كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
995

السابق ففيه: أنّ هذا الاحتمال موجود بعينه في الثانية أيضاً بالنسبة إلى السبب السابق، لاحتمال استنادها فيه إلى أصالة الصحّة، فهو ممّا لا ينفع أصلًا و قد عرفت مراراً في طيّ كلماتنا السابقة أنّ الاحتمال الّذي يصلح لحمل إحدى البيّنتين عليه و يجمع به بينهما، هو الاحتمال المتطرق في إحداهما الغير المتطرق في الأخرى.

و أمّا الّذي متطرق فيهما فلا يعقل أنْ يجعل مستنداً للجمع بينهما، للزوم الترجيح بلا مرجّح. و إن شئت توضيح ذلك فارجع إلى ما فصّلناه في وجه تقديم المشتملة على السبب على غيرها. و بالجملة كلّما احتمل في إحدى البيّنتين ما لا يحتمل في الأخرى بل احتمل فيها الاطلاع على ما يقتضي رفعه و الاستناد عليه، فيجب الجمع بينهما و الحكم بتحقّق الاحتمالين فيهما. و هذا أصل قد بنوا عليه في كثير من مسائل تعارض البيّنات كما في مسألة تعارضها في الجرح و التعديل، و التقييد و الإطلاق و الإثبات و النفي، إلى غير ذلك، فنقول في المقام: إنّ قضية التحقيق و إن كانت ما ذكروه لو كانت البينتان في مرتبة واحدة من القوة، إلّا أنّه لا ريب أنّ البيّنة القديمة ضعيفة بالنسبة إلى ما تشهد عليه بالحال، لضعف مستندها و هو الأصل. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه العالي في مجلس البحث، و هو كما ترى على فرض صحّته يقتضي المصير إلى عكس ما عليه المشهور.

و إلى ما ذكره أشار الفاضل في القواعد في وجه عدم التقديم و يكون هو المراد من كلامه. فبالحري نقله بألفاظه حتّى تطّلع على حقيقة مرامه، قال في مقام بيان المرجّحات و تعدادها: «الثالث: اشتمال إحدى البيّنتين على زيادة، كزيادة التاريخ.

فإذا شهدت بيّنة على أنّه ملكه منذ سنة و الأخرى أنّه ملكه منذ سنتين، حكم للأقدم، لأنّ بيّنته أثبتت الملك له في وقت لم يعارضها [تعارضه] فيه البيّنة الأخرى، فثبت الملك فيه. و لهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان و تعارضتا في الملك في‌

996

الحال فسقطتا و بقي ملك السابق فيجب استدامته و ان لا يثبت لغيره ملك إلّا من جهته» ثمّ قال: «و يحتمل التساوي لأنّ المتأخرة لو شهدت أنّه اشتراه من الأوّل لقدّمت على الاخرى فلا أقل من التساوي» (1) انتهى كلامه رفع اللّٰه في الخلد مقامه.

و أنت بعد التأمّل في كلامه تعلم أنّ مراده ما ذكره شيخنا الأستاد العلّامة، لأنّ مقصوده من كلامه الأخير أنّه لو فرض اشتمال المتأخّرة على ذكر السبب فلا إشكال في تقديمها، فلا بدّ من أن يحكم في صورة إطلاقهما بالتسوية لو لم يحكم بترجيح المتأخّرة من حيث لزوم الجمع بين البينتين مهما أمكن، بحمل المتأخّرة على الاطلاع على السبب الناقل، و المتقدّمة على الاستناد بالأصل حسبما عرفت من كلام الأستاد العلّامة. فالحكم بترجيح الثانية على الأولى ممّا لا وجه له، هذا.

و فيه أوّلًا: أنّا نفرض الكلام فيما إذا علمنا باستناد كلّ من البيّنتين إلى العلم بالمشهود به و هو الملكية في الحال، و من المعلوم عدم جريان ما ذكر فيه. و توهّم خروجه عن محلّ الكلام، فيه ما لا يخفى. و ثانياً: سلّمنا عدم العلم بذلك، لكن مقتضى ظاهر كلامهما هو الحمل على ذلك، و إن كان الاستناد إلى الأصل أيضاً جائزاً لا يستلزم تجوّزاً في اللفظ على تقديره حسبما عرفت تفصيل القول فيه إلّا أنّه خلاف الظاهر قطعاً فلا يجوز المصير إليه إلّا مع دلالة صارفة. و مجرّد العلم بالاستناد إليه في الغالب على تقديره لا يصلح صارفاً كما لا يخفى.

و القول بأنّ مقتضى الشهادة الحالية، الاطلاع على النقل من المدّعي إلى من قامت له بخلاف الشهادة على القدم؛ فيه ما فيه، لأنّه ليس معنى الشهادة الحالية و المتأخّرة كونها مصرّحة بالنقل و السبب، لأنّ الشهادة على الحال لا دلالة لها على ذلك أصلًا، فضلًا عن أن تكون صريحة فيه؛ لأنّ الشهادة في الحال إنّما تثبت الملكية فيها مع السكوت عن سببه و عمّا قبلها. فيحتمل استناد كلّ منهما في الشهادة‌

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 489 مع اختلاف يسير.

997

على الملك في الحال إلى الاستصحاب مع عدم اطّلاع المتأخّرة على ما يزيل مقتضى المتقدّمة.

و منه يظهر أنّ إطلاق الحادثة على المتأخّرة كما في كلام بعض الأصحاب مسامحة، لأنّ الكلام ليس مفروضاً فيما إذا شهدت إحداهما على حدوث الملك و انتقاله عن الآخر كما أنّه يظهر منه فساد القول بأنّ البيّنة المتأخّرة و إن لم تكن صريحة فيما ذكر إلّا أنّها ظاهرة فيه. وجه الفساد ما عرفت من عدم دلالتها على ذلك أصلًا و سكوتها عنه جزماً.

فنقول بناءً على تسليم وجوب الجمع بين البيّنتين بالمعنى المذكور مهما أمكن حسبما عليه المشهور كما تقدم في مسألة الاطلاق و التقييد و إن بنينا على عدم وجوبه من حيث عدم قيام الدليل عليه: إنّ الجمع بالمعنى المذكور غير ممكن في المقام لتطرّق كلّ احتمال يتطرّق في احداهما في الأخرى أيضاً، فلا يمكن الجمع بينهما، فتأمّل.

و ثالثاً: إنّ ما ذكروه من حديث الإطلاق و التقييد، أو النصوصية و الظهورية من حيث الاستناد إلى الأصل و ما يقتضي رفعه، خروج عن محلّ الكلام، لأنّه في إثبات الترجيح بنفس التقدّم و التأخّر مع قطع النظر عن سائر المرجّحات، حسبما عرفت الإشارة إليه في أوّل المسألة، فنفرض الكلام فيما إذا كان مستند كلّ منهما شيئاً واحداً، كما إذا اعتقدت كلّ منهما أنّ الثالث الّذي بيده المال وكيل عن الّذي شهدت له و نحو ذلك، فالترجيح بغيرهما خروج عن محلّ الفرض.

هذا ما ذكره شيخنا الأستاد العلّامة بعد نقل كلام العلّامة الّذي مرّ بك، بناءً على ما ذكره الفاضل في كشف اللثام في شرح قوله: «فلا أقلّ من التساوي» (1) من قوله: «إن لم نقل بالرجحان أيضاً، لأنها تدّعي أيضاً الاطلاع على ما لم تطّلع عليه‌

____________

(1) من كلام العلّامة (رحمه الله).

998

الأخرى، فإنّه ما لم يظهر لها ما يرجّح الملك أو يعيّنه منذ سنة فكيف تشهد به.

و غاية الأخرى أنّها لم يظهر لها [له] ذلك و الإثبات مقدم» (1).

ثالثها: ما يستفاد من كلام الفاضل في القواعد (2) أيضاً من أنّا نمنع من سماع البيّنة بالنسبة إلى الزيادة مع قطع النظر عن سماعها في الحال، لأنّا إنّما سمعنا البيّنة القديمة من حيث شهادتها بالملكية الحالية، و لهذا لو شهدت البيّنة بالملكية في زمان سابق على زمان الدعوى و لم تتعرّض له أصلًا لا بنفي و لا إثبات مثل أن يقول: (إنّي أشهد أنّ الدار الفلاني ملك زيد قبل سنة)، لم تسمع قطعاً، و استصحاب الحاكم لا دليل عليه مع احتماله قطع البيّنة على خلاف الحالة السابقة. قال في القواعد بعد كلامه الّذي عرفته ما هذا لفظه: «و ثبوت الملك في الماضي من غير معارضة إنّما يثبت تبعاً لثبوته في الحال، و لهذا لو انفرد بادّعاء الملك في الماضي لم تسمع دعواه و لا بيّنته و كذا البحث لو شهدت إحداهما بالملك في الحال و الأخرى بالقديم» (3) انتهى كلامه.

و ورود هذا الإيراد و عدمه يتّضح ممّا سنذكره من التكلّم في جواز القضاء بالبيّنة بضميمة الاستصحاب مع سكوت الشاهد عن الحالة الثانية، فانتظر. ثمّ إنّ الأستاد العلّامة بعد ما ذكر جملة من الكلام على كلمة الطرفين قال: فبالحري أن نفرّد كلّ صورة ممّا يتصوّر في المقام بالتكلّم فيها حتّى يتّضح حقيقة الأمر.

فنقول: إنّ لتعارضهما صوراً:

إحداها: أن نعلم باستناد البيّنة المتقدّمة في شهادتها على البقاء و الملكية الحالية إلى الاستصحاب

كما هو الغالب. ففي هذه الصورة تقدّم المتأخّرة عليها، سواء اسندت إلى سبب نقل من المدّعي، أو اسندت‌

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 367.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 489.

(3) قواعد الأحكام: 3/ 489 490.

999

إلى سبب نقل و لم يذكر المنتقل عنه، أو اسندت إلى غير المدّعي كما لو قالت: (إنّي أشهد أنّه ملكه منذ سنة و اشتراه من فلان)، أو (اشتراه من عمرو) مثلًا، أو أطلقت.

و سواء علمنا في التقدير الثاني بكون استنادها في الملكية المطلقة إلى علمه بها، أو لم نعلم ذلك، أو علمنا بإسناده إلى أمر غير علمي كاليد الظاهرة في الملك.

و وجه التقديم في غير الصورة الأخيرة واضح، لأنّه جمع قد حقّقنا غير مرّة وجوبه و فصّلنا القول في مسألة تعارض البيّنتين في الجرح و التعديل.

و أمّا فيها، فوجه الجمع أيضاً القاعدة المذكورة، لأنّ المفروض أنّ البيّنة المتأخّرة من جهة استنادها إلى اليد المتقدّمة على الاستصحاب الحاكمة عليه ناطقة عمّا يسكت عنه المتقدّمة و مطّلعة على ما لم تطّلع عليه و مدّعية للدراية بالنسبة إلى ما لا تدريه، فلا بدّ من الجمع بينهما و تصديقهما.

فإن قلت: كما يكون مستند البيّنة المتقدّمة في الفرض الاستصحاب و عدم العلم بالفرض، و لهذا تكون البيّنة المتأخّرة مقدّمة عليها كذلك يكون مستند البيّنة المتأخّرة في الفرض الأصل و عدم العلم و الدراية لفرض احتمالها كون اليد و التصرّف ممّا يجامع عدم الملكية أيضاً كاليد العارية و الوديعة و نحوهما، غاية الأمر أنّها لما لم تعلم بذلك نَفَته بالأصل من جهة الغلبة، و يحتمل اطّلاع البيّنة المتقدّمة على كونها يد غير ملك و لهذا لم تعبأ بها و أجرت الاستصحاب و شهدت على خلافها.

قلت: مجرّد اشتمال مستند البيّنة المتأخّرة على جهة غير علمي لا يوجب الحكم بتقدّم غيرها عليها، أو مساواته معها مع فرض عدم تعرّضه بالعلم بذلك، لأنّ الّذي تقرّر في محلّه و قام الدليل عليه أنّه لو شهدت إحدى البيّنتين بشي‌ءٍ من جهة عدم العلم بما ينافيه و يرفعه، و شهدت الأخرى بخلافها من جهة علمها به بحيث ادّعت الدراية بالنسبة إلى ما لم تدره الأولى، قدّمت عليها لا انّه إذا شهدت إحدى‌

1000

البيّنتين بشي‌ءٍ من جهة عدم العلم بما ينافيه و لم تدّع الأخرى العلم به أصلًا و لم يكن شهادته ظاهرة فيه أيضاً تقدّم عليها.

و بالجملة البيّنة المتأخّرة من جهة استنادها باليد الحاكمة على الاستصحاب تدّعي الدراية بالنسبة إلى ما لا تدري به المتقدّمة، و البيّنة المتقدّمة لا تدّعي الدراية بالنسبة إلى ما تدري به المتأخّرة.

نعم، لو فرض العلم بعلمها بكون المشهود به عارية أو وديعة ممّن تشهد له عند من تشهد البيّنة المتأخّرة له، قدّمت عليها، لأنّ استصحاب كون اليد عارية حاكم على اليد، لأنّه يشخص بحكم الشارع كون اليد من القسم المجامع مع عدم الملكية، لكن مجرّد احتمال ذلك لا يوجب الحكم به و رفع اليد عن ظهور اليد، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ الترجيح من الجهة المذكورة ليس من الترجيح بالتقدّم و التأخّر أصلًا. اللّهمّ إلّا أن يقال بمدخليتهما فيه، لأنّه لو شهدت إحدى البيّنتين بالملكية في زمان كمنذ سنة، و الأخرى بالملكية السابقة و لم تعيّن الزمان، لا يجوز الحكم في هذه الصورة بتقديم الأولى على الثانية، لاحتمال كون زمان السابقة متأخّراً عن السنة، فتأمّل.

ثمّ إنّ ما ذكرنا في القديم و الحادث يجري في القديم و الأقدم أيضاً، لأنّ بيّنة القديمة و إن فرض استنادها في البقاء إلى الاستصحاب، لكنّ التعارض بينها و بين بيّنة الأقدم إنّما هو في الزمان الّذي تشهد فيه بالحدوث و بيّنة الأقدم بالبقاء، فإذا فرض العلم باستناد الثانية في البقاء إلى الاستصحاب، و الأولى إلى غيره، جرى فيه جميع ما تقدّم كما لا يخفى.

ثانيتها: أنْ تشهد المتأخّرة بالملك و المتقدّمة به مستندة إلى التصرّف و اليد،

بحيث علم استنادها به و لم يعلم استناد الأولى به، ففي هذه الصورة أيضاً لا إشكال في تقديم المتأخّرة، لاشتمالها على زيادة لا تكون في المتقدّمة، و كونها ناطقة‌

1001

بخصوصية أثبتها المتقدّمة بعدم العلم، لأنّ التصرّف أعمّ من الملكية، غاية الأمر ظهوره في الملكية من جهة الغلبة، فهي لا تقاوم ما تشهد بالأخص. و سيجي‌ء بعض الكلام في ذلك بعد هذا إن شاء اللّٰه. و أنت خبير بأنّ هذا أيضاً ليس من الترجيح بالقدم و الحدوث، و لا دخل له بهما أصلًا، و لهذا لو شهدتا في الحال على النهج المذكور قدّمت البيّنة التي تشهد بالملك على التي تشهد بالتصرّف حسبما ستقف عليه إن شاء اللّٰه.

ثالثتها: عكس الصورة، بأن تشهد المتقدّمة بالملك، و المتأخّرة بالتصرّف، و لم يعلم استناد المتقدّمة على الاستصحاب،

فينعكس الأمر على إشكال.

رابعتها: أن تشهد كلّ منهما بسبب متّحد يعلم به،

كما إذا كان مستند شهادة إحداهما اعتقادها كون الثالث وكيلًا مثلًا للذي تشهد له، و مستند شهادة الأخرى أيضاً اعتقادها بأنّه وكيل للذي تشهد له، ففي هذه الصورة لو حكم بترجيح ليس إلّا من جهة التقدّم و التأخّر، فنقول: إنّه لا إشكال في تساقطهما بالنسبة إلى الحال، و أمّا بالنسبة إلى الزمان السابق، فإن قلنا بجواز القضاء بالبيّنة المنضمّة بالاستصحاب مع سكوت البيّنة عن الحالة اللاحقة، فنقول بترجيح البيّنة المتقدّمة في الصورة و نقضي بها. و إن لم نقل به، فلا معنى للترجيح بالتقدّم. فتحقيق القول في الفرض مبني على هذه المسألة و سيجي‌ء التكلّم فيها إن شاء اللّٰه.

خامستها: أنْ تشهد كلّ منهما بالملك المطلق من دون استناد إلى الأصل و اليد و التعرّض للسبب و نحوها،

و هذا على قسمين: أحدهما: أن تشهد المتأخّرة بالحدوث بمعنى تعيينها لزمان حدوث الملك مع كون شهادتها بالملك المطلق، بحيث يرجع تعارضها مع البينة المتقدّمة في جزء من الزمان من حيث الحدوث و البقاء. ثانيهما: أن تشهد المتأخّرة بالملك المطلق في الحال من غير تعيين زمان الحدوث.

1002

أمّا القسم الأوّل، [أن تشهد المتأخّرة بالحدوث بمعنى تعيينها لزمان حدوث الملك مع كون شهادتها بالملك المطلق]

فالظاهر فيه تقديم المتأخّرة من حيث جريان احتمال في المتقدّمة، و هو أن تكون شهادتها بالبقاء مستندة إلى الاستصحاب، لا يجري في المتأخّرة، فهي تشتمل على زيادة معنوية و حكمية بالنسبة إلى المتقدّمة. و أمّا سائر الاحتمالات، فهي احتمالات تجري في كلّ منهما فلا تصلح أن تصير سبباً لنقص في محتملها، و إلّا لزم الترجيح بلا مرجّح.

و أمّا الدليل على الترجيح بمجرّد طروّ احتمال في إحدى البيّنتين لا يطرأ في الأخرى، فهو ما عرفت في طيّ بعض كلماتنا السابقة من كونه جمعاً بين البينتين و تصديقاً لهما، فيدلّ عليه عموم ما دلّ على اعتبارهما و تصديقهما مهما أمكن.

توضيح ذلك: أنّ الترجيح قد يكون بالزيادة الحسية كالترجيح بتقدّم الزمان و تأخّره حسبما عليه المشهور كما في المسالك (1). و قد يكون بالزيادة المعنوية و ضابطها أنْ تشتمل إحدى البيّنتين على خصوصية لا تشتمل عليها الأخرى، بل كانت أعمّ منها فيرجع النسبة بينهما إلى الأعمّ و الأخص و هذا قد يوجد بالنسبة إلى نفس المشهود به كما في الشهادة على التصرّف و الملك، بناءً على اعتبار البيّنة في الأوّل و كفايتها عن الشهادة بالملك بحيث يحكم بها لو لا المعارض. و قد يوجد بالنسبة إلى مستند الشهادة كما إذا أسندت إحداهما إلى الأصل، و الأخرى إلى غيره ممّا يكون أخص منه. و لك أن ترجع هذا إلى القسم الأوّل، لأنّ الملكية المستندة إلى الأصل أعمّ من نفس الملكية.

أمّا اعتبار الترجيح بالمعنى الأوّل حيثما وجد فمبني على ما عرفت من سماع البيّنة المنضمّة إلى الاستصحاب مع عدم تعرّض الشاهد للحال الثاني أصلًا، و سيجي‌ء تفصيل القول فيه.

و أمّا اعتباره بالمعنى الثاني فهو ممّا لا إشكال فيه، بناءً على ما تقرّر عند‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 92.

1003

الأصحاب من وجوب الجمع بين البيّنتين بقدر الإمكان، عملًا بأدلّة تصديقهما.

فنقول في المقام: إنّ مقتضى ما دلّ على تصديق البيّنتين هو الجمع بينهما بحمل التي تشهد بالقدم على كون استنادها في الشهادة على البقاء إلى الأصل و عدم العلم بالمزيل، و حمل التي تشهد بالحدوث على كون استنادها إلى ما يقتضي حدوث الملكية، كالشراء و نحوه، لاشتمالها على زيادة معنوية لا تشتمل عليها الأخرى. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه.

و فيه أوّلًا: أنّ مقتضى ما دلّ على تصديقهما هو تصديقهما حسب ما يقتضيه ظاهر شهادتهما، و هو كونهما عن حس و قطع، كما إذا لم تكونا متعارضتين. و بعبارة أخرى حملهما على الواقع كما في صورة عدم التعارض، فإن أمكن مع ذلك الجمع بينهما و تصديقهما كما إذا شهدت إحداهما بالتصرّف و الأخرى بالملك، أو شهدت إحداهما بالملكية استناداً إلى الأصل و الأخرى بها استناداً إلى الوجدان، فإنّ واقع التصرّف أعمّ من الملك، و كذلك بالنسبة إلى الأصل و الملكية فهو، و إلّا كما في المقام لاحتمال استناد كلّ منهما إلى سبب متّحد كالوجدان و التصرّف و نحوهما فلا.

و أمّا ما يقال من عدم إمكان الشهادة بالبقاء إلّا من جهة الاستصحاب، ففيه ما لا يخفى، لإمكان الاستناد فيها إلى سبب مستمرّ من زمان الحدوث كاليد و التصرّف على ما عرفت فرضه.

و ثانياً: سلّمنا عدم وجوب الحمل على ذلك، بل الحمل بمقتضى ما دلّ على تصديقهما على أقلّ ما يجوز للبينة الاستناد إليه و هو استصحاب بقاء الملك بالنسبة إلى البيّنة التي تشهد بالقدم، إلّا أنّا نقول: إنّ أقل المستند بالنسبة إلى البيّنة التي تشهد بالحدوث أيضاً يكون هو الاستصحاب بأن استندت إلى شرائه من مستصحب الملكية. فاتّحدت البيّنتان من هذه الجهة أيضاً، فلا يمكن الجمع بينهما بالحمل على أقلّ المستند.

1004

توضيح ما ذكرنا: أنّه قد نقول بوجوب حمل البيّنتين على الواقع و الحس، كما في صورة عدم المعارضة فلا يمكن الجمع بينهما بعد الحمل عليه في المقام و إن أمكن في غيره، حسبما هو قضية كلام المشهور فإنّ حكمهم بالتساقط في محلّ التعارض و بقاء القديمة سليمة عن المعارض بالنسبة إلى الزائد مبني على حمل كلّ منهما على الواقع؛ و قد نقول بوجوب حملهما في مورد التعارض على أقلّ ما يجوز لهما الاستناد إليه، و إن لم نقل به في غير مورد التعارض لعدم الدّاعي له. و المراد بأقلّ المستند، هو ما لا يلزم مع الحمل عليه تكذيب للبينة أو تخطئة لها من غير جهة خطأ المستند، حسبما هو قضية كلام الأستاد العلّامة دام ظلّه فإن كان أقلّ المستند في إحداهما حاكماً على أقلّ المستند في الأخرى، كما إذا كان في إحداهما اليد و في الأخرى الاستصحاب مثلًا، فيحكم بتقدّمها عليها بعد البناء على هذا المبنى الفاسد. و إن كان في كلّ منهما ما يكون في عرض الآخر و مساوياً له، فلا معنى لترجيح إحداهما على الأخرى.

فإذاً نقول في المقام: إنّه يمكن استناد كلّ من البيّنتين إلى أصل مساوٍ مع الأصل الآخر الّذي هو المستند للأخرى، بأن يكون مستند البيّنة المتقدّمة استصحاب البقاء، و مستند المتأخّرة الشراء عن مستصحب الملكية، فإنّه لا تحكيم لأحد المستندين حينئذٍ على الآخر إن لم نقل بتحكيم استصحاب البقاء من جهة احتمال اطّلاع المتقدّمة على فساد الحالة السابقة للأصل الّذي هو مستند المتأخّرة.

لا يقال: إنّ الشراء حاكم على الاستصحاب و مقدّم عليه، فلا معنى للحكم بالتسوية بينهما بل ترجيح الثاني.

لأنّا نقول: الشراء الّذي هو حاكم على الأصل الّذي في مقابله هو الشراء الّذي لم يعلم حاله، و أمّا الشراء الّذي علم أنّه عن مستصحب الملكية فلا يزيد على استصحاب الملكية، فيصير المشتري حينئذٍ كالبائع المحكوم بكون المبيع ملكاً له‌

1005

بالاستصحاب، هذا.

و قد ذكر الأستاد العلّامة بعد ما ذكر أوّلًا من كون مقتضى القاعدة تقديم بيّنة الحادث لما قد عرفت، أنّ هذا الكلام ظاهري ربما يتراءى في بادي النظر، و الّذي هو قضية التحقيق بعد البناء على حمل كلتا البيّنتين على الظاهر هو الحكم بالمساواة بينهما، لأنّ مرجع التعارض بين البيّنتين و إن كان إلى التعارض في البقاء و الحدوث، إلّا أنّ المحقّق في محلّه أنّ البيّنة التي تشهد في البقاء إنّما تكون مرجوحة بالنسبة إلى التي تشهد بالحدوث من حيث ظهور الأولى في الاستناد إلى عدم العلم و الثانية إلى العلم.

و أمّا إذا فرض رجوع الأولى على تقدير إلى العلم بالنسبة إلى الثانية و إلى عدمه على تقدير آخر، و كذلك الثانية بالنسبة إلى الأولى، فلا معنى للحكم بترجيحها عليها لمساواتهما من جميع الجهات، و المفروض أنّ الترجيح بالحدوث و البقاء ليس من جهة التعبّد بل من جهة رجوع الثاني إلى عدم العلم، و الأوّل إلى العلم كما لا يخفى.

فالحقّ بعد البناء على حملهما على الظاهر هو الالتزام بالتساقط. لكن هذا البناء فاسد، بل الحقّ في صورة تعارض البيّنات أنْ يتّبع الجمع، سواء حصل بحملهما على الواقع، أو الظاهر، أو حمل إحداهما على الأوّل و الأخرى على الثاني، لأنّه مقتضى وجوب العمل بالبيّنة مهما أمكن و وجوب تصديقها. فعليه يمكن أن يقال في المقام بترجيح البيّنة على الحدوث.

توضيح ذلك: أنّه قد يقال في صورة تعارض البيّنتين بوجوب حمل المشهود به لكلّ منهما على الواقع من حيث ظهور اللفظ فيه و إن كان بعيداً كما في غير صورة التعارض فإنّه يجب حمله على الواقع اتّفاقاً. و قد يقال بوجوب حمله على الظاهر من جهة العلم بعدم استناد البيّنة فيه إلى العلم عادة، بل إلى الأمارات الشرعية. و قد‌

1006

يقال بوجوب حمله على ما يحصل معه الجمع بين البيّنتين بأيّ نحو كان و بكلّ وجه اتّفق من غير النظر إلى الواقع و الظاهر.

فإن قيل بالأوّل حسبما هو قضية ظاهر كلام المشهور في المقام، فلا مناص من الحكم بتساقطهما في الفرض، لعدم إمكان الجمع بينهما بعد حمل كلّ منهما على الواقع و إن رجعت شهادتهما إلى الشهادة على البقاء و الحدوث، ضرورة وجود المنافاة بين بقاء العين واقعاً في ملك أحد و حدوثه في ملك الآخر فتتساقطان في مورد التعارض و تبقى البيّنة القديمة بالنسبة إلى الزمان المتقدّم سليمة عن المعارض، فيبتني القضاء بها بضميمة الاستصحاب و عدمه على ما سيجي‌ء.

و إن قيل بالثاني، فإن أمكن حمل إحداهما المعيّن على ظاهر حاكم على ما استند إليه الأخرى من غير إمكان العكس، فيتعيّن الحمل عليه و إلّا كما في المقام حسبما عرفت من إمكان حمل كلّ منهما على ما يكون حاكماً على مستند الأخرى، فلا بدّ من الحكم بالتساقط في مادة التعارض.

و أمّا بالنسبة إلى الزمان الزائد، فهل يحكم ببقاء البيّنة المتقدّمة سليمة عن المعارض بالنسبة إليه حتّى يصير حكم الصورة مثل الصورة المتقدّمة مبنيّاً على جواز القضاء بالبيّنة منضمّة إلى الاستصحاب، أو لا يحكم بذلك نظراً إلى عدم إحراز الحالة السابقة للبينة المتقدّمة في الصورة، إذ لعلّها كانت مستندة إلى استصحاب ما اطّلع البيّنة المتأخّرة على فساد مأخذه، إذ المفروض احتمال استناد البينة المتقدّمة إلى شراء من مستصحب الملكية كالمتأخّرة فلعلّه اطّلع البيّنة المتأخّرة على فساد مأخذ الاستصحاب الّذي هو المستند للبيّنة المتقدّمة.

و بعبارة أخرى أوضح: إنّا نعلم إجمالًا بارتفاع الاستصحاب الّذي هو مستند البيّنة المتقدّمة إمّا باعتبار البقاء على تقدير كون الحدوث بعد الحالة السابقة، أو باعتبار الحدوث لو كان قبله و اطّلعت البيّنة المتأخّرة على فساد الحالة السابقة.

1007

هكذا ذكر الأستاد العلّامة دام ظلّه و لعلّ لنا فيه كلاماً سيأتي في طي بعض كلماتنا الآتية إن شاء اللّٰه.

و إن قيل بالثالث، فقد عرفت أنّه لا بدّ من أن يتّبع، على تقدير القول به حسبما هو الحقّ، إمكان الجمع بأيّ وجه اتّفق بحيث يصدّق كلّ من البيّنتين. فإن تساوت البيّنتان من جميع الاحتمالات بمعنى تطرّق كلّ احتمال في إحداهما في الأخرى أيضاً، فلا يعقل معنى للجمع حينئذٍ، للزوم الترجيح من غير مرجّح، و إن لم تتساويا من تلك الجهة بل احتمل في إحداهما المعيّن ما لا يحتمل في الأخرى ممّا يوجب كونها مستندة إلى ما يكون حاكماً على ما استندت إليه الأخرى، فيجب الجمع بينهما بالحمل على ما ذكر، حسبما هو قضية ما دلّ على تصديقهما مهما أمكن.

و منه يظهر فساد ما ذكره بعض مشايخنا تبعاً للحلي في السرائر (1) من أنّ الترجيح بهذه المرجّحات من قواعد العامّة و أصولهم الفاسدة.

فنقول في المقام: إنّ مقتضى ما ذكر هو القضاء بالبيّنة المتأخّرة لاحتمال استنادها إلى شراء من الّذي يشهد له البيّنة المتقدّمة، و معلوم أنّ هذا الاحتمال لا يجري في البيّنة المتقدّمة، لأنّها لا تقبل التأخّر عن زمان شهادتها. و أمّا سائر الاحتمالات كاحتمال اطّلاع البيّنة المتقدّمة على فساد الشراء و نحوه، فيجري بالنسبة إلى البيّنة المتقدّمة بالنظر إلى سبب حدوثها، فلا يصلح وجهاً للجمع.

و بعبارة أخرى: للبيّنة المتقدّمة حدوث و بقاء، و للبينة المتأخّرة حدوث فحسب، فكلّ احتمال يجري في المتأخّرة من جهة مبدإ حدوثها يجري في المتقدّمة أيضاً؛ و كلّ احتمال يجري في المتقدّمة بالنسبة إلى بقائها لا يجري في المتأخّرة، كاحتمال ارتفاع بقائها بالبيّنة المتأخّرة، فلا بدّ من تصديقهما و حملهما على ذلك ليحصل الجمع بينهما.

____________

(1) السرائر: 2/ 171.

1008

و بعبارة ثالثة أخصر: تصديق البيّنة المتقدّمة مع تصديق البينة المتأخّرة ممكن و لو على تقدير، و أمّا تصديق المتأخّرة مع تصديق المتقدّمة و الحكم بالبقاء من جهتها فغير ممكن بعد فرض عدم صلاحية الاحتمال الجاري في كلّ منهما للحمل عليه، فيجب تصديق المتأخّرة.

فإن قيل: إنّ التعارض بين البيّنتين إنّما هو في مبدإ حدوث البيّنة المتأخّرة و بقاء المتقدّمة فيه، و أمّا حدوث المتقدّمة فلا معارض له أصلًا فلا بدّ من تصديق البيّنة فيه، فإذا عورض احتمال استناد المتقدّمة في البقاء إلى الاستصحاب و عدم العلم بالزوال باحتمال استناد المتأخّرة على شراء من مستصحب الملكية، فلا معنى لمعارضته باحتمال استناد المتقدّمة أيضاً بالنسبة إلى زمان حدوثها إلى شراء عن مستصحب الملكية و اطّلاع المتأخّرة على فساد الحالة السابقة له.

قلنا: عدم المعارضة بين حدوث المتأخّرة و حدوث المتقدّمة إنّما يسلم على تقدير عدم ملاحظة منشأ حدوثهما، و أمّا مع ملاحظته فيجي‌ء التعارض بالنسبة إلى منشأ حدوث المتقدّمة.

و بعبارة أخرى: إذا لوحظ الاحتمالات الجارية في المشهود به من جهة استناد البيّنة في منشأ حدوثه فلا معنى للتفرقة بينهما، لأنّ الاحتمال الجاري في منشأ الحدوث يسري بالنسبة إلى المشهود به، سواء فرضت زمان الحدوث متقدّماً أو متأخّراً. و هذا ممّا لا سترة فيه عند ذوي الأفهام المستقيمة. هذا ملخّص ما ذكره دام ظله.

و أنت خبير بأنّ مبنى هذا الجمع على ما ذكره مراراً كثيرة من أنّه كلّما تعارضت البيّنتان و احتمل في إحداهما ما لا يحتمل في الأخرى يجب الجمع بينهما بالحمل على ذلك، و قد عرفت أيضاً فساد البناء على هذا بما لا مزيد عليه، فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر.

1009

هذا مجمل القول في القسم الأوّل و هو ما إذا شهدت المتأخّرة مع إطلاقها الملك على الحدوث.

و أمّا الكلام في القسم الثاني، و هو ما إذا شهدت المتأخّرة مطلقاً من غير تعيين لزمان الحدوث مع الاشتمال على الزمان في الجملة

بحيث احتمل تقدّمه على زمان المتقدّمة، حسبما صرّح به الأستاد العلّامة و قال إنّه المراد من الإطلاق و التاريخ في كلامهم لا ما إذا شهدت المتأخّرة على الملك من غير اشتمال على الزمان أصلًا، فإنّ مرجعها إلى الشهادة على الحدوث، فإنّ المراد منها ليس ما ينفي الملكية قبل زمان الشهادة، فإذا شهدت البيّنة على الملك المطلق فقد شهدت على الملك الحالي من حيث كونه القدر المتيقّن، فيصير مثل ما إذا صرّحت بالملكية الحالية.

و الحاصل أنّ المذكور في كلام الأصحاب أقسام ثلاثة لتعارض البيّنتين في المقام: أحدها: تعارض القديم و الأقدم، كما إذا شهدت إحداهما على الملك منذ سنة، و الأخرى على الملك منذ سنتين.

ثانيها: تعارض القديم و الحادث العرفيين، كما إذا شهدت إحداهما على الملك منذ سنة أو الأمس، و الأخرى على الملكية في الحال بمعنى كونها نصّاً في الملكية الحالية، سواء كان من جهة التصريح بلفظ الحال أو ذكر لفظ كان القدر المتيقّن منه هي الملكية الحالية.

ثالثها: تعارض المطلق و المورّخ، كما إذا شهدت إحداهما على الملكية المشتملة على التاريخ المعيّن، و الأخرى على الملكية المشتملة على التاريخ في الجملة. و يشهد لما ذكرنا من المعنى للإطلاق و التاريخ ما سيمرّ بك من كلام الفاضل الأصفهاني في كشف اللثام. هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه العالي لتعيين المراد من الإطلاق و التاريخ و هو لا يخلو عن تأمّل.

و كيف كان، فالذي صرّح به العلّامة طيب اللّٰه رمسه في القواعد هو الحكم‌

1010

بالتساوي في الفرض من غير ترجيح بالتاريخ، و فرّق بينه و بين القسمين الأوّلين، حيث قال: «و لو أطلقت إحداهما و ورّخت [ارخت] الأخرى تساويا» (1) و علّله في كشف اللثام (2) باحتمال الإطلاق سبق التاريخ، فإن كان المراد من التاريخ تاريخ البيّنة المطلقة فيصير قرينة على ما ذكره شيخنا العلّامة دام ظلّه و إن كان المراد تاريخ البيّنة المورّخة لم يكن له دلالة على ما ذكره إن لم يدلّ على خلافه.

و كيف كان حاصل ما ذكره من الدليل يرجع إلى أنّ الحكم بالترجيح و التقديم في القديم و الأقدم و الحادث و القديم إنّما هو من جهة الحكم بتساقطهما في مورد التعارض و سلامة القديم أو الأقدم عن المعارض بالنسبة إلى جزء من الزمان الّذي يكون تسميته بالترجيح حقيقة من باب المسامحة كما لا يخفى. و هذا المناط غير موجود بالنسبة إلى المطلقة و المورّخة، لاحتمال كون تاريخ المطلقة مقدّماً على المورّخة و لم أر من الأصحاب من فرّق بين الصور في الحكم غير العلّامة (قدس سره) (3).

و أمّا الحكم بترجيح المطلقة، فقد صرّح الأستاد العلّامة دام ظلّه بأنّه لا معنى له على تقدير القول به في الصورتين الأوليين، لأنّ كلّ احتمال يجري في المورّخة يجري في المطلقة أيضاً. فلا معنى للترجيح بينهما بعد مساواتهما من جميع الاحتمالات، لأنّه كما يحتمل تقدّم المطلقة على المورّخة كذلك يحتمل العكس، هذا.

ثمّ إنّه يتوجّه على ما ذكره الفاضلان في المتن 4 و شرحه 5 من التفصيل بين الصورة و الصورتين السابقتين إشكالان: أحدهما: أنّ مقتضى أصالة تأخّر الحادث‌

____________

(1) 1 و 4 قواعد الأحكام: 3/ 490.

(2) راجع كشف اللثام: 2/ 367.

(3) راجع قواعد الأحكام: 3/ 489.

(4) (5) كشف اللثام: 2/ 367.

1011

إلحاق الصورة بالصورتين الأوليين، لأنّه بسببها يثبت كون تاريخ المطلقة مؤخّراً من تاريخ المورّخة و لا يمكن العكس، كما في مجهولي التاريخ، كما لا يخفى.

لا يقال: إنّ الحكم بتأخّر التاريخ من جهة الأصل ليترتّب عليه أحكام المتأخّر إنّما هو مبني على اعتبار الأصول المثبتة و هو غير ثابت عند المحقّقين.

لأنّا نقول: عدم اعتبار الأصول المثبتة إنّما هو إذا بني على اعتبار الاستصحاب من باب الأخبار، لا من باب الظن، حسبما عليه بناء جميع العامة، و المتقدّمين من الخاصة حتّى العلّامة (قدس سره) في النهاية (1) و غيرها (2). و السؤال إنّما هو على من يذهب إلى اعتبار الاستصحاب من باب الظن و مع ذلك يفرق بين الصور، هذا.

و قد أجاب الأستاد العلامة دام ظلّه العالي عن هذا الإشكال بأنّه لا شك و لا ريب في أنّه يشترط في إجراء أصالة التأخّر، القطع بحدوث شي‌ء و الشك في زمانه.

فإن أريد من الحادث في المقام الملك فالمفروض عدم القطع بثبوته لا واقعاً و لا ظاهراً، أمّا الأوّل فلأنّه المفروض، و أمّا الثاني فلعدم ما يصلح له إلّا البيّنة لقضية الفرض، و من المعلوم ضرورة أنّ البيّنة المثبتة للملك الظاهري إنّما هي البيّنة الغير المعارضة بمثلها. و إن أريد منه الشهادة فلا يعقل شكّ في زمانها، لفرض العلم به.

و إن أريد منه مراد الشاهد من الزمان المجمل و أنّ الأصل عدم كون مراده إلّا الزمان المتأخّر، ففيه: بعد الغضّ عن عدم معقولية هذا المعنى أنّه إن أريد منه إثبات كون الزمان المتأخّر هو زمان الحدوث و ابتداء الشهادة كما هو المقصود، فمعلوم أنّه لا يثبت من الأصل المذكور. و إن أريد إثباته به، لم يخل عن المعارضة كما لا يخفى. و إن أريد منه كونه متيقّن المراد للشاهد فلا يجدي للحكم بسلامة المتقدّمة عن المعارض لتوقّفه على إثبات كون التعارض بين بقائها و حدوث غيرها و هو لا‌

____________

(1) أي نهاية الوصول.

(2) راجع للزيادة تذكرة الفقهاء: 1/ 28.

1012

يمكن إثباته في الفرض، لاحتمال كون المراد من الزمان المجمل هو ابتداء زمان الشهادة المتقدّمة.

هذا ملخّص ما ذكره دام إفادته و عليك بإمعان النظر فيه و عدم المبادرة إلى ردّه مع مراعاة الإنصاف و متابعة الحق فإنّه أحقّ أن يتّبع.

ثانيهما: أنّ مقتضى نفس إجمال المدّة في المطلقة و بيانها في المورّخة هو الحكم بوجوب الأخذ بالثانية بالنسبة إلى مقدار من الزمان يحتمل تأخّر المدّة المجملة عنها لعدم ثبوت المعارض لها بالنسبة إلى هذا المقدار، فلا عذر لعدم الأخذ بها بالنسبة إلى هذا الزمان فيرجع إلى الاستصحاب بعد الحكم بتساقط البيّنتين بالنسبة إلى الزمان المتأخّر ممّا يكون متبيّن (1) المراد للبينة المطلقة.

و بعبارة أخرى: القدر الّذي يكون البيّنة المطلقة ناطقة بالنسبة إليه هو الملكية في الزمان المتأخّر، فيحكم بتعارضهما و تساقطهما بالنسبة إليه. و أمّا الزائد عليه فهو و إن كان محتملًا إلّا أنّه لا دلالة لكلام البيّنة عليه لفرض إجماله بالنسبة إليه، و من المعلوم عدم جواز رفع اليد عن أمر مبيّن بأمر مجمل فلا يجوز عدم تصديق البيّنة المورّخة بالنسبة إلى الزمان السابق بواسطة البيّنة المطلقة، فيبقى استصحاب الملكية السابقة الثابتة بالبينة المورّخة سليماً عن المعارض فيرجع إليه و يقضى به على تقدير القول بالقضاء بهذا القسم من الاستصحاب المنضمّ إلى البينة.

و الحاصل: أنّ مجرّد احتمال كون المراد من التاريخ المجهول في البيّنة المطلقة هو أوّل تاريخ المورّخة لا يصلح للحكم بإلغائها بالنسبة إليه، هذا.

و قد أجاب الأستاد العلّامة دام ظلّه عن هذا الإشكال أيضاً بأنّه كما أنّه لا قطع بمعارضة المطلقة لأوّل تاريخ المورّخة فتبقى بالنسبة إليه سليمة عن المعارضة فيقضى بها بضميمة الاستصحاب، كذلك لا قطع بمعارضة المورّخة لأوّل الزمان‌

____________

(1) متيقن، خ ل.

1013

الواقعي للمطلقة، إذ يحتمل كونه مقدّماً على المورّخة، فيحكم بعد تساقطهما في الحال باستصحاب مقتضاها من الزمان الواقعي الّذي هو مبدأ شهادتها، فيتعارض الاستصحابان من الطرفين و المفروض أنّه لا مرجّح في البين فيحكم بتساقطهما.

و بعبارة أخرى أوضح: كما أنّه يحتمل أن يكون البيّنة المطلقة مؤخّرة عن المورّخة فتكون معارضة مع بقائها فتبقى المورّخة سليمة عن المعارض بالنسبة إلى جزء من الزمان كذلك يحتمل أن تكون مقدّمة على المورّخة فتكون المعارضة بينهما على العكس فيصير الأمر بالعكس، أو مقارنة معها فتتساقطان عن رأس، فكما أنّه يستصحب مقتضى البيّنة المورّخة بالنسبة إلى جزء من الزمان الّذي لم يثبت له معارض مع وجود ما يحتمل أن يكون معارضاً معه كذلك يستصحب مقتضى البيّنة المطلقة بالنسبة إلى جزء من زمانها الواقعي لعدم ثبوت المعارض له بالنسبة إلى ذلك الزمان لاحتمال تقدّمه على أوّل زمان المورّخة و تأخّره عنه.

و ما قد يتوهّم من اشتراط العلم التفصيلي بابتداء زمان المستصحب، و هو بالنسبة إلى المورّخة موجود دون المطلقة، فاسدٌ جدّاً، لعدم الدليل على اشتراطه أصلًا بل مقتضاه خلافه جزماً. و هذا بخلاف القديم و الأقدم، أو القديم و الحادث، فإنّ التعارض فيهما ممحّض في بقاء الأقدم و حدوث القديم، أو بقاء القديم و حدوث الحادث. و بعد الحكم بتساقط البيّنتين في مورد التعارض تبقى البيّنة المتقدّمة بالنسبة إلى جزء من الزمان سليمة عن المعارض فيؤخذ بها و يستصحب مقتضاها.

هذا ملخّص ما ذكره دام ظله.

ثمّ إنّه ذكر بعد ما عرفته أنّ حاصل ما ذكرنا من أوّل المسألة إلى هنا أنّ في المسألة وجوهاً بل أقوالًا ثلاثة: أحدها: ما ذهب إليه الأكثرون (1) من تقديم الأقدم‌

____________

(1) راجع الخلاف: 6/ 348؛ و المبسوط: 8/ 279؛ شرائع الإسلام: 4/ 898؛ مختلف الشيعة: 8/ 378 و 448 449؛ إرشاد الأذهان: 2/ 150؛ المهذب: 4/ 497؛ مسالك الأفهام: 14/ 92 93؛ مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 239.

1014

القديم. ثانيها: ما ذهب إليه ابن إدريس (1) ناسباً له إلى الأصحاب في ظاهر كلامه و إن لم نحقّقه بل المحقّق خلافه و تبعه بعض من تأخّر عنه، من الحكم بالتساوي و التساقط عن رأس. ثالثها: ما جنح إليه الفاضل الأصفهاني في الكشف (2) و جزم به المحقق جمال الدين (قدس سره) في تعليقاته على الروضة (3) على ما حكي عنه من الحكم بتقديم المتأخّرة.

و الدليل على ما ذهب إليه الأكثرون أمران: أحدهما: ما ذكروه في كلماتهم من تعارض البينتين في مورده و تساقطهما فيه، فتبقى البينة المتقدّمة سليمة عن المعارض بالنسبة إلى الزمان الزائد، فيقضى بها بضميمة الاستصحاب.

ثمّ الوجه في الحكم بتساقط البيّنتين إمّا حمل كلامهما على الواقع، أو عدم تسليم قاعدة الجمع هنا على ما سيأتي وجهه و ان حمل على الظاهر.

ثانيهما: دلالة بعض الأخبار عليه و هو صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) عن علي (عليه السلام): «أنّه كان [و كان أيضاً] إذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما أنّه اشتراها، و زعم الآخر أنّه أنتجها، و كانا إذا أقاما البيّنة جميعاً، قضى بها للذي أنتجت عنده» (4) وجه الدّلالة: أنّه (عليه السلام) كان يقضي بالبيّنة التي تشهد بالإنتاج مع كونه مقدّماً على الاشتراء الّذي تشهد به البينة الأخرى، فيكشف هذا عن كون البيّنة المتقدّمة مقدّمة على المتأخّرة.

و القول بعدم دلالته على ذلك لاحتمال كون الشراء مقدّماً على الإنتاج بأن يشتري الجارية في بطن أمّها بالبيع، فاسدٌ جدّاً، لمخالفته لظاهر الرواية كما لا يخفى.

____________

(1) السرائر: 2/ 169 170.

(2) كشف اللثام: 2/ 367.

(3) حاشية الروضة: 355.

(4) الاستبصار: 3/ 42؛ تهذيب الأحكام: 6/ 237 و 7/ 76؛ وسائل الشيعة: 27/ 255.

1015

و أمّا الدليل على ما ذهب إليه ابن إدريس و من تبعه من الحكم بالتساوي و عدم القول بالترجيح بالقدم و الحدوث أصلًا، فهو ما ذكره العلّامة (رحمه الله) في القواعد (1) من عدم الدليل على القضاء بالبينة المنضمة إلى الاستصحاب في جميع التقادير.

و أمّا الدليل على ما مال إليه في كشف اللثام (2) و جزم به المحقّق المتقدّم ذكره من الحكم بتقديم المتأخّرة، فهو قاعدة الجمع بين البيّنتين مهما أمكن بحمل المتقدّمة على كون مستندها في الشهادة على البقاء هو الاستصحاب، و المتأخّرة على كون مستندها في الشهادة على حدوث ما يزيل الاستصحاب و يرفعه.

و الدليل على الجمع المذكور أمران: أحدهما: نفس ما دلّ على تصديق البيّنتين و العمل بهما بقدر الإمكان، فإنّ مقتضاه الجمع بينهما و لو بحمل إحداهما أو كلتيهما على ما لا تكون ظاهرة فيه حسبما عرفت تفصيل القول فيه غير مرة. ثانيهما:

مقتضى تعليله (عليه السلام) سماع الشاهد في بعض أخبار الشاهد و اليمين بقوله (عليه السلام): «لئلّا يردّ شهادة مؤمن» (3) فإنّ مقتضاه التحرّي لعدم الرد بقدر الإمكان.

ثمّ إنّ هنا سؤالًا على الأكثرين و هو أنّه كيف حكموا في المقام بتساقط البيّنتين بالنسبة إلى مورد التعارض و الرجوع إلى البينة المتقدّمة

فيما تكون سليمة عن المعارض بالنسبة إليه، مع أنّ بناءهم على الجمع في غير المقام بقدر الإمكان كما في المطلق و المسبّب و الجرح و التعديل و أشباههما. فهم مسلّمون قاعدة الجمع في غير المقام فأيّ شي‌ء دعاهم على عدم الالتزام بمقتضاها و الحكم بتقديم المتأخّرة حسبما عليه جمال الملّة و الدين (4). و الحكم بأنّ الدّاعي لهم على عدم الالتزام به‌

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 489.

(2) كشف اللثام: 2/ 367.

(3) بصائر الدرجات: 554؛ وسائل الشيعة: 27/ 270. و فيهما: «و لا يرد ...».

(4) هو المحقق الخوانساري في تعليقاته على الروضة: 355 فراجع.

1016

الخبر المتقدّم و هو صحيحة ابن سنان، فيه من البعد ما لا يخفى على المتأمّل، هذا.

و قد أجاب الأستاد العلّامة دام إفادته عن هذا السؤال بأنّ ما التزموا به من الجمع في غير المقام كما في مسألة تعارض البيّنتين في الجرح و التعديل لا دخل له بما هو المراد في المقام و لا تلازم بينهما أصلًا، لأنّ الجمع الّذي بنوا عليه و اتّفقوا عليه هو فيما إذا رجعت النسبة بين البيّنتين إلى العلم و عدمه بحيث كانت إحدى البيّنتين مزيلة للأخرى من دون ارتكاب حمل فيها؛ كما في الجرح و التعديل و الإثبات و النفي إذا كان مستند المعدّل و النافي هو الأصل و عدم العلم كما في الغالب. فإنّ التي تشهد على الزنا مثلًا ترفع و تزيل البيّنة التي تشهد بالعدالة من جهة عدم علمها بالزنا و دفعها بالأصل، فمقتضى نفس تصديقهما من دون ارتكاب حمل في مدلول كلام الجارح هو العمل بالتي تشهد على الجرح لكونه عملًا بها بخلاف العكس.

و كذا الكلام في مسألة الإطلاق و التقييد، فإنّه بعد فرض استناد البيّنة المطلقة إلى الأصل، أو اليد، أو حملها عليه تكون البيّنة المقيّدة التي تشهد بالسبب مزيلة لها من دون الاحتياج إلى ارتكاب تأويل فيها؛ كما إذا شهدت المطلقة أنّها ملكه و المسببة أنّه اشتراها، فإن شهدت بالشراء عن الّذي شهدت المطلقة له فلا إشكال في كونها كالشهادة على العدالة و الفسق و إن شهدت بالشراء عن غيره أو أطلقه فكذلك أيضاً، فإنّ مقتضى نفس كونها مشتراة لغير الّذي شهدت البينة بكونها ملكه من جهة اليد أو ما هو أدون منها كون يده عليها عارية و يد غير مالك.

و هذا بخلاف الجمع في المقام، فإنّه يحتاج إلى ارتكاب حمل في المتأخّرة بكون استنادها في الشهادة على ما يزيل مستند المتقدّمة كالشراء مثلًا، حيث إنّ المتأخّرة غير صريحة فيه، لأنّ احتمال استنادها إليه كاحتمال استنادها إلى غيره ممّا هو في عرض مستند المتقدّمة أو أدون منه. فنفس الشهادة في المقام غير كافية‌

1017

للحكم بكونها مزيلة لمقابلها إلّا بارتكاب تأويل فيها.

فإن قلت: ارتكاب التأويل و الحمل محتاج إليه في الجمع بينهما في مسألة الجرح و التعديل و أشباهها، فإنّه لو لم تحمل البيّنة التي تشهد بالعدالة على كون مستندها فيها استصحاب الملكة و أصالة عدم موجب الفسق، لم يكن معنى للحكم بكون التي تشهد بالفسق من جهة العلم بصدور المعصية مزيلة لها. و كذا لو لم يحمل البيّنة المطلقة على كون مستندها في الشهادة على الملك هو اليد لم يكن معنى للحكم بأنّ البينة المثبتة مزيلة لها. و كذا الأمر في غيرهما من الصور التي اتّفقوا على وجوب الجمع بين البيّنتين فيها فما الفارق بينهما بعد احتياج الجمع إلى ارتكاب التأويل في جميعها.

قلت: الجمع و إن كان محتاجاً إلى ارتكاب الحمل في جميع الصور في الجملة، إلّا أنّ الفارق بينهما أنّ في غير المقام ممّا اتّفقت كلمتهم على الجمع فيه لا يحتاج الحكم بالجمع فيه إلّا بارتكاب الحمل في إحدى البيّنتين معيّناً على ما يكون ظاهرها الاستناد إليه؛ و في المقام لا يمكن الجمع بينهما إلّا بارتكاب تأويل في كلتا البيّنتين، فإنّ مجرّد حمل المتقدّمة على كون شهادتها بالبقاء من جهة الاستصحاب لا يوجب الجمع بينها و بين المتأخّرة إلّا بحمل كون شهادتها بالحدوث من جهة استنادها إلى الشراء و نحوه ممّا يكون مزيلًا للاستصحاب، لأنّ معنى الشهادة على الحدوث حسبما عرفت سابقاً ليس هو الشهادة على الانتقال من الأوّل أو مطلقاً، كما قد يتوهّم، بل هو ساكت (1) عن الزمان السابق. فيحتمل استنادها إلى ما يكون في عرض مستند المتقدّمة في الشهادة إلّا أنّها تحمل على غيره، مراعاة للجمع بين البيّنتين و شتّان بينهما.

و بعبارة أخرى أوضح: السرّ في عدم التزامهم بالجمع في المقام هو أنّ البقاء‌

____________

(1) هي ساكتة، خ ل.

1018

الناشئ عن الاستصحاب على فرض استناد المتقدّمة عليه إنّما هو معلّق عندهم على ظنّ الزوال. و البيّنة المتأخّرة لا يحصل منها الظن بالزوال إلّا بعد ارتكاب التأويل فيها و حملها على كون استنادها إلى ما يكون مزيلًا للاستصحاب لاحتمال استنادها إلى ما لا يكون مزيلًا له. و هذا بخلاف البيّنة التي تشهد بالفسق أو التي تشهد بالملك استناداً إلى السبب، فإنّهما بأنفسهما مزيلتان للأصل الّذي استند إليه البيّنة التي تشهد بالعدالة أو الملك المطلق.

و بعبارة ثالثة: للبيّنة المتقدّمة حدوث و بقاء، و البيّنة المتأخّرة إنّما تعارض بقاءها، إلّا أنّ جهة التعارض يحتمل أن تكون هي البقاء فقط؛ فيبقى حدوث المتقدّمة سليماً عن المعارض. و يحتمل أن تكون هي الحدوث و لازمه رفع البقاء أيضاً، لأنّ تحقّق البقاء إنّما هو بتحقّق الحدوث. فالحكم برفع المتأخّرة البقاء فقط ليحصل الجمع بينهما يتوقّف على حمل المتأخّرة على الاستناد إلى ما يرفع البقاء فقط كالشراء بعد الزمان السابق و المفروض أنّ الحكم بارتفاع البقاء من جهة ارتفاع الحدوث ليس ارتكاباً لخلاف أصل زائد على طرح الحدوث حتّى يعيّن بما دلّ عدم جوازه كون جهة التعارض منحصرة فيه.

و الحاصل أنّه لا ريب و لا شك في وجود الفرق المذكور بين الصور التي حكموا بالتفرقة و التفصيل فيها، لكن الشأن في إثبات كون المقدار المذكور من الفرق مجدياً في الحكم بالتفصيل المذكور؛ لأنّ الحامل على الجمع المذكور في صورة حصوله بارتكاب التأويل في إحداهما المعينة ليس إلّا ما دلّ على تصديق البيّنتين بقدر الإمكان، و هو بعينه يجري فيما يحتاج الجمع إلى ارتكاب التأويل في كلتيهما كما لا يخفى.

و بعبارة أخرى: الأمر دائر في المقام بين أمور: أحدها: تكذيب البيّنة المتقدّمة بالنسبة إلى زمان حدوثها فيلزمها عدم الأخذ بها بالنسبة إلى البقاء أيضاً لعدم تعقّل‌

1019

التفكيك بينهما. ثانيها، تكذيب المتأخّرة بالنسبة إلى زمان حدوثها فيلزمه طرحها رأساً. ثالثها، عدم الأخذ بالبيّنة المتقدّمة بالنسبة إلى بقائها من جهة الحكم باستنادها فيه إلى الاستصحاب، و الأخذ بالبيّنة المتأخّرة من حيث كونها رافعة لبقاء البيّنة المتقدّمة و لو بعد الحمل، فلا يلزم طرح أصلًا و معلوم أنّ الأخير أولى من الأوّلين، فهو المتعيّن، هذا ملخّص ما ذكره دام ظلّه في المقام، و قد عرفت في طي كلماتنا السابقة ما يمكن أن يورد عليه فراجع إليه.

ثمّ إنّه ذكر دام ظلّه كلاماً على ما ذكروه من الحكم بالتساقط بقول مطلق، و الرجوع إلى الأصل بضميمة البيّنة حتّى في صورة العلم باستناد المتقدّمة في الشهادة على البقاء إلى الاستصحاب، على ما صرّح به ثاني الشهيدين (رحمه الله) من شمول محلّ الكلام له أيضاً، و أنّ حكمهم بالتساقط و الرجوع إلى البينة المتقدّمة بالنسبة إلى الزمان المقدّم يشمله قطعاً.

و هو أنّه بعد العلم باستناد البيّنة المتقدّمة إلى الاستصحاب، و الحكم بتساقطهما مع البيّنة المتأخّرة في مورد التعارض لم يكن معنى للحكم برجوع الحاكم إلى استصحاب مقتضى البيّنة المتقدّمة بالنسبة إلى الزمان الأوّل و إن فرض القول به في غير الصورة، لأنّ المفروض أنّ بقاء المشهود به في الزمان الثاني في اعتقاد الشاهد إنّما كان بالاستصحاب، فالبيّنة المتأخّرة التي تعارض المتقدّمة من حيث البقاء المستند إلى الاستصحاب تمنع من تمسّك الحاكم بالاستصحاب أيضاً لوحدة المناط. هذا مخلّص ما ذكره دام ظلّه العالي.

و الحقّ عدم توجّه ما ذكره على ما ذكروه، لأنّ استصحاب الحاكم ليس في عرض استصحاب الشاهد حتّى يعارضهما البيّنة المتأخّرة، و لهذا لا يجوز للحاكم الأخذ بالاستصحاب لو لم يكن هناك بيّنة على البقاء مع فرض وجود البيّنة على الحدوث. و إنّما يكون مرجعاً بعد تساقط البيّنتين من جهة معارضة كلّ منهما‌

1020

بمماثله نظير الأصل في طرف الملاقي مع الأصل في طرف الملاقى و صاحبه.

و الحاصل: أنّه لا مانع من رجوع الحاكم إلى الأصل في الصورة أيضاً لتحقّق موضوعه بالنسبة إليه و هو اليقين السابق و الشك اللاحق، لأنّ ابتلاء البيّنة المتأخّرة بمثلها يمنع من رفعها الشك اللاحق كما لا يخفى. هذا مجمل القول في الترجيح بالتقدّم و التأخّر.

و أمّا الكلام في حكم صورة تعارض هذا المرجّح مع المرجّحات الاخر،

فيقع في مقامات أربعة: أحدها، في تعارضه مع الكثرة و العدالة. ثانيها، في تعارضه مع الدخول و الخروج. ثالثها، في تعارضه مع الإطلاق و التسبّب (1). رابعها، في تعارضه مع الشهادة على التصرّف و الملك.

ثمّ إنّ الكلام في كلّ من المقامات يقع في مقامين: أحدهما، في حكم المعارضة، بناءً على القول بتقديم المتقدّمة. ثانيهما، في حكمهما بناءً على القول بتقديم المتأخّرة. و أمّا بناءً على القول بالتساوي حسبما هو قضيّة صريح كلام الحلي في السرائر (2) فلا يعقل هناك ترجيح حتّى يتكلّم في حكم تعارضه مع سائر المرجّحات كما لا يخفى.

فنقول: أمّا الكلام في المقام الأوّل، [في تعارضه مع الكثرة و العدالة]

على القول بترجيح التقدّم (3)، فلا إشكال في الحكم بترجيح الأكثرية و الأعدلية، لأنّ معنى الترجيح بالتقدّم حسبما قضت به كلمتهم هو تساقط البيّنتين في مورد التعارض و سلامة المتقدّمة عن المعارض بالنسبة إلى الزمان السابق، فيرجع إليها و يقضى بها بضميمة الاستصحاب. و هذا بخلاف الترجيح بالأوصاف، فإنّه يوجب الأخذ بالراجحة من البيّنتين و معلوم تقدّمه على التساقط.

____________

(1) و التقييد، خ ل.

(2) السرائر: 2/ 169 170.

(3) المتقدّمة، خ ل.

1021

و بعبارة أخرى: التساقط فرع التكافؤ، و مع فرض وجود المزية المعتبرة مع إحدى البيّنتين لا تكافؤ بينهما كما لا يخفى. و أمّا على القول بترجيح المتأخّرة فلا إشكال في كون الحكم العكس، بناءً على ما عرفت من أنّ مبنى الترجيح بالتأخّر هو قاعدة الجمع و معلوم تقدّمه على الطرح و لو بالترجيح كما لا يخفى. و من هنا يعلم أنّ إطلاق الترجيح على الأخذ بالمتأخّرة مجاز.

و أمّا الكلام في المقام الثاني [في تعارضه مع الدخول و الخروج]

فيقع في أربعة مقامات: أحدها، في حكم تعارض التقدّم مع الخروج، بناءً على الترجيح بهما حسبما عليه المشهور. ثانيها، في حكم تعارض التأخّر معه، بناءً على الترجيح بهما. ثالثها، في حكم تعارض التقدّم مع الدخول، بناءً على القول بالترجيح بهما. رابعها، في حكم تعارض التأخّر مع الدخول، بناءً على القول بالترجيح بهما.

أمّا الكلام في المقام الأوّل، و هو تعارض التقدّم مع الخروج بحسب الزمان،

بأن تكون بيّنة الداخل مقدّمة على بيّنة الخارج، فلا إشكال في الحكم بترجيح الخروج، سواء على القول بأنّ الوجه في ترجيح بيّنة الخارج على بيّنة الداخل هو عدم استماع البيّنة من ذي اليد أصلًا حتّى في غير مورد التعارض، حسبما عرفته من جماعة، أو قلنا بأنّ الوجه فيه عدم مقاومة بيّنة الداخل لبيّنة الخارج عند التعارض و إن كانت مسموعة في صورة عدم المعارضة، إلّا أنّها عند المعارضة غير مسموعة.

و الوجه فيما ذكرنا ظاهر، لأنّ التساقط و الرجوع إلى المتقدّمة فرع التعارض و المقاومة و هي غير موجودة بالفرض.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو تعارض التأخّر مع الخروج

بأن يكون بيّنة الخارج مقدّمة و الداخل مؤخّرة، فلا بدّ من أن ينظر في وجه الترجيح بالخروج. فإن قلنا بأنّ الوجه في تقديم الخارج على الداخل هو عدم سماع بيّنة الداخل رأساً حتّى في غير مورد المعارضة، فلا إشكال في الحكم بتقديم الخروج و ترجيحه؛ بل‌

1022

لا يسمّى ترجيحاً أصلًا كما لا يخفى. و إن قلنا بأنّ الوجه في الترجيح بالخروج هو عدم سماع بيّنة الداخل فيما لو وجدت هناك بيّنة للخارج، فلا إشكال في الحكم بترجيح الخروج أيضاً. و إن قلنا بأنّ الوجه في ترجيح بيّنة الخارج على بيّنة الداخل هو عدم سماع بيّنة الداخل عند التعارض و التنافي لبينة الخارج، أو قلنا إنّ الوجه فيه دلالة الأخبار عليه، فيحكم بترجيح المتأخّر من حيث كون الترجيح جمعاً بين البيّنتين المقتضي لرفع التنافي بينهما. هكذا ذكره الأستاد العلّامة و لنا عليه بعض كلام ذكرناه في مسألة تعارض الخروج مع التقييد، فراجع إليه.

و أمّا الكلام في المقام الثالث، و هو تعارض التقدّم مع الدخول

بناءً على القول بالترجيح بهما بأن كانت بيّنة الخارج مقدّمة و الداخل مؤخّرة. فإن جعل الوجه في الترجيح بالدخول هو اعتضاد بيّنة الداخل باليد و ترجيحها بها، أو دلالة الأخبار عليه، فلا إشكال في الحكم بترجيح الدخول، لأنّ التساقط فرع التكافؤ و عدم قيام الدليل على الأخذ بإحدى البينتين تعبّداً، و إن جعل الوجه فيه تساقط البيّنتين و كون اليد مرجعاً، ففيه إشكال، إلّا أنّ الحق فيه ترجيح التقدّم، لكونه عملًا بالبينة في الجملة و هو مقدّم على العمل باليد كما لا يخفى.

و أمّا الكلام في المقام الرابع [في حكم التعارض التأخر مع الدخول]

فيعرف بالنظر إلى ما ذكرنا في المقامات الثلاثة.

و اللّٰه العالم و هو الحاكم.

و أمّا الكلام في المقام الثالث، و هو تعارض التقدّم و التأخّر مع الإطلاق و التقييد،

فقد ذكر الأستاد العلّامة أنّه لا يتعقّل له فرض؛ لأنّه إن صرّح المتأخّرة بانتقال الملك إلى من شهدت له بشراء و نحوه عمن شهدت المتقدمة له بضميمة الاستصحاب، فلا تعارض بينهما حتّى يلاحظ الترجيح بينهما، لأنّ المتأخّرة أيضاً تصدّق المتقدّمة في الملكية السابقة، و إن شهدت المتأخّرة بانتقال الملك إليه بشراء‌

1023

و نحوه و أطلقه أو أضافه إلى غير المدّعي، فهذا هو معنى الشهادة بالحدوث (1) و القدم، أو القديم و الأقدم، لأنّ المراد من الحدوث في كلماتهم ليس هو عدم اطّلاع البيّنة بالملكية قبل زمان الشهادة، لأنّ الشهادة عليه (2) بهذا المعنى ترجع إلى الشهادة المطلقة في مقابلة المورّخة، بل المراد منه حسب ما هو الظاهر من لفظ «الحدوث» هو انتقال الملك و وجوده بعد ما لم يكن. فهذا الانتقال لا بدّ له من سبب، ففي صورة الشهادة عليه يعلم باستناد الشاهد إلى أحد الأسباب الناقلة، سواء صرّح بخصوص بعض الأسباب أو لم يصرّح به.

و أمّا الحدوث بغير الأسباب، فلم يعلم له معنى محصّل. فلو شهدت المتأخّرة بالملك في زمان من جهة قيام الطرق الشرعية عليه كاليد و نحوها، فليست من الشهادة على الحدوث، لأنّ قضية الطريقية سبق ذي الطريق بحسب الوجود عليها و إلّا لزم عدم كونها طريقاً.

ثمّ لو فرض حدوث بغير الأسباب أو جعل المراد من الحدوث المعنى الأوّل فحكم تعارض التقدّم و التأخّر معه على كلّ من قولي تقدّم المتقدّمة و المتأخّرة ممّا لا إشكال فيه، لأنّا إنْ فرضنا التقييد في المتأخّرة بناءً على القول بترجيح التقديم، فلا شبهة في تقديم المتأخّرة لأنّ تقديم المتقدّمة من باب التساقط و كونها مرجعة بالنسبة إلى الزمان السابق. و الحكم بتقديم المشتملة على السبب على المطلقة إنّما هو من جهة الجمع، و معلوم أنّه مقدّم على الطرح و لو في الجملة. و إن قلنا بتقديم المتأخّرة و فرضنا التقييد في المتقدّمة بالنسبة إلى مبدإ الحدوث، فلا ريب أيضاً في الحكم بتقديم المتأخّرة، لأنّ تقديمها على المتقدّمة إنّما هو من جهة الجمع و هو هنا‌

____________

(1) لا يخفى عليك انّ ما ذكره الاستاد العلّامة في معنى الشهادة على الحدوث في المقام مخالف لما ذكره في بعض كلماته السابقة فراجع (منه (قدس سره)).

(2) عليها، خ ل.

1024

يحصل أيضاً بتقديم المتأخّرة، إذ لو فرضنا تقديم المتقدّمة لزم طرح المتأخّرة، لأنّ الاستناد إلى السبب في أصل مبدإ زمان الشهادة لا ينفع في مقام التعارض، فالشهادة في مورد التعارض مستندة إلى الأصل و نحوه. هذا مجمل القول في المقام الثالث.

و أمّا الكلام في المقام الرابع، و هو تعارض التقدّم و التأخّر مع الشهادة على الملك و التصرّف،

فقد ذكر الأستاد العلّامة أنّه لا يتصوّر اجتماعهما أيضاً بناءً على ما ذكره من معنى القدم و الحدوث. و على تقديره فإن شهدت المتأخّرة على الملك و المتقدّمة بالتصرّف، فلا إشكال في ترجيح المتأخّرة بناءً على القول بالترجيح بالملك و التصرّف؛ أمّا على القول بتقديم المتأخّرة فظاهر. و أمّا على القول المشهور من تقديم المتقدّمة فكذلك أيضاً، لأنّه بعد البناء على الترجيح بهذه الزيادة الحكمية لا معنى للحكم بتساقط البيّنتين و إن شهدت المتقدّمة بالملك و المتأخّرة باليد، فإن بني على الترجيح بالتقدّم فلا إشكال و إن بني على الترجيح بالتأخّر فالظاهر على هذا القول أيضاً ترجيح المتأخّرة، فتأمّل.

ثمّ بالحري صرف العنان إلى التكلّم فيما وعدناك سابقاً من جواز القضاء بالبيّنة منضمّة إلى الاستصحاب و عدمه،

فنقول: إنّ في المسألة وجوهاً بل أقوالًا ثلاثة: أحدها، و هو الّذي اختاره المصنّف (1) حسب ما استظهر من عبارته في المسالك (2)، الجواز و إن لم تضمّ البينة إلى شهادتها بالملكية السابقة شيئاً من قولها: (و لا أعلم له مزيلًا)، أو: (لا أدري زال أم لا)، إلى غير ذلك.

ثانيها: جوازها مع تعرّض البيّنة لما يفيد شكّها و عدم علمها بالملكية الحالية و زوالها، من غير فرق بين ما يدلّ عليه من قولها: (لا أعلم، أو لا أدري زال أم لا)،

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 898.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 93.

1025

أو غيرهما. و هذا هو الّذي اختاره في المسالك حيث قال بعد ما استظهر القول الأوّل من المصنّف و حكى عن المشهور اشتراط انضمام قول الشاهد: (و لا أعلم له مزيلًا) ما هذا لفظه: «الحق أنّ إطلاق الشهادة بالملك القديم لا تسمع، لعدم التنافي بين كونه ملكاً له بالأمس مع تجدّد انتقاله عنه اليوم، و إن كان الشاهد يعلم بذلك، بل لا بدّ من إضافة ما يفيد عدم علمه بتجدّد الانتقال، و ذلك يتحقّق بهذا السياق (1) و إن كان الاختصار [الاقتصار] على ما لا يشتمل [لا يشمل] على التردد أولى» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

ثالثها، و هو الّذي عليه المشهور حسبما في المسالك و غيره: جوازه مع إضافة قول الشاهد: (و لا أعلم له مزيلًا)، و عدم جوازه فيما لم يضف إلى شهادته شيئاً أصلًا أو أضاف إليها ما يفيد تردّده، كقوله: (ما أدري أنّه زال أم لا)، أو قال: (أشهد أنّه كان ملكه بالأمس و اللّٰه أعلم بالحال)، إلى غير ذلك ممّا يظهر منه تردّده في الملكية الحالية. بل في محكي القواعد: «لو قال: أعتقد أنّه ملكه الآن بالاستصحاب ففي قبوله إشكال» (3) و في محكي كشف اللثام في شرح العبارة: «من أنّه تصريح بمستند الشهادة بالملك في الحال، إذ لا طريق إلى العلم. فكما تسمع مع الإهمال تسمع مع التصريح و هو خيرة التحرير. و من أنّه ربما انضم إلى الاستصحاب أمور أخر تقوي بقاء الملك حتّى يكاد يحصل العلم به، و هو الأقوى» (4) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و ذكر الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي بعد نقل الأقوال المتقدمة أنّ مقتضى‌

____________

(1) بهذه الصيغ، خ ل.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 94 95.

(3) قواعد الأحكام: 3/ 490. و فيه «أنّه ملكه بمجرد الاستصحاب» بدل «أنّه ملكه الآن بالاستصحاب».

(4) كشف اللثام: 2/ 367.

1026

القاعدة الأوّلية عدم جواز القضاء بمجرّد الشهادة بالملكية السابقة بضميمة الاستصحاب لكونه حقيقة قضاءً بالاستصحاب لا بالبيّنة، لأنّ المدّعَى الملكية الحالية لا السابقة، و إلّا لم تسمع دعواه حسبما قضت به كلمتهم. و لا بها بإضافة ما يدلّ على كون الشاهد شاكّاً في الملكية الحالية على ما جزم به في المسالك (1)، لأنّ إضافته لا تقتضي صدق كونه شاهداً على الدعوى، و مخبراً بالمدّعى كما لا يخفى.

و الّذي قضت به الأصول و القواعد في باب القضاء هو حجية شهادة الشاهد لا مجرّد اعتقاده و اقتضاء تكليفه كما في بعض الموارد، حيث إنّ نفس اعتقاد المخبر حجّة فيه، و إنّما الإخبار اعتبر من جهة مجرّد الكاشفية عنه و الطريقية إليه.

و بالجملة، قد ذكرنا مراراً في طيّ كلماتنا السابقة أنّ ما يعتبر فيه إخبار المخبر على ثلاثة أقسام: قسم يعتبر فيه لمجرّد الطريقية إلى الاعتقاد، و لازمه أنّه لو انكشف المخبر عنه لغيره لكان معتبراً. و في الحقيقة المعتبر هو الاعتقاد لا الخبر، كما في الفتوى و إخبار الأجير عند جماعة من الأصحاب.

و قسم يعتبر فيه من باب الموضوعية بحيث لو قطعنا باعتقاده من دون الاخبار لم يكن له نفع أصلًا و لم يترتّب عليه أثر أصلًا، كما في البينة في باب القضاء، فإنّ اعتبارها فيه إنّما هو من باب الموضوعية. و لهذا لو قطعنا بكونه معتقداً بالملكية بأيّ نحو كان، و لو من كتابه، لم نحكم بمجرّده. فالمعتبر إنّما هو شهادتها على المدّعى عرفاً و لو استناداً إلى الطرق العرفية الممضاة عند الشارع أو الشرعية المبنية عليها عند العرف.

و قسم يشكّ فيه أنّه من أيّ القسمين فيعرض على الأصول و القواعد.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ مجرّد العلم بكون الشاهد شاكّاً في الملكية اللاحقة و أنَّ تكليفه الأخذ بالاستصحاب و لو من إخباره لا ينفع ما لم يشهد بها و لو بضميمة‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 94 95.

1027

الاستصحاب. فما ذكره في المسالك (1) ممّا لا وجه له. نعم، لو شهد بالملكية الآنية و لو بضميمة الاستصحاب بحيث علمنا منه ذلك، كانت شهادته مسموعة كافية، لصدق الشهادة عرفاً، لأنّه لا يشترط في صدقها قطع الشاهد بالمشهود به؛ أو احتمالنا قطعه، و إلّا لاختلّ أمر الشهادة في أغلب الموارد بل كلّها إلّا قليلًا منها، لعدم إمكان العلم بالمشهود به عادة في كثير من الموارد.

و الحاصل: أنّه كلما شهد الشاهد بشي‌ء، فإن جوّزنا كون الشهادة به من علم و جزم كالشهادة بالإقرار و الأسباب فنحملها عليه بل نقول برجوعه في الشهادة إلى الحس و أنّ قطعه بالمشهود به إنّما حصل من المبادي المحسوسة كما هو الأصل في الإخبار عن الأمور الحسّية، أو ما هو مباديه منها حسبما تقرّر في محلّه و إن لم نجوّز ذلك في حقّه بل قطعنا باستناده في الشهادة إلى ما يجوز له الاستناد عليه من الطرق المعتبرة عند العقلاء الممضاة عند الشارع، أو الشرعية المبنيّة عليها عندهم.

فلا إشكال في سماعه أيضاً و لو كان هو الاستصحاب.

و لا يتوهّم منه أنّه قضاء بالاستصحاب لا بالبيّنة، لعدم صدق الشهادة على الملكية الواقعية بعد العلم باستناد الشاهد إلى الاستصحاب، لصيرورة المشهود به حينئذٍ الملكية الظاهرية؛ لأنّك قد عرفت مراراً كثيرة في طي كلماتنا السابقة فساد هذا التوهّم، و أنّ المشهود به في صورة استناد الشهادة إلى الطرق المعتبرة شرعاً و لو كان اعتبارها من باب التعبّد الشرعي هو الأمر الواقعي و الملكية الواقعية بعد الجعل و التنزيل، بمعنى أنّ أهل العرف ينزلون مفاد الأمارة منزلة الواقع و يجعلونه من أفراده ادّعاءً، فيخبرون عن الواقع و يشهدون به، فليس الأمر في شهادتهم إلّا كسائر أخبارهم عن الأمور النفس الأمرية فيما قامت الطرق عليها، فإنّه لا شكّ و لا ريب أنّ المخبر به في هذه المقامات ليس الأمر الظاهري. مع أنّه لو كان الأمر الظاهري‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 94 95.

1028

لم يضرّ في صدق البينة و جواز القضاء بها، لأنّ الّذي يشترط في البينة هو مطابقتها مع دعوى المدّعي، و لا ريب أنّ دعوى المدّعي فيما لا يمكن حصول العلم بواقعها عادة مبنية على الطرق الشرعية أيضاً كشهادة الشاهد.

و بالجملة، لا إشكال في جواز القضاء بالبينة إذا شهدت بالملكية الحالية، سواء أسندت إلى الاستصحاب أو إلى غيره من الطرق الشرعية. إنّما الإشكال فيما إذا شهدت بالملكية السابقة و لم يتعرّض للحال أصلًا، أو تعرّض بما يدلّ على تردّده فيها، حسب ما بنى عليه الأمر في المسالك (1) من سماع الشهادة حينئذٍ، فإنّ مقتضى التحقيق على ما بنينا عليه فساد ما ذكره (قدس سره) لعدم جواز إبطال إنكار المنكر بمجرّد الاستصحاب؛ إذ المفروض أنّ البينة غير نافعة بالنسبة إلى الملكية الحالية التي هي مورد الدعوى، مع أنّه لو بني على جوازه لم يكن معنى لاشتراط تعرّض الشاهد بما يدلّ على تردّده في الملكية الحالية، لأنّ مجرّد احتمال علمه بالزوال مع عدم التعرّض لا يقتضي رفع اليد عن مقتضى الملكية السابقة؛ بل أقول: إنّه لو بني الأمر على جواز القضاء في المقام باستصحاب الحاكم حسبما بنى عليه في المسالك، جاز القضاء به و إن فرض القطع بعلم الشاهد بالزوال، لأنّ الشك المعتبر في الاستصحاب هو شك المستصحب لا غيره. فوجود الشك لغيره و عدمه سيّان في جريان الاستصحاب في حقّه كما لا يخفى على ذوي الأفهام المستقيمة.

فإن قلت: لو كان الأمر كما ذكرت من عدم جواز القضاء بالبينة بضميمة الاستصحاب من الحاكم و لو تعرّض الشاهد بما يدلّ على شكّه في الملكية الحالية، فما وجه ما اتّفقت عليه كلمة المشهور من جواز القضاء بالشهادة على الملكية السابقة في صورة إضافة الشاهد قوله: (و لا أعلم له مزيلًا)، و أيّ فرق بينه و بين إضافة قوله: (لا أدري زال أم لا).

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 94.

1029

قلت: ليس فيما ذكرنا منافاة لما عليه المشهور المتّفق عليه بينهم، لأنّ قول الشاهد: (و لا أعلم له مزيلًا)، عبارة أخرى عندهم عن الاستصحاب. فالشاهد بمقتضى الإضافة المذكورة قد شهد بالملكية الحالية استناداً إلى الاستصحاب. و منه يظهر الفرق بينه و بين: قوله (لا أدري زال أم لا)، فإنّه صريح في عدم استصحابه و كونه متردّداً في البقاء غير بانٍ على الحكم به للاستصحاب.

و ممّا يدلّ على كون مرادهم من قوله: (لا أعلم له مزيلًا) هو الشهادة بالملكية الحالية مستنداً إلى الاستصحاب، ما ذكره العلّامة في القواعد (1) في المقام حيث قال ما هذا لفظه: «و لو شهدت البينة بأنّ الملك له بالأمس و لم تتعرّض للحال لم تسمع، إلّا أن تقول: (و هو ملكه في الحال)، أو: (لا نعلم له مزيلًا). و لو قالت: (لا ندري زال أم لا)، لم تقبل. و لو قال: (أعتقد أنّه ملكه) بمجرّد الاستصحاب ففي قبوله إشكال» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و لا يخفى عليك ظهوره فيما ذكرناه. و هكذا ذكره غيره أيضاً من الأصحاب (3).

و ممّا ذكرنا يظهر أيضاً فساد ما ذكره بعض مشايخنا المتأخّرين (4) من الإشكال في القضاء بالبينة في الصورة التي ذكرها المشهور، مستنداً إلى ما عرفت منّا من عدم صدق البينة في صورة عدم استصحاب الشاهد.

فإن قلت: لو كان الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب جائزاً، فما وجه الفرق بين تصريح الشاهد بأنّي أستند في الملكية إلى الاستصحاب و أعتقدها من جهته،

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 490، في المخطوطة و المطبوعة: «ذكره العلامة في يه» أي نهاية الأحكام و الصواب ما اثبتناه.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 490؛ نهاية الأحكام:

(3) راجع جواهر الكلام: 40/ 453.

(4) راجع جواهر الكلام: 40/ 441.

1030

و عدم ذكره لذلك، مع علمنا باستناده في الواقع إليه، مع أنّ الفاضلين في القواعد (1) و شرحه (2) بنيا على التفصيل بينهما على ما عرفت من كلامهما المتقدّم، بل يظهر من غيرهما أيضاً.

قلت: وجه تفصيلهما على ما ربما يظهر من عبارة الفاضل في الشرح، هو أنّ الشهادة بالملكية المعتقدة لأجل الاستصحاب ليست شهادة على طبق دعوى المدّعي، بل هو شهادة على اقتضاء الاستصحاب و إخبار بأنّ الاستصحاب يقتضي كذا. فكأنّه قال الشاهد: (الاستصحاب يقتضي كذا، لكنّي لا أعلم). هذا، مضافاً إلى أنّ تفصيلهما لا يوجب نقضاً على ما قدّمنا من قضية الأصل و القاعدة. فنقول بعدم التفصيل بين الصورتين و نلتزم به و لا يرد عليه شي‌ء أصلًا. و دعوى عدم صدق الشهادة في الصورة الأولى لا شاهد لها أصلًا، بل الشاهد على خلافها جزماً.

فإن قلت: لو كان ما ذكرت من عدم كفاية الشهادة على الزمان السابق و لو بضميمة استصحاب الحاكم صحيحاً لما كان فرق بين الشهادة على الملكية السابقة أو الأسباب، كالاقتراض و الدين و النكاح و نحوها في دعوى الاشتغال الفعلي و الزوجية الفعلية و غيرهما، لأنّ نفس الشهادة على السبب في الزمان السابق لا يقتضي الحكم بوجود المسبّب في الزمان اللاحق مع احتمال ارتفاعه إلّا بضميمة استصحاب الحاكم. مع أنّ بناءهم على القضاء بالشهادة على السبب في الزمان السابق و إن لم يتعرّض الشاهد للحال أصلًا.

قلت: الفرق بين المقامين ممّا لا يكاد أن يخفى على الأوائل فضلًا عن الأواخر، لأنّ الشهادة على سبب الاشتغال أو غيره في زمان تقتضي بنفسها بطلان‌

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 490.

(2) كشف اللثام: 2/ 367.

1031

إنكار المنكر و رفع الأصل الّذي اعتمد عليه في إنكاره و التزامه بمقتضاه بحيث لا يرفع اليد عنه إلّا بدعوى خروجه عنه فينقلب مدّعياً و المدّعي منكراً؛ فما لم يدّع الخروج عن مقتضى السبب يلزمه الحاكم على مقتضاه و إن لم يشهد الشاهد بالمسبّب في الحال أصلًا. بل و لو لم يتعرّض لما يدلّ على شكّه فيه في الحال بل و لو قطعنا بعلمه بزوال المسبّب في الحالة الثانية. و هذا بخلاف المقام، فإنّ الشهادة على نفس الملكية في زمان سابق لا تلزم شيئاً على منكره إلّا بضميمة الاستصحاب، فيرجع إلى إبطال الإنكار بالاستصحاب لا بالبيّنة.

و الحاصل، أنّ نفس الشهادة في الزمان السابق قد توجب التزاماً على المنكر و إبطال إنكاره بحيث لا يحتاج إلى شهادة الشاهد بالنسبة إلى الزمان اللاحق أصلًا بل و لو كان معتقداً لخلاف ما يقضى به في الزمان اللاحق، و قد لا توجب نفس الشهادة في الزمان السابق إلزاماً على المنكر أصلًا بحيث لا تنفع المدّعي في إبطال إنكار خصمه إلّا بضميمة الشهادة على الحال و لو بالاستصحاب على القول بجواز الاتّكال عليه في الشهادة و سماع الشهادة المستندة إليه حسبما هو المفروض.

فإن كانت من القسم الأوّل، فلا إشكال في جواز القضاء بها و إن كان الشاهد في الزمان اللاحق قاطعاً. بخلاف ما شهد به في الزمان السابق، لأنّه بشهادته في الزمان الأوّل قد أبطل إنكار المنكر و امتناعه، فالقضاء بها قضاء بالبينة و رفع للخصومة بها.

و من هنا نقول إنّه تسمع دعوى المدّعي السبب من دون الاحتياج إلى انضمام دعوى المسبّب إليها حسبما عليه جماعة، لأنّها دعوى ملزمة مسموعة فالاقتصار بها كاف في إثبات المدّعَى من غير الاحتياج إلى انضمام دعواه.

و إن كانت من القسم الثاني، فلا يجوز القضاء بها، لأنّ المفروض أنّها بمجرّد التحقّق في الزمان السابق لم تلزم شيئاً على الخصم. فالقضاء عليه في الزمان اللاحق و إبطال إنكاره لا بدّ أن يكون بالاستصحاب من الحاكم، و قد عرفت غير مرّة أنّ إبطال الإنكار بالأصل ممّا لا يجوز قطعاً.

1032

فإن قلت: المحذور اللازم من القضاء بالشهادة في الزمان السابق في القسم الثاني بعينه يلزم من القضاء بها في القسم الأوّل أيضاً، لأنّ المفروض أنّ المدّعَى هو الاشتغال في الزمان اللاحق مثلًا و الشهادة على وجود سببه في الزمان السابق غير منطبقة عليه، فيرجع القضاء بالأخرة إلى القضاء بالاستصحاب من الحاكم.

و بعبارة أخرى: الشهادة بالسبب و المقتضي في زمان لا تثبت وجود المسبّب في زمان لاحق عليه مع الشك في وجود الرافع للمقتضى و المسبّب فيه إلّا بضميمة الاستصحاب، فيرجع الأمر بالأخرة إلى القضاء به، و هو المحذور اللازم في القسم الثاني.

قلت: لسنا ندّعي أنّه لا يجوز للحاكم الحكم بضميمة الأصل أصلًا، كيف و كثيراً ما يحتاج إليها، بل المدّعى و المحذور اللازم في القسم الثاني هو لزوم إبطال امتناع الخصم و قوله بالأصل. و معلوم أنّ هذا غير لازم في القسم الأوّل، لأنّ المفروض أنّ الشهادة بالاقتراض في الزمان السابق أبطلت إنكار المنكر الاشتغال رأساً من حيث اقتضائها حدوث الاشتغال في الجملة. و هذا بخلاف القسم الثاني، لأنّ مجرّد الشهادة في الزمان السابق لا يلزم شيئاً على المنكر.

و بالجملة، كلّما يكون المشهود به و المستصحب بحدوثه و وجوده في الزمان السابق مقتضياً لإبطال إنكار الخصم و امتناعه بحيث يرجع يمينه إلى يمين الإثبات أو إلى تكذيب البينة، فالقضاء بالشهادة به جائز لاقتضائها بطلان إنكار المنكر، فالقضاء عليه قضاء بالبينة، فيصير كما لو أقرّ باشتغال الذمّة أو وقوع سببه كالاقتراض مثلًا سابقاً، فإنّه لا إشكال في القضاء عليه لو لم يدّع الإبراء من غير فرق فيما ذكرنا بين الشهادة على السبب كالاقتراض و نحوه؛ أو المسبّب كالاشتغال و نحوه؛ و لا بين الحقوق و الذمم و الأعيان كالزوجية و الانتقال و الاشتغال و الاشتراء من المنكر؛ و لا بين الداخل و الخارج و الخارجين، فإنّ المناط في جميع الصور ما‌

1033

ذكرنا من اقتضاء الشهادة في السابق إلزاماً على المنكر، فيقضى بها و إن كان الشاهد قاطعاً بالخلاف في الزمان اللاحق بل و شاهداً به في الجملة كما سيأتي الإشارة إليه.

و كلّما لم يكن المشهود به حدوثه مقتضياً للإلزام على المنكر و لا إبطال إنكاره فلا يجوز القضاء بالشهادة السابقة و إن كان الشاهد شاكّاً في الزمان اللاحق بل و قاطعاً فيه غير شاهد على مقتضى قطعه، بل مقتصراً على الشهادة في الزمان السابق.

أما الدليل على عدم جواز القضاء في الصورة الثانية فواضح. و أمّا الدليل على الجواز في الصورة الأولى و إن كان يعلم من ملاحظة ما ذكرنا و التأمل فيه فهو أنّ الشهادة في الزمان السابق قد اقتضت بنفسها إبطال إنكار المنكر و امتناعه، بحيث لا يمكنه إقامة الحجّة عليه و هي اليمين، لأنّ المراد من الاشتغال الّذي ينكره المنكر في الزمان اللاحق مثلًا إمّا أن يكون هو الاشتغال القديم أو الحادث.

و بعبارة أخرى: المراد من دعواه البراءة في الزمان اللاحق إمّا أن يكون البراءة الأصلية أو الحادثة. فإن كان الأولى، فهو تكذيب للبينة فلا تسمع دعواه، فلا تقبل يمينه و لا يجوز تصديقه بل يقضى عليه بها. و إن كان الثانية، فيرجع يمينه عليه إلى اليمين على الإثبات و هي غير مسموعة. فالدليل على إبطال إنكار المنكر و امتناعه هو نفس البيّنة، لأنّ حيث الإنكار في إنكار الاشتغال هو البراءة القديمة، و هي قد ارتفعت بالبيّنة و صار مقتضى الأصل على خلافها كما لا يخفى و إن كان القضاء بالاشتغال الفعلي محتاجاً إلى انضمام استصحابه.

لا يقال: إبطال إنكار المنكر بالبيّنة يتوقّف على سماعها و إنّما تسمع إذا كانت على طبق الدعوى حسبما بنيت عليه الأمر سابقاً، و المفروض عدم المطابقة بينهما في المقام، لأنّ المدّعَى الاشتغال الفعلي، و المشهود به الاشتغال السابق. فإذا كانت‌

1034

فاقدة لشرط السماع و هي المطابقة فلا معنى لإبطال الإنكار بها.

لأنّا نقول: نمنع من توقّف سماع البينة على مطابقتها للدعوى، و إلّا لم تسمع البيّنة على الإقرار بالاشتغال في دعوى الاشتغال، مع أنّه لا إشكال في سماعها عندهم مع كونها غير مطابقة للدعوى كما لا يخفى، و إنّما الشرط في سماعها انتفاع المدّعي بها و لو في إبطال إنكار الخصم، و هذا بخلاف البيّنة على الملكية السابقة لأحد المتداعيين في الخارجين أو الخارج في الداخل و الخارج، لأنّ البينة في الصورتين لا تكون مطابقة للدعوى و لا تلزم شيئاً على المدّعي الآخر. فإن كانت للمدّعي الآخر في الصورة الأولى بيّنة فيقضى بها، و إلّا فيحكم بسقوط دعواه لعدم الميزان لا لقيام البينة، كما أنّه يحكم بسقوط دعوى الآخر أيضاً لعدم إقامته بالحجة النافعة له.

و بالجملة، فرق بين الحكم بسقوط الدعوى لعدم الميزان أو إبطال الدعوى و الإنكار من جهة الميزان، فإنّ الثاني عين معنى القضاء كما أنّ الأوّل عين معنى عدمه. هذا في الخارجين.

و أمّا الخارج و الداخل، فلأنّ نفس الشهادة على الملكية السابقة لا تقتضي إبطال إنكار الداخل، لأنّ حيث إنكاره إنّما هو جهة تشبثه و هي موجودة بالفرض، و البينة على الملكية السابقة لم يبطل حكمها أيضاً لعدم المنافاة بينهما فإن حلف أو أقام بيّنة على ملكية ما في يده بناءً على سماع البينة منه بمعنى إسقاطها اليمين عنه حسبما بنينا عليه سابقاً فيما لم يكن هناك بيّنة معتبرة للمدّعي فهو، و إلّا فيقضى عليه بالنكول أو بحلف المدّعي على القولين.

و بالجملة، الحكم كما لو لم يكن هناك بيّنة أصلًا. نعم، لو شهدت البينة على الشراء من الداخل في الصورة الثانية، و من أحد الخارجين فيهما، كان الحكم كما ذكرنا في الشهادة على الاشتغال السابق في دعواه، فإنّ الشهادة على‌

1035

السبب المذكور في الفرض (1) توجب إلزاماً على المدّعَى عليه، و هو القيام بوظائف النقل، فتأمّل.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من عدم اشتراط مطابقة البينة للدعوى في سماعها بل إنّما الشرط فيه الانتفاع بها و لو في إبطال قول الخصم، يستفاد من كلام جماعة من الأعلام، منهم العلّامة (قدس سره) في القواعد حيث قال في آخر باب القضاء منه ما هذا لفظه:

«و لو شهد أحدهما أنّ له عليه ألفاً، و شهد الآخر أنّه قضاه ألفاً لم يثبت الألف، لأنّ شاهد القضاء لم يشهد عليه بألف و إنّما تضمّنت شهادته أنّها كانت عليه، و الشهادة لا تقبل إلّا صريحة» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و هو ظاهر في أنّ القادح في السماع ليس إلّا عدم الصراحة. و حكي عنه في التحرير (3) الحكم بعدم ثبوت الألف في الفرض المزبور مستنداً إلى تكذيب الشاهد بالقضاء لدعوى المدّعي. و هو كما ترى ظاهر أيضاً في أنّ القادح ليس إلّا المنافاة و التكاذب بين الشهادة و الدعوى.

و بالجملة، الفرق بين المقامين ممّا لا يكاد أنْ يخفى على جاهل فضلًا عن عالم، و لهذا تراهم يفرّقون في سماع الدعوى بين أن يدّعي المدّعي أنّ هذه الثمرة من شجرتي، و أنْ يدّعي أنّ هذا الغزل من قطني، و أنّ هذا الطحين من حنطتي؛ فيحكمون بعدم سماع الدعوى في المثال الأوّل إلّا بضميمة ما يدلّ على دعوى ملكية الثمرة، كقوله: (هذه الثمرة من شجرتي و ملكي) و نحوه. و يحكمون بسماعها في المثالين الأخيرين من حيث رجوعها إلى دعوى سبب الملك، فإنّ تملّك الحنطة مقتضٍ لتملّك الطحين أيضاً، و إن تأمّل بعض في الفرق بين الأمثلة، حيث إنّ تملّك الشجرة أيضاً مقتض لتملّك الثمرة.

____________

(1) الفرضين، خ ل.

(2) قواعد الأحكام: 3/ 492.

(3) راجع تحرير الأحكام: 2/ 199.

1036

و أمّا ما علّل به السماع في كلام بعض الأصحاب كثاني الشهيدين في المسالك (1) من كون تملّك الحنطة مثلًا عين تملّك الطحين، فدعوى ملكية أحدهما عين دعوى ملكية الآخر، فممّا لا يرجع إلى محصّل كما لا يخفى، لأنّ تملّك الحنطة ليس عين تملّك الطحين، كيف؟ و يجوز التفكيك بينهما كما لا يخفى و إنّما هو سبب له.

نعم، لو ادّعى أنّ هذه الحنطة من صبرتي، بمعنى التبعيض، سمعت دعواه بلا إشكال و إن لم نسمعها (2) في المثالين أيضاً.

و ملخّص ما ذكرنا من أوّل المسألة إلى هنا أنّه في صورة دعوى الحالية لو أقام المدّعي البيّنة على نفس المدّعَى في الحال، فلا إشكال. و إن لم يقمها عليه فهاهنا صور: إحداها: أن يقيمها عليه في السابق مع استناد البينة فيه إلى سبب يردّد إنكار المنكر بين إنكار أصله أو بقائه من حيث الاقتضاء لوجود الرافع له؛ كما لو شهدت بالاشتغال سابقاً من جهة الاقتراض أو شهدت بالملكية السابقة من جهة الاشتراء من المدّعَى عليه أو مع عدم الاستناد إليه مع انحصار سببه فيما لو استندت إليه و صرّحت به في السبب المذكور كما في الشهادة على الاشتغال سابقاً.

ففي هذه الصورة لا إشكال في سماع البيّنة و القضاء بها ما لم يدّع المنكر الإبراء و الأداء و الانتقال، و إن احتاج الحاكم معه إلى انضمام أصالة عدم الرافع، لأنّ احتمال الرافع ممّا لا يعتنى به عند العقلاء بعد وجود المقتضي له.

فإن قلت: كيف يحكم بسماع البينة في الفرض مع عدم مطابقتها للمدّعى و قد صرّحوا باشتراط المطابقة في سماع البينة من المدّعي.

____________

(1) راجع مسالك الأفهام: 14/ 66 67.

(2) تسمع، خ ل.

1037

قلت: هذا المقدار من المطابقة كاف عندهم في سماع البينة من المدّعي و لم يعلم من كلامهم اشتراط أزيد من ذلك، بل يستفاد من كلام جماعة التصريح بعدم اشتراطه، منهم العلّامة (رحمه الله) فيما عرفت من كلامه فراجع.

ثانيتها: أن يقيمها عليه في السابق مستندة إلى سبب يردّد إنكار المنكر بين إنكار أصله أو سببه أو بقائه، كما إذا شهدت بالملكية السابقة مستندة إلى الشراء مع الإطلاق، أو الإضافة إلى غير المدّعَى عليه و لو بأن تشهد بأنّي أشهد أنّه ملكه بالأمس اشتراه من زيد و هو مالكه، أو من مالكه؛ ففي هذه الصورة لا تسمع البيّنة لعدم مطابقتها للدعوى و لو بالشهادة على السبب، لاحتمال رجوع إنكار المنكر إلى ملكية من اشترى المدّعي منه، فلا تسمع لما سيجي‌ء أنّ البينة على نفس الملكية في السابق غير مسموعة.

فإن قلت: إذا شهدت البينة على الشراء من مالكه في السابق فقد شهدت على السبب، لأنّ الشراء من المالك سبب لبقاء الملكية ما لم يوجد المانع منه كما لا يخفى، و قد بنيت على كفاية هذا المقدار من المطابقة.

قلت: شهادة البينة على الشراء من مالكه تنحلّ إلى شهادتين: إحداهما، الشراء.

ثانيتهما، كونه من مالكه. و الشهادة على الشراء إنّما تكون شهادة على السبب بعد الفراغ عن مالكية المالك و تسالمهما عليها كما في الصورة السابقة. و أمّا إذا احتمل رجوع الإنكار إلى إنكار الملكية للبائع فلا نسلم أنّها شهادة على السبب للمنع من سماعها بالنسبة إلى الملكية السابقة كما سيجي‌ء.

و بعبارة أخرى: نحتمل تعلّق إنكار المنكر في الفرض إلى أحد أمور أربعة؛ حدوث الاشتراء و بقاؤه، و حدوث الملكية للبائع و بقاؤها في ملكه. و لمّا توقّفت سببية الشراء على الملكية من البائع فكلّما فرض النزاع فيها لا يمكن الحكم بثبوتها إلّا بعد إثبات الملكية.

1038

ثالثتها: أن تشهد بالمسبّب في الزمان السابق المردّد أمره بين استناد البينة فيه إلى الأمارة أو السبب الملزم النافع أو غيره، كما لو شهدت في دعوى الملكية السابقة على الملكية السابقة. ففي هذه الصورة أيضاً لا تسمع البينة لعدم مطابقتها للدعوى و لا شهادتها على ما يقتضي المدّعى في الزمان الثاني بحيث انحصر رجوع إنكار المنكر بعد تصديق البينة فيما شهدت به من حيث المطالبة إلى ادّعاء الرافع.

فإن قلت: قد تقرّر في محلّه أنّه كلّما يكون الإقرار به نافعاً للمقرّ له يكون البينة عليه مسموعة منه في صورة الإنكار و ظاهرهم الإطباق على القضاء بإقرار المنكر أنّه كان ملكه سابقاً.

قلت أوّلًا: إنّا نمنع الملازمة المذكورة، لأنّ الإقرار قبل تحرير الدعوى نافع و يلزم بمقتضاه المقرّ بعده بخلاف البينة، فإنّها لا تسمع قبله إجماعاً.

و ثانياً: إنّ سماع الإقرار بالملكية السابقة إنّما هو من حيث مطابقتها للمدّعى من حيث كونه سبباً.

لا يقال: الملكية السابقة أيضاً ممّا إذا وجد لا يرفع إلّا برافع، فلم لا تسمع البينة عليها؟ لأنّا نقول: نمنع من اقتضاء نفس الملكية في الزمان السابق الملكية في الزمان اللاحق، لأنّ كلّاً منهما مسبّب عن شي‌ء واحد؛ فهما في مرتبة واحدة ليست بينهما سببية و مسببيّة كما لا يخفى. و هذا بخلاف الاقتراض فإنّه سبب للاشتغال في البابين. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي مطلباً و دليلًا و استشهاداً، و للتأمّل في بعض ما ذكره مجال واسع لا يخفى على المتأمّل و تركنا التعرض له تقليلًا لإساءة الأدب.

ثمّ إنّ هاهنا أموراً بالحري أنْ ننبّه عليها:

الأوّل: أنّه لا إشكال بل و لا خلاف ظاهراً إلّا من بعض، في جواز القضاء بإقرار المنكر بالملكية للمدّعي في الزمان السابق

1039

ما لم يدّع الشراء منه، لأنّ مقتضى قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1) هو أخذ المقرّ بإقراره ما لم يثبت الخروج عن مقتضاه، و لهذا يلزمه الحاكم عليه و لو كان إقراره قبل تحرير الدعوى بزمان كثير. و هذا بخلاف البينة، فإنّه ليس له هذه المرتبة من الاعتبار، و لهذا لا تسمع قبل تحرير الدعوى بل و بعده و قبل المطالبة من المدّعي. و إنّما تسمع بشرائطها إذا كانت مطابقة للدعوى أو نافعة في المدّعَى و لو بإبطال إنكار منكره. و البينة على الملكية السابقة غير مشتملة على أحد الأمرين حسب ما عرفت سابقاً، فلمكان القوة و الضعف في الاعتبار بين الإقرار و البينة المستفادين من أدلّتهما جاء هذا التفصيل.

و إلى ما ذكرنا يرجع ما علّل به الفرق في القواعد حيث قال: «و لو قال المدّعَى عليه: (كان ملكك بالأمس)، انتزع من يده، لأنّه مخبر عن تحقيق فيستصحب، بخلاف الشاهد فإنّه يخبر عن تخمين» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه و من لم يتأمّل فيه و إن كان يسي‌ء الأدب بالإيراد عليه بأنّ الإخبار عن تخمين إذا فرض اعتباره كما هو المفروض فما الفرق بينه و بين الإخبار عن تحقيق إلّا أنّ من تأمّل فيه يعلم أنّ مراده ما أشرنا إليه من حيث القوة و الضعف المستفادين من دليل اعتبارهما. هكذا ذكره الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي.

و لا يخفى عليك أنّ ما ذكره خلاف ما يستفاد من ظاهر كلامه، سيّما بملاحظة قوله بعد العبارة المتقدّمة: «و كذا تسمع من الشاهد لو قال: (هو ملكه بالأمس اشتراه من المدّعَى عليه بالأمس، أو أقرّ له المدّعَى عليه بالأمس) لأنّه استند إلى تحقيق» 3 انتهى كلامه رفع مقامه. فالظاهر أنّ مراده ملاحظة القوة و الضعف من حيث المستند.

و كيف كان لا إشكال في التفرقة المذكورة إلّا أنّ الظاهر من بعض مشايخنا‌

____________

(1) عوالي اللئالي: 1/ 223 و 2/ 257 و 3/ 442؛ وسائل الشيعة: 23/ 184.

(2) 2 و 3 قواعد الأحكام: 3/ 490.

1040

المتأخّرين (1) عدم الفرق بين الإقرار بالملكية السابقة، و البينة على الإقرار بها، و البينة على نفس الملكية السابقة.

الثاني: أنّ ما ذكرنا كلّه من الكلام في المسألة في صورة شهادة الشاهد على السبب في الزمان السابق إنّما هو مع تعرّضه للمسبّب في ذلك الزمان

و إن لم يتعرّض له في الزمان اللاحق، كما لو قال مثلًا: (إنّي أشهد أنّه ملك المدّعي في الأمس اشتراه من المدّعى عليه). و أمّا لو شهد بنفس السبب في ذلك الزمان من دون تعرّض للمسبب أصلًا، لا فيه و لا في الزمان اللاحق، فهل يقضى به على تقدير القول بالقضاء في الصورة السابقة، أم لا يقضى به؟ وجهان؛ مبنيّان على سماع البينة على نفس السبب و عدمه. و ربما يظهر من الشهيد في القواعد (2) عدم السماع، و ربّما يبنى السماع و عدمه على سماع دعوى السبب مجرّداً و عدمه. و في هذا البناء نظر لا يخفى وجهه، و اللّٰه العالم.

الثالث: أنّك قد عرفت الكلام في طي كلماتنا السابقة في تقديم الشهادة على الملك المسبّب، على الشهادة على الملك المطلق،

و أنّ المشهور بينهم هو ذلك استناداً إلى ما عرفت منهم جامعاً بين جميع صور الزيادة من الحسية و الحكمية من قاعدة الجمع و إن تكلّمنا عليه بعض الكلام تبعاً لبعض مشايخنا الأعلام و أصحابنا الكرام. و أنكره الحلي في السرائر (3) ناسباً له إلى كونه من قضية أصول أهل الخلاف.

و أمّا الترجيح بشهادة إحدى البيّنتين على الملك و الأخرى بالتصرّف، أو شهادة إحداهما بسبب الملك و الأخرى بالتصرّف، فالمشهور بينهم أيضاً تقديم الأولى على‌

____________

(1) جواهر الكلام: 40/ 452.

(2) راجع القواعد و الفوائد: 1/ 371 372.

(3) راجع السرائر: 2/ 169 170.

1041

الثانية في المقامين كما هو صريح القواعد (1) و المتن (2) و غيرهما (3). و الدليل عليه هو قاعدة الجمع، و للتأمّل فيه مجال للمتأمّل في القاعدة في أمثال المقام، و اللّٰه العالم بحقائق الأحكام.

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 490.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 898.

(3) المبسوط: 8/ 294؛ المهذب: 4/ 501 502؛ مسالك الأفهام: 14/ 95؛ مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 241؛ كفاية الأحكام: 277؛ جواهر الكلام: 40/ 444.

1042

[إذا ادّعى شخص ملكية ما في يد شخص]

قوله: «لو ادّعى شيئاً فقال المدّعى عليه» (1) الخ (1).

____________

أقول: قد مضى بعض الكلام في هذا الفرع في بعض كلماتنا السابقة و نقول هنا أيضاً: إنّه إذا ادّعى شخص ملكية ما في يد شخص، فإنْ صدّقه فيحكم له بلا إشكال، و إن كذّبه و أثبته لنفسه فيجري عليه أحكام المنكر بلا إشكال فيه أيضاً. و إن نفاه عن نفسه فلا يخلو إمّا أن يقتصر عليه بأن يقول: (ليس لي)، أو يضيفه إلى من يحتمل أن يكون المدّعي، كأن يقول: (هو لشخص لا أسمّيه)، أو: (لا أعرفه) أو يضيفه إلى شخص مجهول لا يحتمل أن يكون المدّعي، كأن يقول: (هو لغيري و لغيرك)، أو يضيفه إلى شخص معلوم بأن يقول: (هو لزيد)، فهل تصرف عنه الخصومة في جميع هذه الصور فتبقى العين في يده ما لم يقم المدّعي البيّنة عليه، أو ينتزع من يده الحاكم إلى أن يقيم المدّعي البيّنة، أو لا تصرف في جميعها و ينتزع من يده على تقدير النكول عن الحلف، أو فيه تفصيل بين الصور؟ وجوه، أوجهها الأخير. ثمّ إنّ المراد من صرف الخصومة عنه إنّما هو بالنسبة إلى دعوى ملكية ما في يده، و أمّا سائر الخصومات و الدعاوى فلا تصرف عنه قطعاً.

ثمّ بالحري أن نفرد كلّ واحدة من هذه الصور بالكلام ليتّضح المرام، فنقول بعون الملك العلّام:

أمّا الصورة الأولى،

فالذي صرّح به بعض الأصحاب هو صرف الخصومة عنه، لأنّه بنفيه المال عن نفسه يخرج عن كونه مدّعَى عليه، فتصرف عنه الدعوى و ينتزع الحاكم المال من يده. و الّذي صرّح به في المسالك و غيره عدم صرف الخصومة عنه بمجرّد نفيه عن نفسه و عدم انتزاع المال من يده، و علّله بما‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 899.

1043

هذا لفظه: «لأنّ الظاهر أنّ ما في يده ملكه، و ما صدر عنه ليس بمزيل، و لم يظهر لغيره استحقاق» (1) انتهى ما أردنا نقله.

و فيه ما لا يخفى على المتأمّل و وجّهه الأستاد العلّامة بعد المصير إليه، بأن مقتضى القاعدة عدم صرف الدعوى عنه، إذ لعلّه يقرّ بعد هذا للمدّعي و لا مانع من سماع دعواه حتّى على قول الشيخ (رحمه الله) كما لا يخفى.

و أنت خبير بأنّ ما ذكره بناءً على ما عليه الأكثرون من سماع الدعوى لاحتمال الإقرار في غاية المتانة و الوجاهة. و أمّا بناءً على ما بنى عليه دام ظلّه سابقاً من عدم كون احتمال الإقرار من موجبات سماع الدعوى، فالحقّ هو القول بصرف الخصومة عنه. هذا كلّه بالنسبة إلى صرف الخصومة عنه.

و أمّا بالنسبة إلى انتزاع المال من يده و عدمه، فظاهر المسالك 2 أنّ الانتزاع و عدمه متفرّعان على القول بصرف الخصومة و عدمه، فعلى الأوّل ينتزع، و على الثاني لا ينتزع. و استشكل فيه الأستاد العلّامة بأنّ القول بصرف الخصومة عنه لا يلازم القول بالانتزاع، لأنّ مقتضى أصالة حجية اليد عدم جواز الانتزاع من يده و إن لم يمكن الحكم بملكيته من جهة نفيها عن نفسه.

و أمّا الصورة الثانية،

فيعلم تفصيل القول فيها ممّا ذكرنا في الصورة الأولى، بل ربما قيل بكون الحكم بالسماع فيها أقوى و أولى من الحكم به في الصورة الأولى.

و حكم جماعة، منهم الفاضل في بعض كتبه 3 بأنّه يلزم بالتفسير، فراجع. و لعلّنا نتكلّم فيه إن شاء اللّٰه.

و أمّا الصورة الثالثة،

فالذي هو قضية كلام جماعة (4) حسب ما حكاه شيخنا‌

____________

(1) 1 و 2 مسالك الأفهام: 14/ 96.

(2) (3) راجع قواعد الأحكام: 3/ 486؛ و تحرير الأحكام: 2/ 190.

(3) 4 قواعد الأحكام: 3/ 486؛ تحرير الأحكام: 2/ 190؛ مسالك الأفهام: 14/ 96؛ مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 174؛ كشف اللثام: 3/ 364.

1044

الأستاد دام إفادته هو الحكم بعدم صرف الخصومة عنه كما في الصورتين الأوليين، لأنّ الإقرار للمجهول لا يوجب حقّاً له، و لا يقتضي رفع الخصومة عن المقر، فالعين باقية على حالها فكأنّه لم يقرّ بها أصلًا. و الّذي جزم به الأستاد هو الحكم بصرف الخصومة عنه للمنع من عدم إيجاب الإقرار للمجهول إحداث حقّ له. و ما ذكره لا يخلو عن تأمّل فلعلّ الحكم بعدم الصرف على القول به في الصورتين الأوليين لم يكن بعيداً عن الصواب، و اللّٰه العالم بالمبدإ و المآب.

و أمّا الصورة الرابعة،

فلا إشكال في صرف الخصومة عن المقرّ بالنسبة إلى ملكية ما في يده و توجّهها بالنسبة إلى من أقرّ له، بل لا خلاف فيه عند أهل العلم.

و الوجه فيه ممّا لا يكاد يخفى عن جاهل فضلًا عن عالم، فإن كان للمدّعي بيّنة على ملكية ما يدّعيه جامعة للشرائط المعتبرة فيها و أقامها و حكم الحاكم بمقتضاها و أخذه، فلا كلام له على المقرّ، سواء كان المقرّ له حاضراً أو غايباً ممّن يمتنع مخاصمته و ممّن يجوز، على إشكال في الثاني من الأوّل و الأوّل من الثاني، من حيث عدم استقرار الثابت بالبينة فيهما و تزلزله و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في طيّ كلماتنا السابقة فراجع إليها. و إن لم يكن الأمر كما ذكر فلا إشكال في أنّ له الخصومة مع المقرّ بدعوى إتلاف ماله عليه بالإقرار. فإنْ كان له بيّنة فيحكم بتغريمه من دون تأمّل فيه؛ و إن لم يكن له بيّنة، فإن قلنا بأنّ المقر يلزم بالإقرار ثانياً لغير من أقرّ له أوّلًا حسب ما عليه المشهور، فلا إشكال أيضاً في سماع دعواه الإتلاف على المقر؛ إذ لعلّه يقرّ له ثانياً بناءً على ما عليه الأكثرون من إيجاب احتمال الإقرار لسماع الدعوى.

و إن قلنا بأنّه لا يلزم بالإقرار ثانياً حسب ما عليه الشيخ (رحمه الله) في أحد قوليه، يبنى السماع و عدمه على ما في المسالك على كون اليمين المردودة بعد النكول من المدّعى عليه هل هو كالإقرار أو كالبينة، فعلى الأوّل يحكم بعدم السماع، و على‌