كتاب القضاء - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
586 /
1045

الثاني يحكم بالسماع حيث قال: «و حيث ينصرف الخصومة عنه و طلب المدّعي إحلافه أنّه لا يعلم أنّ العين له، ففي إجابته قولان مبنيان على أنّه لو أقرّ له بعد ما أقرّ لغيره، هل يغرم القيمة له أم لا؟ فيه قولان مذكوران في محلّه (1)، فإن قلنا: نعم، و هو الأظهر، فله إحلافه فلعلّه يقرّ، فله القيمة. و إن قلنا: لا، و هو أحد قولي الشيخ (رحمه الله) (2) فإن قلنا إنّ النكول و ردّ اليمين كالإقرار لم يحلفه، لأنّه و إن أقرّ أو نكل و حلف المدّعي لا يستفيد شيئاً. و إن قلنا كالبينة فله التحليف، لأنّه قد ينكل فيحلف المدّعي، فإذا حلف و كانت العين تالفة أخذ القيمة. و حيث قلنا بوجوب القيمة فأخذها بإقرار المدّعَى عليه ثانياً، أو بيمين المدّعي بعد نكوله ثمّ سلمت له العين بالبينة، أو بيمينه بعد نكول المقرّ له، فعليه ردّ القيمة، لأنّه إنّما أخذ القيمة للحيلولة و قد زالت» (3) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و أورد عليه بعض مشايخنا بعد نقله بما هذا لفظه: «و فيه بعد الإغماض عمّا في تقييده بتلف العين: أنّ غاية ذلك كون اليمين المردودة كالبيّنة على إقراره مع علمه بكونه للمدّعي، و الفرض عدم اقتضاء ذلك الغرم لو أقرّ به هو، و ليس هو بيّنة على كون المال له، ضرورة كون الدعوى علمه بالمال (4)، فهي تكون كالبينة على ذلك و لا تزيد على الإقرار المفروض عدم الغرم به كما هو واضح. و لذا حكي عن الشيخ (رحمه الله) إطلاق عدم توجّه اليمين على التقدير المزبور، فتأمّل» (5) انتهى كلامه رفع مقامه.

و الحقّ عدم ورود شي‌ء ممّا ذكره من الإيرادين؛ أمّا الأوّل، فبأنّ مقصود الشهيد‌

____________

(1) راجع مسالك الأفهام: 11/ 109 110.

(2) المبسوط: 8/ 266.

(3) مسالك الأفهام: 14/ 98.

(4) بالحال، خ ل.

(5) جواهر الكلام: 40/ 446.

1046

من تلف العين إنّما هو التلف بالإقرار الّذي يوجب ضمان الحيلولة على ما صرّح به في كلامه.

و بالجملة، من نظر إلى ما في المسالك (1) يقطع بعدم ورود هذا الإيراد عليه، فإنّ كلامه صريح في فرض بقاء العين و أنّ المراد من التلف هو التلف بالإقرار الحائل بين المالك و ماله. و أمّا الثاني، فبأنّا قد حقّقنا فيما مضى من كلماتنا قبالًا لشيخنا المتقدّم أنّ اليمين المردودة، حتّى فيما لا يستحقّ المدّعي على المدّعَى عليه إلّا الحلف على عدم العلم، إنّما هي على الواقع لا [على] علم المدّعَى عليه به، لأنّ اليمين بالنسبة إلى المدّعي يمين على فعل النفس. فلا معنى لكونه على العلم، فيكون بناءً على القول بكونها كالبيّنة كالبيّنة على الواقع لا على العلم. و ذكرنا ثمّة أيضاً فساد ما توهّمه شيخنا المذكور من كون اليمين المردودة هي يمين المدّعَى عليه ردّت على المدّعي بمقتضى دعواه، فلمّا كانت دعواه علم المدّعَى عليه بالحال فلا بدّ من أن يكون يمينه على علمه به.

توضيح الفساد: أنّ كونها يميناً مردودة لا يقتضي كونها على العلم، لأنّ المراد من اليمين المردودة هي ما لا يتوجّه على المدّعي إلّا بعد امتناع المنكر من الحلف حسب ما عرفت تفصيل القول فيه، و إن كانت هي غير ما يتوجّه عليه بحسب الصنف.

و أمّا دعوى العلم، فقد ذكرنا في محلّه أنّه على القول باشتراطها في توجّه الحلف فيما يكون على عدم العلم ليست من مقوّمات أصل سماع الدعوى، و لهذا تسمع في صورة وجود البيّنة للمدّعي و إن لم يدّع علم المدّعَى عليه، بل إنّما هي شرط في توجّه اليمين على المدّعَى عليه من حيث اشتراط المطابقة، و هذا لا ينافي كون اليمين المردودة على الواقع لا على العلم.

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 98.

1047

هذا على القول باشتراط دعوى العلم على ما عليه المشهور، و أمّا على ما بني عليه سابقاً من عدم اشتراطها لعدم الدليل عليه غاية الأمر كون الاعتراف بعدم العلم مانعاً، فالامر واضح كما هو واضح.

نعم، ذكرنا سابقاً أنّه قد يتعلّق الغرض بدعوى العلم بحيث إنّه لا يترتّب على دعوى الواقع شي‌ء، ففي هذا المورد لا مجال للقول بعدم اشتراط دعوى العلم. لكن على هذا التقدير تكون البينة على العلم مجدية أيضاً كما لا يخفى، لأنّه بنفسه صار مورداً للإثبات و النفي من المدّعي و المنكر. فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ ما ذكره شيخنا المتقدّم، لا ورود له على ما ذكره في المسالك أصلا.

نعم، يتوجّه عليه ما ذكره الأستاد العلّامة من أنّ مجرّد احتمال النكول المترتّب عليه الفائدة كيف يوجب الحكم بسماع الدعوى. لكنّه أيضاً مدفوع بناءً على ما استقرّت عليه طريقتهم من الحكم بسماع الدعوى في كلّ مورد يرجى ترتّب الفائدة عليها. و إن شئت توضيح ذلك فارجع إلى بعض ما أسلفناه.

1048

[التداعي في العين مع كونها في يد الثالث]

قوله: «إذا ادّعى مدّع أنّه آجره الدابة، و ادّعى آخر أنّه أودعه إيّاها» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ المسألة من جزئيات التداعي في العين مع كونها في يد الثالث، فيجري فيها جميع ما تقدّم في كلّي المسألة من حكم صورة تصديق المتشبّث لهما أو لأحدهما، و حكم صورة عدم تصديقه لأحدهما، و صورة وجود البينة لهما بدون الترجيح، أو معه، أو لأحدهما، و صورة عدم وجودها لأحدهما، و من هنا أورد الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي على أنّه لا وجه لذكر المسألة هنا بعد التكلّم في كلّي المسألة بشقوقها و أقسامها، لأنّ الكلام في المسألة فيما مضى كان أعم من صورة إطلاق الدعوى منهما أو تقييدها بالسبب منهما بأيّ سبب كان متّحداً، أو متعدّداً، أو من أحدهما، إلى غير ذلك. فلا وجه لذكر الخاص بعد العام.

اللّهم إلّا أن يكون من جهة ورود النص به أو من جهة تبعية القدماء، حيث إنّهم عنونوا المسألة أو من جهة الإشارة إلى كفاية دعوى التمليك الضمنية إلى غير ذلك.

و بالجملة، العبارة ظاهرة بل صريحة في كون المسألة من الاختلاف في الأملاك، لا من الاختلاف في العقود. و لهذا ذكره المصنّف في فصله كما صنعه غيره أيضاً. قال في الإرشاد حسبما حكي عنه: «نعم، لو أقام بيّنة بإيداع ما في يد الغير منه، و آخر بيّنة باستيجار القابض منه، أقرع مع التساوي» (2) و مثله حكي عن التحرير (3)، هذا.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 899.

(2) إرشاد الأذهان: 2/ 152.

(3) راجع جواهر الكلام: 400/ 449.

1049

..........

____________

و لكن ذكر في المسالك أنّ ذكر المسألة في باب الاختلاف في العقود أولى، حيث قال في شرح العبارة ما هذا لفظه: «المراد أنّ الدابة في يد المدّعَى عليه، و المدّعيان خارجان، فادّعى أحدهما أنه آجرها من صاحب اليد، و ادّعى الآخر أنّه أودعه إيّاها، فإن لم يقيما بيّنة حكم [يحكم] بها لمن يصدّقه المتشبّث. و إن أقام كلّ منهما بيّنة بدعواه تحقّق التعارض بين البيّنتين مع الإطلاق أو اتحاد التاريخين.

و حينئذٍ فيرجع إلى ترجيح [الترجيح في] إحدى البينتين بالعدالة أو العدد، فإن انتفى فالقرعة. و لو تقدّم تاريخ أحدهما [إحداهما] بني على الترجيح به و عدمه. و قد تقدم نظيره في الملك و سيأتي مثله، و قد كان ذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى، لأنّ الاختلاف فيها اختلاف في العقود» (1) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و قد عرفت بأنّ المسألة لا دخل لها بالاختلاف في العقود.

و ذكر بعض مشايخنا بعد نقل ما عرفته من المسالك ما هذا لفظه: «و فيه: مع أن ظاهره عدم العبرة بتصديق المتشبّث مع قيام البيّنتين أنّه قد جعل المسألة من الاختلاف في العقود الّذي معناه الاختلاف فيها مع الاتّفاق على المالك، و هو غير ما ذكرناه على أنّ قوله أوّلًا: «في يد المدّعَى عليه» يقتضي كون الدعوى منهما عليه، مع أنّ المسألة في الدعوى بينهما مع قطع النظر عمّن في يده، فتأمّل» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه و درجته.

و هو في غاية الجودة من حيث فهم المراد من العبارة، إلّا أنّ في إيراده على صاحب المسالك في أوّل كلامه بقوله: «مع أنّ ظاهره عدم العبرة» و في آخره بقوله:

«على أنّ قوله أوّلًا» الخ. فيه ما فيه، لأنّ مقصوده من قوله: «فإن لم يقيما بيّنة» الخ، هو بيان حكم صورة عدم البيّنة لا بيان كون الإقرار غير مفيد مع إقامة البيّنة، و كلامه‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 99 100.

(2) جواهر الكلام: 40/ 450.

1050

..........

____________

ليس مسوقاً لبيان هذا قطعاً، على أنّ المقصود من عدم الإفادة في صورة وجود البينة، هو عدم الحكم بمقتضاه و هو حق، لا عدم ترتّب فائدة عليه أصلًا و لو بجعل بيّنة المقرّ له بيّنة الداخل أو ما في حكمه. و أمّا ما ذكره عليه أخيراً، فلولا أمره بالتأمّل فيه لذكرنا بعض ما يرد عليه، هذا.

و ذكر الأستاد العلّامة في توجيه ما ذكره صاحب المسالك من أنّ الأولى ذكر المسألة في المقصد الثاني، أنّ مقصوده ممّا ذكره هو أنّه إن أراد المصنّف ممّا ذكره، بيان حكم الاختلاف في الإجارة و العارية من حيث الاختلاف في الملك كما هو ظاهر كلامه، فهو ممّا لا يناسب، لأنّه في قوة التكرار. و إن أراد بيان حكمه من حيث الاختلاف في العقد، فالمناسب ذكر حكم صورة الاختلاف في العقد في بابه لا في المقام، لا أن يكون مراده أولوية ذكر هذه المسألة الخاصة في باب الاختلاف في العقود، حتّى يقال إنّها اختلاف في الملك لا في العقد. هذا ملخّص ما ذكره، و هو لا يخلو عن تأمّل مع أنّه قد يقال بأنّ صاحب المسالك قد فهم من العبارة أنّ أصل الفرض هو الاختلاف في العقد، فتدبّر.

و بالجملة، لا إشكال في أنّ فرض المصنّف هو التداعي في الأملاك.

و لكن لا بأس في التعرّض لحكم التداعي في الإجارة و العارية أو الوديعة من حيث التداعي في العقد، فنقول: إنّ التداعي فيهما قد يكون بين المالك و الأجنبي، بأن يكون العين في يد الأجنبي فادّعى أحدهما كونها في يده من جهة العارية، و الآخر من جهة الإجارة أو الوديعة، و قد يكون بين الأجنبيين. و على التقدير الأوّل قد يكون مدّعي الإجارة المالك، و قد يكون الأجنبي.

فإن كان مدّعي الإجارة المالك و مدّعي الوديعة أو العارية غيره، فالظاهر أنّ الأصل هنا مع الأجنبي، لا من جهة ما قد يتوهّم من أنّ مقتضى يده على العين تقديم قوله، ضرورة سقوط حكم اليد بعد اجتماعها مع إقرار صاحبها بكون العين‌

1051

..........

____________

من مال الغير و ادعى ما يخالف دعواه. و إن هو إلّا نظير اختلاف المالك و الأجنبي في كون ما في يد الأجنبي إجارة أو غصباً فادّعى المالك الثاني و الأجنبي الأوّل، فإنّه لا إشكال بل لا خلاف في أنّه لا يحكم بكون القول قول الأجنبي لليد.

و بالجملة، لا إشكال في أنّ اليد المجامعة مع الإقرار لا تجعل ذا اليد منكراً بل من جهة أصالة براءة ذمّته عن مال الإجارة و عدم حصول التملّك، فحينئذٍ إن لم يكن للمالك بيّنة فيحكم للأجنبي مع يمينه، فإن كان له بيّنة و لم يكن هناك بيّنة للأجنبي فلا إشكال في الحكم للمالك. و إن كانت هناك بيّنة للأجنبي أيضاً يبنى على مسألة تعارض بيّنة الداخل و الخارج، و قد تقدّم تفصيل القول فيه.

و إن كان مدّعي الإجارة الأجنبي و مدّعي الوديعة أو العارية المالك، فالظاهر أنّ القول قول المالك، لأصالة عدم التملّك و لا تعارض بوجود اليد للأجنبي، لما قد عرفت من عدم نفع فيها، و لا بأصالة عدم حصول الإذن من المالك في التصرّف، لأنّ المفروض اتّفاقهما عليه.

و يدلّ على ما ذكرنا مضافاً إلى ما عرفت، ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «في الثوب يدّعيه الرجل في يد رجل [يدي الرجل]، فيقول الّذي هو في يده: هو لك، عندي رهن. و يقول الآخر: [بل] هو لي، عندك وديعة. قال: القول قوله، و على الّذي [هو] في يده [يديه] البيّنة أنّه رهن عنده» (1) فإذا كان القول قول المالك فإذا أقاما بيّنة فلا إشكال في أنّ البيّنة بيّنة الأجنبي، لأنّها بيّنة المدّعي و هي مقدّمة على بيّنة المنكر حسب ما عليه المشهور، هذا.

و لكن حكي عن القواعد و شرحه للفاضل ما ينافي ما ذكرنا و أنّ البيّنة من كلّ منهما بيّنة المدّعي. قال في القواعد في باب الاختلاف في العقود: «و لو ادّعى استيجار العين و ادّعى المالك الإيداع، تعارضت البيّنتان و حكم بالقرعة مع‌

____________

(1) دعائم الإسلام: 2/ 526؛ مستدرك الوسائل: 13/ 424.

1052

..........

____________

تساويهما» (1) انتهى. قال الفاضل في شرحه: «و لو ادّعى استيجار العين و ادّعى المالك الإيداع فكلّ منهما يدّعي عقداً يخالف [مخالفاً] لما يدّعيه الآخر. و إن تضمّن الأوّل تسلّط ذي اليد على المنافع دون الثاني فإذا أقام كلّ منهما بيّنة تعارضت البيّنتان و حكم بالقرعة و اليمين مع تساويهما فيما عرفت و مع نكولهما يقتسمان المنافع بانقسام [باقسام] المدة أو العين في تمام المدة» (2) انتهى ما حكي عنه.

و أنت خبير بأنّه لا معنى للحكم بالتعارض بين البيّنتين مع كون إحداهما بيّنة المدّعي و الأخرى بيّنة المنكر حسب ما عليه المشهور و الفاضلان أيضاً، و مجرّد ادّعاء كلّ منهما عقداً يخالف عقد الآخر لا يجعلهما مدّعيين مع كون الأصل على طبق أحدهما كما عرفت. و من هنا قال الفاضل في الشرح بعد ما عرفت: «و الأقوى أنّ القول قول المالك، و البينة بيّنة الآخر، للاتّفاق على أنّ العين [مع] و المنافع ملك له، فمن يدّعي الاستيجار يدّعي تمليك [تمليكه] المنافع و هو ينكره» 3 انتهى.

و أضعف من الحكم بالتعارض في الفرض، الحكم بتقديم بيّنة المالك من حيث كون بيّنة الأجنبي بيّنة الداخل، حيث إنّ المفروض كون العين في يده. قال في الكشف بعد الحكم بتقديم بيّنة الأجنبي حسب ما عرفت: «و يحتمل العكس بعيداً، بناءً على أنّه ذو يد، و اليد كما ترجّح ملك العين ترجّح ملك المنفعة» 4 انتهى. قال بعض مشايخنا بعد نقل هذا الكلام عنه ما هذا لفظه: «و هو جيّد لكن ينبغي بناء المسألة على تقديم [بيّنة] الخارج و الداخل» 5 انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و لكنّك خبير بأنّه غير جيّد، لأنّا نمنع من ترجيح اليد ملك المنفعة مع إقرار ذيها بكون العين و المنفعة ملكاً للغير الّذي يدّعي خلاف ما يدّعيه و يريد أخذ العين عنه.

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 480.

(2) 2 و 3 و 4 كشف اللثام: 2/ 361.

(3) 5 جواهر الكلام: 40/ 451.

1053

..........

____________

هذا كلّه لو كان التداعي في الإجارة و غيرها بين المالك و الأجنبي.

و أمّا لو كان بين الأجنبيّين بأن ادّعى أحدهما أنّ المالك قد آجرها إلى سنة مثلًا، و الآخر أن المالك أودعنيها أو أعارنيها السنة المزبورة و كان المالك غائباً أو حاضراً مع عدم إمكان الوصول إليه و استعلام الحال منه، فلا إشكال في تعارض البيّنتين منهما فيما لو كانت البيّنة لكلّ منهما، لأنّ كلّاً منهما مدّع لأنّه يدّعي خلاف الأصل، فإن كان هناك ترجيح لإحدى البيّنتين على الأخرى فيحكم به على تقدير القول به، و إلّا فيحكم بالتساقط و الرجوع إلى القرعة مع اليمين أو بدونها. هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه، إنّما الإشكال فيما قد يتوهّم في المقام و فيما ذكر الفاضل في الفرض السابق على القول بتعارض البيّنتين فيه من الحكم بالتنصيف بعد التحالف، فإنّه لا دليل عليه أصلًا، سيّما على الوجه الّذي ذكره الفاضل، فالحكم هو الايقاف بعد التحالف. و من هنا يمكن أن يقال: إنّ انضمام اليمين إلى القرعة في المقام ممّا لا معنى له لعدم ترتّب الفائدة على النكول عنها إلّا على تقدير، فتأمّل (1).

____________

(1) فتنبه، خ ل.

1054

[سماع البيّنة على الملكية و اليد السابقة]

قوله: «لو ادّعى داراً في يد إنسان و أقام بيّنة أنّها كانت في يده» (1) الخ (1).

____________

أقول: الكلام في المقام قد يقع في سماع البيّنة على الملكية السابقة، و قد يقع في سماعها على اليد السابقة مع دعوى المدّعي الملكية الحالية في كلّ منهما.

أمّا الكلام في سماعها في القسم الأوّل و القضاء بها،

فقد تقدّم تفصيل القول فيه في مطاوي كلماتنا السابقة و نشير إليه في المقام على سبيل الاختصار و الإجمال حتّى يكون على ذكر منك، فنقول: الحقّ عدم سماع البيّنة في المقام لعدم مطابقتها للدعوى و عدم إبطالها حيث الإنكار. أمّا الأوّل، فظاهر و أمّا الثاني، فلأنّك قد عرفت سابقاً أنّ البيّنة لا ترفع إنكار المنكر و لا تنفع للمدّعي في صورة عدم المطابقة إلّا أنْ تشهد بشي‌ءٍ على المنكر في الزمان السابق بحيث كان هو نفسه مقتضياً للإلزام عليه في الزمان اللاحق ما لم يتحقّق الرافع له بحيث يعدّ القضاء بها عند العرف قضاءً بالبيّنة من جهة عدم اعتنائهم باحتمال الرافع و هو لا يكون إلّا سبباً يثبت شيئاً على المدّعَى عليه، كالشراء منه إذا شهدت البينة عليه، أو ما هو مسبّب عن هذا السبب الّذي يرجع الشهادة عليه إلى الشهادة على سببه، و منه الاشتغال على السابق كما أنّ من الأوّل الإقرار السابق إذا شهدت البيّنة عليهما. و من المعلوم أنّ الملكية السابقة لا تكون سبباً لإلزام شي‌ء على المدّعَى عليه، و لا مسببة عن سبب كذلك.

لا يقال: إنّ الملكية السابقة لا تتحقّق بدون السبب، فالشهادة عليها شهادة على السبب، فلا بدّ من أن تكون مسموعة حسب ما بنيت عليه.

لأنّا نقول أوّلًا: إنّ الشهادة على الملكية السابقة لا يلزم أن تكون من جهة‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 899.

1055

وجدان السبب، لاحتمال استنادها إلى اليد و نحوها. و ثانياً: سلّمنا لزوم استنادها إلى السبب، لكن من المعلوم الّذي عرفته سابقاً أنّ سبب الملكية السابقة للمدّعي أعمّ من أن يثبت شيئاً على المدّعَى عليه، لاحتمال كونه هو الشراء من غير المدّعَى عليه، فليست هي شهادة عليه فلا دليل على سماعها.

فإن قيل: الشراء من غير المدّعىٰ عليه أيضاً على تقدير ثبوته سبب و مقتض لملكية المدّعي ما لم يتحقّق الرافع عنه، فالشهادة عليه شهادة على المقتضي و السبب.

قلنا: إنّ الشراء الواقعي عن مالكه الواقعي و إن كان سبباً لاقتضاء الملكية في الزمان اللاحق أيضاً إلّا أنّ البيّنة عليه لما لم تكن بيّنة على المدّعَى عليه لم تسمع.

نعم، لو قيل بسماعها أثبت شيئاً على المدّعَى عليه لكن إثبات كونها بيّنة على المدّعى عليه بسماعها دور ظاهر، لأنّ المفروض أنّ سماعها أيضاً يتوقّف على كونها على المدّعَى عليه.

لا يقال: إنّ من المقرّر في محلّه أنّ كلَّ ما كان الإقرار به من المدّعَى عليه نافعاً كانت البيّنة عليه مسموعة و مقبولة، و من المحقّق عند المحقّقين بل عند الجميع، حسب ما حكي، و إن استشكل فيه بعض، أنّ إقرار المدّعَى عليه بالملكية السابقة للمدّعي ممّا يلزم به و يؤاخذ عليه و يقضى به، فليكن البيّنة عليها كالإقرار بها للملازمة المذكورة.

لأنّا نقول: نمنع الكلية المذكورة. أو نسلّمها و نقول: إنّ الانتفاع بالإقرار إنّما هو من حيث إنّه إقرار، فهذا النفع من لوازم موضوع الإقرار و من المعلوم الّذي لا ريب فيه أصلًا أنّ المقصود من الكلية المذكورة بالنسبة إلى غير هذا الانتفاع. و قد أشرنا إلى ذلك في كلماتنا السابقة و تكلّمنا فيه بعض الكلام فراجع عليه. أمّا إنّ هذا النفع من لوازم موضوع الإقرار لأنّه بنفسه مقتض و سبب لإلزام المقرّ به و لو كان في‌

1056

الزمان السابق فيكون كالبينة على الاشتراء من المدّعَى عليه، بل أقوى منه ببعض الاعتبارات.

فإذاً لم يبق في المقام إلّا استصحاب الحاكم و لعمري إنّه أوهن من بيت العنكبوت. أمّا أوّلًا: فلعدم الدليل على ثبوت المستصحب بعد ما عرفت من عدم الدليل على سماع البيّنة. و إن أريد إثبات سماعها بكونها مطابقة للدعوى بضميمة الاستصحاب لم يخل عن الدور كما لا يخفى. و أمّا ثانياً: فلعدم جواز القضاء بالاستصحاب لو فرض هناك دليل على ثبوت المستصحب كأن يدّعى أنّ مقتضى ما دلّ عموماً على العمل بالبيّنة و تصديقها جواز العمل بها للحكم في غير مقام القضاء فيستصحب مقتضاها. و أمّا ثالثاً: فلعدم جواز القضاء به في مقابل اليد و إن قلنا بجواز القضاء به في الجملة، ضرورة حكومة اليد على الاستصحاب.

ثمّ إنّ من التأمّل فيما ذكرنا يظهر لك ضعف متمسّك المصنّف (1) و الشيخ (رحمه الله) في أحد قوليه (2)، لما ذهبوا إليه من جواز القضاء بالبينة على الملكية السابقة، و هو أنّ الملكية السابقة أولى من اليد الحالية لدلالتها على الملك في الحال مع انفرادها بالزمان السابق، فيكون أرجح من اليد. و أمّا المطابقة فموجودة بعد استصحاب الحاكم.

ثمّ إنّ الفرق بين المسألة و ما ذكره المصنّف و تقدّم في مسألة القديم و الأقدم الموجب للإعادة و المصحّح لها هو ما ذكره في المسالك من أنّ الكلام في المسألة السابقة إنّما كان في حكم تعارض البيّنة التي تشهد بالملكية السابقة و البيّنة التي تشهد على الملكية اللاحقة الفعلية، و في المقام في حكم تعارض البينة التي تشهد بالملكية السابقة مع اليد. فالكلام في إحدى المسألتين لا دخل له بالكلام في‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 899.

(2) راجع المبسوط: 8/ 269 و 299؛ و الخلاف: 6/ 339 و 345.

1057

الأخرى كما لا يخفى. قال في المسالك بعد نقله دليل المصنّف لما ذهب إليه حسب ما عرفته ما هذا لفظه: «و قد تقدّم البحث فيه. و الفرق بين هذه و السابقة الموجب لإعادة البحث، أنّ المعارضة في هذه بين اليد المتحقّقة و اليد السابقة الثابتة بالبينة أو الملك السابق كذلك، و السابقة وقع فيها التعارض بين البيّنتين الدالة إحداهما على اليد في الحال مع عدم ظهورها في غيره، و الأخرى على الملك السابق. فلا تعرض فيها للمعارضة بين اليد السابقة و الحالية» (1) انتهى كلامه.

و ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) فرقاً آخر بين المسألتين فإنّه قال في جملة كلام له يطعن فيها على ما ذكره في المسالك و يستغرب عنه ما هذا لفظه: «و بالجملة، لا يخفى على من تأمّل كلمات الجميع ما فيها من الخلط و الخبط في موضوعات المسائل، إذ من المعلوم أنّ المراد من [في] المسألة السابقة التي قدّمنا فيها بيّنة الملك القديم على بيّنة الملك الحادث، كون كلّ من البيّنتين تشهد بالملك فعلًا للمال الخارج عنهما و تتعارضان في ذلك، و لكن إحداهما تشهد مع ذلك بملك سابق لا تعارضها الأخرى فيه، فترجح حينئذٍ أو يبقى استصحابه سالماً عن المعارض، و هذه غير الشهادة بالملك أمس فقط أو باليد السابقة الدالة عليه» (2) انتهى ما أردنا نقله.

و أنت خبير بأنّ ما ذكره من الفرق و إن كان هو الفارق بين المسألة السابقة و المقام في كلام غير المصنّف من الأصحاب إلّا أنّه لا دخل له بكلام المصنّف، لأنّك قد عرفت سابقاً أنّ المستفاد من كلام المصنّف في تلك المسألة هو كفاية قيام البيّنة على الملكية السابقة و إن لم تتعرّض للملكية الحالية أصلًا حسب ما صرّح به في‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 101.

(2) جواهر الكلام: 40/ 454 455.

1058

المسالك (1)، فالفرق بينهما على هذا التقدير ليس إلّا ما ذكره في المسالك. هذا، مضافاً إلى أنّ اشتراط خروج المال عن يد المدّعيين في المسألة السابقة ممّا لم يعهد عن أحد، بل الظاهر منهم خلافه. و لهذا ذكروا مسألة تعارض القديم و الأقدم مع الدخول و الخروج كما عرفت تفصيل القول فيها فلا معنى لأخذه في بيان الفرق كما صنعه، و اللّٰه العالم. هذا مجمل القول في المقام الأوّل، و هو ما لو قامت البيّنة على الملكية السابقة.

و أمّا لو قامت على اليد السابقة مع كون دعوى المدّعي الملكية الحالية،

فالذي يظهر من الشيخ في أحد قوليه (2) و المصنّف (3) و بعض من تبعهما، سماعها أيضاً، و لكنّ الأكثرين على عدم سماعها أيضاً، فهذه الصورة كالصورة الأولى عندهم في الحكم.

إلّا أنّه يظهر من العلّامة في القواعد سماعها مع قوله بعدم السماع في الصورة الأولى، حيث قال بعد الحكم بعدم السماع فيما لو شهدت بالملكية السابقة مع عدم التعرض للحال الثاني أصلًا: «و لو شهد أنّه كان في يد المدّعي بالأمس قُبل، و جعل المدّعي صاحب يد. و قيل لا يقبل، لأنّ ظاهر اليد الآن (4) الملك فلا يدفع بالمحتمل» (5) انتهى كلامه.

و قد حكم بعض مشايخنا بعد نقله ما عرفته من القواعد بالتدافع بين الكلامين و تنافيهما (6).

و استشكل في محكي الإرشاد في الحكم بالسماع في الصورة بعد جزمه بعدمه‌

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 101.

(2) راجع المبسوط: 8/ 269 و 299؛ و الخلاف: 6/ 339 و 345.

(3) شرائع الإسلام: 4/ 899.

(4) الآنية، خ ل.

(5) قواعد الأحكام: 3/ 490. و صاحب القيل هو الشيخ في المبسوط: 8/ 304.

(6) جواهر الكلام: 40/ 452.

1059

في الصورة السابقة حيث قال: «و لو شهدت [شهد] أنّه كان في يده أمس [بالأمس] ثبتت اليد و انتزعت من يد الخصم على إشكال» (1) انتهى كلامه.

لا إشكال في دليل القول بالسماع على تقدير القول به في الصورة السابقة بناءً على كفاية الشهادة باليد حسب ما هو قضية كلماتهم، كما أنّه لا إشكال في دليل القول بعدم السماع كما عن الأكثرين. إنّما الإشكال في دليل التفصيل بين الصورتين و الحكم بعدم السماع في السابقة مع الحكم به في المقام، فقد يقال في وجه الفرق:

إنّ الشهادة على اليد السابقة مع قطع النظر عن استصحاب الشاهد تجعل اليد اللاحقة يد غير مالك و أنّه لا بدّ من أن يكون دعوى صاحبها راجعة إلى دعوى الانتقال، أو إلى تكذيب البيّنة فيما تشهد به، فالشهادة في هذه الصورة بنفسها ترفع حيث إنكار المنكر. و هذا بخلاف الشهادة على الملكية السابقة فإنّها لا تلزم شيئاً على المنكر و لا تبطل حيث إنكاره أيضاً، هذا.

و لكنّك خبير بفساد هذا التوهّم، لأنّ الشهادة على الملكية السابقة إن لم تكن أقوى و أعلى من الشهادة على اليد، فلا أقلّ من التساوي، ضرورة أنّه يحتمل في الشهادة على الملكية السابقة الاستناد إلى ما يكون أقوى من اليد في الدّلالة على الملكية كالإقرار و الاشتراء و نحوهما، بخلاف الشهادة على اليد. و من هنا لو قيل بالعكس لكان له وجه.

و الحاصل أنّه لا بدّ من الأخذ باليد اللاحقة ما لم يتحقّق هناك معارض لها و البينة على اليد السابقة لا تصلح أنْ تعارضها لعدم مطابقتها للدعوى، و لا الزامها شيئاً على المدّعَى عليه، لأنّ مجرّد كون الشي‌ء في يد غيره سابقاً لا يلزم شيئاً عليه. و من هنا يكون إثباته بالبيّنة و لو بضميمة استصحاب الحاكم دورياً كما لا يخفى. و إلى ما ذكرنا لا بدّ أن يرجع ما ذكروه في دليل المنع من أنّ ظاهر اليد الآنية‌

____________

(1) إرشاد الأذهان: 2/ 150.

1060

الملك، فلا يدفع بالمحتمل، فتأمّل، هذا.

و لشيخنا الأستاد العلّامة دام ظلّه العالي تحقيق في المقام و تفصيل في الكلام لا بدّ من التعرّض له، و هو أنّ المراد من السماع و عدمه في البينة على اليد السابقة إن كان هو القضاء بها و عدمه، كما هو ظاهر المتن و جملة من كتب الجماعة، فالحق هو ما عرفت من عدم التفرقة بين المقامين، و إن كان هو جعل المدّعي منكراً و قلب الدعوى، و الحكم بكون ذي اليد الحالية مدّعياً كما هو ظاهر القواعد و أظهر منه عبارة الإرشاد و لا ينافيه الحكم بالانتزاع ممّن ينكر اليد السابقة، لأنّ المراد من الانتزاع ليس هو القضاء، بل مجرّد أخذ العين من يده حتّى يقيم البيّنة أو يحلف المنكر. و به يندفع ما أورده بعض مشايخنا (1) على القواعد من التدافع بين الموضعين منه كما لا يخفى، حيث إنّ التدافع إنّما يلزم لو كان المراد من الانتزاع هو القضاء فالحق ثبوت الفرق بين المقامين، سواء شهدت البينة باليد السابقة مع انضمام قولها:

(و لا أعلم لها مزيلًا شرعياً)، أو بدونه، لأنّ نفس دعوى كون الشخص منكراً دعوى ملزمة يترتّب عليها فائدة مقصودة و البيّنة على اليد السابقة ممّا يلزم شيئاً على ذي اليد بالنسبة إلى هذه الدعوى، فلا بدّ من الحكم بسماعها. هذا ملخّص ما أفاده دام ظلّه من التحقيق و التفصيل.

و فيه: مضافاً إلى أنّ الظاهر من كلماتهم هو القضاء بالبينة على اليد السابقة لا قلب الدعوى حتّى من كلام الفاضل في الكتابين أيضاً، لأنّه و إن كان ربما يظهر منهما في بادي النظر ما ذكره الأستاد العلّامة إلّا أنّ مقتضى التأمّل فيهما موافقتهما لغيرهما في المراد من السماع في المقام أنّ البينة على اليد السابقة لا تنفع في شي‌ء أصلًا حتّى بالنسبة إلى جعل المدّعي منكراً، لأنّ المقصود إن كان هو الحكم بكونه منكراً في الزمان السابق و قبل الدعوى، فمن المعلوم أنّه لا يترتّب عليه شي‌ء‌

____________

(1) و هو صاحب الجواهر في جواهر الكلام: 40/ 452.

1061

أصلًا. و إن كان المقصود هو الحكم به في زمان الدعوى، فمن المعلوم عدم مطابقتها للمدّعى كما لا يخفى. و التشبّث بذيل استصحاب الحاكم و الاتّصال بحبله ممّا لا يجدي في شي‌ء.

و القول بأنّ نفس البينة على اليد السابقة يلزم شيئاً على المدّعَى عليه بخلاف البينة على الملكية، ممّا لم يفهم له معنى، لأنّك قد عرفت أنّ المنكرية قبل الدعوى ممّا لا يجدي في شي‌ء أصلًا. نعم، لا إشكال في سماع البينة على اليد السابقة بضميمة قولها: (و لا أعلم لها مزيلًا شرعياً)، سواء كان المقصود القضاء بها أو غيرها، لأنّها مطابقة للدعوى، حسب ما عرفت تفصيل القول فيه. فهذا الفرض خارج عن محلّ البحث. هذا، مضافاً إلى أنّه قد يتأمّل في سماع دعوى كون المدّعي منكراً، فتأمّل.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ استصحاب الحاكم فيما لا يترتّب إلزام على مجرّد البيّنة على الملكية السابقة ممّا لا يسمن و لا يغني من جوع. نعم، لا إشكال في سماع البينة على الملكية الآنية و لو بضميمة الاستصحاب، أو على الملكية السابقة مع ضميمة قولها: (و لا أعلم لها مزيلًا) التي ترجع إلى الشهادة على الملكية الآنية بضميمة الاستصحاب، كما تقدم تفصيل القول فيه.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ هنا إشكالًا ربما يورد على ما ذكرنا لم أعلم سبق غير الأستاد العلّامة إليه، و هو أنّ الاستصحاب في مقابل اليد الفعلية إن كان معتبراً و لم يحكم بحكومة اليد عليه فلم لا يجوز استناد الحاكم إليه. و إن لم يكن معتبراً في مقابلها مستنداً إلى الحكومة المذكورة، فكيف تسمع شهادة من يعلم استناده إليه أو يصرّح بالاستناد، و كيف يجوز شهادته، مع أنّ النسبة بين مقام العمل و مقام أداء الشهادة إمّا هو الأعم مطلقاً كما هو الحق، بمعنى أنّ كلّ ما يجوز الاستناد إليه في مقام أداء الشهادة يجوز عمل الشاهد عليه و لكن لا عكس، و لهذا لا تسمع الشهادة‌

1062

على الشهادة، أو التساوي كما هو قضية كلام جماعة. هذا ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة من الإشكال.

و تفصّي عنه بما حاصله المنع من اعتبار اليد في مقابل الدعوى، مع العلم بكون دعوى المدّعي موافقة للواقع في زمان و عدم الملازمة بين جواز استناد الشاهد إلى الاستصحاب في الشهادة و استناد الحاكم إليه في القضاء.

توضيح ذلك على سبيل الإجمال و الاختصار بحيث لا يورث الملال و لا يبقى في المقام بعده شبهة و لا إشكال بعون الملك المتعال هو: أنّه لا ريب عند ذوي الأفهام المستقيمة أنّ اعتبار اليد و كونها دليلًا على الملك ليس من باب أصالة الصحّة في تصرّف المسلم كما توهّمه جماعة، و عليه كان بناؤنا أيضاً في سالف الزمان، و لا بمعنى السلطنة، و إلّا لم يكن معنى للحكم بالملكية من جهتها فيما لا يجري فيه الصحّة و الفساد و لا السلطنة كما في يد اللقيط، فإنّها ليس لها صحّة و فساد و تسلّط، و مع ذلك يحكمون بكونه مالكاً لما احتوت عليه يده بلا إشكال، بل من باب ظهورها في الملكية الناشئ من الغلبة في الأيدي. و هذا الظهور من الظواهر المعتبرة عند أهل العرف و العقلاء قد أمضاه الشارع أيضاً من جهة ما يراه من المصالح كما في أكثر الطرق الشرعية في الأحكام و الموضوعات. فحينئذٍ نقول على سبيل الضابطة: إنّه إذا كان مال بيد أحد و شكّ في ملكيته له فلا يخلو إمّا أن يعلم أنّ يده عليه قبل زمان الشك يد عارية أو وديعة أو غصب أو نحوها من أنحاء يد غير المالك، أو لا يعلم ذلك.

فإن كان من القسم الأوّل،

فلا إشكال في عدم الحكم بالملكية له ما لم يدّع الملكية. ففي هذه الصورة يعمل بالاستصحاب من دون ريب و يحكم ببقاء اليد على ما كانت عليه، لأنّ هذا القسم من اليد قد خرجت من الغلبة المذكورة فيحكم ببقائها على ما كان، فيشخّص بالاستصحاب من باب الحكومة أنّ اليد في الزمان اللاحق‌

1063

هي اليد في الزمان الأوّل. فهذا نظير الأخذ باستصحاب حكم المخصّص بعد الشك في بقائه إذا لم يكن للمخصّص عموم زماني. و إن ادّعى الملكية، ففيه تفصيل ستطّلع عليه إن شاء اللّٰه.

و إن كان من القسم الثاني،

فلا يخلو أيضاً إمّا أن لا يعلم بأنّ له مالكاً غيره أصلًا، أو يعلم ذلك. و على التقديرين فلا يخلو أيضاً إمّا أن يدّعي ملكيته، أو لا.

على التقديرين أيضاً إمّا أن يدّعي ملكيته غيرُه، أو لا. لا إشكال في الحكم من جهة اليد بالملكية و العمل بمقتضاها ما لم يقم هناك ما هو حاكم عليها في القسم الأوّل، سواء ادّعى الملكية أم لا، و سواء لم يكن هناك من يدّعي الملكية، أو كان، كما أنّه لا إشكال في الحكم بالملكية من جهة اليد و ترتّب آثار الملك على ما تكون عليه إذا لم يكن هناك من يدّعيه غير ذي اليد، أو كان و لم يكن من علم بملكيته له سابقاً في القسم الثاني. سواء ادّعى ذو اليد الملكية أيضاً، أو لا، على إشكال في الأخير يجري في هذا القسم من القسم الأوّل أيضاً. و أمّا إذا كان هناك من يدّعيه و كان هو المالك الأوّلي فالذي يقتضيه التحقيق في المقام هو عدم جواز العمل باليد، بل لا بدّ من العمل بالاستصحاب و جعل ذي اليد مدّعياً و الحكم بكون غيره منكراً.

و الدليل على ما ذكرنا مضافاً إلى جريان السيرة عليه عدم ظهورها في الملكية في الفرض و عدم دليل صالح على جعلها طريقاً إلى الملك في الفرض، لأنّ الدليل عليه إن كان الإجماع قولًا و عملًا فمعلوم عدم تحقّقه في المقام، إن لم ندّع أنّه على الخلاف. و إن كان غيره من الأخبار، فالظاهر منها غير هذا الفرض.

فنحن نذكر جملة منها في هذا المضمار حتّى تعلم حقيقة الحال و لا يبقى بعد التأمل فيها للشبهة مجال.

فمنها: خبر حفص بن غياث المروي في الكتب الثلاثة، و فيه: «أ رأيت إذا رأيت في يد رجل شيئاً أ يجوز أشهد أنّه له؟ فقال: نعم. قلت: فلعلّه لغيره. قال: و من أين‌

1064

جاز لك أن تشتريه و يصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك من قبله. ثمّ قال: و لو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق» (1).

و منها: الخبر المروي في الوسائل عن تفسير علي بن إبراهيم (2) صحيحاً، و عن الاحتجاج (3) مرسلًا عن مولانا الصادق (عليه السلام) في حديث فدك: «أنَّ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم اللّٰه تعالى في المسلمين؟

قال: لا. قال: فإن كان في يد المسلمين شي‌ء يملكونه ثمّ ادّعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟ قال: إيّاك كنت أسأل البينة على ما تدّعيه. قال له: فإذا كان في يدي شي‌ء فادّعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي؟ و قد ملكته في حياة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و بعده و لم تسأل المؤمنين على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم» الخبر (4).

و منها: موثقة يونس بن يعقوب: «في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل يموت قبل المرأة، قال له: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة. و ما كان من متاع الرجل و النساء فهو بينهما. و من استولى على شي‌ء منه فهو له» (5) إلى غير ذلك من الأخبار التي ادّعوا دلالتها على اعتبار اليد.

أمّا ظهور الأخيرين في صورة عدم المعارضة مع العلم بسبق الملك للمدّعي‌

____________

(1) الكافي: 7/ 387؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 51؛ تهذيب الأحكام: 6/ 262؛ وسائل الشيعة: 27/ 292 293، مع اختلافات كثيرة فيها.

(2) تفسير علي بن إبراهيم القمي: 2/ 156.

(3) الاحتجاج: 1/ 122.

(4) وسائل الشيعة: 27/ 293.

(5) تهذيب الأحكام: 9/ 302؛ وسائل الشيعة: 26/ 216.

1065

فظاهر (1). و من هنا يسقط الاستدلال للعموم بترك الاستفصال حيث إنّه فيما لم يكن هناك ظهور بالنسبة إلى بعض الصور في المقال.

و أمّا الأوّل، فقد يقع الكلام في دلالة ذيله، و قد يقع في دلالة صدره، حيث إنّ كلّاً منهما ممّا يدلّ على اعتبار اليد في الجملة و يتوهّم دلالته على المدّعَى.

أمّا ذيله، فالظاهر أنّه لا دلالة له على المدّعَى أصلًا حيث إنّه في قوة التعليل لجواز الشراء و المعاملة مع ذي اليد في الجملة، لا لجواز الشهادة، و لا لجواز الشراء منه و لو مع العلم بكون ما في اليد للغير سابقاً مع ادّعاء الغير؛ لعدم إيجاب عدم جوازهما المحذور المذكور. و من هنا قد يمنع من دلالته على اعتبار اليد مطلقاً و في نفسها و إن لم تنضمّ إليها دعوى الملكية من ذي اليد، أو عرض ما في اليد معرض الشراء و نحوه ممّا هو في قوّة دعوى الملكية، فإنّ المحذور اللازم إنّما هو على تقدير عدم جواز المعاملة مع ذي اليد بقول مطلق و لو مع دعوى الملكية، أو ما هو بمنزلتها لا مطلقاً و لو في صورة عدم الدعوى و العرض معرض الشراء. فالمقصود أنّه لو لا جواز المعاملة السوقية للزم المحذور المذكور.

و القول بأنّ المشار إليه هو الشراء الخاص أي الشراء من جهة اليد، فيدلّ على اعتبار اليد، فيه ما لا يخفى، لأنّ استناد جواز الشراء إلى اليد المستفاد من صدر الرواية لا يوجب ظهور الذيل في اعتبار نفس اليد، ضرورة أنّ الاستناد المذكور ليس من خصوصيات الشراء و قيوده حتّى يقال بأنّ المشار إليه هو الشراء الخاص.

فإذا لم يدلّ الذيل على اعتبار اليد من حيث هي و لو لم ينضمّ إليها شي‌ء، فلا يدلّ على اعتبارها في صورة المعارضة و الفرض بالأولوية القطعية، فتأمّل.

و أمّا صدره، فإن كان له ظهور في أنّ جواز الشراء من جهة نفس اليد، و لهذا‌

____________

(1) فيه تأمّل (منه (قدس سره)).

1066

حكم الإمام (عليه السلام) بجواز الشهادة من جهتها من جهة الملازمة المذكورة في الرواية فيدلّ على اعتبار اليد من غير ضميمة أصلًا حسب ما هو قضية ظاهر كلماتهم و الخبرين الآخرين، إلّا أنّه لا ظهور له بالنسبة إلى الفرض. و التمسّك بترك الاستفصال كما صدر عن بعض ممّا يمكن التأمّل فيه، فتأمّل. مضافاً إلى أنّه لو كان له ظهور فيمكن صرفه بملاحظة كلماتهم الظاهرة في جواز الشهادة مستنداً إلى الاستصحاب في المقام و بجريان السيرة على عدم العمل بها في الفرض.

فالحاصل أنّ اليد إنّما هي حجّة و حاكمة على أصالة عدم تملك ذيها. و أمّا بالنسبة إلى استصحاب ملكية الغير، فإنْ لم ينضمّ إليه دعوى الغير فالظاهر أنّه لا إشكال في حكومة اليد على الاستصحاب أيضاً و إن كان ربما يتأمل فيه. و إن انضمّت إليه دعوى المالك السابق، فالظاهر حينئذٍ سقوط اليد من الاعتبار.

فالمسقط لاعتبار اليد شرعاً و عرفاً هو نفس دعوى المالك السابق في الفرض فيعمل بالاستصحاب لسقوط اليد من الاعتبار بالدعوى، فلا يقال حينئذٍ إنّه إن كان للاستصحاب صلاحية المعارضة مع اليد و التقديم عليها فأيّ فرق بين صورة وجود الدعوى من المالك السابق و عدمه. و إن لم يكن له صلاحية المعارضة مع اليد من جهة حكومتها عليه كما هي قضية التحقيق، فأيّ فرق بين الصورتين؟ فإن قلت: ما ذكرته من الإشكال فإنّه مبني على جواز الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب و القضاء بها، و هو ممنوع، لأنّه لا يجوز الاستناد في الشهادة إلّا إلى ما يفيد العلم لأخبار كثيرة. مع أنّ في الروايات ما يدلّ على عدم جواز الاتّكال و الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب كما في ذيل صحيحة معاوية بن وهب:

«قال: قلت: الرجل يكون له العبد و الأمة فيقول: أبق غلامي و أبقت أمتي فيؤخذ [فيوجد] في البلد فيكلّفه القاضي البينة أنّ هذا غلام فلان لم يبعه و لم يهبه، أ فنشهد على هذا إذا كلّفناه و نحن لم نعلم أنّه أحدث شيئاً؟ فقال: كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به» (1) و كما في رواية أخرى عنه: «قلت‌

____________

(1) الكافي: 7/ 387 388؛ تهذيب الأحكام: 6/ 263؛ وسائل الشيعة: 27/ 336 337.

1067

له: ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثاً و أنّه ليس له وارث غير الّذي شهدنا له. فقال: اشهد بما هو علمك. قلت له: إنّ ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس. فقال: احلف إنّما هو على علمك» (1).

قلت أوّلًا: إنّ الخدشة في جواز الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب و الحكم بمقتضى البينة المستندة إليه و التأمّل فيه كما صدر عن بعض الأصحاب في غاية الظهور من الفساد، لاتفاق كلمتهم ظاهراً على جوازه و جواز الحكم بمقتضى البينة المستصحبة. كما يظهر ممّا ذكروه في القضاء بالشهادة على الملكية السابقة مع قول الشاهد: (و لا أعلم له مزيلًا)، حيث إنّ ظاهرهم عدم الخلاف في القضاء به و من غيره ممّا ذكروه في المقام و في باب الشهادة، فراجع إلى كتبهم حتّى تقف على حقيقة الأمر. هذا، مضافاً إلى دلالة جملة من الروايات عليه سيأتي ذكرها إن شاء اللّٰه في محله.

و أمّا ما ذكر من الروايتين، فشي‌ء منهما لا يدلّ على عدم جواز الاستناد إلى الاستصحاب في الشهادة؛ أمّا الثاني فظاهر، لأنّ المراد به ما علمت به سابقاً أو تعلم العمل به. هكذا ذكره الأستاد العلّامة. و أمّا الأوّل، فلأنّ الظاهر منه كما لا يخفى لكلّ من تأمّل فيه هو جواز الاستناد إلى الاستصحاب في الشهادة، لأنّ المراد من قوله (عليه السلام): «كلّما غاب من يد المرء المسلم» الخ (2)، ليس هو إنشاء الحكم بعدم جواز الاستناد و عدم جواز الشهادة، بل إنشاء التعجّب و التوبيخ على عدم جواز الشهادة و أنّه كيف يمكن أن يكون الأمر كذلك، سيّما بملاحظة توصيف المرء بالمسلم و قوله: «لم تشهد» لأنّ المناسب للمعنى الأوّل كما لا يخفى «لا تشهد» فهو في معنى الاستفهام الإنكاري، فهو قريب من قوله في بعض روايات اليد: و لو لا هذا لَمٰا‌

____________

(1) الكافي: 7/ 387؛ تهذيب الأحكام: 6/ 262؛ وسائل الشيعة: 27/ 336.

(2) في صحيحة معاوية بن وهب السابقة.

1068

قام للمسلمين سوق (1) في دلالته على الكبرى الكلية.

و بالجملة لا ينبغي التأمّل في ظهور الرواية صدراً و ذيلًا في المدّعَى، سيّما بملاحظة بعض الأخبار الأخر الوارد بهذا المضمون الظاهر في جواز الاستناد.

و ثانياً: إنّ كلامنا في المقام إنّما هو على تقدير ثبوت جواز الاستناد، فالإشكال الّذي ذكرنا إنّما هو على تقدير القول به، فلا معنى بعده لأن يقال: إنّه لا دليل على جواز الاستناد. فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه لا إشكال في جواز العمل باليد في صورة عدم المعارضة مع ظهور شي‌ء من ذي اليد يدلّ على ملكية ما في يده كدعوى الملكية أو التصرّف فيه تصرّف الملّاك، كما أنّه لا إشكال في عدم جواز الاستناد إليه في صورة المعارضة مع العلم السابق. و أمّا العمل بها مع قطع النظر عن انضمام شي‌ء إليها، ففيه إشكال عند الأستاد العلّامة إلّا أنّك قد عرفت أنّ الحق هو العمل باليد حينئذٍ أيضاً.

فإن قلت: لو كان الأمر كما ذكرت من جواز استناد الشاهد في الشهادة إلى الاستصحاب و جواز القضاء أيضاً من الحاكم، لجاز للحاكم القضاء على ذي اليد فيما لو علم بالملكية السابقة للمدّعي و إن كان شاكّاً في الملكية الحالية، لأنّ علم الحاكم مع الاستصحاب ليس بأدون من البيّنة الاستصحابية.

قلت: لا ملازمة بين جواز القضاء بالبينة الاستصحابية، و بين جوازها بالعلم بالمدّعى في السابق بضميمة الاستصحاب، لأنّ القضاء بالأوّلي قضاء بالبينة لمطابقتها مع المدّعَى و لو بالاستناد إلى الاستصحاب. و هذا بخلاف الثاني، فإنّ القضاء فيه قضاء بالاستصحاب حيث إنّ العلم بالمدّعى في غير زمان المدّعى ليس مطابقاً له، فهو لا ينفع أصلًا. و التطبيق بالاستصحاب يرجع إلى القضاء به كما لا يخفى.

____________

(1) كما في خبر حفص المذكور.

1069

فالقضاء بالعلم في الصورة كالقضاء بالبينة على الملكية السابقة بضميمة استصحاب الحاكم في كون كلّ منهما غير مطابق للدعوى و لا يلزم شيئاً على المدّعَى عليه في زمان حتّى ينفع في المدّعَى، ضرورة أنّ العلم بالملكية السابقة لمدّعيها كالبينة عليها في عدم إلزامها شيئاً على المدّعى. و أمّا ما قرع سمعك من جواز القضاء للقاضي بعلمه فإنّما هو بالنسبة إلى علمه في حال الدعوى الّذي هو طريق إلى الحق قهراً و انجعالًا حسب ما هو قضية عدم قابليته للجعل.

نعم، لو تعلّق علم الحاكم في الزمان السابق بما يكون نافعاً في الدعوى و ملزماً على المدّعَى عليه، كما إذا تعلّق بسبب الاشتغال، أو الإقرار منه، أو الاشتراء منه أيضاً إلى غير ذلك، كان القضاء به بضميمة الاستصحاب جائزاً كالقضاء بالبينة التي تشهد بهذا الأمر كما عرفت تفصيل القول فيه. و بالجملة، علم الحاكم بالملكية السابقة كالبيّنة عليها فيما يجوز القضاء به و ما لا يجوز به، لا كالبينة على الملكية الحالية و لو كانت مستندة إلى الاستصحاب.

فإن قلت: لو كان الأمر كما ذكرت من عدم اعتبار اليد فيما لو علم بخلافها في السابق مع معارضة من علم بكون ما في اليد ملكه سابقاً، بل المعتبر حينئذٍ الاستصحاب فلا بدّ من أن يحكم الحاكم في الصورة فيما لو كان عالماً بإقامة البينة على ذي اليد لا على المدّعي، لأنّ المفروض أنّ الأصل الّذي يرجع إليه في العمل هو الاستصحاب المطابق لقول المدّعي، لا اليد المطابقة لقول ذيها. فتنقلب الدعوى بمجرّد علم الحاكم، مع أنّه لم يعهد من أحد الالتزام به.

قلت: لا ملازمة بين جواز العمل بالاستصحاب في الواقع و ترتيب أحكام ملك المدّعي على ما يعلم بملكيته له سابقاً في الصورة، و بين جواز إلزام ذي اليد بالبيّنة، لأنّ المفروض عدم حجية العلم على ذي اليد و عدم إيجابه شيئاً عليه حتّى يصحّ رفع أحكام يده بالنظر إلى ما يرد عليه. فإلزام ذي اليد بالبينة مع عدم قيام حجّة عليه كالقضاء عليه في الفرض المزبور و إن هذا إلّا كالبيّنة على الملكية السابقة فإنّها‌

1070

و إن لم يجز القضاء بها من حيث عدم كونها حجة على المدّعَى عليه، إلّا أنّه يجوز العمل بمقتضاها للحاكم و غيره أيضاً لو قلنا بثبوت ما دلّ بالعموم على وجوب تصديق البينة في أعمال النفس و إن لم تكن مطابقة للدعوى. فتعمل بها بضميمة الاستصحاب في زمان الدعوى و يحكم بأنّ الأصل مع المدّعي، إذ لا فرق في جريان الاستصحاب بين ثبوت المستصحب في الزمان السابق بالعلم، أو بما هو قائم مقامه مع أنّك لا تحكم بقلب الدعوى فيها. و إن أبيت إلّا عن ثبوت الفرق بينهما أو الالتزام بالإشكال المزبور فيهما بأن تقول: إنّ تشخيص المدّعي و المنكر إنّما هو بالنظر إلى نظر الحاكم من حيث كون قول أحد المتداعيين مخالفاً للأصل الّذي يجب العمل به باعتقاد الحاكم أو موافقاً له، فلا نتحاشى من الالتزام بالقلب في المقام، و اللّٰه العالم بحقائق الأحكام.

و حاصل ما ذكرنا من أوّل المسألة إلى هنا أنّه لو لم يكن هناك علم سابق على خلاف اليد، أو كان و لم يكن هناك معارضة ممّن يعلم بسبق ملكه، فلا إشكال في الالتزام بمقتضى اليد و العمل عليها مع دعوى ذي اليد الملك، أو تصرّفه فيه تصرّف الملّاك في الصورتين. كما أنّه لا إشكال في عدم جواز العمل عليها لو كان هناك علم سابق على خلافها مع دعوى المالك السابق و معارضته بل العمل حينئذٍ على الاستصحاب.

و أمّا لو لم يكن في الصورتين الأوليين دعوى الملكية من ذي اليد و لا التصرّف منه تصرّف الملّاك

بل كان مجرّد اليد، ففي العمل بها إشكال، لعدم دليل يمكن الركون إليه لكون اليد في نفسها دليل الملك، لأنّه ليس ما يصلح له إلّا إطلاق صدر رواية حفص (1)، و إطلاق قوله في الموثّقة: «من استولى على شي‌ء‌

____________

(1) الكافي: 7/ 387؛ كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 51؛ تهذيب الأحكام: 6/ 262؛ وسائل الشيعة: 27/ 292 293.

1071

منه» (1) الّذي هو بمنزلة القاعدة الكلية، و هما لا يصلحان له و لا يجوز التمسّك بهما بعد البناء على عدم جواز العمل باليد في صورة المعارضة ممّن يعلم بملكيته في السابق.

أمّا الأوّل، فلأنّ الظاهر منه الاختصاص بما إذا لم يعلم سبق الملك لغير ذي اليد أصلًا كما يشهد به قوله: «فلعلّه لغيره» (2) فإنّ الظاهر منه عدم العلم بسبق الملك للغير أصلًا فلو سلّم فإنّما هو في الغير الغير المعيّن لا فيه، كما لا يخفى لكلّ من تأمّل في الرواية. فلا يدلّ على أنّ مجرّد اليد دليل على الملك و إن كان هناك علم سابق.

و القول بأن الظاهر منه عدم العلم بالمالك حال وجود اليد و إن علم به في السابق، خلاف الإنصاف.

هذا، مع أنّه لو كان هناك إطلاق فلا بدّ من رفع اليد عنه، فإنّ مورد الرواية السؤال عن جواز الشهادة الّذي يلزمه فرض التداعي، فلو كان له إطلاق لصورة العلم للزم الالتزام و القول بتقديم اليد على الاستصحاب في صورة المنازعة مع العلم مع أنّ المفروض البناء على عدم جوازه، فلا بدّ من الحكم بعدم الإطلاق للرواية.

و بعبارة أخرى: المستفاد من الرواية قاعدة كلية قد أشرنا إليها غير مرّة و هي أنّه كلُّ ما يجوز العمل به يجوز الشهادة استناداً إليه حسب ما صرّح به جماعة أيضاً، و المفروض البناء على [عدم] جواز العمل و الشهادة في صورة العلم بخلاف اليد سابقاً مع دعوى المالك. فلو كان في الرواية إطلاق للزم التدافع فيه كما لا يخفى.

و بمثله يجاب من التمسّك بإطلاق الموثّقة 3. و أمّا رواية فدك 4 فغير منطبقة على القواعد بحسب ظاهرها، لاعتراف الإمام (عليه السلام) بكونه مال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) في زمان حياته و أنّه انتقل إليهم، فيكون مدّعياً، فلا بدّ من توجيهها بما يوافق القواعد. هذا‌

____________

(1) 1 و 3 تهذيب الأحكام: 9/ 302؛ وسائل الشيعة: 26/ 216.

(2) 2 في رواية حفص المتقدمة.

(3) 4 وسائل الشيعة: 27/ 293.

1072

ملخّص ما ذكره دام ظلّه و للتأمّل فيه مجال.

و لنتم الكلام في المقام بذكر كلمات جماعة من أصحابنا الكرام و علمائنا الأعلام ممّا له تعلّق بالمقام، فمنها ما ذكره العلّامة في المختلف، قال في آخر باب الشهادات ما هذا لفظه: «و قال أبو الصلاح: و إذا كان الشاهد عالماً بتملّك غيره داراً أو أرضاً أو غير ذلك، ثمّ رأى غيره متصرّفاً فيها من غير منازعة من الأوّل و لا علم بإذن و لا مقتض لإباحة التصرّف من إجارة أو غير ذلك لم يجز له أن يشهد بتملك واحد منهما لها حتّى يعلم ما يقتضي ذلك في المستقبل. و ليس بجيّد، لأنّ العلم السابق يستصحب حكمه إلى أنْ يظهر المزيل، و التصرّف مع السكوت لا يدلّ على الخروج عن الملكية، بخلاف ما لو شاهد غيره يتصرّف في ملك بغير منازع، و لم يعرف سبق ملك لأحد عنه. فإنّ جماعة من أصحابنا جوّزوا له أن يشهد له بالملك المطلق، أمّا مع سبق العلم بالملك للغير فلا. قال: و إذا غاب العبد أو الأمة عن مالكه لم يجز له أن يشهد بما كان يعلمه من تملّكه لهما، إلّا أن يعلم غيبته لإباق أو إذن المالك. و ليس بجيّد كالأوّل. نعم، إن اعترضه شك في بقاء الملك لم يجز له أن يشهد بأنّه الآن ملكه، بل إنّه كان في ملكه في الزمان الماضي و كأنّ مقصوده ذلك، و حينئذٍ يصحّ ما قاله (رحمه الله)» (1) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و هو كما ترى موافق لما ذكره الأستاد في الجملة. و مراده ممّا ذكره في صورة عروض الشك كما هو ظاهر، ليس مجرّد الشك المعتبر في موضوع الاستصحاب، بل قسم خاص منه، و هو ما يوجب التحيّر و التزلزل بحيث ليس بناء العقلاء على الأخذ بالاستصحاب في مورده و لو بعد ملاحظة الحالة السابقة.

و يقرب منه ما ذكره في القواعد من أنّه لو قال الشاهد: أشهد انّه ملكه بالاستصحاب لم تقبل شهادته، مع قوله عقيبه: لو قال: أشهد انّه كان ملكه سابقاً و لا‌

____________

(1) مختلف الشيعة: 8/ 539 540. مع اختلاف يسير.

1073

أعلم له مزيلًا سمعت شهادته (1)، كما تقدم القول فيه و في توجيهه. و هذا الكلام و إن كان يناقش فيه بناءً على اعتبار الاستصحاب من باب الأخبار، حسب ما عليه جملة من أصحابنا الأخيار من المتأخّرين، إلّا أنّه بناءً على اعتباره من باب بناء العقلاء كما عليه المتقدّمون منهم، فغير بعيد، لأنّه يصحّ أن يقال: إنّ بناءهم في غير مورد من الموارد على عدم العمل بالاستصحاب في أمورهم كما لا يخفى. و يمكن أن يقال إنّ مرجع هذا الكلام إلى اشتراط حصول الظن الشخصي من الحالة السابقة في اعتبار الاستصحاب، فتأمّل.

قال في الوسائل في باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد حتّى يثبت خلافها و جواز الشهادة لصاحبها بعد نقله الأخبار الدالة على ذلك ممّا تقدّم تفصيل القول فيه، ما هذا لفظه: «أقول: لا ينافي هذا ما يأتي في الشهادات من جواز الشهادة باستصحاب بقاء الملك، لأنّ المفروض هناك عدم دعوى المتصرّف الملكية، على أنّه لا منافاة بين جواز الشهادة و بين عدم قبولها، لمعارضة ما هو أقوى منها، و لا بين جوازها و عدم وجوب القضاء قبلها، و تقدّم ما يدلّ على ذلك في ترجيح البيّنات و غير ذلك و يأتي ما يدلّ عليه» (2) انتهى كلامه. و لا يخفى عليك وجه ما ذكره من التوجيهين الأوّلين، سيّما الأوّل منهما، لأنّ مرجعه إلى عدم جواز الشهادة بالاستصحاب في صورة التداعي مع أنّك قد عرفت أنّ القدر المتيقّن من أدلّة جواز الشهادة بالاستصحاب و القضاء بها إنّما هو في صورة المعارضة، فما ذكره ممّا لا معنى له و لا ينطبق على كلام أحد، بل ظاهر كلمات الأصحاب خلافه. و أمّا ما ذكره أخيراً، فمرجعه إلى ما ذكرنا من جواز الشهادة بمقتضى الاستصحاب و القضاء بها في صورة المعارضة و عدمه في غير الصورة. هكذا ذكره الأستاد‌

____________

(1) قواعد الأحكام: 3/ 490.

(2) وسائل الشيعة: 27/ 294.

1074

العلّامة، فتأمّل.

قال الشهيد (رحمه الله) في جملة كلام له ما هذا لفظه: «و قيل: قد يكون ذكر السبب قادحاً في الشهادة، كما لو قال: (أعتقد أنّ هذا ملكه بالاستصحاب)، و إن كان في الحقيقة مستنداً إلى الاستصحاب. و كذا لو صرّح بأنّ هذا ملكه علمته بالاستفاضة.

و هذا ضعيف، لأنّ الشرع جعل الاستفاضة من أسباب التحمّل، فكيف يضرّ ذكرها؟

و إنّما يضرّ [ضرّ] ذكر الاستصحاب إن قلنا به، لأنّه يؤذن بشكّه في البقاء. و لو أهمل ذكره و أتى بصورة الجزم زال الوهم. و لو قيل بعدم الضرر أيضاً كان قوياً» (1) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و قال في موضع آخر من الكتاب: «المعتبر في علم الشاهد حال التحمّل، و لا يشترط استمراره في كثير من الصور؛ كالشهادة بدين، أو ثمن مبيع، أو ملك لوارث، مع إمكان أن يكون قد دفع الدين و ثمن المبيع و باع المورّث، و كالشهادة بعقد بيع أو إجارة مع إمكان الإقالة بعده. و المعتمد في هذه الصور إنّما هو الاستصحاب. أمّا الشهادة على النسب و الولاء، فإنّها على [مع] القطع، لامتناع انتقالهما. و كذا الشهادة على الإقرار، فإنّه إخبار عن وقوع النطق في الزمان الماضي. أمّا الشهادة بالوقف فإن منعنا بيعه فهي [فهو] من قبيل القطع» (2) انتهى كلامه.

و قال في طي قاعدة أخرى بعد كلامه الّذي ذكرنا أوّلًا ما هذا لفظه: «و الحق الصريح أنّ الشاهد إذا ذكر السبب و اقتصر عليه، لم تسمع شهادته، لأنّ هذه الأسباب إنّما تصحّ الشهادة بها إذا أفادت الشهادة القطع، و لم يتعرّض له الشاهد هنا.

و إن ذكر السبب و قال: أنا أشهد بصورة القطع، لم يضر ذكر السبب. و كذا لو صرّح و قال: مستند شهادتي السبب المعيّن الّذي حصل لي منه القطع، أو الّذي تجوز الشهادة به، و كان من أهل المعرفة، فإنّه يسمع الشهادة في الصورتين» (3) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و قد يتوهّم منه أنّه مناف لما ذكره سابقاً، و هو توهّم فاسد يظهر وجهه بالتأمّل.

____________

(1) القواعد و الفوائد: 1/ 370 371.

(2) القواعد و الفوائد: 2/ 141.

(3) القواعد و الفوائد: 1/ 371 372.

1075

[اختلاف المتداعيان في العقد]

قوله: «إذا اتّفقا على استيجار دار معينة شهراً معيّناً، و اختلفا في الأجرة» (1) الخ (1).

____________

أقول: إذا اختلف المتداعيان في عقد فلا يخلو إمّا أن يكون لكلّ واحد منهما بيّنة على ما يدّعيه، أو لا يكون لأحدهما بيّنة عليه، أو يكون لأحدهما بيّنة دون الآخر كما في الاختلاف في الأملاك، فلا بدّ في المقام من التكلّم في حكم كلّ واحد من هذه الأقسام‌

و ليعلم أوّلًا أنّه قد يشتبه كون التداعي في العقد أو الملك من حيث كون متعلّق الدعوى ذا جهتين،

كما في التداعي في عقد الإجارة فيما فرضه المصنّف من المثال و غيره، فلا بدّ من أن يلاحظ أنّ مصبّ الدعوى منهما هل هو العقد أو الملك. فقد يعلم أنّ المقصود من اختلافهما هو أخذ الزائد من مال الإجارة و الفرار عنه بحيث لا غرض لهما إلّا ذلك كما في الأغلب.

و قد يعلم أنّ المقصود من اختلافهما هو إثبات كلّ منهما ما يدّعيه من العقد الخاص لتعلّق غرض له بحيث لا غرض لهما إلّا ذلك. و قد لا يعلم شي‌ء منهما. أمّا الأوّل، فلا إشكال في خروجه عن محلّ الكلام، فإنّ مجرّد ذكر السبب في التداعي لا يخرج الفرض عن التداعي في الاملاك بعد فرض كون المقصود الأصلي هو إثبات المسبّب و هذا أمر واضح قد نبّهنا عليه في غير موضع من كلماتنا السابقة.

و أمّا الثاني، فداخل في الفرض و ستقف على حكمه. و أمّا الثالث، فيرجع فيه إلى ظهور تحرير الدعوى منهما و يؤخذ به.

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 899.

1076

فالمقصود من اختلاف المتداعيين في الإجارة فيما فرضه المصنّف إنْ كان هو التوصل إلى المقدار الزائد من المال و دفعه عن النفس كما هو الغالب فقد عرفت أنّه لا إشكال في خروجه عن الفرض و دخوله في التداعي في الاملاك، فيراعى فيه حكمه. فإن كان مدّعي الزيادة المؤجر فلا إشكال في الحكم بكونه مدّعياً و المستأجر منكراً، لادّعاء الأوّل ما يخالف أصالة البراءة، و الثاني ما يوافقها؛ لرجوع نزاعهما إلى اشتغال ذمّة المستأجر بالمقدار الزائد و عدمه بعد اتّفاقهما على اشتغالها بالأقلّ على ما هو قضية الاختلاف بين الأقلّ و الأكثر في الذمة، لأنّها تقتضي تعيين الأقل و الاتّفاق عليه و التداخل فيه، و إنّما الاختلاف في المقدار الزائد.

فإن لم يكن لهما بيّنة، فالقول قول المستأجر مع يمينه على ما هو شأن المنكر. و إن كان لأحدهما بيّنة، فإن كان المؤجر فلا إشكال، و إن كان المستأجر فيبنى على القضاء ببينة المنكر و إغنائها عن اليمين. و إن كان لكلّ منهما بيّنة، فالحقّ هو تقديم بيّنة المؤجر على ما عليه المشهور المنصور من عدم اعتبار بيّنة المنكر في مقابلة بيّنة المدّعي، و لا وجه للتحالف، و لا للقرعة، و لا لتقديم بيّنة المستأجر.

و بالجملة، الحكم في الفرض هو الحكم في مطلق التداعي على الأملاك و قد تقدّم تفصيل القول فيه، فراجع إليه. و إن كان مدّعي الزيادة هو المستأجر و مدّعي القلة هو المؤجر، فلا إشكال في صيرورة الفرض على عكس الفرض السابق إن فرض رجوع الدعوى إلى الدعوى في المال. و إن كان المقصود ممّا ذكره هو الاختلاف و التنازع في العقد على الأقل و الأكثر من حيث هو لتعلّق غرض به فلا إشكال في كون كلّ منهما مدّعياً و منكراً، لأنّ العقد الواقع على الأقل غير الواقع على الأكثر، و مباين له. ضرورة أنّ قلّة مال الإجارة و كثرته ممّا يتعدّد العقد بهما بمعنى عدم اندراج العقد الواقع على الأقل في ضمن العقد الواقع على الأكثر.

و بما ذكرنا يظهر أنّه لو كان مراد من ذهب إلى القرعة كما عن الشيخ (رحمه الله) في‌

1077

الخلاف (1) أو إلى التحالف كما عن الشيخ في المبسوط (2)، هو ما ذكرنا أخيراً من فرض الاختلاف في العقد من حيث هو، فلا وجه لما أورد عليه في المسالك (3) و غيره من أنّ المتعيّن كما عليه المشهور هو الرجوع إلى قواعد المدّعي و المنكر.

و إن كان مراده ما ذكرنا أوّلًا فما أورده عليه في المسالك ممّا لا محيص عنه.

و الظاهر بل المقطوع أنّه حمل كلامه في المسالك على هذا الفرض كما هو الغالب في التداعي في مقدار مال الإجارة.

قال في المسالك ما هذا لفظه: «فهاهنا مسألتان: الأولى: أنْ يعدما البينة، و المشهور بين الأصحاب تقديم قول المستأجر مع يمينه، لأنّه منكر للزائد الّذي يدّعيه المؤجر مع اتّفاقهما على ثبوت ما يدّعيه المستأجر، فيكون الأمر بمنزلة ما لو ادّعي عليه عشرة دنانير مطلقاً فأقرّ له منها بخمسة، فإنّ القول قوله في نفي الزائد بغير إشكال، لأنّه منكر له و المؤجر مدّع، فيدخلان في عموم الخبر. و للشيخ (رحمه الله) في المبسوط (4) قول بالتحالف و ثبوت أجرة المثل. و وافقه بعض المتأخّرين (5)، نظراً إلى أنّ كلّاً منهما مدّع و مدّعى عليه، لأنّ العقد المتشخّص بالعشرة غير العقد المشتمل على الخمسة خاصة، فيكون كلّ واحد منهما مدّعياً لعقد غير العقد الّذي يدّعيه الآخر، و هذا يوجب التحالف حيث لم يتفقا على شي‌ء و يختلفا فيما زاد عنه.

و يضعّف بأنّ العقد لا نزاع بينهما فيه، و لا في استحقاق العين المؤجرة للمستأجر، و لا في استحقاق المقدار الّذي يعترف به المستأجر. و إنّما النزاع في المقدار [القدر] الزائد فيرجع فيه إلى عموم الخبر».

____________

(1) الخلاف: 3/ 521.

(2) المبسوط: 3/ 265 266.

(3) كما سيجي‌ء عبارته.

(4) المبسوط: 3/ 265 266.

(5) راجع المهذب: 1/ 474؛ التحرير: 2/ 199.

1078

إلى أن قال: «و الحقّ أنّ التحالف إنّما يرد حيث لا يتّفق الخصمان على قدر و يختلفان في الزائد عنه، كما لو قال المؤجر: (آجرتك الدار شهراً بدينار فقال:

بل بثوب)، أو قال: (آجرتك هذه الدار بعشرة) فقال: (بل تلك الدار)، و نحو ذلك.

و أمّا في التنازع فالقول المشهور من تقديم قول المستأجر هو الأصحّ. و للشيخ (رحمه الله) في موضع من الخلاف (1) قول آخر بالقرعة لأنّه أمر مشكل و كلّ أمر مشكل فيه القرعة. و المقدّمة الثانية مسلّمة دون الأولى، لأنّه لا إشكال مع دخوله في عموم:

اليمين على من أنكر» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و هذا كما ترى صريح في أنّ فرضه فيما إذا كان التداعي من حيث المال و قد عرفت أنّ ما ذكره على هذا التقدير حق و يمكن أن ينزّل كلام غيره على غير الصورة، فيرتفع النزاع من البين. و من هنا ذكر بعض مشايخنا (3) أنّ النزاع بينهما لفظي، هذا.

و لكن قد يسبق إلى الذهن ممّا ذكره أنّ المراد عنه عدم إمكان وقوع التداعي في الاختلاف في الإجارة من حيث مال الإجارة في العقد فيردّ بأنّه ممّا لا معنى له، لظهور فساده. لكنّه يمكن أن يقال: إنّ كلامه منزّل على الغالب، و عليه لا معنى للإيراد عليه.

ثمّ إنّه ذكر في المسالك (4) أنّ في هذا الفرض لو أقام أحدهما بيّنة فممّا لا إشكال فيه. فقد يتأمّل فيه أنّ هذا الكلام ينافي ما عليه المشهور من عدم سماع البينة من ذي اليد أصلًا، فكيف جعل صورة إقامة أحدهما البينة دون الآخر الشاملة‌

____________

(1) الخلاف: 3/ 521.

(2) مسالك الأفهام: 14/ 104 105.

(3) جواهر الكلام: 40/ 458.

(4) مسالك الأفهام: 14/ 104.

1079

لإقامة المنكر البينة ممّا لا إشكال فيه، هذا. و لكنّه مدفوع بما ذكرنا سابقاً من أنّه مبني على جواز القضاء ببينة المنكر عند عدم المعارضة. و قد جعلنا هذا الكلام من المسالك فيما سبق مؤيّداً لما اخترناه من جواز القضاء ببينة المنكر عند عدم المعارضة. فالذي ذكره إنّما هو مبني على ما بنى الأمر عليه. نعم، لو كان هذا في كلام الأكثرين لكان منافياً لما ذهبوا إليه من عدم سماع البينة من المنكر أصلًا و رأساً.

ثمّ إنّ الاختلاف في العقد قد يكون في الثمن مع الاتّفاق على المثمن، كما لو قال البائع: (بعتك الفرس بدينار)، و قال المشترى: (اشتريته بثوب)، و قد يكون في المثمن مع الاتّفاق على الثمن كما لو قال البائع: (بعتك العبد بمائة)، و قال المشتري:

(بل بعتني الجارية بمائة)، و قد يكون فيهما معاً لكن مع فرض تنافي دعوى كلّ منهما مع دعوى الآخر و عدم إمكان الجمع بينهما كما إذا كان اختلافهما في تعيين العقد الشخصي الواقع بينهما، سواء علم من الخارج تسالمهما على العقد الشخصي أو من كلامهما، كما لو قال البائع: (بعتك العبد في أوّل الظهر بثوب)، و قال المشتري:

(بل بعتني الجارية في هذا الوقت بفرس). و أمّا لو أمكن الجمع بينهما بأن لم يعلم كون الاختلاف في تعيين العقد الشخصي و احتمل صدق كلّ منهما في دعواه، كما لو قال البائع: (بعتك الدار بمائة)، و قال المشتري: (اشتريت منك الجارية بفرس) بحيث كان كلّ من الدعويين دعوى مستقلّة لا ربط لها بالأخرى، فلا إشكال في خروجه عن هذا الفرض. فإن أقام كلّ منهما بيّنة على دعواه فيقضى بها، و إن لم يقمها أحدهما فيقضى لكلّ منهما بعد حلفه على نفي ما يدّعيه الآخر، فالمناط في تحقّق التنازع في العقد هو عدم إمكان تصديقهما و الجمع بينهما بأن يصير مورد النزاع العقد الشخصي.

و أمّا لو أمكن تصديقهما فهو خارج عن الفرض و الحكم بمقتضى يمين كلّ‌

1080

منهما في صورة عدم البينة منهما لا محذور فيه أصلًا. و إن كان يستفاد من كلام كلّ منهما وقوع عقد بينهما بعد الانضمام، لأنّ هذه الاستفادة إنّما هي من باب استلزام دعوى عقد خاص لادعاء ما يصدق عليه، لا من باب القصد و التسالم فلا يمكن أن يقال حينئذ إنّهما متّفقان على وقوع أحد العقدين، فكيف يحكم بعدم تحقّقهما في صورة عدم البينة و اليمين منهما، لأنّ هذا الاتّفاق انتزاعي انتزع و اعتبر من دعوى الخصوصية، فلا عبرة به كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المقصود الأصلي من تعرّضهم لذكر الاختلاف في العقود في المقام هو بيان حكم صورة تعارض البيّنتين، لا صورة عدم البينة. نعم، نتعرّض لحكمها أيضاً استطراداً.

و منه يظهر دفع ما قد يورد في المقام من أنّه أيّ وجه في التعرّض لحكم اختلاف العقود في المقام، مع أنّ بناءهم على تعرّض حكم الاختلاف في العقد في كلّ عقد في بابه فيلزم التكرار عليهم في أحد المقامين.

و حاصل الدفع: أنّ تعرّضهم لحكم الاختلاف في العقد في بابه إنّما هو من جهة تشخيص من هو قوله موافق للأصل، و هذا بخلاف المقام، فإنّ مقصودهم فيه التعرّض لحكم صورة الاختلاف مع البينة.

إذا علمت ما قدّمنا لك من الكلام في تحرير مورد البحث فاستمع لما يتلى عليك من تحقيق القول في المقام، فنقول بعون الملك العلّام و دلالة أهل الذكر عليهم ألف الصلاة و السلام: إنّك قد عرفت‌

أنّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة؛

أمّا المقام الأوّل: و هو ما لو أقام كلّ من المتداعيين في العقد بيّنة على ما يدّعيه،

فإن كانت لإحدى البيّنتين مزية على الأخرى بالمزايا المعتبرة التي تقدّم تفصيل القول فيها، فيؤخذ بالراجحة منهما و يطرح المرجوحة. و إن تساوتا فيها، فالذي يقتضيه الأصل الأوّلي بالنظر إلى أصل أدلّة الموازين في المقام هو الحكم‌

1081

بأنّ الميزان هو التحالف كما جزم به الشيخ (رحمه الله) في أحد قوليه (1) و مال إليه بعض من تأخّر عنه (2)، و لا مانع من إعمال قضية الأصل في المقام كما كان يمنع من إعمالها في التداعي في الاملاك، حيث إنّا ذكرنا هناك أنّ إعمال أدلّة اليمين فيه غير ممكن؛ أمّا الأدلّة الخاصّة بإثبات اليمين في حقّ خصوص المنكر فظاهر، لأنّ المتداعيين في العين إذا لم يكن يدهما عليه و كانا خارجين لا يصدق عنوان المنكر عليهما.

و أمّا الأدلّة العامّة الحاصرة لميزان القضاء بالبيّنة و اليمين، فلما قد عرفت مفصّلًا أنّ الحكم بتوجّه اليمين إنّما هو فيما إذا ترتّب عليها و على النكول عنها أثر، و المفروض أنّه لا يترتّب على حلفهما و على نكولهما أثر في المقام لعدم إمكان القضاء بهما، فلا بدّ من إلقاء هذا الميزان و الرجوع إلى غيره ممّا هو مترتّب عليه كالقرعة.

و هذا بخلاف المقام، فإنّ إعمال أدلّة اليمين فيه بكلا قسميها ممكن؛ أمّا الأدلّة الخاصة فظاهر، لأنّ كلّاً من المتداعيين في المقام مدّع و منكر، لأنّ كلّاً منهما يدّعي عقداً و ينكر عقداً آخر. هكذا ذكره الأستاد العلّامة و جماعة.

و أمّا الأدلّة العامّة الحاصرة لميزان القضاء في البيّنات و الايمان، فلإمكان القضاء بحلفهما و نكولهما في المقام بأن يحكم بعدم وقوع عقد، كما يحكم به فيما إذا لم يكن لهما بيّنة أصلًا كما سيجي‌ء.

و هذا المعنى لم يكن معقولًا في ذلك المقام؛ لقضاء صريح العقل فيه بملاحظة أدلّة اعتبار البينات، و ما دلّ على وجوب مراعاة حقّ المؤمن الّذي شرّع لأجله القضاء بالتنصيف فيه بعد العجز عن إعمال البينة في التمام.

____________

(1) المبسوط: 3/ 265 266.

(2) راجع مسالك الأفهام: 14/ 104 105.

1082

و هذا بخلاف المقام، فإنّه لا محذور للحكم بعدم وقوع عقد بينهما إذا حلفا أو نكلا، كما حكموا به في صورة عدم البينة، حيث إنّ ظاهرهم الإطباق على الحكم بالتفاسخ فيها عدا ما يظهر من الشيخ (رحمه الله) في الخلاف (1) من الرجوع إلى القرعة في الفرض أيضاً.

فإن قلت: كيف يحكم بعدم المانع من إعمال أدلّة الحلف و النكول في المقام بأنْ يحكم بمقتضاها بالتفاسخ، مع أنّه مخالف للعلم الإجمالي بوقوع أحد العقدين و صيرورة المثمن ملكاً للمشتري في مقابل أحد الثمنين، أو الثمن ملكاً للبائع في مقابل أحد المثمنين.

قلت: مخالفة العلم الإجمالي في المقام للحاكم ممّا لا مانع عنها، لأنّه مأمور بالفصل بالموازين الشرعية فيما بين الخصوم و إن لزم منه مخالفة العلم الإجمالي.

و إن هو إلّا كحكم المجتهد بجواز الصلاة لكلّ من واجدي المني في الثوب المشترك، و كذا غير الصلاة ممّا لا يجوز على الجنب من الأعمال مع علمه إجمالًا بأنّ أحدهما جنب في الواقع. و بالجملة، مخالفة العلم الإجمالي في نظير المقام فوق حد الإحصاء و لا مانع عنها. و تفصيل القول فيه محرّر في الأصول و المتكفّل له على وجه الكمال رسالة حجية الظن (2) من مصنّفات شيخنا الأستاد العلامة.

فإن قلت: هب أنّ العلم الإجمالي لا يكون بمجرّده مانعاً، لكن المانع موجود من غير جهته، و هو أنّ التفاسخ لو كان ظاهرياً من حين التحالف فكيف يجامع هذا مع القول بعدم جواز المقاصة بعد الحلف كما اتّفقت عليه كلمتهم و استفاضت الأخبار عليه، لأنّ معنى التفاسخ الظاهري بقاء كلّ من المالين في ملك مالكه. و إن كان واقعياً كما هو قضية ظاهر كلمات الأكثرين، فهو و إن سلم عن المحذور الوارد‌

____________

(1) الخلاف: 3/ 521.

(2) فرائد الأصول: 1/ 84.

1083

على التقدير الأوّل إلّا أنّه خلاف مقتضى أدلّة التحالف، لأنّ غاية ما تقتضيها سقوط الدعوى من الطرفين لا خروج المال عن ملك مالكه الواقعي.

قلت: ما ذكر من المحذور لا يصلح مانعاً، لأنّ لنا أن نختار التفاسخ الظاهري.

كما عليه جماعة و نلتزم بجواز المقاصة في الفرض لعدم منافاتها لما دلّ على حرمتها بعد اليمين و إن كان الحالف في الواقع مبطلًا، لأنّ هذه المقاصة من قضية نفس تصديق اليمين، فلا يكون لها تناف مع ما دلّ على وجوب تصديق الحالف.

و التقاص الّذي اقتضى هذا الدليل حرمته هو الّذي كان منافياً لتصديق الحالف و قد تقدّم تفصيل القول في ذلك في طيّ بعض كلماتنا السابقة، فراجع إليه. هذا كلّه فيما لو حلف كلّ منهما.

و أمّا لو نكلا عن اليمين فيمكن التفكيك بين المقام، و هو صورة وجود البينة لهما، و بين الصورة الآتية و هي ما لم يكن لأحدهما بيّنة فنكلا عن الحلف بأن نحكم بالتفاسخ فيما سيأتي. حيث إنّ نكول كلّ منهما عن الحلف مطلقاً نكول عن اليمين المردودة أيضاً، فيكون بمنزلة يمين المنكر فيسقط حقّه حسب ما ورد في جملة من الأخبار؛ بخلاف النكول في المقام فإنّه ليس النكول عن اليمين المردودة بل هو نكول عن اليمين التي توجّهت إليه بمقتضى العمومات. فيمكن أن يقال بعدم إيجابه سقوط الحق الموجب للتفاسخ، فيمكن الحكم فيه بعد النكول منهما بالتنصيف أو الإيقاف.

هكذا ذكره الأستاد العلّامة. ثمّ أورد عليه بأنّا ذكرنا سابقاً أنّ معنى قولهم:

«سقط حقّه» ليس هو السقوط رأساً، بل السقوط من جهة عدم الميزان الشرعي فراجع إليه، هذا. و أنت خبير بالإشكال في أصل تمامية الفرق و ما ذكره من التنصيف، ضرورة أنّ الكلام في المقام إنّما هو من حيث التداعي في العقد و لا معنى للحكم بالتنصيف فيه كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الّذي ذكرنا كلّه من الفرق في قضية الأصل الأوّلي بين التداعي في‌

1084

الأملاك و المقام إنّما هو ملخّص ما ذكره الأستاد العلّامة، و إلّا قد عرفت فيما مضى من كلماتنا أنّه لا مانع من إعمال الأصل الأوّلي بالنسبة إلى التداعي في الأملاك أيضاً و إن أردت الوقوف عليه، فراجع إليه. هذا كلّه بالنظر إلى قضية الأصل الأوّلي.

و أمّا بالنظر إلى الدليل الوارد و الأخبار الخاصة، فالذي يقتضيه التحقيق تبعاً لأهله هو كون الميزان بعد تعذّر القضاء بالبيّنات في المقام القرعة، لما ورد من الأخبار المستفيضة الواضحة الدّلالة عليها. و قد تقدّم ذكرها في باب تعارض البيّنات في الأملاك، فراجع إليه، و المفروض عدم المعارض لها في المقام فيجب الأخذ بها و الحكم بمقتضاها. و دعوى اختصاصها بالتداعي في الأملاك ممّا يقضي قضية ظاهرها بفسادها.

ثمّ بعد القرعة هل يفتقر إلى انضمام اليمين ممّن خرجت باسمه، فإن حلف فهو و إلّا فيحلف صاحبه، أو لا يفتقر إلى ذلك، بل يحكم بها مجرّدة عن اليمين؟ وجهان:

من اشتمال أكثر أخبار القرعة عليها، و أنّها جزء للميزان فتحمل عليه مطلقاتها.

مضافاً إلى أنّه قضية الجمع بين العمومات الحاصرة و أدلّة القرعة من العمومات و الخصوصات. و من عدم توجّه اليمين في المقام لعدم ترتّب فائدة على النكول عنها، إذ المفروض أنّه لو نكل صاحبه عنها أيضاً لا يقضى عليه بمجرّد النكول منه، إذ ليس هي نكول المنكر حتّى يقضى عليه بنكوله.

لأنّا و إن ذكرنا أنّ كلّاً من المدّعيين في المقام منكر أيضاً إلّا أنّ من المعلوم أنّ الحكم بتوجّه الحلف عليه ليس من حيث إنكاره لفرض إقامتها البينة على دعواه، فلا معنى لإحلافه، بل من جهة التعبّد و الأخبار الخاصة أو العامة بعد الجمع بينهما و أخبار القرعة من العمومات و الخصوصات. و القول بأنّ خروج القرعة باسمه يجعله منكراً، أو أنّ القرعة إنّما هي لتعيين الحالف منهما كما تخيّله بعض، فلا معنى لعدم اعتبار اليمين، يعلم الحال فيه ممّا ذكرنا سابقاً.

و الّذي يكشف عن عدم كون اليمين في المقام من حيث الإنكار الحاصل من‌

1085

القرعة كما قد يتوهّم، اتّفاقهم ظاهراً على عدم كفاية الحلف على النفي في المقام و اتّفاقهم عليها في غيره كما في ذي اليد و غيره و إن ذكر جماعة كفاية اليمين على الإثبات في ذي اليد أيضاً، فالمتعيّن حينئذٍ الرجوع إلى عمومات القرعة و القضاء بها من دون احتياج إلى انضمام شي‌ء. و القول بأنّه يقرع أوّلًا و يحكم بالافتقار إلى انضمام اليمين، ثمّ إنْ نكلا عن اليمين يقرع ثانياً و يقضى بالقرعة مجرّدة، قد عرفت ما فيه فيما سبق، فراجع. هذا مجمل القول في المقام الأوّل، و هو ما لو أقام كلّ منهما بيّنة على ما يدّعيه.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو ما لو لم يقم أحدهما بيّنة،

فالذي يقتضيه النظر وفاقاً لأكثر أهل النظر هو الحكم بالتحالف في المقام، لما قد عرفت من الأخبار الخاصة الدالة على أنّ اليمين على من أنكر (1)، و الأخبار العامة الحاصرة لميزان القضاء في البيّنة و الايمان (2)، فإن حلفا أو نكلا فيحكم بالتفاسخ، و إن حلف أحدهما دون الآخر يقضى للحالف منهما على غيره. و قد عرفت بعض ما يتعلّق بالمقام من الكلام فيما تقدّم، و حكي عن الشيخ (رحمه الله) في الخلاف (3) القول بالقرعة في المقام أيضاً لما دلّ عموماً على أنّ كلّ مشكل فيه القرعة. و يمكن النظر فيه بأنّه بعد دلالة الأدلّة التي قدّمناها على وجوب الرجوع إلى اليمين في المقام لا يبقى مجال للشبهة و الإشكال حتّى يحكم بالقرعة من جهة عموماتها. و هذا أمر واضح لا سترة فيه إن شاء اللّٰه.

و أمّا الكلام في المقام الثالث و هو ما لو كانت لأحدهما بيّنة دون الآخر،

فالأمر فيه واضح. و اللّٰه العالم بحقائق الأحكام.

____________

(1) وسائل الشيعة: 27/ 293.

(2) الكافي: 7/ 414؛ تهذيب الأحكام: 6/ 229؛ وسائل الشيعة: 27/ 232.

(3) الخلاف: 3/ 521.

1086

[عدم الفرق بين ما إذا كان التنازع في مال الإجارة أو العين المستاجرة]

قوله: «و قيل (1): القول قول المؤجر. و الأوّل أشبه، لأنّ كلّاً منهما مدّع» الخ (1) (2).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ ظاهر كلمات الأصحاب كما يعلم من الرجوع إليها في المقام و في باب الإجارة، عدم الفرق بين ما إذا كان الاختلاف و التنازع في مال الإجارة أو العين المستأجرة، في الحكم بكون مدّعي الناقص منكراً في كلتا الصورتين، أو الحكم بالرجوع إلى القرعة و التحالف. عدا ما يظهر من المصنّف في الكتاب، حيث إنّه تردّد في الصورة السابقة و استظهر القرعة في المقام 3، و ما حكي عن العلّامة في التحرير 4 من الجزم بالفرق.

و الّذي يقتضيه النظر الدقيق عدم الفرق بينهما، و لهذا ذكر في المسالك أنّ «الفرق بينهما بعيد» 5. و أضاف إليه بعض مشايخنا: «أنّ مقتضى تعليله هو التحالف لا القرعة» 6 لأنّ كون كلّ منهما مدّعياً و منكراً في صورة عدم وجود البيّنة يوجب المصير إلى التحالف كما لا يخفى، هذا.

و وجّه الفرق الأستاد العلّامة دام ظلّه وفاقا لبعض مشايخنا بأنّ الاختلاف إذا كان في العين المستأجرة يمكن أن يقال برجوع الأمر إلى التنازع في المتباينين،

____________

(1) و القائل ابن إدريس في السرائر، راجع جواهر الكلام: 40/ 461.

(2) 2 و 3 شرائع الإسلام: 4/ 900.

(3) 4 راجع تحرير الأحكام: 2/ 199.

(4) 5 مسالك الأفهام: 14/ 107.

(5) 6 جواهر الكلام: 40/ 461.

1087

..........

____________

لأنّ تمليك البيت في ضمن الدار ليس تمليكاً مستقلّاً، بل إنّما هو تمليك تبعي نشأ من تمليك الدار، و هذا بخلاف ما إذا كان الاختلاف في مال الإجارة، حيث إنّ محلّه الذمة، و اشتغال الذمة بالزائد اشتغال مستقلّ غير الاشتغال بالأقلّ. و من هنا يمكن الفرق بينهما. و فيه: مضافاً إلى انتقاضه بما إذا كان مال الإجارة أيضاً من الأعيان أنّ ما ذكر من الفرق كلام صوري لا حقيقة له كما اعترف به الأستاد العلّامة.

و أمّا ما ذكره بعض المشايخ من منافاة التعليل للمدّعى، فقد أورد عليه شيخنا دام إفادته بأنّ ما ذكر و إن كان مستقيماً بحسب ما يرى في بادي النظر من العبارة، إلّا أنّ مقتضى التأمّل كون مقصوده الحكم بالقرعة في صورة وجود البينة كما فهمه صاحب المسالك (1) على ما هو مقتضى صريح كلامه. و عليه فلا وقع للايراد المذكور كما لا يخفى. و القرينة على كون مراده هو هذه الصورة لا صورة عدم وجود البينة، هي أنّ المصنّف قد تبع الشيخ (رحمه الله) في المبسوط على ما يستفاد من ظاهر كلامه (2)، و قد صرّح الشيخ (رحمه الله) في الكتاب (3) حسب ما حكاه الأستاد العلّامة عنه بأنّ القرعة إنّما هي في صورة وجود البيّنة لا مطلقاً. و كلام الفاضل في التحرير (4) أيضاً مفروض في الصورة.

____________

(1) مسالك الأفهام: 14/ 107.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 900.

(3) المبسوط: 8/ 265.

(4) تحرير الأحكام: 2/ 199.

1088

[حكم ما لو تحقّق التعارض و كان مع إحداهما مزيّة من المزايا المعتبرة]

قوله: «و لو أقام كلّ منهما بيّنة، تحقّق التعارض مع اتّفاق التاريخ» (1) الخ (1).

____________

أقول: إذا أقام كلّ منهما بيّنة و قلنا بتحقّق التعارض بينهما من جهة كون كلّ منهما مدّعياً على خلاف التحقيق الّذي عرفته، فإن كان مع إحداهما مزية من المزايا المعتبرة فهو، و إلّا فيبنى الحكم على القولين في المسألة من التحالف أو القرعة مع يمين من خرجت باسمه، فإن حلفا أو نكلا على الأوّل، فيحكم بتنصيف مدلول البينتين فيرجع إلى المؤجر ربع الدار مع تمام مال الإجارة، حسب ما هو قضية القاعدة في التقسيم في كلّ ما كان هناك بيّنتان متعارضتان. و على الثاني، فإن حلف من خرج باسمه القرعة فهو، و إلّا فإن حلف صاحبه فلا إشكال أيضاً، و إلّا فيحكم بالتقسيم بينهما حسب ما عرفت في الأوّل. هذا كلّه إذا كان النزاع بينهما قبل التصرّف في الدار و استيفاء المستأجر المنفعة. و أمّا إذا كان بعد مضي المدّة و التصرّف من المستأجر فيرجع المؤجر إليه فيما حكمنا فيه بالتقسيم بأجرة المثل للربع من الدار، هذا.

و لكن في المحكي عن كشف اللثام للفاضل الأصبهاني: «يحكم بالقرعة مع اليمين، فإن نكلا فالظاهر أنّ البيت لما اتّفقتا [اتّفقا] على إجارته فهو في إجارته إلى أن يمضي المدة، و يقتسمان الباقي نصفين، و يسقط من الأجرة بالنسبة. و كذا مع الاختلاف [في] بالزمان يقتسمان شهراً من الشهرين، فيكون الدار عند المستأجر‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 900.

1089

..........

____________

شهراً و نصفاً، و يسقط من الأجرة ربعها. و إن كان الترافع [النزاع] أو رفعه بعد مضي المدة و تصرّف المستأجر في تمام الدار و [أو] تمام الشهرين يثبت [ثبت] للمالك في نصف غير البيت، أو في نصف شهر أجرة المثل» (1) انتهى ما حكي عنه زاد اللّٰه في علوّ مقامه.

و فيه أنظار: أحدها: ما عرفت من مطاوي كلماتنا السابقة من أنّه لا معنى لسقوط الأجرة بالنسبة إلى ما يستردّه المؤجر من الدار، لأنّ مقتضى التقسيم في الفرض هو تنصيف مدلول البيّنتين، فيحكم باستيجار نصف البيت بنصف الأجرة بمقتضى بيّنة المؤجر التي شهدت بإجارة تمام البيت بتمام الأجرة، و يحكم باستيجار نصف تمام الدار أيضاً بنصف تمام الأجرة فيحكم للمؤجر بنصف الباقي من غير ما صدّقنا فيه بينته و هو نصف البيت و تمام الأجرة، هذا. و لو بني على الأخذ بما اتّفقت عليه البينتان لم يكن الحكم ما ذكره أيضاً، لأنّهما كما اتّفقتا على إجارة الدار، كذلك اتّفقتا أيضاً على الأجرة، فيحكم بتنصيف ما اختلفتا فيه و هو الباقي من الدار. فلا معنى لتقسيط الأجرة أيضاً.

ثانيها: أنّ مقتضى ما ذكرنا من التقسيم هو كون ربع البيت أيضاً من المؤجر لا أن يكون تمامه من المستأجر حيث إنّ الّذي يردّ إلى المؤجر هو الجزء المشاع من الدار لا المعين.

ثالثها: أنّه لا دليل على التقسيم بحسب الزمان حسب ما ذكره، و قد مرّ الكلام فيه فيما تقدّم من كلماتنا، فراجع إليها، هذا.

و قد ذكر الأستاد العلّامة دام ظلّه في توجيه كلامه دفعاً للإشكال الأوّل بأنّ المقصود من تقسيط الأجرة هو تقسيط مجموع ما تشهد به البيّنتان، فإذا كانت الأجرة عشرة مثلًا فشهدت إحدى البيّنتين على إجارة البيت بعشرة و الأخرى على‌

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 360.

1090

..........

____________

إجارة الدار بعشرة فيصير المجموع عشرين فيسقط من العشرة في كلّ منهما نصفه فيستحق المؤجر عشرة فقد أسقطنا حينئذٍ نصف الأجرة من بيّنة المستأجر، هذا.

و لكنّه في غاية البعد من كلامه إن لم يكن خلاف صريحه.

و في الدروس: «فإن اتّحد التاريخ أعملتا، أو أسقطتا [سقطتا]، أو أقرع مع اليمين» (1) انتهى كلامه. و ذكر بعض مشايخنا بعد نقل هذا الكلام من الدروس ما هذا لفظه: «و لعلّ إعمالهما بمعنى تقديم بيّنة الداخل أو الخارج، و إسقاطهما بمعنى الرجوع إلى الحكم مع عدم البيّنة كلّ على مختاره فيه. و أمّا احتمال كون المراد بإعمالهما بطلان الإجارة في البيت و صحّتها في بقيته بالنسبة، بعد تصويرها بإيقاع ذلك من الأصيلين و الوكيلين، فبعيد أو باطل» (2) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و فيه: أنّ حمل إعمالهما على القول بتقديم بيّنة الداخل أو الخارج لا وجه له، لأنّه ليس إعمالًا لهما فيحتمل أن يكون مراده من إعمالهما هو التنصيف ابتداءً بمقتضى الجمع بين البينتين فتأمل.

____________

(1) الدروس: 2/ 107.

(2) جواهر الكلام: 40/ 462.

1091

[حكم ما لو اختلفا في زمان وقوع عقد الإجارة]

قوله: «و مع التفاوت [في التاريخ] يحكم للأقدم» (1) الخ (1).

____________

أقول: لا إشكال في الحكم بصحّة الأقدم زماناً و بطلان المتأخّرة بالنسبة إليه لو فرض وحدة العقد المتنازع فيه، لأنّ الأقدم من حيث عدم معارض له يحكم بتصديقه و المفروض أنّ المحل ليس قابلًا لوقوع إجارتين عليه في زمان، فيحكم ببطلان المتأخّرة.

و الحاصل أنّ الحكم بصحة الأقدم يرفع قابلية صحّة المتأخّرة كما لا يخفى.

و هذا ممّا لا إشكال فيه بل لم يظهر فيه مخالف من الأصحاب. هذا إذا لم يكن محل للحكم بصحّة المتأخّرة أصلًا و لو في بعض الدار.

و أمّا لو كان له محلّ بأنْ كانت بيّنة البيت متقدّمة و بيّنة الدار متأخّرة، فإنّه يمكن الحكم حينئذٍ بصحّة الثانية بالنسبة إلى ما عدا البيت، فالذي صرّح به المصنّف 2 و جماعة 3، من غير ظهور مخالف لهم فيما أعلم، هو الحكم بصحة المتأخّرة أيضاً بالنسبة إلى بقية الدار، تصديقاً للبينة بقدر الإمكان. فإذا لم يمكن في مجموع الدار من جهة سبق إجارة البيت فتصدق بالنسبة إلى ما يمكن تصديقها فيه فيثبت على المستأجر من الأجرة بالنسبة إلى القدر الّذي صدّقنا بيّنته فيه زائداً على القدر الثابت ببيّنة المؤجر. فإذا فرض مثلًا أنّ الأجرة الّتي اتّفقا عليها عشرة، لكن ادّعى المستأجر أنّها أجرة مجموع الدار، و ادّعى المؤجر أنّها أجرة البيت مع تقدّم‌

____________

(1) 1 و 2 شرائع الإسلام: 4/ 900.

(2) 3 راجع التحرير: 2/ 198 199؛ مسالك الأفهام: 14/ 106؛ الجواهر: 40/ 462؛ القواعد: 3/ 479 480؛ إيضاح الفوائد: 4/ 394؛ كشف اللثام: 2/ 360.

1092

..........

____________

تاريخ بيّنة المؤجر حسب ما هو المفروض ثبت على المستأجر خمسة عشر في مقابلة المجموع، عشرة أجرة البيت بمقتضى بيّنة المؤجر، و خمسة في مقابلة باقي الدار بمقتضى بيّنة المستأجر.

و ليس فيما ذكرنا إلّا مخالفته لفرض وحدة العقد و العلم بأنّ الأجرة عشرة ليس إلّا. و إنّما الاختلاف في تعيين مقابلها و لا ضير فيه أصلًا، لأنّ الحاكم مأمور بالعمل بمقتضى البينتين و القضاء به، و إن حصل له العلم إجمالًا بخروج ما حكم به عن مدلولهما كما في الحكم بالتنصيف في التداعي في العين الشخصية مع إقامة البينة لكلّ من المدعيين.

و بالجملة، مخالفة العلم الإجمالي في أمثال المقام ممّا لا دليل على المنع عنها، فتأمّل. هذا كلّه فيما لو كان العقد المتنازع فيه واحداً.

و أمّا لو احتمل تعدّده و وقوع الثاني بعد خلو المحلّ عن الأوّل، فيمكن الحكم بتصديقهما و ثبوت الأجرتين على المستأجر، هذا و في الدروس بعد الحكم بما عرفته في الصورة السابقة ذكر ما هذا لفظه: «و يحتمل الحكم بصحّة الإجارتين مع عدم التعارض، لأنّ الاستيجار الثاني يبطل ملك المستأجر فيما سبق» (1) انتهى كلامه.

و فيه: أنّ ما ذكره في صورة احتمال التعدّد وجيه حسب ما عرفت، لكن مفروض كلام القوم كما يظهر منه، غير الصورة كما لا يخفى.

____________

(1) الدروس: 2/ 107.

1093

[سماع و عدم سماع إقرار البائع لأحدهما]

قوله: «و لا يقبل قول البائع» الخ (1).

____________

أقول: لا إشكال في قبول قول البائع لأحدهما و صيرورته بإقراره له ذا اليد شرعاً و عرفاً فيما لم يكن هناك بيّنة لأحدهما أصلًا، كما في التداعي في الأملاك من غير فرق بين المقامين أصلًا. و قد تقدّم تفصيل القول فيه فيما تقدّم، و إن استشكل فيه بعض الأصحاب.

إنّما الإشكال في سماع إقراره لأحدهما بعد إقامة البينة منهما، كما فيما فرضه المصنّف كما يجري بعينه في هذا الفرض في التداعي في الأملاك أيضاً، فيجعل المقرّ له داخلًا و غيره خارجاً، فيبنى على ترجيح بيّنة الداخل أو الخارج.

فالمحكي عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط (2) هو التردّد في المسألة، بل الميل إلى السماع، بناءً على القول بتساقط البينتين عند التعارض حتّى بالنسبة إلى نفي الثالث، فنزّلهما منزلة البينة التي تشهد على طبق دعوى أحدهما لا بعينه، فإنّ وجود مثل هذه البينة كعدمها. و ربما يستظهر من العلّامة في القواعد أيضاً حيث قال في باب التداعي في الأملاك مع كون العين في يد ثالث فيما لو أقام كلّ منهما بيّنة بعد بيان حكم تعارضهما ما هذا لفظه: «و لو أقرّ الثالث لأحدهما، فالوجه أنّه كاليد تترجّح [بترجّح] البينة فيه» (3) انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو مقتضى كلام الفاضل في الكشف أيضاً حيث قال في شرح قوله: «فالوجه‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 900.

(2) المبسوط: 8/ 281.

(3) قواعد الأحكام: 3/ 488.

1094

..........

____________

أنّه كاليد» ما هذا لفظه: «تقدّم على قيام البينتين، أو تأخّر، لقيام المعنى القائم في اليد فيه [بها] و جزم به في المقصد السابع. و يحتمل العدم بعد إقامة البينتين لكشفهما من [عن] أنّ يد المقر مستحقّة للإزالة، فإقراره كإقرار الأجنبي» (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى ظاهر في ذهابه إلى السماع بعد إقامة البينة أيضاً. و ربما يقتضيه أيضاً ظاهر كلام بعض مشايخنا طاب ثراه في المقام حيث إنّه أورد على ما ذكره الفاضل في الكشف في باب البيع في المسألة المفروضة في شرح قول المصنّف بمثل ما قاله المصنف هنا من احتمال القبول بما هذا لفظه: «و فيه: أنّ جزم المصنّف و غيره بعدم قبول قول البائع مبني على كون ذلك قد كان منه بعد الحكم بمقتضى القرعة و بعد انتزاعها منه بالبينتين، فلا وجه للاحتمال المزبور» (2) انتهى كلامه رفع مقامه.

و الّذي جزم به الأستاد العلّامة هو عدم سماع الإقرار بعد إقامة البينتين و ذكر أنّ الّذي ادّعى ظهوره من القواعد من ذهابه إلى السماع كما هو مقتضى شرح الفاضل في غير محله، حيث إنّ كلامه ليس في مقام بيان حكم الإقرار بعد تعارض البينتين، و إلّا للزم أن يعبّر عنه بأنّ الوجه أنّه يسمع، لأنّ معنى السماع في المقام هو عين الترجيح. بل مقصوده بيان حكم الإقرار قبل تعارض البينتين، و لهذا عبّر عنه بما عبّر. حيث إنّ الاختلاف في الإقرار قبل إقامة البينة إنّما هو في ترجيح البينة به كاليد، و إلّا فأصل سماعه اتّفاقي. و أمّا الّذي ذكره العلّامة في المقصد السابع و جزم به فإنّما هو ترجيح البينة بالإقرار كاليد فيما لم يكن هناك بيّنة لا تعميم القول بالنسبة إلى بعد البينة.

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 365 366.

(2) جواهر الكلام: 40/ 464.