كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
945

الموهن و الجابر، فإنّ الأوّل عدمه معتبر في الحجّية الشأنية، كما أنّ الثاني وجوده معتبر في الحجّية الشأنية، فهو متمّم لأصل الدليل بحسب الشأن.

و أمّا المعارض، فعدمه و إن كان معتبراً في الحجّية الفعلية، إلّا أنّه ليس معتبراً في الحجّية الشأنية، و لهذا لا يشترط في الأوّلين اعتبارهما في أنفسهما بخلاف الثالث، فإنّ المانع عن المقتضي للحجّية لا يكون إلّا حجّة، فإنّ المنع و المزاحمة فرع لمقاومة المانع المتفرّعة على حجّيته كما لا يخفى. و إن جعلنا وجه تقديمها الترجيح باليد فلا إشكال في إغنائها عن اليمين في الفرض، لأنّ عدم افتقارها إلى اليمين مع التعارض يقتضي عدم افتقارها إليها في صورة عدمه بالأولوية القطعية الواضحة، و إن جعلنا الوجه فيه التعبّد من جهة الأخبار الواردة على تقديمها.

فإن جعلنا المستند فيه ما دلّ من الأخبار على التقديم من دون يمين، فلا إشكال في الإغناء عن اليمين في الفرض بالأولوية القطعيّة. و إن جعلنا المستند فيه ما دلّ من الأخبار على التقديم مع انضمام اليمين حيث إنّ الأخبار الواردة في الباب حسبما عرفتها مختلفة، فلما لم يكن الوجه في الافتقار إلى انضمام اليمين معلوماً إذ يحتمل أن يكون التساقط و لازمه إغناؤها عن اليمين في الصورة، و يحتمل أن يكون مجرّد التعبّد و أنّ بيّنة المنكر في كلّ مورد سمعت فيه، فلا بدّ من انضمام اليمين إليها، فلا بدّ من التوقّف بحسب الاجتهاد، و الحكم بعدم الكفاية و الإغناء بحسب الأصل العملي، هذا.

و لكنّ الحقّ على هذا التقدير أيضاً إغناؤها عن اليمين، لما قد عرفت في طيّ كلماتنا السابقة من أنّ الاحتمال الثاني ممّا لا معنى له، لأنّ انضمام اليمين إلى البيّنة في صورة عدم المعارضة مستلزم للغوية كما لا يخفى.

السابع: أنّك قد عرفت في طيّ كلماتنا الماضية أنّه لا إشكال في سماع البيّنة من الداخل لو أقامها بعد القضاء على حصول النقل من المدّعي إليه بعده،

لانقلاب‌

946

الدعوى و صيرورة المدّعي منكراً و المنكر مدّعياً، فلا مانع من سماعها، لأنّها دعوى جديدة على ما هو الشأن في جميع ما كان من أمثال الفرض، كدعوى الإبراء بعد حكم الحاكم بالاشتغال من جهة الاستصحاب أو الشهادة المستندة إليه، و هذا لا إشكال فيه أصلًا، إنّما الاشكال في أنّه لو ادّعى الداخل الانتقال بعد القضاء و لم يكن له بيّنة على دعواه في مجلس الدعوى، فهل تقف الدعوى إلى أن يحضرها مطلقاً، أو لا تقف كذلك، أو يفصّل في الإمهال بين حضور البيّنة في البلد و غيبتها، فينتزع العين من يده في الصورة الثانية و يحكم عليه معلّقاً و مراعى إلى أن تقوم البيّنة فتنزع من يد المدّعي بخلاف الصورة الأولى؟ وجوه.

ثمّ إنّه ذكر الأستاد العلّامة دام ظلّه أنّ مبنى المسألة على أنّ الفحص عن معارض ميزان القضاء واجب على الحاكم إذا كان منضمّاً إليه أصل عملي، كما يجب الفحص عن معارض الدليل على المجتهد، أم لا؟ و بعبارة أخرى: هل يجب الفحص عن المعارض في العمل بالأصل في المقام كما يجب في الأحكام أم لا؟ و لمّا لم يكن الكلام مختصّاً بالمقام فبالحري أن يحرّر البحث على وجه التفصيل لينفع في نظائره، فنقول: إنْ كان مستند القضاء منجّزاً فلا إشكال في عدم وجوب الفحص عن شي‌ء في الحكم به و إن كان معلّقاً، فتارةً يكون إثبات أصله معلّقاً بمعنى أنّ إثبات أصل المستند قد صار بأصل من الأصول المعلّقة بعدم قيام الدليل على خلافها، كإثبات البيّنة العادلة بأصالة عدم صدور الفسق منه. و أخرى يكون تطبيقه على المدّعى معلّقاً على أصل كالشهادة على الملك الفعلي أو الاشتغال الفعلي من جهة الاستصحاب، فإنّ تطبيق الشهادة على المدّعَى و هو الملكية الفعلية و الاشتغال الفعلي في المثالين لا يمكن إلّا بالاستصحاب إذا كان هناك حالة سابقة و لم يعلم بقاؤها. و ثالثة يكون العمل عليه معلّقاً على أصل كالعمل ببيّنة الخارج‌

947

مستنداً إلى أصالة عدم وجود بيّنة الداخل أو أصالة عدم وجود بيّنة الإبراء و الانتقال كما في المقام.

أمّا الصورة الأولى فقد حكموا فيها من غير نقل خلاف، حسبما حكى الأستاد العلّامة أنّه لو ادّعى المدّعَى عليه أنّ له بيّنة على الجرح يقف الحكم ان ادّعى حضورها و يمهل ثلاثاً أو أقل إن ادّعى غيبتها. و أمّا في الصورتين الأخيرتين فالمشهور بينهم عدم سماع دعوى البيّنة فيهما و إيقاف الحكم، بل يحكم مراعىً بعدم قيام البيّنة على الخلاف كما في القضاء على الغائب.

فبالحريّ أن نبيّن ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية في جميع الصور ثمّ نتكلّم في وجود المخرج عنها بالنسبة إلى كلّها أو بعضها، فنقول: قد يقال: إنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو عدم وجوب الفحص في المقام، لأنّه من الشبهة الموضوعية و من المعلوم المقرّر في محلّه أنّ إجراء الأصل فيها لا يتوقّف على الفحص كما في الشبهة الحكمية، من غير فرق فيما ذكر بين الصور الثلاث و لا بين صور الحضور و الغيبة.

و قد يقال: إنّ مقتضى الأصل الأوّلي في جميع الصور هو عدم وجوب الفحص في صورة الغيبة لا في صورة الحضور، فإنّ البناء على إجراء الأصل فيها من دون فحص موجب للوقوع في مخالفة الواقع كثيراً فيجب الفحص عن الموارد كما هو الشأن في كثير من الموضوعات كما في الضرر و الشك في بلوغ المال بقدر الاستطاعة أو نصاب الزكاة إلى غير ذلك، فإنّ أمثال هذه الموضوعات نظير الأحكام يلزم من إجراء الأصل فيها من دون فحص مخالفة كثيرة فيجب الفحص فيها كما هو أحد الأدلّة على وجوب الفحص من الدليل في إجراء الأصل في الأحكام الشرعية الكلية. و هذا بخلاف صورة غيبة البيّنة فإنّه لا يلزم من الرجوع إلى الأصل فيها المحذور اللازم في صورة دعوى حضورها، هذا.

948

و لكنّك خبير بأنّ الفرق من الجهة المذكورة بين الصورتين لا يخلو عن تأمّل لا تأمّل في وجهه أصلًا لكلّ من تأمّل فيه هنيئة. فالحقّ في التقرير هو التقرير الأوّل، لما قد عرفت مضافاً إلى إطلاق ما دلّ على القضاء بالميزان المفروض وجوده و سلامته عن المعارض و لو بالأصل، فتأمّل.

و بالجملة، فمقتضى الأصل الأوّلي بالنظر إلى ما ذكرنا في جميع الصور هو عدم الانتظار و الإيقاف إلّا أنّ الظاهر من جماعة الفرق بين الحضور و الغيبة. كما أنّ الظاهر من الأصحاب بل المحكي عليه الإجماع، هو الحكم بالانتظار في الجملة في صورة الغيبة في دعوى الجرح، و إن اختلفوا في غيرها فذهب الأكثر فيه إلى عدم الوجوب.

و قال الأستاد العلّامة: إنّ قضيّة التحقيق مع قطع النظر عن مقتضى الأصل الأوّلي هو التفصيل في صورة دعوى وجود البيّنة بين الحضور و الغيبة في القسمين الأخيرين، كما أنّ قضيّته التفصيل في صورة الغيبة بين دعوى الجرح و غيرها، ففي صورة دعوى الحضور يمهل في جميع الأقسام الثلاثة، و في صورة دعوى الغيبة يمهل في الجملة في دعوى الجرح و لا يمهل في القسمين الأخيرين، فلنا في المقام دعويان.

لنا على أوليهما وجوه من الأدلة: أحدها: أنّ مقتضى تعلّق حقّ المدّعي هو وجوب الإمهال في صورة دعوى وجود البيّنة الحاضرة، و إلّا لزم تفويت حقّه من دون موجب له، لأنّ المفروض عدم إيجابه تفويت حقّ من أقام البيّنة، و هذه بخلاف صورة الغيبة، فإنّ مراعاة حقّ مدّعي وجود البيّنة فيها معارض بمراعاة حقّ من أقام البيّنة على دعواه. ثانيها: أنّ مقتضى نصب الحاكم للقضاء بين النّاس و النظر في أمورهم هو وجوب التأمّل في أمر المرافعة ما لم يوجب تفويت حقّ من أحد المترافعين. ثالثها: أنّ بناء العرف بل سيرة المتشرّعة بل سيرة المترافعين على‌

949

الإمهال في الصورة، بحيث يعدّون مطالبة من أقام البيّنة فيها الحكم له مجرّد العناد، و لعلّ مرجع هذا الوجه إلى أنّ دعوى وجود البيّنة في الصورة توجب سقوط اعتبار الأصل قبل الفحص و الانتظار. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه على ما استفدنا من كلامه من الوجوه على وجوب الإيقاف في الصورة. و للتأمّل فيه بعد ملاحظة إطلاق ما دلّ على القضاء بالميزان الشرعي المفروض وجوده، مجالٌ، فتأمّل.

لنا على الثانية، أمّا على عدم الإمهال في غير دعوى البيّنة على الجرح من القسمين الأخيرين: أمّا فيما إذا انقلب الدعوى و صار المدّعي منكراً أو المنكر مدّعياً كما في دعوى الإبراء و الشراء، فلأنّ دعوى وجود البيّنة الغائبة على المدّعى في الفرض كدعوى وجودها في الدعوى الابتدائيّة الغير المسبوقة بدعوى أخرى، لاتّحاد المناط فيهما، و من المقرّر في محلّه جواز ردع المدّعي عن المنكر و رفع يده عنه في الصورة الثانية مع ادعائه البيّنة الغائبة و عدم سؤاله إحلاف المنكر، لعدم وجود الرافع للعمل بالأصل في طرف المنكر بمجرّد ادّعائه وجود البيّنة من (1) المدّعي، فإذا أقرّ المنكر في الفرض بالاشتغال الّذي هو مدّعَى المدّعي بادعائه الإبراء منه، فقد جعل الأصل على خلاف قوله، فيعمل الحاكم به ما لم يثبت الرافع له.

فإن قلت: فرق بين الصورتين، فإنّ الكلام في الفرض في جواز قضاء الحاكم بالاشتغال و أخذ الحقّ من المنكر بمجرّد الشهادة الاستصحابية أو الإقرار الموجب لتحقّق الأصل مع ادّعاء المدّعي ما يكون وجوده رافعاً لميزان القضاء أم لا؟ و بعبارة أخرى: الكلام في المقام في تمامية ميزان الحكم و القضاء مع ادّعاء المدّعي البيّنة الغائبة على دعواه، و في الصورة السابقة في جواز العمل بالأصل في طرف المنكر مع ادّعاء المدّعي البيّنة الغائبة. فليس الكلام فيه في جواز قضاء‌

____________

(1) على، خ ل.

950

القاضي بالأصل الموافق لقول المنكر حتّى يدّعى المنع من تماميّة ميزان القضاء مع دعوى المدّعي وجود البيّنة له، و إنّما الكلام فيه في مجرّد العمل بالأصل مع أنّه ليس أيضاً متّفقاً عليه بينهم، لمخالفة جمع فيه و حكمهم بالإيقاف في الجملة.

قلت: لا نعني من القضاء التعليقي في المقام إلّا إلزام الحاكم المدّعي على العمل الّذي أحدث موضوعه بادّعائه، فانتزاع العين أو أخذ ما في الذمّة من المنكر في الفرض، مثل رفع يد المدّعي عن العين في الصورة السابقة في كون كلّ منهما من جهة ملاحظة الأصل. و لا نعني بالقضاء التعليقي إلّا هذا، و مجرّد تسمية الثاني عملًا بالأصل و الأوّل قضاء لا يوجب التفرقة بينهما مع عدم وجود ثمرة بينهما أصلًا كما لا يخفى.

و أمّا فيما إذا لم ينقلب الدعوى، بل ادّعى وجود البيّنة على طبق ما يدّعيه، كدعوى الداخل البيّنة الغائبة على ما في يده، مع إقامة الخارج البيّنة على دعواه، بناءً على القول بتقديم بيّنة الداخل عند التعارض، فلأنّ بيّنة المدّعي في الفرض لا تتقصر عن الأصل في طرف المنكر فيما إذا ادّعى المدّعي البيّنة الغائبة فقد عرفت أنّ الحكم فيه عدم الإيقاف. هذا كلّه في عدم الإيقاف في الصورتين الأخيرتين.

و أمّا الدليل على الإيقاف في الجملة في دعوى البيّنة الغائبة على الجرح، فلأنّ مرجع الدعوى فيها إلى دعوى عدم تمامية الميزان، فهي ترجع إلى الخدشة في أصل الميزان و لا دخل لها بدعوى البيّنة على خلاف الدعوى. و من المعلوم أنّ الفحص عن أصل ميزان القضاء واجب على الحاكم.

و بعبارة أخرى: مرجع دعوى وجود البيّنة على الجرح إلى دعوى عدم المقتضي للحكم لخلل في أصل الميزان بخلاف دعوى وجود البيّنة في غير دعوى الجرح، فإنّ مرجعها إلى وجود المانع عن العمل بالمقتضي المدفوع بالأصل.

و بعبارة ثالثة: المدّعَى عليه في دعوى وجود البيّنة على الجرح هو نفس‌

951

الحاكم من حيث رجوع دعوى الجرح إلى أنّ الحكم بالبيّنة حكم بالجور فلا يجوز له العمل بالأصل بل يجب الفحص عليه. بخلاف دعواه في غير الصورة فإنّها دعوى على المدّعي فالحاكم يفصل بينهما بما جعل ميزاناً له و لو بضميمة الأصل.

هذا ملخّص ما أفاده الأستاد العلّامة في وجه الفرق؛ و أنت خبير بإمكان المناقشة فيه بأنّ دعوى وجود البيّنة من المدّعي إن كان مسقطاً للأصل عن الاعتبار فلا فرق بين المقامات، و إلّا فلا معنى للفرق أيضاً، فنقول في صورة دعوى وجود البيّنة على الجرح: إنّ الميزان تامّ و لو بضميمة الأصل المعتبر بالفرض. و بالجملة، ما ذكره من الوجوه اعتبارات لا تصلح للفرق، و اللّٰه العالم.

الثامن: ذكر الفاضل في القواعد (1) و بعض الأصحاب في غيره مسألة أنّه هل يكون البيّنة حجّة على غير المدّعَى عليه أم لا؟

و اختار عدم الحجّية. و مجمل القول فيها: أنّه إن أريد من الحجّية على غير المدّعَى عليه أنّه لا يجوز له الدعوى على المدّعي أصلًا و لا المخاصمة مع المدّعي في العين التي أقام البيّنة على كونها ملكاً له عند الحاكم، فلا دليل عليه أصلًا، بل مقتضى الأدلّة حتّى الإجماع خلافه. و إن أريد أنّ بعد حكم الحاكم بالبيّنة يجب على النّاس إنفاذه و ترتيب أثر ملكيّة المدّعي على العين التي أقام البيّنة على كونها ملكاً له، فإن أريد صورة العلم بالخلاف فلا معنى له أيضاً، و إن أريد صورة الجهل فلا إشكال فيه، لأنّه معنى اعتبار البيّنة في مقابل إنكار المنكر و وجوب إنفاذ حكم الحاكم. و اللّٰه العالم بالصواب. هذا بعض الكلام في الصورة الثانية و هي ما لو كانت العين بيد أحدهما.

و أمّا الكلام في الصورة الثالثة، و هي ما لو كانت خارجة عن يدهما،

فإن كانت بيد ثالث صدّقهما أو صدّق أحدهما، فتدخل في الصورة الأولى على الأوّل و في الصورة الثانية على الثاني، بناءً على ما عرفت من أنّ إقرار ذي اليد يجعل‌

____________

(1) راجع قواعد الأحكام: 3/ 489.

952

المقرّ له ذا اليد عرفاً و شرعاً. و إن لم تكن في يد ثالث، أو كانت و لم يثبتها لأحدهما، فلا يخلو إمّا أن يكون لإحدى البيّنتين مزيّة على الأخرى، أم لا. فالكلام يقع في المقامين:

أمّا الكلام في المقام الأوّل و هو ما لو كانت لإحدى البيّنتين مزيّة على الأخرى،

فيقع في مقامات: أحدها، في الترجيح بالمزيّة في الجملة و إن كان بالمزيّة المنصوصة. ثانيها، في التعدّي عنها إلى غيرها من المزايا. ثالثها، في الافتقار إلى اليمين، بناءً على الترجيح بالمزية و عدمه.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في الترجيح بالمزيّة في الجملة و إن كان بالمزيّة المنصوصة.]

فيقع أيضاً في مقامين: أحدهما، في تحقيق ما هو قضيّة الأصل الأوّلي في الترجيح. ثانيهما، في وجود المخرج عنه.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في تحقيق ما هو قضيّة الأصل الأوّلي في الترجيح.]

فنقول: إنّ الّذي يقتضيه التحقيق المحقّق مستقصى في محلّه بالنظر إلى الأصل الأوّلي هو عدم الترجيح بالمزية الغير المعتبرة، كما أنّ الأصل عدم الحجيّة في الظن الغير المعلوم اعتباره من الدليل القطعي، سواء كان اعتبار البيّنتين من باب التعبّد أو الظن النوعي، فالبيّنة الراجحة بالنظر إلى مقتضى الأصل سواء في الحكم مع البيّنة المرجوحة.

[المقام الثاني في وجود المخرج عنه.]

فبعد ما كان مقتضى الأصل الأوّلي عدم الترجيح بالمزيّة، فهل مقتضاه إيقاف الدعوى لعدم وجود الميزان للقضاء لفرض تساوي البيّنتين من حيث الحكم، أو الحكم بالتنصيف من حيث كونه جمعاً بين العمل بالبيّنتين، أو انتقال الميزان إلى اليمين و كونها الفاصلة للخصومة للفرض أو إلى القرعة بدون الاحتياج إلى انضمام اليمين، أو معها (1) وجوه، أوجهها عند الأستاد العلّامة ثالثها لوجوه: أحدها: ما دلّ على كون الميزان للمدّعي و الفرض عليه في صورة تعذّر البيّنة هي اليمين.

____________

(1) معه، خ ل.

953

لا يقال: إنّ مقتضى قاعدة التعذّر، هو تعذّر الإقامة كما فيما لا يعلم إلّا من قبله، لا تعذّر العمل من جهة وجود المزاحم.

لأنّا نقول: بعد تسليم كون المراد منها ما ذكر إنّه لا إشكال أنّ مناط القاعدة و هو لزوم تضييع حقّ المدّعي لو بنى على عدم القناعة منه باليمين الّذي شرّع لعدمه القضاء بين النّاس، موجودٌ في الفرض أيضاً، فلا بدّ أن يكون الميزان فيه هو اليمين أيضاً، و إلّا لزم المحذور المذكور، هذا.

ثانيها: ما دلّ من الأخبار على حصر ميزان القضاء بالبيّنة و الايمان، فإذا لم يمكن القضاء بالأولى فلا بدّ من القضاء بالثانية، كقوله (صلى الله عليه و آله): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الايمان» (1) و نحوه.

لا يقال: الأخبار الحاصرة إنّما وردت مورد بيان المهملة، فالمرجع هي الأخبار المفصّلة، مثل قوله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من ادّعي عليه» (2) أو «على من أنكر» (3) و هي تدلّ على حصر اليمين في حقّ المنكر، فلا تكفي في حقّ المدّعي.

لأنّا نقول: الأخبار إنّما تدلّ على حصر اليمين في المنكر إذا كان هناك مدّع و منكر، لا في مثل الفرض، فيرجع فيه إلى الأخبار الحاصرة. و بمثله يجاب عمّا دلّ على حصر المستخرج بما يكون مثل اليمين في الفرض خارجة عنه، كقوله:

«استخراج الحقوق بأربعة» (4) لأنّه حصر في مقام الاستخراج، و لازمه وجود منكر في مقابل مدّع، لأنّه مقتضى قضيّة ظاهر لفظ «الاستخراج».

لا يقال: مقتضى ما دلّ على كون القرعة من الموازين، عدم انحصار الميزان في‌

____________

(1) الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

(2) تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 233 و 244، و فيهما: «البينة على من ادّعي ...».

(3) عوالي اللئالي: 1/ 244 و 253، 2/ 258 و 345، 3/ 523؛ وسائل الشيعة: 27/ 293.

(4) الكافي: 7/ 416؛ تهذيب الأحكام: 6/ 231؛ وسائل الشيعة: 27/ 242 و 271.

954

صورة تعذّر العمل بالبيّنة في اليمين، كقوله: «أحكام المسلمين على ثلاثة» (1) بناءً على أن يكون المراد من «السنة الجارية» فيه هي القرعة و غيره، فيحمل عليه إطلاق ما دلّ على الحصر بالبيّنة و اليمين.

لأنّا نقول: ما دلّ على كون القرعة أيضاً من الموازين إنّما هو في صورة عدم اليمين لا مطلقاً.

لا يقال: قوله: «إنّما أقضي» الحديث، (2) إنّما يدلّ على الحصر فيما يجب فيه القضاء و الكلام في أصل وجوبه.

لأنّا نقول: مقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب القضاء بين النّاس بالحق هو وجوب القضاء في الفرض، إذ لا مانع عنه مع فرض وجود الميزان له.

ثالثها: ما دلّ على أنّ كلّ منكر عليه اليمين (3)، فإنّ كلّاً من المدّعيين في الفرض منكر بالنسبة إلى ما يدّعيه الآخر و إن كان مدّعياً بالنسبة إلى ما يدّعيه، فعليه اليمين بمقتضى ما دلّ على أنّ كلّ منكر عليه اليمين.

لا يقال: المراد من الإنكار هو الإنكار الابتدائي لا الإنكار اللازم من الادّعاء، إذ لو بني على التعميم لزم عدم تخصيص اليمين بالمنكر، إذ كلّ مدّع فهو منكر باعتبار.

لأنّا نقول: نمنع من اللزوم المذكور، لأنّ المدّعي الّذي نجعله منكراً إنّما هو المدّعي الّذي كان في مقابله مدّع آخر، لا الّذي يكون في مقابله المنكر حتّى يلزم عدم تخصيص اليمين بالمنكر. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه لإثبات كون الميزان في الفرض هو اليمين، و للنظر فيه مجال واسع يطول المقام بذكر وجهه و لعلّنا نشير إليه في بعض كلماتنا الآتية إن شاء اللّٰه.

____________

(1) الكافي: 7/ 432؛ تهذيب الأحكام: 6/ 287؛ وسائل الشيعة: 27/ 44 و 231.

(2) الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

(3) راجع الكافي: 7/ 415؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 233.

955

ثمّ ذكر دام ظلّه أنّه إذا ثبت كون الميزان هو اليمين فحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يحلفا، أو ينكلا، أو يحلف أحدهما و ينكل الآخر. فإن حلف أحدهما و نكل الآخر، فلا إشكال في القضاء على الناكل. نعم يبقى الكلام في وجهه و أنّه هل هو من جهة القضاء ببيّنة الحالف من حيث كون نكول الناكل مع حلف الحالف بمنزلة الإقرار للباذل فيكون مكذّباً لبيّنته، فيبقى بيّنة الحالف سليمة عن المعارض فيكون القضاء بها، أو القضاء بيمينه من جهة تساقط البيّنتين بالتعارض فينتقل الميزان إلى اليمين حسبما هو الوجه لما قد عرفت. و إن حلفا أو نكلا فالمتعيّن هو القرعة، لما قد دلّ عليها من الأخبار، فحينئذٍ إن قلنا بأنّها بنفسها فاصلة و ميزان للقضاء من دون الاحتياج إلى انضمام اليمين كما في البيّنة و اليمين، حسبما هو قضية كلام بعض فلا إشكال. و إن قلنا بأنّ القضاء بها يتوقّف على حلف من خرج باسمه القرعة من حيث صيرورته بالقرعة منكراً من جهة موافقة قوله للأصل المعتبر شرعاً و هي القرعة كما عليه المشهور حسبما حكاه جماعة، فإن حلف فلا إشكال أيضاً، و إن نكل، فهل يترتّب عليه جميع أحكام المنكر من القضاء بالنكول في نفسه أو بعد الردّ، فإن حلف المردود إليه فهو، و إلّا فيقضى عليه، أو لا يترتّب عليه ذلك بل إنّما يكون حكمه حكم المنكر في مجرّد توجّه اليمين فكأنّ القرعة تعيّن من يحلف من المدّعيين فيرجع بعد نكول من خرج باسمه القرعة إلى التنصيف فيكون على هذا للقضاء في الفرض موازين أربعة مترتّبة لا يرجع إلى كلّ لاحق إلّا بعد تعذّر سابقه حسبما هو قضيّة الترتيب بين الشيئين؟ وجهان؛ أوجههما عند الأستاد العلّامة ثانيهما. فلعلّه يأتي التكلّم فيه بعد هذا إن شاء اللّٰه.

فإن قلت: بعد البناء على الافتقار إلى انضمام اليمين في القضاء بالقرعة فما وجه الرجوع إلى أدلّة الموازين (1) ثمّ إلى أدلّة القرعة بعد حلفهما أو نكولهما،

____________

(1) اليمين، خ ل.

956

فليرجع إلى أدلّة القرعة من أوّل الأمر ويتعيّن الحالف من المدّعيين بعد إقامتهما البيّنة حسبما هو مورد البحث بالقرعة، ثمّ الحكم بها بعد الحلف.

قلت: لا وجه للرجوع إلى القرعة من أوّل الأمر، أمّا الأخبار الخاصة، فلاختصاصها بصورة تعذّر القضاء باليمين و البيّنة، و أمّا الأخبار العامّة الدالة على أنّ القرعة لكلّ أمر مشكل بناءً على تعميمها بالنسبة إلّا ما كان مشكلًا واقعاً و ظاهراً، حسبما عليه المشهور حتّى تشمل المقام أيضاً، فلأنّها إنّما هي فيما إذا دار الأمر بين الأخذ بأحد الطرفين كما في تزاحم الحقين المعلوم وجوب مراعاتها بقدر الإمكان و لو بالأخذ بأحدهما.

و أمّا فيما إذا لم يكن الأمر دائراً بينهما كما في تعارض مطلق الأمارات الشرعية حيث إنّ مقتضى الأصل الأوّلي فيه تساقط المتعارضين فيه من حيث جواز العمل بكلّ منهما، فلا معنى للرجوع إليها.

فإن شئت قلت: إنّ ما دلّ على وجوب الرجوع إلى اليمين يرفع الإشكال الّذي يجري من جهته أدلّة القرعة. هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لو بني على تعيين الحالف منهما بالقرعة بعد إقامتهما البيّنة من جهة العمومات فليبن على تعيين من يقيم البيّنة منهما لأجل العلّة المذكورة.

فإن قلت: إنّ أدلّة القضاء باليمين لا تجري قبل تعيّن من يحلف من جهة عدم التأثير في حلفهما و نكولهما. قلنا بمثله بالنسبة إلى عمومات العمل بالبيّنة، فإنّ العمل بالبيّنتين أيضاً غير ممكن، هذا.

ثمّ إنّه ذكر الأستاد العلّامة بعد ما عرفته أنّه يمكن الخدشة فيما ذكرنا، توضيحها: أنّ ما ذكرنا من كون الميزان بعد كون الأصل عدم الترجيح أو فرض عدم وجوده الرجوع إلى اليمين، ثمّ إلى الحلف، ثمّ إلى القرعة، ثمّ إلى التنصيف كان مبنياً حسبما عرفت على مقدمات: إحداها: تعذّر الفصل بالبيّنة في الفرض. ثانيتها: أنّ‌

957

كلّما تعذّر الفصل بالبيّنة يجب الرجوع فيه إلى اليمين إن أمكن من جهة أحد الوجوه المتقدّمة. ثالثتها: إمكان القضاء باليمين، فإنّ إجراء أدلّتها موقوف عليه قطعاً.

و لنا أن نتكلّم على كلّ منها، أمّا على الأوّل فبأنّا نمنع تعذّر القضاء بالبيّنة، لإمكان القضاء بها على جهة التنصيف ليكون جمعاً بينهما في العمل، فإنّه و إن استلزم طرح العلم الإجمالي بكون تمام العين لأحدهما في بعض المقامات أو أدلّة العمل بالبيّنة في الجملة، إلّا أنّه فصل بين المتخاصمين و رفع ليد كلّ منهما عمّا يدّعيه من النصف الّذي حكم لصاحبه بالميزان الشرعي و هي البيّنة، و الأوّل لا يضرّ، لوقوع نظيره في الشريعة كثيراً سيّما بالنسبة إلى الشخصين بعد حصول الثاني.

و بعبارة أخرى أوضح: أنّ المقصود من القضاء بالبينة شيئان: أحدهما: إحراز الحق الواقعي بها مهما أمكن. ثانيهما: رفع يد الخصم و أمره بالخروج عن عهدة ما أقامت عليه حتّى يكون رفع خصومته بالميزان الشرعي، و المقصود الأوّل و إن لم يمكن تحصيله في المقام إلّا أنّه لا يضرّ بعد فرض حصول الثاني، لأنّ رفع يد كلّ من المتخاصمين عن النصف إنّما هو من جهة بيّنة صاحبه، فلو قال: إنّ لي بيّنة على تمام العين. قلنا في جوابه: إنّ لصاحبك أيضاً بيّنة على تمام العين. هذا ملخّص ما ذكره في الإيراد على المقدّمة الأولى و بيان منع تحقّقها.

لكنّه تنظّر فيه بأنّه فاسد لمنع تحقّق المقصود الثاني أيضاً، لأنّ القضاء بالنصف على كلّ منهما لصاحبه ليس قضاءً بالميزان الشرعي لفرض تعارض كلّ من البيّنتين في كلّ من النصفين بالأخرى، فلا جواب للمدّعي لو قال بأنّك حكمت عليّ بالنصف بالجور، لأنّ الجواب بأنّي قضيت عليك بالميزان الشرعي و هي بيّنة صاحبك لا معنى له بعد فرض تعارض بيّنة الصاحب ببيّنة المدّعي فيرجع الأمر إلى عدم الميزان و الحكم بالتنصيف من جهته.

و الحاصل: أنّ ما يصلح أن يصير ميزاناً هي البيّنة السليمة عن المعارض، و أمّا البيّنة المعارضة بمثلها المدفوعة بها فلا تصلح له. فإن شئت قلت: إنّ صيرورة كلّ‌

958

من البيّنتين ميزاناً بالنسبة إلى النصف إنّما هو بعد قيام الدليل على العمل بها على النحو المذكور، و ما دلّ على اعتبارها لا يدلّ عليه لأنّه ليس حقيقة عملًا بالبيّنة، بل طرح لها بالنسبة إلى مدلولها فتدبّر.

و أمّا على الثانية (1) فبالمنع من أنّ مثل هذا النحو من التعذّر موجب للانتقال إلى اليمين، و ما ادّعى دلالته عليه من الوجوه الثلاثة لا يصلح وجهاً له؛ أمّا قاعدة التعذّر، فإنّما تجري فيما لزم من عدم إعمال اليمين تفويت حقّ المدّعي كثيراً و هو في المقام ممنوع، لأنّ القدر المخرج باليمين في الفرض يخرج بالقرعة أيضاً.

و أمّا الاخبار الحاصرة، فلأنّك قد عرفت أنّها ليست في مقام إثبات وجوب القضاء بالبيّنة و اليمين في كلّ مقام و إنّما هي في مقام أنّه لو وجد قضاء في الخارج فلا بدّ أن يكون بإحداهما، هذا.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ في بعض الأخبار دلالة على وجوب القضاء بالبيّنة و اليمين في جميع المقامات مع الحصر فيهما، كقوله: «اقض بينهم بالبيّنات و أضفهم إلى اسمى» (2) و أمّا الأخبار المفصّلة، فلمنع صدق المنكر و المدّعَى عليه على كلّ منهما بالفرض. سلّمنا صدقه لكن نقول: إنّ المراد من المنكر فيها هو المنكر ابتداءً لا من جهة لزومه للدعوى الثبوتية، فتدبر.

و أمّا على الثالثة فبأنّا نمنع من إمكان القضاء باليمين في الفرض حسبما قضت به أدلّتها من كونها علّة تامّة لا بدّ من الفصل بها متى وجدت حتّى لا يجوز التقاص بعدها أيضاً احتراماً لاسم اللّٰه تعالى، و معلوم أنّه لا يمكن الفصل بالمعنى المذكور في المقام، لأنّ من صور المقام أن يحلفا جميعاً، فيكشف هذا عن عدم كون الميزان‌

____________

(1) و الجواب عن المقدمة الثانية لم يصرّح به في مجلس البحث إلّا أنّا استفدناه من كلامه في خارجه (منه (قدس سره)).

(2) الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 228؛ وسائل الشيعة: 27/ 229.

959

للقضاء هو اليمين.

و الحاصل: أنّ المعهود من طريقة الشارع عدم إيقاف القضاء بعد اليمين، ففي كلّ مورد لا يمكن الفصل بها و لو من جهة التحالف فيكشف عن عدم كونها ميزاناً للقضاء و إلّا لما تخلف القضاء عنها. و أمّا التحالف الّذي ثبت من الشّرع كما لو كانت العين بيدهما و لم يكن لهما بيّنة، فإنّما هو فيما يقضى بحلف كلّ من المتحالفين.

و بعبارة أخرى: التداعي في الصورة ينحلّ إلى دعويين و إنكارين، فكلّ منهما مدّع بالنسبة إلى شي‌ء و منكر بالنسبة إلى شي‌ء آخر، فلا بدّ حينئذٍ من يمينين حتّى يتمّ الحكم بالتنصيف. و هذا بخلاف المقام، فإنّ المفروض أنّ بعد التحالف لا يحكم بشي‌ءٍ و إنّما يرجع إلى ميزان آخر فيلزمه إلغاء حلف كلّ منهما و هو ما عرفت من كونه غير معهود من طريقة الشارع.

و بعبارة أخرى: مطالبة الحلف منهما إن كانت من جهة القضاء باليمين من كلّ منهما فالمفروض في المقام عدم الالتزام به و رفع اليد عنهما، و إن كانت من جهة تحصيل الميزان و لو في بعض الصور و هو ما لو حلف أحدهما و نكل الآخر كما في مطالبة البيّنة منهما؛ حيث إنّ المفروض انتقال الميزان إلى غيرها في صورة التعارض.

ففيه: أنّه إنّما هو بعد نفع اليمين في حقّ الناكل و توجّهها إليه شرعاً لأنّ النكول إنّما يثمر فيما إذا توجّهت اليمين شرعاً إلى الناكل و لا يمكن القول بتوجّهها إليهما من حيث استلزامه طرح اليمينين و هذا لغو صرف لا يصدر من الحكيم تعالى. و هذا بخلاف البيّنة فإنّ إقامتها ليست مشروطة بإذن الحاكم، و في صورة إذنه بأن يقول:

إنّ مَن كان له بيّنة فلْيقمها إن شاء، لأن يُعلم بوجود البيّنة لكلّ منهما.

نعم، لو قيل بأنّ اليمين كالبيّنة في الفرض من حيث كونها قائمة مقامها فلا يحتاج إلى أمر من الحاكم، و إنّما المحتاج إليه اليمين من المنكر التي هي حقّ‌

960

للمدّعي، أمكن القول بتساويهما و كون إجراء دليل إحداهما في الفرض مثل إجراء دليل الأخرى لكن إثباته لا يخلو عن إشكال.

هذا ملخّص ما ذكره في بيان وجه منع المقدمة الثالثة، و لكنّك خبير بأنّه لا يخلو عن شوب إشكال و لا يعرى عن ثوب إجمال، لأنّ الفرق بين اليمين و البيّنة من جهة ما ذكره في غاية الإشكال. و اللّٰه العالم بحقيقة الحال. فتبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ مقتضى الأصل الأوّلي بعد تعذّر القضاء بالبيّنة، هو الرجوع إلى القرعة من غير الانتقال إلى اليمين، حسبما عليه المشهور المدلول عليه بطائفة من الروايات التي ستمرّ بك، فيتّحد مقتضى الأصل الأوّلي و الأصل الثانوي المدلول عليه بالروايات.

نعم، يبقى الكلام على تقديره في مقامين: أحدهما: في أنّ ما ذكرنا من كون المرجع هو القرعة، هل هو جار في جميع الصور، أو مختصّ بما لم يرضيا بحلف أحدهما و إلّا فالميزان هو نفس القرعة؟ وجهان الأوجه هو الثاني، لأنّ اعتبار القرعة بعد وقوع التراضي على الوجه المذكور ممّا يلغو، بناءً على ما سيجي‌ء من اعتبار الحلف بعدها، فإنّها لا تخلو إمّا أن تخرج باسم من تراضيا على حلفه، أو على اسم صاحبه، فإن خرجت باسم الأوّل فلا تأثير لها، و إن خرجت باسم الثاني فينتقل اليمين إلى الأوّل أيضاً من جهة رضاه بحلفه المنزل منزلة ردّه الحلف إليه أو نكوله. اللّهم إلّا أن يقال بوجود الثمرة على تقدير خروج القرعة باسم الأوّل بين الإخراج (1) و مجرّد الرضا من صاحبه، لعدم جواز رفع اليد عن مقتضى القرعة بخلاف الثاني، فإنّه يجوز رفع اليد عنه، إذ لا دليل على لزومه بمجرّد تحقّقه.

ثانيهما في أنّه هل يحتاج القضاء بالقرعة إلى انضمام اليمين ممّن خرجت باسمه، أم لا؟ وجهان، أوجههما عند بعض الأصحاب الثاني، و لكن الّذي عليه‌

____________

(1) الإقراع، خ ل.

961

الجمهور (1)، المحكي عليه الشهرة في كلام جماعة هو الأوّل، و لا يبعد أن يكون هذا هو الأقرب إلى الصواب حسبما سيعلم إن شاء اللّٰه. هذا كلّه بالنظر إلى الأصل الأوّلي الّذي يرجع حاصله إلى أنّ مقتضى الأصل عدم الترجيح، كما أنّ مقتضاه الرجوع إلى القرعة بعد تعذّر القضاء و الفصل بالبيّنة.

و أمّا بالنظر إلى الأصل الثانوي المستفاد من الأخبار المرويّة من الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).

فتحقيق القول فيه بحيث ترتفع غواشي الأوهام عن وجه المرام يقتضي ذكر جملة منها حتّى يعلم ببركتها أنّ مقتضى التحقيق هل هو ما ذهب إليه المشهور من الرجوع إلى القرعة مطلقاً بعد الترجيح في الجملة، أو ما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) من الرجوع إلى القرعة في صورة الشهادة على الملك المطلق، و إلى التنصيف في صورة شهادة الشاهدين على الملك المقيد و الحكم بمقتضى المقيد في صورة اختلافهما إطلاقاً و تقييداً؟ فيقع الكلام في مقامين: أحدهما، في أنّ مقتضى الأخبار بعد فرض عدم وجود الترجيح في صورة تعارض البيّنتين هل هو الرجوع إلى القرعة مع الحلف أو مطلقاً أو الرجوع إلى التنصيف بعد الحلف أو مطلقاً أو يختلف مقتضاها بالنسبة إلى الموارد، ففي بعض الموارد تقتضي الأوّل و في بعضها تقتضي الثاني. ثانيهما، في أنّ مقتضاها هل الترجيح بما يوجد مع إحدى البيّنتين من المزايا في الجملة، أو مطلقاً حتّى يخرج بها عن مقتضى الأصل الأوّلي، أو لا يكون مقتضاها ذلك الّذي كان هو‌

____________

(1) راجع: النهاية: 344؛ المهذب: 2/ 578؛ السرائر: 2/ 167؛ شرائع الإسلام: 4/ 904؛ مختلف الشيعة: 6/ 195؛ و 8/ 366 و 372 373؛ تحرير الأحكام: 2/ 195 و 197 و 198 و 199؛ إيضاح الفوائد: 4/ 387 و 411؛ مسالك الأفهام: 14/ 110 و 129؛ مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 258 259؛ كشف اللثام: 2/ 361؛ جواهر الكلام: 40/ 415.

962

المقام الثاني من المقامات الثلاثة.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، فنقول: إنّ الأخبار الواردة في الرجوع إلى القرعة فكثيرة، كما أنّ الأخبار الدالّة على التنصيف في صورة تعارض البيّنتين أيضاً كثيرة، و كلّ منهما على قسمين: أحدهما: الدالة على الرجوع إلى القرعة أو التنصيف مطلقاً.

و الثاني: الدالة على الرجوع إليها أو إلى التنصيف بعد الحلف. فالأخبار الواردة بأسرها بين أربعة طوائف، لكن بعد حمل مطلقاتها على مقيّداتها ينحصر التكلّم في صنفين: أحدهما: ما دلّ على الرجوع إلى القرعة مع انضمام اليمين. ثانيهما: ما دلّ على التنصيف بعد الحلف من كلّ منهما. فنحن نذكر أوّلًا الأخبار الواردة في الإرجاع إلى القرعة، ثمّ نذكر الأخبار الواردة الدالّة على التنصيف، ثمّ نعقّبه بذكر العلاج بينهما.

أمّا الأخبار الواردة في حكم القرعة، فقد عرفت أنّها كثيرة جدّاً، فمنها: ما في خبر بصري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود، عدلهم سواء و عددهم سواء، أقرع بينهم على أيّهم يصير اليمين. قال: و كان يقول:

اللّهم ربّ السماوات السبع أيّهم كان الحقّ له فأدّه [فأدّاه] إليه، ثمّ يجعل الحقّ للذي يصير عليه [اليه] اليمين إذا حلف» (1).

و منها: ما في صحيح داود عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في شاهدين شهدا على أمر واحد، و جاء آخران فشهدا على غير الّذي شهد الأوّلان عليه و اختلفوا. قال: يقرع بينهم فأيّهم قرع عليه فعليه اليمين و هو أولى بالقضاء له» (2).

____________

(1) الكافي: 7/ 419؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 94؛ تهذيب الأحكام: 6/ 233؛ وسائل الشيعة: 27/ 251. (مع اختلافات فيها).

(2) الكافي: 7/ 419؛ الاستبصار: 3/ 39؛ تهذيب الأحكام: 6/ 233 234؛ وسائل الشيعة: 27/ 251 (مع اختلافات فيها).

963

و نحوه الصحيح الآخر عنه أيضاً غير أنّه قال في ذيله: «أولى بالحقّ» (1) بدل «أولى بالقضاء».

و منها: ما في موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ رجلين اختصما إلى علي (عليه السلام) في دابّة فزعم كلّ واحد منهما أنّها نُتجت على مِذودِهِ و أقام كلّ واحد منهما بيّنة سواءً في العدد، فأقرع بينهم [بينهما] سهمين فعَلَّم السهمين [على] كلّ واحد منهما بعلامة. ثمّ قال: اللّهم ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع و ربّ العرش العظيم عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، أيّهما كان صاحب الدابة و هو أولى بها، فأسألك أن يخرج سهمه فخرج سهم أحدهما فيقضى له بها» (2).

و نحوه خبر عبد اللّه بن سنان إلّا أنّه قال في آخره: «فأسألك أنْ يقرع و يخرج اسمه فخرج اسم أحدهما فيقضي له بها» (3) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في بيان القرعة.

و بعد حمل المطلق منها كما في الخبرين الأخيرين على مقيّدها كما في الثلاثة الأوّلية يصير المحصّل عنها أنّ الميزان بعد تعارض البيّنتين هي القرعة مع حلف من خرجت باسمه، هذا.

و أمّا ما ورد في كون الميزان هو التنصيف بعد التحالف أو مطلقاً فجملة من الروايات، منها ما تقدّم في رواية إسحاق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حكاية قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن قال: «فقيل: فلو لم يكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟

قال: أحلفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها‌

____________

(1) تهذيب الأحكام: 6/ 235؛ الاستبصار: 3/ 40؛ وسائل الشيعة: 27/ 254.

(2) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 93؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ الاستبصار: 3/ 40؛ وسائل الشيعة: 27/ 254 (مع اختلافات فيها).

(3) تهذيب الأحكام: 6/ 236؛ الاستبصار: 3/ 41؛ وسائل الشيعة: 27/ 255 (مع اختلافات).

964

بينهما نصفين» الخبر (1).

و منها خبر غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) اختصم إليه رجلان في دابّة كلاهما أقاما البيّنة أنّه أنتجها. فقضى بها للذي هي في يده، و قال: لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (2).

و منها خبر تميم بن طرفة: «أنّ رجلين ادّعيا بعيراً فأقام كلّ واحد منهما بيّنة فجعله أمير المؤمنين (عليه السلام) بينهما» (3) إلى غير ذلك. و بعد حمل مطلقها كما في الأخيرين على مقيّدها كما في الأوّل يتحصّل منها أنّ الميزان في الفرض هو التنصيف بعد التحالف.

و أنت بعد ما عرفت ما تلونا عليك من الأخبار و كيفية الحمل فيها علمت أنّه لا يمكن حمل ما دلّ على التنصيف على ما في بعض أخبار القرعة من الحكم بالتنصيف فيما إذا نكل من خرجت باسمه القرعة، لأنّ الحمل عليه ينافي حمله على التنصيف بعد التحالف. مضافاً إلى بعد هذا الحمل عن سياق الخبر غاية البعد، لاستلزامه تقديراً كثيراً يأبى عنه سياق الكلام. كما أنّك علمت أنّه لا يمكن الجمع بينهما بحمل أحدهما على قضيّة في واقعة، لما قد عرفت مراراً من أنّ ذكر القضاء في الواقعة في مقام الاستشهاد و الاستدلال دليل على إرادة العموم منه.

نعم، أخبار القرعة أعمّ مطلقاً عن بعض أخبار التنصيف من حيث شمولها للمسببتين و المطلقتين و المختلفتين و اختصاصه بالمسبّبتين، فكما أنّه يجب حمل ما دلّ على التنصيف مطلقاً عليه إنْ ثبت هنا اتّحاد تكليف، كذلك يجب حمل أخبار القرعة عليه و الحكم باختصاصها بالمطلقتين أو الأعمّ منهما و من المختلفتين، إن لم‌

____________

(1) الكافي: 7/ 419؛ تهذيب الأحكام: 6/ 233؛ وسائل الشيعة: 27/ 250.

(2) الكافي: 7/ 419؛ الاستبصار: 3/ 39؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ وسائل الشيعة: 27/ 250.

(3) الكافي: 7/ 419؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 36؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ الاستبصار: 3/ 39؛ وسائل الشيعة: 18/ 451 و 27/ 251. و في بعضها: «إنّ رجلين عرفا بعيراً ...».

965

نقل بخروج هذه الصورة عن تحت أخبار القرعة لكونها من موارد الجمع المقدّم على الطرح و لو في الجملة حسبما عليه بناء أكثر الأصحاب.

و ما يقال: إنّ في بعض أخبار القرعة ما يكون مبايناً لذلك الخبر، لاختصاصه أيضاً بالمسبّبتين، مثل موثّقة سماعة (1)، من حيث كونها ظاهر الاختصاص بهذه الصورة كما يدلّ عليه قوله: «فزعم كلّ واحد منهما» الخبر، ففاسدٌ جدّاً، إذ لم يظهر من الخبر أنّ شهادة البيّنة أيضاً على وجه التقييد، إذ القول المذكور إنّما هو في كلام الراوي و لم يعلم أنّه جزء من دعوى المدّعي حتّى يقال بإقامته البيّنة عليه.

إلّا أنّه لا عامل بهذا الخبر من أخبار التنصيف، لأنّ القائل بالتنصيف إنّما هو الشيخ، و هو لا يشترط فيه الحلف مع اعتباره في الخبر، فبعد طرح هذا الخبر تصير النسبة بين أخبار التنصيف و القرعة التباين الكلّي، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات السندية أو المضمونية على القول به.

فإذاً نقول: إنّ الترجيح مع أخبار القرعة لكونها أصحّ سنداً و معمولًا بها عند المشهور و موافقة للإجماع المنقول عن الغنية. و أمّا أخبار التنصيف فلم نجد من عمل بها إلّا الشيخ (رحمه الله) في بعض الصور و هو ما إذا كانت البيّنتان مسبّبتين، لكنّه أيضاً ليس عملًا بها حقّ العمل، لأنّ مقتضى ما ذكرنا في أخبار التنصيف هو القول بمقتضاها على تقديره مع التحالف لا بدونه، فأخبار التنصيف لا عامل بها على ما يقتضيه التحقيق.

نعم، لو عمل بها مع الالتزام بالحلف كان قول الشيخ (رحمه الله) أقرب و أنسب بالمنقول كما صرّح به في المتن، لأنّه قال في صورة إطلاق البيّنتين بالقرعة، و في صورة تقييدهما بالتنصيف على ما يقتضيه حمل المطلق على المقيد، و في صورة الاختلاف‌

____________

(1) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 93؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ الاستبصار: 3/ 40؛ وسائل الشيعة: 27/ 254.

966

بالجمع على ما يقتضيه قاعدة الجمع إن قيل بها حسبما عليه المشهور الّذي قد عرفت التأمل فيه، لكنّ العامل بها على الوجه المذكور غير موجود فلا بدّ من طرحها و الأخذ بمقتضى أخبار القرعة. هذا كلّه لو كان الاختلاف بين الأصحاب مستنداً إلى الأخذ بسند بعض الأخبار و طرح بعضها الآخر.

و أمّا لو كان من جهة الاختلاف في دلالة الأخبار و كون المراد منها أيّ شي‌ء، و إلّا فليس التأمّل في سندها حسبما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه من أنّ أكثر الاختلافات بين الأصحاب في الروايات من جهة الدّلالة فيكون الحكم بعد التكافؤ أيضاً الأخذ بالقرعة، لعموماتها لتعيّن الرجوع إليها بعد تكافؤ المتعارضين من حيث الدّلالة و الحكم بإجمالهما. فالمرجع هو عمومات القرعة إن لم نقل بالترجيح بها من حيث الاعتضاد، حسبما عليه جماعة. و إلّا فيرجّح ما دلّ على الرجوع إلى القرعة من المتعارضين من جهة اعتضادها بالعمومات، فتعيّن على كل تقدير المصير إلى ما ذهب إليه المشهور. هذا بعض الكلام في تعيين ميزان القضاء بعد تعذّر إعمال البيّنة من الأخبار، بعد فقد الترجيح أو فرض عدم الحكم به.

و أمّا الكلام‌

[المقام الثاني] في الترجيح بما يوجد مع إحدى البيّنتين من المزايا الداخلة

من جهة الاستفادة من الأخبار، و إلّا فإنّك قد عرفت أنّ قضيّة الأصل الأوّلي هو عدم الترجيح مطلقاً، فيقع في مقامات ثلاثة: أحدها، في الترجيح بالأكثرية و الأعدلية الموجودتين في أخبار الباب. ثانيها، في التعدّي عنهما إلى غيرهما. ثالثها، في حكم صورة تعارض الأعدلية و الأكثرية.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في الترجيح بالأكثرية و الأعدلية]

فملخّصه أنّه يمكن أن يقال بالترجيح بهما في خصوص المقام كما عليه جماعة من الأعلام، بل المعظم، بل المشهور شهرة محقّقة و محكية قد تجاوزت حد الاستفاضة، لدلالة جملة من الأخبار المتقدّمة عليه.

منها رواية البصري التي قد نقل الإمام (عليه السلام) فيها حكم علي أمير المؤمنين (عليه السلام)

967

بالقرعة بعد مساواة البيّنتين في العدد و العدالة (1) الدالة بالمفهوم على الترجيح بهما عند التفاوت. و الخدشة فيها بأنّ الفعل لا ظهور و لا عموم له حتّى يمكن به الاستدلال، قد عرفت فسادها غير مرّة.

لا يقال: إنّ المستفاد من الرواية من جهة المفهوم على تقدير القول به، انتفاء القرعة في صورة عدم التسوية، حسبما هو قضية المفهوم المقرّر في محلّه من أنّ المستفاد منه نفي الحكم المذكور في المنطوق و أمّا إثبات ضدّه فلا. و أين هذا من دلالته على الترجيح بالأعدلية و الأكثرية سيّما مع احتمال كون الحكم هو التنصيف بعد القرعة؟ لأنّا نقول: المستفاد من الرواية بحسب قاعدة المفهوم المقرّرة في محلّه و إن كان ما ذكرت، إلّا أنّه قد تقرّر في محلّه أيضاً أنّه قد يستفاد من المفهوم في خصوص بعض المقامات من جهة العرف أنّ المراد هو إثبات الضد، فنقول: إنّ المستفاد من الرواية عرفاً الترجيح بالوصفين المذكورين، لا الأخذ بالمرجوح، و إلّا لزم ترجيحه على الراجح، و لا الحكم بالتنصيف، لأنّا نعلم أنّه ليس الإمام (عليه السلام) في الرواية في صدد بيانه.

فإن شئت قلت: إنّ الرواية و إن لم تدلّ بنفسها من جهة مجرّد المفهوم على الترجيح إلّا أنّها بضميمة نفي الرجوع إلى المرجوح و التنصيف لما ذكرنا تدلّ عليه.

و هذا نظير الاستدلال بآية النبأ (2) على حجّية خبر العادل بمفهوم الشرط.

و منها: موثّقة سماعة (3)، و هي من جهة الدّلالة أضعف من الرواية السابقة كما لا‌

____________

(1) الكافي: 7/ 419؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 94؛ تهذيب الأحكام: 6/ 233؛ وسائل الشيعة: 27/ 251.

(2) و هي قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ» الحجرات (49): 6.

(3) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 93؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ الاستبصار: 3/ 40؛ وسائل الشيعة: 27/ 254.

968

يخفى و هي مع ذلك مختصّة بالأكثرية و لا تدلّ على الترجيح بالأعدلية. و دعوى الإجماع المركّب لا تخلو عن إشكال.

و منها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلًا المتقدّم في بعض المسائل السابقة (1) في البيّنتين تختلفان في الشي‌ء الواحد يدّعيه الرجلان «أنّه يقرع بينهما فيه إذا اعتدلت بيّنة كلّ واحد منهما» الرواية (2). إلى غير ذلك من الأخبار. و هذا مجمل القول في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، [في التعدّي عنهما إلى غيرهما]

فنقول: إنّه قد يقال بالتعدّي منهما إلى ما يكون مثلهما كالأخبرية و الأعرفية ممّا تعدّ من المرجّحات الداخلية، من جهة إطلاق قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرسل: «إذا اعتدلت» بحسب المفهوم و شموله لجميع المرجّحات ممّا يتوهّم الترجيح بها. هذا، و لكنّ الرواية ضعيفة و لا جابر لها في المقام، لعدم وجود القول بين الأصحاب بالتعدّي. مع إمكان أن يقال: إنّ المراد الاعتدال بحسب المرجّحات المعتبرة شرعاً، مضافاً إلى ما في بعض النسخ بدل «اعتدلت»، «عدلت» و عليه فلا تدلّ على المقصود أصلًا كما لا يخفى. هذا، مع أنّها معارضة بما دلّ على سببيّة التسوية من حيث العدد و العدالة في الإقراع، فتقيّد به، فتأمّل.

و بالجملة التعدّي من المزايا المنصوصة إلى غيرها في غاية الإشكال.

و أمّا الكلام في المقام الثالث، و هو ما لو تعارض الأعدلية و الأكثرية

بأن وجدت إحداهما في إحدى البيّنتين، و الأخرى في الأخرى، فنقول: إنّه قد يقال بتقديم الأكثرية، كما عليه جماعة من الأصحاب، بل كلّهم حسبما هو ظاهر نسبة‌

____________

(1) مرّ سابقاً منقولًا عن كشف اللثام: 2/ 365.

(2) دعائم الإسلام: 2/ 522؛ مستدرك الوسائل: 13/ 444 و 17/ 372.

969

الشيخ (رحمه الله) (1)، و الحلي في السرائر (2)، لإطلاق ما دلّ على الترجيح بها من الأخبار مثل قوله في رواية أبي بصير المتقدّمة في أخبار الداخل و الخارج: «أكثرهم بيّنة يستحلف» (3) مع نقله (عليه السلام) قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) على النهج المذكور في صورة اختلاف البيّنتين في العدد (4)، فإنّه بإطلاقه يدلّ على الترجيح بالأكثرية و إن كانت البيّنة الأخرى أعدل. و مثل قوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة: «و أقام كلّ واحد منهما بيّنة سواء في العدد فأقرع بينهم سهمين» الخبر (5)، فإنّه يدلّ بمفهومه على فقد القرعة في صورة انتفاء التسوية من هذه الجهة، سواء كانتا متساويتين من حيث العدالة، أم لا.

فإن قلت: مفهوم الرواية معارض بمفهوم خبر البصري (6) المتقدم في أخبار الباب، الدال على اشتراط القرعة بالاستواء من حيث العدالة أيضاً. و هو أخصّ من مفهوم رواية سماعة، فتخصّص به حسبما هو قضية العلاج بين ما كانت النسبة بينهما عموماً و خصوصاً مطلقاً كما تقرّر في محلّه. فتصير الرواية مثل رواية البصري ساكتة عن حكم صورة التعارض.

قلت: ما ذكرت من وجوب تقييد إطلاق رواية سماعة برواية البصري مسلّم، لكنّ الحاصل من التقييد هو اشتراط الحكم المذكور في المنطوق و هو القرعة‌

____________

(1) راجع النهاية: 343 344؛ و أيضاً الجواهر: 40/ 414 415.

(2) السرائر: 2/ 167.

(3) الكافي: 7/ 418؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 65؛ الاستبصار: 3/ 40؛ تهذيب الأحكام: 7/ 235؛ وسائل الشيعة: 27/ 249.

(4) راجع الكافي: 7/ 419؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 94؛ تهذيب الأحكام: 6/ 233؛ وسائل الشيعة: 27/ 251.

(5) كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 93؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ الاستبصار: 3/ 40؛ وسائل الشيعة: 27/ 254.

(6) الكافي: 7/ 419؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 94؛ تهذيب الأحكام: 6/ 233؛ وسائل الشيعة: 27/ 251.

970

بصورة اجتماع الشرط و هو الاستواء في العدد مع الاستواء في العدالة فهو شرط في تأثير السبب في المسبّب في طرف الوجود، و أمّا في طرف الانتفاء فعدمه ليس شرطاً في تأثير الانتفاء.

و بعبارة أخرى أوضح: إنّ رواية البصري إنّما تعارض رواية سماعة في الحكم المذكور في المنطوق و هو الإقراع، لا في الحكم المذكور في (1) المفهوم و هو انتفاء القرعة و الترجيح مطلقاً في صورة انتفاء الشرط مطلقاً، لأنّ رواية البصري ساكتة عن حكم صورة التعارض فيجب الرجوع إلى إطلاق مفهوم رواية سماعة في الحكم بسببية الأكثرية لانتفاء القرعة و الترجيح، سواء كانت البيّنتان متساويتين من حيث العدالة أم لا.

فإن قلت: قد تقرّر في محلّه أنّ إطلاق المفهوم و تقييده و عمومه و خصوصه تابعة للمنطوق، فإذا فرض تقييد المنطوق بوجود شي‌ء فلا بدّ من تقييد المفهوم أيضاً بعدمه. و بعبارة أخرى: القيد المعتبر في المنطوق معتبر في المفهوم أيضاً.

و بعبارة ثالثة أوضح: بعد تسليم تقييد إطلاق الرواية بخبر البصري يكون حكمه حكمه، فكأنّه جمع في الرواية أيضاً بين التسوية في العدد و العدالة كما في الخبر، فتصير الرواية ساكتة عن حكم صورة التعارض، فيجب التوقّف و الرجوع إلى القرعة بناءً على كونها المرجع في صورة عدم وجود المرجّح.

قلت: فرق واضح بين ذكر القيد في القضية الشرطية على وجه الجزئية كما في رواية البصري أو الشرطية، و عدم ذكره و ثبوت الاشتراط لتأثير الشرط في المنطوق من الخارج كما في المقام، فإنّ في الأوّل لا بدّ من التوقّف في صورة انتفائهما في استناد الحكم إلى انتفاء أيّهما لاستوائهما في المدخليّة في الحكم، فتخصيص أحدهما على التعيين ترجيح بلا مرجّح. و أمّا في الثاني فنحكم بأنّ انتفاء الحكم‌

____________

(1) المستفاد من، خ ل.

971

المذكور في المنطوق مستند إلى نفس الشرط الّذي يعبّر عنه بالسبب لوقوعه في حيّز أدوات الشرط الظاهرة في سببية الشرط للجزاء، لا إلى انتفاء شرطه.

و الحاصل: أنّ في المقام صوراً خمساً: إحداها: ما إذا تساوت البيّنتان من حيث العدد و العدالة. ثانيتها: ما إذا تفاوتتا من الحيثيتين جميعاً لكن مع التعاضد، بأنْ تجتمعا في إحدى البيّنتين. ثالثتها: ما إذا لم تتساويا من حيث العدد فقط. رابعتها: ما إذا لم تتساويا من حيث العدالة فقط. خامستها: ما إذا لم تتساويا من الحيثيتين على وجه التعارض بأن توجد إحداهما في إحدى البيّنتين، و الأخرى في الأخرى.

لا إشكال في كون الحكم في الصورة الأولى هي القرعة بمقتضى كلتا الروايتين، كما أنّه لا إشكال في الترجيح بالأعدلية و الأكثرية في غير الصورة الأخيرة.

و أمّا هي، فإن كان المستند في الترجيح بهما خبر البصري، فلا بدّ من الحكم بالتوقّف فيها، لأنّ ظاهره انّ الحكم المذكور في المنطوق مستند إليهما معاً بحيث لا يكون لأحدهما مزيّة في استناد الحكم إليه، و لازمه الحكم بالتوقّف في صورة تعارضهما، لأنّ استناد انتفاء الحكم إلى أحدهما ليس بأولى من استناده إلى الآخر، لوقوع كلّ منهما في حيّز الشرط على نهج سواء، فهو نظير ما إذا قال المولى لعبده:

(أكرم زيداً إن جاءك مع عمرو) أو: (إن جاءك زيد و عمرو فأكرم زيداً)، فإنّ في صورة عدم مجيئهما لا معنى لاستناد الحكم إلى عدم مجي‌ء زيد بخصوصه.

و إن كان رواية سماعة، فالمتعيّن هو الحكم بترجيح الأكثر، لأنّ السبب حقيقة في القرعة هو الاستواء في العدد (1)، غاية الأمر أنّه ثبت لاقتضائه الحكم مطلقاً و تأثيره فيه في جميع الأحوال شرط و هو الاستواء في العدالة أيضاً، و في صورة انتفائهما يكون انتفاء الحكم مستنداً إلى نفس عدم السبب؛ لأنّه أولى بالاستناد من‌

____________

(1) الأكثرية، خ ل.

972

عدم الشرط فيدلّ على أنّ الترجيح إنّما هو بالأكثرية، فمجرّد إثبات الاشتراط و التقييد من الدليل الخارج لا يجعل الشرط كالجزء المذكور في الكلام، لتفاوت استناد انتفاء الحكم المذكور بانتفائهما عرفاً و إن لم يتفاوت في نظر العقل من حيث إنّ انتفاء كلّ من أجزاء العلّة التامّة علّة تامّة لانتفاء المعلول في نظره، فاستناد انتفاء الحكم في صورة انتفاء جملة منها في زمان واحد إلى واحد بالخصوص ترجيح بلا مرجّح في حكمه، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ بناء العرف ليس على ذلك، بل يسندون انتفاء الحكم قطعاً في صورة انتفاء السبب و الشرط إلى انتفاء الأوّل، كما يسندون انتفاءه في صورة عدم المقتضي و وجود المانع إلى الأوّل كما لا يخفى على من راجع إليهم. فما هو مناط في الترجيح من استناد انتفاء الحكم في المنطوق عرفاً إلى إحداهما متحقّق بالنسبة إلى الأكثرية دون الأعدلية، فلا بدّ من الترجيح بها. هذا محصّل توجيه القول بتقديم الأكثرية.

و لكنّك خبير بفساده، لأنّ رواية أبي بصير مختصّة بالداخل و الخارج، و لا عموم لها يشمل المقام، فإنْ كان المستند في الترجيح بالأكثرية في المقام هو قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أكثرهم بيّنة يستحلف» (1) فهو ظاهر بل صريح في الداخل و الخارج، لأنّ مرجع الضمير فيه هو خصوص المتداعيين المفروضين. و القول بأنّ الدعوى على القوم الّذين يكون العين في أيديهم لا تستلزم ثبوت يد جميعهم عليها فلعلّ كانت العين في يد من لا ينكر كونها للمدّعي فيشمل المقام، فاسدٌ جدّاً. و إن كان المستند فيه قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأكثر الّذي حكاه الإمام (عليه السلام) فإن لوحظ مع قطع النظر عن استشهاد الإمام (عليه السلام)، فلا يجوز الاستدلال به أصلًا، لكونه من قبيل قضايا الأحوال. و إن لوحظ بالنظر إلى استشهاده (صلوات اللّٰه عليه )و على آبائه و أبنائه‌

____________

(1) الكافي: 7/ 418؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 65؛ الاستبصار: 3/ 40؛ تهذيب الأحكام: 7/ 235؛ وسائل الشيعة: 27/ 249.

973

الطاهرين فهو و إن دلّ على إرادة العموم منه حسبما عرفت غير مرّة، فينزل منزلة اللفظ؛ إلّا أنّ من المعلوم أنّ غاية ما يستكشف منه عمومه لمورد الاستشهاد لا مطلقاً. و القول بأنّه لا بدّ أن يجعل بمنزلة الكبرى الكلية تشمل المقام و غيره، فاسدٌ جدّاً. اللّهم إلّا أنْ يقال بدلالته على الترجيح بالأكثرية في الفرض بعد تسليم اختصاصه بالداخل و الخارج بالأولوية القطعية، فتأمّل.

و أمّا رواية سماعة فيمكن منع دلالتها على تقديم الأكثرية في المقام من وجهين: أحدهما: المنع من ترجيح استناد الانتفاء إلى انتفاء بعض أجزاء العلّة التامّة في صورة انتفاء جميعها في زمان واحد، سيّما إذا كان أحدها سبباً و الآخر شرطاً فإنّ السبب بدون الشرط لا تأثير له شيئاً (1) و هذا بخلاف عدم المانع، فإنّه شرط في الاقتضاء الفعلي دون الشأني حسبما هو قضيّة التحقيق المحقّق في محلّه عند المحقّقين.

ثانيهما: أنّا نسلّم ما ذكر إلّا أنّا نمنع من كون الرواية من مقولته، فإنّها غير مشتملة على أداة الشرط حتّى تدلّ على كون الاستواء في العدد سبباً و الاستواء في العدالة شرطاً. غاية ما هناك أنّه لا بدّ أن يكون له مدخل في الحكم بالقرعة لما قد عرفت مراراً من أنّ الخصوصيات المذكورة في نقل فعل الإمام الماضي (عليه السلام) لو لم يكن لها مدخلية لم يكن وجه لتخصيصها بالذكر من بين الخصوصيات الغير المتناهية، فإذاً الثابت من الرواية مجرّد مدخلية الاستواء في العدد (2) في الحكم بالقرعة، كما أنّ الثابت من الخارج مدخلية الاستواء في العدالة أيضاً في الحكم المذكور. هذا مجمل القول في وجه القول بتقديم الأكثرية.

و أمّا وجه القول بتقديم الأعدلية، كما نسب إلى المشهور، فلم نقف على ما يعتدّ‌

____________

(1) إلّا شأناً، خ ل.

(2) الأكثرية، خ ل.

974

به إلّا المرسل المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) على تقدير قراءة «عدلت» أو «اعتدلت» بمعنى عدلت، و هو كما ترى. مضافاً إلى أنّه يرد عليه ما ورد على وجه القول بتقديم الأكثرية، فراجع.

فإذاً الحق هو التوقّف في مادة التعارض و الرجوع إلى القرعة. هذا مجمل القول في المقامين الأوّلين.

و أمّا الكلام في المقام الثالث، و هو الافتقار إلى انضمام الحلف على كلّ من تقديري القرعة و الترجيح بالأكثرية و الأعدلية،

فيقع في مقامين: أحدهما، في الافتقار إليها في مورد القرعة. ثانيهما، في الافتقار إليها في صورة الترجيح.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في الافتقار إليها في مورد القرعة.]

فملخّصه أنّا إنْ قدّمنا أخبار القرعة على أخبار التنصيف من حيث ترجيح الأدلّة، و جعلنا وجه القرعة هو الأخبار الواردة في الباب، فلا إشكال في الحكم بافتقار اليمين ممّن خرجت باسمه القرعة، لأنّه قضية الجمع بين الأخبار حسبما عرفت تفصيل القول فيه. و إن جعلنا الوجه في القرعة هو عموماتها بعد تعارض أخبار التنصيف و أخبار القرعة و تساقطهما و صيرورة العمومات مرجعة، فقد يقال بعدم الافتقار إلى انضمام اليمين، لأنّ مقتضاها رفع الإشكال بعد القرعة، فلا معنى للقول بتوقّف القضاء على انضمام اليمين.

لكنّ الّذي صرّح به الأستاد العلّامة دام ظلّه مرسلًا إيّاه إرسال المسلّمات توقّف الحكم بالقرعة على التقدير المذكور أيضاً على انضمام اليمين، أمّا أوّلًا: فلأنّ عمومات القرعة على النهج المذكور لا جابر لها في المقام. و أمّا ثانياً: فلأنّ مقتضى الجمع بينها و بين الأخبار الحاصرة لميزان القضاء في البيّنة و اليمين هو الحكم بالقرعة مع اليمين. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه.

و هو ممّا لا ريب فيه إن كان الإقراع على ما في بعض أخبار القرعة من أنّه‌

____________

(1) دعائم الإسلام: 2/ 522؛ مستدرك الوسائل: 13/ 444 و 17/ 372.

975

يقرع على أيّهم يصير اليمين، لا بمعنى أنّ هنا من عليه يمين واقعاً و لا نعلمه فنعيّنه بالقرعة حسبما قد يتوهّم، لأنّا نعلم بانتفاء هذا المعنى في الواقع قطعاً، بل بمعنى أنّه يقرع حتّى يحصل منها من قوله موافق للأصل فيصير عليه اليمين، لا بمعنى أنّه يقرع في الحقّ الواقعي حتّى يحكم باليمين على من خرجت القرعة بأنّ الحق له كما هو أحد محتملي الأخبار حسبما احتمله الأستاد العلّامة.

فالمراد بأيّ هو من خرجت باسمه القرعة، لكن لا من جهة صيرورته منكراً بالقرعة و إن كانت القرعة على نفس الواقع حسبما بنى عليه شيخنا العلّامة و حكم بكونه المراد من الأخبار، ففيما ذكره تأمّل لا يخفى وجهه، هذا. و قد ذكر الحلّي في السرائر ما يظهر منه دعوى الإجماع في المسألة حيث قال: «و إن استوتا في جميع الوجوه، فالحكم عند أصحابنا المحصّلين القرعة، على أيّهما خرجت أعطي، و حلف الآخذ أنّه يستحقّه و هو له» (1) انتهى.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو الافتقار إلى اليمين في صورة وجود الترجيح،

فالذي صرّح به في محكي التحرير (2) هو الافتقار إلى يمين من كان أرجح بيّنة. و نسبه في كشف اللثام (3) للفاضل الأصبهاني إلى صريح أكثر الأصحاب، و في السرائر إلى الأصحاب، حيث قال ما هذا لفظه: «فأمّا إن كانت العين المتنازع فيها خارجة من يد المتداعيين و هي في يد ثالث غيرهما، ثمّ أقام كلّ واحد منهما بيّنة بها، فإنّ أصحابنا يرجّحون بكثرة الشهود، فإن استوتا في الكثرة رُجّحتا بالتفاضل في عدالة البينتين، فيحكم في المال المتنازع فيه، و تقدّم (4) بيّنة صاحب الترجيح مع يمينه» 5

____________

(1) 1 و 5 السرائر: 2/ 169.

(2) تحرير الأحكام: 2/ 197.

(3) كشف اللثام: 2/ 365.

(4) بتقديم، خ ل.

976

انتهى. و نفى عنه الخلاف سيد مشايخنا في الرياض (1). و الّذي يظهر من كلمات جماعة و صرّح به العلّامة في بعض كتبه حسبما حكي عنه، عدم الافتقار إلى اليمين.

و الأقرب عند الأستاد العلّامة هو الأوّل، لعموم ما دلّ على انحصار القضاء بالبيّنات و الأيمان (2).

لا يقال: إنّ بعد الترجيح يكون القضاء بالبيّنة الراجحة، فلا وجه لانضمام اليمين.

لأنّا نقول: ما المراد من الترجيح؟ فإن كان المراد منه ما هو عليه اصطلاح أهل الأصول من اقتران إحدى الأمارتين بما يوجب مزيّتها على الأخرى بحيث يسقطها عن الحجّية الفعلية فتصير الأمارة الموافقة لها سليمة عن المعارض، فنمنع قيام الدليل على ثبوت الترجيح بهذا المعنى فإنّه ليس في أخبار الباب عين و أثر من لفظ «الترجيح» حتّى يدّعى ظهوره في المعنى المذكور. غاية ما فيها هو نفي القرعة عند عدم مساواة البيّنتين، الدالّ على تقديم قول ذي البيّنة الراجحة، فيصير مثل ذي اليد.

و إن كان المراد منه اقتران إحدى البيّنتين بمزيّة توجب تقديم قول من يكون بيّنته مشتملة عليها حسبما هو المستفاد من الأخبار لا الزائد عليه، فهو لا يدلّ على تقديم البيّنة المشتملة عليها. فصار الحاصل أنّ مجرّد تعارض البيّنتين أوجب تساقطهما، فإن كانتا متساويتين، فالميزان القرعة بانضمام حلف كلّ من خرجت باسمه، و إن كانتا متفاوتتين يكون الميزان هو يمين ذي البينة الراجحة. فالقضاء إنّما هو لأرجح البيّنتين لا ما رجّحهما، و على هذا المعنى يمكن أن ينزل كلمات من‌

____________

(1) رياض المسائل: 2/ 420.

(2) كقوله (صلى الله عليه و آله): «إنّما أقضى بينكم بالبيّنات و الايمان»، الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

977

كانت ظاهرة في نفي الافتقار إلى اليمين.

هذا، مضافاً إلى إمكان الاستدلال بالافتقار في المقام بخبر البصري المتقدّم ذكره، حيث ذكر فيه القضاء للأكثر مع استحلاف المدّعي (1) فإنّه و إن كان مختصّاً بالخارج و الداخل حسبما قد عرفت سابقاً إلّا أنّه يمكن إلحاق المقام بمورده بالإجماع المركّب، فتأمّل جيّداً.

ثمّ إن بنينا على عدم الافتقار إلى انضمام اليمين في القرعة و الترجيح، فلا إشكال. و إن بنينا على الافتقار إليه فإن حلف من عليه اليمين فلا إشكال أيضاً، و إن لم يحلف فلا إشكال في كون الميزان حينئذٍ يمين صاحبه لا بمعنى كونها يميناً مردودة، بل لما بنينا (2) من أدلّة الحصر، فحينئذٍ لا مسرح للقضاء بالنكول في المقام على تقدير القول به في غيره حسبما بنينا عليه الأمر سابقاً فإنّه إنّما هو في نكول المنكر أو المدّعي فيما إذا ردّت إليه اليمين حسبما قضت به أدلّة القضاء بالنكول، فإن حلف من عليه اليمين ثانياً فلا إشكال أيضاً، و إن لم يحلف فهل يحكم بالتنصيف بينهما من جهة حصر الأمر فيه إذ المفروض عدم وجود شي‌ء سواه و الإيقاف لا معنى له، إذ لا أمد له حسبما نسب إلى المشهور، أو إيقاف الدعوى أو القرعة؟ وجوه؛ أوجهها عند الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي تبعاً للمشهور هو الأوّل.

و استدلّ عليه بأنّه جمع بين البيّنتين و عمل على كلّ منهما و لو في الجملة و هو مقدّم على طرح كلّ منهما رأساً، لأنّ مقتضى عمومات وجوب إعمال البيّنة بقدر الإمكان فيما إذا دار الأمر بين طرح البعض و طرح الكلّ تقديم الأوّل على الثاني‌

____________

(1) الكافي: 7/ 418؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 65؛ الاستبصار: 3/ 40؛ تهذيب الأحكام: 7/ 235؛ وسائل الشيعة: 27/ 249.

(2) بينا، خ ل.

978

فيكون إعطاء النصف لكلّ من المترافعين من جهة القضاء ببيّنته فلما لم يكن له بيّنة سليمة بالنسبة إلى النصف الآخر، فيحكم بإيقاف دعواه بالنسبة إليه. و معنى إيقاف دعواه بالنسبة إلى النصف هو معنى إيقافها بالنسبة إلى الكلّ لو ادّعاه و لم يكن له ميزان أصلًا و هو الحكم برفع يده عنه.

لا يقال: لو كان القاضي بالتنصيف نفس عمومات أدلّة البيّنة (1) في المقام فَلِمَ ما بنيتَ عليه من أول الأمر و لم تجعله مقدّماً على سائر الموازين، فإنّ المفروض أنّ القضاء بالبيّنة مقدّم على القضاء بسائر الموازين.

لأنّا نقول: إنّما لم نبن عليه الأمر سابقاً من جهة وجود الميزان للقضاء في الفرض السابق، فلا يلزم من عدم الحكم بالتنصيف إبطال حقّ، فلا داعي إلى طرح العلم الإجمالي فيه مع كون العمل بسائر الموازين أيضاً عملًا بإحدى البيّنتين قطعاً، إذ لا يشترط في العمل بالبيّنة قصده، و هذا بخلاف الفرض فإنّه يلزم من عدم الحكم بالتنصيف فيه إبطال الحقّ، إذ المفروض أنّ الأمر دائر بين الطرح رأساً و التنصيف.

و أمّا القرعة فلا وجه للرجوع إليها و إن كان هو مقتضى الأصل، لأنّ ما دلّ على الرجوع إليها من العمومات لا جابر لها في المقام حتّى يجوز التمسّك بها، و قد عرفت مراراً أنّ العمومات الموهونة بواسطة خروج الأكثر لا يجوز التمسّك بها ما لم تنجبر بالعمل، فتعيّن التنصيف. هذا، مضافاً إلى الأخبار الواردة الكثيرة التي قد عرفتها على التنصيف. فإنّه لا بدّ من أنْ يعمل عليها و لو في بعض الموارد و هو منحصر في الفرض؛ لأنّ غيره لا يصلح له حسبما عرفت تفصيل القول فيه. هذا مجمل ما ذكره دام ظلّه في المقام و هو لا يخلو عن تأمّل.

أمّا أوّلًا: فلأنّ إيقاف الدعوى في النصف في الفرض مع أنّه ليس من الإيقاف في شي‌ء، لأنّ الإيقاف لا يجامع إعطاء النصف بالخصم بل هو عين الفصل إن كان‌

____________

(1) القرعة، خ ل.

979

من جهة معارضة البيّنة بمثلها، فهي موجودة بالنسبة إلى كلّ جزء يفرض، و إن كان من جهة شي‌ء آخر فليبيّن حتّى ننظر فيه.

و أمّا ثانياً: فلأنّ إبداء الفرق بين ما نحن فيه و بين الفرض السابق الّذي حكم بعدم التنصيف فيه بما ذكره لا معنى له، لأنّ مجرّد وجود الميزان للقضاء لا يصلح للعدول إليه مع وجود عمومات البيّنة و كون القضاء بها مقدّماً على سائر الموازين.

فإن كان التنصيف من جهة القضاء بالبيّنة فلا معنى للحكم بعدم جوازه من جهة إمكان القضاء بما يكون القضاء به مترتّباً عليه. و إن كان المانع هو العلم الإجمالي الّذي لا يجوز طرحه. ففيه: أنّ عدم جواز طرحه لا يدور مدار وجود الميزان و عدمه، فإن كان جائزاً فيجوز مطلقاً، و إلّا فلا. و أمّا لزوم إبطال الحقّ في الفرض فلا يصلح مجوّزاً له، لأنّ البطلان إنّما نشأ من جانب ذي الحق من جهة عدم حلفه.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ ما ذكره منافٍ لما قرّره في بحث تعارض الأدلّة من أنّ في صورة تعارض الشيئين اللذين يكون المناط في اعتبارهما هو الطريقية و غلبة الإيصال إلى الواقع يكون مقتضى الأصل الأوّلي فيه هو التوقّف لا الجمع، و قد عرفت سابقاً أنّ الوجه في اعتبار جميع الموازين هو كشفها عن الواقع نوعاً، و غلبة إيصالها إلى الواقع. نعم، لو بني على أنّ الوجه في اعتبار البيّنة مجرّد السببية و التعبّد لأمكن المصير إلى الثاني لكنّك قد عرفت أنّ بناء الأستاد العلّامة على خلافه.

و أمّا رابعاً: فلأنّ التمسّك بأخبار التنصيف ممّا لا وجه له بعد ما قد عرفت سابقاً من البناء على طرحها من جهة ترجيح أخبار القرعة عليها سنداً و عملًا و اعتضاداً بالعمومات، فتأمّل. فالحقّ إذاً هو إيقاف الدعوى لعدم الميزان له لا التنصيف الّذي جعله مرتبة رابعة. و أمّا استلزام الإيقاف لإبطال الحقوق فلا ضير فيه بعد عدم الميزان و إقدام ذي الحقّ عليه بعدم الحلف، هذا.

ثمّ إنّه دام ظلّه ذكر أنّ ما ذكرنا من كون مقتضى القاعدة التنصيف إنّما هو‌

980

في صورة وجود البيّنة لكلّ من المدّعيين.

و أمّا لو تداعيا و لم يقيما بيّنة فإن كان هناك علم إجمالي بعدم خروج العين عن بينهما أو أقرّ الثالث بأنّها لأحدهما على سبيل الترديد و نكلا عن الحلف فالحكم بالنظر إلى القاعدة هو التنصيف أيضاً، لأنّ نكول كلّ منهما موجب لسقوط اختصاصه من العين لا أصل الاستحقاق فإن ضمّ إليه حلف صاحبه فيأخذها بتمامها و إلّا فيأخذ كلّ منهما نصفها لقضية النكولين السببين لسقوط الاستحقاق من بعض العين و أيضاً الحكم بالإيقاف في الفرض موجب لإبطال الحقّ قطعاً، فلا معنى للحكم به.

و أمّا القرعة فهي و إن يقتضيها القاعدة إلّا أنّ الحكم بها لعدم العامل بها في غاية الإشكال و إن لم يكن هناك علم إجمالي و لا إقرار من الثالث بكون العين لأحدهما على سبيل الترديد، فالذي يقتضيه النظر الدقيق هو الحكم بالإيقاف لا التنصيف، لعدم الموجب له حتّى النكول من كلّ منهما، لعدم توجّه الحلف إليهما حتّى يثمر نكولهما، إذ ليس هناك مرافعة و خصومة حقيقة و لا القرعة، لعدم انحصار الحقّ فيهما فيقرّ في يد الثالث حتّى يوجد من يأخذها بطريق شرعي. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه العالي و هو غير نقي عن الإشكال.

أمّا أوّلًا: فلأنّه لا وجه للحكم بالتنصيف في الصورة الأولى مع عدم ما يقتضيه.

و أمّا ما ذكره من سببية نكول كلّ منهما في ذلك فلم يعلم له وجه، لأنّه إن بنى على القضاء بالنكول في الفرض فليقض به بمجرّد نكول الأوّل و إن لم يبن عليه كما هو قضيّة صريح كلامه دام ظلّه فلا معنى لتأثيره أصلًا إلّا في عدم الحكم للناكل لكن لا بالنسبة إلى بعض العين بل بالنسبة إلى تمامها، فنكول كلّ منهما موجب لسقوط حقّه عن العين بالتمام، و أمّا استلزام الإيقاف لإبطال الحقّ فقد عرفت ما فيه. فالحقّ إذاً الحكم بالقرعة إن كان هناك من عمل بها و إلّا فالإيقاف.

981

و أمّا ثانياً: فلأنّ الفرق بين الصورتين ممّا لم نجد له وجهاً، لأنّ في الصورة الثانية إن بني على تعارض الدعويين فيها فيوجد هناك خصومة بين المدّعيين فلا بدّ من رفعها باليمين بعد تعذّر رفعها بالبيّنة و إن بني على عدمه، فالدعوى من كلّ منهما سبب للقضاء له لكونها دعوى لا معارض لها، فإذا اجتمعتا كما في الفرض فتصيرا بمنزلة السبب الواحد للحكم بالتمام، فيقضى بالتنصيف بينهما، فتأمّل.

و لأجل ما ذكر سوّى جماعة بين الصورتين في الحكم، منهم العلّامة في محكي القواعد و التذكرة (1) و التحرير، قال في محكي القواعد: «لو قال: (ليست لي أو [و] لا أعرف صاحبها)، أو: (هي لأحدكما و لا أعرف عينه)، أقرع بينهما، لتساويهما في الدعوى و عدم البيّنة» (2) انتهى. و عن التحرير: «فمن خرجت باسمه حلف و كانت له، و إن نكل حلف الآخر، و إن نكلا قسّمت بينهما» (3) انتهى كلامه.

و تفصيل القول في المسألة و تحقيقه قد تقدّم فيما سبق، فراجع إليه حتّى تطّلع على حقيقة الحال، و اللّٰه العالم بالحقائق و هو المطلع على السرائر.

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 2/ 207 208.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 469.

(3) تحرير الأحكام: 2/ 195. و فيه: «و يحلف من خرجت القرعة له فإن نكل حلف الآخر، فإن نكلا قسّمت بينهما».

982

[التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين]

قوله: «و يتحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين، و لا يتحقّق بين الشاهدين و شاهد و يمين» (1) الخ (1).

____________

أقول: لمّا فرغ المصنّف من التكلّم في حكم تعارض الشاهدين، أراد التكلّم في حكم تعارض الشاهد و المرأتين، و الشاهد و اليمين. و نحن نفصّل القول في المقام بحيث يرفع غواشي الأوهام عن وجه المرام، فنقول بعون اللّٰه الملك العلّام و دلالة أهل الذكر (عليهم السلام): إنّ الكلام يقع في مقامين: أحدهما، في حكم تعارض كلّ منهما مع مثله. ثانيهما، في حكم تعارض كلّ منهما مع الشاهدين، و مع الآخر.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في حكم تعارض كلّ منهما مع مثله.]

فنقول: إنّه لا ريب و لا شك في تعارض كلّ منهما مع مثله، لأنّ مقتضى اعتبارهما بالذات ذلك. فإن شئت قلت: إنّ ما دلّ على اعتبارهما يشمل صورة التعارض، كقوله: «استخراج الحقوق بأربعة» الحديث (2)، و نحوه، فيرجع في مادّة التعارض إلى ما تقتضيه العمومات من القرعة أو الحلف أو غير ذلك ممّا عرفت الكلام فيه من الأحكام الموافقة للأصل المأخوذ بها في صورة تعارض مطلق الحجّة الشرعية، أو إلى ما ثبت لتعارض البيّنتين إن قلنا بصدق البيّنة عليهما، حسبما ستعرف القول فيه إن كان هناك أحكام خاصة مخالفة للأصل قد قام الدليل على ثبوتها في البيّنة من حيث هي.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، [في حكم تعارض كلّ منهما مع الشاهدين، و مع الآخر]

فنقول: أمّا الشاهد و المرأتان، فالظاهر أنّه لا‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 898.

(2) الكافي: 7/ 416؛ تهذيب الأحكام: 6/ 231؛ وسائل الشيعة: 27/ 242 و 271.

983

إشكال بل لا خلاف في تعارضهما و مقاومتهما للشاهدين لكونهما في مرتبة واحدة من الاعتبار، إمّا لما دلّ على أنّ المرأتين في الشّرع بمنزلة رجل واحد و عدلتا به، و إمّا لصدق البيّنة عليهما فيراعى فيهما جميع أحكام تعارض البيّنتين لو كان هناك أحكام على خلاف الأصل رتّبت على خصوص تعارضهما، كالترجيح بالأعدلية و نحوها و إلّا فلا يحتاج إلى إثبات الصدق، و بالجملة، لا إشكال في مقاومة الشاهد و المرأتين للشاهدين في مقام المعارضة، و قد نفي عنه الخلاف في كلام جمع من الأصحاب، بل في كلام بعض دعوى الإجماع عليه.

و أمّا إجراء أحكام تعارض البيّنتين عليهما، فإن كانت ممّا لا يترتّب على موضوع تعارض البيّنتين بل على مطلق تعارض الحجّتين فلا إشكال، و إن كانت ممّا يترتّب عليه، فإن قلنا بصدق البيّنة على الشاهد و المرأتين حسبما بني عليه، فلا إشكال أيضاً، و إلّا ففي إجرائها عليهما وجهان؛ من عموم المنزلة الثابت ببعض الأخبار، و من أنّ التنزيل إنّما هو فيما لم يعلم كونه من خواص المنزَّل عليه، و إلّا فلا يقبل للتنزيل، و هذا هو الوجه. هكذا ذكره الأستاد العلّامة.

و أمّا الشاهد و اليمين، فالذي حكي عن الشيخ (رحمه الله) (1) أنّه يتحقّق التعارض بينهما و بين الشاهدين، فيقرع بينهما ناسباً له إلى مذهبنا. و الّذي عليه المشهور (2) عدم وقوع التعارض بينهما و بين الشاهدين. و علّله بعض مشايخنا (3) بعدم صدق البيّنة عليهما فلا يندرج حينئذٍ في النصوص. و فيه: أنّ التعليل المذكور على فرض تماميته إنّما يصلح للحكم بعدم ترتّب الأحكام الخاصة الثابتة لتعارض البيّنتين عليهما، لا‌

____________

(1) المبسوط: 8/ 253 254.

(2) على رأي الشيخ في قوله الآخر في المبسوط: 8/ 259 و الخلاف: 6/ 234 حكاه في مسالك الأفهام: 14/ 89.

(3) جواهر الكلام: 40/ 432.

984

لأصل عدم المقاومة و التعارض و عدم ترتّب مطلق الأحكام الثابتة لتعارض الحجتين عليهما، هذا.

و بالحري أنْ نبيّن معنى البيّنة حتّى يتبيّن صدقها على الشاهد و اليمين، ثمّ نتعرّض لبيان الوجه في عدم مقاومتهما للشاهدين مع كون كلّ منهما من أفراد البيّنة، فنقول: إنّ البيّنة عبارة عن كلّ حجّة معتبرة للمدّعي بالمعنى الأعم، خارجة عن قوله، فيخرج الدعوى التي لا معارض لها و اليمين، سواء كان قول واحد أو أزيد، و سواء كان الرجل أو المرأة، فتشمل شهادة الشاهدين و أزيد و الشاهد و المرأتين و الشاهد و اليمين و الشاهد الواحد و المرأة الواحدة. و الدليل على كون معناها ما ذكر تبادره منها عند التأمّل.

و أمّا ما يقال من ظهورها في الشاهدين فلا تشمل باقي الحجج، ففيه: أن هذا الظهور على فرض تسليمه ظهور بدوي قد نشأ من أنس الذهن من جهة كثرة الدوران، و إلّا فعند التأمّل يعلم أنّ المتبادر منها ما ذكرنا من المعنى الأعم. فعلم من ذلك كلّه أنّ البيّنة تشمل الشاهد و اليمين أيضاً. هذا، مضافاً إلى دلالة ما دلّ على حصر القضاء في البينة و اليمين (1)، فإنّه يدلّ على عدم صحّة سلب البيّنة من الشاهد و اليمين و صحّة إطلاقها عليهما، و إلّا لزم عدم صحّة الحصر و المفروض ثبوته.

هذا ملخّص ما ذكره الأستاد، و للتأمّل فيه خصوصاً في الاستدلال بالأخبار الحاصرة مجال، لأنّ غاية ما يستفاد منها عدم خروجهما من البيّنة و اليمين، و أمّا دخولهما تحت الأولى لا الثانية فلا، بل قد يقال بأولوية دخولهما تحت الثانية، فتأمل. هذا مجمل القول في إثبات صدق البيّنة على الشاهد و اليمين. و أمّا الكلام في عدم مقاومتهما للشاهدين بعد البناء على دخولهما في البيّنة و صدقها عليهما،

____________

(1) كقوله (صلى الله عليه و آله): «انّما أقضي بينكم بالبينات و الايمان»، الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

985

فملخّصه أنّه قد استدلّ عليه بوجوه: أحدها: ما ذكره في المسالك من: «أنّ الشاهد لا يستقلّ بالحجّية و اليمين معه و إن أوجب ثبوت المال، إلّا أنّه حجّة ضعيفة، و من ثمّة اختلف في ثبوته بهما» (1).

ثانيها: ما ذكر فيه أيضاً من: «أنّ الّذي يحلف مع الشاهد يصدّق نفسه، و الّذي يقيم شاهدين يصدّقه غيره، فهو أقوى جانباً و أبعد عن التهمة» 2 هذا.

و أنت خبير بضعف كلا الوجهين؛ أمّا الأوّل، فلأنّه إن أريد من الضعف في الحجّية أنّ حجّيتهما موقوفة على عدم قيام حجّة على خلافهما لضعفهما في مرتبة الحجية. ففيه المنع من ثبوت ذلك، سيّما بعد ما عرفت من صدق البيّنة عليهما. فما دلّ على اعتبار الشاهدين فهو بعينه يدلّ على اعتبارهما، فلا يعقل الحكم بتفاوت أفراده في مرتبة الحجية.

و إن أريد من الضعف في الحجية، عدم اعتبارهما في جميع الموارد بل في حقوق النّاس في الجملة بخلاف الشاهدين، فإنّهما معتبران في أكثر الموارد ففيه أنّ عدم اعتبارهما في جميع الموارد لا يدلّ على تقدّم الشاهدين عليهما في مورد اعتبارهما حسبما هو محلّ الكلام، كيف؟ و لو بني على ذلك لجرى مثله في الشاهد و المرأتين أيضاً، ضرورة ضعفهما بالنسبة إلى البيّنة لاعتبارها فيما لا يعتبران من غير عكس حسبما يستفاد من الأخبار.

و الحاصل: أنّ الكبرى و هي: أنّ كلّ قوي مقدّم على كلّ ضعيف و لو بالمعنى المذكور، غير مسلّمة. و أمّا وقوع الاختلاف فيه، فإن أريد اختلاف العامة فهو إن لم يوجب قوّته، لأنّ الرشد في خلافهم فلا يؤثر في ضعفه. و إن أراد الاختلاف منّا، فغير موجود كما لا يخفى.

و أمّا الثاني، فلأنّه ليس إلّا مجرّد اعتبار، إذ بعد فرض قيام الدليل على اعتبار‌

____________

(1) 1 و 2 مسالك الأفهام: 14/ 89 مع اختلاف يسير.

986

الشاهد و اليمين سيّما إذا كان ما دلّ على اعتبار البيّنة لا معنى للكلام المذكور، إذ بعد اعتبار تصديق النفس يصير كتصديق الغير. و أمّا مجرّد الأقربيّة إلى التهمة و الأبعدية عنها لا يوجب الحكم بتقديم الأقرب على الأبعد، لعدم قيام دليل على تقدّم كلّ أبعد عن التهمة على أقرب إليها كما لا يخفى. و لعمري إنّ مثل هذه الوجوه ممّا أوجب قدح الأخبارية في المجتهدين و الطعن عليهم بأنّهم يعتمدون على قواعد العامة.

ثالثها: ما استدلّ به الأستاد العلّامة دام ظلّه من أنّ ما دلّ على الترجيح بالكثرة، كقوله في جملة من الأخبار المتقدّمة: «أقام كلّ منهما شهوداً سواء في العدد» (1) يدلّ على ترجيح الشاهدين على الشاهد و اليمين بناءً على أنْ لا يكون المراد من الاستواء في العدد، الاستواء في التعدّد، بل الاستواء في أصل العدد، و إلّا فلا ينفعنا إن لم يضرّنا. و أن لا يكون المراد من الشهود الجمع بل الجنس.

لا يقال: لو بني على ما ذكر لزم ترجيح الشاهد و المرأتين على الشاهدين، لأنّ الأوّل أكثر عدداً من الثاني.

لأنّا نقول: بعد تنزيل المرأتين منزلة الشاهد الواحد، لا معنى لملاحظة تعدّدهما.

لا يقال: لو كان مجرّد التنزيل كافياً في الاستواء في العدد لقلنا بمثله في الشاهد و اليمين أيضاً، لأنّهما نزّلا أيضاً منزلة الشاهدين.

لأنّا نقول: لم يقم دليل على التنزيل المذكور أصلًا كما لا يخفى.

هذا ملخّص ما ذكره، و يرد عليه بعد منع ظهور ما ذكره من الرواية: أنّه مناف لما بنى عليه الأمر سابقاً من عدم دلالة أخبار الترجيح على تقديم الراجح على‌

____________

(1) في موثقة السماعة المتقدمة راجع: من لا يحضره الفقيه: 3/ 93؛ تهذيب الأحكام: 6/ 234؛ الاستبصار: 3/ 40؛ وسائل الشيعة: 27/ 254.

987

المرجوح في الحجيّة الفعلية، و إنّما يستفاد منها تقدّم قول ذي البيّنة الراجحة.

و الحاصل: أنّ المقصود في المقام إثبات عدم كون الشاهد و اليمين في مرتبة البيّنة و كونهما كالأصل بالنسبة إليها، و معلوم أنّ الأخبار المذكورة حسبما اختاره الأستاد العلّامة لا تدلّ على المعنى المذكور أصلًا. و تتميم المدّعى بالإجماع المركّب، فيه ما لا يخفى.

رابعها: ما ذكره الأستاد العلّامة أيضاً من أنّ قضيّة ما دلّ على الترجيح بالعدد كقوله: «أكثرهم بيّنة يستحلف» (1) و غيره، بناءً على حمله على ظاهره من كون المراد من العدد التعدّد، هو اعتبار التعدّد في البيّنة الشرعيّة، لأنّ الأمر بأخذ أرجح الحجّتين في شي‌ء في مقام التعارض يدلّ على اعتبار هذا الشي‌ء في اعتبارهما، كأمره بترجيح أعدل الراويين، فإنّه يدلّ على اعتبار العدالة في الراوي، و هذا ممّا لا سترة فيه أصلًا.

فمقتضى الأخبار عدم اعتبار الشاهد و اليمين مطلقاً، غاية الأمر ثبت اعتبارهما في غير مورد المعارضة في الجملة. و أمّا مورد المعارضة فلا. و لو فرض إطلاق لما دلّ على اعتبارهما فيقيّده بصورة عدم المعارضة. هذا حاصل ما ذكره و هو لا يخلو عن تأمّل.

خامسها: ما ذكره أيضاً من أنّ المستفاد من بعض الأخبار الدالة على اعتبار الشاهد بانضمام اليمين، كون الأصل فيهما هو الشاهد، و أنّ الوجه في اعتباره عدم لزوم بطلان حقّ المؤمن و أمّا اليمين، فإنّما هي شرط له جي‌ء بها لرفع التهمة، كتعليله في بعض الأخبار قبولها بقوله: «لئلّا يبطل حق إمرئ مسلم و لا يرد شهادة‌

____________

(1) في خبر أبي بصير، الكافي: 7/ 418؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 65؛ الاستبصار: 3/ 40؛ تهذيب الأحكام: 7/ 235؛ وسائل الشيعة: 27/ 249.

988

مؤمن» (1) فيدلّ على أنّ الوجه في اعتباره هو لزوم بطلان الحق لولاه، فتدلّ على عدم اعتباره فيما لو كان هناك مثبت للحق و هو الشاهدان، هذا.

فصار المحصّل أنّ المستفاد من الأخبار قوّة الشاهدين على الشاهد و المرأة، فيقدّمان عليهما في مقام التعارض و إن كان كلّ منهما من أفراد البيّنة. و هذا هو مراد العلّامة (2) في تعليله تقديم الشاهدين عليهما بكونهما أقوى، إذ ليس مراده أنّ مجرّد القوة أوجب تقديمهما حتّى يقال بأنّه وجه اعتباري لا يصلح للاعتبار، بل أنّ المستفاد من الأخبار تقديمهما عليهما من جهة القوة و الضعف. و عليه يمكن أيضاً تنزيل ما قد عرفت من المسالك (3). هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه و اللّٰه العالم بحقيقة الحال.

هذا كلّه في تعارض كلّ من الشاهد و المرأتين و الشاهد و اليمين مع البيّنة. و أمّا حكم تعارض كلّ منهما مع الآخر فيعلم ممّا مرّ في حكم تعارضهما مع الشاهدين، لأنّ بعد تنزيل الشاهد و المرأتين منزلة الشاهدين يصير حكمهما واحداً، و هذا ممّا لا سترة فيه إن شاء اللّٰه.

____________

(1) بصائر الدرجات: 554؛ وسائل الشيعة: 27/ 270 و 339.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 488.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 89.

989

[القضاء بالقسمة]

قوله: «و في كلّ موضع قضينا فيه بالقسمة» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا إشكال بل لا خلاف بل لا يعقل الخلاف في أنّ القضاء بالتنصيف و القسمة إنّما هو فيما كان قابلًا للقسمة و لو بحسب المالية. و أمّا فيما لا يقبلها فلا يعقل القول فيه بها، لفرض عدم إمكانها فيه، كما أنّه لا إشكال و لا خلاف في أنّ الميزان فيه هو القرعة، لما في مرسل داود بن زيد العطار عن الصادق (عليه السلام): «في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود فشهدوا أنّ هذه المرأة امرأة فلان، و جاء آخرون فشهدوا أنّها امرأة فلان، فاعتدل الشهود و عدلوا. قال: يقرع بين الشهود فمن خرج اسمه فهو المحقّ و هو أولى بها» (2) و كونه مرسلًا لا يقدح في التمسّك به، كما لا يخفى.

إنّما الإشكال بل الخلاف في أنّ الحكم بها هل يتوقّف على انضمام اليمين إليها و إلّا فيحكم لمن لم تخرج القرعة باسمه بعد حلفه، أو لا يتوقّف على ذلك؟ الّذي صرّح به في المسالك عدم الافتقار إليه: «لأنّ فائدته القضاء للآخر مع نكوله، و هو منفي هنا» (3) و يستفاد ذلك من كلام الفاضل في بعض كتبه (4) أيضاً. و الّذي صرّح به بعض مشايخنا المتأخّرين (5)، الافتقار إليه لعدم المانع منه، مع أنّ قضيّة الأدلّة ذلك، لأنّ المنفي في الفرض التنصيف لا اليمين، و عدم تعرّض الخبر المتقدّم لليمين لا‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 898.

(2) الكافي: 7/ 420؛ تهذيب الأحكام: 6/ 235؛ وسائل الشيعة: 27/ 252 مع اختلاف يسير.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 92.

(4) قواعد الأحكام: 3/ 488.

(5) جواهر الكلام: 40/ 433.

990

..........

____________

ينافي ثبوتها من غيره.

و الحق هو عدم الافتقار إلى انضمام اليمين، لما قد عرفت مراراً أنّ توجّه اليمين إنّما هو فيما إذا ترتّب على النكول عنها ثمرة، و هي هنا غير موجودة، لأنّ القضاء بالنكول في الفرض ممّا لا معنى له. و الردّ إلى الآخر أيضاً كذلك، لنقل الكلام إليه فإنّ على نكوله أيضاً لا يترتّب ثمرة لفرض انتفاء التنصيف. و الحكم بتوجّه اليمين إليه لعلّه يحلف أو يحلف صاحبه، ممّا لا معنى له، لما قد عرفت مراراً أنّ مجرّد احتمال وجود الميزان لا يوجب الحكم بتوجّه اليمين ما لم يترتّب على نفس النكول ثمرة، فلا بدّ من القضاء بنفس القرعة، و لا ينافي هذا الأخبار الحاصرة لميزان القضاء في البيّنات و الايمان (1)، لعدم إمكان القضاء بهما في الفرض. و اللّٰه العالم و هو الحاكم.

____________

(1) الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

991

[الشهادة بالقدم من المرجحات]

قوله: «و الشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث» (1) الخ (1).

____________

أقول: هذه من إحدى المرجّحات التي ذكرها معظم الأصحاب كالإطلاق و التقييد، و الدخول و الخروج، و القوة و الضعف. فالكلام في المقام مسوق لبيان أصل كون الشهادة بالقدم من المرجّحات مع قطع النظر عن اجتماعها مع سائر المرجّحات. فإنّ الشهادة بالقدم و الشهادة بالحدوث قد تكونان مطلقتين، و قد تكونان مقيدتين، و قد تكونان مختلفتين. و قد تكون العين في يد أحد المدّعيين، و قد تكون في يدهما، و قد تكون خارجة عن يدهما، إلى غير ذلك، إلّا أنّ الكلام في المقام في إثبات الترجيح بالقدم و الحدوث من حيث هما كسائر المرجّحات، فإنّ التكلّم في جميعها من هذه الحيثية، و أمّا حكم صورة تعارضهما مع سائر المرجّحات فلعلّنا نشير إليه إن شاء اللّٰه.

فليفرض الكلام فيما إذا كانت العين خارجة عن يدهما

و أقام كلّ منهما بيّنة مطلقة غير مشتملة على مزية، فنقول: ذهب جماعة من الأصحاب حسبما نسب إليهم، كالشيخ (2) و ابني ادريس (3) و حمزة (4) و الفاضل في بعض كتبه (5)، بل في المسالك (6) أنّه المشهور بينهم، إلى أنّ الشهادة بقدم الملك أو أقدمه مقدّمة على الشهادة بحادث‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 898.

(2) الخلاف: 6/ 348؛ المبسوط: 8/ 279.

(3) السرائر: 2/ 169.

(4) الوسيلة: 219.

(5) مختلف الشيعة: 8/ 375 376؛ إرشاد الأذهان: 2/ 150.

(6) مسالك الأفهام: 14/ 92.

992

الملك و قديمه، كما إذا شهدت إحدى البيّنتين أنّها ملك زيد منذ سنة، و الأخرى أنّها ملكه في الحال أو أطلقت، أو شهدت إحداهما أنّها ملك زيد منذ سنتين و الأخرى أنّها ملكه منذ سنة. قال ابن ادريس في السرائر: «فإن لم يكن ترجيح و هو في يد ثالث، و أقام أحدهما بيّنة بقديم الملك و الآخر بحديثه، و كلّ منهما يدّعي أنّه ملكي الآن، و بيّنة كلّ واحد منهما تشهد بأنّه ملكه الآن، غير أنّ إحدى البينتين تشهد بالملكية الآن و بقديم الملك، و الأخرى بالملكية الآن و بحديث الملك. مثاله: إنّ إحدى البيّنتين تشهد بالملك منذ سنتين، و الأخرى منذ سنة، فالبيّنة بيّنة قديم الملك و هي المسموعة و المحكوم بها، دون بيّنة حديث الملك» (1) انتهى ما أردنا نقله. و من نسب الترجيح إليه قد استفاده من هذه العبارة.

و لكنّه قد صرّح في موضع آخر من الكتاب المذكور قريب من العبارة المزبورة بأنّ الّذي ذكره لم يكن مختاره حيث قال: «و الّذي أعتمده و أعتقده و أعمل عليه بعد هذه التفاصيل جميعها أن لا يرجّح إلّا بالعدد و بالتفاضل في عدالة البينتين فحسب، دون الأسباب و قدم الأملاك، لأنّ القياس عندنا باطل على ما قدمناه. و إنّما فصّلنا ما فصّلناه على وضع شيخنا في مسائل خلافه و هي من فروع المخالفين و مذاهبهم فحكاها و اختارها دون أن يكون مذهباً لنا، و [أو] لبعض مشيختنا و لا وردت به أخبارنا و لم يذهب إليه أحد من أصحابنا» (2) انتهى ما أردنا حكايته.

و هذه العبارة كما ترى صريحة في عدم قوله بالترجيح المذكور، بل صريحة في عدم ذهاب أحد من الأصحاب إليه غير الشيخ (رحمه الله) (3). و ذهب بعض بل جماعة منهم‌

____________

(1) السرائر: 2/ 169.

(2) السرائر: 2/ 170 171.

(3) الخلاف: 6/ 348؛ المبسوط: 8/ 279.

993

الحلّي (1) ممّا عرفت من كلامه إلى مساواتهما.

استدلّ للمشهور في المشهور بأنّ الزائدة تثبت الملك في وقت لا تعارضها الأخرى فيه، و إنّما تتساقطان في محلّ التعارض دون السابق الّذي لا معارض لها فيه، و الأصل في الثابت دوامه. و لهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان ممّن تصرّف فيه، لأنّه ملك لا معارض له فيه فيجب استدامته و أن لا يثبت لغيره ملك إلّا من جهته. هذا ملخّص ما ذكروه.

و حاصله يرجع إلى أنّ المرجع بعد تعارض البيّنتين في مورده استصحاب بقاء الملكية للذي شهدت بيّنته بالقدم الّذي وجد من البيّنة التي لا معارض لها، فإنّ التي تشهد بالقدم سليمة عن معارضة التي شهدت بالحال بالنسبة إلى الزمان الزائد، فيكون القضاء حينئذٍ حقيقة بالبيّنة بضميمة الاستصحاب لا أن يكون المرجع الأصل كما قد يتوهّم في معنى كلام المشهور بمعنى كون القضاء به مستقلّاً مع تساقط البيّنتين عن رأس، فيكون هو الميزان للقضاء في الفرض حتّى يقال بأنّه لا دليل على جواز القضاء بالأصل، بل مقتضى العمومات الحاصرة عدمه و المفروض أنّ أحداً لم يلتزم باليمين في الفرض حتّى يقال بأنّ القضاء بها، إذ لا معنى لإجراء الأصل بعد الحكم بتساقط البيّنتين حتّى في غير مورد التعارض، لما قد عرفت من أنّ تحقّق الأصل إنّما هو من البيّنة القديمة من جهة سلامتها عن المعارض بالنسبة إلى الزمان الزائد، فلا معنى للحكم بوجوده مع انتفائها.

و من هنا يظهر فساد ما قد يتوهّم من كون الوجه لتقديم البيّنة القديمة عندهم، الترجيح بالأصل لا الرجوع إليه بعد التساقط في مادة التعارض. وجه الفساد ما عرفت من عدم وجود الأصل في المقام مع قطع النظر عن البيّنة القديمة حتّى ترجّح به، هذا.

____________

(1) السرائر: 2/ 169.

994

و أورد عليه بوجوه: أحدها ما قد يستفاد من كلام بعض مشايخنا طيّب اللّٰه رمسه و يختلج ببالي الفاتر و نظري القاصر من أنّ ما ذكروه مبني على التبعيض في البيّنة القديمة بالنسبة إلى الزمانين، و هو ممّا لا يدلّ عليه أدلّة تصديق البيّنة، بل قد يقال إنّ مقتضاها عدم جوازه.

و فيه: أنّ التبعيض الّذي دلّ الدليل على عدم جوازه هو التبعيض في مورد التعارض بأن يعمل بإحدى البيّنتين في بعضه و بالأخرى في بعضه الآخر، كالتنصيف في العين التي تداعياها رجلان أقام كلّ منهما بيّنة سواء على كونها ملكه، لأنّ هذا النحو من التبعيض لا يجامع القول باعتبار البيّنة من باب الطريقية، حسبما قد عرفت تفصيل القول فيه.

و أمّا التبعيض بالمعنى المقصود في المقام و هو عدم الأخذ بالبيّنة في مورد التعارض و الأخذ بها في غير مورده من جهة سلامته عن المعارضة فليس فيه ما يشينه، بل هو قضية ما دلّ على وجوب تصديق البيّنة بقدر الإمكان، فتأمّل.

ثانيها: ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه و يستفاد من كلام غيره ممّن تقدّم عليه من الأصحاب، من أنّ مقتضى وجوب الجمع و التوفيق بين البيّنتين و تصديقهما مهما أمكن، هو القضاء بالبيّنة التي تشهد بالحدوث و الحال، و تقديمها على التي تشهد بالقدم، لاحتمال استناد الثانية إلى ما اطّلع الأولى بزواله و وجود الرافع له، كالاستناد إلى الاستصحاب من جهة اليد السابقة أو غيرها، فتصدق البيّنتين [البيّنتان] بحمل كون شهادة إحداهما من جهة الاستناد إلى الأصل، و شهادة الأخرى من جهة الاستناد إلى ما يزيله، كالبيع و الهبة و الإقرار و نحوها من الأسباب الناقلة و الكاشفة.

و أمّا القول بإمكان الجمع بينهما بحمل استناد الأولى إلى أصل، و هو أصالة الصحّة في البيع و نحوه و اطّلاع الثانية إلى ما يزيله لأنّ هذا أيضاً محتمل كالاحتمال‌