كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
795

أحد المالين مثلًا، فتأمّل فإنّه دقيق» (1) انتهى كلامه.

و فيه: أنّ وحدة ماليّة الأعيان المتعدّدة المشتركة فيها و تعدّدها ليسا ممّا لهما واقعيّة أصلًا، فإنّما هما باعتبار المعتبر، فإذا لاحظنا و اعتبرنا الأعيان المتعدّدة مالًا واحداً و إن كانت الملكيّة المشاعة الحاصلة في كلّ منها بسبب مستقلّ، فيصدق أنّها مال واحد، فكلّ منها بعض المال المشترك بهذا الاعتبار. فيصحّ أن يقال فيما إذا كانت اثنين: إنّ كلّاً منهما نصف المال المشترك و كلّاً من نصف كلّ منهما ربع المال المشترك، و هكذا في سائر الكسور. نعم، كلّ واحد منهما مال مستقلّ باعتبار خصوصية المحلّ القائم به الماليّة. و بهذا الاعتبار لا فرق أيضاً بين أن يكون السبب واحداً أو متعدّداً، لأنّ الماليّة القائمة بالدار غير المالية القائمة بالبستان مثلًا ضرورة اقتضاء تعدّد المحلّ تعدّد الخصوصيّة من غير فرق بين تعدّد السبب و وحدته، لكن هذا إذا لاحظناها مضافة إلى العين الخاصّ و المحلّ المختصّ بها و أردنا التعديل بالنسبة إليها.

و أمّا إذا لاحظناها معرّاة عن هذا الاعتبار و أردنا التعديل بالنسبة إلى نفس الماليّة القائمة بها، فلا إشكال في كون كلّ منها بعض المال بهذا الاعتبار فالمقسوم هو المال القائم بالمجموع ليس إلّا. فحديث تعدّد السبب و اختلافه لا دخل له بتعدّد المال و وحدته، كيف؟ و كثيراً ما يحصل الشركة في الأعيان المتعدّدة بين الشريكين بالأسباب المتعدّدة، كما إذا كان بينهما ثمن يعاملون معه في السنة أو السنتين على سبيل الشركة. ثمّ يريدون في آخر المدّة تقسيم الأعيان المشتركة بينهم بالأسباب المتعدّدة، و لم يقل أحد بعدم جواز قسمة التعديل في الصورة بعد عدم إمكان قسمة الإفراز. مع أنّ أصل عقدهم للقسمة و أحكامها إنّما هو في ضمن كتاب الشركة و هو الأصل له. و كذا لا إشكال عندهم في جواز قسمة التعديل في‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 341 342.

796

باب المضاربة. مع أنّ الشركة الحاصلة هناك في الأعيان المتعدّدة إنّما هي بالأسباب المتعدّدة، كما لا يخفى.

و القول بخروج الفرضين عن محلّ كلام المفصّل، نظراً إلى أنّ وحدة ماليّة الثمن في الفرض الأوّل المشتركة فيها، تقتضي وحدة ماليّة ما يقابله من الأعيان، و إن كانت الملكيّة الحاصلة في كلّ منها بسبب مستقلّ، ضرورة اشتراك العوض و المعوّض في الحكم، فالشركة الحاصلة في الثمن تقتضي حصول الشركة في المثمن نحو وجودها فيه. و إلى أنّ وحدة العمل من المضارب عرفاً تقتضي وحدة الماليّة في الأعيان المشتركة فيها أيضاً. فهما خارجان عن محلّ الفرض، و إنّما الكلام فيما إذا حصل الماليّة المشتركة في كلّ منهما بسبب مستقلّ مع عدم وحدة الثمن، كما إذا انتقل إليهما بالاشتراك عين، كالدار بالإرث من أبيهما، و عين آخر من أمّهما، جزافٌ لا يصغى إليه أصلًا. مع أنّ المفصّل لم يفصّل في صورة تعدّد الأسباب بين الصور المذكورة، و لا معنى للتفصيل أيضاً فهو توجيه لا يرضى به المفصّل قطعاً.

و بالجملة، التفصيل بين تعدّد الأسباب و وحدتها في جواز الإجبار في قسمة التعديل و عدمه الظاهر أنّه خلاف قضيّة كلماتهم الظاهرة بل الصريحة في عدم التفصيل، فراجع إليها حتّى تقف على حقيقة الأمر. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة، و لعلّ للتأمّل في المقام مجالًا، فتأمّل.

797

[جواز القسمة من جهة اليد]

قوله: «و إن كانت يدهما عليه و لا منازع لهما» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا إشكال في جواز القسمة من جهة اليد، بل لعلّه لا خلاف بيننا، لأنّ ما نسب إلى الشيخ من الخلاف قد ردّه بعض مشايخنا (2) بعدم التحقّق. و قد وافق المشهورَ في الخلاف (3)، بل في موضع من المبسوط (4). و الدليل عليه: أنّ القسمة ليست عندنا بحكمٍ حتّى يحتاج إلى البيّنة، و إلّا فلا بدّ أن يكون القاسم هو الحاكم الشرعي ليس إلّا، بناءً على ما هو المعروف الّذي نقل الاتّفاق عليه في كلام جماعة من عدم جواز أنْ يتصدّى الحكم غير من يكون من أهل الفتوى. فالقسمة من جهة اليد نظير سائر الآثار المترتّبة عليها، كالحكم بملكيّة ما في اليد لصاحبها و نحوها من الآثار التي الحاكم و غيره فيها سواء.

ثمّ إنّ فائدة البيّنة في الصورة التسجيل، كما هو أحد من فوائدها، بناءً على ما ذكره جماعة، منهم العلّامة حسبما عرفت سابقاً.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 889.

(2) راجع جواهر الكلام: 40/ 343.

(3) الخلاف: 6/ 222.

(4) المبسوط: 8/ 147 148.

798

[كيفيّة القسمة بالحصص]

قوله: «أمّا الأوّل: فهو أن يكتب كلّ نصيب في رقعة» (1) الخ (1).

____________

أقول: أورد في المسالك (2) على ما ذكره المصنّف و جماعة من كيفية القرعة من أنّه لا دليل عليه أصلًا، إذ ليس للقرعة كيفية خاصّة بل تتأتّى بما ذكروا و غيره ممّا عليه بناء النّاس في البلاد على أنحاء مختلفة، هذا.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ ما ذكروه ليس تقييداً في كيفية القرعة و تخصيصاً لها بنحو خاصّ، حسبما يتوهّم من أول النظر في كلماتهم، بل هو تعبير عمّا ورد في النصوص تيمّناً، فافهم.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 890.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 41.

799

[طالب القسمة في مورد قسمة الرّد]

قوله: «و أمّا لو كانت قسمة ردّ، و هي المفتقرة إلى ردّ» (1) الخ (1).

____________

أقول: قد عرفت سابقاً أنّه لا إشكال بل لا خلاف في عدم دخول الإجبار في قسمة الردّ التي هي عبارة عن ضمّ شي‌ء من الخارج إلى أحد السهمين ليتعادل السهم الآخر، سواء قلنا بكون مورد القسمة مجموع المنضمّ و المنضمّ إليه في مقابل السهم الآخر، أو خصوص المنضمّ إليه بالنسبة إلى ما يقابله و يكون المنضمّ عوضاً عن الجزء الزائد من مقابل المنضمّ إليه، فيكون قسمة متضمّنة لمعاوضة، لما قد عرفت سابقاً أنّ الإجبار على موضوع القسمة أو المعاوضة المتحقّقة في ضمنها ممّا لم يدلّ دليل عليه أصلًا.

و توهّم أنّه بالجعل يصير الخارج كالجزء من المال المشترك فيدخل فيه الإجبار، فاسدٌ جدّاً لأنّ الإجبار على جعل الخارج بمنزلة جزء من المال المشترك بإزاء جزء منه إن رجع إلى الإجبار على المعاوضة، فلا دليل عليه. و إن كان المراد منه مجرّد فرض طالب القسمة الخارج جزءاً من المال المشترك، فلا دليل على أنّ مجرّد فرضه يجعله في حكم الجزء منه، و هذا ممّا لا إشكال و لا سترة فيه أصلًا.

إنّما الإشكال في أنّه إذا أراد طالب القسمة من الشريكين قسمة التعديل في مورد قسمة الردّ بمعنى أراد قسمة الناقص قيمة بالنسبة إلى ما يقابله من الزائد قيمة فيخرج أحد العينين من الإشاعة و يبقى الآخر فيها، كما إذا كان بينهما عبدان، قيمة أحدهما ألف دينار و قيمة الآخر خمسمائة دينار، فطلب قسمة الناقص قيمة بالنسبة إلى ما يقابله فيكون لمن أخرج الناقص له في الزائد ربع من القيمة على سبيل‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 891.

800

..........

____________

الإشاعة، فهل يجبر عليه على تقدير جوازه بالتراضي من جهة قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» حسبما سيأتي تفصيل القول فيه إن شاء اللّٰه، أم لا؟ وجهان، أوجههما عند الأستاد العلّامة جازماً به الثاني نظراً إلى عدم الدليل عليه، فإنّا و إن قلنا بجواز القسمة المذكورة في صورة التراضي و أغمضنا النظر عمّا قيل عليه من عدم مشروعيّتها، بل عدم تحقّق موضوع القسمة و التميّز بين السهمين فيها، فلا نقول بجواز الإجبار فيه، نظراً إلى عدم دلالة: «النّاس مسلّطون» عليه، لأنّ ظاهره فيما إذا تراضيا به. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة.

و لكنّك خبير بأنّه لو دلّ قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» على جواز القسمة في صورة التراضي، فثبت مشروعيّتها، لدلّ على جواز الإجبار في القسمة أيضاً، لعدم الفرق في مفاده بين الصورتين. و بالجملة، تخصيص الرواية بصورة التراضي ممّا لا وجه له، و إلّا لم يجز التمسّك بها في أصل الإجبار في القسمة مطلقاً.

و قد عرفت ذهاب الأستاد العلّامة إلى دلالتها عليه في غير المقام. هذا، مضافاً إلى ما دلّ على نفي الضرر و الضرار، لو فرض هناك ضرر على الطالب. فإذاً الحقّ جواز الإجبار في الفرض على تقدير القول بمشروعيّة القسمة في صورة التراضي. و القول بأنّه خلاف ظاهر كلماتهم من حيث إطباقها على عدم جريان الإجبار في قسمة الردّ، فيه ما لا يخفى على المتأمّل، لأنّ الفرض ليس من قسمة الإجبار في شي‌ء، بل هو قسمة تعديل في مورد قسمة الإجبار، كما هو واضح. نعم، لو فرض هناك ضرر على الممتنع لم يجبر على القسمة. و القول بوجوده في جميع المقامات، فيه ما لا يخفى على المتأمّل، فتأمّل.

801

[كفاية القرعة في اللزوم و عدمها]

قوله: «و إذا اتّفقا على الردّ و عدلت السهام، فهل يلزم بنفس القرعة؟» (1) الخ (1).

____________

أقول: قد عرفت سابقاً في طيّ بعض كلماتنا مجمل القول في ذلك، فبالحريّ أنْ نشرح القول فيه في المقام ليرتفع غواشي الأوهام عن وجه المرام.

فنقول بعون الملك العلّام: إنّه ذهب جماعة منهم الشيخ في المبسوط (2)، و بعض من تقدّم عليه و تأخّر عنه، كالعلّامة في التحرير (3) و الإرشاد (4)، و الفخر في شرحه (5) و الشهيدين في الدروس (6) و المسالك (7) إلى عدم كفاية القرعة في اللزوم، بل يحتاج إلى الرضا بعدها، و ذهب بعض إلى كفاية القرعة في اللزوم و عدم الاحتياج إلى الرضا بعدها، نظراً إلى تبانيهما و رضاهما من أوّل الأمر على إعطاء كلّ من أخرج له القرعة السهم الزائد قيمة الجزء الّذي يختصّ بالشريك الآخر، فبعد القرعة لا معنى للاحتياج إلى الرضا بعدها، هذا مجمل متمسّك القول بالكفاية.

و أمّا ما استدلّ به للقائلين بعدمها فوجوه من الأدلّة:

أحدها: ما استدلّ به في المسالك

(8)، و يستفاد من كلام الشيخ (رحمه الله) (9) من أنّ قسمة الردّ معاوضة قطعاً، و صحّة‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 891.

(2) المبسوط: 8/ 148.

(3) تحرير الأحكام: 2/ 202.

(4) إرشاد الأذهان: 1/ 434.

(5) إيضاح الفوائد: 4/ 369.

(6) الدروس: 2/ 117.

(7) مسالك الأفهام: 14/ 26، 27، 32.

(8) مسالك الأفهام: 14/ 32.

(9) المبسوط: 8/ 148.

802

المعاوضة شرعاً تتوقّف على تعيين من عليه العوض و هو غير معيّن قبل القرعة واقعاً، فإنّه أحد الشريكين، فالرضا بأن يكون العوض على أحدهما الغير المعيّن الحاصل قبل القرعة لا ينفع في تحقّق المعاوضة. و هذا بخلاف بعد القرعة، فإنّه يعيّن من عليه العوض لو أرادا المعاوضة، فإن اتّفقا عليها بأن تراضيا بعدها فتتحقّق المعاوضة المعتبرة شرعاً و إلّا فلا. و هذا معنى كلام الشيخ (رحمه الله) في موضع من المبسوط (1) انّ فائدة القرعة تميّز البائع من المشتري، فيحتاج تحقّق البيع إلى تراض من المتبايعين.

و أورد عليه بأنّ من عليه العوض في المقام أيضاً معلوم بحسب الواقع و في علم اللّٰه، و هو من أخرج باسمه الزائد قيمةً، و إن لم نعلمه. و اشتراط المعلوميّة زائداً على هذا في صحّة المعاوضة في كلّ مورد لم يدلّ عليه دليل أصلًا، بل مقتضى:

«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) وجوب الوفاء بالمعاوضة في المقام أيضاً، فتأمّل.

ثانيها: ما ذكره الأستاد العلّامة من أنّه لا إشكال و لا ريب، حسبما هي قضيّة كلماتهم، في توقّف تحقّق القسمة على سبق التعديل بين السهمين،

فلو قلنا بحصول القسمة في المقام بنفس القرعة لم يتحقّق هناك تعديل أصلًا، لأنّ قبلها لا مقابل للجزء الزائد المختصّ بأحد الشريكين في السهم الزائد، لأنّ ما في الذمّة لا يصير مقابلًا بالمال إلّا بعد تعيّن الذمّة، و ليس هو كماليّة الأعيان الخارجية حتّى لا يتوقّف ملاحظة التعديل بينهما إلى ملاحظة المالك أصلًا، كما في قسمة التعديل، لأنّ ما في الذمّة ليس له تحقّق بل إنّما هو أمر يعتبره أهل العرف، و اعتبارهم إيّاه إنّما هو فيما إذا تعيّن من يعتبر في ذمّته.

لا يقال: لو بني على ما ذكر لم يتحقّق التعديل بعد القرعة أيضاً، لأنّ المفروض‌

____________

(1) المبسوط: 8/ 148.

(2) المائدة (5): 1.

803

أنّ القرعة لا توجب اللزوم حسبما هو المفروض، و ماليّة ما في الذمّة إنّما هو بعد استقراره في الذمّة.

لأنّا نقول: نمنع من توقّف اعتبار ما في الذمّة على استقراره في الذمّة زائداً على تعيين من يعتبر في ذمّته، و إلّا لوجب الحكم بعدم صحّة البيع نسيةً، لأنّ استقرار المال في الذمّة إنّما هو بعد تحقّق البيع لا قبله، فتحقّق الماليّة لا يتوقّف على الاستقرار أصلًا. هذا إذا جعل بدل الزائد ما في الذمّة.

و أمّا إذا جعل بدله العين الخارجي من كلّ منهما بمقدار قيمة الجزء الزائد المختصّ بأحدهما، كما فرضنا قيمته مائة دينار و جعل كلّ منهما مائة دينار في الخارج بدلًا عنه، على تقدير خروج الزائد قيمة له، فالتعديل فيه أيضاً غير متحقّق لأنّ أحد العينين الغير المعيّن بحسب الواقع، لا يقابل عند العرف بالمال، فتأمّل فيه فإنّ للنظر فيه مجالًا.

ثالثها: ما ذكره الأستاد العلّامة أيضاً من أنّ صيرورة الخارج جزءاً من السهم الناقص

حتّى يتحقّق القسمة بالنسبة إلى المجموع تتوقّف على انتقاله إلى من يخرج له الناقص بإزاء الجزء الزائد، و إلّا فمجرّد تصوّره مع عدم انتقاله و بقاء ما بإزائه على ملك الشريك لا يجعله جزءاً. فالناقل له في المقام لا يخلو إمّا أن يكون هو التباني و التراضي الموجودين قبل القرعة، أو نفس القرعة، أو هما معاً، لا سبيل إلى شي‌ء منها. أمّا إلى الأوّل، فلأنّ مجرّد التراضي و التباني في الفرض غير ناقل إجماعاً، حتّى من القائلين بكفاية القرعة. و أمّا إلى الثاني، فلأنّ القرعة ليست من النواقل، و إنّما شأنها الإفراز بالجعل العرفي، و المفروض إثبات الانتقال بنفسها. و منه يظهر وجه عدم السبيل إلى الثالث أيضاً، فالقسمة هنا تحصل بالتراضي بعدها.

لا يقال: إنّ القرعة في قسمة التعديل و الإفراز ناقلة أيضاً لجزء من مال كلّ من الشريكين إلى الآخر، فلا ضير في القول بكونها ناقلة في المقام أيضاً.

804

لأنّا نقول: القرعة و إن استلزمت النقل في الصورتين أيضاً إلّا أنّ النقل فيهما غير النقل في المقام، لأنّه فيهما من لوازم الإفراز الجعلي بالقرعة. و هذا بخلاف المقام، فإنّ النقل فيه ليس من حيث الاستلزام المذكور لعدم تحقّق التعديل قبله لفرض بقاء الخارج في ملك مالكه، فالقرعة فيه على القول بكفايتها ناقلة ابتداءً للخارج، و هو ممّا لم يدلّ عليه دليل أصلًا.

فإن قلت: على القول بالاحتياج إلى الرضا يكون نفس الرضا، أو هو مع القرعة مقسّماً و ناقلًا للخارج، و الرضا و إن كان صالحاً لتحقّق النقل به إلّا أنّه غير صالح لتحقّق القسمة به في المقام، بناءً على ما ذكرت من توقّف حصول التعديل على دخول الخارج في ملك أحد الشريكين، لأنّ هذا الدخول يحصل بنفس التراضي اللاحق، فلا يمكن أن يتحقّق به القسمة أيضاً لتوقّف حصولها على تحقّق التعديل أوّلًا. فإن بني على كفاية مجرّد تصوّر الخارج جزءاً في تحقّق التعديل كما هو الظاهر من المتن و غيره فليبن عليها على القول بكفاية القرعة أيضاً، فيكون القرعة مع الرضا السابق عليها مفرزة للنصيب المستلزم إفرازه لنقل الخارج أيضاً، كما أنّه مستلزم لنقل جزء من أصل المال المشترك.

قلت: نختار كون نفس الرضا معدّلًا و مقسّماً، لكن نمنع من اشتراط حصول التعديل قبل القسمة زماناً. هذا ملخّص ما ذكره دام ظله.

و للنظر فيه مجال واسع، أمّا أوّلًا: فلأنّا نختار كون الناقل هو الرضا السابق مع القرعة، كما أنّه اختار كون الناقل هو الرضا اللاحق مع القرعة، و مجرّد سبق الرضا و لحوقه لا يصير مناطاً للفرق. و أمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره أخيراً من عدم توقّف حصول القسمة على تقديم التعديل، مع ما فيه من فساده ضرورةً، يجري بعينه على القول الآخر أيضاً، كما لا يخفى، فتأمّل في المقام فإنّه لا يخلو عن إشكال، و إن كان القول بالكفاية لا يخلو عن قرب.

805

ثمّ إنّ هنا أموراً ينبغي التنبيه عليها:

أحدها: أنّ الملزم على تقدير القول بالاحتياج إلى الرضا هل هو نفسه، أو التصرّف كالمعاطاة؟

وجهان، أوجههما الأوّل، بناءً على حصول التميّز و الملكيّة المعيّنة به من جهة الأصل، و قد مرّ سابقاً الإشارة إليه أيضاً.

ثانيها: إنّه لا ريب و لا شبهة في جواز كون الخارج الّذي هو بدل لجزء من المال المشترك أنقص قيمة منه بعد تراضيهما عليه،

لأنّه بعد فرض جعله بدلًا له يكون حكمه حكمه، فكأنّه هو، فالتعديل المعتبر بين السهام يحصل معه بالنظر إلى بدليّته. فظهر منه اندفاع توهّم اشتراط مساواته معه في القيمة نظراً إلى عدم حصول التعادل بدونها، هذا. و الحقّ أن يُقال: إنّ قسمة الردّ قسمة متضمّنة لمعاوضة، فعليه لا يرد إشكال أصلًا كما لا يخفى.

ثالثها: أنّه هل يجري حكم الربا في قسمة الردّ بالنسبة إلى ما تتضمّن من المعاوضة على القول بجريانه في مطلق المعاوضة كما هو الظاهر، أم لا؟

وجهان:

من أنّها معاوضة، فيدخلها حكم الربا. و من أنّها و إن تضمّنت معاوضة، إلّا أنّه يطلق عليها القسمة باعتبار المجموع من حيث المجموع. أوجههما الأوّل، لما عرفت.

و قد منع بعض مشايخنا (1) من كون قسمة الردّ متضمّنة لمعاوضة و إنّما فيها معنى العوضيّة و هو غير المعاوضة كما لا يخفى. و فيه ما لا يخفى، فإنّ حقيقة المعاوضة ليست إلّا مبادلة مال بمال و هي في المقام موجودة قطعاً. فالمنع من تحقّق المعاوضة ممّا لا وجه له أصلًا، فلا يصغى إليه قطعاً.

رابعها: أنّه لا ريب و لا إشكال في جريان ما يترتّب في الشريعة على المعاوضة

من حيث هي معاوضة من الأحكام، من غير مدخليّة لعنوان خاص منها، كالبيع و نحوه في المقام أيضاً، كالغرر و نحوه، فإنّ ما دلّ على حكم الغرر في البيع لم يدلّ‌

____________

(1) راجع جواهر الكلام: 40/ 332.

806

عليه من جهة تحقّقه في ضمن هذه المعاوضة الخاصّة كما لا يخفى. و كذا لو ظهر عيب في أحد السهمين بعد القسمة فإنّه لا إشكال في جريان حكمه من التخيير بين الفسخ و الأرش، لأنّ ما دلّ على حكمه في باب البيع لم يدلّ عليه من حيث وجوده في البيع كما لا يخفى. نعم، قد يقال بل قيل بل لا بعد في الالتزام به، بفساد القسمة حينئذٍ، لكشفه عن عدم حصول التعديل المعتبر في القسمة. نعم، لو حكم بصحّتها أمكن القول بجريان حكم العيب فيه و لا يعارضه قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» لأنّ ما دلّ عليه من عمومات نفي الضرر حاكم عليه، فتأمّل.

فما ذكره بعض مشايخنا من عدم جريان حكم الفسخ في القسمة، فيه ما لا يخفى. و أولى بعدم الإشكال ما لو تراضيا بالفسخ لعموم ما دلّ على ثبوت السلطنة.

و منه يظهر فساد ما ذكره شيخنا المتقدّم ذكره.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ موارد التمسّك بقوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» ثلاثة:

أحدها: في مقام إثبات أصل شرعيّة التصرّف الخاصّ، كالبيع و الهبة و القسمة و أمثالها. ثانيها: في مقام إثبات اللزوم، كما في البيع إذا أراد أحد المتبايعين عدم الالتزام بمقتضاه، و كما في القسمة بعد حصولها، لأنّ شريك الممتنع مسلّط على ماله، لأنّ المفروض حصول الملكيّة المعيّنة له، فهو مسلّط على عدم إرجاعها إلى الإشاعة. ثالثها: في مقام إثبات مشروعيّة الإقالة في البيع و غيره، هذا. لكن يمكن أن يقال: إنّه لا يمكن إثبات الثالث به لأنّه كما لا يمكن إثبات السببيّة لشي‌ء به حتّى يترتّب عليه الأثر الشرعي حسبما تقدّم تفصيل القول فيه، كذلك لا يمكن إثبات سببيّة شي‌ء به لرفع السبب الشرعي، ضرورة عدم الفرق بينهما كما لا يخفى، و سيجي‌ء بعض الكلام فيه.

نعم، لو ترتّب حكم في الشريعة على خصوص البيع لم يكن معنى لإجرائه في المقام أيضاً كما في الربا على القول باختصاصه بالبيع، و اللّٰه العالم.

807

[الغلط في القسمة]

قوله: «إذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه، لم تسمع دعواه» (1) الخ (1).

____________

أقول: ادّعاء أحد الشريكين الغلط في القسمة لا يخلو إمّا أن يكون على الشريك، سواء كان من جهة وقوع الغلط في التعديل أو في القسمة، و سواء كان المعدّل و القاسم أنفسهما أو غيرهما، أو على المعدّل، أو على القاسم فيما إذا كانا غير الشريكين و كان المعدّل غير القاسم. و على تقدير الدعوى على القاسم لا يخلو إمّا أن يكون هو المنصوب من جانب الإمام (عليه السلام) أو حاكم الشّرع أو غيرهما ممّن تراضيا على كونه قاسماً. فقد ادّعي في جميع هذه الصور أنّ الأصل مع منكر وقوع الغلط، لأصالة الصحّة في القسمة من حيث كونها الأصل في الأفعال الصادرة من المسلم، هذا.

و قد تنظّر فيه الأستاد العلّامة بأنّ مرجع دعوى الغلط في القسمة إلى إنكار أصل القسمة، فليس هناك قسمة مسلّم الوقوع بين الشريكين قد وقع النزاع في صحّتها و فسادها، حتّى يحكم بصحّتها. و لا يتوهّم جريان هذا الإشكال في سائر المقامات أيضاً بأن يقال: إنّ مرجع نزاع المتبايعين في صحّة البيع و فساده إلى إنكار أصل البيع، فإنّ البيع العرفي هناك متحقّق مسلّم الوقوع بينهما، و إنّما يدّعي أحدهما فساده من جهة عدم مراعاة بعض ما اعتبر فيه شرعاً، و هذا بخلاف المقام، فإنّ مرجع النزاع فيه إلى إنكار أصل القسمة العرفيّة، ضرورة أنّ القسمة من دون التعديل لا تسمّى قسمة عرفاً أيضاً.

و الحاصل: القسمة عبارة في العرف عن التمييز و الإفراز حسبما عرفت سابقاً،

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 892.

808

..........

____________

فإن سلّم وقوعها فلا معنى لدعوى غلط أحد الشريكين فيها، و إلّا فمرجع النزاع إلى أصل وقوعها، هذا.

ثمّ أجاب دام ظلّه عن الإشكال المذكور بوجهين: أحدهما: أن يكون المراد بالقسمة هي صورتها لا القسمة الحقيقيّة، فيقال: إنّ الأصل صحّة ما وقع من صورة القسمة المسلّمة بينهم. ثانيهما: أن يكون المراد منها سبب القسمة، أي فعل القاسم الّذي سبب لتحقّق التمييز فإنّه قد يقع و لا يترتّب عليه التميّز و الانعزال، و قد يقع و يترتّب عليه، و قد يقع و يشكّ في ترتّبه عليه، فالأصل الترتّب نظراً إلى أصالة الصحّة في الفعل الواقع من المسلم.

و كيف كان فلنتعرّض لبيان حكم الصور،

فنقول:

أمّا الصورة الأولى، و هي ما إذا كان المدّعَى عليه الشريك:

فلا إشكال في سماع دعواه إذا كان له بيّنة على طبقها مطلقاً، فيحكم بفساد القسمة و بقاء الشركة بينهما في المال. و إن لم يكن له بيّنة، فالظاهر سماع دعواه أيضاً. و حينئذٍ فلا يخلو إمّا أن يجيب المدّعَى عليه بالنفي واقعاً، أو بعدم العلم. و على التقديرين لا يخلو إمّا أن يكون هو القاسم و المعدّل أو غيره، فإن كان هو القاسم و المعدّل، فلا إشكال في توجّه اليمين البتّي عليه، سواء أجاب بنفي الواقع أو بنفي العلم. و إن كان غيره، فإن أجاب بنفي الواقع فلا إشكال أيضاً في توجّه اليمين البتّي عليه، و إن أجاب بنفي العلم، فالذي يظهر من جماعة منهم المصنف (1) أنّه لو ادّعي العلم عليه يستحلف على نفيه، و إلّا فلا يتوجّه اليمين عليه أصلًا على ما هو شأن الدعوى على فعل الغير عند الأكثر.

و الّذي صرّح به الأستاد العلّامة في مجلس البحث و يظهر من ثاني الشهيدين في المسالك (2) أيضاً أنّه يتوجّه عليه اليمين على البتّ و إن قلنا إنّ اليمين على نفي‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 892.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 55.

809

فعل الغير على نفي العلم به بعد دعوى العلم به حسبما عليه جماعة، أو مطلقاً بناءً على ما صرنا إليه و استظهرناه من جماعة. و الوجه في كون اليمين في المقام على البتّ مع فرض رجوع الدعوى إلى فعل الغير، أنّ فعل الغير في المقام من قبيل الآلة، كالكيّال مثلًا ففي الحقيقة يرجع الدعوى إلى فعل النفس، و من هنا يجب عليه اليمين على البتّ و إن أجاب بنفي العلم بمعنى كون وظيفته ذلك فيلزم بالحلف أو الردّ أو الخروج من الحقّ. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه و عندي فيه تأمّل يظهر وجهه بالتأمّل، فتأمّل.

ثمّ فيما يتوجّه عليه اليمين، فإن حلف فهو، و إلّا فيظهر تفصيل القول في حكمه ممّا فصّلنا فيه سابقاً، فراجع.

و أمّا الصورة الثانية: فإن كان له بيّنة على ما يدّعيه من خطئه في التعديل،

فلا إشكال في سماع دعواه فيحكم بفساد القسمة، و إن لم يكن له بيّنة عليه، فهل تسمع دعواه عليه، أم لا؟ وجهان، مبنيّان على تغريمه لو أقرّ بالخطإ و عدمه.

فإن قلنا بالأوّل، فتسمع دعواه فيتوجّه عليه اليمين على البتّ لرجوع الدعوى فيه إلى فعل النفس. و إن قلنا بالثاني، فلا يتوجّه عليه اليمين. هذا كلّه فيما لم يكن أجيراً للتعديل، و إلّا فلا إشكال في توجّه الدعوى عليه كما لا يخفى.

و أمّا الصورة الثالثة: فإن كان له بيّنة فتسمع دعواه مطلقاً،

لعموم ما دلّ على اعتبارها، و إن لم يكن له بيّنة، فإن كان القاسم منصوباً من جانب الإمام (عليه السلام) أو كان حاكم الشّرع، ففي توجّه الدعوى عليه و عدمه وجهان، مبنيّان على ما ذكر في الصورة السابقة. و القول بعدم توجّه الدعوى عليهما مطلقاً حتّى مع البيّنة على الغلط نظراً إلى نفوذ قسمتهما على الشريكين و وجوب الرضا عليهما بها، فيه ما لا يخفى، إذ بعد فرض كون القسمة حكماً حتّى يجري فيها أدلّة إنفاذ حكم الحاكم نمنع من قيام دليل على عدم سماع الخطأ فيها، و إنّما الممنوع عدم قبول قسمة المنصوب أو‌

810

الحاكم اقتراحاً، لأنّه مناف لقضيّة النصب. و أمّا عدم قبولها من جهة خطئه في التعديل أو في أصل التقسيم فلم يدلّ دليل على منعه أصلًا بل هما من هذه الجهة كسائر النّاس.

و الحاصل: أنّ عدم الرضا بتقسيم المنصوب مثلًا إمّا من جهة ادّعاء خطأ نظره في التعديل أو في التقسيم، أو اقتراحاً، و قضيّة نصبه هو عدم جواز الثالث لا الأوّلين. فإذا قسّم المنصوب المال بالقرعة بين الشريكين فهو نافذ عليهما بمعنى عدم توقّفه على رضاهما، و أين هذا من عدم سماع دعوى أحدهما خطئه في القسمة. و بالجملة، القسمة ليست بأولى من الحكم، و من المعلوم سماع دعوى خطأ الحاكم في حكمه بالبيّنة، هذا.

و إن كان القاسم من تراضيا عليه من دون نصب أصلًا، ففي توجّه الدعوى عليه في صورة عدم البيّنة و عدمه وجهان، مبنيّان على الوجهين في الصورة السابقة، هذا. و قد يقال بعدم توجّه الدعوى عليه، من جهة ما دلّ على أنّه ليس على الأمين فيما إذا كان منكراً يمين. و فيه تأمّل لا يخفى وجهه، فتأمّل.

811

[القسمة التي ظهر بعضه مستحقّاً للغير]

قوله: «إذا اقتسما، ثمّ ظهر البعض مستحقّاً» (1) الخ (1).

____________

أقول: إذا اقتسم الشريكان المال ثمّ ظهر بعضه مستحقّاً للغير، فلا يخلو إمّا أن يكون معيّناً أو مشاعاً. و على الأوّل لا يخلو إمّا أن يكون مع أحدهما، أو يكون مع كلّ من النصيبين. و على الثاني لا يخلو أيضاً إمّا أن يكون في كلّ منهما بالسويّة، أو بالتفاوت. فإن كان مع أحدهما أو مع كلّ منهما مع التفاوت فلا إشكال في فساد القسمة و بطلانها، بل لا خلاف فيه، لاستلزامه بقاء الشركة في أحد النصيبين.

و من هنا يمكنك أن تقول بعدم تحقّق موضوعها أيضاً، لأنّ القسمة بدون التعديل ليست قسمة حقيقة، كما أنّه لا إشكال و لا خلاف في عدم فسادها و بطلانها لو كان مع كلّ منهما بالسويّة، لعدم منعه عن بقاء الإفراز الّذي هو فائدة القسمة كما لا يخفى.

نعم، ذكر بعض مشايخنا (2) أنّه ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحدث نقصاً في حصّة أحدهما خاصّة بأخذه و لم يظهر به تفاوت، مثل أن يسدّ طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه، فإنّ القسمة حينئذٍ باطلة لبطلان التعديل، و لا بأس به بناءً على ما ذكره (رحمه الله) من كشفه عن عدم حصول التعديل.

إنّما الإشكال فيما إذا كان مشاعاً، و قد نقل المصنّف (3) فيه قولين عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط: أحدهما: لا تبطل فيما زاد عن المستحقّ. و الثاني: تبطل. و الأولى نقل‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 892.

(2) راجع الجواهر: 40/ 365.

(3) شرائع الإسلام: 4/ 893.

812

..........

____________

كلامه حتّى يظهر صدق النسبة، فقال (رحمه الله) بعد ما ذكر حكم ما لو كان الخارج بعضاً معيّناً ما هذا لفظه: «و أمّا إن كان مشاعاً في الكلّ، تبطل في القدر المستحقّ و لم تبطل فيما بقي. و قال قوم تبطل فيما بقي أيضاً. و الأوّل مذهبنا و الثاني أيضاً قويّ، لأنّ القسمة تميّز حقّ كلّ واحد منهما عن صاحبه و قد بان أنّه على الإشاعة. و العلّة الجيّدة في ذلك أنّهما اقتسماها نصفين، و ثلثها للثالث و هو غائب، و من قسّم ما هو مشترك بينه و بين غيره بغير حضوره كانت القسمة باطلة» (1) انتهى كلامه. و أنت خبير بأنّ نسبة القولين إليه إن كان مبنيّاً على هذا الكلام، ففيها تأمّل لا يخفى وجهه على المتأمّل.

و كيف كان، فالحقّ وفاقاً للمشهور بطلان القسمة، لما ذكر الشيخ أخيراً، و هو في غاية الجودة لما عرفت سابقاً أنّ القسمة بدون إذن أحد الشريكين أو الشركاء فاسدة.

و وجّهه الأستاد العلّامة دام ظلّه بأنّ صحّة التقسيم على النحو المذكور موجب لتقليل ما كان للثالث من جهات التعيين و التعديل، لأنّ له أن يقسّم المال أثلاثاً فيأخذ ثلثاً منها، فالحكم بصحّة التقسيم بدون إذنه و اشتراكه مع كلّ شريك في ثلث ممّا أخذه، منافٍ للتسلّط المذكور الّذي يقتضيه اشتراكه في تمام المال، و هو في غاية الوجاهة.

فاندفع به ما ربما يتوهّم في وجه الحكم بالصحّة، من أنّ التقسيم المذكور لا ينافي قضيّة اشتراكه في المجموع، لأنّه لا يقتضي إلّا وجود حصّته في كلّ جزء فرض من العين، و المفروض الحكم باشتراكه مع كلّ من الشريكين فيما يأخذه من النصف. فالحكم بصحّته غير مناف لسلطنته على حقّه، و ليس ذلك موجباً لتكثير الشركة حتّى يحكم بفساده من حيث استلزامه للضرر، كما يتوهّم. و ليس معنى‌

____________

(1) المبسوط: 8/ 142. مع اختلاف يسير.

813

..........

____________

الإشاعة، تعلّق حقّ الشريك بكلّ جزء فرض من العين على سبيل البدليّة، بمعنى كون تمامه له، حسبما توهّمه بعض المشايخ، حتّى يحكم بفساده، كما هو لازم هذا الفرض من حيث استلزام الحكم بصحّته رفع هذا المعنى.

توضيح الاندفاع: أنّ اشتراكه في المجموع و إن لم يقتض كون تمام حقّه في كلّ جزء فرض من العين على سبيل البدليّة، إلّا أنّ من المعلوم اقتضاءه تسلّطه على تثليث المال في مقام التقسيم، ضرورة أنّه ليس لأحد الشركاء فيما إذا كانوا ثلاثة، إجبار الآخر على أخذ حقّه من جزء معيّن، و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلًا.

نعم، لا إشكال في صحّة التقسيم لو رضي الثالث و أذن بالتقسيم من أوّل الأمر، كما أنّه لا إشكال أيضاً في صحّته لو لحقه الرضا منه، بناءً على ما هو المحقّق في محلّه من أنّ كلّ شي‌ء يؤثّر فيه الرضا سابقاً يؤثّر فيه الرضا لاحقاً أيضاً، المستفاد من التعليل في قوله: «لأنّه لم يعص اللّٰه و إنّما عصى سيّده» (1) لأنّ الظاهر منه أنّ كلّما كان المانع عن الحكم بالصحّة بالنسبة إلى شي‌ء تعلّق حقّ النّاس به، فيرتفع برضاه اللاحق و إن كان غير راض أوّلًا، فهو يدلّ على جريان الفضولي بالنسبة إلى كلّ شي‌ء. و هذا بخلاف حقّ اللّٰه، لأنّه يمتنع عليه الرضا لاحقاً بعد ما لم يكن راضياً أوّلًا. فظهر ممّا ذكرنا أنّ في المقام لو رضي الثالث بالتقسيم لا إشكال في الحكم بصحّته و اللّٰه العالم.

____________

(1) الكافي: 5/ 478؛ تهذيب الأحكام: 7/ 351؛ وسائل الشيعة: 21/ 114.

814

[لو قسّم التركة، ثمّ ظهر على الميّت دين]

قوله: «لو قسّم الورثة التركة [تركة] ثمّ ظهر على الميّت دين» (1) الخ (1).

____________

أقول: الكلام في المقام قد يقع على القول بانتقال التركة إلى الوارث في صورة وجود الدين مطلقاً، أو فيما لم يكن مستوعباً، لأنّ الكلام في الفرض أيضاً أعمّ من الصورتين.

و قد يقع على القول بعدم انتقالها إليه في صورة وجود الدين.

أمّا الكلام على القول الأوّل فلا إشكال بل لا خلاف في صحّة القسمة في صورة ظهور الدين، بل مع العلم به من أوّل الأمر، سواء كان مستوعباً أو لا، لما قد عرفت في طيّ كلماتنا السابقة من جواز كلّ تصرّف للوارث في التركة الغير المنافي لتعلّق حقّ الغير بها بأن لا يكون مستلزماً لتفويت ماليّتها، كتبديلها بما يساوي قيمتها و نحوه من التصرّفات الغير المتلفة للماليّة، لأنّه مقتضى الجمع بين قوله:

«النّاس مسلّطون على أموالهم» و تعلّق حقّ الديّان بالتركة.

أمّا الكلام على القول الثاني، فلا إشكال فيه أيضاً في صحّة القسمة، بناءً على ما عرفت سابقاً من أنّا و إن لم نقل بانتقال التركة إلى الوارث في صورة وجود الدين إلّا أنّا نقول بجواز تصرّفه في التركة بما لا ينافي لتعلّق حقّ الدائن، لما دلّ عموماً على كونه أولى بالميت من غيره، فقضيّة الجمع بينه و بين ما دلّ على مراعاة حقّ الديّان الحكم بجواز التصرّفات الغير المنافية لتعلّق الحقّ بها.

فظهر ممّا ذكرنا اندفاع الإشكال الّذي أورده جماعة على المصنّف، منهم ثاني‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 893.

815

..........

____________

الشهيدين (قدس سره) في المسالك (1) من أنّ القول منه بصحّة القسمة في الفرض ينافي ما ذهب إليه من عدم انتقال التركة إلى الوارث و بقائها على حكم مال الميّت، هذا.

ثمّ إنّه ذكر جماعة على تقدير صحّة القسمة أنّه لو أقام الورثة جميعاً بالدين فلا تبطل القسمة، و إن لم يقيموا جميعاً نقضت و قضي منها الدين، هكذا في المتن (2) و غيره من بعض كتاب الأصحاب. و في الدروس (3) و غيره (4) أنّه لو امتنع بعض دون بعض نقضت بالنسبة إلى الممتنع و قضي من حصّته الدين دون المقيم بالوفاء، هذا.

و لا يخفى عليك ما فيه من الإشكال، لأنّ بعد الحكم بصحّة القسمة لا معنى لعود المال إلى الإشاعة بعد الامتناع من الكلّ أو البعض، لأنّ غاية ما يقتضيه، هو وفاء الدين من التركة لا فساد القسمة، كما لا يخفى على ذوي الأفهام المستقيمة. اللّهم إلّا أن يكون مرادهم بنقض القسمة في صورة الامتناع، عدم تسلّط الممتنع على نصيبه تسلّطاً تامّاً بل يبيع (5) عليه قهراً و يقضى منه الدين، فتأمّل. هذا كلّه فيما لو ظهر بعد القسمة دين.

أمّا لو ظهر بعدها وصيّة تقتضي التمليك، فلا يخلو إمّا أن لا تكون متعلّقة بعين التركة، كما لو قال: (أعط فلاناً فرساً)، و لم يكن له فرس أصلًا، أو مائة دينار مثلًا و لم يكن في تركته الدينار أصلًا، و إمّا أن تكون متعلّقة بها. و على الثاني لا يخلو إمّا أن تكون متعلّقة بجزء معيّن منها أو مشاع، كما لو قال: (أعط فلاناً مائة دينار من أموالي)، أو (ثلث مالي). و على الأوّل فلا إشكال في الحكم بصحّة القسمة، فهو مثل ما لو ظهر دين بعد القسمة. و على الثاني فحكمه حكم ما لو ظهر بعض المال‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 58.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 893.

(3) الدروس: 2/ 119.

(4) قواعد الأحكام: 3/ 466؛ و راجع الإيضاح: 4/ 378.

(5) يباع، خ ل.

816

..........

____________

المشترك مستحقّاً للغير بالنسبة إلى كلّ من القسمين من المعيّن و المشاع، فراجع إليه.

و هذا الّذي ذكرنا لا إشكال بل لا خلاف فيه بين الأصحاب حسبما يظهر من الرجوع إلى كلماتهم و التأمّل فيها، و اللّٰه العالم.

ثمّ إنّ هنا فروعاً ينبغي التنبيه عليها

و إن مرّت الإشارة إلى بعضها في طيّ كلماتنا السابقة.

أحدها: أنّ المشهور بين الأصحاب بل حكى الإجماع عليه بعض عدم جواز قسمة الوقف،

كما أنّ المشهور بينهم جواز قسمة المال الّذي بعضه وقف و بعضه طلق على سبيل الإشاعة. و وجه الأوّل: أنّه مناف لغرض الواقف، فيدلّ على فساده ما دلّ على أنّ الوقوف حسبما يوقفها واقفها، فتأمّل. هذا، مضافاً إلى منافاته لتعلّق حقّ البطون المتأخّرة به، فإنّ مرجع الوقف عليهم جميعاً اشتراك جميعهم في المال الموقوف عليهم، و إن كان على وجه الترتيب، فربّما يفضي قسمته إلى ورود ضرر على بعضهم، كما إذا كان ورثة أحد الشريكين من البطن الأوّل الّذين هم البطن الثاني أكثر من ورثة الآخر. و القول بأنّ قسمتهم نافذة في حقّهم لا في حقّ البطون المتأخّرة، ممّا لا يعقل له معنى كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين القول بتلقّي البطن الثاني من الواقف أو الموقوف عليه، لأنّ معنى تلقّيه من الموقوف عليه ليس كونه إرثاً حتّى لا ينافيه القسمة، بل بمعنى آخر. و ذكرنا تفصيل القول فيه فيما تقدّم فراجع، فهو محجور في التصرّف الّذي يوجب تغيير المال عن الحالة المنتقلة إليه. فظهر ممّا ذكرنا فساد ما توهّمه بعض من الفرق في الحكم المذكور بين القولين، هذا.

و وجه الثاني أيضاً ظاهر بعد البناء على ما مرّ في مفهوم القسمة من أنّها إفراز للحقّ في أنظار العرف و إن كان لازمها النقل عقلًا، فتأمّل.

ثمّ إن هنا صورة لقسمة الوقف لا إشكال في جوازها على تقدير القول بصحّة‌

817

قسمة الوقف و الطلق حسبما هو المشهور المدّعَى عليه الإجماع، و هي أن يكون المالك للمال الموقوف عليه اثنين على سبيل الإشاعة، فوقف أحدهما نصيبه على زيد و الآخر على عمرو، فإنّه لا إشكال في قسمته حينئذٍ و لعلّها خارجة عمّا ذكروه من عدم جواز قسمة الوقف ذكره الأستاد العلّامة.

ثانيها: أنّه لو ظهر بعد القسمة عيب، فهل يحكم بفساد القسمة

كما عليه جماعة (1)، أو بصحّتها و خيار من ظهر العيب في نصيبه بين الفسخ و الأرش كما عليه العلّامة في التحرير (2)؟ وجهان، أوجههما الأوّل، نظراً إلى كشفه عن عدم حصول التعديل فيكون القسمة باطلة. و وجه الثاني ما ذكره الأستاد العلّامة من أنّ فوات الأوصاف لا ينافي التعديل عرفاً خصوصاً في القسمة العينيّة. و فيه ما لا يخفى على المتأمّل. هذا مضافاً إلى ما ذكره الأستاد العلّامة من أنّ الحكم بلزوم الأرش على الشريك في المقام على تقدير اختياره إيّاه لم يدلّ عليه دليل أصلًا، لأنّ أصل لزوم الأرش في البيع في صورة وجود العيب خلاف القاعدة و المخرج غير شامل للمقام، فتأمّل.

ثالثها: أنّه هل يجري التفاسخ و الإقالة في القسمة، أو لا؟

وجهان بل قولان:

أوّلهما للفاضل (رحمه الله) في القواعد (3). ثانيهما لبعض المشايخ (4) وفاقاً لبعض من تقدّم عليه. للأوّل عموم أدلّة الإقالة (5)، لأنّ مفهوم الإقالة غير مختصّ بالبيع، بل يتحقّق في كلّ تعاهد و تبان. و قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» فكما أنّه يجوز الاستدلال به‌

____________

(1) راجع الجواهر: 40/ 365.

(2) تحرير الأحكام: 2/ 204.

(3) راجع قواعد الأحكام: 3/ 465.

(4) راجع جواهر الكلام: 40/ 365.

(5) الكافي: 5/ 153؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 196؛ تهذيب الأحكام: 7/ 8؛ وسائل الشيعة: 17/ 386.

818

لإثبات مشروعيّة أصل القسمة، كذلك يجوز الاستدلال به لإثبات مشروعيّة رفعها، هذا. و للثاني عدم إمكان تحقّق موضوع الإقالة في المقام عقلًا حتّى يترتّب عليها حكمها، لأجل ما ذكر. و الوجه فيه: أنّ الإقالة عبارة عن عود الشي‌ء إلى ما كان عليه سابقاً، و هذا المعنى لا يمكن تحقّقه في المقام، لأنّه بعد ما حصل الإفراز و التعيين لا معنى للعود إلى الإشاعة، هذا.

و فيه منع عدم الإمكان، لأنّه كما يكون الإفراز بيد العرف، كذلك يكون العود إلى الإشاعة بيد العرف، فلا واقعية له إلّا بحكمهم، و نحن نراهم حاكمين بإمكان العود بل بناؤهم عليه.

فإن أريد من عدم إمكان العود هو عدم الإمكان بحسب العقل كما هو الظاهر، فيرد عليه مضافاً إلى عدم اختصاصه بالفرض بل يجري في البيع و أشباهه أيضاً كما لا يخفى أنّه لا دخل في المقام للعقل بل المحكَّم فيه العرف، ليس إلّا. و إن أريد منه الامتناع بحسب العرف فنمنع من امتناعه بالنظر إلى حكمهم، و لهذا يحكمون بتحقّق الإشاعة في صورة امتزاج المالين المعيّنين. و القول بأنّ المزج هنا سبب لتحقّق الإشاعة و الخروج عن التعيين بخلاف المقام، فإنّه لا سبب له أصلًا، فيه ما لا يخفى، لأنّ السبب في المقام أيضاً موجود و هو تبانيهم على العود.

و بالجملة لا أرى وجهاً للمنع من تحقّق الإقالة موضوعاً في المقام، فالحقّ هو القول بجريان التفاسخ في القسمة.

رابعها: أنّ المشهور بين الأصحاب بل المحكي عليه الإجماع في كلام جماعة عدم جريان القسمة في الدين،

فلو كان للمورّث مالان في ذمّة شخصين، أو مالان في ذمّة شخص واحد بحيث كانا متميّزين، لا يجوز للورثة تقسيمهما بالقرعة أو بغيرها.

و استشكل فيه الأستاد العلّامة دام ظلّه بأنّه بعد البناء على تحقّق الإشاعة‌

819

و الاشتراك بالنسبة إلى ما في الذمّة لتنزيله عند العرف منزلة العين الخارجي لا معنى للحكم بعدم جريان القسمة فيه، لأنّه كلّ ما يجري فيه الإشاعة يجري فيه القسمة أيضاً ما لم يقم دليل من الخارج على خلافه. و القول بأنّه لا يجري فيه الشركة، خلاف المصرّح في كلماتهم. و لأجل ما ذكر استشكل فيما ذكره المحقّق الأردبيلي فيما حكي عنه (1)، بل مال إلى جريان القسمة فيه كما في العين الخارجي. فما ذكروه من الحكم بعدم الجريان لا يمكن أن ينطبق على القواعد، فلا بدّ أن يكون المستند فيه أمراً تعبّدياً قد خرجوا به عن مقتضى القاعدة، و هو موجود في المقام، لدلالة بعض الأخبار عليه.

ثمّ إنّ محلّ الإشكال إنّما هو قبل الاستيفاء، و أمّا بعد الاستيفاء، فهو خارج عنه كما لا يخفى.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 9/ 92 93.

820

[أحكام الدعاوى؛ المدعي و المنكر]

[في بيان المدعي و المنكر]

قوله: «في أحكام الدعاوى [الدعوى] و هي تستدعي بيان مقدّمة و مقاصد، أمّا المقدّمة فتشتمل على فصلين: الأوّل: في المدّعي» (1) الخ (1).

____________

أقول: لمّا ذكر المصنّف سابقاً صورة مجلس الحكم و أشار إلى ما هو وظيفة الحاكم شرع في بيان أحكام الدعاوى على سبيل الضابطة و من أحكامها أيضاً حكم تعارضها كما لا يخفى، و لهذا تعرض له المصنف في المقام. و أمّا تعريف المدّعي و المنكر، فإنّما هو من باب المناسبة لا التوقّف حسبما يتوهّم، من حيث إنّ الدعوى إنّما تقوم بهما، فلا بدّ من ذكرهما، كما أنّه يناسب ذكرهما في ذلك المقام أيضاً كما صنعه جماعة.

ثمّ إنّ هنا أموراً ينبغي التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود:

أحدها: أنّ وجه الاحتياج إلى بيان معنى المدّعي و المنكر ظاهر

بعد ذكرهما في الأخبار المستفيضة و تعلّق الأحكام بهما في الشريعة، على ما هو الوجه في الاحتياج إلى بيان معنى جميع الألفاظ. فإنّ الفقيه من حيث هو فقيه لا غرض له في البحث عن معنى اللفظ إلّا من حيث تعلّق حكم شرعيّ به كما لا يخفى.

ثانيها: أنّ ما ذكروه في معناهما ممّا سيجي‌ء تفصيل القول فيه ليس مبنيّاً على ثبوت حقيقة شرعيّة أو متشرّعية لهما،

كما لا يخفى على ذوي الأفهام المستقيمة، بل إنّما هو بيان للمراد منهما عند العرف و ميزان لتميّز المعنى العرفي لهما. فما يستفاد من كلام بعض، كالشيخ في المبسوط (2) و غيره في غيره (3)، على ما هو ببالي‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 893.

(2) المبسوط: 8/ 256.

(3) إيضاح الفوائد: 4/ 324.

821

من ثبوت المعنى الشرعي لهما، حيث قال: لغة كذا و شرعا كذا، ليس محمولًا على ظاهره، بل المراد منه ما يجب حمل اللفظ الوارد في كلام الشارع عليه من حيث كونه معنى عرفياً كذا، فتأمّل. كيف، و لا يمكن أن يقول بهذه المقالة الفاسدة من هو دون الشيخ (رحمه الله) بمراتب، فضلًا عنه. ثمّ إنّ اختلافهم في المقام ليس اختلافاً في التعبير و نزاعاً لفظيّاً، بل اختلاف في المعنى و ينفكّ المعاني بعضها عن بعض كما صرّحوا به حسبما سيجي‌ء تفصيل القول فيه.

ثالثها: أنّ فيما لم يتميز المدّعي عن المنكر، فهل مقتضى الأصل الحكم بمقتضى البيّنة لو كانت لأحدهما،

نظراً إلى عموم ما دلّ على اعتبارها، أو لكلّ منهما مع ترجيح إحدى البيّنتين على الأخرى، و مع عدمه الرجوع إلى القرعة في تشخيص المدّعي من المنكر، أو الحكم بإيقاف الدعوى؟ وجهان، لا وجه للثاني منهما قطعاً كما لا يخفى، و لم أر ذكره في كلام أحد أيضاً. و أمّا الوجه الأوّل، فالمستفاد من كلام بعض مشايخنا (1) الجزم به، نظراً إلى ما عرفته من دعوى وجود العمومات لاعتبارها في كلّ مورد.

و ذكر الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي أنّه لو قلنا بأنّ الحجّة المعتبرة في حقّ المنكر هي اليمين ليس إلّا، فلا أصل للحكم باعتبار اليمين أو البيّنة. و أمّا لو قلنا بكون اليمين رخصة في حقّ المنكر من باب التخفيف حسبما بنينا عليه سابقاً، فلا إشكال في كون مقتضى الأصل الحكم بمقتضى البيّنة لو كانت لأحدهما. و أمّا لو لم يكن لأحدهما البيّنة، فإن رضي أحدهما بحلف الآخر فيحكم بمقتضاه أيضاً، لأنّه لا يخلو إمّا مدّع أو منكر. و على الثاني لا إشكال، لأنّه وظيفته. و على الأوّل أيضاً يصير وظيفته بعد رضا الآخر، لأنّه يدخل حينئذٍ في اليمين المردودة، و إلّا فلا يحكم‌

____________

(1) راجع الجواهر: 4/ 371 374 و 375.

822

بشي‌ء، نظراً إلى عدم الميزان الشرعي. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه.

و لا يخفى عليك أنّ هذا التفصيل أحسن ممّا ذكره بعض المشايخ المتقدّم ذكره، فإنّ فيه تأمّلًا في الجملة، أمّا أوّلًا: فلأنّك قد عرفت غير مرّة أنّه ليس لنا عموم يدلّ على اعتبار البيّنة في كلّ مورد، سواء كان في مورد التداعي أو غيره، غاية الأمر إنّه ورد جملة من الأخبار الدالّة على اعتبارها في خصوص مورد التداعي كما أنّه وردت على اعتبار اليمين أيضاً، كقوله (صلى الله عليه و آله): «إنّما أقضي بينكم» الحديث (1). و قوله: «أحكام المسلمين على ثلاثة» الحديث (2)، و لكنّها لا تدلّ على أنّ أيّ مورد فيه البيّنة و أيّ مورد فيه اليمين، غاية ما تدلّ عليه أنّ القضاء بين النّاس لا بدّ من أن يكون بإحداهما.

و الحاصل: أنّ ما يدلّ على اعتبار البيّنة في مقام التداعي على قسمين:

أحدهما: ما يدلّ على اعتبارها في الجملة كما يدلّ على اعتبار اليمين كذلك، و هذا لا ينفع المستدلّ أصلًا كما لا ينفعنا جزماً. ثانيهما: ما يدلّ على اعتبارها في حقّ المدّعي، كما يدلّ على اعتبار اليمين في حقّ المنكر و معلوم أنّه لا ينفع المستدلّ أيضاً، لتوقّف جريانه على إحراز المدّعي و المنكر.

رابعها: أنّ الكلام في المقام في معنى المدّعي عرفاً في مقابل المنكر،

و إلّا فلا إشكال في صدق المدّعي بالمعنى الأعمّ، أي الّذي يخبر عن شي‌ء بصورة الجزم على المنكر أيضاً، لأنّه أيضاً يخبر عن الشي‌ء و لو كان هو براءة الذمّة. و لهذا ذكر المحقّقون في الردّ على من ذكر أنّ النافي لا يحتاج إلى دليل، أنّ هذا غلط، لأنّ النافي أيضاً يدّعي النفي، فلا بدّ له من إقامة الدليل و إن كان هو الأصل. هكذا ذكره الأستاد العلّامة، و إليه يرجع ما ذكره بعض الأصحاب من أنّ المدّعي بحسب اللغة أعمّ من المنكر، فتأمّل.

____________

(1) الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

(2) الكافي: 7/ 432؛ تهذيب الأحكام: 6/ 287؛ وسائل الشيعة: 27/ 44.

823

خامسها: أنّ ما ذكروه في بيان معناهما ليس حقيقة تفسيراً لفظيّاً لهما

بمعنى كون معنى المدّعي نفس ما ذكروه بحسب العرف، كما قد يتوهّم، بل ميزان لتميّز المصاديق و أنّه على أيّ شخص يصدق المدّعي بمعنى وجود مفهوم المدّعي عرفاً في حقّه و على أيّ شخص يصدق المنكر. و هذا كلّه واضح لا سترة فيه أصلًا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّهم اختلفوا في معنى المدّعي و المنكر على أقوال:

أحدها: ما ذكره بعضهم (1) من أنّ المدّعي مَن يخالف قولُه الأصلَ، و المنكر من يوافق قولُه الأصل.

و ذكر الأستاد العلّامة أنّ المراد من الأصل في المقام ليس هو خصوص أصالة العدم أو أصالة البراءة، بل المراد منه كلّ قاعدة معتبرة تجري في نفس المورد فعلًا، سواء كان أصلًا عدميّاً كالأصلين المذكورين، أو وجوديّاً، و سواء كان استصحاباً على الثاني، أو غيره من الأصول كأصالة الصحّة في العقود، بل تشمل غير الأصل أيضاً كقاعدة اليد. فالمراد منه كلّ ظاهر اعتبره الشارع في المورد، سواء كان من الأصول أو غيرها، فذو اليد منكر بناءً على ما ذكر، بل و كذا مدّعي التلف من الأمناء إن لم نقل بكونه مدّعياً اكتفي منه باليمين بل منكر من حيث موافقة قوله الظاهر على تقدير اعتباره.

و أمّا إطلاق المدّعي على ذي اليد حسبما جعلوا من أقسام التداعي تداعي ذي اليد مع الخارج، فهو مبنيّ على المسامحة و ليس مبنيّاً (2) على المعنى الأعمّ الّذي ذكرناه. و يشهد على ما ذكرنا من كون ذي اليد منكراً، استدلال الإمام (عليه السلام) في بعض الأخبار على كفاية اليمين منه و عدم مطالبة البيّنة منه بأنّه إنّما أمر النبي (صلى الله عليه و آله) أن‌

____________

(1) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 323؛ الدروس: 2/ 83؛ المهذب البارع: 4/ 481؛ مسالك الأفهام: 14/ 60؛ مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 114؛ كشف اللثام: 2/ 335؛ رياض المسائل: 2/ 410.

(2) مبتنيا، خ ل.

824

يطالب البيّنة من المدّعي (1). فإنّ هذا الاستدلال دليل قطعيّ على صدق المنكر على ذي اليد حسبما هو قضيّة الاستدلال، لأنّ الاستدلال بالأمر التعبّدي ممّا لا معنى له أصلًا كما لا يخفى.

و القول بأنّ استدلال الإمام (عليه السلام) إنّما يدلّ على كونه منكراً، لا على كونه منكراً بالمعنى المذكور، لِمَ لا يكون دليلًا على كونه منكراً بالمعنى الّذي ذكره بعض، حسبما سيأتي الإشارة إليه من أنّه ما [مَن] وافق قوله الظاهر، فيكون ذو اليد مادّة الافتراق بين التعريفين، فيه ما لا يخفى على المتأمّل لأنّا نقطع أنّ الكلّ متّفقون على أنّ ذا اليد منكر فلا بدّ أن يكون معنى المنكر عندهم ما يشمله.

و بالجملة، هناك موارد كثيرة اتّفق الكلّ على كون المدّعي بالمعنى الأعمّ فيها منكراً، كذي اليد و مدّعي الصحّة و غيرهما، فلا بدّ أن يكون معنى المنكر عندهم ما يتناوله قطعاً.

و القول بأنّ بعضهم غفل عن ذلك فعرّف المنكر بما لا يتناوله، فالتعريف خاصّ فيقال: إنّ معنى كون المنكر من وافق قوله الأصل، هو الأصل العدميّ فلا يشمل ذا اليد و مدّعي الصحّة، ممّا لا ينبغي أنْ يصغى إليه مع كثرة الموارد المتفق عليها.

فمعنى موافقة الأصل هو موافقة القاعدة المعتبرة شرعاً فعلًا في المورد، بمعنى أنّه لو لا التداعي لعمل عليه، سواء كان أصلًا عدميّاً أو وجوديّاً أوّلياً أو ثانويّاً أو ظاهراً معتبراً شرعاً لو لا التداعي.

و منه يظهر فساد ما أورده بعض المشايخ (2) على هذا التعريف بأنّه لا يشمل مدّعي الصحّة، لأنّ قوله مخالف للأصل و هو أصالة الفساد في المعاملات مع أنّه منكر قطعاً.

____________

(1) الكافي: 7/ 415 (باب ان البينة على المدعي و اليمين على المدّعى عليه)؛ وسائل الشيعة: 27/ 233.

(2) راجع الجواهر: 40/ 376.

825

وجه الفساد: أنّ الأصل الّذي يرجع إليه فعلًا ليس هو أصالة الفساد، لحكومة أصالة الصحّة عليها قطعاً كما لا يخفى. و منه يظهر أيضاً فساد ما ذكره جمع من صور تعارض الأصول، فإنّ أكثرها إن لم يكن كلّها من قبيل الحاكم و المحكوم، فراجع إليها.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ ما ذكرنا في معنى موافقة الأصل من أنّه عبارة عن موافقة القاعدة المعتبرة فعلًا في مورد الترافع، قد يختلف بالنسبة إلى شخص واحد في كيفيّة التكلّم، فلو قال المدّعَى عليه بمائة دينار مثلًا: (إنّي لست مشغول الذمّة و ليس عليّ شي‌ء)، فهو منكر، لموافقة قوله أصالة البراءة.

و لو قال: (إنّي قد أدّيتها) يصير مدّعياً، لأنّه بإقراره الضمني قد أحدث موضوعاً للأصل الموافق لقول المطالب، و هو أصالة البقاء. و كذلك الودعي يكون منكراً و مدّعياً لو قال بعد مطالبة الوديعة: (إنّه ليس عليّ شي‌ء)، أو: (تلف ما أودع إليّ).

و كذلك بالنسبة إلى ذي اليد، فإنّه لو لم يقرّ بأنّ ما في اليد كان للمدّعي، يكون منكراً، و لو أقرّ له ثمّ ادّعى ملكيّته له و ادّعى المقرّ له أنّه ملكه يصير مدّعياً، لأنّه بإقراره قد ارتفع اعتبار يده في مقابل دعوى المقرّ له فالأصل الّذي يرجع إليه فعلًا هو أصالة البقاء الموافقة لقول المقرّ له، فتأمّل. فيشمل تعريف المدّعي بالمعنى المذكور من يريد إثبات الحقّ على الغير أو الخروج عن الحقّ الّذي عليه للغير.

ثانيها: ما ذكره أيضاً بعض (1) من أنّ المدّعي مَن يخالف قوله الظاهر، و المنكر من يوافق قوله الظاهر.

و إليه يرجع تعبيرهم عن المدّعي بأنّه من يدّعي أمراً خفيّاً، و المنكر في مقابله. و المراد بالظاهر الّذي اعتبر موافقته و مخالفته، كما هو قضيّة صريح كلماتهم حسبما يظهر من الأمثلة التي ذكرها أرباب هذا القول، أعمّ من أن‌

____________

(1) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 323؛ المهذب البارع: 4/ 482؛ مسالك الأفهام: 14/ 59؛ كفاية الأحكام: 274.

826

يكون معتبراً شرعاً أو غير معتبر شرعاً. و على الأوّل، أعمّ من أن يكون من الأصول العدمية و الوجودية أو من قبيل اليد، إذ القول بكون المراد منه هو خصوص الأخير موجب لخروج أكثر الموارد الاتّفاقية عنه.

ثمّ إنّ المراد من الظهور كما هو الظاهر ليس هو الظهور الشخصي الحاصل من عدالة المدّعي أو وثاقته أو من أمارة أخرى المختلف بحسب المقامات و الموارد الخاصة، بل المراد منه هو الظهور النوعي، هذا كلّه في بيان المراد من القولين.

و أمّا النسبة بينهما فعلى ما عليه الأكثر من اعتبار الأصول، سواء كانت البراءة أو الاستصحاب أو غيرهما، من باب الظنّ النوعي تكون عموماً و خصوصاً مطلقاً، إذ يصدق المعنى الثاني على كلّ ما يصدق عليه المعنى الأوّل و لا عكس.

و أمّا بناءً على ما هو المختار من عدم اعتبارها من باب الظنّ بل من باب التعبّد، فيكون النسبة عموماً من وجه لصدقهما على الظاهر المعتبر كاليد و عدم صدق الثاني على من كان قوله موافقاً لأصالة البراءة أو الاستصحاب و عدم صدق الأوّل على من كان قوله موافقاً للظاهر الغير المعتبر.

ثالثها: [من أنّ المدّعي من كان قوله مخالفاً لأحدهما على سبيل مانعة الخلو، و المنكر من كان قوله موافقاً لأحدهما على سبيل مانعة الخلو]

ما ذكره بعض (1) و يستفاد من كلام المصنف (2) أيضاً حسبما صرّح به بعض مشايخنا، من أنّ المدّعي من كان قوله مخالفاً لأحدهما (3) على سبيل مانعة الخلو، و المنكر من كان قوله موافقاً لأحدهما على سبيل مانعة الخلو. و يعلم النسبة بينه و بين القولين السابقين بأدنى تأمّل.

رابعها: ما اختاره جمع (4) من أنّ المدّعي من ترك لو ترك، أو يُخلّى و سكوته، فهما عبارتان عن معنى، و المنكر على خلافه.

____________

(1) رياض المسائل: 2/ 410؛ مسالك الأفهام: 14/ 59؛ كشف الرموز: 2/ 26.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 893.

(3) أي الأصل و الظاهر.

(4) راجع شرائع الإسلام: 4/ 893؛ المختصر النافع: 276؛ قواعد الأحكام: 3/ 436؛ إيضاح الفوائد: 4/ 323؛ اللمعة الدمشقية: 80؛ المهذب البارع: 4/ 481؛ كشف اللثام: 2/ 335؛ الدروس: 2/ 83.

827

قال الأستاد العلّامة دام ظلّه: إنّ المراد منه أنّ المدّعي هو الّذي يهمل لو ترك الخصومة أي يعمل على خلاف قوله فيصير قوله متروكاً، و المنكر من لا يُترك لو ترك أي يعمل على طبق قوله لو لم يتكلّم أيضاً فهذا المعنى بهذا التفسير يرجع إلى المعنى الأوّل.

ثمّ ذكر أنّ المراد منه ليس ما قد سبق إلى كثير من الأوهام من أنّ المدّعي هو الّذي لا يطالب بشي‌ءٍ لو ترك الخصومة و ترك بحاله، و المنكر هو الّذي يطالب لو ترك الخصومة و لا يترك بسكوته، لأنّ المطالبة بالجواب و عدمها من أحكام المدّعي و المنكر فلا يمكن أن يعرّفا به و إلّا لزم الدور الظاهر.

لا يقال: إنّ المراد من هذا التعريف لو كان هو التعريف الأوّل فما وجه جعله تعريفاً مستقلّاً في قباله مع أنّ ظاهر كثير من الأصحاب جعلهما مقابلين.

لأنّا نقول: نفس الاختلاف في التعريف لا يدلّ على كون المعرَّف مختلفاً فيه بينهم فيكون اختلافهم اختلافاً معنويّاً بل الدال عليه دلالة نفس التعاريف على الاختلاف المعنوي و إلّا فاختلافهم إنّما يكون بحسب التعبير، إذ الاختلاف في التعريف باللوازم لملزوم واحد من حيث ظهور اللزوم في البعض في نظر بعض المعرّفين بالنسبة إلى بعض آخر. و بالجملة ربما ترى اختلاف العلماء في التعريف مع أنّ من المعلوم عدم اختلافهم بحسب المعنى فمجرّد الاختلاف في التعريف لا يكشف عن شي‌ء. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه في بيان المراد عن هذا التعريف.

و لكنّه لا يخفى عليك أنّ الظاهر من التعريف المذكور الّذي لا يرتاب فيه كلّ من نظر إليه ليس ما استظهره دام ظلّه بل المراد منه أنّ المدّعي هو الّذي لا يتعرّض له لو ترك الخصومة، و المنكر من يتعرّض له لو تركها و لا يخلّى و سكوته، و المراد من التعرّض و عدمه ليس هو المطالبة بالجواب شرعاً و عدم المطالبة به حتّى يقال إنّه يستلزم الدور، بل المراد منه هو التعرّض العرفي و عدم التعرّض‌

828

العرفي فلا يستلزم دوراً أصلًا. و قد صرّح بما ذكرنا في معنى التعريف جمع من الأصحاب منهم الشهيد في الدروس حيث قال في مقام بيان مادّة الافتراق بين التعريف الثاني و هذا التعريف ما هذا لفظه: «و تظهر الفائدة في مثل دعوى الزوج تقارن الإسلام قبل المسيس، و المرأة تعاقبه، فعلى الظاهر الزوج مدّع، و على التخلية هي، لأنّها لو سكتت لم يتعرّض لها الزوج و استمر النكاح» (1) انتهى كلامه. و هو كما ترى صريح فيما ذكرنا. و إليه يرجع أيضاً كلام الشهيد في المسالك (2) فراجع إليه.

ثمّ إنّه ذكر الأستاد العلّامة أنّه لو لم يكن المراد من التعريف المذكور ما ذكرنا للزم الانتقاض بمدّعي الصحّة في البيع [السلم مثلًا]، فإنّه لو ترك الخصومة ترك و لم يطالبه مدّعي الفساد بشي‌ءٍ إذا فرض أخذه الثمن. و هذا بخلاف ما ذكرنا في المراد منه فإنّه لا ينتقض به أصلًا كما لا يخفى، و بتداعي الرجلين في عين إذا كان بيد ثالث يصدق أحدهما، هذا. و يمكن أن يجاب بأنّ هذا من موارد الافتراق بين التعريفين. فتأمّل هذا.

ثمّ ذكر الأستاد العلّامة بعد إرجاعه التعريف الأخير إلى الأوّل أنّ الحقّ هو التعريف به، لأنّ إطلاق أهل العرف المدّعي على من كان قوله على خلاف الظاهر مطلقاً و المنكر على من كان قوله على وفق الظاهر مطلقاً إنّما هو من جهة بنائهم على اعتبار الظهور مطلقاً، فبعد كشف الشارع عن عدم اعتبار بعض الظواهر لا يعتنى ببنائهم، فالمدّعي عندهم هو من كان يتكلّم على خلاف القاعدة المعتبرة، غاية الأمر إنّ بعض القواعد معتبر عندهم و لم يعتبره الشارع فهم قد أخطئوا في الصغرى في بعض الموارد فلا معنى للرجوع إليهم، فإطلاقهم لفظ «المدّعي» على‌

____________

(1) الدروس: 2/ 83 و ليس فيه كلمه «تظهر».

(2) مسالك الأفهام: 14/ 60.

829

بعض الأشخاص مبنيّ على زعم فاسد. و نظير هذا أنّ أهل العرف لا يطلقون على الدم الخارج بعد الخمسين أنّه حيض و لو كان بأوصاف دم الحيض لأنّ اعتقادهم أنّ الرحم ينقطع عنها الدم المذكور بعد الخمسين و لكنّ الشارع حكم و أخبر بأنّ الدم الخارج من القرشيّات إذا كان بوصف دم الحيض بعد الخمسين أيضاً حيض و ليس لنا بعده الحكم بعدم ترتيب أحكام دم الحيض عليه من جهة عدم مساعدة العرف على إطلاق دم الحيض، أو نقول بأنّه ملحق بدم الحيض في الحكم بل نستكشف من بيان الشارع أنّ الدم الخارج بعد الخمسين أيضاً يمكن أن يكون حيضاً فيترتّب عليه أحكامه إذا كان بأوصافه من حيث كونه هو. و نظير ذلك حكم الشارع بحصول الافتراق بخطوة في باب خيار المجلس في معنى قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1) مع عدم صدق الافتراق عرفاً على الخطوة. و بما ذكرنا ينطبق (2) التعليل الوارد في جملة من الأخبار لإيجاب اليمين بقوله: «لأنّه جاحد» (3) أمّا فيما إذا كان المنكر موافقاً لأصل العدم فظاهر، و أمّا إذا كان قوله موافقاً للظاهر المعتبر شرعاً فلأنّ من يدّعي خلاف الظاهر المعتبر فيدّعي أمراً خارجاً عارضاً يجحده الطرف المقابل، فهو أيضاً جاحد بهذا المعنى، و هذا بخلاف ما لو عمّمنا الظاهر بالظاهر الغير المعتبر فإنّه يلزمه انتقاض عموم التعليل فإنّ من يدّعي أمراً خلاف الظاهر الغير المعتبر لا يدّعي أمراً خارجاً عارضاً حكم شرعاً بعدمه بل يدّعي ما هو موافق للأصل الشرعي المقابل للظاهر الغير المعتبر، فلا يكون من يدّعي على وفق الظاهر في الفرض جاحداً مع أنّك توجب اليمين عليه بمقتضى قوله: «اليمين على من‌

____________

(1) الكافي: 5/ 170؛ تهذيب الأحكام: 7/ 20؛ وسائل الشيعة: 18/ 6.

(2) ينطق، خ ل.

(3) راجع علل الشرائع: 2/ 542؛ وسائل الشيعة: 27/ 235، و فيهما: «لأنّ المدّعى عليه جاحد».

830

أنكر» (1) المساوق للجحود، فالرواية من الأدلّة على ما ذكرنا. هذا ملخص ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه.

و هو مشتبه المراد فإنْ أراد منه أنّ بعد علم أهل العرف بعدم اعتبار الظاهر عند الشارع لا يطلقون على من كان قوله مخالفاً له أنّه مدّع كما يطلقون دم الحيض على الدم الخارج بعد الخمسين إذا كان بأوصافه بعد الاطّلاع على قابلية صيرورة الدم حيضاً بعده بإخبار الشارع بها، كما يطلقون الافتراق على التفرّق بالخطوة بعد إخبار الشارع بحصوله بها من حيث رجوعه إلى الإخبار عن الفرد الخفي.

ففيه: أنّ هذا الكلام على هذا التقدير حسن متعيّن (2) لكنّ الكلام في أصل المبنى، لأنّ إطلاق أهل العرف المدّعي على من كان قوله مخالفاً للظاهر ليس من جهة بنائهم على اعتباره عند الشارع حتّى يوجب علمهم بعدم اعتباره ردعهم عن البناء المذكور بل من جهة بنائهم على الاعتبار مع قطع النظر عن الشارع، فإنّ كثيراً من البناءات العرفية بل جميع بناءاتهم من حيث هم أهل العرف لا دخل لها بالشرع، فالصدق موجود بعد ملاحظة عدم اعتبار الظهور عند الشارع أيضاً.

و منه يظهر أنّه لا دخل لما نحن فيه بمسألة دم الحيض و نحوها، فإنّ بناء أهل العرف على عدم إطلاق دم الحيض على الدم الخارج بعد الخمسين إنّما هو من جهة اعتقادهم الفاسد بأنّ الدم الخارج بعده لا يكون حيضاً في الواقع أبداً، و بعد إخبار الشارع يعلمون بخطئهم في هذا الاعتقاد و أنّه كان جهلًا مركّباً، و هذا بخلاف ما نحن فيه فإنّه لا واقعية لمعنى المدّعي عرفاً إلّا ما يطلق عليه العرف أنّه المدّعي، و لا واقعية لاعتبار الظهور المعتبر عندهم إلّا بناؤهم على اعتباره، فأين هذا من حديث‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 244 و 453، 2/ 258 و 345، 3/ 523؛ وسائل الشيعة: 27/ 293.

(2) متين، خ ل.

831

العلم بالخطإ و كشف الخطأ؟.

و إنْ أراد منه أنّه و إن كان يطلق عرفاً على من كان قوله مخالفاً للظاهر الغير المعتبر شرعاً أنّه مدّع بعد اطّلاع أهل العرف على عدم الاعتبار الشرعي و لكنّ المتّبع ليس إطلاقهم، فهذا خروج عن فرض تعلّق الحكم بالموضوع العرفي.

و أمّا الاستدلال على ما صار إليه بقوله: «لأنّه جاحد» ففيه أنّا نلتزم بصدق الجحود في كلّ مورد صدق المنكر عرفاً و لو كان على خلافه أصل معتبر شرعاً مع أنّه لا فرق عند التحقيق بين الظاهر المعتبر و غيره في هذا المعنى. و ما ذكره في بيان الفرق لا يصلح فارقاً، فتأمّل. هذا، مضافاً إلى انتقاض ما ذكره أيضاً بمدّعي الإعسار، فإنّ قوله مخالف للأصل لو كان مسبوقاً باليسار مع أنّه لا يُترك لو ترك كما لا يخفى. و من هنا جعله بعض المحقّقين (1) من موارد افتراق التعريف الأوّل و الرابع، فتأمّل.

فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ الحقّ ما ذكره جماعة ممّن سبقنا من الأساطين من أنّ المرجع هو العرف، فكلّ من أطلقوا عليه المدّعي يحكم عليه بما هو وظيفته شرعاً، سواء كان قوله موافقاً للأصل و الظاهر، أو مخالفاً لهما، أو موافقاً لأحدهما مخالفاً للآخر على ما هو الشأن في سائر الالفاظ الواردة في كلام الشارع، و إنْ كان ما ذكره الأستاد العلّامة في بيان الضابطة لتشخيص الصغريات العرفية مورد تخلفه في غاية القلّة، و اللّٰه العالم.

____________

(1) في هامش المخطوطة: «شيخ جعفر في حاشية شرح لمعة».

832

[شرائط المدعي]

قوله: «و يشترط فيه البلوغ، و العقل، و أن يدّعي لنفسه، أو لِمن له ولاية الدعوى عنه» (1) الخ (1).

____________

أقول: المراد من الادّعاء للنفس هو عود فائدة الدعوى إلى نفسه و إن كان من جهة تعلّق حقّ بالمدّعَى به للمدّعي، فيشمل دعوى الغرماء للميّت أو الوارث له بناءً على القول بعدم انتقال التركة مع تعلّق الدين بها إليهم. و كذا يشمل دعوى المرتهن و نحوه و إنْ كانت في هذه الموارد مثبتة لمال الغير [للمال للغير].

و منه يظهر اندفاع ما أورد على المصنّف من خروج كثير ممّن تسمع دعواهم عن العبارة، و لا يحتاج في إدخاله إلى ارتكاب تجشّم جعل الولاية أعمّ ليشملها.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 893.

833

[اشتراط اللزوم في الدعوى]

قوله: «و لا بدّ من كون الدعوى صحيحة لازمة، فلو ادّعى هبةً لم تسمع حتّى يدّعي الإقباض» (1) الخ (1).

____________

أقول: الوجه في اشتراط اللزوم في الدعوى ظاهر كما أنّ الوجه في اشتراط الصحّة أظهر، لأنّه لو لا اللزوم لم تتوجّه إلى من يريد الدعوى معه، فاشتراطه من جهة توقّف تحقّق مفهوم الدعوى عليه فلا تسمع دعوى شخص على شخص: (إنّه قد باعني ملك فلان فضولًا و قبلت)، لأنّه لا دعوى له عليه أصلًا. و كذا لا تسمع دعوى الهبة و الرهن و الوقف بدون ادّعاء القبض، بناءً على كونه شرطاً في الصحّة لما ذكر من الوجه من عدم توجّه الدعاوى المزبورة على أحد، هذا.

و قد يقال بعدم الاحتياج إلى ادّعاء القبض في سماع دعوى هذه الأمور من وجوه

لا تنافي اشتراط اللزوم في الدعوى أصلًا بل تقتضي وجود الشرط بدون ذكر القيد:

أحدها: أنّ إطلاقها ينصرف إلى الصحيح

فلا يحتاج إلى ذكر ما يعتبر في صحّتها، فدعوى الهبة المطلقة كدعوى الهبة الصحيحة.

و فيه: أنّ دعوى الهبة الصحيحة أيضاً لا تنفع ما لم يدّع الإقباض، لأنّ صحّة الهبة في نفسها لا تقتضي تحقّق الإقباض، كما سيأتي الكلام فيه. و منه يظهر ما ذكره المحقّق الأردبيلي (2) من سماع دعوى الهبة الصحيحة.

ثانيها: أنّها محمولة على الصحيح لكونه الأصل في فعل المسلم.

و الفرق بينه‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 893 894.

(2) راجع مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 116 117.

834

و الوجه السابق ظاهر.

و فيه ما لا يخفى على من له أدنى تأمّل، لأنّ صحّة بعض ما يعتبر في وقوع الشي‌ء لا تقتضي انضمام سائر ما يعتبر فيه إليه لأنّ الجزء في مرتبة جزئيته صحيح و إنْ لم ينضمّ إليه سائر الأجزاء و الشرائط المعتبرة في وقوع الشي‌ء، فالقطع بصحّته يجتمع مع القطع بعدم الانضمام، فلا فائدة في أصالة الصحّة بالنسبة إليه بل لا تجري أصلًا فصحّته في نفسه مع القطع بها لا تقتضي للحكم بوجود الشي‌ء على ما هو عليه مع الشك في انضمام سائر الأجزاء. و إجراء أصالة الصحّة في نفسه مع الشك في تحقّقه ممّا تضحك به الثكلى و هذا أمر واضح لا سترة فيه أصلًا قد فصّلنا القول فيه غير مرة في الأصول و الفروع. و به أبطلنا ما ذهب إليه جماعة في الأصول من التمسّك بأصالة الصحّة في إثبات صحّة العمل بعد الشكّ في مانعية الطاري، و ما قال به جمع في الفروع من كفاية غسل المسلم للشي‌ء المتنجّس مع الشك في أنّ الواقع منه هو الغسل الشرعي أو غيره بأصالة الصحّة في فعل المسلم. وجه الإبطال في الأوّل ظاهر، و أمّا في الثاني فلأنّ صحّة ما وقع من المسلم في الخارج من الغسل لا تقتضي لوجود ما يعتبر في ارتفاع النجاسة من التعدّد و العصر كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر فساد ما ذكره في المسالك حيث قال: «و قد يقال في الموضعين: إنّ القبض إذا كان شرطاً في صحّة الهبة و الرهن فإطلاقهما محمول على الصحيح كغيرهما من العقود» ثمّ قال: «و إنّما يتوجّه التفصيل حيث يجعل القبض شرطاً في اللزوم ليجعل إطلاقهما صحيحين، أعمّ من المقبوض و غيره» (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

وجه الفساد: أنّ الحمل على الصحيح بل القطع بالصحّة لا يقتضي سماع دعوى الهبة مثلًا من دون ادّعاء القبض، لأنّ صحّة الهبة التي من فعل الواهب في نفسها لا‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 62.

835

تقتضي تحقّق القبض، كيف؟ و لو اقتضى صحّتها بالمعنى المذكور تحقّق القبض لا بدّ من أنْ يحكم بأنّ من ادّعى: (أنّي وهبت مالي و لم أقبض)، فهو مدّع، لكونه مدّعياً لفساد الهبة، و من يدّعي خلافه فهو منكر لكونه مدّعياً لصحّة الهبة مع أنّ الخصم و غيره من الأصحاب قد صرّحوا بكون الأوّل منكراً و الثاني مدّعياً.

ثمّ إنّ ما ذكره من توجّه التفصيل على تقدير كون القبض شرطاً في اللزوم لم نتحقّق معناه، لأنّ المراد من اللزوم في الدعوى كونها بحيث تتوجّه على المدّعَى عليه، لا ما يلزم عليه شي‌ء فعلًا، و على تقديره أيضاً يمكن ادّعاء حصوله في المقام، لأنّ دعوى سبب الملك كدعوى الملكية عرفاً، فتأمّل.

و من هنا يظهر فساد ما ذكره في الدروس حيث قال: «و كلّ دعوى ملزمة معلومة فهي مسموعة، فلا تسمع دعوى الهبة من دون الإقباض، و كذا الرهن عند من شرطه فيهما و كذا البيع من دون قوله: و يلزمك تسليمه إليّ، لجواز الفسخ بخيار المجلس» (1) انتهى كلامه فإنّ اشتراط دعوى لزوم التسليم ممّا لا دليل عليه أصلًا كما لا يخفى.

هذا، مع أنّه ينافي ما استقرّ عليه رأيه في الكتاب من عدم اشتراط دعوى عدم وجود المفسد في صحّة دعوى البيع مع أنّ عدم اشتراط دعوى الأوّل أولى منها، لأنّ الفسخ على تقدير وجوده من قبيل الرافع و المفسد من قبيل الدافع. هكذا ذكره الأستاد العلّامة. ثمّ إنّ مفروض الكلام فيما ذكره إنّما هو إذا حصل الافتراق و احتمل الفسخ حين عدمه، و أمّا إذا كان المجلس باقياً و لم يتفرّقا منه فنفس إنكار المنكر للبيع فسخ له، فتأمّل.

ثالثها: ما ذكره الأستاد العلّامة في خارج مجلس البحث من إمكان أنْ يدّعى عدم اشتراط دعوى حصول القبض في سماع دعوى الهبة و نحوها

من حيث‌

____________

(1) الدروس: 2/ 83. و فيه «و كذا الرهن عند مشترطه» بدل «و كذا الرهن عند من شرطه».

836

إنّ دعوى الهبة في العرف كدعوى البيع ليس المراد منه مجرّد الإيجاب الّذي هو فعل الموجب، بل المراد هو خروج المال عن ملك البائع و الواهب كما يقال: (فلان باع ماله)، فإنّه ليس المراد منه مجرّد إيجاده سبب النقل و إن لم يحصل نقل و خروج المال عن ملكه بل المراد منه هو نقل ماله إلى غيره بحيث يستلزمه الخروج عن ملكه. و كذا في قولهم: (فلان وهب ماله)، فيمكن أنْ يقال بالنظر إلى هذه الملاحظة إنّ سماع دعوى الهبة غير مشروط بدعوى الإقباض، كيف و لو لم يكن الدعوى المذكورة منصرفة إلى ما ذكرنا بل كان معناها مجرّد دعوى الايجاب أو مردّدة بينهما للزم اشتراط دعوى تحقّق القبول أيضاً، لأنّ مجرّد صحّة الإيجاب في مرتبته لا يتوقّف على تحقّق القبول أيضاً.

اللّهم إلّا أنْ يقال: إنّ دعوى الهبة من المدّعي متضمّنة لدعوى القبول أيضاً كما لا يخفى، فلا يرد نقض أصلًا، هذا.

و يمكن أنْ يقال بالفرق بين البيع و الهبة فيما ذكره بعد اطّلاع العرف على اشتراط القبض في صحّة الهبة، فتأمّل.

ثمّ إنّه يمكن أنْ يكون مراد صاحب المسالك ممّا ذكره هو ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه بأنْ يكون مراده من حمل الإطلاق على الصحيح أي على الهبة المفيدة للملكيّة بدعوى انصراف اللفظ إليه، لكنّه ينافيه لفظ «الحمل» المذكور في كلامه.

837

[لو ادّعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود]

قوله: «و لو ادّعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود، و لا بيّنة» (1) الخ (1).

____________

أقول: الدعوى قد تتعلّق أوّلًا و بالذات بالمال، كدعوى زيد أنّ عمرواً مشغول ذمّته لي بألف دينار مثلًا، و هذا ممّا لا إشكال في سماعها سواء كان هناك بيّنة أو لا.

و قد تتعلّق بما هو المقصود منه المال كدعوى البيع و نحوه، و هذه أيضاً مثل الأولى و يطلق عليها دعوى المال عرفاً. و قد تتعلّق بما ينتفع منه المدّعي لا أنْ يكون في نفسه دعوى المال فتارة يريد إلزام الغير بما ينتفع به كما في دعوى الإقرار، و أخرى رفع الإلزام الوارد عليه من الغير لينتفع به كما في دعوى فسق الشهود و نحوها. و هذا الّذي ذكرنا ضابطة هذا القسم من الدعوى.

و ضابطة القسم الثاني أنْ يرجع الدعوى إلى نفي ميزان القضاء كدعوى فسق الشهود و نحوه، فإنّ هذه الدعوى ترجع إلى أنّ الحكم الواقع من الحاكم لم يكن على الوجه المعتبر من غير أنْ يكون له دخل بدعوى المال، و المشهور بينهم حسبما حكي عدم سماع هذه الدعوى بحيث يترتّب عليه جميع أحكامه من القضاء بالحلف أو بالنكول على القول به إذا لم يكن بيّنة للمدّعي، لأنّ المدّعَى به فيه ليس حقّاً لازماً و هو شرط في سماع الدعوى حسبما عرفت تفصيل القول فيه. نعم لو كان له بيّنة تسمع دعواه لعموم ما دلّ على اعتبارها.

ثمّ إنّهم ذكروا له أمثلة: منها دعوى المنكر فسق الحاكم أو الشهود مع ادّعاء علم المشهود له.

و منها دعوى المنكر كذب الشهود في شهادتهم.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 894.

838

..........

____________

و منها دعواه على الحاكم القضاء بالجور عليه.

و منها دعوى شخص على شخص إقراره بمال له.

و استشكل الأستاد العلّامة دام ظلّه في عدّ جميعها مثالًا لما نحن فيه و ذكر أنّ جملة منها كدعوى كذب الشهود و جور الحاكم و فسقه، لا دخل لها بالمقام بل تكون من قبيل دعوى المال لأنّ معنى دعوى كذب الشهود دعوى اتلافهم عليه ماله فيكون المقصود منه المال و هو التغريم، فالدعوى راجعة إلى دعوى سبب المال.

و كذا دعوى جور الحاكم في حكمه فإنّ مرجعها إلى دعوى إتلاف الحاكم فيريد المال إمّا منه أو من بيت المال. هذا كلّه إذا كان دعواه في المثال الأوّل على الشهود و في المثالين الأخيرين على الحاكم. و أمّا إذا كانت على المدّعي فلا معنى لسماعها في الأوّل، لأنّ مرجعها إلى دعوى كذب المدّعي و هي معنى إنكاره لدعوى المدّعي، فلو سمعت لزم الدور أو التسلسل هكذا ذكره الاستاد العلّامة و دخلت في أمثلة الفرض في الأخيرين، و سيجي‌ء حكمه. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه.

و الفرق بين دعوى فسق الحاكم و فسق الشهود

أنّ الثانية لا توجب تغريماً على الشهود و لا يتوجّه إليهم أصلًا حتّى مع البيّنة، و إنّما يتوجّه على المدّعي من حيث رجوعها إلى دعوى الجرح و عدم وجود الميزان الشرعي للحكم. و من هنا يتوجّه التفصيل في سماعها على المدّعي أيضاً لو قلنا بسماع الدعوى فيما يتعلق بغير المال بل بما يعود نفعه إلى المدّعي بين ما إذا كانت قبل الحكم فتسمع و بعده فلا تسمع إلّا إذا كان الحكم على الغائب، لأنّه على حجّته، لأنّ دعوى الجرح مع البيّنة لا تسمع بعد الحكم فضلًا عن سماعها بدونها. و الوجه فيه سقوط حقّ الجرح بعد الحكم إلّا إذا كان المنكر غائباً و كلامنا في سماع الدعوى بدون البيّنة فيما تسمع معها، هذا.

و لكن مقتضى ما ذكره المصنف و جمع فيما سيجي‌ء في باب الشهادات سماع‌

839

دعوى الجرح بعد الحكم أيضاً و قد مرّ إليه الاشارة أيضاً في طيّ كلماتنا السابقة، و عليه لا فرق في حكم الدعوى المذكورة بين قبل الحكم و بعده، لكنّه بمعزل عن التحقيق لما عرفت من الوجه و سوف نتكلّم فيه إن شاء اللّٰه بعد.

هذا كلّه بالنسبة إلى غير دعوى الإقرار، و أمّا هي فقد صرّح الأستاد العلّامة بدخولها في الفرض، لأنّها في نفسها ليست دعوى المال أصلًا و سيجي‌ء بعض الكلام عليه منّا عن قريب.

إذا عرفت ذلك فنقول: مقتضى كلمات جماعة سماع الدعوى في هذا القسم، لما دلّ عموماً على أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر (1). و لكنّك قد عرفت أنّ مقتضى كلمات آخرين عدم سماع الدعوى في الصورة بدون البيّنة لما عرفت من اشتراط اللزوم في الدعوى، و لبعض الأخبار المخصّصة لتلك العمومات، كقوله:

«استخراج الحقوق بأربعة» (2) فتدلّ على اختصاص اليمين بما إذا كان هناك استخراج للحقّ و معلوم أنّ المقام ليس منه فيخرج به عن العمومات، ذكره الأستاد في مجلس البحث و لم أر مِن الأصحاب من ذكره أو أشار إليه في كلامه. هذا.

و لكن مقتضى التحقيق المصير إلى الأوّل لِما عرفت من العمومات، و ما ذكره مخصّصاً لها لا يصلح له.

أمّا الأوّل، فلأنّ اللزوم في المقام أيضاً متحقّق، حيث إنّ اللزوم ليس معناه كون الدعوى مالًا حسبما عرفت في المراد منه، كيف؟ و لو كان عدم السماع من جهة عدم اللزوم في الدعوى لم تسمع و لو مع البيّنة كما لا يخفى، و المفروض الاتّفاق على السماع معها.

____________

(1) راجع الكافي: 7/ 415 (باب ان البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه)؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 66؛ وسائل الشيعة: 27/ 233.

(2) الكافي: 7/ 416؛ وسائل الشيعة: 27/ 242 و 271.

840

و أمّا الثاني، فأمّا أوّلًا: فلأنّك قد عرفت سابقاً أنّ المراد من الأربعة المستخرجة للحقّ غير يمين المنكر، ضرورة أنّها لا تخرج حقّاً أصلًا و إنّما فائدتها رفع الدعوى فيه (1) فلا ربط لحديث الاستخراج و عدمه بالمقام، و ذكر الأستاد العلّامة في خارج مجلس البحث بأنّ الاستدلال بها يتمّ على تقدير كون المراد من الأربعة غير يمين المنكر أيضاً، لأنّ المقصود من سماعها بدون البيّنة ترتيب جميع آثار السماع عليه من استحلاف المنكر، أو القضاء عليه بمجرّد النكول، أو بعد ردّ اليمين، و اليمين المردودة من المستخرجات، هذا. و لكن يمكن الالتزام بالتفكيك بين توجّه اليمين و توجّه غيرها كما في دعوى الولي من دون بيّنة و أشباهها، فتأمّل.

و أمّا ثانياً: فلأنّ الرواية غير منافية للعمومات على فرض تسليم كون يمين المنكر من الأربعة، لأنّها تدلّ على أنّ استخراج كلّ حقّ لا بدّ أنْ يكون بأربعة لا أنّ الأربعة لا تعتبر إلّا في استخراج الحقّ، كيف؟ و لو دلّت على ذلك للزم الحكم بعد سماع الدعوى في الفرض مع البيّنة أيضاً، لأنّها كما تخصّص عمومات اليمين كذلك تخصّص عمومات البيّنة أيضاً، فلا بدّ من القول بعدم كون المراد منها التخصيص، فيسقط الاستدلال بها على المدّعَى. هذا، مع أنّها أخصّ من المدّعَى، لأنّها لا تجري في جميع صور الفرض و أمثلته كما في دعوى الإقرار، فإنّها ترجع إلى دعوى الحقّ عرفاً لمقتضى إقرار المقرّ له.

و بعبارة أخرى، الإقرار و إنْ لم يكن سبباً للمال و الحقّ كما في البيع و شبهه، إلّا أنّه طريق ظاهري للمقرّ له و غيره إلى ثبوت الحقّ، فدعواه دعوى اشتغال الذمّة الظاهري. و كذلك دعوى فسق الشهود أو الحاكم على المدّعي في بعض الصور ترجع إلى دعوى الحقّ، كما إذا فرض أخذ المدّعَى به من المنكر فيدّعي عدم الميزان أو فسق الحاكم حتّى يأخذ ماله. اللّهم إلّا أنْ يقال: إنّ البناء على ذلك‌

____________

(1) عنه، خ ل.

841

يوجب خروج ما ذكر من الدعاوى عن الفرض و كلامنا على فرض دخوله فيه.

فتأمّل هذا. نعم، يمكن أنْ يقال بعد تسليم الدليل عموماً على اعتبار البيّنة غير عمومات القضاء: إنّ ما دلّ على اعتبار اليمين و كونها حجّة المنكر منصرف إلى غير الصورة، فتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر.

ثمّ إنّه قد يستدلّ لعدم سماع دعوى فسق الشهود من غير بيّنة بأنّه لو بني على سماعها لزم عدم إقدام أكثر النّاس على الشهادة فيلزم تعطيل الحقوق منه، و لا يخفى عليك أنّ الملازمة غير ظاهرة، و اللّٰه العالم بحقائق الأمور.

842

[التوصّل إلى الحقّ]

قوله: «في التوصّل إلى الحقّ، فمن كانت دعواه عيناً في يد إنسان، فله انتزاعها» الخ (1).

____________

أقول: لمّا فرغ المصنّف من تعريف المدّعي و المنكر شرع في بيان ما يحتاج فيه إلى رفع دعواه إلى الحاكم و عدم استقلاله بأخذ ما يدّعيه، و ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، فمجمل القول في المقام أنّ الحقّ إمّا أنْ يكون عقوبة كالقصاص و نحوه، و إمّا أنْ يكون مالًا. و على الثاني لا يخلو إمّا أن يكون عيناً أو ديناً. و على الثاني لا يخلو إمّا أن يكون المدّعَى عليه منكراً أو مقرّاً. و على الأوّل لا يخلو إمّا أنْ يمكن له التوصّل بإثبات الحقّ عند الحاكم أو لا يمكن له ذلك، إمّا من جهة عدم البيّنة له، أو عدم إمكان إحضارها عند الحاكم، أو غير ذلك. و على الثاني لا يخلو إمّا أن يكون باذلًا أو ممتنعاً. فهذه الأقسام لا بدّ من التعرّض لحكمها.

فنقول:

أمّا لو كان الحقّ عقوبة،

فالذي عليه المشهور بل نفى عنه الخلاف في الكفاية (2) أنّه لا يجوز له الاستقلال بالاستيفاء، بل لا بدّ من رفع الأمر فيه إلى الحاكم على ما هو قضيّة نصبه عموماً لزجر النّاس و سياستهم، و أنّه ليس لغيره التعرّض لها من حيث كونها وظيفة له، مضافاً إلى عظم خطره و الاحتياط في إثباته.

و تنظّر فيه بعض مشايخنا المتأخّرين (3) بأنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على أنّ السلطان للولي و تسلّط النّاس على استيفاء حقوقهم، هو جواز استيفائه و عدم توقّفه‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 895.

(2) كفاية الأحكام: 275.

(3) جواهر الكلام: 40/ 387.

843

على الرفع إلى الحاكم. و أنت خبير بأنّ هذا الكلام على فرض تماميّته إنّما يتمّ بالنسبة إلى خصوص القصاص، و أمّا بالنسبة إلى ما يوجب الحدّ فلا، لما دلّ على كون إقامته من وظيفة الحكّام. هذا كلّه إذا كان الحقّ عقوبة.

و أمّا إذا كان مالًا،

فإنْ كان عيناً،

فالذي عليه المشهور أنّ له انتزاعها من يده إذا لم تثر فتنة و لو برفع الأمر إلى حاكم الجور، لأنّه قضيّة سلطنته على ماله، و لا يجوز له ذلك إذا لم يكن كذلك بل يجب عليه رفع الأمر إلى الحاكم، لأنّه قضيّة نصبه فإنّه من جهة رفع ما يوجب الفتنة بين النّاس.

و قد خالف في ذلك بعض مشايخنا المتأخّرين فذهب إلى جواز انتزاعها في صورة إثارة الفتنة ما لم يؤدّ إلى تلف الأنفس و غيره من وجوه الفساد، حيث قال في شرح قول المصنّف: ما لم تثر فتنة: «بل و إن ثارت فتنة ما لم تصل إلى حدّ وجوب الكفّ عن الحقّ له لترتّب تلف الأنفس و الأموال و غيره من الفساد الّذي يمكن دعوى العلم من مذاق الشّرع بعدم جواز فعل ما يترتّب عليه ذلك و ان كان مباحاً في نفسه أو مستحبّاً بل [أو] واجباً» (1) انتهى ما أردنا نقله.

و ذكر الأستاد العلّامة أنّ ما ذكره (قدس سره) في غاية الفساد و ذكر في وجهه ما حاصله:

إنّ لنا عنوانين: أحدهما: أنّ من وجد عين ماله في يد إنسان لا ينكر كونه مالًا له أصلًا بأنْ أخذ منه غصباً أو سرقة أو غيرهما، فله أن ينتزعها منه، و لو ثارت فتنة و لو بتلف مال الآخذ أو نفسه في بعض الوجوه على التفصيل المذكور في محلّه ما لم تثر إلى ما لا يجوز معه ذلك من خوف تلف نفسه أو ماله بما هو أعظم ممّا يريد انتزاعه أو غير ذلك. و هذا أمر لا ينكره أحد و لا يرتاب فيه، لكنّه لا دخل له بالمقام و لا ربط له بمسألة المدّعي و المنكر أصلًا بل هو من شقوق الدفاع عن المال الّذي اتّفقت‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 387.

844

كلمتهم فيه على الجواز و لو ثارت فتنة. و دلّ عليه جملة من الأخبار من الأئمّة الأخيار و النبي المختار (صلى الله عليه و آله)، لأنّه ليس مختصّاً بالمنع عن أخذ من يريد أخذ المال، بل يشمل رفع يد الآخذ عن المال أيضاً و لو سلّم عدم شموله له موضوعاً فلا ريب في شمول حكمه له.

ثانيهما: أنّ من ادّعى عيناً في يد غيره مع إنكاره كونها له فهل يجوز له انتزاعها منه أم لا؟ و لا إشكال في أنّ المتعيّن على هذا الفرض رفع الأمر إلى الحاكم لو أوجب الانتزاع من يده فتنة لكونه قضيّة نصبه. نعم، لا إشكال في جواز أخذه حقّه بسرقة أو غيرها لكن أخذها منه علانية و جهاراً و انتزاعها من يده مشروط بعدم إثارة الفتنة.

فتبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ ما ذكره لا دخل له بالمقام حيث إنّ ما فرضه على ما ينادي به شرحه لقول المصنّف «فمن كانت دعواه عيناً في يد انسان» بقوله:

معترف بها أو معلوم حالها إنّما هو في العنوان الأوّل، و ما ذكره القوم إنّما هو في العنوان الثاني، فما ذكره لا ورود له على أحد و لا ربط له بالمقام أصلًا، فإنّ كلماتهم تنادي بأعلى صوت باختصاص ما ذكروه في الفرض الثاني. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة في الردّ عليه.

و قد سبقه إلى ذلك الكلام و وافقه في الجملة بعض سادة الفحول (1) فيما علّقه على القواعد، حيث قال بعد قول المصنّف: «ما لم تثر فتنة» ما هذا لفظه: «قيّد بعدم إثارة الفتنة كما في الشرائع (2) و الدروس (3) و قال في الإرشاد: «مع انتفاء الضرر» (4)، و قال‌

____________

(1) في هامش المخطوطة: «سيّد جواد».

(2) شرائع الإسلام: 4/ 895.

(3) الدروس: 2/ 85.

(4) إرشاد الأذهان: 2/ 142.