بحار الأنوار - ج60

- العلامة المجلسي المزيد...
351 /
151

ثم إن صفات الطهر كثيرة و صفات النقص و الخسران‏ (1) كثيرة و بحسب كل نوع منها طوائف من البشر و طوائف من الأرواح الأرضية.

و بحسب تلك المجانسة و المشابهة و المشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحاصل‏ (2) عليها ملكا و كان تقوية ذلك الخاطر إلهاما و إن كان في باب الشر كان الحاصل‏ (3) عليها شيطانا و كان تقوية ذلك الخاطر وسوسة و يقال‏ (4) فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل و الكذب و كل شي‏ء حسن مموه فهو مزخرف.

و تحقيقه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملا على خير راجح و نفع زائد فإنه لا يرغب فيه و لذلك سمي الفاعل المختار مختارا لكونه طالبا للخير و النفع ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقا للمعتقد فهو الحق و الصدق و الإلهام و إن كان صادرا من الملك و إن لم يكن مطابقا للمعتقد فحينئذ يكون ظاهره مزينا لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد و الصلاح الراجح و يكون باطنه فاسدا لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفا (5).

قوله تعالى‏ وَ إِنَّ الشَّياطِينَ‏ قال الطبرسي (قدّس سرّه) يعني علماء الكافرين و رؤساءهم المتمردين في كفرهم‏ لَيُوحُونَ‏ أي يوحون و يشيرون‏ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ‏ الذين اتبعوهم من الكفار لِيُجادِلُوكُمْ‏ في استحلال الميتة و قال ابن عباس معناه و إن الشياطين من الجن و هم إبليس و جنوده ليوحون إلى أوليائهم من الإنس و الوحي إلقاء

____________

(1) في المصدر: و صفات الخبث و النقصان.

(2) في المصدر: الحامل عليها.

(3) في المصدر: الحامل عليها.

(4) اختصره المصنّف و تمامه: إذا عرفت هذا الأصل فنقول: انه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله: [يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا] فيجب علينا تفسير الفاظ ثلاثة: الأول الوحى و هو عبارة عن الايماء و القول السريع. و الثاني الزخرف و هو الذي يكون باطنه باطلا، و ظاهره مزينا ظاهرا يقال:.

(5) تفسير الرازيّ 13: 154 و 155.

152

المعنى إلى النفس من وجه خفي و هم يلقون الوسوسة إلى قلوب أهل الشرك‏ (1) قوله‏ فَبِما أَغْوَيْتَنِي‏ قيل أي خيبتني من رحمتك و جنتك و قيل أي صرت سببا لغوايتي بأن أمرتني بالسجود لآدم فغويت عنده و قيل أي أهلكتني بلعنك إياي و قيل هذا جرى على اعتقاد إبليس فإنه كان مجبرا لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ‏ أي أرصد لهم لأقطع سبيلهم‏ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ‏ أي دين الحق أو الأعم و هو منصوب على الظرفية و قيل تقديره على صراطك‏ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ إلخ أي من جميع الجهات و بأي وجه أمكنه.

و قيل من جهة دنياهم و آخرتهم و من جهة حسناتهم و سيئاتهم عن ابن عباس و غيره.

و حاصله أني أزين لهم الدنيا و أخوفهم بالفقر و أقول لهم لا جنة و لا نار و لا بعث و لا حساب و أثبطهم عن الحسنات و أشغلهم عنها و أحبب إليهم السيئات و أحثهم عليها قال ابن عباس و إنما لم يقل و من فوقهم لأن فوقهم جهة نزول الرحمة من السماء فلا سبيل له إلى ذلك و لم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه موحش.

و قيل‏ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ و عَنْ أَيْمانِهِمْ‏ من حيث يبصرون‏ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ و عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ من حيث لا يبصرون‏

-

وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏

مَعْنَاهُ أُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ الْآخِرَةِ

وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏

آمُرُهُمْ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَ الْبُخْلِ بِهَا عَنِ الْحُقُوقِ لِتَبْقَى لِوَرَثَتِهِمْ‏

وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ‏

أُفْسِدُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ بِتَزْيِينِ الضَّلَالَةِ وَ تَحْسِينِ الشُّبْهَةِ

وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏

بِتَحْبِيبِ اللَّذَّاتِ إِلَيْهِمْ وَ تَغْلِيبِ الشَّهَوَاتِ عَلَى قُلُوبِهِمْ‏

(2)

.

. و قال البيضاوي‏ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ من حيث يعلمون و يقدرون على التحرز

____________

(1) مجمع البيان 4: 358.

(2) الظاهر أنّه يتم الى هاهنا كلام ابى جعفر (عليه السلام)، و ذكر الأقوال و الرواية الطبرسيّ في مجمع البيان 4: 404.

153

عنه‏ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ من حيث لا يعلمون و لا يقدرون‏ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ من حيث يتيسر لهم أن يعلموا أو يتحرزوا و لكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم و احتياطهم و إنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم و إلى الآخرين بحرف المجاوزة لأن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم و نظيره قولهم جلست عن يمينه‏ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ‏ مطيعين و إنما قاله ظنا لقوله‏ وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏ لما رأى مبدأ الشر فيهم متعددا و مبدأ الخير واحدا و قيل سمعه من الملائكة مَذْؤُماً أي مذموما مَدْحُوراً مطرودا (1). و قال الرازي بعد ذكر بعض هذه الوجوه أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوها أخرى.

أولها و هو الأشرف الأقوى أن في البدن قوى أربعا هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية.

فإحداها القوة الخيالية التي تجمع فيها صور المحسوسات و مثلها و هي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ و صور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها و إليه الإشارة بقوله‏ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ و القوة الثانية القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات و هي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ و إليه الإشارة بقوله‏ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ و القوة الثالثة الشهوة و هي موضوعة في الكبد و هي يمين‏ (2) البدن و القوة الرابعة الغضب و هي موضوعة في البطن الأيسر من القلب فهذه القوى الأربع هي التي تتولد منها أحوال توجب زوال السعادة الروحانية و الشياطين الخارجية ما لم تستعن بشي‏ء من هذه القوى الأربع لم يقدر على إلقاء الوسوسة فهذا هو السبب في تعيين الجهات الأربع و هو وجه حقيقي شريف.

____________

(1) أنوار التنزيل 1: 417.

(2) في المصدر: و هي من يمين البدن.

154

و ثانيها أن قوله‏ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات و الصفات مثل شبه المجسمة و إما في الأفعال مثل شبه المعتزلة في التعديل و التخويف و التحسين و التقبيح‏ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ المراد منه الشبهات الناشئة من التعطيل.

أما الأول فلأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات و أحوالها و هي حاضرة بين يديه فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويا لهذا الشاهد و هذا يوجب أن يكون‏ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ كناية عن التعطيل لأنه خلافه و أما قوله‏ عَنْ أَيْمانِهِمْ‏ فالمراد به الترغيب في ترك المأمورات‏ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ الترغيب في ترك المنهيات‏ (1).

و ثالثها نقل عن شقيق أنه قال ما من صباح إلا و يأتيني الشيطان من الجهات الأربع من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي أما بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً (2) و أما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها (3) و أما من قبل يميني فيأتيني من قبل النساء (4) فأقرأ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (5) و أما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏ (6) ثم قال فالغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة و لا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة.

-

وَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ:

إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ تَدَعُ دِينَ آبَائِكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ لَهُ تَدَعُ دِيَارَكَ وَ تَتَغَرَّبُ فَعَصَاهُ وَ هَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ لَهُ تُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَيُقْسَمُ مَالُكَ وَ تُنْكَحُ‏

____________

(1) في المصدر: فى فعل المنهيات.

(2) طه: 82.

(3) هود: 6.

(4) في المصدر: من قبل الثناء.

(5) القصص: 83.

(6) سبا: 54.

155

امْرَأَتُكَ فَعَصَاهُ فَقَاتَلَ.

فهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا و يلقيها في القلب.

فإن قيل فلم لم يذكر من فوقهم و من تحتهم.

قلنا أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفوت‏ (1) السعادات الروحانية فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة.

و أما في الظاهر فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع فأوحى الله تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان الفوق و التحت فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

و قال في نكتة التعدية بمن في الأولين و بعن في الآخرين قد ذكرنا (2) أن المراد من قوله‏ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ الخيال و الوهم و الضرر الناشي منهما هو حصول العقائد الباطلة و هو الكفر و من قوله‏ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ الشهوة و الغضب و ذلك هو المعصية و لا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم لأن عقابه دائم و أما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأن عقابه منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة عن تنبيها على أن هذين القسمين في اللزوم و الاتصال دون القسم الأول.

و قال في وجه معرفة إبليس كون أكثرهم غير شاكرين إنه جعل للنفس تسع‏ (3)

____________

(1) في المصدر: تفويت.

(2) و قد ذكر قبل ذلك انه إذا قيل: جلس عن يمينه، معناه انه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به.

(3) و ذكر وجوها اخرى لذلك منها انه رآه في اللوح المحفوظ، و منها انه قال على سبيل الظنّ.

156

عشرة قوة و كلها تدعو النفس إلى اللذات الجسمانية و الطيبات الشهوانية فعشرة منها الحواس الظاهرة و الباطنة و اثنان الشهوة و الغضب و سبعة هي القوى الكامنة و هي الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و الغاذية و النامية و المولدة فمجموعها تسعة عشر و هي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم و ترغبها في طلب اللذات البدنية و أما العقل فهو قوة واحدة و هي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى و طلب السعادة الروحانية و لا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة (1).

قوله تعالى‏ إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ‏ قال الطبرسي رحمه الله أي نسله يدل عليه قوله‏ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي‏ و قيل جنوده و أتباعه من الجن و الشياطين‏ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏ قال ابن عباس إن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم و صدور بني آدم مساكن لهم كما قال‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ‏ فهم يرون بني آدم و بنو آدم لا يرونهم‏ (2) و إنما لا يراهم البشر لأن أجسامهم شفافة لطيفة يحتاج في رؤيتها إلى فضل شعاع.

و قال أبو بكر بن الإخشيد و أبو الهذيل يجوز أن يمكنهم الله سبحانه فيتكثفوا فيراهم حينئذ من يحضرهم و إليه ذهب علي بن عيسى و قال إنهم ممكنون من ذلك و هو الذي نصره الشيخ المفيد أبو عبد الله قال الشيخ أبو جعفر (قدس الله روحه) و هو الأقوى عندي و قال الجبائي لا يجوز أن يرى الشياطين و الجن لأن الله تعالى قال‏ لا تَرَوْنَهُمْ‏ و إنما يجوز أن يروا في زمن الأنبياء(ع)بأن يكثف الله أجسادهم علما (3) للأنبياء كما يجوز أن يرى الناس الملائكة في زمن الأنبياء إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏ أي حكمنا بذلك لأنهم يتناصرون على الباطل‏ (4).

و قال الرازي قال أصحابنا إنهم يرون الإنسان لأنه تعالى خلق في عيونهم‏

____________

(1) تفسير الرازيّ 14: 41- 43.

(2) إلى هنا ينتهى كلام ابن عبّاس.

(3) في المصدر: اجسادهم على الأنبياء.

(4) مجمع البيان 4: 409 و 410.

157

إدراكا و الإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس و قالت المعتزلة الوجه في أن الإنس لا يرون الجن لرقة أجسام الجن‏ (1) و لطافتها و الوجه في رؤية الجن للإنس كثافة أجسام الإنس و الوجه في أن يرى بعض الجن بعضا أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن و يزيد فيه و لو زاد الله في قوة (2) بصرنا لرأيناهم كما يرى بعضهم بعضا و لو أنه تعالى كثف أجسامهم و بقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.

فعلى هذا كون الإنس مبصرا للجن موقوف عند المعتزلة إما على ازدياد كثافة أجسام الجن أو على ازدياد قوة أبصار الإنس و قوله تعالى‏ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏ يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله‏ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏ يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله‏ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص قال بعض العلماء لو قدر الجن على تغير (3) صور أنفسهم بأي صورة شاءوا أو أرادوا لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس فلعل هذا الذي نشاهده و حكم‏ (4) عليه بأنه ولدي أو زوجتي جني صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي.

و على هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص و أيضا فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس و إزالة العقل مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم و بين الإنس فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر و في حق العلماء و الأفاضل و الزهاد لأن هذه العداوة بينهم و بين العلماء و الزهاد أكثر و أقوى و لما لم يوجد شي‏ء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه و يتأكد هذا بقوله‏ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ‏

____________

(1) في المصدر: رقة اجسام الجن.

(2) في المصدر: أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا.

(3) في المصدر: على تغيير.

(4) في المصدر: [شاءوا و أرادوا] و فيه: اشاهده و احكم عليه.

158

مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏ قال مجاهد قال إبليس أعطنا (1) أربع خصال نرى و لا نرى و نخرج من تحت الثرى و يعود شيخنا فتى‏ (2).

قوله تعالى‏ وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ‏ قال الطبرسي (قدّس سرّه) معناه يا محمد إن نالك من الشيطان وسوسة في القلب.

و النزغ الإزعاج بالإغواء (3) و أكثر ما يكون ذلك عند الغضب و أصله الإزعاج بالحركة.

و قيل النزغ الفساد و منه‏ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي‏ أي أفسد قال الزجاج النزغ أدنى حركة تكون و من الشيطان أدنى وسوسة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ‏ أي سل الله عز اسمه أن يعيذك منه‏ إِنَّهُ سَمِيعٌ‏ للمسموعات‏ عَلِيمٌ‏ بالخفيات.

و قيل سميع لدعائك عليم بما عرض لك و قيل النزغ أول الوسوسة و المس لا يكون إلا بعد التمكن و لذلك فصل الله سبحانه بين النبي و غيره فقال للنبي(ص)وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ‏ و قال للناس‏ إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ‏ معناه إذا وسوس إليهم الشيطان و أغراهم بمعاصيه‏ تَذَكَّرُوا ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبونه و يتركونه قال الحسن يعني إذا طاف عليهم الشيطان بوساوسه و قال ابن جبير هو الرجل يغضب الغضبة فيتذكر و يكظم غيظه و قيل طائف غضب و طيف جنون و قيل معناهما واحد فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ‏ للرشد وَ إِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِ‏ معناه و إخوان المشركين من شياطين الجن و الإنس يمدونهم في الضلال و المعاصي أي يزيدونهم فيه و يزينون لهم ما هم فيه‏ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ‏ ثم لا يكفون يعني الشياطين عن استغوائهم و لا يرحمونهم و قيل معناه و إخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون هؤلاء (4) كما يقصر الذين اتقوا و قيل معناه ثم لا يقصر

____________

(1) في المصدر: اعطينا.

(2) تفسير الرازيّ 14: 54.

(3) في المصدر: وسوسة و نسخة في القلب. و النزع: الازعاج بالاغراء.

(4) في المصدر: ثم لا يقصر هؤلاء مع ذلك.

159

الشياطين عن إغوائهم و لا يقصرونهم عن ارتكاب الفواحش‏ (1) و قال رحمه الله في قوله سبحانه‏ وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏ أي و اذكروا إذ زين الشيطان للمشركين أعمالهم أي حسنها في نفوسهم و ذلك أن إبليس حسن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النبي(ص)وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ‏ أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم و قوتكم‏ وَ إِنِّي‏ مع ذلك‏ جارٌ لَكُمْ‏ أي ناصر لكم و دافع عنكم السوء و إني عاقد لكم‏ (2) عقد الأمان من عدوكم‏فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ‏ أي التقت الفرقتان‏ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ‏ أي رجع القهقرى منهزما وراءه‏ وَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى‏ ما لا تَرَوْنَ‏ أي رجعت عما ضمنت لكم من الأمان و السلامة لأني أرى من الملائكة الذين جاءوا لنصر المسلمين‏ ما لا تَرَوْنَ‏ و كان إبليس يعرف الملائكة و هم كانوا يعرفونه‏ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ‏ أي أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم‏ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ لا يطاق عقابه.

أقول ثم ذكر رحمه الله كيفية ظهور الشيطان لهم كما ذكرناه في باب قصة بدر ثم قال و رأيت في كلام الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ره أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن و من جرى مجراهم على أن يتجمعوا و يعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى يتمكن الناس من رؤيتهم و يتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان لأن أجسامهم من الرقة على ما يمكن ذلك فيها و قد وجدنا الإنسان يجمع الهوى و يفرقه و يغير صور الأجسام الرخوة ضروبا من التغيير و أعيانها لم تزد و لم تنقص و قد استفاض الخبر بأن إبليس تراءى لأهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد و حضر يوم بدر في صورة سراقة و أن جبرئيل(ع)ظهر لأصحاب رسول الله(ص)في صورة دحية الكلبي قال و غير محال أيضا أن يغير الله صورهم و يكثفها في بعض الأحوال فيراهم‏

____________

(1) مجمع البيان 4: 513 و 514.

(2) في المصدر: و قيل: و انى عاقد لكم.

160

الناس لضرب من الامتحان‏ (1).

و قال الرازي في قوله تعالى‏ وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏ في كيفية هذا التزيين وجهان.

الأول أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة إنسان و هو قول الحسن و الأصم.

الثاني أنه ظهر في صورة إنسان قالوا إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم من بني بكر بن كنانة و كان من أشرافهم في جند من الشياطين و معه راية وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ‏ و إني مجيركم من بني كنانة و لما رأى إبليس الملائكة تنزل نكص‏ (2).

و قيل كانت يده في يد الحارث بن هشام فلما نكص قال له الحارث أ تخذلنا في هذه الحال فقال‏ إِنِّي أَرى‏ ما لا تَرَوْنَ‏ و دفع في صدر الحارث و انهزموا و في هذه القصة سؤالات.

الأول ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة.

و الجواب فيه معجزة عظيمة للرسول و ذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا هزم الناس سراقة فقال‏ (3) ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطانا.

الثاني أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطانا بل صار بشرا.

و الجواب لا نسلم فإن الإنسان إنما كان إنسانا بجوهر نفسه الناطقة و نفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة و هذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنسانا بحسب بنيته الظاهرة و صورته‏

____________

(1) مجمع البيان 4: 549 و 550.

(2) في المصدر: فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه.

(3) في نسخة: فبلغ ذلك سراقة فقال.

161

المخصوصة (1) إلى آخر كلامه في هذا المقام.

قوله تعالى‏ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي‏ في الكشاف نزغ أفسد بيننا و أغرى و أصله من نخس الرائض الدابة و حملها على الجري‏ (2).

قوله تعالى‏ وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ قال الرازي قال المفسرون إذا استقر أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار فيشرع الناس في لوم إبليس‏ (3) و تقريعه فيقوم فيما بينهم خطيبا و يقول ما أخبر الله تعالى عنه بقوله‏ وَ قالَ الشَّيْطانُ‏ و قيل إن المراد لما انقضت المحاسبة و الأول أولى و المراد بالشيطان إبليس‏

-

وَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)

أَنَّهُ إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ وَ قَضَى الْأَمْرَ بَيْنَهُمْ‏

(4)

يَقُولُ الْكَافِرُ قَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ شَفَعَ لَهُمْ‏

(5)

فَمَنْ يَشْفَعُ لَنَا مَا هُوَ إِلَّا إِبْلِيسُ هُوَ الَّذِي أَضَلَّنَا فَيَأْتُونَهُ وَ يَسْأَلُونَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ‏

(6)

.

إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ‏ هو البعث و الجزاء على الأعمال فوفى لكم‏ وَ وَعَدْتُكُمْ‏ خلاف ذلك‏ فَأَخْلَفْتُكُمْ‏ و تقدير الكلام‏ (7) أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية و لا تتصور كيفية السعادات الأخروية و الكلمات النفسانية و الله يدعو إليها و يرغب فيها كما قال‏ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ (8) و قوله‏ وَعْدَ الْحَقِ‏ من قبيل إضافة الشي‏ء إلى‏

____________

(1) تفسير الرازيّ 15: 174 و 175.

(2) في النهاية: نزغ الشيطان بينهم اي افسد و أغرى، و نزغه بكلمة سوء اي رماه بها و طعن فيه و منه الحديث: صباح المولود حين يقع نزغة من الشيطان، اى نسخة و طعنة.

(3) في المصدر: اخذ أهل النار في لوم إبليس.

(4) في المصدر: و قضى بينهم.

(5) في المصدر: من يشفع.

(6) إلى هنا ينتهى الحديث.

(7) في المصدر: و تقرير الكلام.

(8) الأعلى: 17.

162

نعته‏ (1) كقوله‏ حَبَّ الْحَصِيدِ (2) و أما قوله‏ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏ أي قدرة و مكنة و تسلط و قهر فأقهركم على الكفر و المعاصي و ألجئكم إليها إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ‏ إلا دعائي إليكم إلى الضلالة (3) بوسوستي و تزييني و الاستثناء منقطع أو متصل لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقهر و القسر و تارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسليط (4) إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان و لا على تعويج أعضائه و جوارحه و لا على إزالة العقل عنه كما تقوله العوام و الحشوية ثم قال‏ فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏ يعني ما كان مني إلا الدعاء و الوسوسة و كنتم سمعتم دلائل الله و شاهدتم مجي‏ء أنبياء الله فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي و لا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب.

و في هذه الآية مسألتان الأولى قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء الأول أنه لو كان الكفر و المعصية من الله تعالى لوجب أن يقال فلا تلوموني و لا على أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر و أجبركم عليه.

و الثاني ظاهر هذه الآية تدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان و على تعويج أعضائه و لا على إزالة العقل عنه كما تقوله العوام و الحشوية.

و الثالث هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه و لومه و عقابه بسبب فعل الغير و عند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم.

و أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك‏

____________

(1) في المصدر: [الى نفسه‏] و الظاهر أنّه مصحف من الطابع.

(2) ق: 9.

(3) في المصدر: الا دعائى إيّاكم الى الضلالة.

(4) في المصدر: من أنواع التسلط.

163

به و أجاب الخصم عنه بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله تعالى بطلانه و أظهر إنكاره و أيضا أي فائدة في ذكر هذا الكلام الباطل و القول الفاسد أ لا ترى أن قوله‏ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ‏ كلام حق و قوله‏ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏ قول حق بدليل قوله‏ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏ الثانية هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس و ذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة فلو لا الميل الحاصل بسبب الشهوة و الغضب و الوهم و الخيال لم يكن لوسوسته تأثير البتة فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس.

فإن قال قائل بينوا لنا حقيقة الوسوسة.

قلنا الفعل إنما يصدر عن الإنسان لحصول‏ (1) أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيبا لازما طبيعيا.

بيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية و الصلاحية الطبيعية صالحة للفعل و الترك و الإقدام و الإجحام فلما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل و ذلك الميل هو الإرادة الجازمة و القصد الجازم ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم و اعتقاد (2) أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الاعتقاد لم يحصل ميل لا إلى الفعل و لا إلى الترك.

فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشي‏ء ترتب عليه شعور بكونه ملائما له أو بكونه منافرا له أو بكونه غير ملائم و لا منافر فإن حصل الشعور بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل و إن حصل الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك و إن لم يحصل لا هذا و لا ذاك لم يحصل ميل لا إلى الشي‏ء

____________

(1) في النسخة: [عن الإنسان لامور] و في المصدر: عند حصول أمور أربعة.

(2) في المصدر: او اعتقاد.

164

و لا إلى ضده بل بقي الإنسان كما كان و عند حصول ذلك الميل الجازم يصير القدرة مع ذلك الميل موجبا للفعل إذا عرفت هذا فنقول صدور الفعل عن مجموعي القدرة و الداعي الخالص أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه و صدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه و حصول تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا غير مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه فلم يبق للشيطان مدخل في هذه المقامات‏ (1) إلا في أن أذكره شيئا (2) بأن يلقي إليه حديثه مثل أن كان الإنسان غافلا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره و الشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام و هو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال‏ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏ يعني ما كان مني إلا هجس‏ (3) هذه الدعوة فأما بقية المراتب ما صدرت مني و ما كان لي أثر البتة.

بقي في هذا المقام سؤالان الأول كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان و إلقاء الوسوسة إليه.

و الجواب للناس في الملائكة و الشياطين قولان الأول ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة المتحيز و الحال في المتحيز و الذي لا يكون متحيزا و لا حالا فيه.

و هذا القسم الثالث لم يقم الدليل البتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به و هذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات المقدسة (4) فهم الملائكة و إن كانت خبيثة داعية إلى‏

____________

(1) في المصدر: فى شي‏ء من هذه المقامات.

(2) في النسخة المخطوطة و المطبوعة بتبريز: [أن ذكره شيئا] و في المصدر: ان يذكره شيئا.

(3) هجس الشي‏ء في صدره: خطر بباله. و في المصدر: الا مجرد هذه الدعوة.

(4) في المصدر: الروحانيات القدسية.

165

الشرور و عالم الأجساد و منازل الظلمات فهم الشياطين.

إذا عرفت هذا فنقول فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر و النفس الإنسانية أيضا كذلك فلا يبعد على هذا التقدير أن يلقي شي‏ء من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس و الأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية.

و ذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالا ثانيا و هو أن النفس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع فهي طوائف و كل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح و السرور و سهولة الأمر و هي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية و طائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة و القسوة و الغلظة و عدم المبالاة بأمر من الأمور و هي تكون منتسبة إلى روح أخرى من الأرواح السماوية و هذه الأرواح البشرية كالعون‏ (1) لتلك الروح السماوي و كالنتائج الحاصلة و كالفروع المتفرعة عليها و تلك الروح السماوية هي التي تتولى إرشادها إلى مصالحها و هي التي تخصها (2) بالإلهامات في حالتي النوم و اليقظة و القدماء كانوا يسمون تلك السماوي بالطباع التام و لا شك أن لتلك الروح السماوية (3) التي هي الأصل و الينبوع شعب كثيرة و نتائج كثيرة و هي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان و هي لأجل مشاكلتها و مجانستها يعين بعضها بعضا على الأعمال اللائقة بها و الأفعال المناسبة لطبائعها.

ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة و كانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام و إن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين و كانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة و ذكر بعض العلماء أيضا فيه احتمالا ثالثا و هو أن النفوس البشرية

____________

(1) في المصدر: كالاولاد لذلك الروح السماوى.

(2) في المصدر: و ذلك الروح هو الذي يتولى ارشادها الى مصالحها و هو الذي.

(3) في المصدر: [ذلك الروح السماوى‏] و فيه: و لا شك ان لذلك الروح السماوى الذي هو الأصل.

166

و الأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان و كملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة و بين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن و بين ما كان بدنا لتلك النفس المفارقة تعلق شديد (1) بهذا البدن و تصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن و معاضدة لها على أفعالها و أحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير و البر كان ذلك إلهاما و إن كان من باب‏ (2) الشر كان ذلك وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة من الحجمية و التحيز (3) و القول بالأرواح الطاهرة و الخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا (صلوات الله عليه).

و أما القول الثاني و هو أن الملائكة و الشياطين لا بد و أن تكون أجساما فنقول على هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة و الله سبحانه ركبها تركيبا عجيبا و هي أن تكون مع لطافتها لا يقبل التفرق و التمزق و الفساد و البطلان و نفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد أ لا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن و إذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن أ ليس أن جرم النار سرى في جرم الفحم و ماء الورد سرى في ورق الورد و دهن السمسم سرى في جسم السمسم فكذا هاهنا (4) فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن و الشياطين‏

____________

(1) في المصدر: فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن.

(2) في المصدر: و ان كان في باب الشر.

(3) في المصدر: مبرأة عن الجسمية و التحيز.

(4) و يمكن ان يستدل لذلك بوجود الأصوات التي نسمعها من المسافات البعيدة فهى مع لطافتها و عبورها عن مصادمات كثيرة لا نتفرق و لا نتمزق: و لا تدخلها الفساد.

167

أمر لا تحيله العقول و لا تبطله الدلائل و أن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل و قلة الفطنة.

و لما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول الأخلق و الأولى أن يقال الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور و أن الشياطين مخلوقون من الدخان و اللهب كما قال تعالى‏ وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ‏ (1) و هذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا (صلوات الله عليه) انتهى‏ (2).

و قال البيضاوي‏ فَلا تَلُومُونِي‏ بوسوستي فإن من صرح العداوة لا يلام بأمثال ذلك‏ وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏ حيث أطعتموني إذ دعوتكم و لم تطيعوا ربكم لما دعاكم‏ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ‏ بمغيثكم من العذاب‏ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ‏ بمغيثي‏ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏ ما إما مصدرية و هي متعلقة بأشركتموني أي كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه و استكبرته‏ (3) كقوله تعالى‏ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ‏ أو موصولة بمعنى من و من متعلقة بكفرت أي كفرت بالذي أشركتمونيه و هو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام و غيرها من قبل إشراككم حين رددت أمره بالسجود لآدم.

و أشرك منقول من شركت زيدا للتعدية إلى مفعول ثان‏ إِنَّ الظَّالِمِينَ‏ تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله‏ (4).

و قال في قوله سبحانه‏ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ‏ فلا يقدر أن يصعد إليها و يوسوس أهلها و يتصرف في أمرها و يطلع على أحوالها إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ‏ بدل من‏ كُلِّ شَيْطانٍ‏ و استراق السمع اختلاسه سرا شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان‏

____________

(1) الحجر: 27.

(2) تفسير الرازيّ 19: 112- 114.

(3) في المصدر: و استنكرته.

(4) أنوار التنزيل 1: 634.

168

السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب و حركاتها.

و عن ابن عباس أنهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات و لما ولد محمد(ص)منعوا من كلها بالشهب و لا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن تكون لها أسباب أخر.

و قيل الاستثناء منقطع أي و لكن من استرق السمع‏ فَأَتْبَعَهُ‏ أي فتبعه و لحقه‏ شِهابٌ مُبِينٌ‏ ظاهر للمبصرين.

و الشهاب شعلة نار ساطعة و قد يطلق للكوكب و السنان لما فوقها من البريق‏ (1).

و قال الرازي في قوله‏ إِلَّا إِبْلِيسَ‏ أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم و اختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا (2) و ظاهره أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة و أن إبليس تكلم مع الله بغير واسطة فكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب و أشرف المراتب فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة و رئيسهم.

و لعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما كان منصبا عاليا إذا كان على سبيل الإكرام و الإعظام فأما إذا كان على سبيل الإهانة و الإذلال فلا (3).

قوله‏ فَاخْرُجْ مِنْها قال البيضاوي أي من السماء أو من الجنة أو من زمرة الملائكة فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏ مطرود عن الخير و الكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب و هو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته‏ وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ هذا الطرد و الإبعاد إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ‏ فإنه منتهى أمد اللعن لأنه يناسب أيام التكليف لا زمان الجزاء.

____________

(1) أنوار التنزيل 1: 645 و 646.

(2) احال الرازيّ جوابه الى ما تقدم في سورة البقرة.

(3) تفسير الرازيّ 19: 182 و 183.

169

و قيل و ما في قوله‏ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ بمعنى آخر ينسى عنده هذه.

و قيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضربها الناس أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل‏ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي‏ فأخرني و الفاء متعلقة بمحذوف دل عليه‏ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ أراد أن يجد فسحة في الإغواء و نجاة عن الموت إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني‏ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ المسمى فيه أجلك عند الله أو انقراض الناس كلهم و هو النفخة الأولى عند الجمهور و يجوز أن يكون الأيام الثلاثة يوم القيامة (1) و اختلاف العبارات لاختلاق الاعتبارات فعبر عنه أولا بيوم الجزاء لما عرفت و ثانيا بيوم البعث إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف و اليأس عن التضليل و ثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين و لا يلزم منه أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم و يبعث الخلائق في تضاعيفه‏ (2).

قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي‏ الباء للقسم و ما مصدرية و جوابه‏ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ و المعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور لقوله‏ (3) أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ‏ (4) و قيل للسببية و المعتزلة أولو الإغواء بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم(ع)أو بإضلاله عن طريق الجنة (5).

____________

(1) في المصدر: و يجوز ان يراد بالايام الثلاثة يوم القيامة.

(2) ثم ذكر ما ذكره الرازيّ قبلا من الوجه لمخاطبة اللّه إيّاه فقال: و هذه المخاطبة و ان لم تكن بواسطة لم تدلّ على علو منصب إبليس لان خطاب اللّه تعالى له على سبيل الاهانة و الاذلال.

(3) في المصدر: كقوله.

(4) الأعراف: 175.

(5) أنوار التنزيل 1: 648 و 649.

170

و قال الرازي اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر و يضله عن الدين و يغويه عن الحق من وجوه الأول أن إبليس استمهل و طلب البقاء إلى يوم القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا (1) لإغواء بني آدم و إضلالهم و أنه تعالى أمهله و أجابه إلى هذا المطلوب و لو كان تعالى يراعي صلاح المكلفين في‏ (2) الدنيا لما أمهله هذا الزمان الطويل و لما أمكنه من الإغواء و الإضلال و الوسوسة.

و الثاني أن أكابر الأنبياء و الأولياء مجدون مجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق و أن إبليس و رهطه و شيعته مجدون مجتهدون في الإغواء فلو كان مراد الله هو الإرشاد و الهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين و المحقين و إهلاك المضلين و المغوين و حيث فعل بالضد علمنا أنه أراد بهم الخذلان و الكفر.

ثم قال أما الإشكال الأول فللمعتزلة فيه طريقان الأول و هو طريقة الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة لأنه تعالى علم أنه لا تتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته في الكفر و المعصية البتة و علم أن كل من كفر و عصى عند وسوسته فإنه بتقدير (3) أن لا يوجد إبليس و لا وسوسته فإن ذلك الكافر و العاصي كان يأتي بذلك الكفر و المعصية فلما كان الأمر كذلك لا جرم أمهله هذه المدة الطويلة.

الثاني و هو طريقة أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر و المعاصي إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر و تلك المعاصي غاية (4) ما في هذا الباب أن يقال الاحتراز عن القبائح حال عدم‏

____________

(1) في المصدر: هذا الامهال و الابقاء.

(2) في المصدر: مصالح المكلفين في الدين.

(3) في المصدر: [علم انه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته فبتقدير ان لا يوجد إبليس‏] و قد سقط عنه ما بقى، او كان الزيادة في نسخة المصنّف من قبل الناسخ.

(4) في المصدر: ما كانت موجبة لذلك الكفر و المعصبة بل الكافر و العاصى بسبب اختياره اختار ذلك الكفر و تلك المعصية، اقصى ما في الباب.

171

الوسوسة أسهل منه حال وجودها إلا أنه على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات و ذلك لا يمنع الحكيم من فعله كما أن إنزال المشاق و المشتبهات سبب الشبهات‏ (1) و مع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا هاهنا و هذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني‏ (2).

إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ استثناهم لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم.

و قرأ ابن كثير و ابن عامر بكسر اللام و الباقون بالفتح فعلى الأول أي الذين أخلصوا دينهم و عبادتهم من كل شائب يناقض الإيمان و التوحيد و على الثاني معناه الذين أخلصهم الله بالهداية و الإيمان.

هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ‏ فيه وجوه الأول أن إبليس لما قال‏ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ فلفظ الْمُخْلَصِينَ‏ يدل على الإخلاص فقوله‏ هذا عائد إليه و المعنى أن الإخلاص طريق علي و إلى أي يؤدي إلى كرامتي و قال الحسن معناه هذا صراط إلي مستقيم و قال آخرون هذا صراط من مر عليه فكأنه مر على رضواني و كرامتي و هو كما يقال طريقك علي.

الثاني أن الإخلاص طريق العبودية فقوله‏ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ‏ أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم قال بعضهم لما ذكر أن إبليس يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى و إلى إرادته فقال تعالى‏ هذا صِراطٌ عَلَيَ‏ أي تفويض الأمور إلى إرادتي طريق‏ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏ اعلم أن إبليس لما قال‏ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ إِلَّا عِبادَكَ‏ (3) مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين الله تعالى أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا

____________

(1) في المصدر: و انزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات.

(2) تفسير الرازيّ 19: 182- 188.

(3) في المصدر: لازينن لهم في الأرض و لاغوينهم أجمعين الا عبادك.

172

مخلصين أو لم يكونوا مخلصين بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار تبعا له و لكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس‏ (1) أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا فبين تعالى كذبه و ذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان و لا قدرة أصلا و نظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس‏ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏ الآية و قوله‏ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏ و قال الجبائي هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان و الجن يمكنهم صرع الناس و إزالة عقولهم كما تقوله العامة و ربما نسبوا ذلك إلى السحرة و قال ذلك خلاف نص القرآن و في الآية قول آخر و هو أن إبليس لما قال‏ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله و قال‏ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏ فلهذا قال الكلبي المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس و اعلم أنه على القول الأول يمكن أن يكون قوله‏ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ‏ استثناء لأن المعنى أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر و النهي و أما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء بل يكون إلا بمعنى لكن‏ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ‏ قال ابن عباس يريد إبليس و أشياعه و من اتبعه من الغاوين‏ (2) فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏ قالت المعتزلة الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه‏ (3) شتى.

____________

(1) في العبارة سقط و الصحيح كما في المصدر: و لكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لاجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة او يجبره عليها و الحاصل في هذا القول ان إبليس اوهم.

(2) التفاسير مأخوذة من تفسير الرازيّ باختصار، راجع تفسير الرازيّ 19:

190 و 191.

(3) ذكر الرازيّ في تفسيره 20: 61 و قال: الأول: انه إذا كان خالق اعمالهم هو اللّه تعالى فلا فائدة في التزيين. و الثاني: ان ذلك التزيين لما كان بخلق اللّه تعالى لم يجز ذمّ الشيطان بسببه. و الثالث: ان التزيين هو الذي يدعو الإنسان الى الفعل و إذا كان حصول الفعل فيه بخلق اللّه تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا. و الرابع: ان على قولهم الخالق لذلك أجدر أن يكون وليا لهم من الداعي إليه. و الخامس: انه تعالى اضاف التزيين الى الشيطان و لو كان ذلك المزين هو اللّه تعالى لكانت اضافته الى الشيطان كذبا.

173

فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ‏ فيه احتمالات‏ (1) الأول أن المراد منه كفار مكة يقول الشيطان وليهم اليوم يتولى إغواءهم و صرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك.

الثاني أنه أراد باليوم يوم القيامة يقول فهو ولي أولئك الذين زين لهم أعمالهم يوم القيامة فلا ولي لهم ذلك اليوم و لا ناصر (2).

فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏ ذهب جماعة من الصحابة و التابعين إلى أن الاستعاذة بعد القراءة و أما الأكثرون فقد اتفقوا على أن الاستعاذة متقدمة.

فالمعنى إذا أردت أن تقرأ القرآن‏ فَاسْتَعِذْ و المراد بالشيطان في هذه الآية قيل إبليس و الأقرب أنه للجنس لأن لجميع المردة من الشياطين حظا من الوسوسة و لما أمر الله رسوله بالاستعاذة من الشيطان و كان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس فأزال الله تعالى هذا الوهم و بين أنه لا قدرة له البتة إلا على الوسوسة فقال‏ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ و يظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا خطر في قلب الإنسان كونه ضعيفا و أنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله.

إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ‏ قال ابن عباس يطيعونه يقال توليته أي أطعته و توليت عنه أي أعرضت عنه.

وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏ الضمير راجع إلى ربهم أو إلى الشيطان أي بسببه‏

____________

(1) الصحيح: فيه احتمالان، كما في التفسير.

(2) اختصره من تفسير الرازيّ 20: 61 و 62.

174

مشركون بالله‏ (1) كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ‏ المراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح و ذلك لأن العرب يسمون الملازم للشي‏ء أخا له فيقول فلان أخو الكرم و الجود و أخو الشعر إذا كان مواظبا على هذه الأفعال.

و قيل أي قرناؤهم في الدنيا و الآخرة وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً معنى كون الشيطان كفورا لربه هو أن يستعمل بدنه في المعاصي و الإفساد في الأرض و الإضلال للناس و كذلك من رزقه الله مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفورا لنعمة الله و المقصود أن المبذرين موافقون للشياطين في الصفة و الفعل ثم الشيطان كفور بربه فلزم كون المبذر كفورا بربه‏ (2).

إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ‏ أي يفسد بينهم و يغري بينهم‏ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً أي العداوة الحاصلة بين الشيطان و بين الإنسان عداوة قديمة.

و قال البيضاوي في قوله‏ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً لمن خلقته من طين فنصب بنزع الخافض و يجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول أي خلقته و هو طين أو منه أي أ أسجد له و أصله طين و فيه على الوجوه إيماء بعلة الإنكار قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ‏ الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإعراب و هذا مفعول أول و الذي صفته و المفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه و المعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي‏ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ كلام مبتدأ و اللام موطئة للقسم و جوابه‏ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا أي لأستأصلنهم بالإغواء إلا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا مأخوذ من الحنك و إنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطا من قول الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها (3) مع التقرير أو تفرسا من خلقه ذا وهم و شهوة و غضب‏ قالَ اذْهَبْ‏ امض لما قصدته و هو طرد

____________

(1) مختصر ممّا في تفسير الرازيّ 20: 114 و 115.

(2) مختصر ممّا في تفسير الرازيّ 20: 193 و 194.

(3) البقرة: 30.

175

و تخلية بينه و بين ما سولته له نفسه‏ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ‏ جزاؤك و جزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب و يمكن أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات‏ جَزاءً مَوْفُوراً مكملا من قولهم فر لصاحبك عرضه‏ (1) و انتصاب جزاء على المصدر بإضمار فعله أو بما في جزائكم من معنى تجازون أو حال موطئة لقوله‏ مَوْفُوراً وَ اسْتَفْزِزْ و استخف‏ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ‏ أن تستفزه و الفز الخفيف‏ بِصَوْتِكَ‏ بدعائك إلى الفساد (2).

و قال الرازي يقال أفزه الخوف و استفزه أي أزعجه و استخفه و صوته دعاؤه إلى معصية الله.

و قيل أراد بصوتك الغناء و اللهو و اللعب و الأمر للتهديد وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ‏ قال الفراء إنه من الجلبة و هي الصياح و قال الزجاج في فعل و أفعل أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول و قال ابن السكيت يقال هم يَجْلِبُونَ عليه و يُجْلِبُونَ عليه بمعنى أي يعينون عليه‏ (3) و عن ابن الأعرابي أجلب الرجل‏ (4) الرجل إذا توعده الشر و جمع عليه الجمع فالمعنى على قول الفراء صح عليهم‏ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ‏ و على قول الزجاج أجمع عليهم كل ما تقدر من مكايدك فالباء زائدة و على قول ابن السكيت أعن عليهم‏ (5) و مفعول الإجلاب محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله و رجله و هذا يقرب من قول ابن الأعرابي و اختلفوا في تفسير الخيل و الرجل فروي عن ابن عباس أنه قال كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس و جنوده و يدخل فيه كل راكب و ماش في معصية الله فخيله و رجله كل من شاركه في الدعاء

____________

(1) يقال: فر لصاحبك عرضه اي اثن عليه و لا تعبد.

(2) أنوار التنزيل 1: 703 و 704.

(3) في المصدر: بمعنى انهم يعينون عليه.

(4) في المصدر: اجلب الرجل على الرجل.

(5) في المصدر: اعن عليهم بخيلك و رجلك.

176

إلى المعصية و يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب و بعضهم راجل.

أو المراد منه ضرب المثل و هذا أقرب و الخيل يقع على الفرسان و على الأفراس و الرجل جمع راجل كالصحب و الركب‏ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ‏ هي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه و يدخل فيه الربا و الغصب و السرقة و المعاملات الفاسدة كذا قاله القاضي و قال قتادة هي أن جعلوا بحيرة و سائبة و قال عكرمة هي تبكيتهم آذان الأنعام.

و قيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير الله كما قال تعالى‏ فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا و الأصوب ما قاله القاضي.

و أما المشاركة في الأولاد فقالوا إنه الدعاء إلى الزنا أو أن يسموا أولادهم بعبد اللات و عبد العزى أو أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة أو إقدامهم على قتل الأولاد و وأدهم أو ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش أو ترغيبهم في القتل و القتال و الحرف الخبيثة الخسيسة.

و الضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يتأدى ذلك إلى ارتكاب منكر و قبيح فهو داخل فيه.

قوله تعالى عز و جل‏ وَ عِدْهُمْ‏ اعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل و العمل الباطل و التنفير عن اعتقاد الحق و عمل‏ (1) الحق و معلوم أن الترغيب في الشي‏ء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله و مع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة و التنفير عن الشي‏ء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله و مع ذلك فيفيد المضار العظيمة فإذا ثبت هذا فنقول إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد و أن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة و ذلك لا يمكن إلا إذا قال لا معاد و لا جنة و لا نار و لا حياة (2) بعد هذه‏

____________

(1) في المصدر: الاعتقاد الحق و العمل الحق.

(2) في المصدر: و لا حياة للإنسان في هذه الدنيا الا به.

177

الحياة فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي و إذا فرغ من هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة و السرور و لا حياة للإنسان إلا في هذه الدنيا فتفويتها غبن و خسران و أما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن قرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه من وجهين‏ (1).

الأول أنه لا جنة و لا نار و لا ثواب و لا عقاب.

و الثاني أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد و لا للمعبود فكانت عبثا محضا و إذا فرغ من هذا المقام قال إنها يوجب التعب و المحنة و ذلك أعظم المضار فهذه مجامع تلبيس الشيطان فقوله‏ وَ عِدْهُمْ‏ يتناول كل هذه الأقسام.

قال المفسرون‏ وَ عِدْهُمْ‏ (2) بأنه لا جنة و لا نار أو بتسويف التوبة أو بشفاعة الأصنام عند الله أو بالأنساب الشريفة أو إيثار العاجل على الآجل.

و بالجملة فهذه الأقسام كثيرة و كلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه‏ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً لأنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة أمور قضاء الشهوة و إمضاء الغضب و طلب الرئاسة و الرفعة (3) و لا يدعو البتة إلى معرفة الله و لا إلى خدمته و تلك الأشياء الثلاثة معيوبة من وجوه كثيرة.

أحدها أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام.

و ثانيها أنها و إن كانت لذات و لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب و الديدان و الخنافس.

و ثالثها أنها سريعة الذهاب و الانقضاء و الانقراض.

و رابعها أنها لا تحصل إلا بعد متاعب كثيرة و مشاق عظيمة.

و خامسها أن لذات البطن و الفرج لا يتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة.

____________

(1) في المصدر: و تقريره من وجهين: الأول أن يقول: لا جنة.

(2) في المصدر: اي بانه لا جنة.

(3) في المصدر: و علو الدرجة.

178

و سادسها أنها غير باقية بل يمنعها (1) الموت و الهرم و الفقر و الحسرة على الفوت و الخوف من الموت فلما كانت هذه المطالب و إن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة و المخافات الجسيمة كانت الترغيب فيها تغريرا إِنَّ عِبادِي‏ أي كلهم أو أهل الفضل و الإيمان منهم كما مر وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكِيلًا لما أمكن إبليس‏ (2) بأن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة و كان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال‏ وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكِيلًا و معناه أن الشيطان و إن كان قادرا فالله أقدر منه و أرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان و يعصمه من إضلاله و إغوائه و فيها دلالة على أن المعصوم من عصمة الله و أن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال‏ (3).

و قال في قوله تعالى إنه‏ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ للناس في هذه المسألة أقوال الأول أنه من الملائكة و لا ينافي ذلك كونه من الجن و لهم فيه وجوه.

الأول أن قبيله من الملائكة يسمون بذلك بدليل قوله تعالى‏ وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً (4) و قوله تعالى‏ وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ‏ (5) و الثاني أن الجن سمي جنا للاستتار فهم داخلون في الجنة (6).

الثالث أنه كان خازن الجنة فنسب إلى الجنة كقولهم كوفي و بصري و عن سعيد بن جبير كان من الجانين الذين يعملون في الجنان جن من الملائكة (7) يصوغون حلي أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن ابن جبير.

____________

(1) في المصدر: بل يتبعها.

(2) في المصدر: من أن يأتي.

(3) تفسير الرازيّ 21: 5- 9.

(4) الصافّات: 158.

(5) الأنعام: 100.

(6) في المصدر: و الملائكة كذلك فهم داخلون في الجن.

(7) في نسخة: [من جن الملائكة] و في المصدر: حى من الملائكة.

179

و الثاني‏ (1) أنه من الجن الذين هم الشياطين و الذين خلقوا من النار و هو أبوهم.

و الثالث قول من قال كان من الملائكة فمسخ و غير (2).

و قال البيضاوي‏ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ حال بإضمار قد أو استئناف للتعليل كأنه قيل ما له لم يسجد فقيل كان من الجن‏ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏ فخرج عن أمره بترك السجود و الفاء للتسبب و فيه دليل على أن الملك لا يعصي البتة و إنما عصى إبليس لأنه كان جنيا في أصله‏ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ‏ أ عقيب ما وجد منه تتخذونه و الهمزة للإنكار و التعجب‏ وَ ذُرِّيَّتَهُ‏ أولاده و أتباعه و سماهم ذريته مجازا أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي‏ فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي‏ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا من الله إبليس و ذريته‏ ما أَشْهَدْتُهُمْ‏ إلخ نفي إحضار إبليس و ذريته‏ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ و إحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله‏ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً أي أعوانا ردا لاتخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية و الاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها.

و قيل الضمير للمشركين و المعنى ما أشهدتهم خلق ذلك و ما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعمون فلا يلتفت‏ (3) إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين‏ (4) لديني و قال في قوله‏ وَ ما أَنْسانِيهُ‏ إلخ أي و ما أنساني ذكره‏ إِلَّا الشَّيْطانُ‏ فإن‏ أَذْكُرَهُ‏ بدل من الضمير و هو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوسواسه‏ (5) و لعله‏

____________

(1) أي الثاني من الأقوال.

(2) تفسير الرازيّ 21: 136 نقله باختصار.

(3) في المصدر: فلا تلتفت.

(4) أنوار التنزيل 2: 17.

(5) في المصدر: بوساوسه و الحال و ان كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة امثالها عند موسى و الفها قل اهتمامه بها.

180

نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار و انجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة و إنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين و اشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان‏ (1) انتهى قوله تعالى‏ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ‏ أي لا تطعه في عبادة الآلهة ثم علل ذلك بأن الشيطان عاص لله و المطاوع للعاصي عاص‏ وَلِيًّا أي قرينا في اللعن أو العذاب تليه و يليك أو ثابتا في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب.

قوله‏ وَ الشَّياطِينَ‏ قال البيضاوي عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة جِثِيًّا على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع أو لأنه من توابع التواقف للحساب‏ (2).

أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ‏ قال الطبرسي أي خلينا (3) بينهم و بين الشياطين إذا وسوسوا إليهم و دعوهم إلى الضلال حتى أغووهم و لم يحل بينهم و بينهم بالإلجاء و لا بالمنع و عبر عن ذلك بالإرسال على سبيل المجاز و التوسع و قيل معناه سلطناهم عليهم و يكون في معنى التخلية أيضا تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية عن ابن عباس.

و قيل تغريهم إغراء بالشي‏ء (4) تقول امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار عن ابن جبير (5).

قوله سبحانه‏ وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ‏ قال الرازي المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر و يتجاوزون ذلك إلى الأعمال المهين‏ (6)

____________

(1) أنوار التنزيل 2: 20.

(2) أنوار التنزيل 2: 43.

(3) في نسخة: [و لم يخل‏] و في المصدر: و لم نحل.

(4) في نسخة: [تغويهم اغواء بالشي‏ء] و في المصدر: تغريهم اغراء بالشر.

(5) مجمع البيان 6: 530 و 531.

(6) في المصدر: الى الاعمال و المهن.

181

و بناء المدن و القصور و اختراع الصنائع العجيبة كما قال‏ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‏ و أما الصناعات فكاتخاذ الحمام و النورة و الطواحين و القوارير و الصابون و ليس في الظاهر إلا أنه سخرهم لكنه قد روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين و هو الأقرب من وجهين أحدهما إطلاق لفظ الشياطين و الثاني قوله‏ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ‏ فإن المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد و إنما يجب ذلك في الكافر.

و في قوله‏ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ‏ وجوه أحدها أنه تعالى وكل بهم جمعا من الملائكة أو جمعا من مؤمني الجن.

و ثانيها سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته و خوفهم من مخالفته.

و ثالثها قال ابن عباس يريد و سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء.

فإن قيل و عن أي شي‏ء كانوا محفظين‏ (1) قلنا فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا و يتركوا و ثانيها كان يحفظهم من أن يهيجوا أحدا في زمانه و ثالثها كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا و كان دأبهم أنهم يعملونه في النهار ثم يفسدونه في الليل و سأل الجبائي نفسه و قال كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال و أجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل و إنما يمكنهم الوسوسة و أجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة و قواهم و زادهم في عظمهم‏ (2) فيكون ذلك معجزة لسليمان(ع)فلما مات سليمان(ع)ردهم إلى الخلقة الأولى لأنه تعالى لو أبقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس و لو ادعى متنبئ النبوة و جعله دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذلك ردهم إلى خلقهم الأولى.

و اعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه أحدها لم قلت إن الجن من الأجسام و لم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز و لا قائم بالمتحيز و يكون الجن منهم.

____________

(1) في المصدر: محفوظين.

(2) في المصدر: و زاد في عظمهم.

182

فإن قلت لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للباري تعالى.

قلت هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم السلبية (1) سلمنا أنه جسم لكن لم لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف و كلامه بناء على أن البنية شرط و ليس في يده إلا الاستقراء الضعيف سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت إنه لا بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان(ع)و قوله لأنه يفضي إلى التلبيس‏ (2) قلنا التلبيس غير لازم لأن المتنبئ إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعو (3) أن يقول لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك و مع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبئ من الاستدلال به‏ (4).

و قال البيضاوي‏ وَ يَتَّبِعُ‏ في المجادلة أو في عامة أحواله‏ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ متجرد للفساد و أصله العري‏ (5) كُتِبَ عَلَيْهِ‏ على الشيطان‏ مَنْ تَوَلَّاهُ‏ تبعه و الضمير للشأن‏ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ‏ خبر لمن أو جواب له و المعنى كتب عليه إضلال من تولاه لأنه جبل عليه‏ وَ يَهْدِيهِ إِلى‏ عَذابِ السَّعِيرِ بالحمل على ما يؤدي إليه‏ (6).

و قال في قوله‏ فِي أُمْنِيَّتِهِ‏ في تشهيه بما يوجب‏ (7) اشتغاله بالدنيا

-

كَمَا قَالَ‏

____________

(1) فيه اختصار و الموجود في المصدر: لان الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدلّ على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم السلبية؟.

(2) في المصدر: فان قال: لئلا يفضى الى التلبيس.

(3) في المصدر: فللمدعى.

(4) تفسير الرازيّ 22: 201- 203.

(5) يقال: شجرة مرداء اي لا ورق لها، و رملة مرداء: لا نبت عليها و غلام أمرد لم تنبت لحيته. و مردت الغصن: القيت عنه لحاءه.

(6) أنوار التنزيل 2: 95.

(7) في المصدر: ما يوجب.

183

ص‏

وَ إِنَّهُ لَيُغَانُ‏

(1)

عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً.

فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏ فيبطله و يذهب به بعصمته عن الركون و الإرشاد إلى ما يزيحه‏ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ‏ ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة وَ اللَّهُ عَلِيمٌ‏ بأحوال الناس‏ حَكِيمٌ‏ فيما يفعله بهم‏ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏ علة لتمكين الشيطان منه‏ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏ شك و نفاق‏ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ‏ المشركين‏ (2).

أقول قد مضت الأقوال في نزول الآية في المجلد السادس.

مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏ أي وساوسهم‏ أَنْ يَحْضُرُونِ‏ أن يحوموا حولي في شي‏ء من الأحوال‏ (3) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ‏ أي الآلهة و عبدتهم و الكبكبة تكرير الكب معناه أنه ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ‏ متبعوه من عصاة الثقلين أو شياطينه‏ (4) وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ‏ كما زعمت المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشيطان إلى الكهنة وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ‏ و ما يصلح لهم أن ينزلوا به‏ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ‏ و ما يقدرون‏ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ‏ لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ‏ أي مصرفون عن استماع القرآن من السماء قد حيل بينهم و بين السمع بالملائكة و الشهب.

قيل و ذلك لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات و قبول فيضان الحق‏

____________

(1) في النهاية: فيه: انه ليغان على قلبى حتّى استغفر اللّه في اليوم سبعين مرة، الغين: الغيم و غينت السماء تغان: إذا اطبق عليها الغيم، و قيل: الغين: شجر ملتف. اراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر لان قلبه أبدا كان مشغولا باللّه تعالى فان عرض له وقتا ما عارض بشرى يشغله: من أمور الأمة و الملّة و مصالحهما عد ذلك ذنبا و تقصيرا فيفزع الى الاستغفار انتهى أقول: لعل الصحيح انه أراد توجهه الى الخلق و الى المأكل و المشرب و لوازمها و ما يطرأ على الإنسان من اللوازم البشرية.

(2) أنوار التنزيل 2: 107 و 108.

(3) أنوار التنزيل 2: 127 و 128.

(4) أنوار التنزيل 2: 182.

184

و نفوسهم حينئذ ظلمانية شريرة (1) ثم لما بين سبحانه أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك ببيان من تنزلت عليه فقال‏ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ‏ إلى قوله‏ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏ أي كذاب شديد الإثم‏ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ‏ أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا و أمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق كذا قيل‏ (2).

-

وَ فِي الْكَافِي، فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ:

لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَ جَمِيعُ الْجِنِّ وَ الشَّيَاطِينِ تَزُورُ أَئِمَّةَ الضَّلَالِ وَ يَزُورُ أَئِمَّةَ الْهُدَى عَدَدُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى إِذَا أَتَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَهَبَطَ

(3)

فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ خَلَقَ اللَّهُ أَوْ قَالَ قَيَّضَ اللَّهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ بِعَدَدِهِمْ ثُمَّ زَارُوا وَلِيَّ الضَّلَالَةِ فَأَتَوْهُ بِالْإِفْكِ وَ الْكَذِبِ حَتَّى لَعَلَّهُ يُصْبِحُ فَيَقُولُ رَأَيْتُ كَذَا وَ كَذَا فَلَوْ سَأَلَ وَلِيَّ الْأَمْرِ عَنْ ذَلِكَ لَقَالَ رَأَيْتَ شَيْطَاناً أَخْبَرَكَ بِكَذَا وَ كَذَا حَتَّى يُفَسِّرَ لَهُ تَفْسِيراً وَ يُعْلِمَهُ الضَّلَالَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا

(4)

.

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏ صدق في ظنه و هو قوله‏ لَأُضِلَّنَّهُمْ‏ و لَأُغْوِيَنَّهُمْ‏ و قرئ بالتشديد أي حققه‏ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ أي إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه و تقليلهم بالإضافة إلى الكفار أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان و هم المخلصون‏ مِنْ سُلْطانٍ‏ أي من تسلط و استيلاء إِلَّا لِنَعْلَمَ‏ إلخ أي‏

____________

(1) ذكره البيضاوى في تفسيره 1: 189 و فيه: و قبول فيضان الحق و الانتقاش بالصور الملكوتية و نفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك و القرآن مشتمل على حقائق و مغيبات لا يمكن تلقيها الا من الملائكة.

(2) القائل هو البيضاوى في أنوار التنزيل 2: 190 و فيه: اكد ذلك بأن بين ان محمّدا (صلى الله عليه و سلم) لا يصلح لان تنزلوا عليه من وجهين: احدهما انه يكون على شرير كذاب كثير الاثم فان اتصال الإنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب و التواد و حال محمّد (صلى الله عليه و سلم) على خلاف ذلك، و ثانيهما قوله يلقون اه.

(3) في المصدر: فيهبط.

(4) أصول الكافي 1: 253.

185

إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا يترتب عليه الجزاء أو ليتميز المؤمن من الشاك و المراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة (1).

-

وَ فِي الْكَافِي، عَنِ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ:

كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ الظَّنُّ مِنْ إِبْلِيسَ حِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)إِنَّهُ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى فَظَنَّ بِهِمْ إِبْلِيسُ ظَنّاً فَصَدَّقُوا ظَنَّهُ‏

(2)

.

وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ:

لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)أَنْ يَنْصِبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِلنَّاسِ فِي قَوْلِهِ‏

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏

فِي عَلِيٍّ بِغَدِيرِ خُمٍّ قَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَجَاءَتِ الْأَبَالِسَةُ إِلَى إِبْلِيسَ الْأَكْبَرِ وَ حَثَوُا التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ مَا لَكُمْ قَالُوا إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ عَقَدَ الْيَوْمَ عُقْدَةً لَا يَحُلُّهَا شَيْ‏ءٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ كَلَّا إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَهُ قَدْ وَعَدُونِي فِيهِ عِدَةً لَنْ يُخْلِفُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى رَسُولِهِ‏

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏

الْآيَةَ

(3)

.

إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ عداوة عامة قديمة فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا في عقائدكم و أفعالكم و كونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم‏ إِنَّما يَدْعُوا إلخ تقدير لعداوته و بيان لغرضه‏ (4).

أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ‏ هو من جملة ما يقال لهم يوم القيامة تقريعا و إلزاما للحجة و عهده إليهم ما نصب لهم من الدلائل العقلية و السمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره و جعلها عبادة الشيطان لأنه الآمر بها المزين لها.

____________

(1) اختصره من أنوار التنزيل 2: 288 و 289.

(2) الحديث طويل رواه الكليني في الروضة: 345.

(3) تفسير القمّيّ: 538 رواه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن سنان.

(4) أنوار التنزيل 2: 297.

186

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏ تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه‏ وَ أَنِ اعْبُدُونِي‏ عطف على أن لا تعبدوا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏ إشارة إلى ما عهد إليهم أو إلى عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه و الجملة استئناف لبيان المقتضي للعهد وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته و وضوح إضلاله لمن له أدنى عقل و رأي و الجبل الخلق‏ (1).

قوله سبحانه‏ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ قال البيضاوي‏ حِفْظاً منصوب بإضمار فعله أو العطف على زينة باعتبار المعنى كأنه قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء و حفظا من كل شيطان مارد خارج عن الطاعة برمي الشهب‏ (2).

قال الرازي قال ابن عباس يريد حفظ السماء بالكواكب‏ (3) من كل شيطان تمرد على الله قال المفسرون الشياطين يصعدون‏ (4) إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة و عرفوا به ما سيكون من الغيوب و كانوا يخبرون به ضعفاءهم و يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله تعالى عن الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها.

و بقي هاهنا سؤالات الأول هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا و الأول باطل لأن هذه الشهب تبطل و تضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء و معلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة و أيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض.

و أما القسم الثاني و هو أن يقال هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة

____________

(1) أخذه من أنوار التنزيل 2: 315.

(2) أنوار التنزيل: 2: 320.

(3) إلى هنا انتهى كلام ابن عبّاس.

(4) في المصدر: الشياطين كانوا يصعدون.

187

في الفلك فهذا أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة تبارك‏ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ‏ و الضمير عائد إلى المصابيح.

و الجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية و أما قوله‏ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا إلخ فنقول كل منير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير و الفساد و منها ما لا يكون كذلك و هي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى و يجعلها رجوما للشياطين‏ (1).

الثاني كيف يجوز أن يذهب الشياطين إلى السماء حيث يعلمون بالتجربة أن الشهب تحرقهم و لا يصلون إلى مقصودهم البتة و هل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة و الجواب أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين و إلا لم يذهبوا إليه و إنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة و مواضعها مختلفة فربما أن صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب و ربما صاروا إلى غيره و لا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات و سلموا في بعضها جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة هذا ما ذكره الجبائي في تفسيره.

و لقائل أن يقول إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غير ذلك الموضع فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا و إن وصلوا إلى غيرها لم يفوزوا بمقصود أصلا (2) فبعد هذه التجزئة وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل.

____________

(1) و يمكن أن يقال: ان تلك الشهب هي الاحجار السماوية التي تقطعت عن كوكب او قطع من بقايا كوكب متهشم موجودة في جهة من الجو مجذوبة للشمس متى مرت الأرض بجانبها و صارت في متناول جاذبيتها انجذبت إليها و احترقت من سرعة هويها و لم يصل الأرض منها شي‏ء، و ربما وصلت قطعة فغارت في الأرض على ما قيل.

(2) في المصدر: لم يفوزوا بمقصودهم اصلا.

188

و الأقرب في الجواب أن نقول هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لم يشتهر بين الشياطين.

الثالث قالوا دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجي‏ء النبي(ص)و لذلك‏ (1) فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجي‏ء النبي(ص)بزمان طويل ذكروا ذلك و تكلموا في سبب حدوثه.

و أجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي لكنها كثرت في زمانه(ص)فصار بسبب الكثرة معجزا (2) انتهى.

و أقول يمكن أن يقال في الجواب عن السؤال الأول أما أولا فبأنه على تقدير كون المراد بالمصابيح الكواكب نمنع عدم التغير في أعدادها لأن جميعها غير مرصودة لا سيما على القول بأن المجرة مركبة من الكواكب الصغيرة.

و أما ثانيا فبأن يقال يجوز أن يخلق الله تعالى في موضع الكوكب الذي يرمى به الشياطين كوكبا آخر فلا يحس بزواله.

و أما ثالثا فبأن يقال لعله ينفصل من الكوكب جسم يحرق الشياطين و يهلكهم مع بقاء الكوكب كما ينفصل عن النار شعل محرقة مع بقائها و الشهاب في الأصل شعلة نار ساطعة و منه قوله تعالى‏ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ‏ و أما السؤال الثاني فأجاب الشيخ رحمه الله في التبيان عنه بأنهم ربما جوزوا أن يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب أو اعتقدوا أن ذلك غير صحيح و لم يصدقوا من أخبرهم أنهم رموا حين أرادوا الصعود.

و قيل في الجواب إذا جاء القضاء عمي البصر فإذا قضى الله على شيطان بالحرق قبض‏ (3) الله من نفسه ما يبعثه على الإقدام على الهلكة و ربما غفل عن التجربة لشدة حرصه على درك المقصود و قد يقال في الجواب عن الثالث بأن ما حدث بولادته ص‏

____________

(1) لم يذكر في المصدر قوله: و لذلك.

(2) تفسير الرازيّ 26: 120 و 121.

(3) هكذا في النسخ و لعلّ الصحيح: قيض اللّه، اى قدر اللّه.

189

و بعثه هو طرد الشياطين بالشهب الثواقب لا وجودها مع أن طائفة زعموا أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل البعث و رووه عن ابن عباس و أبي بن كعب قالوا لم يرم بنجم منذ رفع عيسى ابن مريم(ع)حتى بعث رسول الله(ص)فرمي بها فرأت قريش أمرا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم و يعتقون رقابهم يظنون إبان الفناء فبلغ ذلك بعض أكابرهم فقال لم فعلتم ذلك فقالوا رمي بالنجوم فرأينا تتهافت في السماء فقال اصبروا فإن تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الدنيا و إن كانت نجوم لا تعرف فهو أمر حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال في الأمر مهلة و هذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم أبو سفيان على أخواله و أخبر أولئك الأقوام أنه ظهر محمد بن عبد الله(ص)و يدعي أنه نبي مرسل و هؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا منهم في هذه المعجزة و كذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم لذلك.

قوله تعالى‏ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ قال البيضاوي كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم و لا يجوز جعله صفة ل كُلِّ شَيْطانٍ‏ فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون و الضمير لكل باعتبار المعنى و تعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه و تهويلا لما يمنعهم و يدل عليه قراءة حمزة و الكسائي و حفص بالتشديد من التسمع و هو طلب السماع و الملأ الأعلى الملائكة أو أشرافهم‏ وَ يُقْذَفُونَ‏ يرمون‏ مِنْ كُلِّ جانِبٍ‏ من السماء إذا قصدوا صعوده‏ دُحُوراً علة أي للدحور و هو الطرد أو مصدر لأنه و القذف متقاربان أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر و هو ما يطرد به و يقويه القراءة بالفتح و هو يحتمل أيضا أن يكون مصدرا كالقبول أو صفة له أي قذفا دحورا وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ‏ أي عذاب آخر دائم أو شديد و هو عذاب الآخرة إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ استثناء من واو يسمعون و من بدل منه و الخطف الاختلاس و المراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة و أتبع بمعنى تبع و الثاقب المضي‏ء (1).

____________

(1) أنوار التنزيل 2: 320 و 321 و فيه اختصار.

190

أقول و قد مر بعض الكلام في بعض هذه الآيات.

و قال البيضاوي‏ طَلْعُها أي حملها مستعار من طلع الثمر لمشاركته إياه في الشكل أو لطلوعه من الشجر كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ‏ في تناهي القبح و الهول و هو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك و قيل الشياطين حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف و لعلها سميت بها لذلك‏ (1).

و قال‏ وَ الشَّياطِينَ‏ عطف على الريح‏ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ‏ بدل منه‏ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ عطف على كل كأنه فصل الشياطين إلى عمله استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء و الغوص و مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر و لعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى و يمكن تقييدها هذا و الأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالإقران في الصفد و هو القيد (2).

و قال الرازي و هاهنا بحث و هو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة و بسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر و قدروا على الغوص في البحار و احتاج سليمان(ع)إلى قيدهم و لقائل أن يقول هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم فليجز أن يكون بحضرتنا جبال عالية و أصوات هائلة لا نراها و لا نسمعها و ذلك دخول في السفسطة فإن كان الثاني و هو أن أجسادهم ليست كثيفة بل لطيفة رقيقة فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة و أيضا لزم أن تتفرق أجسادهم و أن تتمزق بسبب الرياح القوية و أن يموتوا في الحال و ذلك يمنع وصفهم بالآلات القوية (3).

و أيضا الجن و الشياطين إن كانوا موصوفين بهذه الشدة و القوة فلم لا يقتلون العلماء و الزهاد في زماننا و لم لا يخربون ديار الناس مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنتهم و عداوتهم و حيث لا يحس شي‏ء من ذلك علمنا أن القول بإثبات الجن و الشياطين ضعيف.

____________

(1) أنوار التنزيل 2: 326،.

(2) أنوار التنزيل 2: 346.

(3) في المصدر: و ذلك يمنع من وصفهم ببناء الابنية القوية.

191

و اعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها و أيضا لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون و لكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق و أما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام و زعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان(ع)ثم إنهم لما توفي سليمان(ع)أمات الله تلك الجن و الشياطين و خلق نوعا آخر من الجن و الشياطين و الموجود في زماننا ليس إلا من هذا الجنس‏ (1) و الله أعلم انتهى‏ (2).

قال الطبرسي رحمه الله‏ وَ آخَرِينَ‏ أي و سخرنا له آخرين من الشياطين مشددين‏ (3) في الأغلال و السلاسل من الحديد و كان يجمع بين اثنين و ثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم عند تمردهم.

و قيل إنه إنما كان يفعل ذلك بكفارهم فإذا آمنوا أطلقهم‏ (4).

بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ‏ أي بتعب و مكروه و مشقة و قيل بوسوسة فيقول له طال مرضك و لا يرحمك ربك انتهى‏ (5).

و قال البيضاوي في قوله تعالى‏ فَإِذا سَوَّيْتُهُ‏ عدلت خلقته‏ اسْتَكْبَرَ تعظم و كانَ‏ أي و صار أو في علم الله‏ فَبِعِزَّتِكَ‏ فبسلطانك و قهرك‏ فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ‏ أي فأحق الحق و أقوله.

و قيل الحق الأول اسم الله تعالى و نصب بحذف حرف القسم و جوابه‏ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏ و ما بينهما اعتراض و هو على الأول جواب محذوف و الجملة تفسير للحق المقول و قرأ عاصم و حمزة برفع الأول على الابتداء

____________

(1) في المصدر: من الجن و الشياطين تكون اجسامهم في غاية الرقة و لا يكون لهم شي‏ء من القوّة و الموجود في زماننا من الجن و الشياطين ليس الامن هذا الجن.

(2) تفسير الرازيّ 26: 210 و 211.

(3) في المصدر: مشدودين.

(4) مجمع البيان 8: 477.

(5) مجمع البيان 8: 478.

192

أي الحق يميني أو قسمي أو الخبر أي أنا الحق‏ (1) وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ‏ أي نخس به شبه وسوسته لأنها بعث على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ و جعل النزغ نازغا على طريقة جد جده أو أريد به نازغ وصفا للشيطان بالمصدر فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‏ لاستعاذتك‏ الْعَلِيمُ‏ بنيتك أو بصلاحك‏ (2) وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ‏ يتعامى‏ (3) و يعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات أو انهماكه في الشهوات‏ نُقَيِّضْ‏ نقدر و نسبب‏ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ يوسوسه و يغويه‏ (4) دائما.

أقول‏

-

وَ فِي الْخِصَالِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

مَنْ تَصَدَّى بِالْإِثْمِ أَعْشَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَنْ تَرَكَ الْأَخْذَ عَمَّنْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ قَيَّضَ‏

لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ (5)

سَوَّلَ لَهُمْ‏ قيل أي سهل لهم اقتراف الكبائر و قيل حملهم على الشهوات‏ وَ أَمْلى‏ لَهُمْ‏ أي و أمد لهم في الآمال و الأماني أو أمهلهم الله و لم يعاجلهم بالعقوبة (6) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ‏ أي استولى عليهم و هو مما جاء على الأصل‏ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ‏ لا يذكرونه بقلوبهم و لا بألسنتهم‏ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ‏ جنوده و أتباعه‏ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد و عرضوها للعذاب المخلد (7).

كَمَثَلِ الشَّيْطانِ‏ قال البيضاوي أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان‏ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور فَلَمَّا

____________

(1) أنوار التنزيل 2: 350 و 351.

(2) أنوار التنزيل 2: 389.

(3) في المصدر: [يتعام‏] و هو الصحيح.

(4) أنوار التنزيل 2: 408.

(5) الخصال 2: 633 و 634 طبعة الغفارى و فيها: [من صدئ‏] و فيها: [قيض اللّه له‏] و الحديث من أجزاء حديث اربعمائة.

(6) أنوار التنزيل 2: 438.

(7) أنوار التنزيل 2: 507.

193

كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ‏ تبرأ عنه مخافة أن يشاركه في العذاب و لا ينفعه ذلك كما قال‏ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ‏ إلى قوله‏ جَزاءُ الظَّالِمِينَ‏ و المراد من الإنسان الجنس و قيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ‏ الآية و قيل راهب حمله على الفجور و الارتداد (1).

وَ لَقَدْ زَيَّنَّا أقول قد مر الكلام فيها في باب السماوات.

مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ‏ قال الطبرسي رحمه الله فيه أقوال أحدها أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة التي يوسوسها في صدور الناس فيكون فاعل يوسوس ضمير الجنة و إنما ذكر لأن الجنة و الجن واحد و جازت الكناية عنه و إن كان متأخرا لأنه في نية التقدم.

و ثانيها أن معناه من شر ذي الوسواس و هو الشيطان كما جاء في الأثر أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس.

ثم وصفه الله تعالى بقوله‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ‏ أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع ثم ذكر أن هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و هم الشياطين كما قال سبحانه‏ إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ (2) ثم عطف بقوله‏ وَ النَّاسِ‏ على الوسواس و المعنى من شر الوسواس و من شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن و الإنس.

و ثالثها أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ‏ كما تقول نعوذ بالله من شر كل مارد من الجن و الإنس و على هذا فيكون وسواس الجنة هو وسواس الشيطان و في وسواس الإنس وجهان أحدهما أنه وسوسة الإنسان نفسه.

و الثاني إغواء من يغويه من الناس و يدل عليه قوله‏ شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ‏ (3)

____________

(1) أنوار التنزيل 2: 511 و 512.

(2) الكهف: 51.

(3) الأنعام: 112.

194

فشيطان الجن يوسوس و شيطان الإنس يأتي علانية و يرى أنه ينصح و قصده الشر قال مجاهد الخناس الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس و انقبض و إذا لم يذكر الله انبسط على القلب و يؤيده‏

-

مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَنَسَ وَ إِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ.

. و قيل الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور و هو المستتر المختفي عن أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين‏

-

وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لِقَلْبِهِ فِي صَدْرِهِ أُذُنَانِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَكُ وَ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ فَيُؤَيِّدُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ‏

وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‏ (1)

.

1-

تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ،

قَوْلُهُ تَعَالَى‏

وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ‏

أَيْ فِي الْبَحْرِ

وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ

يَعْنِي مُقَيَّدِينَ قَدْ شُدَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ هُمُ الَّذِينَ عَصَوْا سُلَيْمَانَ(ع)حِينَ سَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ قَالَ الصَّادِقُ(ع)جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ فِي خَاتَمِهِ فَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ حَضَرَتْهُ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ وَ الشَّيَاطِينُ وَ جَمِيعُ الطَّيْرِ وَ الْوَحْشِ وَ أَطَاعُوهُ وَ يَبْعَثُ اللَّهُ‏

(2)

رِيَاحاً تَحْمِلُ الْكُرْسِيَّ بِجَمِيعِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَ الطَّيْرِ وَ الْإِنْسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْخَيْلِ فَتَمُرُّ بِهَا فِي الْهَوَاءِ إِلَى مَوْضِعٍ يُرِيدُهُ سُلَيْمَانُ وَ كَانَ يُصَلِّي الْغَدَاةَ بِالشَّامِ وَ الظُّهْرَ بِفَارِسَ وَ كَانَ يَأْمُرُ الشَّيَاطِينَ أَنْ يَحْمِلُوا الْحِجَارَةَ مِنْ فَارِسَ يَبِيعُونَهَا بِالشَّامِ فَلَمَّا مَسَحَ أَعْنَاقَ الْخَيْلِ وَ سُوقَهَا بِالسَّيْفِ سَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ فَجَاءَ شَيْطَانٌ فَأَخَذَ مِنْ خَادِمِهِ خَاتَمَهُ حَيْثُ دَخَلَ الْخَلَاءَ

(3)

وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ فَلَمَّا رَدَّ عَلَيْهِ الْخَاتَمَ وَ لَبِسَهُ‏

(4)

حَوَتْ‏

____________

(1) مجمع البيان 10: 570 و 571.

(2) في المصدر: و أطاعوه فيقعد على كرسيه و يبعث اللّه.

(3) في المصدر: [سلبه اللّه ملكه و كان إذا دخل الخلاء دفع خاتمه الى بعض من يخدمه فجاء شيطان فخدع خادمه و اخذ من يده الخاتم فلبسه اه] و الحديث طويل فيه غرابة شديدة. بل فيه ما يخالف ضرورة المذهب راجعه.

(4) في المصدر: [فخرت‏] و ما قبل ذلك نقل بالمعنى راجع المصدر.

195

عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ وَ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ وَ الطَّيْرُ وَ الْوُحُوشُ وَ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فَطَلَبَ ذَلِكَ بِالشَّيْطَانِ وَ جُنُودِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فَقَيَّدَهُمْ وَ حَبَسَ بَعْضَهُمْ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَ بَعْضَهُمْ فِي جَوْفِ الصَّخْرِ بِأَسَامِي اللَّهِ فَهُمْ مَحْبُوسُونَ مُعَذَّبُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

(1)

.

2-

الْقِصَصُ، بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

كَانَ سُلَيْمَانُ(ع)يَأْمُرُ الشَّيَاطِينَ فَتَحْمِلُ لَهُ الْحِجَارَةَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ كَيْفَ أَنْتُمْ قَالُوا مَا لَنَا طَاقَةٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ فَقَالَ إِبْلِيسُ أَ لَيْسَ تَذْهَبُونَ بِالْحِجَارَةِ وَ تَرْجِعُونَ فَرَاغاً قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَأَنْتُمْ فِي رَاحَةٍ فَأَبْلَغَتِ الرِّيحُ سُلَيْمَانَ مَا قَالَ إِبْلِيسُ لِلشَّيَاطِينِ فَأَمَرَهُمْ يَحْمِلُونَ الْحِجَارَةَ ذَاهِبِينَ وَ يَحْمِلُونَ الطِّينَ رَاجِعِينَ إِلَى مَوْضِعِهَا فَتَرَاءَى لَهُمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ فَشَكَوْا إِلَيْهِ فَقَالَ أَ لَسْتُمْ تَنَامُونَ بِاللَّيْلِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَأَنْتُمْ فِي رَاحَةٍ فَأَبْلَغَتِ الرِّيحُ مَا قَالَتِ الشَّيَاطِينُ وَ إِبْلِيسُ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيراً حَتَّى مَاتَ سُلَيْمَانُ (صلوات الله عليه)

(2)

.

3-

الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ:

سَأَلَ الشَّامِيُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ اسْمِ إِبْلِيسَ مَا كَانَ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ كَانَ اسْمُهُ الْحَارِثَ وَ سَأَلَهُ عَنْ أَوَّلِ مَنْ كَفَرَ فَقَالَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ‏

(3)

.

4-

التَّفْسِيرُ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏

قَالَ الرَّجِيمُ أَخْبَثُ الشَّيَاطِينِ قِيلَ وَ لِمَ سُمِّيَ رَجِيماً قَالَ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ‏

(4)

.

5-

الْقِصَصُ، لِلرَّاوَنْدِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

____________

(1) تفسير القمّيّ: 566.

(2) قصص الأنبياء: مخطوط. و أخرجه المصنّف بتمامه مع اسناده في كتاب النبوّة.

راجع ج 14: 72.

(3) عيون أخبار الرضا: 133- 135 علل الشرائع: 197 و 198 و الحديث طويل رواه الصدوق بإسناده عن ابى الحسن محمّد بن عمرو بن عليّ بن عبد اللّه البصرى عن أبي عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه بن أحمد بن جبلة الواعظ عن أبى القاسم عبد اللّه بن أحمد بن عامر الطائى عن أبيه عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام).

(4) تفسير القمّيّ: 365.

196

عَنْ ذِي الْكِفْلِ فَقَالَ كَانَ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَ اسْمُهُ عُوَيْدُ بْنُ أُدَيْمٍ وَ كَانَ فِي زَمَنِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ

(1)

قَالَ مَنْ يَلِي‏

(2)

أَمْرَ النَّاسِ بَعْدِي عَلَى أَنْ لَا يَغْضَبَ فَقَامَ فَتًى فَقَالَ أَنَا فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ فَقَامَ الْفَتَى فَمَاتَ ذَلِكَ النَّبِيُّ وَ بَقِيَ ذَلِكَ الْفَتَى وَ جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيّاً وَ كَانَ الْفَتَى يَقْضِي أَوَّلَ النَّهَارِ فَقَالَ إِبْلِيسُ لِأَتْبَاعِهِ مَنْ لَهُ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ الْأَبْيَضُ أَنَا فَقَالَ إِبْلِيسُ فَاذْهَبْ إِلَيْهِ لَعَلَّكَ تُغْضِبُهُ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ جَاءَ الْأَبْيَضُ إِلَى ذِي الْكِفْلِ وَ قَدْ أَخَذَ مَضْجَعَهُ فَصَاحَ وَ قَالَ إِنِّي مَظْلُومٌ فَقَالَ قُلْ لَهُ تعالى [تَعَالَ فَقَالَ لَا أَنْصَرِفُ قَالَ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ فَقَالَ اذْهَبْ وَ أْتِنِي بِصَاحِبِكَ فَذَهَبَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي أَخَذَ هُوَ مَضْجَعَهُ فَصَاحَ إِنِّي مَظْلُومٌ وَ إِنَّ خَصْمِي لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى خَاتَمِكَ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِبُ وَيْحَكَ دَعْهُ يَنَمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَنَمِ الْبَارِحَةَ وَ لَا أَمْسِ قَالَ لَا أَدَعُهُ يَنَامُ وَ أَنَا مَظْلُومٌ فَدَخَلَ الْحَاجِبُ وَ أَعْلَمَهُ فَكَتَبَ لَهُ كِتَاباً وَ خَتَمَهُ وَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ فَذَهَبَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ حِينَ أَخَذَ مَضْجَعَهُ جَاءَ فَصَاحَ فَقَالَ مَا أَلْتَفِتُ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِكَ وَ لَمْ يَزَلْ يَصِيحُ حَتَّى قَامَ وَ أَخَذَ بِيَدِهِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ لَوْ وُضِعَتْ فِيهِ بَضْعَةُ لَحْمٍ عَلَى الشَّمْسِ لَنَضِجَتْ فَلَمَّا رَأَى الْأَبْيَضُ ذَلِكَ انْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ وَ يَئِسَ مِنْهُ أَنْ يَغْضَبَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَلَا قِصَّتَهُ عَلَى نَبِيِّهِ لِيَصْبِرَ عَلَى الْأَذَى كَمَا صَبَرَ الْأَنْبِيَاءُ (صلوات الله عليهم) عَلَى الْبَلَاءِ

(3)

.

بيان كأنه سقط من أول الخبر شي‏ء (4) و القائل هو (5) نبي آخر غير ذي‏

____________

(1) في كتاب النبوّة: فقيل له: ما كان ذو الكفل؟ فقال: كان رجل من حضر موت و اسمه عويديا بن ادريم قال: من يلي.

(2) أي ذلك النبيّ.

(3) اخرجه المصنّف مسندا في كتاب النبوّة في باب قصص ذى الكفل، راجع ج 13:

405 و ذكر الطبرسيّ في مجمع البيان ان اسمه عدويا بن ادارين.

(4) الحديث على النسخة التي ذكرت هاهنا ليس فيها غموض لان الضمير في كان يرجع الى ذى الكفل و اسمه عويديا، و لكن النسخة التي ذكرت في كتاب النبوّة فيها اشكال حيث ان الظاهر ان عويديا غير ذى الكفل و على ذلك لا يحتاج هاهنا الى بيان.

(5) أي القائل: من يلي. و القائل الثاني هو الذي قال: انا.

197

الكفل و القائل هو(ع)كما بيناه في المجلد الخامس.

6-

مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِ‏ (1) عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ:

لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ

وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ‏ (2)

صَعِدَ إِبْلِيسُ جَبَلًا بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِعَفَارِيتِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا يَا سَيِّدَنَا لِمَ دَعَوْتَنَا قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَمَنْ لَهَا فَقَامَ عِفْرِيتٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَقَالَ أَنَا لَهَا بِكَذَا وَ كَذَا قَالَ لَسْتَ لَهَا فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَسْتَ لَهَا فَقَالَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ أَنَا لَهَا قَالَ بِمَا ذَا قَالَ أَعِدُهُمْ وَ أُمَنِّيهِمْ حَتَّى يُوَاقِعُوا الْخَطِيئَةَ فَإِذَا وَاقَعُوا الْخَطِيئَةَ أَنْسَيْتُهُمُ الِاسْتِغْفَارَ فَقَالَ أَنْتَ لَهَا فَوَكَّلَهُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

(3)

.

بيان: في القاموس رجل عفر و عفرية و عفريت بكسرهن خبيث منكر و العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء.

7-

الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَنَّاسِ قَالَ إِنَّ إِبْلِيسَ يَلْتَقِمُ الْقَلْبَ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْخَنَّاسَ‏

(4)

.

8-

تَفْسِيرُ الْفُرَاتِ‏ (5)، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ(ع)

فِيمَا سَأَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ

____________

(1) هكذا في نسخة امين الضرب و في غيرها: [موسى بن جعفر بن وهب عن عليّ بن وهب عن عليّ بن سليمان النوفليّ‏] و في المصدر: موسى بن جعفر بن وهب البغداديّ عن عليّ بن معبد عن عليّ بن سليمان النوفليّ.

(2) آل عمران: 135.

(3) مجالس الصدوق: 287 (م 71).

(4) علل الشرائع: 178 و ج 2: 213 (ط قم) رواه بإسناده عن أبيه عن سعد ابن عبد اللّه عن ابى بصير.

(5) في النسخة المطبوعة: الخصال و تفسير الفرات: و لم نجد الحديث في الخصال.

و الظاهر أن الزيادة من الطابع.

198

أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ بَعَثَ جَبْرَئِيلَ فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ قَبْضَةً فَعَجَنَهُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ وَ الْمَالِحِ وَ رَكَّبَ فِيهِ الطَّبَائِعَ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ فَخَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَطَرَحَهُ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ وَ كَانَ إِبْلِيسُ يَوْمَئِذٍ خَازِناً عَلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ يَدْخُلُ فِي مَنْخِرِ آدَمَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى بَطْنِهِ فَيَقُولُ لِأَيِّ أَمْرٍ خُلِقْتَ لَئِنْ جُعِلْتَ فَوْقِي لَا أَطَعْتُكَ وَ لَئِنْ جُعِلْتَ أَسْفَلَ مِنِّي لَأُعِينُكَ‏

(1)

فَمَكَثَ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ سَنَةٍ مَا بَيْنَ خَلْقِهِ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ الْحَدِيثَ‏

(2)

.

9-

الْكَافِي، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْعَدَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)

وَ سُئِلَ عَنِ الْكُفْرِ وَ الشِّرْكِ أَيُّهُمَا أَقْدَمُ فَقَالَ الْكُفْرُ أَقْدَمُ وَ ذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ وَ كَانَ كُفْرُهُ غَيْرَ شِرْكٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْعُ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَ إِنَّمَا دَعَا

(3)

إِلَى ذَلِكَ بَعْدُ فَأَشْرَكَ‏

(4)

.

10-

وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

قَالَ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ إِبْلِيسَ سَجَدَ لِلَّهِ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ وَ التَّكَبُّرِ عُمُرَ الدُّنْيَا مَا نَفَعَهُ ذَلِكَ وَ لَا قَبِلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ الْحَدِيثَ‏

(5)

.

11-

الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ:

دَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقِيسُ قَالَ نَعَمْ أَنَا أَقِيسُ قَالَ وَيْلَكَ لَا تَقِسْ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ قَالَ‏

خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏

قَاسَ مَا بَيْنَ النَّارِ وَ الطِّينِ‏

____________

(1) في المصدر: لا ابقيتك.

(2) تفسير فرات: 67.

(3) في المصدر: و انما دعى.

(4) أصول الكافي 2: 386 رواه بإسناده عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة.

(5) روضة الكافي. 270، رواه الكليني بإسناده عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد و عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن عبد الحميد بن أبي العلاء. و للحديث صدر و ذيل لم يذكرهما المصنّف.

199

وَ لَوْ قَاسَ نُورِيَّةَ آدَمَ بِنُورِ النَّارِ عَرَفَ فَضْلَ مَا بَيْنَ النُّورَيْنِ وَ صَفَاءَ أَحَدِهِا عَلَى الْآخَرِ

(1)

.

12-

الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ:

إِبْلِيسُ أَوَّلُ مَنْ تَغَنَّى وَ أَوَّلُ مَنْ نَاحَ لَمَّا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ تَغَنَّى‏

(2)

.

13-

الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)

الْخَمِيسُ يَوْمٌ خَامِسٌ مِنَ الدُّنْيَا وَ هُوَ يَوْمٌ أَنِيسٌ لُعِنَ فِيهِ إِبْلِيسُ وَ رُفِعَ فِيهِ إِدْرِيسُ‏

(3)

الْخَبَرَ.

14-

الْكَافِي، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

كَانَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَلِّلُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْكُفَّارِ وَ يُكَثِّرُ الْكُفَّارَ فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ فَشَدَّ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ بِالسَّيْفِ فَهَرَبَ مِنْهُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ إِنِّي مُؤَجَّلٌ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ قَالَ زُرَارَةُ فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ كَانَ يَخَافُ وَ هُوَ مُؤَجَّلٌ قَالَ عَلَى أَنْ يُقْطَعَ بَعْضُ أَطْرَافِهِ‏

(4)

.

15-

وَ مِنْهُ‏ (5)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

لَا تُؤْوُوا

____________

(1) علل الشرائع: 40 و 82 (ط قم) و الحديث طويل لم يذكر تمامه رواه الصدوق بإسناده عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي عن محمّد بن على عن عن عيسى بن عبد اللّه القرشيّ رفعه قال: دخل.

(2) تفسير العيّاشيّ 1: 40 فيه: (جابر بن عبد اللّه) و فيه: [كان إبليس‏] و فيه و اول من ناح و اول من حدا، لما اكل من الشجرة تغنى، فلما هبط حدا فلما استتر على الأرض ناح يذكره ما في الجنة.

(3) علل الشرائع: 161 و 2: 155 (ط قم) و الحديث طويل رواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن يحيى بن ضريس البجليّ عن أبيه عن ابى جعفر عمارة عن إبراهيم ابن عاصم عن عبد اللّه بن هارون الكرخى عن ابى جعفر أحمد بن عبد اللّه بن يزيد بن سلام بن عبيد اللّه عن ابيه عن يزيد بن سلام.

(4) الروضة: 277، أورده المصنّف بإسناده في غزوة بدر الكبرى راجع ج 19: 304.

(5) الظاهر ان الضمير يرجع الى الكافي، و لم نجده بتمامه في الكافي نعم يوجد الحكم الأول في باب النوادر من الاطعمة و الاشربة و الحكم الثاني في باب النوادر من الزى.

200

مِنْدِيلَ اللَّحْمِ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مَرْبِضُ الشَّيْطَانِ وَ لَا تُؤْوُوا التُّرَابَ خَلْفَ الْبَابِ فَإِنَّهُ مَأْوَى الشَّيْطَانِ فَإِذَا بَلَغَ‏

(1)

أَحَدُكُمْ بَابَ حُجْرَتِهِ فَلْيُسَمِّ فَإِنَّهُ يَفِرُّ الشَّيْطَانُ وَ إِذَا سَمِعْتُمْ نِيَاحَ الْكِلَابِ وَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ وَ لَا تَرَوْنَ‏

فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ‏

الْخَبَرَ

(2)

.

16-

الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ قَالَ:

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَسْأَلُهُ عَنْ عِلَّةِ الْغَائِطِ وَ نَتْنِهِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَ كَانَ جَسَدُهُ طَيِّباً وَ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مُلْقًى تَمُرُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فَتَقُولُ لِأَمْرٍ مَا خُلِقْتَ وَ كَانَ إِبْلِيسُ يَدْخُلُ فِي فِيهِ وَ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ فَلِذَلِكَ صَارَ مَا فِي جَوْفِ آدَمَ مُنْتِناً خَبِيثاً غَيْرَ طَيِّبٍ‏

(3)

.

17-

الْعِلَلُ، عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَحْمَدَ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

إِنَّمَا كَانَتْ بَلِيَّةُ أَيُّوبَ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا فِي الدُّنْيَا لِنِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ فَأَدَّى شُكْرَهَا وَ كَانَ إِبْلِيسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُحْجَبُ دُونَ الْعَرْشِ فَلَمَّا صَعِدَ عَمَلُ أَيُّوبَ بِأَدَاءِ شُكْرِ النِّعْمَةِ حَسَدَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّ أَيُّوبَ لَمْ يُؤَدِّ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إِلَّا بِمَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الدُّنْيَا فَلَوْ حُلْتَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ دُنْيَاهُ مَا أَدَّى إِلَيْكَ شُكْرَ نِعْمَةٍ فَسَلِّطْنِي عَلَى دُنْيَاهُ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي شُكْرَ نِعْمَةٍ فَقَالَ قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى دُنْيَاهُ فَلَمْ يَدَعْ لَهُ دُنْيَا وَ لَا وَلَداً إِلَّا أَهْلَكَ ذَلِكَ‏

(4)

وَ هُوَ يَحْمَدُ

____________

و التجمل، و الصحيح ان يرجع الضمير الى العلل فانه ذكر الحديث فيه في(ص)194 و في ج 2: 270 مفصلا مع احكام أخر لم يذكرها المصنّف هاهنا، و الحديث مرويّ فيه بإسناده عن ابيه عن محمّد بن يحيى العطّار عن محمّد بن أحمد عن ابى جعفر أحمد بن أبي عبد اللّه عن رجل عن عليّ بن اسباط عن عمه يعقوب رفع الحديث الى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

(1) في العلل: [و إذا] و فيه: فانهن يرون.

(2) فروع الكافي 6: 299 و 531.

(3) علل الشرائع: 101 و ج 1: 261 (ط قم) رواه عن عليّ بن أحمد بن محمّد عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ عن سهل بن زياد الأدمي عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنى قال: كتبت الى ابى جعفر محمّد بن عليّ بن موسى (عليه السلام).

(4) في المصدر: الا اهلكه. كل ذلك.