كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
845

في المجمع: «ما لم يحصل معه أمر غير مشروع كنقب داره و التصرّف في ماله و ضربه و شتمه» (1) ثمّ بعّد ذلك جواز التصرّف في ماله بغير إذنه مثل دخول داره بشرط عدم تضرّره لهتك عرضه. و نحن نقول: الحقّ ما ذكره المصنّف من عدم إثارة الفتنة، و المراد بالفتنة، الفتنة المؤدّية إلى الجناية على النفوس أو الأطراف أو إتلاف الأموال.

و بالجملة، ما يستلزم إلقاء العداوة بين القبائل لا ما يكون الفرد (2) خاصّاً به بل شاملًا له و لغيره، أمّا ما استلزم تمزيق ثياب أو ضرباً أو شتماً أو كسر قفل أو باب أو نحو ذلك و إن عظم ما لم يثر فتنة إمّا لعدم التأثير له، أو لعلمه بأنّ ذلك ممّا لا يثير في الواقع، فإنّه يجوز الانتزاع و إن أدّى إلى ذلك، لأنّه هو الّذي أدخل ذلك على نفسه. و لا فرق في ذلك بين أنْ يكون أذن له الحاكم أم لم يأذن، و لا بين أنْ لا يكون رفعه إليه أو رفعه ثبت عنده أو لم يثبت» انتهى كلامه.

و أنت خبير بأنّ ما ذكره موافق لما ذكره شيخنا المتقدّم (3) ذكره من جواز انتزاع عين المال ما لم يثر فتنة عظيمة كتلف الأنفس و الأموال الخطيرة و إن أثار فتنة في الجملة، و إنْ خالفه في جعل المراد من الفتنة في كلام القوم هو ما ذكره، فإنّ ظاهر ما ذكره شيخنا المتقدّم كما لا يخفى على من أعطاه حقّ النظر من جواز الانتزاع و لو في صورة إثارة الفتنة في الجملة، إيراد على التقييد الّذي ذكره القوم لا تفسير لما ذكروه، فما ذكره السيّد السند أفحش عمّا ذكره، لأنّه فاسد من جهتين.

و بالجملة، لا ريب في أنّ المراد من الفتنة في كلامهم ليس هو خصوص الفتنة العظيمة مثل ما يوجب إلقاء العداوة بين القبائل، بل يشمل أوّل مراتبها كالمضاربة‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 97 مع اختلاف يسير.

(2) الضرر، خ ل.

(3) و هو صاحب الجواهر في الجواهر: 40/ 387.

846

و نحوها. و أيضاً لا ريب في أنّ كلامهم ليس في مقام بيان حكم مطلق من وجد ماله في يد غيره و لو كان غاصباً أو سارقاً أو ناهباً حتّى يرد عليهم بأنّ التقييد بعدم إثارة مطلق الفتنة ممّا لا معنى له، بل كلامهم في مقام بيان حكم مورد الترافع و التداعي، و قد سبقهما فيما ذكراه مِن جعلهما كلام القوم مختصّاً بصورة معلوميّة المال أو اعتراف من في يده المال بعض شرّاح الإرشاد حسبما حكاه الأستاد العلّامة عنه، حيث علّل جواز الانتزاع بأنّه أمر بالمعروف و المالك أولى به. هذا كلّه في بيان المراد ممّا ذكره القوم من حديث إثارة الفتنة.

و أمّا توضيح الكلام في حكم المقام فيقتضي بسطاً فنقول: إنّ ما قيل أو يقال في حكم المقام وجوه: أحدها: ما حكاه السيّد المتقدّم عن الإرشاد (1) من أنّه يجوز الانتزاع ما لم يوجب ضرراً، و ظاهره الضرر على الخصم، فلو أوجب ضرراً فلا يجوز له بل عليه رفع الأمر إلى الحاكم.

ثانيها: ما حكاه أيضاً عن شارحه المولى الأردبيلي (2) من أنّه يجوز ما لم يوجب فعلًا محرّماً و لو بفعل ما لا يدخل الضرر عليه، فالغاية هو لزوم الفعل المحرّم.

ثالثها: ما يظهر من ثاني المحقّقين في شرحه على القواعد (3) و من غيره في غيره من أنّه يجوز الانتزاع ما لم تثر فتنة و إن أوجب إدخال ضرر يسير على الخصم ككسر قفله و تمزيق ثيابه و نحو ذلك.

رابعها: ما ذهب إليه السيّد المتقدّم من جوازه و لو أوجب فتنة ما لم تصل إلى حدّ إلقاء العداوة بين القبائل.

____________

(1) إرشاد الأذهان: 2/ 142.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 97.

(3) لم نعثر عليه في جامع المقاصد.

847

و تحقيق الحقّ من هذه الأقوال يتوقّف على تصوير ما يتصوّر في المقام من الصور، فنقول: من يريد انتزاع ماله من يد خصمه فلا يخلو إمّا أن يمكن له رفع الأمر إلى الحاكم و إثبات حقّه عنده أو لا. و على الأوّل إمّا أن يستلزم رفعه إليه تأخيراً يوجب إدخال الضرر عليه أو لا يستلزم ذلك، سواء كان برفع القيد الأوّل أو الثاني. و على جميع التقادير إمّا أن ينكر خصمه عناداً أو عن اعتقاد كونه حقّاً له.

ثمّ إنّ الكلام في المقام فيما إذا لم يمكن أخذ العين خفية من دون استلزام شي‌ء من المفاسد الآتية، و إلّا فالمتعيّن هو كما لا يخفى وجهه.

فإن أمكن له رفع الأمر إلى الحاكم من دون ورود ضرر عليه بالتأخير أصلًا مع إمكان إثباته عنده كما هو الظاهر في فرض القوم و كان إنكار خصمه من غير عناد، فالذي هو قضيّة الأصل الأوّلي هو القول الثاني لعدم معارضة استنقاذ المال مع ما يقتضي الحرمة، لإمكان التوصّل به بالمقدّمة المباحة و هي رفع الأمر إلى الحاكم.

و ما يقتضي الخروج عنه ليس إلّا قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» (1) و فحوى قوله: «لَيّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه» (2) الوارد في الدين. و تقريب الاستدلال بالأوّل أنّ مقتضى إعطاء السلطنة بالمالك هو جواز أخذه ماله عن يد الغير و ان استلزم فعلًا محرّماً كالدخول في داره بغير إذنه مثلًا. و بالثاني ظاهر، فإنّه إذا دلّ على حلّية العقوبة و العرض في أخذ الدين فدلالته في العين على حليتهما أولى فضلًا عن دلالته على جواز فعل الحرام كالتصرّف في ماله. و في الأوّل تأمّل.

هذا كلّه فيما لا يوجب ضرراً على الخصم و إلّا فلا يجوز، لحكومة «لا ضرر» (3) على‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 222 و 457، 2/ 138، 3/ 208، بحار الأنوار: 2/ 272.

(2) عوالي اللئالي: 4/ 72.

(3) الكافي: 5/ 292 293؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 233؛ تهذيب الأحكام: 7/ 146؛ وسائل الشيعة: 25/ 428 429.

848

قوله: «النّاس مسلّطون».

و في الثاني منع، أمّا أوّلًا: فلأنّ غاية ما يستفاد من الحديث، حلّية عقاب الواجد المماطل في الجملة لكنّه لا إطلاق له بالنسبة إلى المعاقب و أنّه كلّ من تأتّى منه، فالقدر المتيقّن منه حاكم الشّرع. فهو نظير ما دلّ على أنّ من زنى أو سرق وجب إقامة الحدّ عليه في سكوته عن المقيم.

و يمكن أن يقال: إنّ هذا خلاف ما فهمه الأصحاب من الحديث، فإنّهم حكموا في مسألة الدين على جواز العقوبة للمدّعي أيضاً، فتأمّل.

و أمّا ثانياً: فلأنّه على فرض تسليم دلالته على الإطلاق نمنع صدق اللَّي على الخصم في الفرض، لأنّ المفروض اعتقاده بكون ما يدّعيه ماله.

و ممّا ذكرنا يمكن لك الإحاطة بأدلّة سائر الأقوال و الجواب عنها، فإنّ دليل القول الأوّل: «النّاس مسلّطون» مع قوله: «لا ضرر و لا ضرار» و دليل الباقي: «النّاس مسلّطون» و فحوى قوله: «لَيّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه» مع ملاحظة ما دلّ على وجوب ترك ما يوجب اختلال النظم، و قد عرفت الجواب عنها.

و إن أمكن له رفع الأمر إلى الحاكم لكن مع تأخير يوجب ضرراً على المدّعي فلا إشكال في جواز انتزاعه عنه إذا لم يدخل ضرراً عليه و إن أوجب تصرّفاً في ماله. و أمّا إذا أوجب ورود ضرر عليه و لو بكسر قفله و تمزيق ثيابه فالظاهر أيضاً جوازه لعدم وجوب تحمّل الضرر على النفس لدفع الضرر على الغير و هو بأخذه مال المدّعي قد أدخل الضرر على نفسه، فتأمّل. و على فرض القول بعدم تقدّم ضرر المدّعي فيبنى المسألة على مسألة تعارض الضررين فيرجع بعد التساقط إلى عموم:

«النّاس مسلّطون».

و إن لم يمكن رفع الأمر إلى الحاكم أو أمكن مع العجز عن إثباته، ففي جواز الانتزاع وجهان، أوجههما الجواز و الوجه فيه ظاهر، هذا. ثمّ إنّ الّذي ذكرنا في‌

849

الصورة و سابقتها إنّما هو فيما لم يثر الانتزاع فتنة بل كان موجباً لمجرّد الضرر على الخصم. و أمّا إذا أثار فتنة فالظاهر عدم جوازه سيّما في الأولى، بل له استنقاذ ماله خفية و لو استلزم ضرراً على الخصم، لأنّ الأمر بما يوجب الفتنة بين النّاس لا يجوز على الشارع، فتأمّل. هذا كلّه في صورة عدم كون إنكار الخصم على وجه العناد.

و أمّا لو كان إنكاره على وجه العناد باعتقاد المدّعي ففي جواز انتزاعه منه في جميع الصور و إن استلزم ضرراً، بل و إن استلزم فتنة مع التمكّن من رفع الأمر إلى الحاكم و إثبات الحقّ عنده و عدمه وجهان: من أنّ إلزامه برفع يده عن المال حينئذٍ إلزام على طبق مقتضى تكليفه لفرض كون إنكاره مبنيّاً على العناد، فيدخل في باب الأمر بالمعروف الّذي يجب على كلّ قادر، و إن لزم ضرر على المأمور بل و أزيد منه، فيصير كما لو اعترف بكونه مالًا للمدّعي. و من أنّه و إن كان إنكاره على سبيل العناد واقعاً و باعتقاده و اعتقاد المدّعي، لكنّه منكر صورةً فيجب رفع أمره إلى الحاكم لو تمكّن منه، لأنّه منصوب لرفع الخصومة سيّما فيما أثار الانتزاع فتنة.

نعم، لو لم يتمكّن من رفع الأمر إلى الحاكم، أو تمكّن مع عدم إمكان إثبات الحقّ عنده، أو تمكّن من ذلك مع لزوم تأخير يوجب ضرراً على المدّعي كفوت غرضه، توجّه القول بجواز انتزاعه منه و لو استلزم ضرراً عليه، بل لو استلزم فتنة في بعض الصور، مع تأمّل فيه.

و قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الحكم في صورة إنكار من في يده العين حسبما هو محلّ كلام القوم يختلف بحسب الصور. و أمّا لو أقرّ بأنّه مال المدّعي أو كان كونه مالًا له معلوماً كما في الغاصب و السارق فحكمه موكول إلى محلّه و الظاهر عدم الإشكال في جواز انتزاع المال عنه و لو استلزم فتنة ما لم تصل إلى أعلى مراتبها، و كلمتهم على ذلك متّفقة و الأدلّة الثلاثة أيضاً تدلّ عليه. هذا كلّه لو كانت الدعوى عيناً.

850

و أمّا لو كانت ديناً

فإن كان من في ذمّته المال مقرّاً باذلًا فلا إشكال في عدم جواز تقاصّه من ماله بل الإجماع عليه، لأنّ للغريم التخيير في جهات القضاء و المراد بالبذل هي الفورية العرفية التي ذكروا أنّها واجبة على المدين بعد مطالبة الدائن و هي تختلف بحسب المقامات فلو تخلّف عنها فهو ممتنع عرفاً. هكذا ذكره الأستاد العلّامة.

ثمّ إنّ هنا إشكالًا على عبارة المصنّف أورده ثاني الشهيدين في المسالك و هي قوله: «فلا يتعيّن الحقّ في شي‌ء» الخ (1). من أنّه: «لا مدخل للحاكم في ذلك أيضاً، لأنّ الفرض كونه باذلًا، و الحاكم إنّما يلي على الممتنع و من في معناه» (2) و أجاب عنه (قدس سره) في حاشيته منه بأنّ: «الوجه في ذكر هذا، مناسبته و اشتراكه مع الممتنع في أنْ ليس للغريم تعيينه أصلًا كأنّه قال: ليس للغريم في هذه الصورة تعيين، بل تعيينه للمقرّ الباذل كما أنّ في صورة امتناعه ليس له تعيينه، بل تعيينه للحاكم» (3) انتهى كلامه. و فيه تكلّف ظاهر.

و يستفاد من كلام بعض مشايخنا (4) جواب آخر و هو أنّ المراد من الامتناع ليس هو الامتناع عن الأداء، بل الامتناع عن تعيينه لمانع كحبس و مرض و نحوهما، فليس هذا خارجاً عن الفرض، هذا. و لا بدّ أن يجعل المراد من الباذل هو الباذل الشأني و إلّا فلا يستقيم كما لا يخفى.

و أجاب الأستاد العلّامة عن الإشكال بأنّ المصنّف لم يرد من هذه العبارة بيان حكم خصوص الغريم المذكور الّذي فرض باذلًا و إلّا لقال بدل «لأنّ الغريم» الخ‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 895.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 68.

(3) لم نعثره في حاشية الشرائع.

(4) جواهر الكلام: 40/ 388.

851

«لأنّه»، بل أراد من قوله: «فلا يتعيّن» الخ، الإشارة إلى كبرى كلّية و هي أنّه لا يتعيّن ما في الذمّة إذا كان للشخص غريم إلّا بتعيينه أو تعيين الحاكم مع امتناعه، فلم يرد منه بيان حكم خصوص الغريم الّذي في المقام حتّى يقال بأنّ فرض الامتناع ينافي فرض البذل. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه العالي.

و بنظري القاصر أنّ توجيه شيخنا المتقدّم أوجه من جهة موافقته لقول المصنّف قبل هذه العبارة «فلا يستقلّ من دون الحاكم» فإنّ الإشكال المذكور وارد عليه أيضاً، فإنّ إذن الحاكم لا دخل له بالفرض حسبما يستفاد من العبارة جواز أخذه بإذن الحاكم، فلا بدّ من أن يقال إنّ المراد من هذا القول حسبما وجّهه الأستاد أيضاً أنّه لا يستقلّ بدون إذن الحاكم و إن جاز له الأخذ مع إذنه في بعض الصور، كما في صورة تعذّر تعيينه من جهة غيبته و نحوها، و اللّٰه العالم.

و لو لم يكن باذلًا، أو كان جاحداً يمكن إثبات الحقّ في ذمّته برفع الأمر إلى الحاكم، ففي جواز الأخذ من ماله من دون إذن الحاكم و رفع الأمر إليه خلاف، المشهور كما قيل على الجواز، و ظاهر قضية جماعة منهم المصنّف في النافع (1) و الفخر في الإيضاح (2) المنع، و هو موافق للأصل، لأنّ قضيّة الأصل الأوّلي هو عدم جواز أخذه و التصرّف فيه و عدم صيرورته ملكاً له إلّا بإذن الحاكم. نعم، لو أذن فلا إشكال فيه، لأنّه وليّ الممتنع بالنصّ و الإجماع.

و منه يظهر فساد ما ذكره بعض المشايخ (3) من معارضة الأصل المذكور بأصالة عدم وجوب رفع الأمر إلى الحاكم. و هذا غريب منه، لأنّ وجوب رفع الأمر إلى الحاكم المشكوك فيه ليس وجوباً نفسيّاً يعاقب عليه حتّى يدفع بالأصل، بل هو‌

____________

(1) المختصر النافع: 276.

(2) راجع إيضاح الفوائد: 4/ 400.

(3) جواهر الكلام: 40/ 390.

852

على تقدير ثبوته وجوب شرطيّ، فالأصل فيه الاشتراط لأصالة عدم انتقال المال من ملك الغريم و عدم جواز التصرّف فيه إلّا بإذنه، و هذا ممّا لا سترة فيه أصلًا، إنّما الشأن في تحقّق دلالة ما ادّعوا دلالته على الجواز من الكتاب و السنة الحاكم على الأصل المذكور و عدمها.

فلنذكر أوّلًا جملة ممّا ادّعوا دلالتها، ثمّ نعقّبه بتحقيق ما يقتضيه النظر الصحيح و هو كثير، فمن الكتاب قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (1) و قوله تعالى: «وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ» 2 و قوله تعالى: «وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ» 3.

و من السنة قوله (صلى الله عليه و آله): «لَيّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه» 4 و قوله (صلى الله عليه و آله) بعد سؤال هند: «خُذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف» 5 و خبر جميل بن درّاج: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل [الرجل] يكون له على الرجل الدين فيجحده، فيظفر من [على] ماله بالقدر الّذي جحده، أ يأخذه و إن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم» 6.

و روايتا داود بن رزين، و ابن زربي ففي إحداهما: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أخالط السلطان فيكون عندي الجارية فيأخذونها و الدابة الفارة يبعثون [الفارهة فيبعثون] فيأخذونها، ثمّ يقع لهم عندي المال، فلي أن آخذه؟ فقال:

____________

(1) 1 و 2 البقرة (2): 194.

(2) 3 النحل (16): 126.

(3) 4 عوالي اللئالي: 4/ 72.

(4) 5 مسند أحمد: 6/ 39 و 50 و 206؛ سنن الدارمي: 2/ 159؛ صحيح البخاري: 6/ 193 و 8/ 115 116؛ سنن ابن ماجة: 2/ 769؛ سنن النسائي: 8/ 246 247؛ السنن الكبرى: 7/ 466 و 477 و 10/ 270.

(5) 6 الاستبصار: 3/ 51؛ تهذيب الأحكام: 6/ 349؛ وسائل الشيعة: 17/ 275.

853

خذ مثل ذلك و لا تزد عليه» (1) و في الأخرى: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أنا (2) أعامل قوماً فربّما أرسلوا إلي فأخذوا منّي الجارية و الدابة فذهبوا بهما منّي، ثمّ يدور لهم المال عندي فآخذ منه بقدر ما أخذوا مني؟ فقال (عليه السلام): خذ منهم بقدر ما أخذوا منك و لا تزد عليه» (3).

و خبر علي بن مهزيار (4) و صحيح أبي بكر: «قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني و حلف عليها، أ يجوز لي إن وقع له قِبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقّي؟

قال فقال: نعم، و لكن لهذا كلام. قلت: و ما هو؟ قال، تقول: اللّهم إنّي لا آخذه ظلماً و لا جناية [خيانة] و إنّما أخذته بمكان مالي الّذي أخذ منّي لم أزد عليه شيئاً» (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6).

و أجيب عنها بوجوه، أحدها: ما ذكره جماعة عن جملة منها كالنبوي الوارد في حكاية هند، و صحيحي داود بن رزين و ابن زربي، من أنّها إذن من النبي (صلى الله عليه و آله) و الوصي (عليه السلام) في الأخذ، و لا كلام في جواز الأخذ مع الإذن من السلطان، إنّما الكلام مع عدمه. و فيه: أنّ الظاهر منها كونها جواباً عن سؤال حكم المسألة لا إذناً في الأخذ.

ثانيها: ما ذكره بعض من أنّها معارضة بما دلّ على عدم جواز التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه أو إذن وليه المفروض إمكان تحصيله في المقام. و فيه ما لا يخفى على المتأمّل.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 6/ 338 و 347؛ وسائل الشيعة: 17/ 214 215 و 272.

(2) إنّي، خ ل.

(3) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 187؛ وسائل الشيعة: 17/ 272.

(4) الاستبصار: 3/ 52؛ تهذيب الأحكام: 6/ 349؛ وسائل الشيعة: 17/ 275.

(5) الاستبصار: 3/ 52؛ تهذيب الأحكام: 6/ 348؛ وسائل الشيعة: 17/ 273.

(6) راجع الكافي: 5/ 98؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 186؛ تهذيب الأحكام: 6/ 197 198.

854

ثالثها: ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه بالنسبة إلى جملة منها من أنّها واردة في بيان القضيّة المهملة و هي أنَّ المماطل يصحّ عقوبته، أمّا ان المعاقب من هو فليست في مقام بيانه أصلًا.

رابعها: ما ذكره دام ظلّه أيضاً بالنسبة إلى أكثرها من أنّها واردة في مورد الغالب و هو عدم إمكان رفع الأمر إلى حاكم الشّرع بحيث ينفع حكمه للمدّعي، لأنّ مجرّد رفع الأمر إليه مع عدم حكمه، أو حكمه مع عدم اعتناء الخصم به كما كان أكثريّاً في ذلك الزمان ممّا لا ينفع أصلًا كما لا يخفى، فلا إطلاق لتلك الأخبار حتّى ينفعنا في محلّ البحث و هو صورة إمكان إثبات الحكم عند حاكم الشّرع.

لا يقال: إنّ رفع الأمر إلى حاكم الشّرع و إن لم يمكن غالباً في ذلك الزمان بمعنى المرافعة و إحضار الخصم عنده لكون الزمان زمان التقيّة، إلّا أنّ الاستيذان منه في أخذ مقدار الحقّ كان ممكناً، لأنّ المبعوثين من الإمام (عليه السلام) كانوا موجودين في أكثر البلاد مع أنّه لا يتوقّف حصول الاستيذان عليه أيضاً.

لأنّا نقول: الإذن من الحاكم مع جهله بالحال كما في الأغلب لا يجوز، لأنّ السلطان وليّ الممتنع إذا علم بالامتناع. هكذا ذكره الأستاد في مجلس البحث.

و فيه نظر قد أشار إليه أيضاً في أثناء البحث، وجه النظر: أنّه لا مانع من إذن الحاكم بمعنى توكيله للمدّعي عموماً أو خصوصاً لأخذ مقدار الحقّ عن الممتنع الواقعي إذا علم به. هذا ملخّص ما ذكروه في الجواب عن الاستدلال بالأخبار.

و للتأمّل فيها مجال. و لا يبعد كون القول بالجواز أشبه و إن كان الأصل للمانعين. هذا كلّه فيما لو تمكّن من الوصول إلى حاكم الشّرع و إثبات الحقّ عنده أو الاستيذان منه. و أمّا لا مع ذلك فالظاهر بل المقطوع أنّه لا خلاف بين الأصحاب في جواز أخذه من ماله بقدر حقّه، و يدلّ عليه ما تقدّم من الكتاب و السنة من دون تأمّل فيه.

و ينبغي التعرّض لأمور:

الأوّل: أنّه قد قيل يتصوّر البذل في الجاحد أيضاً،

فلا‌

855

يحتاج معه إلى إذن حاكم الشّرع بأنْ يقول للمدّعي: (إنّك لا تطلب منّي شيئاً و لكن لو تريد الأخذ من مالي فخذه)، هكذا قيل و في جريان حكم الباذل عليه تأمّل.

الثاني: أنّه قد اختلف كلماتهم في جواز التقاصّ لو كان المال وديعة عند المدّعي

بعد اتّفاقهم على جوازه في غيره، فعن أكثر المتأخّرين (1): نعم مع كراهة، جمعاً بين ما دلّ على الجواز من الأخبار الخاصّة المعتضدة بالعمومات، و ما دلّ بظاهره على المنع.

و عن جماعة من القدماء (2) لا، بل عن الغنية الإجماع عليه (3)، و مستندهم الأخبار الكثيرة المانعة، مثل خبر ابن سليمان بن خالد: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه فحلف، ثمّ وقع له عندي مال، فآخذه لمكان مالي الّذي أخذه و أجحده و أحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه و لا تدخل صناعته عليه» (4) و صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يكون لي قبله حقّ فجحدنيه ثمّ يستودعني مالًا، أ لي أنْ آخذه بدل ما عنده؟ قال: هذه الخيانة» (5) إلى غير ذلك من الأخبار.

و فيه: أنّ الظاهر منها كما لا يخفى على من أعطى حقّ النظر فيها الكراهة لا‌

____________

(1) راجع شرائع الإسلام: 4/ 896؛ قواعد الأحكام: 3/ 448؛ إيضاح الفوائد: 4/ 347؛ جواهر الكلام: 40/ 391؛ مسالك الأفهام: 14/ 71؛ كشف اللثام: 2/ 343؛ الروضة البهية: 3/ 242.

(2) النهاية: 307.

(3) غنية النزوع: 240.

(4) الكافي: 5/ 98؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 185 186؛ الاستبصار: 3/ 52؛ تهذيب الأحكام: 6/ 197 و 348؛ وسائل الشيعة: 17/ 274. و فيها: «و لا تدخل فيما عبته عليه» مع اختلافات يسيرة.

(5) الكافي: 5/ 98؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 186؛ تهذيب الأحكام: 6/ 197؛ وسائل الشيعة: 17/ 275 276. (مع اختلافات يسيرة فيها)

856

الحرمة، فلا تعارض ما دلّ من الأخبار على الجواز، مثل صحيح البقباق: «إنّ شهاباً ماراه (1) في رجل ذهب له بألف درهم و استودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك، فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فذكر ذلك له، فقال: أمّا أنا فأحب أن تأخذه و تحلف» (2) و خبر علي بن سلمان: «قال: كتبت إليه رجل غصب رجلًا مالًا، ثمّ وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه، أ يحلّ له حبسه عليه أم لا؟

فكتب (عليه السلام): نعم، يحلّ له ذلك إن كان بقدر حقّه، و إن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه و يسلم الباقي إليه إن شاء اللّٰه» (3).

و يؤيّد ما ذكرنا من كون النهي الوارد فيها للكراهة من جهة كونها خيانة صورة، فيكون النهي عنها من جهة التأكّد في حفظ الأمانة و عدم الخيانة، ما روي عن الصادق (عليه السلام) في خبر عبد اللّه بن إسماعيل: «أدّ الأمانة لمن ائتمنك و أراد منك النصيحة و لو أنّه [إلى] قاتل الحسين (عليه السلام)» (4) و ما روي عنه في خبر عمّار: «اعلم أنّ ضارب علي (عليه السلام) بالسيف و قاتله لو ائتمنني على سيف و استشارني ثمّ قبلت ذلك منه لأدّيت إليه أمانته» (5) إلى غير ذلك.

و العمدة في الجواب عن تلك الأخبار هو ما ذكرناه، لا ما ذكره الأكثر من أنّ قضيّة الجمع بينها و بين ما دلّ على الجواز هو الحمل على الكراهة، إذ لا دليل على‌

____________

(1) ماراه: جادله و نازعه.

(2) الاستبصار: 3/ 53؛ تهذيب الأحكام: 6/ 347؛ وسائل الشيعة: 17/ 272 273 مع اختلافات يسيرة.

(3) الاستبصار: 3/ 53؛ تهذيب الأحكام: 6/ 349؛ وسائل الشيعة: 17/ 275 مع اختلاف يسير.

(4) الكافي: 8/ 293؛ وسائل الشيعة: 19/ 73. و فيهما عن «اسماعيل بن عبد اللّه» بدل «عبد اللّه بن اسماعيل».

(5) تهذيب الأحكام: 6/ 351؛ و في الكافي: 5/ 133؛ و وسائل الشيعة: 19/ 74، مع اختلاف.

857

هذا الجمع بعد تسليم دلالة الأخبار على المنع، فليرجع إلى المرجّحات و الترجيح مع الأخبار المانعة لكثرتها، مضافاً إلى إمكان المناقشة في بعض الأخبار المجوّزة مثل الخبر الأوّل، فإنّ جواز المقاصّة بعد الحلف ممّا يكون العمل على خلافه مع دلالة أكثر الأخبار عليه أيضاً.

نعم لو قيل إنّ موافقة الأخبار المجوّزة للعمومات يكون من المرجّحات لها لم يكن فيه بُعد عن الصواب لو لم نقل بكونها مرجعاً بعد التكافؤ لا مرجّحاً لما يوافقها من المتعارضين.

الثالث: لا إشكال بل لا خلاف عندنا في جواز التقاصّ من غير الجنس

و إن لم يستأذن الحاكم فيما لا يشترط استيذانه، كما أنّه لا خلاف عند الجميع حتّى من العامة في جواز التقاصّ من الجنس، بل أقول إنّه ممّا لا يعقل الخلاف فيه بعد فرض مشروعيّة التقاصّ. و هل يجوز له بيع ما ظفر عليه من مال المالك سواء كان وديعة عنده، أو لا؟ و أخذ مقدار حقّه من ثمنه، أم لا؟ وجهان، أوجههما بالنظر إلى ما يظهر في ابتداء النظر من نصوص الباب هو الثاني، و لكن مقتضى التأمّل و النظر الدقيق فيها هو الأوّل، فإنّ المقصود منها جواز استخراج الدائن دينه من مال الغريم بأيّ وجه أمكن و لو ببيعه.

و إن شئت قلت: إنّ الشارع أقامه مقام المالك أو وليّه في مورد التقاصّ فيجوز له بيع ماله و أخذ حقّه منه، كما أنّه يجوز للحاكم بيع ماله قهراً عليه و له في كثير من الموارد. فالمقاصّ أيضاً وليّ له في الواقعة الخاصة، و لهذا عدّه جماعة من الأصحاب في عداد الأولياء، كالشهيدين في الدروس (1) و الروضة (2). فاندفع بذلك ما ربما يقال بل قيل من أنّ مقتضى القاعدة عدم صحّة بيع مال الغير من دون إذنه و إذن‌

____________

(1) راجع الدروس: 2/ 85 و 86.

(2) راجع الروضة البهية: 3/ 243.

858

وليّه المفقودين في الفرض، و المفروض عدم توقّف استنقاذ الحقّ عليه أيضاً لإمكانه بأخذ نفس المال.

ثمّ إنّ الّذي ذكرنا الظّاهر أنّه المشهور بين الأصحاب كما يعلم من الرجوع إلى كتبهم، فما حكي عن بعض نسخ الكفاية (1) من نسبة عدم الجواز إلى الأصحاب ممّا هو معلوم فساده لمن له أدنى تتّبع بكتب القوم، و اللّٰه العالم.

الرابع: أنّه لو تلف المال الّذي أخذه للمقاصّة من ثمنه من دون تعدّ منه و تفريط

قبل بيعه، فهل يضمنه مطلقاً، أو لا يضمنه كذلك، أو فيه تفصيل بين مقدار الحق و الزائد لو كان المأخوذ زائداً على مقدار الحق، أو فيه تفصيل بين ما إذا أخذه بعنوان المقاصّة به و لكن لم ينشأها لإرادة معرفة قيمته و غيره، وجوه بل أقوال:

الأوّل لجماعة (2) حسبما هو قضيّة إطلاق ما ذكروه من الحكم بعدم الضمان، بل صريح بعضهم. و الثاني للشيخ (رحمه الله) (3)، و تبعه الشهيدان (4) و المولى الأردبيلي (5). و الثالث للعلامة في محكي التحرير (6) و القواعد (7). و الرابع لجماعة أيضاً من الأصحاب.

للأوّل عمومات ما دلّ على ضمان ما تلف في اليد، كقوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (8) و غيره، و المخرج عنها غير موجود، لأنّ الايتمان من المالك‌

____________

(1) راجع كفاية الأحكام: 275.

(2) إيضاح الفوائد: 4/ 346؛ شرائع الإسلام: 4/ 896.

(3) المبسوط: 8/ 311.

(4) مسالك الأفهام: 14/ 75؛ راجع الدروس: 2/ 85 86.

(5) مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 107.

(6) تحرير الأحكام: 2/ 188.

(7) قواعد الأحكام: 3/ 448.

(8) عوالي اللئالي: 1/ 224 و 389، 2/ 345، 3/ 251؛ مسند أحمد: 5/ 8؛ سنن الدارمي: 2/ 264؛ سنن ابن ماجة: 2/ 802؛ سنن ابي داود: 2/ 155.

859

غير موجود بالفرض، و الإذن من الشارع في الأخذ و إن كان موجوداً إلّا أنّ مجرده لا يصلح لرفع الضمان الثابت بمقتضى العمومات ما لم يكن على وجه الايتمان منه، بل و لو كان على وجه الايتمان منه إذ لم يدلّ دليل عموماً على رفع الضمان في الأمانة الشرعية كما في اللقطة و أشباهها، فتأمّل.

و للثاني الأصل، و ما دلّ (1) على عدم تعقّب الضمان في الأمانة الشرعيّة مع عدم التعدّي في التلف، و عموم ما دلّ على نفي السبيل من [على] المحسن (2)، بناءً على كون المراد من الإحسان في الآية هو فعل ما لا حرج فيه، حسبما صرّح به ثاني الشهيدين (قدس سره) في محكي تمهيد القواعد (3)، و يستفاد من كلام الحلّي في السرائر أيضاً (4)، لا ما يكون فيه رجحان و نفع عائد إلى المحسن إليه، فيشمل المباح أيضاً كما هو أحد إطلاقي الحسن في مقابل القبيح الّذي صرّح به جمع من المحقّقين في مسألة التحسين و التقبيح العقليين. فيكون الآية حاكمة على ما دلّ من العمومات على ثبوت الضمان.

هذا، مضافاً إلى أنّه لو كان الظاهر من الإحسان هو الإطلاق الثاني كما يطلق من دون قرينة، كانت قرينة المورد صارفة للظاهر المذكور، لأنّ الآية وردت في حقّ الفرقة المتخلّفة في المدينة القاعدين عن الحرب، و معلوم أنّ القعود عن الحرب لم يكن راجحاً. و القول بأنّ المراد من الآية في المورد هو فعل المباح و في غيره هو الراجح، مضافاً إلى أنّه لا معنى له، موجب لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى و هو غير جائز عند المحقّقين.

____________

(1) راجع الكافي: 5/ 328 (باب ضمان العارية و الوديعة)؛ تهذيب الأحكام: 7/ 179؛ وسائل الشيعة: 19/ 79.

(2) التوبة (9): 91 «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ».

(3) تمهيد القواعد: 41.

(4) لم نعثره في السرائر.

860

و للثالث أيضاً عموم الآية الشريفة (1) بناءً على أن يكون المراد منه هو المعنى الثاني حسبما هو المتبادر منه، فإن أخذه للزائد إنّما هو لأجل مصلحة المالك و هي حفظ ماله، و ما دلّ على نفي الضمان في الأمانة الشرعية فإنّ إذن الشارع لأخذ الزائد إنّما يكون من جهة الايتمان لأجل مصلحة المالك. هكذا ذكره الأستاد العلّامة.

و للرابع لم يعلم وجه يعتدّ به و يمكن إرجاعه إلى القول بعدم الضمان مطلقاً في صورة عدم التعدّي، و ادّعاء كون التلف في غير الصورة لا محالة يكون على وجه التفريط.

و أنت إذا تأمّلت في أدلّة الأقوال علمت أنّ الحقّ هو القول الأوّل، لأنّ الأصل مرتفع بعد قيام ما عرفت من الدليل على الضمان.

و أمّا حديث الأمانة الشرعيّة فقد عرفت فساده صغرى و كبرى، لأنّ الأخذ لمصلحة الآخذ، و على تقدير كونه لمصلحة المالك لا دليل على عدم تعقّبه للضمان عموماً.

و أمّا التمسّك بالآية الشريفة، ففيه أوّلًا المنع من كون الظاهر من الإحسان هو فعل ما لا حرج فيه، بل الظاهر منه حسبما هو قضيّة التبادر و صرّح به جمع من أئمّة التفسير (2) و أهل اللغة (3) هو المعنى الثاني.

و أمّا ما ذكر أخيراً من الدليل على كون المراد منه في خصوص المقام هو المعنى الأوّل من حديث خروج المورد أو استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، ففيه: أنّا نمنع من كون المراد منه في المورد هو المعنى الأوّل، لأنّ التعليق بالنصح‌

____________

(1) التوبة (9): 91.

(2) راجع التبيان: 5/ 279؛ مجمع البيان: 5/ 105؛ الميزان: 6/ 128.

(3) راجع لسان العرب: 13/ 117؛ تاج العروس: 9/ 176 و 8/ 9.

861

المذكور قبل الآية (1) يدلّ على أنّ المراد منه ليس المعنى الأوّل بل هو دليل على خلافه، فما ذكر من حديث المورد لنا لا علينا، هذا. و ذكر الأستاد العلّامة أنّ التعليق في المقام لا مفهوم له، بل المراد منه الاهتمام بأداء فرض النصح للّٰه، لا أنّهم إذا لم ينصحوا للّٰه كان القعود عليهم حراماً. فتأمّل. هذا كلّه مضافاً إلى ما ذكره الأستاد العلّامة من كون الآية من العمومات الموهونة التي لا يجوز التمسّك بها إلّا مع جابر قوي، فتأمّل. هذا مجمل القول في ردّ دليل القول بعدم الضمان مطلقاً.

و أمّا الجواب عن دليل ما صار إليه العلّامة (رحمه الله) من التفصيل فأمّا عن الأوّل، فقد عرفت. و أمّا عن الثاني فبأنّا نمنع من كون أخذه للزائد إنّما هو من جهة مصلحة المالك بل إنّما هو من جهة مصلحة نفسه من حيث توقّف استنقاذ حقّه عليه فليس محسناً قطعاً. نعم، الزائد في يده بعد البيع و أخذ مقدار الحقّ لا يكون مضموناً عليه لما ذكر.

لا يقال: سلّمنا كونه مقدّمة لاستنقاذ ماله، لكنّ الإذن في أخذه تبعاً يقتضي عدم الضمان على تلفه من غير تعدّ و تفريط، و إنْ هو إلّا نظير ما ذكروه في باب توقّف استنقاذ حقّ المغصوب منه على كسر قفل من الغاصب أو تخريب بنيان منه كما في الخشبة المستدخلة في الحائط، من أنّه يجوز له استنقاذ ماله و إن لزم ما لزم، بل ذكر جماعة (2) في مسألة العين المدّعَى أيضاً حسبما عرفت سابقاً أنّه لو توقّف أخذها على كسر قفل من المدّعَى عليه فهو جائز له.

لأنّا نقول: قد عرفت أنّ مجرّد الإذن الشرعي لا يوجب رفع الضمان، سواء كان تبعاً أو أصالة، و قياس المقام بما ذكروه في مسألة الغصب و العين فاسد، أمّا أوّلًا، فلأنّ المتوقّف عليه في المقام إنّما هو الأخذ دون الإتلاف، بخلافه في المقيس عليه‌

____________

(1) أي قوله تعالى: «إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ»، التوبة (9): 91.

(2) جواهر الكلام: 40/ 387.

862

فإنّ المتوقّف عليه فيه هو الإتلاف فيمكن أنْ يقال: إنّ الإذن فيه موجب لرفع الضمان. و أمّا ثانياً: فلأنا نمنع من جواز كسر القفل إذا لم يوجب عدم كسره ضرراً على المدّعي و على فرضه لا دخل للحكم بالجواز فيه بما نحن فيه أصلًا كما لا يخفى. و أمّا الغصب فالحكم فيه خارج عن القاعدة من جهة ما دلّ على أنّه لا حق للعرق الظالم فلا معنى للقياس عليه أصلًا.

الأمر‌

الخامس: أنّ ما ذكرنا من الكلام كلّه من أوّل مسألة المقاصّة إلى هنا إنّما هو في الدين،

و أمّا العين فهل يجوز التقاصّ عنها إذا لم يمكن الوصول إليها أم لا، وجهان: صريح العلّامة في التذكرة (1)، و ثاني المحقّقين في جامع المقاصد (2) الجواز، بل ذكر الأستاد العلّامة أنّه لا إشكال فيه عند الأصحاب فإنّهم و إن لم يعنونوا المسألة بأجمعهم إلّا أنّه يفهم من مذاقهم عدم الفرق بين العين و الدين. و يدلّ عليه بعض الروايات المتقدّمة أيضاً، مثل خبر علي بن سليمان (3).

ثمّ على تقدير الجواز، فهل هو من باب بدل الحيلولة و العوض عن السلطنة الفعلية الفائتة، أو عوض عن العين التي قدّر العجز عن الوصول إليها؟ وجهان، أوجههما بالنظر إلى الرواية هو الثاني، و ليس فيه إلّا ما قيل عليه من لزوم تحقّق المعاوضة و خروج المال عن ملك مالكه بعنوان البدلية مع عدم رضاه بل و لا اطّلاعه به، و هو غير معهود في باب المعاوضات، و هو ليس بشي‌ء، لأنّ بعد دلالة الرواية على جواز أخذه عوضاً و بدلًا عن العين يدلّ على حصول ولاية للمقاصّ كما في التقاصّ عن الدين ببيع المال و المقاصّة من ثمنه، فتأمّل. ثمّ إنّ الثمرة بين الوجهين ممّا لا يكاد أنْ يخفى على المتأمّل.

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 2/ 266.

(2) جامع المقاصد: 6/ 183.

(3) الاستبصار: 3/ 53؛ تهذيب الأحكام: 6/ 349؛ وسائل الشيعة: 17/ 275.

863

[كلّ من ادّعى شيئاً لا معارض له، فدعواه مسموعة]

قوله: «من ادّعى ما لا يد لأحد عليه قضي له» (1) الخ (1).

____________

أقول: قد صرّح بعض الأصحاب (2) بأنّ الحكم غير مختصّ بالعنوان المذكور، بل كلّ من ادّعى شيئاً لا معارض له فدعواه مسموعة، سواء كانت دعوى مالية مال، أو وكالة من شخص في أمر أو طلاق أو وصاية و أمثالها، فيكون تعبير المصنف من باب ذكر أحد أفراد المسألة الكليّة من حيث كون اليد من المعارض في الجملة، و إن لم ينحصر فيها، هذا. و لكن في محكي القواعد جمع بين القيدين فقال: «من ادّعى ما لا يد لأحد عليه و لا منازع له فيه قضي له» (3) و لعلّنا نشير إلى وجهه.

ثمّ بالحريّ قبل التعرّض لتحقيق الحق في المقام أنْ نذكر أموراً بها يحرّر محلّ الكلام و يكشف القناع عن وجه المرام.

أحدها: أنّ محلّ الكلام فيما ذكروه إنّما هو في الدعوى المخالفة للأصل،

و أمّا الدعوى الموافقة للأصل فهي خارجة عن محل كلامهم قطعاً، لأنّ سماعها ممّا لا يتوهّم إنكاره من أحد حتّى يحتاج إلى البينة. فكلامهم في مقام إثبات حكم على خلاف القواعد و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلًا قد صرّح به غير واحد من الأصحاب.

ثانيها: أنّه لا إشكال في أنّه ليس المراد من المعارض المنفي في كلامهم

و كذا اليد المنفية فيه، هو ما لا يوجد عقلًا، لعدم وجود هذه الصورة كما لا يخفى، كما أنّه‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 896.

(2) راجع قواعد الأحكام: 3/ 449؛ تبصرة المتعلّمين: 239؛ إيضاح الفوائد: 4/ 347.

(3) قواعد الأحكام: 3/ 449.

864

لا إشكال في اعتبار نفي المعارض الفعلي و اليد الفعلية، لأنّه متيقّن المراد من كلامهم بحيث لا يرتاب فيه أصلًا، فهل المراد خصوصه فيعمّ مورد البحث ما إذا كان هناك يد سابقة أو معارض شأني و يد شأنية كما في دعوى مالية ما كان في يد غير المدّعي مع نفي ذي اليد ماليته عن نفسه، لأنّه لا يحتاج إلى البيّنة، فإنّه و ان لم يكن هناك معارض فعلي إلّا أنّه يكون ما يصلح من جهته المعارضة أو الأعمّ منه و ممّا إذا كان هناك يد سابقة أو شأنية، فلو ادّعى أحد ملكية ما كان في يد غيره سابقاً مع عدم كونه في يده حين الدعوى و لا في يد المدّعي، فلا يحكم له به بخلاف التقدير الأوّل. و كذا لو ادّعى أحد موت مورّثه و طلب تقسيم التركة من الحاكم فإنّه تسمع دعواه على التقدير الأوّل و لا تسمع على التقدير الثاني، إلى غير ذلك من الفروع وجهان، أوجههما بالنظر إلى قضية ظاهر كلامهم هو الأوّل، و إنْ كان الالتزام ببعض فروعه مشكلًا جدّاً كما أنّ الالتزام باختصاص محلّ كلامهم بما إذا لم يكن هناك يد سابقة أصلًا و لا ملكية سابقة و إلّا فيحتاج إلى البينة أشكل للزوم اختصاص محلّ كلامهم بما يستلزم خروج مورد مدرك حكمهم و هو الرواية الآبية عنه. مضافاً إلى لزوم اختصاصه بالمباحات، فيخرج عنه دعوى ملكية ما يعلم بكونه ملكاً لغير المدّعي و لو قبل عشر آلاف السنة. و التفصيل بين الزمان الطويل و القصير ممّا لا يعقل له مأخذ أصلًا. هكذا ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه و سيأتي تحقيق القول فيه في طيّ المسألة إن شاء اللّٰه.

ثمّ إنّه لا إشكال أنّ المراد على التقدير الأوّل إنّما هو فيما إذا لم يستلزم دعوى على غائب، و إلّا فلا إشكال في عدم سماعها بالمعنى المقصود في المقام.

ثالثها: أنّ المراد من قولهم: «قضي له به» هل هو القضاء له مراعياً بعدم المعارض،

فلو وجد المعارض كانا متداعيين، فعلى كلّ منهما البينة، كما لو تداعيا في عين لا يد لأحدهما عليه. أو القضاء له بمعنى صيرورته ملكاً له، كما يحكم له‌

865

لو كان يده عليه فيصير حينئذٍ المدّعي بعد القضاء له به ممّن يده عليه يد ملكية، فلو وجد معارض له بعد فيحكم بأنّ البيّنة عليه لكونه مدّعياً، وجهان، أوجههما الأخير كما لا يخفى، هذا. و يظهر من الشهيد في المسالك (1) أنّ المراد منه عدم التعرّض له و عدم منعه من التصرّف، و أنت خبير بأنّ هذا ليس مرادهم جزماً.

إذا عرفت ما قدمنا لك من الأمور فلنتعرض لما هو المقصود بالبحث في المقام،

فنقول: إنّه استدلّ على ما ذكروه من القضاء للمدّعي إذا لم يكن له معارض بوجوه:

أحدها: ما ذكره في المسالك من: «أنّه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدّعي منه و لا لطلب البينة فيه، و لا لإحلافه،

إذ لا خصم له حتّى يترتّب عليه ذلك» (2) انتهى.

و فيه ما لا يخفى، لأنّ مجرّد عدم منع المدّعي عن التصرّف فيما يدّعيه لا يقضي بجواز القضاء له بمجرّد دعواه كما هو محل البحث، كما أنّ عدم مطالبته بالبيّنة لا يقتضي جواز القضاء له بدونها، فيتوقّف (3) مضافاً إلى أنّ المطالبة في المقام بمعنى الشرطية و عدم الحكم بدون البيّنة و هي لا تحتاج إلى الدليل الخاصّ لو كان هناك ما يقضي بعمومه على اعتبار البيّنة. و بالجملة ما ذكره ضعيف في الغاية.

ثانيها: [أصالة حمل قول المسلم على الصحّة]

ما ذكره سيد مشايخنا في الرياض (4)، و تبعه شيخنا في الجواهر (5) من أصالة حمل قول المسلم على الصحّة، و ردّه في الرياض (6) بأنّه أخصّ من المدّعَى، لأنّه ليس خصوص سماع دعوى المسلم إذا لم يكن له معارض، بل يشمله و الكافر أيضاً.

و أنت خبير بأنّ ما ذكروه غير تام في حقّ المسلم أيضاً، لأنّ من المحقّق في‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 76.

(2) 3 فلتوقف، خ ل.

(3) 4 و 6 رياض المسائل: 2/ 413.

(4) 5 جواهر الكلام: 40/ 398.

866

محلّه عدم قيام دليل على وجوب حمل قول المسلم على الصحّة بمعنى الصدق، فيكون الأصل في قول المسلم الحجيّة إلّا ما خرج بالدليل بل ظاهر الأدلّة خلافه.

نعم، الصحّة بمعنى عدم اللغوية أو المشروعية قام الدليل على وجوب حمله عليها، لكنّ الصحّة بهذا المعنى لا ربط لها بالمقام و لا تنفع المستدلّ أصلًا كما لا يخفى. هذا، مضافاً إلى ما أفاده الأستاد العلّامة من أنّه لو كان الأصل في قول المسلم الحجّية و الصدق لكان وارداً على اليد أيضاً لو كان في مقابله يد، نظير البيّنة، فلا يحتاج إلى إقامة البيّنة، و هذا ما لا يذهب إليه أحد.

ثالثها: ما ادّعاه بعض الأصحاب من الإجماع (1)

، فإنّا و إن لم نقل بحجّية الإجماع المنقول مطلقاً لكنّه في المقام معتضد بالشهرة و بغيرها من الأمارات.

رابعها: ما ورد في مسألة الكيس

أنّ يونس بن عبد الرحمن روى عن منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عشرة كانوا جلوساً و وسطهم كيس [فيه] ألف درهم، فسأل بعضهم بعضاً: أ لكم هذا الكيس؟ فقالوا كلّهم: لا. فقال واحد منهم: هو لي. قال (عليه السلام): هو للذي ادّعاه» (2).

و تنظَّر في الاستدلال به الأستاد العلّامة دام ظلّه موافقاً لابن إدريس في السرائر (3) بأنّه لا يستفاد من الرواية أنّ الحكم من جهة مجرّد ادّعاء المدّعي مع عدم المعارض له، بل الظاهر منها أنّه من جهة اليد، فيكون الحكم فيها على طبق القاعدة، ضرورة أنّه إذا كان الكيس في وسط جماعة يحكم بكونه لهم من جهة يدهم عليه؛ و لهذا لو ادّعى أحد عليهم من غيرهم ملكيته فأنكروه يحكمون من غير إشكال بأنّ عليه البيّنة، لأنّه مدّع؛ فإذا نفى أحدهم يرتفع حكم اليد في حقّه و يقوم بالباقي إلى‌

____________

(1) مستند الشيعة: 17/ 357؛ جواهر الكلام: 40/ 398؛ رياض المسائل: 2/ 413.

(2) الكافي: 7/ 422؛ تهذيب الأحكام: 6/ 292؛ وسائل الشيعة: 27/ 273 274 مع اختلاف فيها.

(3) السرائر: 2/ 191.

867

أن ينتهي إلى الواحد، فإذا نفى جميعهم إلّا الواحد تقوم السلطنة به، فالحكم له بعد دعواه إنّما هو من جهة يده فتكون على طبق القاعدة.

و الوجه فيما ذكرنا ما تقرّر في محلّه من أنّه لو كان شي‌ء بين جماعة لا يحكم بتعلّقه بواحد منهم بالخصوص للزوم الترجيح بلا مرجّح، بل يحكم بتسويتهم فيه لا بمعنى أنّ هنا يداً واحداً قائماً بالمجموع بحيث إذا نفى أحدهم من نفسه ينتفي رأساً، و لا بمعنى كونه على الحصص، بل بمعنى أنّ هنا سلطنة واحدة قائمة بالمجموع من جهة عدم ترجيح بعضهم على بعض بحيث يصلح أن يكون كلّ واحد يده عليه، فيصحّ أن يقال بمعنى أنّ لكلّ واحد يداً نظير الشي‌ء الموجود في الدار المشتركة بين الجماعة، فإذا نفى أحدهم من نفسه السلطنة فيكشف ذلك عن قيامها بغيره، و هكذا إذا نفى الجميع غير الواحد و لو سلّمنا أنّه لا يكون يداً حقيقة لكن لا إشكال في كونه يداً حكماً يحكم عليه بحكم اليد من جهة ظهور اليد و الملكية، كما فيما يتعلّق باللقيط من البيت و الفرش و اللباس و غيرها؛ فالرواية لا دخل لها بالمقام.

قال ابن ادريس في محكي السرائر بعد نقل الرواية: «هذا الحديث صحيح، و ليس هذا فيمن [ممّا] أخذه بمجرّد دعواه و إنّما هو لما لم يثبت له صاحب سواه، و اليد على ضربين يد مشاهدة و يد حكمية، فهذا يدّعيه لأنّ كلّ واحد منهم نفى يده عنه، و بقي يد من ادّعاه حكمية. و لو قال كلّ واحد من الجماعة في دفعة واحدة أو متفرّقاً: هو لي، لكان الحكم فيه غير ذلك. و كذلك لو قبضه واحد من الجماعة ثمّ ادّعاه غيره لم يقبل دعواه بغير بيّنة، لأنّ اليد المشاهدة عليه لغير من ادّعاه، و الخبر الوارد في الجماعة أنّه نفوه عن أنفسهم و لم يثبتوا لهم عليه يداً لا من طريق الحكم و لا من طريق المشاهدة، و من ادعاه له يد عليه من طريق الحكم فقبلنا فيه دعواه من غير بيّنة، ففقهه ما حرّرناه و أيضاً إنّما قال ادعاه من حيث اللغة، لأنّ الدعوى‌

868

الشرعية من ادّعى في يد غيره عيناً أو ديناً» (1) انتهى ما حكي عنه، و هو في غاية الجودة. و اندفع به أيضاً ما ربّما يتوهّم من ظهور قوله: «فهو للذي ادّعاه» في كونه غير ذي اليد.

و كذا اندفع من ملاحظته و ملاحظة ما ذكرنا في معنى الرواية أمور بها يتوهّم ظهور الرواية في المدّعَى: أحدها: ظهور الكلّ في الجميع حتّى من ادّعى ملكية الكيس فيكون ادّعاه بعد نفيه، فيخرج عن حكم اليد. ثانيها: إطلاق الرواية و شمولها لما إذا جاء المدّعي بعد الجميع، أو جاءوا دفعة في مكان فيه كيس بحيث يعلم عدم يد أحدهم عليه. ثالثها: عدم تفصيل الإمام (عليه السلام) في الحكم المذكور بين من بقي من الجماعة و غيرهم ممّن يكون خارجاً منهم و لو كان الحكم مبنيّاً على اليد، فلا بد من التفصيل، إذ ربما يعلم النافون مساواة المدّعي معهم في عدم يد أحدهم على الكيس، فترك الاستفصال دليل على عموم الحكم و عدم كونه من جهة اليد.

إذ الأوّل مدفوع بظهور قوله: «فقال واحد منهم» (2) في أنّه بمنزلة الاستثناء من «الكلّ». و الثاني و الثالث مدفوعان بظهور الرواية في غير ما فرض من الصورة، فلا معنى للتمسّك بترك الاستفصال، لأنّه فيما لم يكن هناك ظهور للكلام على خلاف المحتمل. هذا.

و لكن ذكر الأستاد العلّامة بعد ما ذكر من الإشكال الّذي عرفته في الرواية أنّه يمكن التمسّك بها على مذهب القوم و يقال بظهورها فيه بأن يدّعى، كما هو الظاهر بأنّه و إن كان للعشرة يد على الكيس إلّا أنّه لا ريب أنّ يدهم عليه ليس بمعنى أنّ لكلّ منهم صلاحية للتسلّط عليه عرفاً بحيث لو فرض عدم وجود كلّهم إلّا واحداً من أوّل الأمر لكان له يد و سلطنة عرفاً عليه بل بمعنى أنّ هناك يداً واحداً قائماً‌

____________

(1) السرائر: 2/ 191. مع اختلافات يسيرة.

(2) في خبر منصور بن حازم المتقدم.

869

بالأكثر بحيث لو نفى الجميع إلّا واحداً لم يصدق أنّ له يداً عليه قطعاً.

توضيح ذلك: أنّه ممّا لا إشكال أنّ ثبوت السلطنة لشخص على مال عرفي لا يكون على نسق واحد قطعاً، بل يختلف بحسب الخصوصيات، فإذا كان عشرة دائرة على مال يحكمون [يحكم] أهل العرف أنّ لهم يداً على المال بخلاف ما لو لم يكن هناك إلّا واحد و كان المال بعيداً منه بمقدار الذراعين أو أكثر، فإنّه لا يحكمون بأنّ له يداً عليه، فإذا عارضه شخص فيكون من باب التداعي بل يختلف الحكم بالنسبة إلى العشرة أيضاً بالنسبة إلى كيفية جلوسهم كما لا يخفى، فقد يحكمون باليد للثلاثة إذا كان جلوسهم على سبيل الدور و التثليث.

نعم، لو كان المال واقعاً في ملك أحد سواء كان في بيته أو فراشه أو نحوهما فيحكمون بيده عليه و إن كان بعيداً منه، ففي كلّ مورد لو كان الشخص منفرداً يحكم أهل العرف باليد له، ففي صورة التعدّد لو نفى غيره انحصر فيه و إلّا فلا. ففيما نحن فيه نقول: إنّ حكم أهل العرف كان قائماً بالمجموع، فإذا نفى غير الواحد زال حكم أهل العرف فيكون الحكم بسماع دعواه على خلاف الأصل. فاندفع بما ذكرنا كلّه ما يقال من أنّه أيّ فرق بين ما إذا كان مال في بيت مشترك بين جماعة فنفى الملكية غير واحد منهم، فإنّه يحكم بكونه له من جهة يده، و بين ما إذا كان مال بين جماعة في غير ملكهم. وجه الدفع ما عرفت من أنّه إذا كان المال في الملك المشترك يصحّ أن يكون لكلّ واحد منهم يد عليه بحيث لو لم يكن إلّا واحداً حكم عرفاً بثبوت يده عليه، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فظهر من جميع ما ذكر دلالة الرواية على مذهب المشهور. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه.

خامسها: ما روي أيضاً عن منصور بن حازم في مسائل يسأل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في غير الرواية المتقدّمة

و إن كان يظهر من بعض مشايخنا أنّه من تتمّتها (1)، لكنّه ليس بصحيح كما لا يخفى على من له تتبّع في الروايات: «قال: قلت‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 398، حيث ذكره متعاقباً للرواية السابقة.

870

له أيضاً: إنّ اللّٰه أجلّ و أكرم مِنْ أنْ يُعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون باللّٰه. قال:

صدقت. قلت: إنّ من عرف له ربّاً فقد ينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الرب رضاً و سخطاً و أنّه لا يعرف رضاه و سخطه إلّا بوحي أو رسول، و من لم يأته الوحي فقد ينبغي أنْ يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجة» إلى أن قال: «فقلت لهم: من قيّم (1) القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، و عمر يعلم، و حذيفة يعلم. قلت: كلّه؟ قالوا: لا. فلم أجد أحداً يقول إنّه يعرف ذلك كلّه إلّا عليّاً. و إذا كان الشي‌ء بين القوم فقال هذا: لا أدري، [و قال هذا لا أدري] و قال هذا: لا أدري، و قال هذا: أنا أدري، فاشهد أنّ عليّاً (عليه السلام) كان قيّم 2 القرآن» 3.

و فيه ما ذكره الأستاد العلّامة أيضاً من أنّه لا دلالة له على المقصود أصلًا، أمّا أوّلًا: فلأنّ من المعلوم الّذي يعلمه كلّ موافق و مخالف أنّ بناء الأمّة كان على تصديق الصّحابة في كلّ ما قالوا و كانوا مطبقين على حجّية قولهم، حتّى إنّ ابن مسعود لو قال: (إنّي أعلم كلّ القرآن)، لصدّقوه، لا من جهة أنّه لا معارض له، بل من جهة مفروغية تصديق الصّحابة، فكلّ من ينفي شيئاً منهم فمصدّق في قوله، و كلّ من أثبته فمصدّق في قوله، سواء كان عليّاً أو غيره، فلمّا أثبت الأمير (صلوات اللّٰه عليه )علم جميع القرآن لنفسه و نفاه الباقون فيجب الرجوع إليه. فهذا الحديث لا دخل له بحديث وجوب تصديق المدّعي فيما يدّعيه من حيث إنّه مدّع مع عدم المعارض له.

و أمّا ثانياً: فلأنّا لو سلّمنا أنّ مناط التصديق هو مجرّد ادّعاء الدراية كما يدّعى ظهوره من ذيل الحديث بحمل اللام في القوم على العموم أو الجنس و عدم كون‌

____________

(1) 1 و 2 فهم، خ ل.

(2) 3 الكافي: 1/ 168 169 و 188 189؛ وسائل الشيعة: 27/ 176 مع اختلافات.

871

المراد منه خصوص الصّحابة فتكون اللام للعهد، لكن نقول: إنّ الظاهر من الشي‌ء هو الأمر الشرعي و العلم به لا الملكيّة و نحوها، فلا دخل للرواية بالمقام أيضاً.

هكذا ذكره الأستاد العلّامة في مجلس البحث.

سادسها: ما ذكره الأستاد العلّامة و لم أر من تمسّك به غيره،

من أنّه يمكن الاستدلال على ما ذكروه بالقاعدة المعروفة بينهم المستدل بها في كلماتهم لكثير من الفروع، و هي قاعدة: «من ملك» فإنّه لو تصرّف المدّعي في العين نحمله على الصحّة و نرتّب عليه جميع آثار ملكه من الشراء منه إذا عرضه للبيع لنفسه إلى غير ذلك، من جهة الحكم بملكيّته، فإذا أقرّ بها فإقراره حجّة فيها لأنّ كلّ أحد له إنشاء شي‌ء في زمان فإقراره نافذ بالنسبة إليه في ذلك الزمان، فالقاعدة تدلّ على وجوب سماع قول المدّعي في الفرض سيّما على ما ذكرنا في محلّه من أنّ مدرك القاعدة هو فحوى أدلّة وجوب سماع قول الأمين و عدم اتّهامه فيه.

لا يقال: إنّ المقرّ به في الفرض و هي الملكية غير ما يكون له إنشاؤه، و هو التصرّف في العين، فلا دخل للقاعدة بالمقام.

لأنّا نقول: المقرّ به و إن كان غير ما له إنشاؤه، إلّا أنّ مجرّد هذه المغايرة لا يضرّ بعد ما كان المنشأ بحسب الثمرة و النتيجة راجعاً إليه سيّما بعد ملاحظة ما استفدنا في مدرك القاعدة من فحوى ما دلّ على عدم اتّهام الأمناء، و هو نظير ما ذكره العلّامة في القواعد (1) و قرّره ثاني المحقّقين (2) (قدّس اللّٰه سرّهما) في مسألة الخيار من أنّه لو أقرّ البائع ذو الخيار بأنّ المبيع كان مغصوباً من فلان كان إقراره حجّة و يحكم بفسخ البيع، لأنّ له إنشاء الفسخ حين الإقرار بالغصب، فيكون إقراره حجّة فيما يرجع إليه. هذا حاصل ما ذكره.

و بما ذكرنا من معنى كلامه ظهر اندفاع ما أورده عليه بعض المحقّقين من‌

____________

(1) راجع قواعد الأحكام: 2/ 64 79.

(2) راجع جامع المقاصد: 4/ 283.

872

المتأخّرين من أنّ ما له إنشاء الفسخ واقعاً و ما يثبت بإقراره هو الفسخ ظاهراً و ثبوت المال للمقرّ له كذلك، فلم يتّحد ما له إنشاؤه مع ما أقرّ به. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة في تقريب الاستدلال بالقاعدة.

و يمكن المناقشة فيه من وجهين: أحدهما: المنع من دلالة مجرّد التصرّف على الملكيّة ما لم يكن مقارناً مع اليد، كعرض العين معرض البيع مع العلم بأنّه يبيعه لنفسه لو قيل بأنّ مجرّده تصرّف في العين، و إلّا فالتحقيق أنّه ليس بتصرّف في العين أصلًا. و لهذا لا يحكم بحرمة بيع مال الغير أيضاً على النحو المذكور ما لم يتعقّب تصرّفاً في مال الغير. فلو أطلق على هذا أنّه تصرّف توسّعاً فنمنع من قيام دليل على دلالته على الملكية، لأنّ حمل فعل المسلم على الصحّة لا يدلّ عليه قطعاً. نعم، لو كانت يده عليه فيدلّ على الملكيّة لكن الصورة خارجة عن محلّ الفرض، هكذا قيل.

ثانيهما: ما تفرّدت به و لم أر أحداً سبقني عليه من منع صدق من ملك شيئاً قبل الفعل، فإن ما دلّ على وجوب حمل فعل المسلم على الصحّة إنّما يدلّ عليه إذا وقع منه فعل في الخارج بمعنى أنّه لو فعل مسلم فعلًا فيجب علينا حمله على الصحّة، و أمّا قبله فلا يدلّ عليه أصلًا، فلا يصدق قبل الفعل أنّه مالك للفعل شرعاً و أنّه له حتّى يحكم بحجّية إقراره في نتيجته.

نعم، لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الحكم بعدم جواز التصرّف له و منعه منه مع كوننا شاكّين، كما أنّه لا إشكال في عدم جواز الحكم لنا بأنّه جائز له بحسب تكليفه، لأنّ المفروض عدم علمنا بأنّه شاكّ في نفسه أو قاطع بأنّه ماله أو قاطع بعدمه، فكيف يجوز لنا الحكم بشي‌ءٍ مع عدم علمنا بوجود العنوان الّذي هو معروض للحكم و الحكم بأنّه مالك للفعل و جائز له قبله من جهة أصل البراءة مع شكّنا فيه. و احتمال كون المدّعي قاطعاً بعدم جواز التصرّف له دون إثباته خرط‌

873

القتاد كما لا يخفى، هذا. و لكن عليك بالتأمّل فيما ذكره الأستاد العلّامة لعلّك تجده حقيقاً بالقبول و هو غاية المسئول و عليه التعويل في جميع الأمور.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: أنّه لو قلنا بسماع دعوى لا معارض لها في الأعيان

كما هو الظاهر المشهور بين الأصحاب، مضافاً إلى نقل الإجماع عليه و عدم الخلاف فيه، فهل تسمع في غيرها كما ربما يظهر من بعض الأصحاب، أم لا؟

وجهان، أوجههما بالنظر إلى مقتضى الأصل هو الثاني.

و تفصيل القول فيه يقتضي بسطاً في المقام، فنقول بعون الملك المتعال: إنّ الدعوى الغير المتعارضة في غير الأعيان على وجوه: أحدها، أن تكون على طبق الأصل و القاعدة، و هذه لا إشكال في سماعها بل قد عرفت خروجها عن محلّ النزاع، كدعوى المرأة أنّه لا زوج لها، و كدعوى ذي اليد الوكالة أو الأمانة، بناءً على حمل يده على الصحّة بعد عدم إمكان حملها على الصحّة بمعنى كونها أمارة على الملك، حسبما هو قضيّة التحقيق المحقّق في محلّه، و كدعوى المرأة عدم الزوجيّة مع العلم بأنّ لها زوجاً في جملة غير محصورة بناءً على القول بأنّ العلم الاجمالي في الشبهة الغير المحصورة لا أثر له، فيرجع إلى الأصل، ذكره الأستاد العلّامة. و الّذي يخطر ببالي القاصر أنّه لو قلنا بتلك المقالة في الشبهة الغير المحصورة لا يجوز القول بها في الفرض و يظهر وجهه بالتأمّل.

ثانيها، أن تكون على خلاف الأصل و كان لها تعلّق بالغير، كدعوى طلاق الزوج المعيّن أو الوكالة من شخص إلى غير ذلك، و الظاهر عدم الإشكال في مطالبة البيّنة من المدّعي في هذه الصورة و عدم سماع دعواه بدونها، لجريان ما دلّ على أنّ المدّعي عليه البيّنة في الفرض لوجود المدّعَى عليه في مقابله و عدم ما يقضي بالخروج عنه لعدم قيام الإجماع و لا غيره عليه. هكذا ذكره الأستاد العلّامة.

ثالثها، أن تكون على خلاف الأصل لكن لم يكن لها تعلّق بحقّ الغير نوعاً،

874

كدعوى الصبيّ البلوغ و كدعوى الزوجة موت الزوج و نحوهما. و قد أورد الأستاد العلّامة المثال الثاني مثالًا للصورة الثانية، و عليك بتطبيقه على ما هو الحقّ في نظرك. و هل تسمع الدعوى في هذه الصورة، أم لا؟ وجهان، أوجههما الثاني، نظراً إلى عدم قيام دليل عليه أصلًا. و دعوى الإجماع عليه مجازفة جدّاً.

ثمّ إنّ ما ذكرنا في القسمين الاخيرين إنّما هو بالنظر إليهما من حيث عنوان سماع الدعوى التي لا معارض لها و إلّا فقد توجد في بعض الموارد قواعد خاصّة تقتضي لسماع الدعوى، كدعوى المرأة الطهر من الحيض، أو دعواها طلاق الزوج لِما دلّ على تصديق المرأة فيما تدّعيه لو قيل بدلالته في المثال الثاني، فتدبّر.

الثاني: أنّك قد عرفت في طيّ ما ذكرنا لك في الأمر الأوّل أنّه لو كانت الدعوى في غير الأعيان متعلّقة بحقّ الغير لا إشكال في عدم سماعها بدون البيّنة،

و هل يلحق بها الدعوى في الأعيان إذا كانت متعلّقة بحقّ (1) الغير، كما إذا كانت العين المدّعاة ملكيّتها في يد الغير مع نفيه عن نفسه، أم لا؟ وجهان، ظاهر بعضٍ الثاني، و لكنّ الحقّ هو الأوّل، لما دلّ على أنّ إقامة البيّنة على المدّعي إذا كان له مدّعى عليه المفروض وجوده في المقام، و لا مخرج عنه في الفرض. و القول بأنّه ليس هنا من يدّعى عليه لأنّ ادّعاءه ملكيّته ليس دعوى على من في يده المال لأنّه يدّعي شيئاً يزول يده عنه بسببه قهراً، فاسد جدّاً، لأنّ ذا اليد في الفرض من جهة ولايته على المال، له نوع سلطنة على المال فيرجع دعوى ملكيّته من المدّعي إلى ادّعاء زوال سلطنته، فيصير مدّعَى عليه.

لا يقال: لا نفهم معنى لولايته إلّا كونه مأموراً بإيصال المال إلى صاحبه و الولاية بهذا المعنى لا تعارض قول من يدّعي أنّه صاحبه، بل مقتضاه إعطاؤه.

لأنّا نقول: سلّمنا أنّه ليس معنى ولايته ما ذكرته إلّا أنّا نقول: إنّه مأمور بإيصال‌

____________

(1) لحق، خ ل.

875

المال إلى صاحبه الواقعي، فله المزاحمة لكلّ من لم يثبت كونه الصاحب الواقعي للمال، فلا تسمع دعواه عليه إلّا بعد معلوميّة كونه الصاحب الواقعي، فلو أريد إثبات كونه الصاحب الواقعي بمجرّد دعواه لم يخل من دور، فتأمّل.

الثالث: أنّه لو ادّعى ملكية العين بعد نفيها عن نفسه فهل تسمع دعواه، أم لا؟

وجهان، أوجههما الأخير للأصل و عدم ما يقتضي الخروج عنه، مضافاً إلى عموم ما دلّ على نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم (1)، إذ لا فرق فيها بين أنْ ينفي مالًا عن نفسه و يثبته لغيره معيّناً، و أنْ ينفي عن نفسه و لم يثبته لغيره، و إن شئت قلت: إنّ إقراره السابق أوجب رفع حكم دعواه اللاحقة.

فإن قلت: كيف يحكم بإيجابه رفع حكمها مع أنّه لا معارضة بينهما، إذ يمكن الجمع بينهما بحمل إقراره على النسيان أو الجهل أو غير ذلك.

قلت: التدافع بينهما إنّما هو مبني على الظاهر الّذي تقرّر حجّيته، إذ الأصل عدم النسيان، هذا. و ليس للأوّل إلّا ادّعاء ظهور رواية الكيس بحمل لفظ «الكل» على حقيقته من دون جعل قول الآخر بمنزلة الاستثناء منه، و هو فاسد، لما قد عرفت سابقاً من ظهور الرواية في الاستثناء، فراجع.

و بالجملة لا أرى وجهاً للقول بسماع دعوى الشخص بعد إقراره بما ينافيها، فإنّه إن كان من جهة الجمع بين قوليه و حملهما على الصحّة كما يظهر من بعض، ففيه أنّه لا دليل على ذلك سيّما بعد توقّفه على حمل إقراره السابق بما ينافي الأصل من أصالة عدم النسيان و غيره، و إن كان من جهة عدم دليل على سماع إقراره السابق من ظهور قوله: «إقرار العقلاء» 2 في الإثبات، ففيه: مضافاً إلى أنّ مجرّد‌

____________

(1) 1 و 2 كتاب من لا يحضره الفقيه: 4/ 127؛ عوالي اللئالي: 1/ 223، 2/ 257، 3/ 442؛ وسائل الشيعة: 23/ 184.

876

عدم قيام الدليل على سماع الإقرار لا يكفي في سماع دعواه بعد كون مقتضى الأصل الأوّلي هو عدم السماع، فتأمّل المنع من الظهور المذكور و على فرض تسليمه نقول بأنّ إقراره بعدم كون العين ماله يستلزم إثباته للغير، فبهذا الاعتبار يرجع إلى الإثبات، فهو مثل ما لو صرّح بالإثبات للغير، ضرورة عدم الفرق في أخذ القاضي (1) بما التزم على نفسه بين دلالة كلامه عليه بالمطابقة أو الالتزام العقلي أو العرفي أو الشرعي و لو بوسائط عديدة.

و منه يظهر فساد ما قد يتوهّم من أنّ مجرّد النفي عن النفس و الإثبات للغير ما لم يكن هناك أمارة على كون المقرّ به ملكاً للمقرّ كاليد لا يكفي في صدق الإقرار على نفسه. وجه الفساد: أنّ إقراره بكون المال مالًا لغيره يستلزم إقراراً على نفسه و هو عدم جواز تصرّفه فيه بدون إذنه و نحوه. و قد عرفت أنّه لا فرق في الدّلالة بين أقسامها، هذا.

و قد يستدلّ على المطلب بأنّ الإقرار بما ينافي الدعوى اللاحقة إذا كان موجباً لعدم سماعها مع البيّنة حسبما نفي الخلاف عنه، فإيجابه عدم سماعها بدونها بطريق أولى، فتدبّر. ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من عدم السماع بين أن يكون هناك أمارة توجب شرعاً الحكم بملكيّة المنفي بالإقرار السابق للمالك كاليد و نحوها أم لا؟

و بعبارة أخرى، لا فرق فيما ذكرنا بين الدعوى الموافقة للقاعدة أو المخالفة لها، هذا. و لكن قد يقال بل قيل بالفرق بينهما من حيث إنّ بعد تعارض القولين من المدّعي و تساقطهما في الصورة الأولى توجب الرجوع إلى القاعدة، فيحكم بالملكية بخلاف الصورة الثانية، و هو نظير ما لو أنكر الرجل زوجية امرأة في زمان ثمّ أقرّ بها مع تصديق المرأة لادّعائه اللاحق، هذا. و أنت خبير بفساد التفصيل‌

____________

(1) العاقل، خ ل.

877

المذكور، لأنّ إقراره السابق كما أوجب رفع حكم دعواه اللاحقة كذلك أوجب رفع حكم يده أيضاً كما لا يخفى.

و أمّا قياس ما نحن فيه بمسألة ادّعاء الزوجية مع تصديق المرأة بعد نفيها سابقاً، ففيه: مضافاً إلى الالتزام بعدم السماع في الصورة أيضاً لعدم تأثير تصديق المرأة في رفع أثر الإقرار السابق أنّه قياس مع الفارق إذ يمكن أن يقال في الفرض بالسماع من حيث إنَّ حكم الشارع بنفوذ الإقرار على نفس المقرّ إنّما هو من جهة مراعاة حقّ المقرّ له، فإذا فرض رفع المقرّ له يده عن حقّه فيمكن أن يقال بسماع الدعوى المسبوقة بالإقرار، و هذا بخلاف ما نحن فيه. هكذا ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي.

878

[لو انكسرت سفينة في البحر، هل يختصّ ما اخرج من اجزائها بالغوص بالغوّاص أم لا]

قوله: «لو انكسرت سفينة في البحر، فما أخرجه البحر فهو لأهله، و ما أخرج بالغوص فهو لمخرجه» (1) الخ (1).

____________

أقول: نسب القول في الكفاية (2) إلى المشهور، و ردّه بعض مشايخنا (قدس سره) (3) بعدم التحقّق. نعم، حكي عن العلّامة في الإرشاد (4) و التذكرة (5) و التحرير (6) القول به، و نسبه في المسالك (7) إلى الشيخ في النهاية (8)، بل ربّما يظهر منه كونه مذهب المشهور، حيث ردّ توقّف المصنّف في المسألة من جهة كون الرواية الواردة فيها ضعيفة بأنّ ضعف الرواية لا يوجب ردّ حكمها على مذاق المصنّف و غيره من حيث بنائهم على جبر الضعف بالشهرة و نحوها.

و كيف كان الأصل في المسألة رواية حسن بن علي بن يقطين عن أمية بن عميرة [عمرو] عن الشعبة [الشعيري] الّذي هو إسماعيل بن زياد السكوني المشهور:

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 896.

(2) كفاية الأحكام: 275.

(3) جواهر الكلام: 40/ 400.

(4) إرشاد الأذهان: 2/ 143.

(5) راجع تذكرة الفقهاء: 2/ 265.

(6) راجع تحرير الأحكام: 2/ 89.

(7) مسالك الأفهام: 14/ 77.

(8) النهاية: 351.

879

..........

____________

«قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضه بالغوص و أخرج البحر بعض ما غرق منها، فقال (عليه السلام): [أمّا] ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّٰه تعالى أخرجه لهم. و أمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم و هم أحقّ به» (1) وجه دلالته على ملكية ما خرج بالغوص للغوّاص بمقتضى ظاهره ظاهر. و احتمال كون المراد من الضمير المجرور هو المالك، كما احتمله بعض مشايخنا (2)، أو الجزم به، كما عن بعض الأصحاب، مخالف لظاهر الخبر من وجوه شتّى لا تخفى على المتأمّل فيه.

نعم، لا إشكال في ضعف سنده و مخالفته للقواعد المتبعة الآبية عن التخصيص، فلا بدّ من تأويله إن لم نقل بطرحه، نظراً إلى عدم جواز الخروج عن مقتضى القواعد الكلية المسلّمة بمجرّد معارض لها و لو كان صحيحاً، فضلًا عن أن يكون ضعيفاً غير معمول به عند المعظم، لأنّ ما حكي عن الكفاية (3) من نسبته العمل به إلى المشهور و ربّما يظهر من عبارة ثاني الشهيدين في المسالك (4) المتقدّمة، لم يعلم له حقيقة.

و لأجل ما ذكرنا من عدم مقاومة الرواية للقواعد العامّة المسلّمة من جهة ضعفها و عدم الجابر لها تمحّل جماعة من الأصحاب لتطبيقها على القواعد، فعن بعض شروح الإرشاد (5) أنّ فقه الحديث هو أنّ المخرج بالغوص للغوّاص إن ملّكه المالك، و إلّا فإن أذن له في الغوص فله الأجرة و إلّا فلا أجرة له أيضاً. و عن بعض تطبيقها على القواعد من حيث حصول التلف بالغرق و زوال علاقة الملكية بينه و بين‌

____________

(1) تهذيب الأحكام: 6/ 295؛ عوالي اللئالي: 3/ 523؛ وسائل الشيعة: 25/ 455 456 مع اختلاف يسير.

(2) كشف اللثام: 2/ 344.

(3) كفاية الأحكام: 275.

(4) مسالك الأفهام: 14/ 77.

(5) حكاه الأستاد العلامة (منه (قدس سره)).

880

..........

____________

المالك، فيصير كالمباحات، فللغواص حيازته كسائر المباحات إذ كما أنّه قد يخرج الملك عن ملكيّة المالك من جهة خروجه عن قابلية التملّك كما في الأجزاء الغير القابلة للتجزية و قد يخرج عن ملكه من جهة عدم قابلية المالك لقيام الملك به، كما إذا مات و صار من الجمادات كذلك قد يخرج عن الملك من جهة ارتفاع العلاقة التي كانت بينه و بين المالك عرفاً و كانت مقوّمة لصدق وجود ملكه عندهم، فإذا ارتفعت تلك العلاقة ارتفعت الملكية و صدق التلف العرفي الّذي هو المناط فيه لاستحالة التلف الحقيقي للملك بعد الوجود. و لهذا رتّب الأصحاب على تلف المبيع قبل القبض بالغرق و نحوه حكمه و ليس إلّا من جهة ما ذكرنا من ترتّب الأحكام المترتّبة على التلف شرعاً على التلف العرفي المتفاوت وضوحاً و خفاء بحسب المقامات.

و عن الحلّي (قدس سره) في السرائر حمله على ما هو الغالب من حصول الإعراض و اليأس للمالك بعد الغرق و هما من أسباب الخروج عن الملكية بمقتضى القواعد، قال في محكي السرائر في نوادر القضاء: «وجه الفقه في هذا الحديث أنّ ما أخرجه البحر فهو لأصحابه، و ما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن وجده و غاص عليه، لأنّه صار بمنزلة المباح. و مثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء و لا ماء، فهو لمن أخذه، لأنّه خلّاه آيساً منه و رفع يده عنه، فصار مباحاً. و ليس هذا قياساً [لأن مذهبنا ترك القياس] و إنّما هذا على جهة المثال. و المرجع فيه إلى الإجماع و تواتر النصوص دون القياس و الاجتهاد» (1) انتهى كلامه.

و قال بعض مشايخنا بعد نقله ما عرفت من كلام الحلّي (رحمه الله) ما هذا لفظه: «قلت:

لعلّ هذا هو العمدة في تملّك المعرض عنه، مضافاً إلى السيرة في حطب المسافر‌

____________

(1) السرائر: 2/ 195.

881

..........

____________

و نحوه» (1) انتهى كلامه. إلى غير ذلك من كلماتهم.

و الحقّ تطرّق النظر إلى جميع ما ذكروه من المحامل و الوجوه؛ أمّا الأوّل، و هو ما ذكره بعض شرّاح الإرشاد، ففيه: أنّه عين القول بطرح الرواية و الرجوع إلى القواعد العامّة.

و أمّا الثاني، و هو القول بحصول التلف بالغرق، ففيه المنع من ذلك. و دعوى الوجدان فيه من العرف مكابرة و مناقضة للوجدان، إذ لو سلّم تلف المالية بالغرق فلا إشكال في بقاء الملكية و الاختصاص. و لو سلّم ارتفاع الملكية أيضاً فلا إشكال أيضاً في بقاء ربط بينه و بين المالك كالبيض الفاسد و الخمر المهروق في وجه الأرض إلى غير ذلك، فالمالك أحقّ به ما دام يقبل الانتفاع به، و لو لم يكن فعلياً، و هو يمنع من صيرورته كالمباح و دخوله في ملك الغوّاص بمجرّد الغوص.

و السرّ فيما ذكرنا من عدم ارتفاع الملكية و العلقة المطلقة، و لو لم يعبّر عنها بالملكية بزوال المالية، أنّ ارتباط الملك بالمالك إنّما هو من حيث وجوه الانتفاع به، فكلّما كانت وجوه الانتفاع و التصرّف كثيرة كانت العلقة بينهما شديدة و يسمى باعتبارها مالًا، و هكذا إلى أن ينتهي إلى مرتبة لا تصلح إلّا للانتفاع به في بعض الوجوه، فكلّما كانت صلاحية الانتفاع به باقية فالمالك أحقّ به من غيره. نعم، لو وصل إلى مرتبة لا يصلح للانتفاع به أصلًا فيخرج عن ملكية المالك و سلطانه و يكون مع غيره شرعاً سواء. هذا، مضافاً إلى أنّه لو قيل بحصول التلف بمجرّد الغرق للزم القول به في صورة إخراج البحر أيضاً، فيكون الحكم بكونه ملكاً للمالك على خلاف القواعد و لم يذهب إليه أحد، بل ظاهرهم الإطباق على كون الفقرة‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 401.

882

..........

____________

الأولى من الرواية موافقة للقواعد.

و أمّا الثالث، و هو القول بكون الحكم في الرواية مبنيّاً على مقتضى الإعراض، ففيه: بعد توجيهه بحمل الرواية على الغالب و هو حصول الإعراض بعد الغرق سيّما إذا وصل إلى قعر البحر كما هو الغالب أنّه لا دليل على إفادة الإعراض نقل الملك و لو مع اليأس أيضاً. و نقل الإجماع و النصوص المتواترة عليه ممّا لم نحقّقه.

و جريان السيرة في بعض الموارد كما في حطب المسافر لا يصير دليلًا للحكم على خلاف القواعد المتقنة [المتيقنة] كلية.

و بالجملة، لا أرى دليلًا على إفادة الإعراض نقل الملك و خروجه عن ملك المالك أصلًا، و دعوى الإجماع عليه ممّا لا يجوز الاتّكال عليه أصلًا كما لا يخفى على من راجع كلمات الأصحاب، كيف؟ و قد استشكل جماعة في حصول الإباحة بالإعراض بل رجّح بعضهم العدم مع عدم العلم بإباحة المالك، كما في بعض المقامات مثل نثار العرس و نحوه. و أعجب من دعوى الإجماع، دعوى النصوص المتواترة مع أنّا لم نقف على نصّ يدلّ عليه عموماً.

و ممّا ذكرنا يظهر أيضاً فساد ما ربّما يقال من حمل الرواية على الملك بعد التصرّف، بناءً على إفادة الإعراض الإباحة، و إفادة التصرّف الملكيّة و لو بالتصرّف المتوقّف على الملك، كما في المعاطاة، بناءً على القول المشهور من إفادتها الإباحة و حصول النقل بالتصرّف، وجه الفساد: مضافاً إلى كونه مخالفاً لظاهر الرواية أنّه لو سلّم إفادة الإعراض الإباحة فلا نسلّم إفادته إباحة التصرّف المتوقّف على الملك، لعدم الدليل عليه أصلًا، كيف؟ و قد منعه جماعة في المعاطاة فضلًا عن المقام.

و القول بحصول النقل بمجرّد التصرّف فاسد جدّاً، لعدم الدليل عليه جزماً. ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من عدم إفادة الإعراض الملكية بين اليسير و الخطير، و لا بين كونه في مهلكة و غيرها.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الأقوال في الإعراض من حيث سببيته لخروج المعرض عنه عن ملك المعرض مطلقاً أو في الجملة، أو عدم سببيّته لذلك مطلقاً و سببيّته‌

883

..........

____________

لإباحة التصرّف فيه مطلقاً، أو عدم سببيته لذلك إلّا مع العلم بإنشاء الإباحة من المالك، كثيرة، و قد عرفت عدم الدليل على سببيّته لخروج الملك عن الملكية مطلقاً، عدا ما يتمسّك به ابن إدريس (رحمه الله) (1) من الإجماع و النصوص المتواترة اللذين لم يتحقّقا لنا. و أمّا رواية البعير فلا دخل لها بالمقام و إنّما هي واردة في مسألة اللقطة. و أمّا التمسّك بذيلها و هي قوله: «و إنّما هو كالشي‌ء المباح» بناءً على القول بإفادة الإعراض الاباحة من حيث دلالته من جهة العموم على حصول الملك في كلّ مباح بأخذه، ففاسد جدّاً، إذ من المعلوم أنّ المراد من المباح فيه هو المباح الأصلي، فلا عموم له يشمل المقام. نعم، ما جرت السيرة عليه في بعض الموارد كحطب المسافر، فنقول به، لكن لا يجوز التعدّي منه، إذ لا قياس في مذهبنا.

و أمّا إفادته الإباحة من حيث هو، فلا إشكال في عدم إفادته في نفسه الإباحة المالكية المتوقّفة على الإنشاء منه. نعم، لا إشكال في إفادته تلك في بعض الموارد الخاصة لا من حيث هو هو، كما في نثار الأعراس، حيث نعلم أنّ المالك أنشأ إباحة أخذه لكلّ أحد.

و أمّا إفادته الإباحة الشرعية فإن قيل بعدم تفكيك الإعراض عن رضا المعرض بتصرّف كلّ من يأخذه و طيب نفسه بذلك، كما مال إليه الأستاد العلّامة، فلا إشكال في حصولها به، لما دلّ على حلّ التصرّف في ملك الغير بعد طيب نفسه و رضاه به.

و منه يظهر فساد ما ذكره بعض مشايخنا (2) من عدم الإباحة إلّا مع العلم بإنشاء المالك إيّاها، إلّا أن يكون مراده الإباحة المالكية، لكنّه بعيد عن كلامه جدّاً.

و إن لم يقل بذلك، فالذي جزم به الأستاد العلّامة في مجلس البحث سببيته لها‌

____________

(1) السرائر: 2/ 195.

(2) راجع جواهر الكلام: 40/ 401 402.

884

..........

____________

أيضاً للأصل الأولي المستفاد من قوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ» الآية (1) و غيره، و لا مخرج عنه، لأنّ ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه فإنّما هو من جهة كونه منافياً لاحترام المالك المنفي قطعاً في صورة الإعراض، فالحرمة حقيقة مستندة إلى كون التصرّف منافياً للاحترام لا إلى عدم الإذن. هذا محصّل ما ذكره و للتأمّل فيه مجال. و عليه يمكن تطبيق الرواية على مقتضى القاعدة بعد رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية.

ثمّ إنّ هنا أموراً ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: أنّه لا إشكال في عدم حصول الملكية بالغوص إذا كان المالك في صدد إخراجه باستيجار عليه و نحوه،

بناءً على القول به، لعدم حصول الإعراض الّذي لا بدّ من حمل الرواية عليه بناءً على كونه الغالب. و كذا لا إشكال في عدم حصول الإباحة أيضاً لحرمة التصرّف في مال الغير المنافي لاحترامه. هكذا ذكره الأستاد العلّامة، لكن في كلام جماعة (2) إطلاق القول بحصول الملكية، فتأمّل.

الثاني: أنّه لا إشكال في جريان البحث المتقدّم في المسألة فيما لو أخرج الغواص المال من قعر البحر

بحيث انقطع رجاء خروجه. و أمّا لا مع ذلك كما إذا كان في وسط البحر أو في قريب من سطحه، ففيه وجهان.

الثالث: إنّه ذكر جماعة أنّ حكم المال المخرج بالغوص على القول بعدم حصول الملك به هو حكم مال اللقطة و المجهول المالك

و هو كذلك، و اللّٰه العالم.

____________

(1) البقرة (2): 29.

(2) راجع شرائع الإسلام: 4/ 896؛ إرشاد الأذهان: 2/ 143.

885

[الاختلاف في دعوى الأملاك]

قوله: «لو تنازعا عيناً في يدهما و لا بيّنة، قضي بها بينهما نصفين» (1) الخ (1).

____________

أقول: إطلاق التداعي و التنازع في المقام إمّا من باب التغليب، أو محمول على المعنى اللغوي. و كيف كان إذا تداعى الشخصان في عين فلا يخلو إمّا أن لا يد لأحدهما عليه، أو يدهما عليه، أو يد أحدهما عليه، و على جميع التقادير إمّا أن يكون لكلّ منهما بيّنة على ما يدّعيه، أو لا بيّنة لأحدهما، أو يكون لأحدهما دون الآخر.

أمّا الأوّل، فإن كان تداعيهما على وجه الترتيب و التعاقب عرفاً،

فلا إشكال في سماع دعوى السابق منهما فيها، لعدم المعارض لها بناءً على ما عرفت من سماع كلّ دعوى لا معارض لها، فيكون على اللاحق البيّنة، لأنّ القول قول السابق. هذا بناءً على كون المراد من قولهم: «قضي له» هو حصول الملكية و اليد للمدّعي حسبما استظهرناه، فلا إشكال. و أمّا بناءً على كون المراد منه هو الحكم بكون المدّعى به ملكاً للمدّعي مراعى، ففيه إشكال؛ لكن صرّح الأستاد العلّامة بعدم الإشكال فيه أيضاً من حيث كون دعواه أمارة على الملكيّة المعتبرة شرعاً بالفرض، فيكون قوله موافقاً للأصل بالمعنى الّذي عرفته سابقاً.

و إن لم يكن على وجه التعاقب بل على وجه الدفعة العرفية، فهل يحكم بتساقطهما من حيث حصول المانع من تأثير كلّ منهما، لأنّ كلّاً منهما موجب للحكم بمقتضاه لو لا الآخر، فنسبة التأثير إلى كلّ منهما ممّا لا معنى له، و إلى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، و الحكم بتأثير كلّ منهما في النصف خلاف‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 896.

886

مقتضاه، فلا بدّ من الحكم بالتساقط، أو الرجوع إلى القرعة من حيث كونها لكلّ أمر مشتبه، أو الحكم بالتنصيف من حيث إنّ الأخذ بكلّ منهما و لو في الجملة أولى من طرحهما؟ وجوه مبنيّة على مسألة تعارض مطلق الأسباب و المعرّفات الشرعية، و قد ذكرنا غير مرّة أنّ مقتضى الأصل الأوّلي فيها هو التساقط. و الرجوع إلى القرعة يحتاج إلى جابر قوي للعمومات الدالة عليها من حيث وهنها. و أمّا الحكم بالتنصيف فلا دليل عليه على سبيل الكلّية، و ما ذكر لا يصلح وجهاً له، فتأمّل هذا.

و قد يتوهّم أنّ المقام ممّا يعمل فيه بموازين القضاء من جهة كون كلّ منهما مدّعياً و منكراً لما يدّعيه الآخر عليه، و لكنّك خبير بأنّه ليس كما يتوهّم، لمنع كون كلّ منهما مدّعياً و منكراً، لأنّ الدعويين منهما بمنزلة الدعوى الواحدة لا مقابل لها، بل كلّ منهما يتعلّق أوّلًا و بالذات بالعين المقتضي للحكم بكونها لمدّعيها، و هذا ممّا لا سترة فيه أصلًا، هذا. و لكن ذكر الأستاد العلّامة فيما سيجي‌ء نقله أنّ صورة منه داخلة فيما يعمل فيه بموازين القضاء.

و أمّا الثاني، و هو ما لو كان لكلّ منهما يد على العين،

فلا إشكال بل لا خلاف في أنّ الحكم التنصيف بينهما لو لم يكن هناك بيّنة، بل الإجماع عليه محقّقاً و منقولًا كما عن جماعة (1).

مضافاً إلى دلالة بعض الأخبار عليه مثل ما في المرسل: «إنّ رجلين تنازعا في دابّة ليس لأحدهما بيّنة فجعلها النبي (صلى الله عليه و آله) بينهما» (2).

إنّما الكلام في أنّ الحكم فيه بالتنصيف على خلاف القاعدة كما في القسم الأوّل، أو على وفقها؟ وجهان مبنيّان على أنّ اليد من كلّ منهما هل هي كاشفة عن السلطنة على تمام العين و ملكيته لكلّ منهما كما في صورة الانفراد فيكون من قبيل‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 78؛ جواهر الكلام: 40/ 402.

(2) السنن الكبرى: 10/ 255 مع اختلاف.

887

تعارض الأسباب الشرعية كما في الصورة السابقة، أو كاشفة عن ملكيّة النصف و السلطنة عليه بمعنى أنّ يدهما بمنزلة اليد الواحدة و السلطنة الواحدة على التمام، فلكلّ منهما يد ناقصة على التمام تكون أمارة و دليلًا على تملّك النصف، فكلّ منهما مدّع بالنسبة إلى ما في يد الآخر و منكر بالنسبة إلى ما في يده، فيعمل بموازين القضاء و يكون مقتضاها مع حلف كلّ منهما و عدم البيّنة التنصيف. ظاهر بعض مشايخنا (1) الأوّل، و ظاهر المشهور الثاني، و هو الوجه.

و تفصيل القول فيه أنّا ذكرنا غير مرّة أنّ الأسباب الشرعية و الأمارات المعتبرة شرعاً كالبيّنة و الإقرار و اليد و اليمين إلى غير ذلك، كلّها أمور كانت معتبرة عند العرف من حيث كشفها عن مداليلها ظنّاً و ظهورها فيها و لو نوعاً و طبعاً، فاعتبرها الشارع أيضاً بهذه الملاحظة و معنى اعتباره إمضاؤه ما عليه بناء العرف سوى القرعة حيث إنّ الوجه في اعتبارها هو التعبّد لا الظهور و الكشف النوعي و إن احتملنا سابقاً كون الوجه في اعتبارها هو ذلك أيضاً. فإذا كان الوجه في اعتبارها هو ذلك، فنقول:

إنّا نمنع من كون اليد أمارة عرفاً على السلطنة المطلقة و تملّك تمام العين في صورة الانضمام و الاشتراك، و إنّما هي أمارة على التملّك في الجملة. نعم هي أمارة على السلطنة المطلقة بشرط التجرّد، فاليد بشرط شي‌ء دليل عند العرف على تملّك التمام لا لا بشرط.

و بعبارة أخرى، اليد المجرّدة أمارة على السلطنة المطلقة لا مجرد اليد و إنّما هي أمارة على السلطنة في الجملة، فأماريّة اليد على تملّك المجموع عند العرف إنّما هي من جهة تجرّدها و انفرادها، ففي صورة الانضمام و الاجتماع لا يكشف كلّ منهما إلّا عن تملّك النصف فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى ما يقتضي كلّ منهما، و هذه بخلاف سائر الأسباب كالبيّنة و الدعوى المجرّدة و الإقرار، فإنّها مقتضية حتّى‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 402 403.

888

في صورة التعارض لتملّك تمام العين و أمارة عليه نوعاً فيكون كلّ منهما مزاحماً للآخر.

و السرّ فيه أنّ قول البينة: (هذا المال لزيد)، و قول المدّعي: (هذا لي)، إنّما يكون مدلولهما اللفظي كون تمام المال لزيد و المدّعي، و هذا بخلاف اليد فإنّها ليست دالّة على ذلك لعدم تعلّقها بالتمام على وجه التمام و الكمال، لاستحالة ذلك و إنّما هي متعلّقة به على وجه النقص، فتكون أمارة على تملّك النصف المشاع لا أنْ تكون متعلّقة بالنصف المشاع، لأنّ تعلّقها بذلك يستلزم تعلّقها بالتمام كذلك و قد فرضنا استحالته من حيث إنّ لكلّ منهما مزاحمة الآخر.

و الحاصل أنّ لليد معاني ثلاثة: أحدها: الجارحة المخصوصة، و لا إشكال في أنّه لا يعقل تعلّقها بالتمام مطلقاً. ثانيها: الاستيلاء الحسّي الكاشف عن السلطنة المعنوية. و هذه أيضاً لا معنى لتعلّقها بالتمام على وجه الكمال في الفرض لفرض وجود المزاحم. ثالثها: السلطنة المعنوية المعبّر عنها بالملكية المستكشفة عن الاستيلاء الحسّي، و هي تابعة إطلاقاً و تقييداً تماماً و نقصاً لكاشفها، و لمّا كان الاستيلاء الحسّي في المقام على التمام على وجه النقص فتكون أمارة على السلطنة الناقصة المتعلّقة بالتمام المعبّر عنها بملكيّة النصف، لا أن يكون متعلّق اليد الحسّية هو النصف المشاع، إذ هو غير معقول. و منه يظهر إيراد آخر على شيخنا المتقدّم ذكره حيث ذهب في بعض كلامه إلى أنّ لكلّ منهما يداً تامّة على النصف المشاع (1). و كيف كان ما ذكرنا ممّا لا إشكال فيه.

فهل يحتاج الحكم بالتنصيف إلى حلف كلّ منهما لصاحبه من حيث كون كلّ منهما منكراً فعليه اليمين، كما عن الأكثر بل عن المشهور، أو لا يحتاج إلى ذلك، كما‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 403.

889

عن بعض و نسب إلى ظاهر الغنية (1) و المصباح (2) وجهان، أوجههما عند شيخنا المتقدّم كما هو قضيّة صريح كلامه و لازم مذهبه هو الثاني، و عندنا هو الأوّل لما قد عرفت من الوجه سابقاً.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أنّ وجه القول بعدم الاحتياج ليس إلّا كون يد كلّ منهما أمارة على التمام كالدعوى التي لا معارض لها و كالبيّنة في صورة التعارض، فلا معنى لإعمال موازين القضاء على هذا التقدير، لعدم وجود المنكر بالفرض. ثمّ إنّ نسبة المصنّف القول المشهور إلى القيل يشعر بتمريضه كما لا يخفى، هذا.

و ربّما يجمع بين القول بالاحتياج و عدمه كما عن بعض بوجهين، أحدهما، ما تفرّد به الأستاد العلّامة من ورود كلام القائل بعدم الاحتياج في مقام بيان المهملة، و هي أنّ الحكم في الصورة هو التنصيف في الجملة على خلاف الصورة الأولى، فلا يدلّ على كون مذهبه نفي الاحتياج إلى اليمين.

ثانيهما، ما ذكره الفاضل الهندي في محكيّ شرحه (3)، و تبعه بعض أجلّة السادة (4) من تنزيل كلام من ذكر الحلف على جهة التخيير، بمعنى أنّه لو أراد كلّ منهما تحليف صاحبه و رضي الآخر بذلك فله ذلك، لا على جهة الشرطية و الاحتياج بمعنى توقّف الحكم عليه. ثمّ استظهر الفاضل ما جمع به بين القولين من كلام المصنّف في النافع، قال: «و لذا قال في النافع بعد الحكم بكونها بينهما: و لكلّ منهما إحلاف صاحبه» (5) انتهى ما حكى عنه، هذا.

____________

(1) غنية النزوع: 444.

(2) كذا في المخطوطة و المطبوعة، و لكن الصحيح الإصباح للكيذري، كما في الجواهر: 40/ 403، فراجع.

(3) كشف اللثام: 2/ 353.

(4) راجع رياض المسائل: 2/ 415 416.

(5) كشف اللثام: 2/ 353؛ المختصر النافع: 277.

890

و لكنّك خبير ببعد الوجه الأوّل عن كلامهم و فساد الوجه الثاني، لأنّه بعد البناء على سماع الدعوى فلا معنى للقضاء من الحاكم بدون اليمين فإنّ عدم ارادة المدّعي إحلاف المنكر لا يقتضي سقوط اليمين في مقام الحكم و جوازه بدونها و إنّما مقتضاه بقاء العين في يد المدّعَى عليه و بقاء الخصومة.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا دلالة لكلام المصنّف على ما ذكره من الجمع بوجه، ضرورة أنّ إحالة التحليف على استحلاف المدّعي لا يقتضي لجواز القضاء بدونها، و إنّما هو نظير قولهم: فيستحلف المنكر إن طلبه الخصم من حيث كون الحق له، كما أنّه لا يلزم بإقامة البيّنة لو لم يرد رفع الخصومة.

ثمّ إنّه بعد البناء على ما عليه الأكثر فلا يخلو إمّا أن يحلف كلّ منهما، أو لا يحلف واحد منهما، أو يحلف أحدهما دون الآخر؟ فإن حلف كلّ منهما فلا إشكال في كون الحكم فيه التنصيف، عملًا بما قضت به اليد مع عدم المانع منه. فإن لم يحلف واحد منهما لا لإثبات ما يدّعيه و لا لنفي ما يدّعيه الخصم، فلا إشكال في كون الحكم فيه التنصيف، سواء على القول بالقضاء بالنكول و عدمه، و الوجه فيه ظاهر. فإن حلف واحد منهما دون الآخر فيحكم بالتمام للحالف، فهل يكفي اليمين الجامعة، أو يحتاج إلى يمينين؟ وجهان، أوجههما بالنظر إلى قضيّة الأصل هو الثاني. و قد مضى بعض الكلام فيه في طيّ كلماتنا السابقة و لعلّنا نتكلّم فيه إن شاء اللّٰه فيما بعد.

ثمّ إنّهم ذكروا في باب الصلح فروعاً بعضها مخالف للقاعدة و بعضها موافق للقاعدة و بعضها محتمل للأمرين،

قد أورد بعض الأجلّة من أفاضل المتأخّرين تدافعاً بين بعض ما ذكروه هناك و ما ذكروه في المقام لا بأس بالإشارة إلى جملة منها حتّى يتبيّن مورد التدافع.

أحدها: أنّه لو كان لأحد ثوب بعشرين درهماً و للآخر ثوب بثلاثين، ثمّ اشتبها،

891

فإن خيّر أحدهما صاحبه فقد أنصفه، و إن تعاسرا بيعا و قسّما بينهما و أعطي صاحب العشرين سهمين من خمسة و للآخر ثلاثة. و به رواية عن إسحاق بن عمّار عن مولانا الصادق (عليه السلام) (1)، و هذا و إن كان الحكم فيه على خلاف القاعدة إلّا أنّه لا دخل له بما نحن فيه من وجهين: أحدهما: عدم فرض الترافع فيها (2) ثانيهما: عدم فرض الاشتراك و اليد فيها 3، فلا ربط لها 4 بالمقام أصلًا.

ثانيها: أنّه لو أودعه إنسان درهمين و آخر درهماً و امتزجت ثمّ تلف أحد الدراهم بدون تعدّ و تفريط من الودعي،

فيعطى صاحب الدرهمين درهماً فيقسّم الآخر بينهما نصفين. و به أيضاً رواية عن السكوني عن مولانا الصادق (عليه السلام) 5، و هذا و إن كان الحكم فيه على خلاف القاعدة كما لا يخفى على المتأمّل إلّا أنّه لا دخل له بالمقام أيضاً، لما قد عرفت من عدم اليد و الشركة و عدم فرض الخصومة فيه. أمّا الثاني فظاهر، ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه، لكن لا يخفى عليك أنّ الحكم في مورد الترافع يكون كذلك أيضاً. أمّا الأوّل فلأنّك قد عرفت في طي كلماتنا السابقة أنّ اختلاط الدرهمين و الثلاثة لا يوجب الاشتراك و المزج العرفي و إنّما هو من باب الاشتباه، فلا دخل له بصورة حصول الاشتراك و إن توهّم فيه أيضاً حصول الاشتراك، لكنّه بمعزل من التحقيق.

ثالثها: أنّه لو كان مع الرجلين درهمان و ادّعاهما أحدهما و ادّعى الآخر أحدهما، كان لمدّعيهما درهم و نصف، و للآخر الباقي،

و به روايتان: إحداهما عن‌

____________

(1) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 36؛ الكافي: 7/ 421 422؛ تهذيب الأحكام: 6/ 208 و 303؛ وسائل الشيعة: 18/ 451.

(2) 2 و 3 فيه، خ ل.

(3) 4 له، خ ل.

(4) 5 كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 37؛ تهذيب الأحكام: 6/ 208 و 7/ 181؛ وسائل الشيعة: 18/ 452.

892

عبد اللّه بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، و قال الآخر: هما بيني و بينك. قال:

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أمّا الّذي قال: هما بيني و بينك، فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له فيه شي‌ء، و أنّه لصاحبه و يقسّم الدرهم الثاني بينهما نصفين» (1).

و هذا كما ترى لو حمل على الاشتراك و الإشاعة كما هو ظاهر صدر الحديث من حيث ظهور لفظ «البين» في الاشتراك، فيكون منافياً للقاعدة من وجهين:

أحدهما: أنّ مقتضى القاعدة كما تقرّر عندهم أنّه لو ادّعى واحد ممّن في يدهما العين أنّ تمامها لي، و ادّعى الآخر أنّ نصفها لي و نصفها لك انّ الحكم فيه التنصيف بعد حلف مدّعي النصف لكونه منكراً و الآخر مدّعياً لكون يد كلّ منهما على النصف. ثانيهما: أنّ مقتضى القاعدة هو الحكم بعد الحلف لكون كلّ منهما منكراً بالنسبة إلى أحد الدرهمين بحسب ما في يده مع أنّه لم يذكر الحلف أصلًا.

و لو حمل على التعيين كما هو ظاهر جواب الإمام (عليه السلام) من حيث ظهور لفظ «أحد الدرهمين» في عدم الاشتراك الكاشف عن كون مراد السائل من لفظ «البين» ما هو خلاف ظاهره. فإن حمل على صورة عدم العلم بكذب أحدهما و كون يده عادية و احتمال اشتراكهما فيه حسبما هو قضيّة يدهما ففيه و إن لم يكن مخالفة من حيث الوجه الأوّل إلّا أنّ فيه مخالفة من حيث الوجه الثاني و إن حمل على ما هو الغالب من صورة العلم بكون أحدهما كاذباً في دعواه و عدم اشتراك الدراهم بينهما، فليس فيه أيضاً مخالفة إلّا من حيث الوجه الثاني على احتمال، لكنّه لا دخل له بالمقام أيضاً أصلًا كما لا يخفى.

فنقول دفعاً للمنافاة بين ما ذكروه في المقام و ما ذكروه من الفرع المستفاد من‌

____________

(1) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 35؛ تهذيب الأحكام: 6/ 208 و 292؛ وسائل الشيعة: 18/ 450 (مع اختلافات فيها)

893

الحديث: إنّ صدر الحديث و إن كان له ظهور في صورة احتمال الإشاعة إلّا أنّ ظهور ذيله في نفيه حاكم عليه كما لا يخفى. و إن احتمل كون إطلاق الأحد باعتبار كون كيفية التقسيم على هذا الوجه غالباً لكنّه خلاف الظاهر، و على فرض كون المراد منه التعيين و إن كان محتملًا للوجهين اللذين عرفتهما إلّا أنّ الظاهر منه بملاحظة العلّة هو الاحتمال الثاني، فلا دخل له بالمقام و إن كان فيه مخالفة للقاعدة؛ فإنّ كلامنا في إثبات عدم التنافي لا في إثبات عدم كون الفروع المذكورة مخالفة للقواعد المقرّرة فإنّه غير مقصود في المقام. ثمّ إنّ هذا كلّه فيما لم يكن لهما بيّنة. و أمّا لو كانت هناك بيّنة فسيجي‌ء حكمه إن شاء اللّٰه.

هذا كلّه فيما لو كانت يدهما عليه. و أمّا لو كان في يد أحدهما و كان الآخر خارجاً، ففي صورة عدم البيّنة لا إشكال في الحكم بكون العين لمن في يده مع حلفه لكونه منكراً، و مع عدم حلفه يبتني الحكم على القضاء بالنكول و عدمه. و أمّا لو كانت للمدّعي بيّنة على ما يدّعيه فسيجي‌ء حكمه إن شاء اللّٰه.

894

[لو تنازعا عيناً، و كانت يدهما خارجةً]

قوله: «و لو كانت يدهما خارجة، فإن صدق» الخ (1).

____________

أقول: ما ذكرنا سابقاً من حكم ما لو لم يكن العين في يدهما إنّما كان في صورة عدم البيّنة و عدم كونها في يد ثالث، و قد عرفت أنّ الحكم فيه بالنظر إلى الأصل الأولي في تعارض الأسباب هو التساقط من غير أنْ يراعى فيه أحكام التداعي.

و لكن قد ذكر الأستاد العلّامة أنّه يتصوّر على صورتين: إحداهما: ما لو ادّعى كلّ منهما من غير أن يكون مقصوده نفي ملكية العين للآخر و في مقام الخصومة معه، بأن ادّعاها مع عدم اطّلاعه بدعوى الآخر و أنّ هناك مدّعياً آخر. ثانيتهما: ما لو ادّعى كلّ منهما في قبال دعوى الآخر، بأن تحقّق هناك خصومة. ففي الأولى الحكم ما ذكرنا سابقاً. و في الثانية يراعى فيها أحكام التداعي لوجود الخصومة و الترافع بينهما. و أمّا لو كانت هناك بيّنة فستعرف حكمه.

و أمّا لو كانت في يد ثالث، فلو صدّق أحدهما المعيّن دون الآخر قضي للمقرّ له إن حلف على طبق دعواه لصيرورته مدّعَى عليه بعد الإقرار له من ذي اليد عرفاً.

مضافاً إلى قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (2) فإنّه بإقراره يجعله للمقرّ له، فإقراره أمارة على كون المقرّ به ملكاً للمقرّ له، هذا. و قد ذكر الأستاد العلّامة أنا (3)

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 897.

(2) كتاب من لا يحضره الفقيه: 4/ 127؛ عوالي اللئالي: 1/ 223، 2/ 257، 3/ 442؛ وسائل الشيعة: 23/ 184.

(3) أنّى، خ ل.