيعة: 27/ 260؛ بحار الأنوار: 101/ 325.

(2) و لكن لا يخفى عليك أنّ صيح كلام الفاضل الهندي (رحمه الله) في كشف اللثام في كتاب الطلاق في مسألة تعيين المطلّقة المبهمة [كشف اللثام: 2/ 120] عدم جريان القرعة فيما لا تعيّن له واقعاً، حيث نقل عن المحقّق (رحمه الله) بأنّه اعتبر القرعة في تعيين المطلّقة المبهمة لكون المطلّقة مبهمة، ثمّ أورد عليه بما هذا لفظه: «و فيه: أن القرعة لما هو متعيّن في الواقع مشكل في الظاهر و المطلّقة هنا مبهمة» انتهى كلامه رفع مقامه (منه (قدس سره)).

750

ثانيها: ما يستفاد من كلام جماعة من أنّه لو سلّم هناك عموم لما دلّ على اعتبار القرعة، فلا ريب في كونه موهوناً، لأنّ الداخل منه أكثر من خارجه كما لا يخفى لمن له أدنى تتبّع في الفقه. و يكفي شاهداً لما ذكرنا عدم جواز التمسّك به في الأحكام الشرعيّة بأسرها و في كثير من الموضوعات بالإجماعات. و قد أجيب عنه بالمنع من تخصيص الأكثر، لأنّ أكثر ما خرج كالأحكام الشرعية فهو من باب التخصّص لا التخصيص، فتأمّل.

فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّا و إن سلّمنا خروج الأكثر إلّا أنّ من المحقّق في الأصول عند المحقّقين أنّ خروج الأكثر لا يصير سبباً لسقوط العام عن درجة الاعتبار و التمسّك به مطلقاً و إنّما يصير سبباً لوهنه، فلا يجوز التمسّك به إلّا بعد تمسّك جمع معتدّ به به، و لا يخفى وجوده في المقام.

ثالثها: ما عرفته من كلام المحدّث البحراني (1) مع بعض الوجوه السابقة، من أنّ المستفاد ممّا دلّ على اعتبار القرعة على فرض وجوده هو الاختصاص بصورة التنازع، و أمّا في صورة التراضي فلا دليل على اعتبار القرعة. و فيه: أنّ ما دلّ على اعتبار القرعة ليس منحصراً فيما ذكره من الخبر الظاهر الاختصاص بصورة التنازع، بل الأخبار الظاهرة في التعميم أكثر من أن تعدّ و تحصى كما لا يخفى لمن راجع إلى كتب الأخبار.

لا يقال: إنّه و إن لم يكن منحصراً فيما ذكره، إلّا أنّه بعد وقوع التعارض بينه و بين ما دلّ على التعميم يجب حمله عليه جمعاً بينهما.

لأنّا نقول: نمنع من وقوع التعارض بينهما حتّى يجب حمل أحدهما على الآخر، لما تقرّر في محلّه أنّه لا تعارض بين العامّ و الخاصّ المثبتين إلّا بعد ثبوت اتّحاد التكليف من الخارج، و ثبوته في المقام أوّل الدعوى بل ممنوع كما لا يخفى،

____________

(1) الحدائق الناضرة: 21/ 174 175.

751

فإذاً ظهر من جميع ما ذكرنا فساد ما ذكره في الحدائق (1)، هذا.

و قد ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) في الردّ عليه كلاماً لا يخلو إيراده عن فائدة، فقال بعد نقل كلامه المتقدّم ذكره ما هذا لفظه: «قلت: قد يقال بمنع صدق الاقتسام شرعاً بعد فرض اعتبارها فيه [بناءً على ما حكاه عن الأصحاب] على المجرّد عنها، فلا دلالة حينئذٍ لما في النصوص المزبورة على ما ذكره، خصوصاً بعد تعارف القرعة قديماً و حديثاً بين المتشرّعة في قسمة الأموال المشتركة. بل قد يقال: إنّ تعريف القسمة بأنّها تميّز الحقوق بعضها عن بعض، يقتضي أنّ حصّة الشريك كلّي دائر بين مصاديق متعدّدة، فمع فرض تراضي الشريكين مثلًا على قسمة المال نصفين، على أن يكون نصف كلّ واحد منهما في النصف المقسوم، احتيج إلى القرعة في تشخيص كلّ من النصفين لكلّ منهما، فهي حينئذٍ لإخراج المشتبه [و المتردد]، و هو محلّ القرعة [لإشكاله] لا أنّ القرعة ناقل أو جزء ناقل لاستحقاق كلّ من المالين إلى الآخر، بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بأنّ المراد من اشاعة الشركة، دوران حقّ الشريك بين مصاديقه، لا أنّ المراد منها ثبوت استحقاق الشريكين في كلّ جزء يفرض، و إلّا لأشكل تحقّقها في الجزء الّذي لا يتجزّأ من المال المشترك. و بذلك يتّجه اعتبار القرعة في القسمة بعد تعديل السهام و رضا الشريكين مثلًا في تعيين كلّي مصداق استحقاق أحدهما في الخارج، ضرورة كونه حينئذٍ من مواردها، بل لا يتحقّق الاقتسام بدونها، لعدم كون المدار فيه رضاهما بأنّ ما له من الحقّ فيما هو في يد شريكه [هو] عوض ما في يده، كي تكون من قبيل المعاوضات، و إلّا لم يعتبر فيها تعديل السهام لتسلّط النّاس على أموالهم، مع أنّ فاقده ليس من القسمة شرعاً قطعاً. و لأشكل أيضاً قسمة الوقف من الطلق، و إلّا لكان بعض أجزاء الوقف طلقاً، و الطلق وقفاً، على أنّ هذا الرضا بعد فرض عدم اندراجه في عقد من العقود‌

____________

(1) الحدائق الناضرة: 21/ 174 175.

752

المملّكة كيف يكون سبباً لنقل المال إلى الآخر فضلًا عن لزومه، و ليس في القسمة عموم أو إطلاق يقتضي ذلك كي يكون حينئذٍ أمراً مستقلّاً برأسها، بخلافه على ما ذكرنا، فإنّه غير محتاج إلى شي‌ء من ذلك، ضرورة الاكتفاء برضاهما في تشخيص المصداق، و القرعة لاستخراج خصوص ما لكلّ منهما من المصداق [المتردد] واقعاً، فيكشف حينئذٍ عن كون حقّه في الواقع ذلك [و لو لسبق علم اللّٰه تعالى بوقوعها عليه] و لا يحتاج بعد إلى عموم أو عقد آخر يقتضي الملك أو اللزوم، فتأمّل جيّداً، فإنّه دقيق نافع» (1) انتهى ما أردنا نقله.

و هو كما ترى و إن كان موافقاً لبعض ما ذكرنا، إلّا أنّ فيه مع ذلك مواضع للنظر يعلمها و وجه النظر فيها كلّ مَن راجع إلى ما ذكرنا من أوّل القسمة إلى هنا فلا نحتاج إلى تطويل الكلام.

ثمّ إنّك بعد ما عرفت ما قدّمنا لك من القول فاعلم أنّ لشيخنا و أستادنا العلّامة دام ظلّه العالي في المقام كلاماً في ترجيح القول الأوّل و لغويّة القرعة في صورة التراضي، ذَكَره في أثناء البحث بعد ما استظهر القول الثاني لا يخلو إيراده عن فائدة، فقال دام ظلّه العالي: إنّ لنا في المقام دعويين: إحداهما لغويّة القرعة في صورة التراضي و عدم جريان ما دلّ على اعتبارها فيها. ثانيتهما: كفاية التراضي و عدم الاحتياج إلى شي‌ء آخر، فالكلام يقع في مقامين: أمّا الكلام في المقام الأوّل، فنقول: إنّ للقرعة حسبما يقتضيه التحقيق موردين:

أحدهما ما كان الحقّ فيه معلوماً في الواقع و عند اللّٰه مجهولًا في نظرنا. ثانيهما: ما لم يكن معلوماً و معيّناً في الواقع أيضاً. أمّا المورد الأوّل: فلا إشكال في جريان عمومات القرعة فيه مطلقاً، سواء تراضى الرجلان قبلها على أن يكون أحد الشيئين‌

____________

(1) جواهر الكلام: 26/ 311 312، و فيه «استحقاقهما بالشخص الخارج» بدل «استحقاق أحدهما في الخارج».

753

لأحدهما و الآخر للآخر، أو لا. نعم، في كلّ مورد أريد التمسّك فيه بالعمومات لا بدّ من إحراز تمسّك جماعة بها، لما عرفت من كونها موهونة بخروج الأكثر عند الأكثر. و أمّا المورد الثاني، فلا إشكال في عدم جريان عمومات القرعة فيه، إلّا في صورة التشاحّ و التنازع، ففي صورة التراضي لا دليل على اعتبار القرعة. و هذا الّذي ذكرنا يعلم من الرجوع إلى كلماتهم في أمثال المقام كما في تزاحم المتعلّمين أو إمامين لصلاة الجمعة و الجماعة، فإنّه لو قدّم أحدهما الآخر و رضي به فلا إشكال عندهم في عدم الاحتياج إلى القرعة. نعم، لو تراضى الشريكان في المقام على ما يقتضيه القرعة في التعيين، أو كان القاسم حاكم الشّرع أو من نصبه لذلك، فلا إشكال في الاحتياج إلى القرعة. أمّا الأوّل، فظاهر و أمّا الثاني فللزوم الترجيح بلا مرجّح لو بني على عدم الاحتياج إليها، إذ لا دليل على اعتبار الدواعي النفسانيّة للمجتهد في مقام الترجيح. هذا مجمل القول في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو كفاية التراضي فلأنّه المتعيّن بعد عدم الدليل على اعتبار القرعة، لأنّ كلّ ما فرض زائداً عليه فهو خارج عن مفهوم القسمة فلا مدخل له فيه فلا معنى لاعتباره. نعم، يمكن أن يقال باعتبار اللفظ و العربيّة في حصول التراضي المعتبر بعد الشك في كفاية غير المشتمل عليهما من جهة الأصل، و أمّا اعتبار الزيادة على ذلك فلا معنى له.

هذا، مضافاً إلى أنّه يدلّ على كفايته، قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) بناءً على أن يكون المراد منها مطلق العهود و الالتزامات، كما هو صريح كلام بعض أهل اللغة (2)، و قضيّة كلمات جمع من الأصحاب (3). و قوله (صلى الله عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم» (4)

____________

(1) المائدة (5): 1.

(2) لسان العرب: 3/ 297؛ تاج العروس: 2/ 427.

(3) كتاب المكاسب: 3/ 56 و 5/ 17.

(4) تهذيب الأحكام: 7/ 371؛ الاستبصار: 3/ 232؛ وسائل الشيعة: 21/ 277.

754

بناءً على أن يكون المراد منها مطلق الالتزامات، سواء كانت في ضمن العقود، أو لم تكن في ضمنها بل كانت التزامات ابتدائيّة حسبما عليه جماعة من الأصحاب (1)، و لهذا تراهم يستدلّون بها على اللزوم في باب العقود و الإيقاعات كالبيع و النذور و العهد و نحوها. نعم، لو كان المراد من الآية الشريفة، العقود التي جعلها الفقهاء من أحد المقاصد الأربعة في الفقه، في قبال العبادات و الإيقاعات و الأحكام، كما يظهر من بعض، و من الرواية، خصوص الالتزامات في ضمن العقود، كما صرّح به جماعة (2)، لم يجز التمسّك بهما في المقام، بناءً على ما عرفت من عدم دخول القسمة في العقود بمعناها المعهود. لكن القول باختصاص الآية و الرواية بما ذكر بمعزل عن التحقيق. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة في المقام، و لكن يمكن أن يناقش فيه؛ أما ما ذكره في المقام الأوّل من اختصاص أدلّة القرعة في المقام الثاني بصورة التشاحّ و التنازع، و لغويّتها في صورة تراضي الخصمين؛ ففيه: أنّ الدليل على الاختصاص إن كان ظهور جملة من أخبار القرعة فيه، فيرد عليه: مضافاً إلى عدم دلالتها على الاختصاص، غاية الأمر اختصاص موردها بصورة التنازع حسبما عرفت تفصيل القول فيه. و إلى شمولها للمقام الأوّل أيضاً بل ظاهرها الاختصاص به كما لا يخفى لمن راجع إليها أنّ المراد من التنازع فيها أعمّ من أن يكون فعليّاً أو شأنيّاً، فتأمّل. و إن كان الدليل عليه أنّ بعد التراضي لا يبقى إشكال و اشتباه حتّى يجري فيه أدلّة القرعة، حسبما صرّح به في أثناء البحث، فيرد عليه: أنّ ارتفاع‌

____________

(1) استظهره في الجواهر: 43/ 48 من الأردبيلي، و هكذا نسبه في المكاسب: 5/ 21 إليه. و راجع أيضاً الحدائق الناضرة: 19/ 4.

(2) جواهر الكلام: 43/ 48؛ كتاب المكاسب: 5/ 53.

755

الإشكال و الاشتباه بعد التراضي من الشريكين موقوف على إثبات اعتبار التراضي في المقام، و إلّا فالإشكال باقٍ قطعاً، لأنّ مجرّد حصول التراضي منهما لا يوجب التعيّن و التميّز شرعاً ما لم يقم دليل عليه.

و أمّا التمسك بظهور كلمتهم في أمثال المقام على كفاية التراضي، كما في مسألة تشاحّ الأئمّة أو المتعلّمين عند معلّم واحد، ففيه: أنّه لا ربط له بالمقام، فإنّ مرجع رضا أحد المتزاحمين في باب التزاحم بتقديم صاحبه إلى رفع يده عن حقّه، و هذا ممّا لا يريب ذو مسكة في جوازه و نفوذه. و هذا بخلاف المقام، فإنّ مرجع التراضي فيه إلى إزالة الشركة و جعل تمام الحقّ لكلّ واحد من الشريكين في واحد معيّن من السهمين، فمعنى رضا أحد الشريكين بأحد السهمين كون تمام حقّه المشترك فيه، فهذا ليس رفع اليد عن الحقّ في شي‌ء. فلو فرض الكلام فيما إذا تحقّق التراضي على وجه يوجب رفع اليد عن الحقّ، فهو خارج عن المقام، لأنّه ليس من القسمة في شي‌ء حسبما عرفت تفصيل القول فيه. هذا مجمل القول على ما ذكره في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام على ما ذكره في المقام الثاني من دلالة الآية و الرواية على كفاية التراضي من الشريكين، فمجمله: أنّ المراد من العقود في الآية و إن كان هو العهود، إلّا أنّه ليس مطلق العهود، بل العهود المتعارفة بين النّاس حسبما هو المعروف بين الأصحاب من كون «اللام» فيها إشارة إلى ما هو المتداول بينهم من العقود، و من المعلوم أنّ بناء النّاس في قسمة المشتركات إنّما هو على القرعة دون مطلق التراضي، فتأمّل. هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الآية.

و أمّا بالنسبة إلى الرواية، فبأنّ الخارج منها على تقدير كون المراد من الشروط هو مطلق الالتزامات سواء كانت في ضمن العقود أو لم تكن في ضمنها، كثير جدّاً‌

756

كما لا يخفى. فالاستدلال بها موقوف على تمسّك جماعة من الأصحاب بها في الموارد، و من المعلوم عدم تمسك أحد بها في المقام. و مجرّد ذهابهم إلى ما يوافق مضمونها و لو من جهة دليل آخر لا يجدي، بل المعتبر هو تمسّكهم بها كما حقّق في محلّه، فتأمّل هذا.

و قد يقال: إنّه لو سلّمنا دلالة الآية و الرواية على اعتبار التراضي، أو كان للقسمة عمومات تدلّ على اعتبار كلّ ما يحصل به التميّز العرفي، لكانت معارضة بما دلّ على اعتبار القرعة في كلّ مشكل و إن لم يكن الترجيح للثاني، فلا ترجيح للأوّل قطعاً. و لكنّه فاسد، لأنّه لو فرض هناك دليل يدلّ على اعتبار التراضي فلا إشكال في حكومته على أدلّة القرعة، لأنّه يدلّ على رفع الإشكال بعد وجود التراضي، فلا موضوع لأدلّة القرعة و لو حكومة، و اللّٰه العالم بحقايق الأمور.

الثالث: أنّ ما ذكرنا من الكلام كلّه في الأمر السابق إنّما هو في أصل حصول الإمضاء من الشارع بالنسبة إلى التراضي و القرعة،

فهل الإمضاء منه على فرض حصوله بالنسبة إليهما على وجه اللزوم بمعنى عدم اشتراط التراضي من الشريكين بعدهما في الحكم باللزوم، أو على وجه الجواز بمعنى اشتراط التراضي منهما في الحكم باللزوم بعدها؟ حيث إنّ إمضاء الشارع لما عليه بناء النّاس على قسمين:

أحدهما على وجه اللزوم، ثانيهما على وجه الجواز. فيقع الكلام في هذا الأمر في مقامين: أحدهما: في حكم التراضي من حيث توقّفه في إفادته اللزوم على بقائه بعد الحصول؛ ثانيهما: في حكم القرعة.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، فملخّصه: أنّ المستفاد من كلام كلّ من قال باعتبار التراضي كالجماعة المتقدّمة، هو القول باللزوم و عدم اشتراط رضا البعد. نعم، ذكر المحقّق الأردبيلي كلاماً فيما حكي عنه بعد ذهابه إلى اعتبار التراضي و إفادته اللزوم و الملكيّة يستفاد منه ذهابه إلى كون التراضي كالمعاطاة بعد التنزّل، حيث‌

757

قال: «و إن لم يكن ملكاً [مملكاً] فلا كلام في جواز التصرّف فيه تصرّف الملاك، مثل ما قيل في المعاطاة و العطايا و الهدايا و التحف [و إنْ كان دليل الملك] و احتمال كونه حراماً لكونه بعقد باطل، عمل المسلمين على خلافه بل على الملك» (1) انتهى ما حكي عنه. و هذا كما ترى لا دخل له بما نحن فيه من كفاية التراضي في حصول القسمة و التميّز، فالمتعيّن على القول بكفايته هو لزومه و عدم اشتراطه بشي‌ء، لأنّه بعد ما حصل التميّز بين الحقّين، فلا معنى لارتفاعه بعد عدم الرضا اللاحق. هذا، مضافاً إلى دلالة الآية و الرواية على اللزوم، فلا وجه للقول باعتبار الرضا بعد حصول التراضي.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، فملخّصه: أنّه ذهب جماعة كالشيخ في المبسوط (2)، و العلّامة في التحرير (3)، و سيد مشايخنا في الرياض (4)، إلى وقوف اللزوم على الرضا بعد القرعة و عدم حصوله بنفسها مطلقاً، اقتصاراً فيما خالف الأصل على القدر المتيقّن بعد أن لم يكن ما يقتضي ترتّب الأثر مطلقاً. و ذهب جماعة (5) إلى عدم وقوف اللزوم على الرضا بعد القرعة مطلقاً. و ذهب جماعة (6) إلى التفصيل بين القسمة المشتملة على الردّ و غيرها بالوقوف في الأولى و عدمه في الثانية، لأنّها في الصورة الأولى معاوضة فلا بدّ فيها من الرضا قبلها و حينها و بعدها. بل الظاهر المحكي عن جماعة خروج هذه الصورة عن محلّ النزاع، و وقوف اللزوم فيها على‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 10/ 215 مع اختلاف يسير.

(2) المبسوط: 8/ 144.

(3) تحرير الأحكام: 2/ 202. و لكن يستفاد منه القول بالتفصيل، فراجع حيث قال: «القسمة ان اشتملت على الرد وجب ...».

(4) رياض المسائل: 2/ 49.

(5) الروضة البهية: 3/ 117؛ قواعد الأحكام: 3/ 460؛ مسالك الأفهام: 14/ 27.

(6) إيضاح الفوائد: 4/ 369؛ الدروس: 2/ 117.

758

التراضي بعد القرعة قولًا واحداً و استشكل المصنّف في المتن (1)، هذا.

و الحقّ هو القول بعدم الاشتراط و اللزوم مطلقاً، و يدلّ عليه مضافاً إلى الأصل بعد فرض حصول الملكيّة المعيّنة لكلّ من الشريكين بالقرعة ما دلّ على اعتبار القرعة، فإن ظاهر ما دلّ على أنّ القرعة لكلّ أمر مشكل، هو رفع الإشكال بها من دون الاحتياج إلى شي‌ء آخر، فلا بدّ إمّا من منع جريان أخبار القرعة أو القول باللزوم بعد تسليم الجريان، فالتفكيك بينهما ممّا لا معنى له. و منه يظهر ضعف ما تمسّك به في الرياض (2) و غيره (3) للقول بالاشتراط مطلقاً تمسّكاً بالأصل. نعم، لو شككنا في أنّه هل يعتبر رضا البعد في أصل حصول التميّز و القسمة بالقرعة، كان مقتضى الأصل الاشتراط، لأنّ الأصل في المعاملات الفساد لكنّه أيضاً مرتفع بقيام ما قدمنا.

و كذا ضعف ما ذكره المفصّلون، ضرورة أنّ مجرّد كون الشي‌ء معاوضة لا يقتضي اشتراط الرضا بعده إذ لا دليل على كلّية المدّعَى، بل مقتضى عموم أدلّة الوفاء بالعهود عدم اشتراط الرضا بعد القرعة. مضافاً إلى كفاية نفس أدلّة القرعة كما عرفته.

ثمّ إنّ هذا كلّه فيما إذا لم يكن القاسم حاكم الشّرع أو نائبه، سواء اقتسما بأنفسهما أو تراضيا بشخص آخر. و أمّا إذا كان القاسم هو حاكم الشّرع فلا إشكال بل لا خلاف في عدم اشتراط الرضا بعد القرعة، و وجهه ظاهر.

إذا عرفت مفهوم القسمة و ما قدّمنا لك من الأمور فاستعدّ لاستماع الكلام فيما وعدناك سابقاً من المقامات.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 888.

(2) رياض المسائل: 2/ 49.

(3) كالمبسوط و التحرير، و قد سبقت الإشارة إليهما.

759

[توقّف القسمة على كون السهمين متعادلين واقعاً]

قوله: «فيجزي القاسم الواحد، إذا لم يكن في القسمة رد (1)، الخ» (1).

____________

أقول: الكلام في كفاية الواحد أو اشتراط التعدّد يقع في مقامين: أحدهما، في التعديل الّذي يكون مقدّمة للقسمة، ثانيهما، في نفس القسمة.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في التعديل الّذي يكون مقدّمة للقسمة]

فنقول: إنّه لا ريب و لا إشكال في توقّف القسمة و إفراز الحقّ على كون السهمين متعادلين واقعاً، و إلّا لم يتحقّق القسمة لأنّها إفراز حقّ كلّ من الشريكين، و إذا لم يعلم مقدار السهمين لم يمكن إفراز حقّه كما لا يخفى. و القول بعدم اشتراط إحراز التعديل فيما إذا رضي الخصمان على ما لم يعلم مقداره، لأنّ الحقّ لهما فلا يمنعان عن المسامحة فيه، فاسدٌ جدّاً، لأنّك قد عرفت سابقاً أنّه ليس الكلام في القسمة فيما إذا رفع كلّ من الشريكين يده عن حقّه، لأنّه ليس بقسمة قطعاً.

و بالجملة، لا إشكال بل لا خلاف في توقّف تحقّق القسمة على التعديل بين السهام بحسب الواقع. و لهذا أوردنا سابقاً على من (2) تمسّك لكفاية التراضي بما دلّ من الروايات على كفايته مع عدم العلم بمقدار كلّ من السهمين، بأنّه مخالف لاتّفاق كلمة الأصحاب على اشتراط التعديل، بل عدم تحقّق مفهوم القسمة (3) به. هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في تعيين ما هو طريق شرعاً لإحراز هذا الشرط الواقعي، فنقول‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 888.

(2) و هو الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: 9/ 330.

(3) إلّا، خ ل.

760

توضيحاً للمقام بعون الملك العلّام: إنّ معدّل السهام و القاسم لا يخلو إمّا أن يكونا الشريكين، سواء قلنا بكفاية تراضيهما في القسمة أو الاحتياج إلى القرعة، فإنّه لا تفاوت بينهما فيما ذكره من الحكم أو غيرهما. و على الثاني لا يخلو إمّا أن يكون هو الحاكم، أو من نصبه لذلك، أو من تراضى الشريكان به لذلك فإنّه لا إشكال بل لا خلاف في جوازه. و على التقادير لا يخلو إمّا أن يحتاج التعديل إلى التقويم و يتضمّنه، أو لا.

أمّا الصورة الأولى فلا إشكال حسبما صرّح به الأستاد العلّامة في مجلس المباحثة في طريقية اعتقاد الشريكين إلى التعديل، سواء تضمّن تقويماً أم لا.

أمّا الصورة الثانية، و هي ما إذا كان القاسم حاكم الشّرع أو نائبه، فإن تضمّن التعديل تقويماً فلا إشكال في عدم طريقيّة اعتقاد الحاكم و نائبه إليه، لأنّه شهادة، و لا يكفي فيها الواحد، سواء كان الحاكم أو غيره، لأنّ إخبار الحاكم عن الموضوعات ليس حجّة على النّاس بل حاله كالنسبة إليه كحال سائر النّاس. و هل يكفي إذا انضمّ إلى إخباره إخبار غيره إذا كان واحداً أم لا؟ وجهان، مبنيّان على أنّه هل يكون لنا دليل يقتضي باعتبار شهادة الاثنين في كلّ مورد أم لا؟ و على الأوّل كما عليه المشهور يكفي، و على الثاني لا يكفي إلّا إذا انضمّ إليه إخبار ثلاثة، لأنّ اعتبار شهادة الأربعة في جميع الموارد إجماعيّ بل بديهي بين العلماء. هذا كلّه فيما إذا احتاج التعديل إلى التقويم. و أمّا إذا لم يحتج إليه، فهل يكفي اعتقاد الحاكم و إخباره وحده أو لا؟ وجهان، مبنيّان على أنّ التعديل شهادة أم لا؟ أوجههما عند الأستاد العلّامة الثاني فلا يحتاج إلى الانضمام و هو مشكل جدّاً.

أمّا الصورة الثالثة، فالظاهر أنّ حكمها حكم الصورة الثانية بكلا قسميها، إلّا أنّه قد يقال بالفرق بينهما في صورة عدم الاحتياج إلى التقويم بكفاية الحاكم في الأولى و عدم كفاية القاسم في الثانية، لكنّه ضعيف كما لا يخفى. هذا مجمل القول‌

761

في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني: [في نفس القسمة.]

فلا إشكال بل لا خلاف في عدم اشتراط التعدّد فيه، بل لا معنى له، لأنّ الغرض منه يحصل بالواحد أيضاً. و من هنا ذهب المشهور إلى كفاية الواحد و لو كان فاسقاً، بل ذهب جماعة (1) إلى كفايته و لو كان كافراً، بل مال بعض مشايخنا (2) بعض الميل إلى كفايته و لو كان صبيّاً نظراً إلى حصول الغرض المقصود من القسمة بتقسيمه أيضاً.

هذا، مضافاً إلى دلالة بعض الأخبار على ما ذكرنا أيضاً، و هو ما ذكرنا في أوّل القسمة لإثبات تشريعها من حديث نصب النبي (صلى الله عليه و آله) و الوصيّ (عليه السلام) قاسماً لقسمة الأموال المشتركة (3).

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من عدم كفاية الواحد في المقام الأوّل فيما إذا تضمّن التعديل تقويماً أو لا مع ذلك على وجه بين قسمة الردّ و غيرها، و لا بين ما إذا تراضى الشريكان بالواحد أو لا. و الوجه في التعميم الأوّل ظاهر، لأنّ الاحتياج إلى التقويم غير منحصر في قسمة الردّ. و أمّا في الثاني، فلأنّ رضا الشريكين لا يوجب تغييراً لحكم الشّرع.

لا يقال: رضاؤهما يكشف عن تمليك كلّ منهما ما يخصّه من الزيادة على تقدير حصولها بصاحبه. و لا مانع عنه، لأنّ النّاس مسلّطون على أموالهم.

لأنّا نقول: قد عرفت سابقاً أنّ الكلام في القسمة غير الكلام في الهبة و التمليك، و أنّ إحراز التعديل في الأوّل شرط و إلّا فلا يحتاج إلى مقوّم واحد أيضاً فضلًا عن أن يكون من أهل الخبرة، بل يكفي تجزية المال المشترك و تقسيمه و إن علم زيادة‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 888، مسالك الأفهام: 14، 25؛ جواهر الكلام: 40/ 327.

(2) جواهر الكلام: 40/ 328.

(3) راجع في الفصل الثاني من المباحث القسمة.

762

أحد السهمين من الآخر.

و هذه خلاف قضيّة كلماتهم بل قد عرفت أنّها خلاف قضيّة مفهوم القسمة.

فظهر ممّا ذكرنا ضعف ما ذكره في المتن (1) و غيره (2) من تخصيص الاحتياج إلى التعدّد و عدم كفاية الواحد بالقسمة المشتملة على الردّ، لأنّها تتضمّن تقويماً، و من الحكم بسقوط الثاني مع رضا كلّ من الشريكين بالواحد، هذا.

لكن يمكن أن يقال: إنّ مرادهم من التخصيص في القسمة المشتملة على الردّ ليس هو التخصيص بحسب الحكم، ضرورة وجود العلّة المذكورة لحكمها في غيرها، إذ تضمّن التقويم لا ينحصر في قسمة الردّ، بل هو موجود في غيرها أيضاً كما في قسمة الحيوانات و العقار و غيرهما من القيميّات، بل إنّما هو تخصيص بحسب الذكر من جهة عدم انفكاكها من تضمّن التقويم و انفكاك غيرها عنه. هذا، مضافاً إلى ما ذكره الأستاد العلّامة من أنّ مرادهم من قسمة الردّ في المقام ليس هو خصوص قسمة الردّ التي اتّفقوا فيها على عدم جريان الأخبار فيها، و هي التي يتوقّف التعديل بين السهمين إلى ضمّ شي‌ء من خارج المال المشترك إليه حتّى يحصل التعديل، بل المراد منها هي قسمة الردّ بالمعنى الأعمّ، و هي كلّ ما اشتمل على ردّ و لو من المال المشترك.

ثمّ إنّ مراد كلّ من اشترط التعدّد في القاسم كالمصنّف و غيره، فيما إذا تضمّنت القسمة التقويم، و لم يشترطه فيما لا تتضمّن التقويم، إنّما هو بالنسبة إلى المقام الأوّل، لأنّك قد عرفت أنّ عدم الاحتياج إلى التعدّد في المقام الثاني ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه، و كأنّهم تسامحوا في التعبير، من جهة ظهور المطلب و وضوحه، أو‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 888.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 460؛ إيضاح الفوائد: 4/ 369؛ مسالك الأفهام: 14/ 28؛ كشف اللثام: 2/ 349؛ جواهر الكلام: 40/ 332.

763

من جهة كون القاسم في الأغلب هو المقوّم أو لغير ذلك، لأنّك قد عرفت أنّ ظاهره ليس بمراد قطعاً.

و من التأمّل فيما ذكرنا كلّه تعرف فساد ما ذكره بعض مشايخنا في المقام من الردّ على ما ذكروه ذاهباً إلى عدم الاحتياج إلى التعدّد أصلًا حتّى بالنسبة إلى المقام الأوّل مستدلّاً بقضيّة نصب النبي (صلى الله عليه و آله) و الولي (عليه السلام) قاسماً واحداً لقسمة الأموال المشتركة و ببعض الوجوه الأخر، حيث قال بعد شرح كلام المصنّف المتقدّم ذكره (1)، و نقل ما ذكره في المسالك (2) في هذا المقام ما هذا لفظه: «و لكن قد ينافيه أوّلًا: ما سمعته من نصب علي (عليه السلام) قاسماً واحداً و إلّا كان المتّجه نصب الاثنين احتياطاً، لاحتمال حصول الردّ في القسمة. و ثانياً: أنّ التقويم غير منحصر في قسمة الردّ، فإنّ كثيراً من الأموال المشتركة المختلفة كالحيوانات و نحوها لا يقسّم إلّا بالتقويم و إن لم يكن فيها ردّ و احتمال إرادة كلّ ذلك من قسمة الردّ على معنى أنّه قد يكون فيها ردّ، مناف لما هو المصطلح عندهم من أنّ قسمة الردّ هي المشتملة على دفع مال آخر من أحد الجانبين، و لذا أطلقوا عدم الجبر فيها بخلاف ما في [باقي] ما يقسّم بالتقويم الّذي لا ردّ فيه، فإنّه يجبر عليه. و ثالثاً: أنّ التقويم لا مدخليّة له في القسمة التي هي إفراز الحقّ، و إنّما هو من مقدّماته، و الفرض ظهور كلماتهم في تعدّد القاسم لا المقوّم، على أنّه يمكن القول بتولّي الواحد القسمة فيها و إن احتيج إلى التعدّد بعدها في تقويم ما زاد في أحد النصيبين، إذ ذاك أمر خارج عن القسمة. و من هنا كان لعلي (عليه السلام) قاسم واحد، فتأمّل جيّداً» (3) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و فيه مواضع للنظر لا يخفى وجهه فيها لكلّ من تأمّل فيما ذكرناه و سلك الإنصاف و جانب الاعتساف، و اللّٰه العالم.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 888.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 28.

(3) جواهر الكلام: 40/ 332 333.

764

[أُجرة القسّام]

قوله: «فإن لم يكن إمام، أو كان و لا سعة في بيت المال، كانت أجرته على المتقاسمين» (1) (1).

____________

أقول: الكلام في المقام يقع في مقامين: أحدهما: في تشخيص المورد الّذي الأجرة عليهما أو على واحد منهما. ثانيهما: في تشخيص أنّها في الموارد التي عليهما هل هي بالحصص أو بالرءوس.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في تشخيص المورد الّذي الأجرة عليهما أو على واحد منهما.]

فيقع في صور، لأنّ الشريكين إمّا أن يكونا طالبين للقسمة، أو لا يكون الطالب إلّا أحدهما الّذي يسمّى القسمة فيه بالقسمة الإجباريّة، حيث إنّه يقسّم حاكم الشّرع المال فيه جبراً على غير الطالب. و على التقدير الأوّل لا يخلو أيضاً إمّا أن يجعلا أجرة واحدة للقاسم بعقد واحد، أو يجعل كلّ منهما أجرة مستقلّة بعقد مستقل دفعة واحدة أو مترتّباً.

أمّا إذا لم يكن الطالب إلّا أحدهما و استأجر الحاكم القاسم جبراً على الممتنع، أو أذن في الاستيجار، فالذي نفي الخلاف عنه في كلام بعض الأصحاب، بل نقل الإجماع عليه في كلام آخر منهم (2)، كون الأجرة عليهما، بل ليس المخالف فيه من العامّة أيضاً، إلّا أبا حنيفة (3)، و الشافعي (4) في أحد وجهيه فخصّصاها بالطالب.

و علّل الحكم جماعة و أوردوا عليهما بأنّ العمل المحترم قد وقع لهما فيستحقّ‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 888.

(2) راجع جواهر الكلام: 26/ 309.

(3) الشرح الكبير: 11/ 511؛ البحر الرائق: 8/ 270.

(4) كما نقله أيضاً في الجواهر: 40/ 334. و كذا في كشف اللثام: 2/ 350.

765

العوض منهما ما لم يقصد التبرّع، هذا.

و لكن لم يرتض هذا الوجه شيخنا المرتضى دام إفادته و ذكر في وجهه ما حاصله: إنّ العمل المحترم و إن عاد نفعه إليهما إلّا أنّه لا يقع إلّا بأمر أحدهما، و من المعلوم أنّ احترام العمل إنّما هو إذا وقع بأمر من المعمول له لا ما إذا وقع بدونه.

لا يقال: إنّ غير الطالب و إن لم يرض و لم يأمر بالعمل المذكور، إلّا أنّ رضا الحاكم و أمره الّذي هو وليّ الممتنع رضاه و أمره فتدخل فيما ذكرت.

لأنّا نقول: الحاكم إنّما هو وليّ فيما يجب على المولّى عليه الممتنع عنه، و من المعلوم أنّ الواجب على غير الطالب ليس إلّا التخلية و عدم منع الشريك من إفراز ماله لا تقسيم المال و تسليم حقّ الشريك به، لأنّ مقتضى ما يستدلّ به في المقام ممّا دلّ على تسلّط النّاس على أموالهم (1)، و ما دلّ على نفي الضرر و الضرار في الإسلام (2)، هو ما ذكرنا، لأنّ عدم ورود الضرر على الشريك يحصل بنفس التخلية و عدم المنع و لا يتوقّف على شي‌ء آخر، و كذلك عدم إيصال الممتنع عن القسمة حقّ صاحبه إليه بعد التخلية بينه و بين المال المشترك و عدم منع الشريك عن القسمة ليس حجراً له عن ماله حتّى يرتفع بعموم: «النّاس مسلّطون على أموالهم» 3. نعم، لو قيل إنّ الواجب على الشريك تسليم حقّ الشريك إليه و إفرازه من ماله، لتعيّن المصير إلى كون الأجرة عليهما، فالحكم بالنظر إلى القاعدة مبني على الوجهين، إلّا أنّ الإجماع قد انعقد ظاهراً على كونها عليهما حسبما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم.

لا يقال: إنّه لا إشكال في تعلّق الأجرة على الشريك لو رضي بتقسيم القاسم الّذي استأجره شريكه على القسمة، و كذلك لا إشكال في تعلّق الأجرة على‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457، 2/ 138، 3/ 208؛ بحار الأنوار: 2/ 272.

(2) 2 و 3 راجع الكافي: 5/ 292 (باب الضرار)؛ تهذيب الأحكام: 7/ 146 147؛ وسائل الشيعة: 25/ 427 (باب عدم جواز الإضرار بالمسلم).

766

الشخص لو رضي و أذن أن يعمل أحد له عملًا بالأجرة و لا يشترط فيه الأمر قطعاً، لأنّ احترام عمل المسلم يكفي فيه وقوعه بإذن المعمول له. ففي المقام و إن لم يجب الإفراز على الشريك الممتنع إلّا أنّه يجب عليه الرضا بالقسمة، فإذا فرض عدم رضاه بها فرضا الحاكم قائم مقام رضاه.

لأنّا نقول: نعم لا إشكال في تعلّق الأجرة على الشخص لو رضي بفعل غيره له على القول بصحّة الإجارة المعاطاتية، لكنّ الواجب على الشريك في المقام ليس هو الرضا بالقسمة بالأجرة، بل الواجب عليه الرضا و عدم الامتناع من إفراز الشريك حقّه من المال المشترك، و أين هذا من وجوب الرضا بالفعل بإزاء الأجرة.

هذا كلّه إذا لم يكن الطالب إلّا واحداً منهما.

و أمّا إذا كان كلّ واحد منهما طالباً للقسمة، فإن استأجراه بعقد واحد، سواء كان بأجرة واحدة منهما أو متعدّدة، فلا إشكال في المسألة و يجب عليهما الأجرة دون واحد منهما و وجهه ظاهر. مضافاً إلى قيام الإجماع عليه من الطائفة المحقّة، بل من غيرهم. و أمّا إذا استأجراه بعقدين مترتّبين كلّ منهما بأجرة معيّنة فظاهرهم عدم الخلاف في صحّة كلّ منهما و استحقاقه الأجرتين من الشريكين.

لكنّهم ذكروا في المقام إشكالًا يجب التعرّض له و لما ذكروا في دفعه، و ليس هذا الإشكال مختصّاً بأصحابنا الإمامية بل تعرّض له و لدفعه بعض العامة أيضاً.

و أوّل من تعرّض لهذا الإشكال و لدفعه حسبما حكاه الأستاد العلّامة، الفخر في الإيضاح (1). و كلامهم في أصل بيان الإشكال مشوّش غاية التشويش، و كذلك جواب البعض عنه مضطرب في غايته.

فلنتعرّض أوّلًا لذكر الإشكال على ما ذكروه، ثمّ نبيّن ما هو الحقّ في تقريره.

و هو: أنّه إذا استأجر القسّام أحد الشريكين لإفراز نصيبه فقد وجب عليه من باب‌

____________

(1) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 369 370.

767

المقدّمة إفراز نصيب الشريك الآخر، لأنّ إفراز أحد النصيبين لا يمكن إلّا بإفراز نصيب الآخر، و ما يتوقّف عليه الواجب واجبٌ، فإذا وجب عليه من باب المقدّمة إفراز نصيب الشريك الآخر فأخذ الأجرة عليه حرام فلا يصح الإجارة ثانياً. هذا حاصل ما ذكروه في بيان الإشكال.

و أنت خبير بفساده، لأنّ إفراز أحد النصيبين ليس متوقّفاً على إفراز نصيب الآخر حتّى يدخل في باب المقدّمة، بل التحقيق الّذي يلتفت إليه كلّ من له أدنى تأمّل و التفات أنّ إفراز أحد النصيبين عين إفراز النصيب الآخر، فلا يمكن أن يجعل أحدهما مقدّمة للآخر، ضرورة اشتراط التغاير بين المقدّمة و ذيها.

فالبيان الّذي ذكروه لتقرير الإشكال فاسد جدّاً، إلّا أن يكون مراد من ذكر التوقّف هو التوقّف بالمعنى الّذي بين المتضائفين، لا التوقّف الّذي بين المقدّمة و ذيها. لكنّه خلاف صريح كلام جماعة منهم، حيث قرّروا الإشكال بالبيان الّذي ذكرناه، و هو صريح في أنّ مرادهم من التوقّف هو المعنى الثاني لا الأوّل. نعم، ذكر الأستاد العلّامة أنّ هذا التوجيه لا يأباه كلام الفخر، و لم يكن عندي كتابه حين كتابة هذا الموضع حتّى أنظر فيه، فراجع إليه لعلّك تظفر على صدق ما ادّعاه الأستاد.

إذا عرفت هذا فالحقّ في تقريره أن يقال: إنّ إفراز أحد النصيبين عين إفراز النصيب الآخر، كما أنّ فصل أحد الشيئين عن الآخر عين فصل الآخر عنه و لا تغاير في نسبة الإفراز إلى الأولين و الفصل إلى الآخرين إلّا بحسب الاعتبار و الملاحظة كما في باب المفاعلة، فقد يقول: (أفرزت نصيبي عن نصيبك)، و قد يقول: (أفرز نصيبك عن نصيبي)، و إلّا فهما عبارتان لمعنى واحد. و ليس هذا الكلام مختصّاً بالمقام بل يجري بالنسبة إلى جميع المتضائفين كما لا يخفى. فإذا كان إفراز أحد النصيبين عين إفراز النصيب الآخر فاستأجره أحدهما لإفراز نصيبه أوّلًا بأجرة معيّنة، حسبما هو قضيّة الفرض، فقد خرج إفراز نصيب الآخر عن تحت‌

768

قدرته و ملكه، لأنّه عين ما ملكه بأحد الشريكين فلا يكون مالكاً له ثانياً. فإذا ارتفع قدرته و ملكه عن إفراز نصيب الآخر فكيف يأخذ الأجرة عليه مع أنّه ليس بمملوكه فهو أكل للمال بالباطل.

و لك أن تفرض الإشكال في إجارة الثالث أيضاً كما ذكره جماعة إذا كان الشركاء ثلاثة بأن استأجره أحدهم لإفراز نصيبه عن غيره و آخر لإفراز نصيبه عن نصيب الثالث، فإن استأجره الثالث حينئذٍ لإفراز نصيبه عن نصيب الثاني فقد استأجره لما لا يملكه الأجير، لأنّ إفراز حقّه عن حقّ الثاني عين إفراز حقّ الثاني عن حقّه الّذي فرض استيجاره عليه أوّلًا فيلزم عليه ما ذكر من الإشكال، هذا.

و قد أجاب بعض من لا خبرة له عن الإشكال المشهور بوجوه ركيكة فاسدة:

أحدها: أنّه مبنيّ على القول بوجوب المقدّمة.

ثانيها: أنّه إنّما يتمّ على القول بوجوب المقدّمة الغير السببيّة. ثالثها: أنّ حرمة أخذ الأجرة لا تنافي صحّة الإجارة ثانياً و وجوب عمل الأجير على طبقها، لأنّ الحرمة لا تنافي الصحّة، كما أنّها لا تنافي الوجوب التوصّلي، فإفراز النصيب الآخر و إن وجب على الأجير من باب المقدّمة إلّا أنّه لا ينافي أخذ الأجرة المحرّم عليه، لأنّ الوجوب التوصّلي يجتمع مع الحرام كما عليه صاحب المعالم (1) و جماعة، فهذا الإشكال مبنيّ على قول غيرهم. هذا ملخّص ما حكاه الأستاد عنه. و أنت خبير بفساد الوجوه التي ذكرها للتفصّي عن الإشكال المذكور.

أمّا ما ذكره أوّلًا من ابتناء ورود الإشكال على القول بوجوب المقدّمة؛ ففيه:

أنّه غير مبنيّ عليه أصلًا، بل إنّما هو مبنيّ على أصل المقدّمية و التوقّف، فإنّ من آجر نفسه على عمل فلا يجوز له أخذ الأجرة على كلّ ما لا ينفكّ عنه، سواء كان من اللوازم القهريّة له أو من مقدّماته أو غير ذلك، و الوجه فيه خروجه عن ملكه‌

____________

(1) راجع معالم الاصول: 100.

769

و قدرته، فأخذ الأجرة عليه أكل للمال بالباطل. فحرمة أخذ الأجرة على المقدمة غير مبتنية على القول بوجوبها. هكذا ذكر الأستاد العلّامة في جوابه. لكن يمكن أن يوجّه كلامه بأنّه في قبال من تمسّك لحرمة أخذ الأجرة ثانياً بأنّه أخذ للأجرة على فعل الواجب، فإنّ ظاهر هذا الكلام كون الوجوب مانعاً لا نفس المقدّمية و التوقّف، فتأمّل.

و أمّا ما ذكره من ابتناء فساد الإجارة الثانية على القول بعدم جواز اجتماع الحرمة مع الوجوب التوصّلي؛ ففيه: أنّ عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب إنّما هو من جهة خروجه عن ملك الأجير، فأخذ الأجرة عليه أكل للمال بالباطل كما لا يخفى. و هذا لا دخل له بحديث اجتماع الوجوب التوصّلي مع الحرمة، فحرمة أخذ الأجرة في المقام إنّما هو من جهة فساد الإجارة لا من نفس الوجوب حتّى يقال إنّه يجتمع مع الحرام.

و كيف كان فقد أجيب عن الإشكال المذكور بوجهين: أحدهما: النقض بما لو استأجر شخص أحداً لبيع ماله و استأجره آخر لشراء هذا المال، فإنّه لا إشكال في استحقاقه الأجرة منهما، مع أنّ إيجاب البيع عليه يلزمه تحصيل الشراء و لو من باب المقدّمة، هذا.

و قد أجاب الأستاد العلّامة عن هذا الوجه، بأنّه قياس مع الفارق فإنّ استيجاره على بيع ماله يتصوّر على صور ثلاث: الأولى: أنْ يستأجره على بيع ماله بمعنى نقله مع قطع النظر عن تحصيل الشراء و الانتقال إلى الآخر بعوض و عدمهما، كما هو أحد معاني لفظ «البيع» فإنّه لو قال البائع: (بعتك)، و لم يقبله المشتري لم يستعمل البائع غلطاً أصلًا. الثانية أنْ يستأجره لبيع ماله إذا اتّفق هناك مشتر له. الثالثة: أنْ يستأجره لبيع ماله بمعنى إيجاده النقل المتعقّب بالانتقال، كما هو أحد إطلاقات لفظ «البيع» كما يقال: (فلان باع ماله)، فإنّه لا يراد منه إيجاده السبب للنقل و إن لم ينتقل‌

770

منه، فيصير تحصيل الشراء واجباً على الأخير. و من المعلوم أنّ الأوليين على تقدير صحّتهما لا تكونان مقصودتين من النقض المذكور قطعاً لعدم الارتباط بينهما، فيكون المراد كما هو الظاهر من كلام المجيب هو الصورة الثالثة. و من المعلوم ظهور الفرق بينها و بين المقام، فإنّه و إن فرض وجوب تحصيل الشراء على الأجير إلّا أنّ من المعلوم أنّ القبول الواقع من قبل المشتري ليس عين البيع الواقع من قِبل البائع، بل هما شيئان متغايران موجودان بوجودين لا دخل لأحدهما بالآخر أصلًا.

فهذا بخلاف المقام، فإنّ إفراز أحد النصيبين عين إفراز الآخر حسبما عرفت تفصيل القول فيه. فالحكم بالصحّة في الصورة لا دخل له بالمقام أصلًا، و كأنّ المجيب قاس المتغايرين بحسب الوجود الخارجي بالمتغايرين بحسب الذهن، فأعطى حكم أحدهما بالآخر و أجراه فيه، و أنت خبير بوضوح الفرق بينهما. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة. لكن يمكن أنْ يقال: إنّ هذا النقض و إن لم يكن وارداً على ما ذكره الأستاد العلّامة في بيان الإشكال من حديث العينيّة إلّا أنّه وارد على ما ذكره المشهور في بيان الإشكال من حديث لزوم أخذ الأجرة على الواجب، فتأمّل (1).

ثانيهما: ما ذكره جماعة من الأصحاب و بعض العامّة من أنّ السؤال مبنيّ على أنّه يجوز استقلال بعض الشركاء باستيجار القسّام لإفراز نصيبه و لا سبيل إليه، لأنّ إفراز نصيبه لا يمكن إلّا بالتصرّف في نصيب الآخر تردّداً و تقديراً، و لا سبيل إليه‌

____________

(1) وجه التأمّل: أنّ حصول البيع بالمعنى المذكور و إن توقّف على الشراء، إلّا أنّ من المعلوم أنّ وجوبه لا يقتضي وجوب الشراء، لأنّه من فعل الغير و لا معنى لعروض الوجوب عليه.

نعم مقدّمات تحصيله تكون من أفعال الأجير، لكنّ الأجرة التي يأخذها من المشتري إنّما هو بإزاء الشراء نفسه، و هذا بخلاف المقام، فإنّا لو قلنا بأنّ الإفرازين متعدّدان في الخارج فلا ريب في أنّهما من فعل الأجير، فأخذ الأجرة على أحدهما بعد أخذ الأجرة على الآخر ممّا لا يجوز على القول بعدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات، فالنقض المذكور ممّا لا ورود له، فافهم (منه (قدس سره)).

771

إلّا برضاهم. نعم، يجوز أن ينفرد واحد منهم برضا الباقين فيكون أصيلًا و وكيلًا و لا حاجة إلى عقد الباقين، هذا. و حاصله يرجع إلى منع الصغرى أي منع صحّة استيجار كلّ من الشريكين بعقد مستقلّ مترتّب بأجرة معيّنة من جهة توهّم أنّه مع قطع النظر عن تحقّق الرضا من الشريك الآخر لا تصحّ الإجارة الأولى و مع تحقّق رضاه يتحقّق الإجارة فيه أيضاً وكالةً، فليس هنا صورة فرض صحّة إجارة كلّ من الشريكين فيها بعقد مستقلّ حتّى يرد عليها الإشكال المزبور.

و أنت خبير بفساد هذا الوجه من وجوه: أحدها: ما ذكره جماعة من منع عدم إمكان إفراز أحد النصيبين إلّا بالتصرّف في الآخر، ضرورة إمكان فرض صورة يستغني القاسم فيها عن التردّد فيه بضبطه إيّاه سابقاً، أو باستحقاقه ذلك لاستيجار و نحوه. ثانيها: ما ذكره بعض الأفاضل من أنّ مجرّد رضا الشريك بالتردّد أو التخطّي في ماله ليس توكيلًا منه في الاستيجار على القسمة، ضرورة عدم التلازم بينهما أصلًا. ثالثها: أنّ هذا الجواب خروج عن الفرض الّذي ذكره الأصحاب مصرّحين بصحّة إجارة كلّ منهما فيه. فهذا لا يدفع الإشكال الوارد على فرض القوم، بل في الحقيقة هو تسليم لورود الإشكال على الفرض الّذي ذكروه، هذا.

و قد يجاب عن الإشكال المذكور بوجه آخر، و هو: أنّ الشريك الأوّل لم يستأجره إلّا على إفراز حقّه، و إفراز حقّه و إن كان في الخارج عين إفراز حقّ الشريك الآخر لا تغاير بينهما عقلًا، بل هو عمل واحد في الواقع، إلّا أنّ مملوكيّة العمل إنّما هو بحسب المنافع المترتّبة عليه، ضرورة أنّ نفس الفعل الّذي هو عبارة عن مجموع الحصولين من الحركة و السكون مع قطع النظر عن المنافع ليس شيئاً يقابل بالمال و يملكه الشخص، فإذا ترتّب على عمل منفعتان فهو عند العرف بمنزلة عملين و ملكين، فالعمل المذكور و إن كان بسيطاً عقلًا بل لا يقبل التجزية حتّى يتصوّر الشركة فيه بمعنى صيرورة نصفه لشخص و نصفه الآخر لشخص آخر، إلّا أنّه‌

772

منزَّل عرفاً بمنزلة ما يقبل التجزية باعتبار المنافع المترتّبة عليه التي صارت منشأ لمملوكيّته، فهو و إن كان غير قابل لتعلّق الشركة به بالنظر إلى نفس ذاته لعدم قابليّته للتجزية، كما أنّه بهذه الملاحظة ليس ممّا يتعلّق الملكيّة عليه أيضاً لكنّه قابل لتعلّقها به عرفاً بالنظر إلى المنافع المترتّبة عليه. فالعمل و إن كان واحداً حقيقةً إلّا أنّه متعدّد عرفاً. فالعمل الواحد المنزَّل منزلة المتعدّد كالعين الواحد الغير القابل للتجزية المنزَّل منزلة القابل لها كالعبد، و لهذا يتصوّر الشركة فيه. فيمكن أن يقال في الفرض بالملاحظة المذكورة: إنّ الشريك الأوّل قد ملك نصف العمل أو ملك تمامه باعتبار تعلّقه بحقّه، و الشريك الآخر أيضاً ملك نصفه بالإجارة أو تمامه باعتبار تعلّق حقّه، هذا.

و لكنّك خبير بفساد هذا الجواب أيضاً، لأنّه على فرض تسليم التعدّد العرفي لا يغني من جوع، لأنّه و إن كان الإفرازان متعدّدين، إلّا أنّ من المعلوم ضرورة أنّ إفراز نصيب الشريك الثاني من اللوازم القهريّة لإفراز نصيب الشريك الأوّل، ضرورة عدم تعقّل الانفكاك بينهما بحسب الوجود و إن لم نقل بكون أحدهما عين الآخر، و قد عرفت سابقاً أنّ ما لا ينفكّ عقلًا عن المستأجر عليه و يترتّب عليه قهراً لا يجوز للأجير أخذ الأجرة عليه، لأنّه لا يملكه فيكون أكلًا للمال بالباطل. فالمناط الّذي اقتضى عدم جواز أخذ الأجرة و فساد الإجارة على تقدير القول بالعينيّة فهو بعينه موجود على تقدير القول بعدمها، فافهم.

فظهر ممّا ذكرنا كلّه عدم اندفاع الإشكال المذكور بالوجوه المذكورة. فإن كان هناك إجماع على الحكم بصحّة كلا العقدين فهو، و إلّا فالحكم بالصحّة لا يخلو عن إشكال بل منع. هذا مجمل القول في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو: إنّ كلّ مورد كانت الأجرة عليهما و كان نصيب أحدهما في المال المشترك أزيد من نصيب الآخر، فهل هي بالحصص، أو بالرءوس؟

773

سواء كانت الأجرة أجرة المثل أو المسمّى. فالّذي نفي الخلاف عنه بيننا كونها بالحصص. نعم، في القواعد (1) احتمال كونها بالرءوس. و قد وافقنا فيه أكثر العامّة، و ذهب أحمد بن حنبل منهم إلى كونها بالرءوس (2).

و ليعلم أنّ محلّ الكلام أوّلًا حسبما صرّح به الأستاد العلّامة في أثناء البحث، و يستفاد من كلماتهم، هو ما إذا لم يكن العمل مختلفاً بحسب الكمّ، كما في المثليّات التي يلاحظ القسمة فيها بحسب الكيل و الوزن، فإنّه لا إشكال في كون الأجرة بالرءوس، لتعدّد العمل في الخارج حينئذٍ، فإنّما هو فيما إذا كان اختلاف العمل بحسب الكيف مع وحدته بمعنى كون النفع العائد منه لأحد الشريكين أزيد من النفع العائد للشريك الآخر لا من جهة الاختلاف في كميّة نصيبهما كثرة و قلّة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحقّ ما ذهب إليه الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و يدلّ عليه ما أشرنا إليه في طيّ بعض كلماتنا السابقة من أنّ مملوكيّة العمل و احترامه إنّما هو بحسب المنافع العائدة منه و الفوائد و الثمرات المرتّبة عليه، و إلّا فنفس الفعل الّذي عبارة عن مجموع الحصولين من الحركة و السكون أو الخروج من القوة إلى الفعل مع قطع النظر عن المنافع، ليس شيئاً يعرضه الملكيّة. فكلّ من الشريكين في الفرض قد ملك العمل بقدر المنفعة العائدة منه إليه، فكلّ منهما يجب عليه الأجرة على العمل بحسب ما استوفى منه من المنافع. فالعمل و إن كان واحداً في الخارج إلّا أنّه غير مساو بالنسبة إليهما من حيث المنفعة و النتيجة المقصودة منه.

فإذاً لا بدّ من أنْ توزّع الأجرة على الحصص لا على الرءوس، هذا.

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 461.

(2) المبسوط للسرخسي: 15/ 5؛ بدائع الصنائع: 7/ 19؛ راجع أيضاً الشرح الكبير: 11/ 512؛ اللباب: 4/ 92؛ تبيين الحقائق: 5/ 265 266؛ حلية العلماء: 8/ 166؛ المغنى لابن قدامة: 11/ 518؛ الميزان (للشعراني): 2/ 194.

774

و قد استدلّ للمختار بوجهين آخرين: أحدهما: ما حكي عن الشيخ في الخلاف من: «انّا لو وزّعناها على قدر الرءوس ربّما أفضى إلى ذهاب المال، كأن يكون بينهما، لأحدهما عشر العشر سهم من مائة سهم، و الباقي للآخر، و يحتاج إلى أجرة عشرة دنانير على قسمتها فيلزم من له الأقل نصف العشرة. و ربما لا يساوي سهمه ديناراً واحداً فيذهب جميع المال، و هذا ضرر و القسمة وضعت لإزالة الضرر فلا يزال بضرر أعظم منه» (1) انتهى المحكي عنه.

و فيه: أنّ هذا مجرّد اعتبار لم يدلّ دليل على اعتباره، لأنّ عمل المسلم محترم و إن فرض أجرته زائدة على ما عاد إلى المعمول له من المنافع، كما إذا كان في العمل مشقّة كثيرة توجب زيادة الأجرة. و القول بأنّ تلك الإجارة فاسدة من جهة كونها سفهية فاسدٌ جدّاً.

أمّا أوّلًا: فلأنّا نفرض الكلام في أجرة المثل. و أمّا ثانياً: فلأنّا نفرض تعلّق غرض عقلائي بالإقدام على تلك الإجارة بحيث يخرجها عن السفهائية. هذا، مضافاً إلى أنّ الحكم بفساد الإجارة من حيث السفاهة لا دخل له بكلام المستدلّ، مع أنّ ما ذكره قد يفرض فيما إذا قلنا بكونها بالرءوس (2) بأن تكون الأجرة المتعلّقة بكلّ منهما زائدة على ما عاد إليه من المال.

و بالجملة زيادة الأجرة لا توجب رفع اليد عمّا دلّ على وجوب الوفاء بالعقد و احترام عمل المسلم.

ثانيهما: ما ذكره في محكي كشف اللثام للفاضل الأصفهاني من: «أنّ الأجرة تزيد بزيادة العمل، و العمل يزيد بزيادة المعمول، فكلّ من كانت حصّته أزيد فالعمل له أزيد، كمن يسقي جريبين من الأرض، فعمله أزيد ممّن يسقي جريباً و إن تحمل‌

____________

(1) الخلاف: 6/ 229، مع اختلافات.

(2) أي بالحصص.

775

المشقّة أكثر. و كمن ردّ عبداً قيمته مائة، فعمله أزيد ممّن ردّ عبداً قيمته خمسون» (1) و الغموض في قلّة النصيب إنّما جاء من كثرة نصيب الآخر» (2) انتهى ما حكي عنه. و لا يخفى عليك أنّه يرجع إلى ما ذكرنا أيضاً، و إلّا فتوجّه الإشكال عليه جليّ، هذا.

و استدلّ لكونها بالرءوس في القواعد (3) حسبما حكي عنه بما يرجع حاصله مع توضيح من بعض إلى التسوية في العمل: «فإنّه ليس إلّا إفرازاً أو حساباً أو مساحة، و الكلّ مشترك بينهما [فيها]، فإذا فرض العمل واحداً مساوياً بالنسبة إليهما في المشقّة فكيف يمكن توزيع الأجرة عليهما مختلفاً بحسب القلّة و الكثرة، لأنّه ترجيح بلا مرجّح و مناف لما دلّ على حرمة عمل المسلم، بل قد يكون الحساب في الأقلّ أغمض، و قلّة النصيب يوجب كثرة العمل لوقوع [لو وقع] القسمة بحسب أصل (4) الأنصباء، فإن لم يجب على الأقلّ نصيباً من الأجرة أزيد فلا أقلّ من التساوي» 5 انتهى.

و أنت بعد التأمّل فيما ذكرنا من الوجه لا يبقى لك شكّ في فساد هذا الدليل، لأنّ العمل و إن كان واحداً إلّا أنّ ملكيّته إنّما هو بحسب المنفعة العائدة منه، حسبما عرفت تفصيل القول فيه. فهذا ليس ترجيحاً بلا مرجّح و لا منافياً لما دلّ على احترام عمل المسلم كما لا يخفى على أحد.

هذا، مضافاً إلى ما ذكره في القواعد 6 من النقض عليه بما هو مسلّم بينهم، من أنّه لو آجر الشركاء شخصاً لحفظ المال المشترك فيكون له الأجرة بالحصص مع أنّ العمل الموجود منه في الخارج و هو النظر أو غيره متساو بالنسبة إليهم. فالمسألة لا‌

____________

(1) 1 و 5 كشف اللثام: 2/ 350.

(2) ليس من كلام كاشف اللثام، و إن استوهمه كلام صاحب الجواهر، راجع جواهر الكلام: 40/ 336.

(3) 3 و 6 قواعد الأحكام: 3/ 461.

(4) 4 أقل، خ ل.

776

إشكال فيها إن شاء اللّٰه. هذا مجمل القول في المقام الأوّل و انتظر لما يتلى عليك من الكلام في سائر المقامات.

777

[في المقسوم]

قوله: «في المقسوم، و هو إمّا متساوي الأجزاء كذوات الأمثال مثل الحبوب و الأدهان» (1) الخ (1).

____________

أقول: قد ذكر في المسالك إشكالًا على قوله: «فيقسّم كيلًا و وزناً متساوياً و متفاضلًا» 2 لا بأس بالإشارة إليه و إلى ما ذكروه في دفعه قبل الخوض في ذكر مستند جواز الإجبار في الصورة المفروضة، فقال: «و أمّا قوله: «متساوياً و متفاضلًا» فالأصل في القسمة أن تكون بنسبة الاستحقاق، فإذا كان المشترك بينهما نصفين كان إفرازه قسمين، و إن كان بينهما أثلاثاً كان إفرازه كذلك، و التفاضل في الثاني بحسب الصورة، و إلّا فهو متساوٍ حقيقة، لأنّ مستحقّ الثلث له فيما في يد صاحب الثلثين ثلث، و لصاحب الثلثين فيما في يد صاحب الثلث، ثلثاه. فالقسمة على هذا الوجه موجبة للتسوية بينهما بالنظر إلى أصل الحقّ. و إن أراد بالتفاضل ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة [زيادة] على حقّه، فليس ذلك بداخل في حقيقة القسمة، بل هو هبة محضة للزائد. فلو ترك قوله: «متساوياً و متفاضلًا» كان أولى» 3 انتهى ما أفاده.

و توضيح ما ذكره من الإشكال، هو: أنّه لا يخلو إمّا أن يكون الشريكان شركتهما متساوية بأن يكون لكلّ منهما نصف العين المشترك، أو متفاوتة بأن يكون لأحدهما الثلث و للآخر الثلثان مثلًا، و على كلا التقديرين إمّا أن يعطى بكلّ من الشريكين مقدار نصيبه كالنصف في التقدير الأوّل، و الثلثين و الثلث في التقدير‌

____________

(1) 1 و 2 شرائع الإسلام: 4/ 888.

(2) 3 مسالك الأفهام: 14/ 32.

778

..........

____________

الثاني، أو يعطى بأحدهما أزيد من نصيبه. و على التقدير الثاني إمّا أن يريد به القسمة أو غيرها من الهبة و نحوها، و على الأوّل لا يعقل في القسمة تفاضل أصلًا لفرض أخذ كلّ من الشريكين مقدار نصيبه. و على الثاني، فإن أريد به الأوّل فهو غير معقول، لأنّ القسمة حسبما عرفت في تعريفها عبارة عن تمييز النصيب و إفرازه عن الآخر، و من المعلوم عدم حصوله في الفرض. و إن أريد به الثاني أي غير القسمة، فهو خروج عن محلّ البحث و المقصود التعميم بالنسبة إلى القسمة. و قد حكى الأستاد العلّامة عن العلّامة في القواعد (1) أنّه ذكر فيه نظير عبارة المصنّف، فيتوجّه عليه الإشكال المزبور أيضاً، فتأمّل و راجع إليه، هذا.

و قد أجاب مولانا الميرزا محمّد (2) عن الإشكال المذكور في هوامشه على المسالك بما هذا لفظه: «يمكن أن يقسّم الربوي متفاضلًا بأن يأخذ أحدهما الأقلّ لجودته، و الآخر الأكثر لرداءته و يكون الجودة في مقابلة الأكثر، فلو كان بيعاً كان رباً، فتأمّل» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و أشار بقوله: «فتأمّل» إلى فساد ما ذكره من التوجيه، لأنّه خروج عن قسمة الإجبار، إذ هي فيما لا يشتمل على ردّ بالمعنى الأعمّ الشامل للمقام أيضاً.

و العجب من بعض مشايخنا حيث اعتمد في دفع الإشكال المذكور بما ذكره، مع الجزم به من غير إشارة إلى فساده، حيث قال بعد نقل ما عرفت من المسالك ما هذه لفظه: «و فيه: أنّ المراد بيان جواز قسمة الربويات بالتفاوت من حيث الجودة و الرداءة، فلو كان الحبّ مشتركاً و فرض اختلافه على وجه يكون الوزنتان من بعضه تقابل بالوزنة من غيره فعدلا السهام بذلك و اقتسماه على هذا الوجه، فإنّه لا إشكال في صحّة القسمة عندنا» (3) انتهى ما أردنا حكايته.

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 461.

(2) هو المحقّق الشيرواني (م 1098 ق) و حكاه عنه صاحب الجواهر: 40/ 338.

(3) جواهر الكلام: 40/ 338.

779

..........

____________

و فيه ما عرفته من أنّ ما ذكرنا إنّما يجري في غير قسمة الإجبار، و أمّا فيها فلا، و إلّا فلا اختصاص للفرض بالجودة و الرداءة، بل يمكن في الزيادة الكميّة أيضاً كرطل من الحنطة و رطلين من الشعير. و بالجملة، لا إشكال في أنّ التفاضل لا يجري عندهم في قسمة الإجبار. هذا، مع أنّ ما ذكره المجيب في شرح عبارة المصنّف ينافي ما ذكره من فرض التفاضل في المثال المذكور، فإنّه اعتبر في المتساوي كون أجزائها متساوية بحسب القيمة و الوصف، و معلوم أنّ هذا المعنى لا يجامع مع الفرض المزبور.

و قد يجاب أيضاً بأنّه يمكن فرض التفاضل في الجودة و الرداءة على تقدير القول ببقاء كلّ من الجيّد و الردي‌ء في ملك مالكه.

و لكنّك خبير بفساده أيضاً، لأنّ القول ببقاء الملك في الصورة يمنع من تحقّق الشركة بينهما كما لا يخفى، فلا معنى لتحقّق القسمة، هذا.

و أجاب الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي عن الإشكال المذكور بأنّ التعميم المذكور ليس من أحكام قسمة الإجبار حتّى يرد عليه ما ذكر، بل إنّما هو من أحكام متساوي الأجزاء مستقلّاً، كما أنّ جريان قسمة الجبر فيه أيضاً من أحكامه، لكنّه تنظَّر في الجواب المذكور أيضاً بأنّه خلاف ظاهر العبارة، فإنّ ظاهر قوله:

«و الأوّل يجبر، الخ» جريان الإجبار في جميع أقسام الأوّل لا أنّه يجري في بعض أقسامه، فالحقّ أنّ الإشكال وارد على ظاهر العبارة.

[مقتضى الأصل بعد تشريع القسمة في الجملة فساد القسمة الإجباريّة و عدم جوازها في الشريعة.]

إذا عرفت ذلك فلنصرف العنان إلى الكلام في أصل المسألة، فنقول: إنّك كما عرفت في طيّ بعض كلماتنا السابقة أنّ الأصل في القسمة الفساد من حيث كونها معاملة بالمعنى الأعمّ حسبما عرفت تفصيل القول فيه، لكنّه قد ثبت جوازها بالأدلّة الثلاثة بل الأربعة، كذلك مقتضى الأصل بعد تشريع القسمة في الجملة فساد القسمة الإجباريّة و عدم جوازها في الشريعة.

780

و يدلّ عليه وجوه من الأدلّة: أحدها: قوله (صلى الله عليه و آله): «النّاس مسلّطون على أموالهم» (1) و دلالته على المدّعى ظاهرة.

ثانيها: قوله: «لا يحلّ مال امرء مسلم لامرئ إلّا بطيب نفسه» (2) حيث إنّه ليس مسوقاً لبيان الحكم التكليفي مجرّداً و هو حرمة التصرّف في مال الغير بدون رضاه، بل هو مسوق لبيان الحكم الوضعي أيضاً و أنّه لا يجعل مال أحد لغيره إلّا بطيب نفسه. مع أنّه لو كان المراد منه بيان مجرّد الحكم التكليفي لكان دالّاً على المقصود أيضاً، كما ستسمع. فتدلّ الرواية على أنّ بدون رضا الشريك لا يصير ماله للشريك الآخر، لأنّك قد عرفت أنّ القسمة يلزمها عقلًا انتقال بعض من مال كلّ من الشريكين إلى الآخر و إن لم تكن معاوضة بل و لا إنشاء الانتقال، بل هو تميّز جعلي يلزمه عقلًا الانتقال المذكور.

ثالثها: قوله (عليه السلام) في بعض الأخبار: «لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلّا بإذنه» (3) فإنّ عدم جواز التصرّف يلزمه عدم تحقّق الانتقال بالأولويّة القطعيّة، لأنّه مستلزم لارتفاع أصل الماليّة. فيدلّ بالأولويّة على أنّ الشارع لم يشرّع فعلًا به يخرج مال الغير عن ملكه بدون رضاه و ينتقل إلى غيره، فتأمّل. لكنّها أيضاً قد ثبت شرعيّتها في الجملة بالإجماع المحقّق، الّذي لا يرتاب في تحقّقه من راجع إلى كلماتهم. و هذا الّذي ذكرنا كلّه ممّا لا إشكال فيه أصلًا.

إنّما الإشكال في المقام فيما تمسّكوا به لشرعيّتها من قوله: «النّاس مسلّطون‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457، 2/ 138، 3/ 208؛ بحار الأنوار: 2/ 272.

(2) عوالي اللئالي: 1/ 222، و لفظه: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه» و مثله في سائر المصادر.

(3) و هو قوله (عج) في التوقيع المذكور في الاحتجاج: 2/ 299: «فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه»؛ عوالي اللئالي: 1/ 222.

781

على أموالهم» (1) و قوله: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» (2) و قد شاع التمسّك بهما لشرعيّتها بينهم بحيث أرسلوا دلالتهما عليها إرسال المسلّمات من غير اشكال من أحد منهم فيه ممّن وقفت على كلامه.

و إلى الاستدلال بالأوّل يرجع قول المصنّف: «لأنّ الإنسان له ولاية الانتفاع بماله» (3) و قول الشيخ في المبسوط: «فمتى دعا واحد منهم إلى القسمة و أبى الباقون، أجبر الممتنع منهم عليها، لأنّ من كان له ملك كان له أن يتشبث إلى ما يفيده الانتفاع الكامل و التصرّف التام فيه» (4) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و للّٰه درّ الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي حيث فتح باب الإشكال فيهما و سدّ طريق الاستدلال بهما للحكم المذكور.

أمّا في الأوّل، فمن وجهين: أحدهما: أنّ الرواية إنّما تدلّ على تسلّط النّاس على التصرّف في أموالهم بالنسبة إلى جميع التصرّفات من بيعه وهبته و إجارته إلى غير ذلك، لكنّها لا تدلّ على تسلّطهم على مال الغير، و قد عرفت أنّ القسمة يلزمها انتقال جزء من مال كلّ من الشريكين إلى الآخر. فالشريك مسلّط على التصرّفات التي هي تصرّف في أصل المال كبيع نصيبه وهبته إلى غير ذلك من أشباههما ممّا لا يستلزم التصرّف في مال الغير.

فالحاصل: أنّ الماليّة في الشركة غير قابلة للتصرّف فيها بالتصرّف المذكور، لاستلزامه التصرّف في ملك الغير. فمنع كلّ من الشريكين من التصرّف المذكور ليس حجراً للمالك عن التصرّف في ملكه، لأنّ ملكه غير قابل للتصرّف المذكور.

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457، 2/ 138، 3/ 208؛ بحار الأنوار: 2/ 272.

(2) الكافي: 5/ 280؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 76؛ تهذيب الأحكام: 7/ 147؛ وسائل الشيعة: 18/ 32.

(3) شرائع الإسلام: 4/ 888.

(4) المبسوط: 8/ 135.

782

ثانيهما: النقض بتسلّط الشريك الممتنع عن القسمة عليه، لأنّه أيضاً مسلّط على ماله و إجباره على القسمة حجر له عنه، فتأمّل.

و أمّا في الثاني، فبأنّه إنّما يدلّ على عدم تشريع كلّ ما كان فيه ضرر لا على تشريع كلّ ما كان فيه نفع، و من المعلوم أنّ منع الشريك من القسمة ليس موجباً للضرر عليه، لأنّ ماله في الأصل ناقص غير قابل الانتفاع به بجميع الانتفاعات، فهذا قصور منه و إنّما هو موجب لمنع حصول كمال له بالقسمة. و من المعلوم أنّ الحديث لا يدلّ على عدم جوازه، مع أنّه لو فرض هناك ورود ضرر عليه لم يجز التمسّك لرفعه بإثبات جواز القسمة بما دلّ على نفي الضرر في الشريعة، لأنّه ضرر دخل عليه من جهة نقص في ماله.

و الحاصل: أنّ الرواية إنّما تدلّ على نفي الضرر في الإسلام لو يمكن (1) التخلّص منه، و في المقام لا يمكن، من حيث إنّ ماليّة المال غير قابلة لأنْ يدفع منها الضرر، فإنّ ماليّته إنّما هي بحسب الإشاعة و الماليّة بحسب التعيين ماهية مغايرة واقعاً للماليّة في المال المشاع. فلا يجوز التمسّك بالرواية على تجويز الشارع القسمة قهراً على الشريك المستلزم لإخراج جزء من ماله عن ملكه و دخوله في ملك الشريك الآخر، من جهة لزوم الضرر عليه على تقدير عدم تشريع هذا الحكم. هذا ملخّص ما أفاده الأستاد العلّامة في بيان الإشكال على الروايتين.

و لكنّه قد تنظَّر فيه، أمّا فيما ذكره في الرواية الأولى، فبأنّ القسمة و إن استلزمت عقلًا للتصرّف في مال الغير و التسبّب لانتقال جزء منه عنه إلى غيره، لكنّها عند العرف ليست الّا عزل الحقّ و إفرازه عن غيره حسبما عرفت في طيّ كلماتنا السابقة. فما يأخذه الشريك بالقسمة هو عين ما كان له قبلها عند العرف،

____________

(1) أمكن، خ ل.

783

فهي عندهم تصرّف في نفس المال و تسلّط عليها (1)، و منعه عنها حجر له عن التصرّف في ماله. و لهذا تراهم يقولون إذا امتنع أحد الشريكين عن القسمة: إنّه منع من أخذ صاحبه حقّه و لا يعطيه، و يقبّحونه و يذمّونه على ذلك، و من المعلوم أنّ الرواية منزّلة على ما يفهمه العرف على ما هو البناء عليه في جميع الألفاظ لا على الدقّة العقليّة، فكان الإشاعة و التعيين من أحوال المال عند العرف، لا أن يكون المال المشاع و المعيّن طبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة. فالتسلّط على التعيين عين التسلّط على المال. و منه يظهر اندفاع النقض بشمول الرواية لتسلّط الممتنع على الامتناع، لأنّه أيضاً مسلّط على ماله، لأنّ الشريك الطالب للقسمة إنّما يريد عزل نصيبه و أخذه، و هو ليس منافياً لتسلّط الآخر على ماله حتّى يعارض بشمول الرواية له، بخلاف ما لو قلنا بأنّ له الامتناع عن القسمة، فإنّ معناه جواز حجر الشريك الآخر عن التصرّف في ماله بالعزل و الأخذ.

و أمّا فيما ذكره في الرواية الأخيرة فبأنّه بعد البناء على كون المال المعيّن بالقسمة هو المال المشاع عند العرف و لم يتغيّر إلّا وصف من أوصافه من حيث إنّ القسمة ليست إلّا عزل النصيب عندهم لا إشكال في دلالة الرواية على تشريع القسمة في الصورة المفروضة، لأنّ عدم تشريعها مستلزم لورود ضرر على الطالب و ليس الحكم بجوازها مستلزماً لورود ضرر على الشريك الآخر حسبما هو المفروض، لأنّ قسمة الإجبار فيما لم يكن هناك ضرر على الشريك و لا ردّ منه.

هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه في الجواب عمّا أورده على الروايتين من الإشكال.

و لكن يمكن الإيراد عليه بأنّ القسمة و إن كانت عند العرف عبارة عن إفراز الحقّ، حسبما تقدّم القول فيه، لكنّه قد تقدّم أيضاً أنّها ليست بإفراز حقيقة و واقعاً‌

____________

(1) عليه، خ ل.

784

كما يتصوّر في صورة الالتباس و الاشتباه، و إنّما هي إفراز جعلي لا واقع له إلّا بالجعل، فبالقسمة يصير كلّ من الشريكين مالكاً لمال معيّن لا أنّه كان مالكاً له قبل القسمة، فهي لا تنفكّ عن نقل جزء من مال كلّ منهما إلى الأخر عند العرف أيضاً.

و الحاصل: إنّ القسمة كما تكون عبارة عن عزل النصيب عند العرف كذلك المال المشاع عندهم غير المال المعيّن بحسب الواقع، حسبما مرّ تفصيل القول فيه، فإنّ ما ذكرنا في معنى المشاع سابقاً لم يكن معنى له بحسب العقل، بل إنّما كان معناه بحسب العرف. فبعد كون المال المشاع عندهم غير المال المعيّن و أنّ ملكيّة أحدهما غير ملكيّة الآخر كيف يمكن أن يقال: إنّ القسمة عندهم غير ملازمة للنقل؟ كيف؟ و لو كان كذلك للزم القول بجواز القسمة من جهة الروايتين من دون إذن الشريك و اطّلاعه أصلًا.

و القول بأنّه مستلزم لتجويز التصرّف في مال الغير فإنّا لا ننكر ذلك و إنّما المنكر هو النقل، فلا يمكن الحكم بجوازه، و لهذا يقبّحون العقلاء من قسم من الشريكين المال بدون اطّلاع صاحبه، فاسد، حيث إنّ عدم جواز التصرّف من حيث التكليف لا ينافي ثبوت الوضع، كما لا يخفى عليك، فتأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام.

ثمّ إنّه ذكر الأستاد العلّامة بعد رفعه الإشكال من الاستدلال بالروايتين حسبما هو المعروف بينهم و أنّ مقتضى تماميّة الاستدلال بهما كون قضيّة الأصل الأوّلي بعد تشريع القسمة في الجملة جريان قسمة الإجبار في كلّ مورد إلّا ما أخرجه الدليل فلا يحتاج القسمة بناءً عليه إلّا إلى رضا الشريك أو من يقوم مقامه لو امتنع عنه من حيث إنّ القسمة مستلزمة للتصرّف في مال الغير قطعاً و هو لا يجوز إلّا بإذنه أو بإذن وليّه، فبطل ما ذكرنا أوّلًا من أنّ الأصل الأوّلي المستفاد من قوله:

785

«لا يحلّ مال امرء» الحديث (1)، و: «النّاس مسلّطون على أموالهم» (2) و غيرهما عدم جواز قسمة الإجبار إلّا في مورد ثبت خلافه بالإجماع، ضرورة أنّ بعد البناء على كون القسمة هو عزل النصيب و فصله عن نصيب الآخر فكأنّه يلتقط ماله من بين مال الشريك كما في المحسوسات، مثل ما إذا وقع ثوب منه في دار غيره لا يستلزم أصلًا حلّية مال الشريك أو رفع سلطنته عنه حتّى يتمسّك لعدم جوازها و شرعيّتها بالحديثين كلاماً لتوضيح الموارد التي يجري فيها قسمة الإجبار عن غيرها على القول بتماميّة الاستدلال بهما لا بدّ من التعرّض له.

فقال دام ظلّه العالي: إنّ القسمة بحسب الحصر العقلي لا تخلو إمّا أن تكون بحسب عين المال المشترك بمعنى تجزية عين المال إلى جزءين أو أكثر بحسب قضيّة الشركة كما في المثليات، أو بحسب ماليّته بمعنى ملاحظة قيمة المال في القسمة و يقسّم بحسبها، كما لو كان بينهما جريب من الارض قيمته مائة دينار، و جريبان قيمتهما أيضاً مائة دينار، فيأخذ أحدهما الجريبين و الآخر الجريب المساوي قيمته لهما.

فهذا تعديل في المال المشترك و تقسيم له بحسب القيمة لا بحسب العين و إلّا لقسم كلّ من الجريب و الجريبين إلى قسمين كما يقسّم الحنطة مثلًا و لم يلاحظ فيه القيمة أصلًا و إن استلزم تقسيط الماليّة أيضاً بحسب الواقع. و على الثاني لا يخلو إمّا أن يتوقّف تعديل السهام و تحقّق موضوع القسمة إلى وضع شي‌ء من خارج المال المشترك من مال أحد الشريكين على أحد السهمين ليعادل السهم الآخر بحسب القيمة التي تسمّى بقسمة الردّ في كلماتهم بالمعنى الأخصّ، أو لا يحتاج إلى ذلك أصلًا. و على الثاني لا يخلو أيضاً إمّا أن يمكن القسمة بحسب العين، أو لا يمكن‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 222، و لفظه: «لا يحلّ مال امرئ مسلم الّا بطيب من نفسه».

(2) عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457، 2/ 138، 3/ 208؛ بحار الأنوار: 2/ 272.

786

ذلك، بل طريق القسمة منحصر في ملاحظة القيمة و التقسيم بحسبها. و على الأوّل لا يخلو أيضاً إمّا أن يكون هناك غرض عقلائي في القسمة بحسب العين، أو لا يكون.

و على التقادير إمّا أنْ يكون هناك ضرر في القسمة، أو لا يكون. فهذه أقسام لا بدّ من التكلّم في كلّ منها من حيث جريان الإجبار فيه و عدمه.

أمّا التقسيم بحسب العين:

فإنْ لم يكن فيه ضرر على الشريك الممتنع، فلا إشكال في جريان الإجبار فيه، بل هو المتيقّن ممّا يدخل فيه الإجبار كما لا يخفى.

و إن كان فيه ضرر على الشريك الممتنع فلا إشكال في عدم جواز الإجبار فيه بل ينتقل إلى التقسيم بحسب الماليّة حسبما هو قضيّة صريح كلماتهم كما لا يخفى لمن راجع إليها.

لا يقال: إنّ مقتضى قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» (1) جواز الإجبار و إن استلزم ضرراً.

لأنّا نقول: قوله: «لا ضرر و لا ضرار» (2) حاكم عليه.

لا يقال: الأمر بالعكس، فإنّ من المقرّر في محلّه جواز تصرّف المالك في ماله و إن استلزم ضرراً على الغير، و المفروض بناءً على ما مرّ من كون القسمة عزل النصيب كونها تصرّفاً في أصل المال.

لأنّا نقول: نمنع من عدم استلزامها التصرّف في مال الغير، لأنّ الّذي ذكرنا سابقاً هو عدم استلزام القسمة عرفاً، لنقل مال الغير لا لعدم التصرّف فيه. و لهذا اشترطنا فيها إذن المالك أو من يقوم مقامه، لأنّ القسمة ليست أوضح أمراً من التقاط المال المعلوم الّذي وقع في دار الغير، و المفروض إمكان التقسيم بنحو آخر و هو التقسيم‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457، 2/ 138، 3/ 208؛ بحار الأنوار: 2/ 272.

(2) الكافي: 5/ 280؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 76؛ تهذيب الأحكام: 7/ 147؛ وسائل الشيعة: 18/ 32.

787

بحسب الماليّة الغير المستلزم للضرر على الطالب، فكيف يجبر الممتنع من الشركاء على التقسيم بحسب العين المستلزم لدخول الضرر عليه.

و أمّا التقسيم بحسب الماليّة و القيمة:

فإنْ توقّف تعديل السهام فيه و وجود موضوع القسمة على وضع شي‌ء من خارج المال على أحد السهمين، فلا إشكال في عدم جواز إجبار الممتنع منها على القسمة، لأنّ مرجع الإجبار فيه إلى الإجبار على إحداث موضوع القسمة و لم يدلّ دليل على جواز الإجبار بالنسبة إليه، لأنّ ما دلّ على جواز الإجبار فإنّما هو بالنسبة إلى الإجبار على التقسيم بعد وجود موضوعه، لا إلى الإجبار بالنسبة إلى إحداث موضوع القسمة و ما يتوقّف عليه، لأنّ إفراز المال في هذه الصورة غير ممكن فلا يجري دليل السلطنة فيها.

و إن شئت قلت: إنّ القسمة المذكورة لمّا تضمّنت معاوضة حسبما تقدّم تفصيل القول فيه، فلا بدّ من حصول التراضي من الطرفين، و هذه هي قسمة الردّ التي قد اتّفقت كلمتهم على عدم جريان الإجبار فيها حسبما يعلم من الرجوع إليها.

و إن لم يتوقّف تعديل السهام فيها على وضع شي‌ء من الخارج، فإن لم يتمكّن من القسمة بحسب العين و لم يكن هناك ضرر في أصل القسمة، فلا إشكال في دخول الإجبار فيه، بل هو المتعيّن لقوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» و المفروض انحصار السلطنة على المال في الفرض و إفرازه في النحو المذكور، فيصير هو المتعيّن. و إن أمكن التقسيم بحسب العين و تعلّق به غرض عقلائي للشريك الممتنع فلا إشكال في كونه هو المتعيّن و عدم جواز الإجبار على التقسيم بحسب القيمة، لأنّ الأصل في القسمة هو القسمة بحسب العين لتعلّق الشركة بها، كما هو قضيّة معنى الإشاعة حسبما تقدم القول فيه.

لا يقال: مقتضى إطلاق قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» جواز الإجبار بحسب القيمة أيضاً لكونه تسلّطاً على المال أيضاً.

لأنّا نقول: التسلط على القيمة إنّما يصدق عليه السلطنة على المال في المقام‌

788

عرفاً بعد العجز عن القسمة بحسب العين و إلّا فطريق تخلّص (1) المال عرفاً بحيث لو امتنع الشريك عنه أجبر عليه، منحصر في القسمة العينيّة، كما لا يخفى. و من هنا يظهر أنّه لا يمكن إجبار الشريك في مسألة التعديل الّذي هو مقدّمة للقسمة بنحو خاصّ منه إذا تعلّق غرض عقلائي للممتنع عنه بنحو آخر، بل لا بدّ فيه من القرعة.

نعم، لو لم يتعلّق غرض عقلائي بما يريده الممتنع فلا إشكال في عدم الاعتناء به، لأنّ الالتزامات الشرعيّة إنّما ترد على ما تعلّق به غرض العقلاء و إلّا لوجب في تقسيم الحبوب مثلًا تقسيم كلّ جزء من حبّة إلى أن ينتهي إلى جزء لا يقبل التقسيم لو طلبه الشريك، و هذا ممّا يعلم ضرورة فساده. هذا كلّه إذا تعلّق بتقسيم العين غرض عقلائي.

و أمّا إذا لم يتعلّق بتقسيم العين غرض عقلائي، فلا إشكال في جواز الإجبار على القسمة بحسب الماليّة و إن لم يتعيّن. و عليه يمكن حمل عبارة المصنّف التي قد استشكل فيها صاحب المسالك بما عرفت سابقاً (2). لكن هذا مجرّد فرض لم نتحقّق له مثالًا في الخارج. هكذا ذكر الأستاد العلّامة بعد ما عرضت له ما عرفت من التوجيه.

ثمّ إنّ بما ذكرنا من التفصيل لا بدّ من حمل كلمات القوم الظاهرة بل الصريحة في جريان الإجبار في القسمة بحسب الماليّة أيضاً، و ما يظهر منها عدم جريان الإجبار في القسمة بحسب الماليّة.

أمّا الأولى، فلا بدّ من حملها على ما إذا لم يمكن التقسيم بحسب العين، أو أمكن و لم يتعلّق به غرض عقلائي.

قال في المبسوط بعد تقسيم القسمة إلى ما فيه ردّ من الخارج و يسمى بقسمة‌

____________

(1) تخليص، خ ل.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 32.

789

التراضي، و ما ليس فيه ردّ من الخارج و يسمى بقسمة الإجبار أي التي يدخل فيها الإجبار و تقسيمها إلى أربعة أحوال ما هذا لفظه: «و أمّا إذا اتّفقت السهام و اختلفت القيمة، مثل أنْ كانت الأرض بينهما نصفين و قيمتها مختلفة؛ كأنّها ثلاثمائة جريب قيمة مائة جريب منها مائة و قيمة مأتين منها مائة، فنعدّلها بالقيمة، فنجعل المائة سهماً و المائتين سهماً» (1) انتهى ما أردنا حكايته. و هو صريح في جواز القسمة بحسب الماليّة إجباراً، و كذا كلام غيره فلا بدّ أن يكون المراد منها ما ذكرنا من الصورة الأولي.

و أمّا الثانية، فلا بدّ من حملها على ما إذا أمكن فيه قسمة العين مع تعلّق غرض عقلائي به. قال في المبسوط في مسألة تقسيم الحبوب ما هذا لفظه: «إذا كان بينهما أنواع من الحبوب حنطة و شعير و ذرة و دخن و باقلّا و نحو ذلك، فطلب أحدهما أن يقسّم كلّ صنف على حدته، و قال الآخر: بل يقسّم بعضها في بعض بالقيمة بجعل الحنطة و الذرّة سهماً، و الدخن و العدس سهماً بالقيمة، قدّمنا قول من طلب أن يقسّم كلّ صنف على حدته و أجبرنا الآخر عليها، لأنّ القسمة إفراز حقّ لإزالة الضرر، و ذلك حاصل إذا قسّم كلّ صنف على حدته، و أمّا إذا جعل الكلّ واحداً و قسّم لم يحصل المقصود له في كلّ صنف من ملكه» (2) انتهى ما أردنا نقله من كلامه. و هو كما ترى ظاهر بل صريح فيما ذكرنا من الصورة.

و قد صرّح العلّامة في التحرير (3) و القواعد (4) حسبما حكى عنه الأستاد العلّامة بأنّ القسمة بحسب القيمة و الماليّة إنّما هي فيما إذا لم يمكن التقسيم بحسب العينيّة،

____________

(1) المبسوط: 8/ 137.

(2) المبسوط: 8/ 143 144.

(3) راجع تحرير الأحكام: 2/ 203.

(4) راجع قواعد الأحكام: 3/ 461.

790

و إلّا فلا يجبر عليها قطعاً.

ثمّ إنّ المراد من الغرض العقلائي الّذي ذكروه في كلماتهم، كلّ غرض يلزم من خلافه ضرر على صاحبه،

لا بمعنى النقص في العين أو خروجه عن قابليّة الانتفاع به، كما سيجي‌ء في معنى الضرر الّذي يشترطون عدم لزومه في قسمة الإجبار، و إلّا فما علّلوا به الحكم بعدم جواز ملاحظة القيمة بعد إمكان ملاحظة التقسيم بحسب العين من اختلاف الأغراض باختلاف الأعيان، لا دليل عليه أصلًا. و هل المعتبر في تعلّق الغرض هو تعلّقه بحسب النوع، أو بحسب شخص المقام؟ وجهان، الأقرب بمقتضى الاعتبار بل الدليل هو الثاني.

ثمّ من اشتراط عدم تعلّق الغرض بالعين في القسمة بحسب القيمة حدث أقوال ثلاثة في جريان الإجبار في متفاوت الأجزاء. أحدها: عدم جواز الإجبار في القسمة بحسب الماليّة مطلقاً، بل قسمة تراض ليس إلّا، نظراً إلى اختلاف تعلّق الأغراض باختلاف قيمة الأعيان المشتركة. ثانيها: جواز الإجبار فيها مطلقاً فيما إذا لم يتعلّق غرض بالعين، و القول بتعلّقه به دائماً مجازفة بيّنة. ثالثها: التفصيل بين ما إذا كان الأعيان المشتركة متّفقة بحسب النوع و إنِ اختلف قيمتها، و بين ما إذا كانت مختلفة كاللبّ (1) و الحمّام و الحنطة و الثوب، إلى غير ذلك، بجواز الإجبار في الأوّل دون الثاني، نظراً إلى اختلاف الأغراض في الثاني غالباً. و إليه ينظر كلام العلّامة في القواعد (2) في الحكم بعدم جواز قسمة العبد و الجوهر و إنْ عدلت قيمتهما. هذا كلّه فيما إذا لم يكن في القسمة ضرر.

و أمّا إذا كان فيها ضرر فلا يخلو إمّا أن يرد عليهما، أو على الطالب، أو على الممتنع. فإن ورد عليهما فلا إشكال في عدم جواز الإجبار بالقسمة، لِما دلّ على‌

____________

(1) كالبيت، خ ل.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 461.

791

نفي الضرر و الضرار في الشريعة، و لا يعارضه قوله (صلى الله عليه و آله): «النّاس مسلّطون على أموالهم»، لحكومته عليه في المقام حسبما تقدّم تفصيل القول فيه سابقاً. و إن ورد على الممتنع فلا إشكال في عدم جواز إجباره على القسمة لِما تقدّم من الوجه، فيكون الشركة باقية بينهما إلّا مع حصول التراضي بينهما، فيقسّمان حينئذٍ. و إن ورد على الطالب فلا إشكال في جواز إجباره الممتنع على القسمة لعدم مانع عنه أصلًا، فيرجع إلى قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم».

لا يقال: إذا ورد الضرر من القسمة على الطالب لا يجوز إجباره الممتنع، لأنّه سفه.

لأنّا نقول بعد المنع من كلّية الكبرى: إنّه قد يُقدم العاقل الرشيد على الضرر من جهة تعلّق غرض عقلائي به، فلا يكون فيه سفاهة حينئذٍ، هذا.

ثمّ إنّ المراد من الضرر المانع من القسمة هل هو عدم الانتفاع بالنصيب أصلًا، أو نقصان قيمته،

أو عدم الانتفاع به منفرداً بما كان ينتفع به مع الشركة، أو نقصان القيمة نقصاناً فاحشاً؟ وجوه بل أقوال؛ و الأوّلان للشيخ في موضعين من المبسوط (1)، و للعلّامة (رحمه الله) (2). و الثاني للشيخ في الخلاف (3) و للمصنّف في المتن (4). و الأخير للشهيد في المسالك (5). و دليل الكلّ ما دلّ على نفي الضرر في الإسلام، و إنّما الاختلاف في الصغرى. فالحقّ الرجوع في معنى الضرر إلى العرف، و لا إشكال في صدقه عندهم على نقصان المال نقصاناً معتدّاً به بحسب قيمة النصيب قلّة و كثرة، فالمراد من الضرر فيما نحن فيه هو المراد منه في باب الغبن و غيره من المقامات، من ورود‌

____________

(1) راجع المبسوط: 8/ 135 147.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 462. أيضاً راجع القواعد: 2/ 219؛ و التذكرة: 1/ 589 590.

(3) الخلاف: 6/ 229.

(4) شرائع الإسلام: 4/ 889.

(5) مسالك الأفهام: 14/ 33.

792

نقص على المستضرّ ضرراً معتدّاً به بحسب ماليّة المال، و هذا ممّا لا إشكال فيه إن شاء اللّٰه.

و حاصل ما ذكرنا من أوّل المبحث إلى هنا أنّ القسمة على ثلاثة أقسام: قسمة إفراز، و هي قسمة الأشياء المتساوية الصفات كذوات الأمثال و العرصة الواحدة المتساوية. و قسمة تعديل، و المراد بها عندهم هي ما يعدل سهامها بالقيمة، و هي تنقسم إلى ما يعدّ شيئاً واحداً و إلى ما يعدّ شيئين فصاعداً. و قسمة ردّ، و هي ما يتوقّف تعديل السهام فيها بحسب القيمة إلى ضمّ شي‌ء من خارج المال إليه. لا إشكال بل لا خلاف في إجبار الممتنع عن القسمة في الأوّل إذا لم يكن فيه ضرر، كما لا إشكال بل لا خلاف في عدم إجبار الممتنع في الثالث لما عرفت سابقاً.

و إنّما الإشكال و الخلاف في الثاني، فقد مال بعض (1) أو جزم بعدم دخول الإجبار فيه مطلقاً، نظراً إلى اختلاف الأغراض فيه. و ذهب آخر إلى دخول الاجبار فيه ما لم يتضرّر بالقسمة الممتنع مطلقاً. و ذهب ثالث (2) إلى التفصيل بين ما يعدّ شيئاً واحداً كالأرض، و بين ما لا يعدّ شيئاً واحداً كالعبد و الجوهرة و البيوت المتعدّدة و الدكاكين المتعدّدة، بدخوله في الأوّل دون الثاني، معلّلًا باختلاف الأغراض فيه، نسبه الأستاد العلّامة إلى جمّ غفير. و التحقيق التفصيل حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقاً.

و مجمل الكلام فيه: أنّه إنْ أمكن معه قسمة الإفراز من دون ضرر فلا إشكال في جواز الإجبار عليها، لأنّها الأصل في قسمة الأعيان المشتركة، و إن لم يمكن على النهج المذكور فإن لزم على الممتنع عنه ضرر، سواء كان من جهة خلاف غرضه الموجب للضرر عليه و إن لم ينقص قيمة نصيبه، حيث إنّك قد عرفت أنّ‌

____________

(1) تحرير الأحكام: 2/ 203.

(2) راجع روضة الطالبين: 8/ 185 192؛ و مسالك الأفهام: 14/ 35.

793

خلاف الغرض قد يعدّ ضرراً في العرف أو من جهة ورود نقص في قيمة نصيبه، فلا يجبر بالقسمة لِما دلّ على نفي الضرر و الضرار. و إن لم يلزم عليه ضرر منه فيجبر عليه، لقوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم»، من غير فرق فيما ذكرنا كلّه بين ما إذا عدّ السهام شيئاً واحداً، أو متعدّداً، فإن لزم ضرر فلا يجبر فيهما، و إلّا فيجبر فيهما.

و القول بأنّه إذا كان السهام متعدّداً يدخل عليه الضرر دائماً و لو من جهة خلاف غرضه، جزاف من القول، كما لا يخفى. فالمدار على الضرر في الحكم المذكور مطلقاً. و أمّا مجرّد خلاف الغرض و إن لم يرجع إليه فليس دليل على كونه مانعاً من الإجبار على القسمة.

و قد صرّح بما ذكرنا من كون المناط في الإجبار و عدمه في الفرض عدم لزوم الضرر و لزومه، الفاضل القمي (رحمه الله) في أجوبة مسائله (1)، حسبما حكى عنه الأستاد العلّامة. نعم، ذكر أعلى اللّٰه مقامه فيه: أنّه لو تعارض لزوم الضرر على الممتنع مع لزوم الضرر على الطالب كما إذا أراد بيع ماله و لا يشتري أحد منه في حال الإشاعة، من جهة كون صاحبه من أهل الظلمة أو سوء خلقه أو غير ذلك، و كان نصيب الممتنع قليلًا بحيث لم ينتفع به في حال الانفراد، أقرع في الإجبار على القسمة و عدمه. و تبعه على ما ذكره من كون المناط هو لزوم الضرر و عدمه دون مجرد خلاف الغرض، بعض مشايخنا المتأخرين.

و لا فرق فيما ذكرنا أيضاً بين أن يكون الشركة الحاصلة في الأعيان في صورة التعدّد بالسبب الواحد، أو الأسباب المتعدّدة، كما إذا كان السبب في شركة بعضها الإرث من الأب، و في شركة الآخر الإرث من الأمّ، و في ثالث الشراء مشتركاً، إلى غير ذلك، لعدم الفرق في مفاد ما ذكرنا بين الصورتين كما لا يخفى، هذا.

و لكن ذهب شيخنا المتقدّم ذكره إلى التفصيل بينهما، فحكم بجواز الإجبار في‌

____________

(1) جامع الشتات: 2/ 710 711 (ط. الحجري).

794

الأوّل دون الثاني. و الأولى نقل كلامه لتطّلع على غاية مرامه، فقال (رحمه الله) بعد ما ذكر من كلام صاحب المسالك (1) المتضمّن لنقل الأقوال التي ذكرنا، و أورد عليه بأنّه مجرّد اقتراح و إنّما صدر من العامّة على أصولهم الفاسدة، من قياس أو استحسان أو مصالح مرسلة و ذكر أنّ الضابط فيه على أصولنا هو ما ذكره سابقاً من لزوم الضرر ما هذا لفظه: «نعم، قد يتوقّف في دعوى اقتضائه عدم قسمة العقار مع تعدّده بعض في بعض و لو مع الانحصار في ذلك للضرر، ضرورة كونه كالدار المختلف بناؤها و البستان المختلف أشجارها في عدم صدق الضرر عرفاً، و كذا قسمة مختلف الجنس بعضه في بعض مع الانحصار فيه.

اللّهم إلّا أنْ يكون في مختلف جهة الشركة فيه، بمعنى عدم الشركة في مجموع آحاده و إن تحقّقت في أفراده بأسباب مستقلّة، فإنّه لا جبر في قسمة بعض في بعض قطعاً، بل الظاهر عدم مشروعيّة القسمة فيه بالمعنى المصطلح و إن جازت بنوع من الصلح و نحوه، لكون القسمة حينئذٍ قسمة معاوضة لا إفراز، و ذلك لأنّه معها يكون له النصف من كلّ منهما مثلًا، و لا يجب عليه معاوضة ما يستحقّه في أحدهما بما لصاحبه في الآخر، إذ ليست هي إفرازاً حينئذٍ، بخلاف ما لو كانت الشركة في مجموعه، فإنّ له حينئذٍ نصفاً منه، و هو يمكن انطباقه على أحدهما. و من ذلك يظهر لك اعتبار الإشاعة في مجموع الأعيان المشتركة التي يراد قسمتها بعض في بعض، بل لا موضوع للقسمة في غيره ممّا آحاده مشتركة بأسباب مستقلّة من دون شركة بمجموعه، و ليس المراد في الأوّل اعتبار نصف المجموع مثلًا، كي يرد حينئذٍ عدم جواز قسمة بعض المال المشترك دون بعض، أو قسمة بعضه بالإفراز و الآخر بالتعديل، و المعلوم خلافه نصّاً و سيرةً. و إنّما المراد زيادة مصاديق النصفيّة بملاحظة الشركة في المجموع، على وجه يصحّ قسمته بعض في بعض، بحيث يكون النصف‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 35 36.