الرياض النضرة في مناقب العشرة - ج4

- محب الدين الطبري‏ المزيد...
137 /
295

من هذا الباب- لأحد أبواب المسجد- فقال لأصحابه: اكسروا غماد سيوفكم، و لا تميلوا عني؛ قال: فأقبل الرعيل الأول، فحمل عليهم و حملوا معه و كان يضرب بسيفين فلحق رجلا فضربه فقطع يده، و انهزموا و جعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد. قال: ثم دخل عليه أهل حمص، فشد عليهم و جعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، ثم دخل عليه أهل الأردن من باب آخر، فقال: من هؤلاء؟ فقيل من أهل الأردن فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم انصرف؛ قال: فأقبل عليه حجر من ناحية الصف، فوقع بين عينيه، فنكس رأسه، قال: ثم اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه و مواليه جميعا.

و لما قتل كبر عليه أهل الشام، فقال عبد اللّه بن عمر: المكبرون عليه يوم ولد و خير من المكبرين عليه يوم قتل. و قال يعلى بن حرملة:

دخلت مكة بعد ما قتل عبد اللّه بن الزبير بثلاثة أيام، فإذا هو مصلوب؛ فجاءت أمه- امرأة عجوز كبيرة طويلة مكفوفة البصر- تقاد، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها الحجاج: المنافق؟

قالت: و اللّه ما كان منافقا، و لكنه كان صواما قواما، فقال: انصرفي، فإنك عجوز قد خرفت. قالت لا، و اللّه ما خرفت، و لقد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (يخرج من ثقيف كذاب و مبير). أما الكذاب فقد رأيناه و أما المبير فأنت المبير. قال أبو عمر: الكذاب- فيما يقولون- المختار بن عبيد الثقفي.

و عن ابن أبي مليكة قال: لما نزل عبد اللّه دعت أسماء بمركن؛ و أمرتني بغسله فكنا لا نتناول عضوا إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو و نضعه في الاكفان ثم نتناول الذي يليه فنغسله و نضعه في أكفانه، حتى فرغنا منه؛ ثم قامت فصلت عليه، و كانت تقول قبل ذلك: اللهم لا

296

تمتني حتى تقر عيني بجثته فما أتت عليها جمعة حتى ماتت. أخرج ذلك كله أبو عمر.

و عن ابن نوفل معاوية بن مسلم بن أبي عقرب قال: رأيت عبد اللّه ابن الزبير على عقبة مكة قال فجعلت قريش تمر عليه الناس، حتى مر عليه عبد اللّه بن عمر، فوقف عليه، فقال السلام عليك أبا خبيب- ثلاثا- أما و اللّه لقد كنت أنهاك عن هذا، و اللّه إن كنت- ما علمت- صواما قواما و صولا للرحم. ثم نفد عبد اللّه بن عمر فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إليه فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور الشهود. ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه فأعاد عليها الرسول: إما أن تأتيني أو لأبعثن أليك من يسحبك بقرونك، قال فأبت و قالت: و اللّه لا آتينك حتى تبعث إليّ من يسحبني بقروني. قال: فقالت أروني سبتيتي، فأخذ نعليه، ثم انطلق حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو اللّه؟

قالت رأيتك أفسدت عليه دنياه و أفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا بن ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و طعام أبي بكر من الدواب، و أما الآخر فنطاق المرأة الذي لا تستغني عنه، أما إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حدثنا أن في ثقيف كذابا و مبيرا فأما الكذاب فرأيناه، و أما المبير فلا أخا لك إلا اياه. قال: فقام عنها و لم يراجعها.

أخرجه مسلم.

و عن مجاهد قال كنت مع ابن عمر، فمر على ابن الزبير، فوقف عليه فقال: رحمك اللّه، فإنك كنت صواما و صولا للرحم؛ و إني أرجو أن لا يعذبك اللّه عز و جل.

قال الواقدي: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنتين و سبعين ستة أشهر و سبع عشرة ليلة؛ و نصب الحجاج عليه المنجنيق، و ألح عليه بالقتال من كل جهة، و حبس عنهم المير، و حصرهم أشد

297

الحصار فقامت أسماء يوما فصلت و دعت فقالت: اللهم لا تخيب عبد اللّه ابن الزبير، اللهم ارحم ذلك السجود و النحيب و الظمأ في تلك الهواجر.

و قتل يوم الثلاث لست عشرة ليلة خلت من جمادي الأولى سنة ثلاث و سبعين، و هو ابن اثنتين و سبعين سنة أخرجه صاحب الصفوة.

عودة إلى ولد الزبير:- (و المنذر بن الزبير) و كان يكنى أبا عثمان، و كان سيدا حليما؛ قتل مع عبد اللّه بمكة قتله أهل الشام، و يقال إنه قتل و له أربعون سنة، و له عقب، و عروة كان فقيها فاضلا يكنى أبا عبد اللّه و أصابته الأكلة في رجله بالشام فقطعت رجله و عاش بعد ذلك ثماني سنين؛ توفى في ضيعة له بقرب المدينة و له عقب و هو أحد الفقهاء السبعة المدنيين، و كان حين قتل عثمان بن عفان غلاما لم يبلغ الحلم؛ قال الدارقطني: و روى عن أبيه الزبير، و أمه أسماء، و خالته عائشة، و أخيه عبد اللّه، و روى عن عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن عمرو، و حكيم بن حزام و عبد اللّه بن عباس، و سعيد بن زيد، و سعد بن أبي وقاص، و أبي حميد الساعدي، و سفيان بن عبد اللّه الثقفي، و زيد بن ثابت و غيرهم.

و روى عن عمر و علي و عبد الرحمن بن عوف مرسلا. و (المهاجر) أمهم أسماء بنت أبي بكر (و مصعب) كان يكنى أبا عبد اللّه و قيل: أبا عيسى، و كان أجود العرب، و كان أسمح الناس كفا، و أحسنهم وجها، كريما، شجاعا، جوادا، ممدحا و جمع بين أربع عقائل لم يكن في زمانه أجمل منهن فيما يقال. روي عن عبد الملك بن مروان أنه قال يوما لجلسائه: من أشجع العرب قالوا ابن فلان شبيب فلان. فقال عبد الملك: إن أشجع العرب لرجل جمع بين سكينة بنت الحسين و عائشة بنت طلحة و أمة الحميد بنت عبد اللّه بن عامر بن كريز و ابنة زيان بن أنيف الكلبي سيد ضاحية العرب ذكره الدارقطني. و ولاه أخوه عبد اللّه العراقين، فسار إليه، و قام به خمس سنين فأصاب ألف ألف و ألف ألف و ألف ألف و أعطي الأمان فأبى، و مشى بسيفه حتى مات: ذلك مصعب بن الزبير، و قتل مصعب‏

298

سنة اثنتين و سبعين. صار إليه عبد الملك بن مروان من الشام و كاتب أصحابه فخذلهم عنه، فأسلموه و وجه إليه أخاه محمد بن مروان في مقدمته، فلقيه مصعب فقاتله فقتل مصعب و له عقب، و كان الذي تولى قتله عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان، و جاء برأسه إلى عبد الملك فخر عبد الملك ساجدا، قتل و هو ابن خمس و أربعين سنة، و قيل: ست و أربعين، و قيل اثنتين و أربعين، و قيل خمس و ثلاثين. حكاه الدارقطني. و (حمزة) قتل مع عبد اللّه بمكة أمهما الرباب بنت أنيف بن عبيد الكلبية و (عبيدة) له عقب و (جعفر) أمهما زينب بنت بشر من بني قيس بن تغلب. و كان عبيدة يشبه بأبيه. و شهد جعفر مع أخيه حروبه و استعمله على المدينة و قاتل يوم قتل أخوه قتالا شديدا. حتى جمد الدم على سيفه في يده، و له شعر كثير في كل فن و روى عن أبيه. و (عمر) و كان يكنى أبا الزبير، و كان له قدر كبير. و كان من أجمل أهل زمانه و قتل أيضا و له عقب (و خالد) له عقب أيضا. و كان استعمله أخوه عبد اللّه على اليمن: أمهما أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص.

ذكر الإناث‏

(خديجة الكبرى) أم الحسن و (عائشة) أمهن أسماء. و (حبيبة) و (سودة) و (هند) أمهن أم خالد و (رملة) أمها الرباب (و زينب) أمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، و أخوها لأمها محمد و ابراهيم و حميد و اسماعيل بنو عبد الرحمن بن عوف. و (خديجة الصغرى) أمها الجلال بنت قيس من بني أسد بن خزيمة و أخواها لأمها الزبير بن مطيع بن الأسود و عبد الرحمن بن الأسود بن أبي البختري بن هشام بن أسد بن عبد العزى ابن قصي. ذكره الدارقطني. فأما خديجة الكبرى فتزوجها عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ثم خلف عليها جبير بن مطعم ثم خلف عليها السائب بن أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى و أما أم حسن فتزوجها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فولدت له أولادا ذكورا و إناثا

299

و أما عائشة بنت الزبير فتزوجها الوليد بن عثمان بن عفان فولدت له عبد اللّه بن الوليد. و أما حبيبة فتزوجها يعلى بن أمية السهمي ثم خلف عليها عبد اللّه بن عباس بن علقمة من بني عامر بن لؤي. و أما سودة فتزوجها الأشدق عمرو بن سعيد بن العاص. ثم خلف. عليها عبد الرحمن بن الأسود بن البختري: و أما هند فتزوجها عبد الملك بن عبد اللّه بن عامر بن كريز. فولدت له رجلين و هلكا ثم خلف عليها عباس بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب فولدت له عون بن العباس. و أما رملة فتزوجها عثمان بن عبد اللّه بن حكيم بن حزام فولدت له ثم خلف عليها خالد ابن زيد بن معاوية بن أبي معاوية. و أما زينب فتزوجها عتبة بن أبي سفيان ابن حرب فولدت له أولادا. و أما خديجة الصغرى فتزوجها أبو يسار عمر ابن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن شيبة بن ربيعة، فولدت له الزبير و مصعبا ابني أبي يسار. و ليس لبنات الزبير رواية. ذكر ذلك الدارقطني، و ذكر منهن (حفصة) قال: و ماتت بعد أبيها و لم تتزوج.

300

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

301

الباب السابع في مناقب أبي محمد عبد الرحمن بن عوف و فيه عشرة فصول على ترتيب ما تقدم في طلحة

الفصل الأول في نسبه‏

و قد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة يجتمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كلاب بن مرة و ينسب إلى زهرة بن كلاب، و يقال: القرشي الزهري. أمه الشفاء (1) بنت عوف بن عبد الحارث الزهرية، أسلمت و هاجرت. ذكره ابن الضحاك و ذكره الدارقطني قال: و أسلمت أختها الضيزية بنت أبي قيس بن عبد مناف بن زهرة.

الفصل الثاني في اسمه‏

كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو؛ و قيل عبد الحارث؛ و قيل:

____________

(1) حضرت مولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): قال الإمام البوصيري: في الهزيمة:

شممته الأملاك إذ وضمته‏* * * و شفتنا بقولها الشفاء

.

302

عبد الكعبة؛ فسماه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد الرحمن، و يكنى أبا محمد و سماه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الصادق البار. ذكره الدارقطني.

الفصل الثالث في صفته‏

قال الواقدي: كان رجلا طويلا، حسن الوجه رقيق البشرة أبيض اللون مشربا بحمرة لا يغير لحيته و لا رأسه، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، أقنى، جعدا له جمة من أسفل أذنيه، أعنق، ساقط الثنيتين أعرج أصيب يوم أحد فهتم و جرح عشرين جراحة أو أكثر أصاب بعضها رجله فعرج.

(شرح)- ضخم الكفين: عظيمهما- أقنى: القنا: احديداب في الأنف يقال: رجل أقنى الأنف و امرأة قنواء بينة القنا. جعد الشعر ضد السبط. أعنق: طويل العنق؛ و المرأة بينة العنق. و الهتم: كسر الثنايا من أصلها، يقول ضربه فهتم فاه إذا ألقى مقدم أسنانه و رجل أهتم بين الهتم. و الثرم بالتحريك: سقوط الثنيتين أيضا، يقول منه: ثرم الرجل بالكسر ثرما و ثرمته أنا بالفتح.

الفصل الرابع في إسلامه‏

أسلم قديما قبل أن يدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دار الأرقم، و قد تقدم أنه من جملة من أسلم على يد أبي بكر، ذكرناه في مناقب أبي بكر، و أسلم معه أخوه الأسود بن عوف- و هاجر قبل الفتح- و أخواه لأبيه عبد اللّه بن عوف و حمن بن عوف و لم يهاجرا و أقاما بمكة، و عاش حمن في الجاهلية ستين سنة و في الإسلام ستين سنة و أوصيا إلى الزبير بن العوام.

303

الفصل الخامس في هجرته‏

و هاجر عبد الرحمن بن عوف الى المدينة. ذكره ابن قتيبة و أبو عمر و غيرهما، و قال ابن الضحاك: هاجر الهجرتين. ذكره في كتاب «الآحاد و المثاني».

الفصل السادس في خصائصه‏

ذكر اختصاصه بصلاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خلفه في بعض الأحوال‏

عن المغيرة بن شعبة قال: تخلفت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك فتبرز- و ذكر وضوءه، ثم عمد الناس و عبد الرحمن يصلي بهم فصلّى مع الناس الركعة الأخيرة؛ فلما سلم عبد الرحمن قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتم صلاته، فلما قضاها أقبل عليهم و قال: (قد أصبتم و أحسنتم) يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها. أخرجاه.

و في رواية: فأراد أن يتأخر، فأومى‏ (1) إليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يمضي فصليت أنا و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خلفه.

و في رواية: قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال لي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعه أخرجه الشافعي في مسنده.

و في رواية: فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عبد الرحمن قد صلّى بهم فصلّى خلفه و أتم الذي فاته، و قال: (ما قبض نبي حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته). أخرجه صاحب الصفوة.

____________

(1) فأشار.

304

ذكر اختصاصه بالأمانة على نساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن الزبير بن بكار قال: كان عبد الرحمن بن عوف أمين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نسائه. أخرجه أبو عمر.

ذكر إثبات أمانته في السماء و الأرض‏

عن عبد اللّه بن عمر أن عبد الرحمن بن عوف قال لأصحاب الشورى هل لكم أن أختار لكم و انتفي منها؟ قال علي: أنا أول من يرضى، فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (أنت أمين في أهل الأرض). أخرجه أبو عمر، و أخرجه الحضرمي عن علي مختصرا؛ و لفظه: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يقول: (عبد الرحمن بن عوف أمين في الأرض و أمين في السماء).

ذكر اختصاصه بأنه وكيل اللّه في الأرض‏

عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (عبد الرحمن بن عوف وكيل اللّه في الأرض). أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر اختصاصه و عثمان بآي نزلت فيهما

عن السائب في قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا ... الآية (1) نزلت في عثمان و عبد الرحمن بن عوف، فأما عثمان فقد تقدم ذكره، و أما عبد الرحمن فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأربعة آلاف درهم صدقة و قال: كان عندي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة آلاف لنفسي و عيالي و أربعة آلاف أقرضها ربي عز و جل، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (بارك اللّه لك فيما امسكت و فيما أعطيت). و نزلت الآية. أخرجه الواحدي و أبو الفرج.

____________

(1) سورة البقرة الآية 262.

305

الفصل السابع في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة

سبق في نظيره من مناقب أبي بكر حديثه و حديث سعيد بن زيد في الشهادة للعشرة.

و عن أنس رضي اللّه عنه قال بينما عائشة في بيتها إذ سمعت رجة في المدينة فقالت ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف من الشام تحمل من كل شي‏ء و كانت سبعمائة بعير، فارتجت المدينة من الصوت؛ فقالت عائشة: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (رأيت عبد الرحمن يدخل الجنة حبوا). فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: إن استطعت لأدخلها قائما.

فجعلها بأقتابها و أحمالها في سبيل اللّه عز و جل. أخرجه أحمد.

و في رواية أنه لما بلغه قول عائشة أتاها فسألها عما بلغه، فحدثته؛ فقال إني أشهدك أنها بأحمالها و أقتابها و أحلاسها في سبيل اللّه عز و جل أخرجه صاحب الصفوة.

ذكر تسليم اللّه عز و جل عليه و تبشيره بالجنة

عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال وردت قافلة من تجار الشام لعبد الرحمن بن عوف فحملها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدعا له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالجنة، فنزل جبريل و قال: (إن اللّه يقرئك السلام و يقول: أقرئ عبد الرحمن السلام و بشره بالجنة). أخرجه الملاء، و سيأتي في ذكر صدقته أتم من هذا إن شاء اللّه تعالى و هذه القافلة غير القافلة المتقدم ذكرها في الفصل قبله، فإن الظاهر أن تلك كانت بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في تلك أرى عبد الرحمن داخلا الجنة حبوا و في هذه دعا له بها.

الفصل الثامن في ذكر نبذ من فضائله‏

قال أبو عمر و غيره شهد عبد الرحمن بدرا و المشاهد كلها و ثبت مع‏

306

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. و أحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، و أحد الستة أصحاب الشورى الذين شهد عمر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توفي و هو عنهم راض، و أحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر و بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى دومة الجندل و عممه بيده و سد لها بين كتفيه و قال له: (سر باسم اللّه) و وصاه بوصايا و قال له: (إن فتح اللّه عليك فتزوج بنت شريفهم)- أو قال بنت مليكهم- و قال شريفهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي، فتزوج ابنته تماضر و هي أم ابنة أبي سلمة.

و روى أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين: ذكر ذلك كله أبو عمر و غيره.

ذكر دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له‏

عن عمر بن الخطاب قال: رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في منزل فاطمة و الحسن و الحسين يبكيان جوعا و يتضوران، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (من يصلنا بشي‏ء؟) فطلع عبد الرحمن بن عوف بصحفة فيها حيس و رغيفان بينهما إهالة. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (كفاك اللّه أمر دنياك، و أما آخرتك فأنا لها ضامن). أخرجه الحافظ أبو القاسم في الأربعين الطوال.

و عن أنس رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لعبد الرحمن بن عوف: (بارك‏ (1) اللّه في مالك و خفف عليك حسابك يوم القيامة). أخرجه الملاء.

و روى أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (سقى اللّه ابن عوف من سلسبيل الجنة) أخرجه الدارقطني في كتاب الأخوة.

____________

(1) يا لها من دعوة: في قبولها- راحة البال: في الدنيا و الآخرة، و لا شك في قبولها من خير خلق اللّه و إنه: رضي اللّه عنه- لجدير بتلك الدعوة: قال الزهري: تصدق على عهد النبي: (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأربعة آلاف، ثم بأربعين، ثم حمل على خمسمائة فرس، ثم على خمسمائة مائة راحلة، و أوصى لنساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحديقة: قومت بأربعمائة ألف، و سيأتي هنا ما يؤيد ذلك.

307

ذكر ثقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بإيمانه‏

عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطى رهطا منهم عبد الرحمن بن عوف و لم يعطه معهم، فخرج عبد الرحمن يبكي، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: ما يبكيك؟ قال أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رهطا و أنا معهم و تركني فلم يعطني شيئا، فأخشي أن يكون إنما منع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) موجدة وجدها علي، قال: فدخل عمر على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبره بخبر عبد الرحمن و ما قال، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ليس بي سخط عليه. و لكني وكلته إلى ايمانه). أخرجه عبد الرزاق.

ذكر أنه ولي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الدنيا و الآخرة

عن أويس بن أبي أويس عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: (أنت وليي‏ (1) في الدنيا و الآخرة). أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر أنه ممن سبقت له السعادة و هو في بطن أمه‏

عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: أغمي على عبد الرحمن ثم أفاق فقال: إنه أتاني ملكان فظان غليظان فقالا لي: انطلق نخاصمك إلى العزيز الأمين؛ قال: فلقيهما ملك فقال: إلى أين تذهبان به؟

فقالا: نخاصمه إلى العزيز الأمين. قال: فخليا عنه فإنه ممن سبقت له السعادة و هو في بطن أمه. أخرجه الملاء في سيرته و أخرجه الواحدي في أوسطه مسندا في سورة هود عند قوله تعالى: (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا).

ذكر إثبات الشهادة له‏

تقدم في باب العشرة حديث- (اثبت حرا (2) و فيه ما يدل على ذلك- في مناقب سعيد بن زيد؛ و وجه الشهادة مع كونه مات على فراشه‏

____________

(1) حبيبي.

(2) مقصور حراء جبل بمكة يذكر و يؤنث.

308

أنه غريب و موت الغريب شهادة على ما تضمنه الحديث، فإنه مات بالمدينة- على ما سيأتي بيانه في باب ذكر وفاته- و ليست ببلده، أو لعله كان مبطونا أو مطعونا، على أنني لم أقف على ذلك، لكنه يعلم- بالقطع- أن ثم سببا تثبت له به شهادة لسان النبوة له بذلك. و اللّه أعلم.

ذكر تزكية عثمان له‏

عن عروة بن الزبير أن الزبير جاء إلى عثمان و قال: إن عبد الرحمن ابن عوف زعم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطعه و عمر بن الخطاب أرض كذا و كذا، و إني اشتريت نصيب آل عمر، فقال عثمان: عبد الرحمن بن عوف جائز الشهادة له و عليه. أخرجه أحمد.

ذكر علمه‏

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن عمر خرج إلى الشام فلما بلغ سرغ أخبر أن الوباء قد نزل بالشام، فجمع أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستشارهم فاختلفوا، فوافق رأيه رأي الرجوع، فرجع فجاء عبد الرحمن ابن عوف- و كان متغيبا في بعض حاجته- فقال: إن عندي من هذا علما.

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (إذا وقع بأرض فلا تقدموا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه). أخرجاه، و قد تقدم مستوعبا في نظيره من مناقب عمر.

ذكر رجوع عمر إلى رأيه‏

عن أنس رضي اللّه عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلد في الخمر بالجريد و النعال و جلد أبو بكر أربعين. فلما أن ولي عمر قال: إن الناس قد دنوا من الريف، فما ترون في حد الخمر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: نرى أن نجعله كأخف الحدود؛ فجلد فيه ثمانين. أخرجاه.

309

ذكر إثبات رخصة للمسلمين بسببه و قد تقدم ذكر ذلك في فضائل الزبير لاشتراكهما في سببه. ذكر خوفه من اللّه عز و جل‏

عن سعيد بن ابراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن أتي بطعام- و كان صائما- فقال: قتل مصعب بن عمير و هو خير مني فكفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه و إن غطي رجلاه بدا رأسه، و قتل حمزة و هو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط- أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا- قد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. أخرجه البخاري.

و في بعض طرق هذا الحديث: أتي بطعام و كان صائما، فجعل يبكي و قال: قتل حمزة فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوب واحد و كان خيرا مني و قتل مصعب بن عمير: و ذكر معنى ما تقدم: و عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كان عبد الرحمن لنا جليسا و كان نعم الجليس، و إنه انقلب يوما حتى دخل بيته و دخلنا، فاغتسل ثم خرج فجلس معنا. و أتى بصحفة فيها خبز و لحم فلما وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: ملك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم يشبع هو و أهل بيته من خبز الشعير، و لا أرانا أخرنا لما هو خير لنا. أخرجه صاحب الصفوة.

و عن الحضرمي قال: قرأ رجل عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لين الصوت- أو لين القراءة- فما بقي أحد من القوم إلا فاضت عينه إلا عبد الرحمن بن عوف فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إن لم يكن عبد الرحمن فاضت عينه فقد فاض قلبه).

أخرجه الفضائلي.

ذكر تواضعه‏

عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين‏

310

عبيدة. أخرجه صاحب الصفوة.

و عن عبد الرحمن بن عوف قال: نظرت يوم بدر عن يميني و شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: أي عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت:

نعم، فما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: و غمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟) قال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى السيفين فقال: (كلا كما قتله). و قضي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسلبه لمعاذ بن عمر بن الجموح؛ الرجلان معاذ بن عمر بن الجموح و معاذ بن عفراء. أخرجاه. و موضع تواضعه رضي اللّه عنه تمنيه أن يكون بين أضلعهما و قدره أكثر من ذلك.

ذكر تعففه و استغنائه حتى أغناه اللّه عز و جل‏

عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما قدمت المدينة آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيني و بين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، و انظر أي زوجتي هويت فأنزل لك عنها فإذا حلت تزوجتها؛ فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك؛ هل من سوق فيه تجارة؟ قال سوق بني قينقاع. قال: فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأقط و سمن قال: ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء عليه أثر صفرة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (تزوجت؟) قال نعم. قال: و من، قال: امرأة من الأنصار. قال: فكم سقت؟ قال: زنة نواة من ذهب- فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم)

311

(أولم و لو شاة) أخرجه البخاري.

ذكر صلته أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يقول: (إن أمركن لمما يهمني بعدي، و لن يصبر عليكن إلا الصابرون). قال: ثم تقول عائشة: سقى اللّه أباك من سلسبيل الجنة- تريد عبد الرحمن بن عوف، و قد كان وصل أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما بيع بأربعين ألفا. أخرجه الترمذي و قال: حديث حسن‏ (1) صحيح، و أبو حاتم.

و عنه أن عبد الرحمن أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف. أخرجه الترمذي و قال: حسن غرب‏ (2).

ذكر صلته رحمه‏

عن المسور بن مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة و فقراء المسلمين و أمهات المؤمنين، و بعث إلى عائشة معي من ذلك المال، فقالت عائشة: سقى اللّه ابن عوف سلسبيل الجنة. أخرجه في الصفوة.

ذكر صدقته و بره أهل المدينة

عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشطر ماله- أربعة آلاف- ثم تصدق بألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللّه عز و جل، ثم حمل على ألف و خمسمائة راحلة في سبيل اللّه؛ و كان عامة ماله من التجارة. أخرجه صاحب الصفوة. و أخرجه الملاء عن ابن عباس و قال؛ تصدق بشطر ماله- أربعة آلاف درهم- ثم‏

____________

(1) حسن: من طريق. صحيح من طريق آخر.

(2) رواه راو فقط.

312

بأربعين ألف درهم ثم بأربعين الف دينار ثم خمسمائة فرس في سبيل اللّه، ثم وردت له قافلة من تجارة الشام فحملها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). فدعا له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالجنة فنزل جبريل و قال: إن اللّه يقرئك السلام، و يقول:

أقرئ عبد الرحمن السلام، و بشره بالجنة.

و قد تقدم في خصائصه أن قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ... (1) الآية نزلت في ذلك.

و عن طلحة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالا على عبد الرحمن بن عوف، ثلث يقرضهم ماله، و ثلث يقضي دينهم بماله، و ثلث يصلهم.

و عن عروة بن الزبير أنه قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل اللّه تعالى. أخرجهما الفضائلي.

ذكر خروجه عن جميع ماله و تسليم اللّه عليه و إخباره بقبول صدقته‏

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: مرض عبد الرحمن بن عوف فأوصى بثلث ماله، فصح فتصدق بذلك بيد نفسه ثم قال: يا أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، كل من كان من أهل بدر له علي أربعمائة دينار، فقام عثمان و ذهب مع الناس فقيل له: يا أبا عمر أ لست غنيا؟ قال هذه و صلة من عبد الرحمن لا صدقة و هو من مال حلال. فتصدق عليهم في ذلك اليوم بمائة و خمسين ألف دينار، فلما جن عليه الليل جلس في بيته و كتب جريدة بتفريق جميع المال على المهاجرين و الأنصار حتى كتب أن قميصه الذي على بدنه لفلان و عمامته لفلان، و لم يترك شيئا من ماله إلا كتبه للفقراء، فلما صلّى الصبح خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هبط جبريل و قال:

يا محمد إن اللّه يقول لك أقرئ مني على عبد الرحمن السلام و اقبل منه‏

____________

(1) سورة البقرة الآية 262.

313

الجريدة ثم ردها عليه، و قل له: قد قبل اللّه صدقتك و هو وكيل اللّه و وكيل رسوله، يصنع في ماله ما شاء، و ليتصرف فيه كما كان يتصرف قبل، و لا حساب عليه، و بشره). أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر تبرره‏ (1) بالعتق‏

عن جعفر بن برقان قال: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألفا. أخرجه صاحب الصفوة.

و قال أبو عمر: و قد روى أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا.

ذكر أمر جبريل له بإضافة الضيف و إطعام المسكين حتى أراد الخروج عن جميع ماله‏

عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول اللّه قال له: (يا ابن عوف إنك من الأغنياء، و إنك لن تدخل الجنة إلا زحفا). و في رواية حبوا- فأقرض اللّه عز و جل يطلق لك قدمك، قال ابن عوف: ما الذي أقرض اللّه؟ (قال مما أمسيت فيه)، قال: من كله أجمع يا رسول اللّه؟

قال (نعم)، فخرج ابن عوف و هو يهم بذلك. فأتى جبريل فقال: (مر ابن عوف فليضف الضيف و ليطعم المسكين و ليعط السائل؛ فإذا فعل ذلك كان كفارة لما هو فيه). أخرجه الفضائلي.

ذكر ما فضل به عبد الرحمن و غيره من السابقين على غيرهم ممن شاركهم في أعمالهم أو زاد عليهم‏

عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن رجلا من أهل المدينة قال:

و اللّه لأقدمن المدينة و لأحدثن عهدا بأصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقدم المدينة قال فلقي المهاجرين إلا عبد الرحمن بن عوف، فأخبر أنه بالجرف في أرضه، فأقبل يسير حتى إذا جاء عبد الرحمن و هو يحول الماء بمسحاة في يده‏

____________

(1) اطاعته للّه تعالى: بالعتق.

314

واضعا رداءه فلما رآه عبد الرحمن استحى فألقى المسحاة و أخذ رداءه، فوقف الرجل عليه فسلم عليه ثم قال جئتك لأمر ثم رأيت أعجب منه، هل جاءكم إلا ما جاءنا؟ و هل علمتم إلا ما علمنا؟ قال عبد الرحمن:

ما جاءنا إلا ما جاءكم و ما علمنا إلا ما علمتم فقال الرجل: فما لنا نزهد في الدنيا و ترغبون فيها و نخف في الجهاد و تتثاقلون عنه و أنتم خيارنا و سلفنا و أصحاب نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقال له عبد الرحمن: إنه لم يأتنا إلا ما جاءكم و لم نعلم إلا ما قد علمتم و لكنا ابتلينا بالضراء فصبرنا و ابتلينا بالسراء فلم نصبر. أخرجه بن حويصا.

ذكر شهادة عمر بن الخطاب بصلاحيته للخلافة لو لا ضعف فيه‏

عن ابن عمر قال خدمت عمر و كنت له هائبا معظما، فدخلت عليه ذات يوم في بيته و قد خلا بنفسه، فتنفس تنفسا ظننت أن نفسه خرجت، ثم رفع رأسه إلى السماء فقلت له و اللّه ما أخرج هذا منك إلا هم يا أمير المؤمنين قال هم و اللّه، هم شديد، إن هذا الأمر لم أجد له موضعا- يعني الخلافة- قال فذكرت له عليا و طلحة و الزبير و سعدا و عثمان، فذكر في كل واحد منهم معارضا فذكرت له عبد الرحمن بن عوف فقال: أوه!! نعم المرء! ذكرت رجلا صالحا إلا أنه ضعيف، و هذا الأمر لا يصلح له إلا الشديد من غير عنف، اللين من غير ضعف، الجواد من غير سرف، و الإمساك من غير بخل. أخرجه القاسم بن سلام في مصنفه.

الفصل التاسع في ذكر وفاته و ما يتعلق بها

توفي رضي اللّه عنه سنة إحدى و ثلاثين، و قيل اثنتين و ثلاثين، و هو ابن خمس و سبعين، و قيل اثنتين و سبعين، و دفن بالبقيع، و صلّى عليه عثمان. و كان أوصى بذلك.

و روى ابن النجار في كتاب أخبار المدينة بسنده عن عبد الرحمن بن‏

315

حميد عن أبيه قال: أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن هلم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إلى أخويك، فقال: ما كنت مضيقا عليك بيتك، إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جنب صاحبه فيكون على هذا قبر عثمان بن مظعون و قبر عبد الرحمن بن عوف في قبة ابراهيم بن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فينبغي أن يزار هناك.

ذكر ما روي عنه عند الموت‏

قال أبو عمر: لما حضرته الوفاة بكى بكاء شديدا، فسئل عن بكائه فقال إن مصعب بن عمير كان خيرا مني، توفي على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم يكن له ما يكفن فيه، و إن حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني، توفي على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم يجد له كفنا؛ و إني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا، و أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة مالي.

و قد تقدم في ذكر خوفه صدور هذا القول عنه و هو صائم و لعله تكرر منه و هو الأظهر؛ أو كان صائما و قد حضرته الوفاة، و قد تقدم أيضا في ذكر صدقته أنه أوصى أن يتصدق من ماله بخمسين ألف دينار، و في ذكر صلته لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه أوصى لهم بحديقة فبيعت بأربعمائة ألف.

ذكر ما خلفه‏

عن محمد أن عبد الرحمن بن عوف توفي و كان فيما خلفه ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، و ترك أربع نسوة فأصاب كل امرأة ثمانون ألفا أخرجه في الصفوة.

و قال أبو عمر: كان تاجرا مجدودا (1) في التجارة، فكسب مالا كثيرا و خلف ألف بعير و ثلاثة آلاف شاة و مائة فرس ترعى بالبقيع، و كان يزرع‏

____________

(1) محظوظا.

316

بالجرف على عشرين ناضحا، فكان يدخل من ذلك قوت أهله سنة.

و عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة و ثمانين ألفا- و في رواية من ربع الثمن. أخرجه أبو عمر.

و قال الطائي: قسم ميراثه على ستة عشر سهما فبلغ نصيب كل امرأة ثمانين ألف درهم.

الفصل العاشر في ولده و كان له ثمانية و عشرون ذكرا و ثمان بنات‏

ذكر الذكور

(محمد) و به كان يكنى، ولد في الاسلام، و (سالم الأكبر) مات قبل الإسلام، أمهما أم كلثوم بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قاله أبو عمر و ذكر ابن قتيبة و صاحب الصفوة أن محمدا أخو حميد لأمه، و سيأتي؛ و (أبو سلمة الفقيه) و اسمه عبد الله الأصغر، أمه تماضر بنت الأصبغ، ذكره ابن قتيبة و غيره و (إبراهيم) و (إسماعيل) و (حميد) أمهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ذكره في الصفوة و (زيد) قال ابن قتيبة:

أمه أم ابراهيم، و قال في الصفوة، أمه أم معن، و سيأتي ذكره و (معن) و (عمر) أمهما سهلة بنت عاصم بن عدي، و (عروة الأكبر) أمه بحرية بنت هانئ و (سالم الأصغر) أمه سهلة بنت سهيل بن عمر، و (أبو بكر) أمه أم حكيم بنت قارظ، و (عبد اللّه) أمه بنت أبي الخشخاش؛ و (عبد الرحمن) أمه أسماء بنت سلامة؛ و (مصعب أمه أم حريث من سبي بهراء، و (سهيل) أبو الأبيض أمه مجد بنت يزيد؛ و (عثمان) أمه عراك بنت كسرى، أم ولد، و (عروة) و (يحيى) و (بلال): لأمهات أولاد.

317

ذكر البنات‏

(أم القسم) ولدت في الجاهلية، أمها أم سالم الأكبر، و قال في الصفوة أمها بنت شيبة بنت ربيعة و (حميدة) و (أمة الرحمن الكبرى) أمهما أم حميد؛ و (أمة الرحمن الصغرى) شقيقة معن، و (أم يحيى) أمها زينب بنت الصباح؛ و (جويرية) أمها بادنة بنت غيلان؛ و (أمية) و (مريم) شقيقتا مصعب.

318

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

319

الباب الثامن في مناقب سعد بن مالك و فيه عشرة فصول على ترتيب فصول طلحة

الفصل الأول في نسبه‏

و قد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة في ذكر الشجرة، يجتمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كلاب بن مرة، و ينسب الى زهرة بن كلاب، فيقال:

القرشي الزهري، و يجتمع هو و عبد الرحمن في زهرة.

عن سعد بن أبي وقاص أنه قال للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): من أنا يا رسول اللّه؟

(قال أنت سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة؛ من قال غير ذلك فعليه لعنة اللّه). أخرجه الضحاك. أمه حمنة بنت سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس. قاله ابن قتيبة و الدارقطني و غيرهما.

الفصل الثاني في اسمه‏

و لم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام سعدا و يكنى أبا إسحاق.

320

الفصل الثالث في صفته‏

و كان رجلا قصيرا غليظا، ذا هامة، شثن الأصابع، آدم، جعد الشعر، أشعر الجسد، يخضب بالسواد، ذهب بصره في آخر عمره؛ و قيل إنه كان طويلا، ذكر ذلك كله ابن قتيبة و صاحب الصفوة.

الفصل الرابع في إسلامه‏

قال أبو عمر: أسلم قديما بعد ستة هو سابعهم و هو ابن تسع عشرة سنة قبل أن تفرض الصلاة، و هو ممن أسلم على يد أبي بكر. و قد تقدم ذكر ذلك.

و عن سعد بن المسيب قال: سمعت سعدا يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام.

أخرجه البخاري و البغوي في معجمه و قال: ما أسلم أحد قبلي؛ و قال:

ستة أيام.

و عن جابر بن سعد عن أبيه قال: لقد رأيتني و أنا ثلث الإسلام.

أخرجه البخاري.

و عن عائشة بنت سعد قالت: لقد مكث أبي يوما إلى الليل و إنه لثلث الإسلام. أخرجه البغوي في المعجم.

و عنها قالت: لقد سمعت أبي يقول: رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئا إذ أضاء لي قمر فاتبعته، فكأني أنظر من سبقني إلى ذلك القمر فأنظر إلى زيد بن حارثة و إلى علي بن أبي طالب و إلى أبي بكر، و كأني أسألهم. متى انتهيتم إلى هاهنا؟ و بلغني أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدعو للإسلام مستخفيا، فلقيته في شعب أجياد قد صلى العصر،

321

فقلت له: إلام تدعو؟ قال: (تشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه؟). قلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أنك رسول اللّه؛ فما تقدمني إلا هم: أخرجه الفضائلي؛ و هذا يرد ما خرجه البغوي إذ قال:

ما أسلم أحد قبلي و لعله يريد: ما أسلم أحد قبلي، أي في اليوم الذي أسلمت فيه.

و كذلك رواه صاحب الصفوة عن سعيد بن المسيب قال: كان سعيد يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ... ثم ذكر حديث البخاري المتقدم.

و كذلك أخرجه ابن الضحاك، و لكنه قال: سبع الإسلام، و لفظه:

عن سعيد عن سعد أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، و لقد مكثت تسعة أيام و إني لسبع الإسلام.

و أسلم أخواه لأبويه عامر و عمير ابنا أبي وقاص و أخواه لأبيه عتبة بن أبي وقاص و خالدة بنت أبي وقاص.

فأما عامر فكان من مهاجرة الحبشة، ثم هاجر الى المدينة، و كان فاضلا، روى سعد بن أبي وقاص أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال يوما: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة) فطلع أخي عامر.

و أما عمير فشهد بدرا و هو ابن ست عشرة سنة- فيما يقال- و أراد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يرده فبكى، فخرج به معه فاستشهد يومئذ.

عن سعد قال: كان يوم بدر قتل أخي عمير، و قتلت سعيد بن العاص و أخذت سيفه و كان يسمى ذا الكتيبة، فأتيت به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (اذهب فاطرحه في القبض). قال: فرجعت و بي ما لا يعلمه إلا اللّه من قتل أخي و أخذ سلبي، فما مكثت إلا قليلا حتى أنزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سورة الأنفال، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (اذهب فخذ سيفك).

322

و أما عتبة بن أبي وقاص فشهد أحدا مع المشركين، و يقال: هو الذي رمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكسر رباعيته، و رمي وجهه.

و أما خالدة فتزوجها سمرة بن جنادة السواي، و ولدت له ذكره الدارقطني.

الفصل الخامس في هجرته‏

و لم أظفر بشي‏ء يخصها، و لا شك فيه، و وقائعه في بدر و أحد و غيرها تدل عليها، و لم يزل ملازما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أن توفي و هو عنه راض.

الفصل السادس في خصائصه‏

ذكر اختصاصه بأنه أول العرب رمى بسهم في سبيل اللّه‏

عن سعد بن مالك قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللّه.

أخرجاه، و أخرجه أبو عمر و زاد: و ذلك في سرية عبيدة بن الحارث، و كان معه يومئذ المقداد بن عمرو و عتبة بن غزوان أخرجه صاحب الصفوة أيضا.

ذكر اختصاصه بدعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يستجاب دعاؤه فكان ذا دعوة مجابة

عن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (اللهم استجب لسعد إذا دعاك).

أخرجه الترمذي، و أخرجه أيضا عن قيس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: ...

الحديث.

و عن جبير بن مطعم بن المقداد أن سعدا قال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يستجيب دعائي؛ قال: (يا سعد، إن اللّه لا يستجيب دعاء عبد

323

حتى يطيب طعمته) قال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يطيب طعمتي، فإني لا أقوى إلا بدعائك؛ قال: (اللهم أطب طعمة سعد)؛ فإن كان سعد ليرى السنبلة من القمح في حشيش دوابه فيقول: ردوها من حيث حصدتموها. أخرجه الفضائلي.

و عن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن جده قال: قال سعد: يا رب إن لي بنين صغارا فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة. أخرجه في الصفوة.

و عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعد بن مالك إلى عمر فقالوا: لا يحسن الصلاة. فقال سعد: أما أنا فكنت أصلي بهم صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أركد في الأوليين، و أخفف في الأخريين؛ فقال عمر:

ذلك الظن بك يا أبا إسحاق؛ قال فبعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة؛ قال: فلا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا أثنوا عليه خيرا و قالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من مساجد بني عبس، قال: قال رجل- يقال له أبو سعدة-: اللهم إنه كان لا يسير بالسرية، و لا يعدل في القضية، و لا يقسم بالسوية؛ قال: فقال سعد: أما و اللّه لأدعون بثلاث: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره و أطل فقره و عرضه للفتن؛ فكان بعد ذلك يقول إذا سئل: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

قال جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر و إنه ليتعرض للجواري في الطرق فيعهرهن.

و في رواية أما أنا فأركد في الأوليين و أحذف في الأخريين، و لا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): قال: صدقت؛ ذلك الظن بك- أو ظنى بك- أبا إسحاق. أخرجه البخاري؛ و أخرجه البرقاني على شرطهما بنحوه، و قال: فقال عبد الملك بن عمير- الراوي عن جابر- فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، و إذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة؟ قال:

324

كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

و عنده: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره، و أطل عمره .. ثم ذكر ما بعده.

و روى أن ابنته كانت تشرف عليه عند وضوئه، فنهاها عن ذلك فلم تنته فدعا عليها، و قال شاه وجهك، فلم تزل شوهاء.

و دخل عليه مولى لابنه عمير يشتكي إليه و قد ضربه عمير حتى أدماه، فنهاه عن ضربه، و أمره فيه بمعروف، فأغلظ له في القول. فقال: أجرى اللّه دمك على عقبيك، فقتله المختار بن أبي عبيد أخرجهما الملاء.

قال أبو عمر: و كان سعد مشتهرا بإجابة الدعوة؛ تخاف دعوته و ترجى، لاشتهار إجابتها عندهم.

ذكر اختصاصه بدعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بتسديد السهم‏

عن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (اللهم سدد سهمه، و أجب دعوته).

أخرجه أبو عمر و أبو الفرج في الصفوة.

ذكر اختصاصه بجمع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له أبويه يوم أحد

عن علي (عليه السلام) قال: ما جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: (ارم، فداك أبي و أمي). أخرجه مسلم و الترمذي: و قال حسن صحيح.

و أخرجه من طريق آخر و لفظه: ما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يفدي أحدا بأبويه. الحديث، و قال حسن صحيح.

و عنه قال: ما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدى رجلا غير سعد؛ فإنه قال‏

325

يوم حنين و يوم أحد: (ارم، فداك أبي و أمي). أخرجه الملاء.

و عنه قال: ما جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك قال: (ارم، فداك أبي و أمي، و أنت الغلام الحسن). أخرجه أبو بكر يوسف بن يعقوب بن البهلول.

و عن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جمع له أبويه يوم أحد؛ قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ارم، فداك أبي و أمي قال): فنزعت له بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جبينه، فسقط و انكشفت عورته، فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى رأيت نواجذه.

أخرجاه.

و أخرج الترمذي منه: جمع أبويه يوم أحد.

و في بعض طرقه: نثر لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كنانته يوم أحد، و قال:

(ارم، فداك أبي و أمي) أخرجاه.

قال أبو عمر: لم يقل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فداك أبي و أمي- فيما بلغنا- إلا لسعد و الزبير، فإنه قال لكل واحد منهما ذلك؛ و قد تقدم أين قال ذلك للزبير في خصائصه.

ذكر اختصاصه بموافقته تمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا صالحا يحرسه عند قدومه المدينة و قد أرق ليلة

عن عائشة قالت: أرق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات ليلة، فقال: (ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة)؛ فقالت: فسمعنا صوت السلاح، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (من هذا؟) قال: سعد بن أبي وقاص يا رسول اللّه، جئت أحرسك. قالت عائشة: فنام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى سمعنا غطيطه.

و عنها قالت: سهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقدمه المدينة ليلة، فقال: (ليت‏

326

رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة؛) قالت: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح، فقال: (من هذا؟) قال: سعد بن أبي وقاص؛ قال: ما جاء بك؟) قال: وقع في نفسي خوف على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجئت أحرسه؛ فدعا له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). أخرجه مسلم و الترمذي.

ذكر اختصاصه برؤية جبريل و ميكائيل عن يمين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يساره يوم أحد

عن سعد قال: رأيت عن يمين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل و لا بعد:

يعني جبريل و ميكائيل. أخرجاه و أبو حاتم.

ذكر اختصاصه بقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا خالي فليرني المرء خاله‏

عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: أقبل سعد فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (هذا خالي، فليرني امرؤ خاله). أخرجه الترمذي، و قال: غريب.

قال: و كان سعد من بني زهرة؛ و أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بني زهرة؛ فلذلك قال: خالي.

ذكر اختصاص عمر إياه من بين أهل الشورى بالأمر بالاستعانة إن لم يصبه الأمر

عن عمر بن ميمون ... الحديث، تقدم في فصل خلافة عثمان، و فيه: (فإن أصاب الأمر سعدا فهو ذاك، و إلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز و لا خيانة). أخرجه البخاري و أبو حاتم.

ذكر اختصاصه بآيات نزلت فيه‏

عن سعد أنه قال: نزلت في آيات من القرآن، قال: حلفت أم‏

327

سعد لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، و لا تأكل و لا تشرب؛ قال:

قالت: زعمت أن اللّه أوصاك بوالديك، فأنا أمك، و أنا آمرك بهذا؛ قال فمكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة، فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل اللّه تعالى: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ... (1) إلى‏ وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً.

قال: و أصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله؛ فقال: رده من حيث أخذته، فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه فقلت: أعطنيه؛ قال: فشد بي صوته: رده من حيث أخذته؛ فأنزل اللّه عز و جل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ‏ (2).

قال: مرضت، فأرسلت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأتاني، فقلت: دعني أقسم ما لي حيث شئت. قال: فأبى؛ قلت؛ فالنصف؛ فأبى؛ قلت:

فالثلث، فسكت، فكان يعد الثلث جائزا.

قال: و أتيت على نفر من الأنصار و المهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك و نسقك خمرا، و ذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش- و الحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم و زق من خمر؛ قال: فأكلت و شربت معهم، قال: فذكرت الأنصار و المهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به، فجرح أنفي، فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته، فأنزل اللّه عز و جل فيّ- يعني نفسه- شأن الخمر: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ

____________

(1) سورة لقمان الآية 15.

(2) سورة الأنفال الآية 1.

328

وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‏ (1). أخرجه مسلم.

(شرح)- الجهد: بفتح الجيم المشقة، يقال: جهد دابته و أجهدها إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، و الجهد بضمها و فتحها الطاقة و منه:

(و الذين لا يجدون إلا اجهدهم) قرئ بهما، و قال الفراء هو بالضم الطاقة و بالفتح من قولك اجهد جهدك في هذا الأمر، أي ابلغ غايتك، و لا يقال أجهد جهدك بالضم- و القبض: بالتحريك هو ما قبض من أموال الناس، و بالإسكان: خلاف البسط.

و عن سعد قال: نزلت‏ وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ‏ (2) في ستة أنا و ابن مسعود منهم، و كان المشركون قالوا: لا يدني هؤلاء.

و عنه قال: كنا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ستة نفر، فقال المشركون، اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا؛ قال: و كنت أنا و ابن مسعود و رجل من هذيل و بلال و رجلان لست أسميهما؛ فوقع في نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما شاء أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل اللّه: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏ (3).

أخرجهما مسلم.

الفصل السابع في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة

تقدم في باب العشرة عبد الرحمن بن عوف و سعيد بن زيد في العشرة و هو منهم.

و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (أول من‏

____________

(1) سورة المائدة الآية 90.

(2) سورة الأنعام الآية 52.

(3) سورة الأنعام الآية 52.

329

يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة). فدخل سعد بن أبي وقاص أخرجه أحمد.

و أخرج الفضائلي معناه عن أنس، و لفظه: بينا نحن جلوس عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة). فطلع سعد بن أبي وقاص؛ حتى إذا كان الغد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مثل ذلك، فطلع سعد.

و أخرجه ابن المثنى في معجمه عن ابن عمر و لفظه: قال: كنا جلوسا عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة). فليس منا أحد إلا و هو يتمنى أن يكون من أهل بيته؛ فإذا سعد قد طلع.

الفصل الثامن في ذكر نبذ من فضائله‏

قال أبو عمر و غيره: شهد سعد بدرا و الحديبية و المشاهد كلها، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الستة أهل الشورى الذين أخبر عمر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توفي و هو عنهم راض، و أحد من كان على حراء حين تحركت بهم الصخرة فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (اثبت حرا فما عليك إلا نبي و صديق و شهيد) فكانت شهادة من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالشهادة.

و قد تقدم الحديث مستوف في باب ما دون العشرة. و كان سابع سبعة في الإسلام على ما تقدم في فصل إسلامه، و أحد الفرسان الشجعان، و أحد من كان يحرس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مغازيه، و هو الذي كوف الكوفة، و نفى الأعاجم، و تولى قتال فارس، و كان على يديه فتح القادسية و غيرها، و ولاه عمر الكوفة فشكاه أهلها و رموه بالبهتان، فدعا على الذي واجهه بالكذب دعوة ظهرت فيها إجابته، و عزله عمر لما شكاه أهل الكوفة،

330

و ولى عمار بن ياسر الصلاة و عبد اللّه بن مسعود بيت المال و عثمان بن حنيف مساحة الأرضين، ثم عزل عمارا و أعاد سعدا على الكوفة ثانيا، ثم عزله و ولى جبير بن مطعم، ثم عزله قبل أن يخرج إليها، و ولى المغيرة ابن شعبة، و قيل إن عمر لما ولى سعدا بعد أن عزله أبى عليه، و قال: لا أعود لقوم يزعمون أني لا أحسن أصلي فتركه؛ و رام منه ابنه عمر و ابن أخيه هاشم أن يدعو إلى نفسه بعد قتل عثمان فأبى، فصار هاشم إلى علي، و كان سعد ممن لزم بيته في الفتنة، و أمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشي‏ء حتى تجتمع الأمة على إمام.

و قد تقدم ثناء اللّه عليه بأنه من‏ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏ و في ذكر اختصاصه بنزول آيات فيه.

ذكر دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالشفاء من مرضه فشفي‏

عن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عاده عام حجة الوداع بمكة من مرض أشفى فيه فقال سعد: يا رسول اللّه، قد خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (اللهم اشف سعدا). ثلاث مرات- و فيه ذكر الوصية و قوله: (و الثلث كثير؛ و فيه: إن صدقتك من مالك صدقة،) أن نفقتك على عيالك صدقة، و إن ما تأكل امرأتك من مال صدقة. أخرجاه.

ذكر إثبات الشهادة له‏

تقدم حديث هذا الذكر في مثله من باب العشرة، و سيأتي في مناقب سعد و وجه شهادته في ما تقدم نظيره من مناقب عبد الرحمن بن عوف.

ذكر أنه ناصر الدين‏

عن أبي هريرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (يا سعد أنت ناصر الدين‏

331

حيث كنت). أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر اتباعه للسنة

تقدم في خصائصه في الأولى منها قوله في صلاته. و لا آلو ما اقتديت من صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخرجه البخاري.

و عن عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا- أو يخبطه- فسلبه، فلما رجع سعد جاء أهله فكلموه أن يرد على غلامهم- أو عليهم- فقال: معاذ اللّه أن أرد شيئا نفلنيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أبي أن يرد عليهم. أخرجه مسلم.

ذكر شجاعته‏

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

(سعد بن أبي وقاص يعد بألف فارس). أخرجه الملاء في سيرته.

و قد تقدم في خصائص طلحة من حديث مسلم أنه لم يبق مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة و سعد.

ذكر صبره مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع ضيق العيش‏

عن سعد قال: إني لأول العرب رمى سهما في سبيل اللّه، و لقد كنا نغزو مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما لنا طعام إلا ورق الحبلة و هذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط. أخرجاه.

ذكر شدته في دين اللّه‏

عن سعد قال: أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رهطا و أنا جالس، فترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منهم رجلا هو أعجبهم إليّ، فقلت: مالك عن فلان؟

و اللّه إني لأراه مؤمنا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (أو مسلما). ذكر ذلك سعد ثلاثا، و أجابه بمثل ذلك، ثم قال: (إني لأعطي الرجل العطاء و غيره‏

332

إلى أحب منه خشية أن يكبه اللّه عز و جل على وجهه في النار).

قال الزهري: فرأى أن الإسلام الكلمة و الإيمان العمل الصالح أخرجاه.

ذكر زهده‏

تقدم في النثر في أول الفصل طرف منه.

و عن عامر بن سعد قال: بينا سعد في إبله فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ باللّه من شر الراكب، فقال له نزلت في إبلك و تركت الناس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سعد صدره و قال: اسكت، سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (إن اللّه يحب العبد التقيّ العي الخفيّ).

أخرجه مسلم.

ذكر تواضعه و عدله و شفقته على رعيته و حيائه‏

عن أبي المنهال أن عمر بن الخطاب سأل عمرو بن معد يكرب عن سعد فقال: متواضع في جبايته، عربي في نمرته، أسد في تاموره، يعدل في القضية، و يقسم بالسوية، و يبعد في السرية، و يعطف عليها عطف البرة، و ينقل إلينا خفيا نقل الذرة أخرجه الفضائلي.

و في رواية بعد قوله (و يقسم بالسوية) و هو لنا كالأب البر و الأم المتحننة، و إذا صاح الصائح أسد في تاموره، هو مع ذلك عاتق في حجلتها من الحياء، لم أر مثله. قال عمر: لم أر كاليوم ثناء أحسن منه.

ذكر صدقه‏

عن ابن عمر أن سعدا حدثه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه مسح علي الخفين و أن ابن عمر سأل عن ذلك عمر فقال: نعم إذا حدث سعد عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا تسأل عنه غيره. أخرجه البخاري.

333

ذكر حرصه على البر و الصدقة

عن سعد قال: عادني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول اللّه إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى و لا يرثني إلا ابنة، أ فأتصدق بكل مالي؟ قال: (لا). قلت: فالشطر يا رسول اللّه؟ قال: (لا). قلت: فالثلث؟ قال: (الثلث، و الثلث كثير أو كبير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس). أخرجاه.

الفصل التاسع في ذكر وفاته و ما يتعلق بها

قال أبو عمر و غيره: مات سعد بن أبي وقاص في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، و حمل على أعناق الرجال إلى المدينة، و دفن بالبقيع، و صلّى عليه مروان بن الحكم و هو يومئذ والي المدينة، ثم صلّى عليه أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حجرهن. ذكره أبو عمر و صاحب الصفوة.

و قال الفضائلي: أدخل المسجد و وضع عند بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بفناء الحجر فصلى الإمام عليه و صلّى أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصلاة الإمام.

و عن موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة قال: لما توفي سعد أرسل أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن مروا بجنازته في المسجد، ففعلوا فوقف به على حجرهن فصلين عليه، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك و قالوا ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد! ما صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على سهل بن بيضاء إلا في جوف المسجد: أخرجه مسلم.

قال في الصفوة: و كان سعد أوصى أن يكفن في جبة صوف له كان لقي المشركين فيها يوم بدر، فقال: أخبأها لهذا، فكفن فيها. و ذكره‏

334

الفضائلي و القلعي.

قال ابن قتيبة: كان آخر العشرة موتا. و قال الفضائلي: كان آخر المهاجرين وفاة.

قال الواقدي: و كان ذلك سنة خمس و خمسين، و قيل أربع و خمسين و قيل ثمان و خمسين. حكاه أبو عمر. و له بضع و ستون سنة، و قيل بضع و سبعون، و قيل بضع و ثمانون، و قيل بضع و تسعون، ذكره ابن قتيبة و أبو عمر و غيرهما.

الفصل العاشر في ذكر ولده‏

و كان له من الولد أربعة و ثلاثون ولدا. سبعة عشر ذكرا و سبع عشرة أنثى.

ذكر الذكور

(إسحاق الأكبر) و به كان يكنى، أمه ابنة شهاب، و (عمر) قتله المختار و (محمد) قتله الحجاج، أمهما بنت قيس بن معدي كرب و (عامر) و كان يروي عنه الحديث، و (اسحاق الأصغر) و (إسماعيل) أمهم أم عامر بنت عمرو، و (إبراهيم) و (موسى) أمهما زبد، و (عبد اللّه) أمه خولة بنت عمرو، و (عبد اللّه الأصغر) و (بجير) و اسمه عبد الرحمن، أمهما أم هلال بنت ربيع بن مري، و (عمير الأكبر) أمه أم حكيم بنت قارظ، و (عمير الأصغر) و (عمرو. و عمران) أمهم سلمى بنت حفص و (صالح) أمه ظبية بنت عامر، و عثمان، أمه أم حجير.

ذكر الإناث‏

(أم الحكم الكبرى) شقيقة إسحاق الأكبر، و (حفصة) و (أم‏

335

القسم و (كلثوم) شقائق عمر و محمد، و (أم عمران) شقيقة إسحاق الأصغر، و (أم الحكم الصغرى) و أم عمرو) و (هند) و (أم الزبير) و (أم موسى) أمهن زبد، و (حمنة) أخت بجير، و (حمنة) أخت عمير الأكبر، و (أم عمر) و (أم أبونا) و (أم إسحاق) أمهن سلمى، و (رملة) أخت عثمان، و (عمرة) و هي العمياء أمها من سبي العرب و (عائشة). ذكر ذلك كله ابن قتيبة و صاحب الصفوة.

336

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

337

الباب التاسع في مناقب أبي الاعور سعيد بن زيد و فيه عشرة فصول‏

الفصل الأول في نسبه‏

و قد تقدم ذكره في ذكر الشجرة من باب العشرة، يجتمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كعب بن لؤي، و ينسب إلى عدي بن كعب فيقال القرشي العدوي و عمر بن الخطاب ابن عم أبيه. كان أبوه زيد يطلب دين الحنفية دين إبراهيم قبل أن يبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان لا يذبح للأنصاب و لا يأكل الميتة و لا الدم، و خرج يطلب الدين هو و ورقة بن نوفل فتنصر ورقة، و أبي هو التنصر، فيقول له الراهب: إنك تطلب دينا ما هو على الأرض اليوم، قال: و ما هو؟ قال: دين إبراهيم، كان يعبد اللّه لا يشرك به شيئا، و يصلي إلى الكعبة، و كان زيد على ذلك حتى مات.

و عن سعيد بن زيد قال: خرج ورقة بن نوفل و زيد بن عمرو يطلبان الدين، حتى مرا بالشام، فأما ورقة فتنصر و أما زيد فقيل له: إن الذي تطلب أمامك. قال: فانطلق حتى أتى الموصل؛ فإذا هو براهب، فقال: من أين أقبل صاحب الراحلة؟ قال: من بيت إبراهيم قال: ما

338

يطلب؟ قال: الدين. فعرض عليه النصرانية، فقال: لا حاجة لي فيها، و أبي أن يقبل. فقال: إن الذي تطلب سيظهر بأرضك، فأقبل و هو يقول:

لبيك حقا حقا* * * تعبدا ورقا

مهما تجشمني فإني جاشم‏* * * عذت بما عاذ به ابراهم‏ (1)

قال: و مر بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه أبو سفيان بن الحرث يأكلان من سفرة لهما، فدعواه إلى الغداء، فقال: (يا بن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب) قال: فما رئي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: فأتاه سعيد بن زيد فقال: إن زيدا كان كما قد رأيت و بلغك، استغفر له. قال: نعم؛ فاستغفر له، و قال: (إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده). أخرجه أبو عمر.

(شرح)- تجشمني: أي تحملني تقول جشمت الأمر بالكسر جشما و تجشمته إذا تكلفته على مشقة، و أجشمته إذا كلفته إياه.

و عن أسماء قالت: رأيت زيد بن عمرو بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش و اللّه ما منكم على دين إبراهيم غيري.

و كان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذ أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها و أنا أكفيك مئونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها أليك و إن شئت كفيتك مئونتها. أخرجه البخاري.

و عن ابن زيد عن أبيه قال في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها (2) نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون اللّه عز و جل: زيد بن عمرو بن نفيل، و أبو ذر، و سلمان، أولئك‏

____________

(1) لغة: في ابراهيم.

(2) سورة الزمر الآية 17.

339

الذين هداهم اللّه بغير كتاب و لا نبي. أخرجه الواحدي و أبو الفرج في أسباب النزول.

أمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية ذكره أبو عمر.

الفصل الثاني في اسمه‏

و لم يزل اسمه في الجاهلية ثم في الإسلام سعيدا، و كان كذلك لفظا و معنى، و يكني أبا الأعور.

الفصل الثالث في صفته‏

كان آدم طوالا أشعر. قاله الواقدي.

الفصل الرابع في إسلامه‏

أسلم هو و زوجته أم جميل بنت الخطاب أخت عمر قديما، و كان إسلامه قبل إسلام عمر، و بسبب زوجته كان إسلام عمر، و قد تقدم ذكر ذلك في فصل إسلام عمر.

عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: و اللّه لقد رأيتني و إن عمر لموثقي على الإسلام أنا و أخته قبل أن يسلم عمر.

أخرجه رزين.

و أسلمت أخته عاتكة بنت زيد و كانت حسناء جميلة بارعة الجمال فيما يقال، تزوجها عبد اللّه بن أبي بكر فشغلته عن الغزو، فأمره أبوه بطلاقها و قال: قد شغلتك عن المغازي، فطلقها، فمر به يوما و هو يقول:

و لم أر مثلي طلّق اليوم مثلها* * * و لا مثلها من غير جرم تطلّق‏

340

لها خلق جزل و رأي و منصب‏* * * و خلق سوى في الحياة و مصدق‏

فرق له أبوه فأذن له في مراجعتها، فراجعها و قتل عنها فقالت ترثيه:

رزئت بخير الناس بعد نبيهم‏* * * و بعد أبي بكر و ما كان قصرا

فآليت لا تنفكّ عيني حزينة* * * عليك و لا ينفكّ جنبي أغبرا

في أبيات. ثم خلف عليها عمر بن الخطاب، فلم تزل عنده حتى قتل عنها فرثته بأبيات؛ ثم خلف عليها الزبير بن العوام، و كانت تخرج إلى المسجد ليلا و كان يكره مخرجها و يتحرج من منعها، فخرجت ليلة إلى المسجد و خرج الزبير فسبقها إلى مظلم من طريقها فوضع يده على بعض جسدها فرجعت تسبح ثم لم تخرج بعد ذلك فقال لها الزبير: ما لك لا تخرجين الى المسجد؟ قالت: يا أبا عبد اللّه فسد الناس؛ فقال: أنا فعلت ذلك؛ فقالت: أ ليس يقدر غيرك يفعل مثله؟ فلم تخرج حتى قتل عنها الزبير، فرثته بأبيات فقالت:

غدر ابن جرموز بفارس بهمة* * * يوم اللقاء و كان غير مفدد

يا عمرو لو نبهته لوجدته‏* * * لا طائشا رعش الجنان و لا اليد

كم غمرة قد خاضها لم يثنه‏* * * عنها طراؤك يا بن فقع القردد

و اللّه ربّك إن قتلت لمسلما* * * حلّت عليك عقوبة المتعمّد

و يقال إن عبد اللّه بن الزبير صالحها على ميراثها من الزبير على ثمانين ألفا فقبلتها؛ ثم خطبها علي بن أبي طالب، فقالت: إني أضن بك يا بن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن القتل، و يقال: خطبها عمرو بن العاص و محمد ابن أبي بكر فامتنعت عليهما.

الفصل الخامس في هجرته‏

قال أبو عمر: و هاجر هو و زوجته أم جميل فاطمة بنت الخطاب.

341

الفصل السادس في خصائصه‏

لم ينقل له من الخصائص غير ما ثبت لأبيه فإنه لم ينقل في فضل أحد من آباء العشرة ما نقل في فضل زيد بن عمرو، كما تقدم.

الفصل السابع في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة

تقدمت أحاديث هذا الفصل في نظيره من باب العشرة.

الفصل الثامن في ذكر نبذ من فضائله‏

قال أبو عمرو و غيره: شهد سعيد المشاهد كلها مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا بدرا.

قال الواقدي: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و طلحة إلى الشام يتجسسان الأخبار، ثم رجعا فقدما إلى المدينة يوم وقعة بدر. و قد تقدم الحديث في فصل فضائل طلحة، فلذلك كانا معدودين من البدريين.

قال البغوي في معجمه: فضرب له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسهمه، قال:

و أجري؟ قال: و أجرك. و أخرجه ابن الضحاك أيضا.

و كانت له بنت عند الحسن بن الحسن بن علي. ذكره الطائي.

ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالشهادة

عن عبد اللّه بن سالم عن سعيد بن زيد قال: كنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحرا فقال: (أثبت حرا فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)، قيل و من هم؟ قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة

342

و الزبير و سعد بن مالك و عبد الرحمن بن عوف؛ قال: قيل فمن العاشر؟

فقال أنا. أخرجه الترمذي و قال: حسن صحيح. و قد تقدم الحديث مختصرا في باب العشرة.

و سيأتي في ذكر وفاته أنه مات بالمدينة على فراشه. فوجه شهادته ما تقدم في نظيره من مناقب عبد الرحمن بن عوف، فإن سعدا و سعيدا و عبد الرحمن ماتوا على فرشهم بمقبرة المدينة فحكمهم واحد.

ذكر أنه ذو دعوة مجابة

عن سعيد بن زيد أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها و إياها، فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من أخذ شبرا من الأرض بغير حق طوقه في سبع أرضين يوم القيامة) اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها و اجعل قبرها في دارها. قال محمد بن زيد: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، و تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد؛ فبينما هي تمشي في الدار إذ مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها. أخرجه مسلم، و أخرجه أبو عمر و قال: اللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تعمي بصرها و تجعل قبرها في بئر.

ذكر زهده‏

روي أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة يقول: أخبرني عن حال الناس، و أخبرني عن خالد بن الوليد أي رجل هو، و أخبرني عن يزيد بن أبي سفيان و عمرو بن العاص كيف هما و حالهما و نصيحتهما للمسلمين؛ فقال:

خالد خير رجل و أنصحه للمسلمين و أشده على عدوهم، و عمرو و زيد نصحهما وجدهما كما تحب؛ قال: عن أخويك سعد بن يزيد و معاذ بن جبل؟ قال: كما عهدت، إلا أن السواد زادهما في الدنيا زهدا و في الآخرة رغبة أخرجه أبو حذيفة و إسحاق بن بشر في فتوح الشام.

343

و أخرج أيضا أن أبا عبيدة ولى سعيدا دمشق، ثم خرج حتى أتى الأردن فنزلها فعسكر، و بعث عليهم خالد بن الوليد و يزيد بن أبي سفيان، فلما بلغ ذلك سعيد بن زيد كتب إلى أبي عبيدة: (سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإني ما كنت لأوثرك و أصحابك بالجهاد على نفسي و على ما يدنيني من مرضاة ربي، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إلى عملك من هو أرغب إليه مني، فإني قادم عليك و شيكا إن شاء اللّه تعالى. و السلام عليك) فلما بلغ الكتاب أبا عبيدة قال: ليتركنها. ثم دعا يزيد بن أبي سفيان فقال: اكفني دمشق.

(شرح)- و شيكا سريعا، تقول منه و شك بالضم يوشك و شكا أي يسرع.

ذكر احترام الولاة له و وصية أم المؤمنين حين وفاتها أن يصلي عليها

عن ابن سعيد بن زيد قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى مروان ابن الحكم بالمدينة يبايع الناس لابنه يزيد، فقال رجل من الشام: ما يحبسك؟ قال: حتى يجي‏ء سعيد بن زيد فيبايع، فإنه سيد أهل البلد؛ فإذا بايع بايع الناس. قال: أ فلا أذهب آتيك به؟ فجاء الشامي و أنا مع أبي في الدار، فقال: انطلق فبايع، فقال: أنطلق، فسأجي‏ء فأبايع؛ فقال: تنطلق أو لأضربن عنقك؛ قال: أ تضرب عنقي؟ و اللّه إنك لتدعوني إلى أقوام أنا قاتلتهم على الإسلام. قال: فرجع إلى مروان و أخبره، فقال له مروان. اسكت. قال: فماتت أم المؤمنين. أظنها زينب، فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي لمروان: ما يحبسك أن تصلي على أم المؤمنين؟ قال: أنتظر الرجل الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يصلي عليها، فقال الشامي: أستغفر اللّه. أخرجه البغوي في معجمه و الفضائلي؛ و خرج ابن الضحاك منه قصة البيعة، و قال: سأل أهل المدينة ... الخ. و لم يذكر قصة الصلاة على الجنازة.

344

الفصل التاسع في وفاته و ما يتعلق بها

توفي بأرضه بالعقيق و حمل إلى المدينة و دفن بها سنة خمسين أو إحدى و خمسين في أيام معاوية و هو ابن بضع و سبعين سنة، و نزل في قبره سعد و ابن عمر، ذكره في الصفوة و أبو عمر و الفضائلي.

الفصل العاشر في ذكر ولده‏

و كان له واحد و ثلاثون ولدا ثلاثة عشر ذكرا و ثماني عشرة أنثى.

ذكر الذكور

(عبد اللّه الأكبر) و (عبد اللّه الأصغر) و (عبد الرحمن الأكبر) و (عبد الرحمن الأصغر) و (إبراهيم الأكبر) و (إبراهيم الأصغر) و (عمر الأكبر) و (عمر الأصغر) و (الأسود) و (طلحة) و (محمد) و (خالد) و (زيد).

ذكر الإناث‏

(أم الحسن الكبرى) و (أم الحسن الصغرى) و (أم حبيب الكبرى) و (أم حبيب الصغرى) و (و أم زيد الكبرى) و (أم زيد الصغرى) و (عائشة) و (عاتكة) و (حفصة) و (زينب) و (أم سلمة) و (أم موسى) و (أم سعيد) و (أم النعمان) و (أم خالد) و (أم صالح) و (أم عبد الحولا) و (رجلة).